وَإِنْ نَكَلَ: رُدَّتْ، وَغَرِمَ شُهُودٌ عَلِمُوا، وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ
وَفِي الْقَطْعِ: حَلَفَ الْمَقْطُوعُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ.
[منح الجليل]
فَإِنْ نَكَلَ) الْوَلِيُّ (رُدَّتْ) بِضَمِّ الرَّاءِ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْبَاقِي (وَغَرِمَ) الدِّيَةَ (شُهُودٌ عَلِمُوا) أَنَّ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ عَبْدًا وَنَحْوَهُ، سَوَاءٌ عَلِمُوا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا (فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ) الَّذِي حَكَمَ بِالْقِصَاصِ غَرِمَ الدِّيَةَ لِخَطَئِهِ فِي اجْتِهَادِهِ فِي حَالِ الشُّهُودِ، فَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ.
" ق " اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ إنْ بَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُوَلًّى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْمَقْضِيُّ لَهُ بِالْقَتْلِ مَعَ رَجُلٍ مِنْ عَصَبَتِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا تَمَّ الْحُكْمُ لَهُ وَنَفَذَ، وَإِنْ نَكَلَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِالْقَتْلِ عَنْ الْقَسَامَةِ انْتَقَضَ الْحُكْمُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا غُرْمَ عَلَى الشَّاهِدِ أَيْ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إنْ جَهِلَ رَدَّ شَهَادَةِ الْعَبْدِ أَوْ الذِّمِّيِّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ.
(وَ) إنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ وَاقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ نَحْوَهُ، فَإِنْ حَلَفَ الْمَشْهُودُ لَهُ مَعَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي مَضَى الْحُكْمُ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ مَعَهُ (فِي) صُورَةِ الْحُكْمِ بِ (الْقَطْعِ) لِيَدٍ مَثَلًا (حَلَفَ) الشَّخْصُ (الْمَقْطُوعُ) يَدُهُ (أَنَّهَا) أَيْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَطَعَ يَدَ الْمُدَّعِي عَمْدًا (بَاطِلَةٌ) وَاسْتَحَقَّ دِيَةَ يَدِهِ مِنْ الشَّاهِدِ الْبَاقِي الْعَالِمِ بِأَنَّ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ عَبْدٌ أَوْ ذِمِّيٌّ وَمِنْ عَاقِلَةِ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ.
" ق " ابْنُ عَرَفَةَ الْأَقْوَالُ فِي هَذَا سِتَّةٌ.
ابْنُ سَحْنُونٍ إنْ بَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُوَلًّى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْقَطْعِ مَعَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي تَمَّ الْحُكْمُ لَهُ وَنَفَذَ، وَإِنْ نَكَلَ فِي الْقَطْعِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ شَاهِدَهُ عَبْدٌ لِظُهُورِ حُرِّيَّتِهِ وَحَلَفَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْيَدِ أَنَّ مَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشَّاهِدُ بِهِ بَاطِلٌ انْتَقَضَ الْحُكْمُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا غُرْمَ عَلَى الشَّاهِدِ إنْ جَهِلَ رَدَّ شَهَادَةِ الْعَبْدِ أَوْ الذِّمِّيِّ وَذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ، وَبَحَثَ فِي حَلِفِ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوَّلًا بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى الشَّاهِدِ أَوْ عَاقِلَةِ الْإِمَامِ أَوْ عَلَى الْإِمَامِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْمَشْهُودُ لَهُ هُنَا أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.
وَنَقَضَهُ هُوَ فَقَطْ، إنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ
[منح الجليل]
الْحَطّ يَعْنِي فَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي قَطْعٍ بِأَنْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا قَطَعَ يَدَ هَذَا عَمْدًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ فَاسِقٌ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ الْمَحْكُومُ لَهُ بِالْقِصَاصِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ عَلَى رَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَاسْتَحَقَّ دِيَةَ يَدِهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَحُكْمُهَا حُكْمُ الدِّيَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، يَعْنِي مَسْأَلَةَ الْقِصَاصِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْغُرْمَ عَلَى الشُّهُودِ إنْ عَلِمُوا وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ.
وَفِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَطْعِ يَدِ رَجُلٍ عَمْدًا فَاقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى مُتَوَلِّي الْقَطْعِ شَيْءٌ، قَالَ وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْأُمَّهَاتِ.
قُلْت فَهَلْ لِلْمُقْتَصِّ عَلَى الَّذِي اقْتَصَّ لَهُ شَيْءٌ قَالَ لَمْ أَسْمَعْ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ وَلَا أَرَى لَهُ شَيْئًا.
قُلْت فَهَلْ عَلَى الَّذِي اقْتَصَّ شَيْءٌ قَالَ لَا، وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ.
اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْحُرُّ أَنَّ الَّذِي مَعَهُ عَبْدٌ اهـ.
(وَنَقَضَهُ) أَيْ الْحُكْمَ (هُوَ) أَيْ الْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ (إنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ) أَيْ الْحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ (أَصْوَبُ) مِنْهُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ابْنُ رَاشِدٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ وَصَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وَعِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا وَالْقَوْلَانِ تُؤُوِّلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا.
فِيهَا أَكَانَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرَى لِلْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ تَبَيَّنَ لَهُ فِيهَا أَنَّ غَيْرَ مَا قَضَى بِهِ أَصْوَبُ مِمَّا قَضَى بِهِ أَنْ يَرُدَّ قَضِيَّتِهِ وَيَقْضِي بِمَا رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَا قَضَى بِهِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ إنَّمَا قَالَ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مَا قَضَى بِهِ رَجَعَ فِيهِ وَلَا يَرْجِعُ فِيمَا قَضَتْ بِهِ الْقُضَاةُ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ.
ابْنُ مُحْرِزٍ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ وَغَيْرُهُمَا لَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُهُ وَهُوَ أَحْسَنُ.
وَفِي الْعَارِضَةِ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا الْأَصْوَبُ مِنْهَا.
وَأَمَّا رَدُّ غَيْرِهِ لِحُكْمِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا أَوْ بِخِلَافٍ شَاذٍّ.
اهـ. الْحَطّ هَذَا مَا دَامَ عَلَى وِلَايَتِهِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ، فَإِنْ عُزِلَ ثُمَّ وُلِّيَ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ، فَفِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ لِلْقَاضِي الرُّجُوعُ عَنْ حُكْمِهِ فِيمَا فِيهِ الِاخْتِلَافُ مَا دَامَ عَلَى خُطَّتِهِ، وَلَيْسَ لِمَنْ وَلِيَ
أَوْ خَرَجَ عَنْ رَأْيِهِ، أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ
[منح الجليل]
بَعْدَهُ نَقْضُ ذَلِكَ الْحُكْمِ إذَا وَافَقَ قَوْلَ قَائِلٍ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ هُوَ نَقْضَهُ إنْ عَادَ إلَى الْحُكْمِ بَعْدَ الْعَزْلِ اهـ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ لِلْقَاضِي الرُّجُوعُ عَمَّا حَكَمَ بِهِ وَقَضَى فِيهِ مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِيمَا تَبَيَّنَ لَهُ فِيهِ الْوَهْمُ مَا دَامَ عَلَى قَضَائِهِ، فَإِنْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ فَسْخُهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ جَوْرٌ، أَوْ يَكُونُ قَدْ قَضَى بِخَطَأٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَا حَكَمَ فِيهِ مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافٌ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا ضَعِيفًا فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ سِوَاهُ فَسْخُهُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي ثُمَّ صُرِفَ إلَى خُطَّةٍ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ مَا حَكَمَ بِهِ إلَّا مَا يَكُونُ لَهُ نَقْضُهُ مِنْ قَضَاءِ غَيْرِهِ وَعَزْلِهِ وَتَوْلِيَتِهِ كَعَزْلِهِ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ عَمَّا حَكَمَ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ إذَا حَكَمَ بِذَلِكَ وَهُوَ يَرَاهُ بِاجْتِهَادِهِ.
وَأَمَّا إنْ قَضَى بِذَلِكَ وَهِلًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا فَلَا يَنْبَغِي لِلْخِلَافِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى مَا رَأَى، إذْ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ.
(أَوْ خَرَجَ) الْقَاضِي فِي قَضَائِهِ (عَنْ رَأْيِهِ) الَّذِي أَدَّاهُ اجْتِهَادًا إلَيْهِ وَقَضَى بِغَيْرِهِ سَهْوًا فَلَهُ هُوَ نَقْضُهُ وَلَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ لَوْ قَضَى بِغَيْرِ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ ذَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الرُّجُوعِ عَنْهُ إلَى مَا رَأَى (أَوْ) خَرَجَ الْقَاضِي فِي قَضَائِهِ (عَنْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلًا ذَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَهُ نَقْضُهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.
ابْنُ مُحْرِزٍ إنْ قَصَدَ إلَى الْحُكْمِ بِمَذْهَبٍ فَصَادَفَ غَيْرَهُ سَهْوًا فَهَذَا يَفْسَخُهُ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ لِجَرَيَانِهِ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَوَجْهُ غَلْطَةِ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا عَلِمَتْ قَصْدَهُ إلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِهِ، فَوَقَعَ فِيهِ فَيَنْقُضُهُ مَنْ بَعْدَهُ كَمَا يَنْقُضُهُ هُوَ.
الْبُنَانِيُّ مَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ.
وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَا يَحْكُمُ إلَّا بِالْمَشْهُورِ وَإِنْ حَكَمَ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ لِأَنَّهُ مَعْزُولٌ عَنْ الْحُكْمِ بِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَحْكَامِ قُضَاةِ الْعَصْرِ إلَّا مَا لَا يُخَالِفُ الْمَشْهُورَ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَتَبِعَهُ الْبُرْزُلِيُّ فَقَالَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنْ لَا يَحْكُمَ الْقَاضِي بِغَيْرِ مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
وَرَفَعَ الْخِلَافَ،
[منح الجليل]
وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ السُّيُورِيِّ فَفَسَخَهُ وَفَسَخَ الْغُبْرِينِيُّ حُكْمَ حَاكِمٍ بِقَوْلٍ شَاذٍّ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَلَا مَعْرِفَةِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالشَّاذِّ وَهُوَ مَعْزُولٌ عَنْهُ وَيُفْسَخُ حُكْمُهُ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ مِنْ الْقُضَاةِ مَنْ ثَبَتَ لَهُ وَجْهُهُ وَثَبَتَ عِنْدَهُ تَرْجِيحُهُ وَلَيْسَ هَذَا فِي قُضَاةِ زَمَانِنَا، بَلْ لَا يَعْرِفُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ النَّصَّ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُونَ بِالتَّخْمِينِ نَقَلَهُ طفي فِي أَجْوِبَتِهِ عَنْ الدُّرَرِ الْمَكْنُونَةِ وَنَحْوِهِ فِي الْمِعْيَارِ عَنْ الْعُقْبَانِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَرَفَعَ) حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي نَازِلَةٍ فِيهَا أَقْوَالٌ لِلْأَئِمَّةِ بِقَوْلٍ مِنْهَا فَيَرْفَعُ (الْخِلَافَ) أَيْ الْعَمَلَ وَالْفَتْوَى فِي عَيْنِ تِلْكَ النَّازِلَةِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ مَا حَكَمَ بِهِ فِيهَا.
" غ " الْقَرَافِيُّ الْخِلَافُ يَتَقَرَّرُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَيَبْطُلُ الْخِلَافُ فِيهَا وَيَتَعَيَّنُ قَوْلٌ وَاحِدٌ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَهُوَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ: ابْنُ الشَّاطِّ هَذَا يُوهِمُ أَنَّ الْخِلَافَ يَبْطُلُ مُطْلَقًا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْحُكْمُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْخِلَافُ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ اسْتَفْتَى الْمُخَالِفَ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا فَلَا يُسَوَّغُ لَهُ الْفَتْوَى فِيهَا بِعَيْنِهَا لِأَنَّهُ قَدْ نَفَذَ الْحُكْمُ فِيهَا بِقَوْلِ قَائِلٍ، وَمَضَى الْعَمَلُ بِهِ فِيهَا وَإِنْ اسْتَفْتَى فِي مِثْلِهَا قَبْلَ الْحُكْمِ فِيهِ أَفْتَى بِمَذْهَبِهِ عَلَى أَصْلِهِ، ثُمَّ قَالَ الْقَرَافِيُّ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيَرْجِعُ الْمُخَالِفُ عَنْ مَذْهَبِهِ لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ، وَتَتَغَيَّرُ فُتْيَاهُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، فَمَنْ لَا يَرَى وَقْفَ الْمُشَاعِ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ وَقْفِهِ، ثُمَّ رُفِعَتْ الْوَاقِعَةُ لِمَنْ كَانَ يُفْتِي بِبُطْلَانِهِ نَفَّذَهُ وَأَمْضَاهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُفْتِيَ بِبُطْلَانِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهَا إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَتَزَوَّجَهَا وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ، فَاَلَّذِي كَانَ يَرَى لُزُومَ الطَّلَاقِ لَهُ يُنْفِذُ هَذَا النِّكَاحَ وَلَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُفْتِيَ بِالطَّلَاقِ، هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. ابْنُ الشَّاطِّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يُنْفِذُهُ وَلَا يُمْضِيهِ وَلَكِنَّهُ لَا يَرُدُّهُ وَلَا يَنْقُضُهُ، وَكَانَ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ يَحْكِي عَنْ شَيْخِهِ الْعَكْرَمِيِّ عَنْ الرَّجْرَاجِيِّ عَلَيْك بِقَوَاعِدِ الْقَرَافِيِّ وَلَا تَقْبَلْ مِنْهَا إلَّا مَا قَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.
لَا أَحَلَّ حَرَامًا
[منح الجليل]
لَا أَحَلَّ) حُكْمُ الْحَاكِمِ (حَرَامًا) " غ " فِيهِ تَنْبِيهَانِ، الْأَوَّلُ عَبْدُ السَّلَامِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِيمَا حَكَى عَنْهُمْ أَبُو عُمَرَ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي الْفُرُوجِ اهـ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
أَمَّا فِي نُسْخَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الِاسْتِذْكَارِ وَأَمَّا فِي شَرْحِهِ هُوَ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مِنْ الِاسْتِذْكَارِ عَتِيقَةٍ مَقْرُوءَةٍ مُقَابَلَةٍ بِأَصْلِ مُؤَلِّفِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِمْ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ بِلَفْظِ أَصْحَابِهِمَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ الْعَائِدِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَلَا يَصِحُّ غَيْرُهُ، إذْ لَا خِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ كَمَا قَطَعَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا.
الثَّانِي: سُئِلَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِمَنْ أَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَحَكَمَ لَهُ بِهِ، وَبِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ لِمَالِكِيٍّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ، أَمَّا الْمِثَالُ الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمَالِكِيِّ الْأَخْذُ بِهَذِهِ الشُّفْعَةِ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ الْقَاضِي، فَيَعُودُ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى مَا قَبْلَهُ، هَكَذَا قَالُوا، وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ الظَّاهِرُ فِيهِ مُخَالِفٌ لِلْبَاطِنِ، وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِكَذِبِ الشُّهُودِ لَمَا حَكَمَ بِهِمْ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْقَاضِي وَالْخَصْمَانِ عَلِمُوا مِنْ حَالِ الْبَاطِنِ مَا عَلِمُوا مِنْ حَالِ الظَّاهِرِ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَحَكَمَ الْقَاضِي بِرَفْعِ الْخِلَافِ فَيَتَنَزَّلُ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْخِلَافِ مَنْزِلَةَ الْإِجْمَاعِ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يَتَنَاوَلُ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ، وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ السُّيُورِيِّ، وَعَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ غَصَبَ الْغَاصِبُ شَيْئًا فَنَقَلَهُ مِنْ مَكَانِهِ، وَكَانَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَفُوتُ بِنَقْلِهِ أَمْ لَا فَقَضَى الْقَاضِي لِرَبِّهِ بِأَخْذِهِ، وَكَانَ مَذْهَبُ رَبِّهِ أَنَّهُ يَفُوتُ وَتَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِرَبِّهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ كَذَا قَالُوا مَعَ عَزْوِهِ مَا ظَهَرَ لَهُ لِلسُّيُورِيِّ أَنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ إنَّمَا الْقَضَاءُ إظْهَارٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ لَا اخْتِرَاعٌ لَهُ فَلَا يَحِلُّ لِلْمَالِكِيِّ شُفْعَةُ الْجِوَارِ إنْ قَضَى لَهُ بِهَا حَنَفِيٌّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ.
الْمَازِرِيُّ فِي ائْتِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِالْمَالِكِيِّ وَعَكْسُهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَاعْتَذَرَ عَنْ قَوْلِ أَشْهَبَ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ الْقُبْلَةِ يُعِيدُ، وَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
حَظُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلِيطَيْنِ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، وَفِي مَجْمُوعِهِمَا مَا فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَعَدَّى السَّاعِي فَأَخَذَ مِنْ غَنَمِ أَحَدِهِمَا شَاةً فَلْيَتَرَادَّا فِيهَا عَلَى عَدَدِ غَنَمِهِمَا، فَتَحْلِيلُهُ لِمَنْ أُخِذَتْ الشَّاةُ مِنْ غَنَمِهِ الرُّجُوعَ عَلَى خَلِيطِهِ بِمَنَابِهِ مِنْهَا نَصٌّ فِي صِحَّةِ عَمَلِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِلَازِمِ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ الْمُخَالِفُ لِمَذْهَبِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَأَحْرَى إذَا كَانَ نَفْسَ مَا حَكَمَ بِهِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَلَا أَعْلَمُ لِابْنِ شَاسٍ فِيهِ مُسْتَنَدًا إلَّا اتِّبَاعَ وَجِيزِ الْغَزَالِيِّ وَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ.
وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فَقَالَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ إلَخْ.
نَقَلَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
فَقَالَ إنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِاجْتِهَادٍ بِقَوْلٍ شَاذٍّ فَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى فَسْخِ حُكْمِهِ كَالْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّ اسْتِشْكَالَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِمَا هُنَا كَاسْتِبْعَادِ الْمَازِرِيِّ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِنَقْضِ الْحُكْمِ بِشُفْعَةِ الْجَارِ وَنَظَائِرِهَا الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُخْتَصَرِ قَبْلَ هَذَا، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ لَا يَنْبَنِي عَلَى إمْضَاءِ حُكْمِ الْقَاضِي وَنَقْضِهِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهَا عَلَى حِدَتِهَا وَلَمْ يُشِرْ لِتَلَازُمِهِمَا.
الْحَطّ فِي النَّوَادِرِ لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَلْبَتَّةَ وَتَخَاصَمَا إلَى مَنْ يَرَاهَا وَاحِدَةً وَحَكَمَ لَهُمَا بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ وَمَذْهَبُهُمَا أَنَّهَا ثَلَاثٌ فَلَا يَحِلُّ لَهُمَا النِّكَاحُ قَبْلَ زَوْجٍ حُكْمُهُ بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُحِلُّ لَهُمَا مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِمَا فِي مَذْهَبِهِمَا، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ اسْقِنِي مَاءً مُرِيدًا عِتْقَهُ بِهَذَا وَالسَّيِّدُ يَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عِتْقُهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَالْعَبْدُ يَرَاهُ عِتْقًا فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَذْهَبَ حَيْثُ شَاءَ إنْ حَكَمَ لَهُ بِالْعِتْقِ حَاكِمٌ، وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي وَهِيَ تَذْهَبُ أَنَّهُ ثَلَاثٌ، وَالزَّوْجُ إلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَتَخَاصَمَا إلَى مَنْ يَرَاهَا وَاحِدَةً فَحَكَمَ بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ فَحُكْمُهُ لَا يُبِيحُ لِلْمَرْأَةِ تَمْكِينَ الزَّوْجِ مِنْهَا وَلْتَمْنَعْهُ جَهْدَهَا لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْحَرَامُ.
طفي يُحْتَمَلُ تَعَلُّقَ قَوْلِهِ لَا أَحَلَّ حَرَامًا بِقَوْلِهِ وَرَفَعَ الْخِلَافَ كَمَا قَرَّرَ بِهِ تت، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْجَوَاهِرِ أَنَّ الْقَضَاءَ وَإِنْ لَمْ يُنْقَضْ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْبَاطِنِ، بَلْ هُوَ عَلَى الْمُكَلَّفِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ إظْهَارٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ لَا اخْتِرَاعٌ لَهُ فَلَا يَحِلُّ
وَنَقْلُ مِلْكٍ، وَفَسْخُ عَقْدٍ،
[منح الجليل]
لِلْمَالِكَيَّ شُفْعَةُ الْجِوَارِ اهـ. وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا فِي الْبَاطِنِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْقَاضِي وَلَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مَا حَكَمَ كَمَنْ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهِمْ لِاعْتِقَادِ عَدَالَتِهِمْ، فَهَذَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ بَاطِنِهِ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ النَّوْعَيْنِ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي عَامٌّ عِنْدَنَا فِي الْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ، ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ بِأَنَّهُ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ أَيْضًا وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لَا أَحَلَّ حَرَامًا هَذَا مُخَصَّصٌ بِمَا إذَا كَانَ بَاطِنُهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ وَهُوَ قِسْمَانِ أَمْوَالٌ وَفُرُوجٌ وَبِمَا إذَا حَكَمَ بِأَمْرٍ يَعْتَقِدُ حِلِّيَّتَهُ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَا يَرَى حِلِّيَّتَهُ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا أَوْ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ مُقَلِّدِهِ، فَالْحَرَامُ الَّذِي لَا يُحِلُّهُ حُكْمُ الْقَاضِي هُوَ هَذَانِ الْقِسْمَانِ عَلَى نِزَاعٍ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، فَإِنَّ ابْنَ شَاسٍ وَابْنَ الْحَاجِبِ قَالَا لَا يُحِلُّهُ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُمَا تَبِعَا فِيهِ وَجِيزَ الْغَزَالِيِّ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ، وَمَحَلُّ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ فِي هَذَا الثَّانِي أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي بِقَوْلٍ شَاذٍّ كَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، وَحَمْلَهُ فِي ضَيْح عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالشَّاذِّ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ عَلِمْت بِذَلِكَ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ: مَا بَاطِنُهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ، وَهَذَا مَحَلُّ قَوْلِهِ لَا أَحَلَّ حَرَامًا، وَمَا حَكَمَ فِيهِ الْمُخَالِفُ بِقَوْلٍ غَيْرِ شَاذٍّ، وَهَذَا مَحَلُّ قَوْلِهِ وَرَفَعَ الْخِلَافَ، وَمَا حُكِمَ فِيهِ بِالشَّاذِّ، وَهَذَا عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ حُكْمُهُ كَالْأَوَّلِ فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ لَا أَحَلَّ حَرَامًا، وَعِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ حُكْمُهُ كَالثَّانِي فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ وَرَفَعَ الْخِلَافَ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ، نَعَمْ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ لَا أَعْرِفُ لِابْنِ شَاسٍ مُسْتَنَدًا إلَّا مَا فِي الْوَجِيزِ قُصُورٌ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ مِثْلُهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ الْحَطّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمَتْنِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَا يُعَدُّ حُكْمًا رَافِعًا الْخِلَافَ فَقَالَ (وَنَقْلُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْقَافِ (مِلْكٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ قَوْلُ الْقَاضِي نَقَلْت مِلْكَ الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ حُكْمٌ مِنْهُ رَافِعٌ الْخِلَافَ (وَفَسْخُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (عَقْدٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ لِنِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مُتَنَازَعٍ فِيهِ، أَيْ قَوْلُهُ فَسَخْت هَذَا الْعَقْدَ حُكْمٌ كَذَلِكَ
وَتَقَرُّرُ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ: حُكْمٌ لَا أُجِيزُهُ،
[منح الجليل]
(وَتَقَرُّرُ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْقَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ مُثَقَّلًا، أَيْ تَقْرِيرُ (نِكَاحِ) امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا (بِغَيْرِ وَلِيٍّ) أَيْ قَوْلِهِ قَرَّرْتُهُ (حُكْمٌ) رَافِعٌ لِلْخِلَافِ.
خَبَرُ " نَقْلُ " وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
عَبَّ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِتَقْرِيرِهِ مَا يَشْمَلُ سُكُوتَ الْحَنَفِيِّ عَنْهُ حِينَ رُفِعَ لَهُ وَعَدَمَ حُكْمِهِ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ.
اهـ. وَنَحْوُهُ لِلْخَرَشِيِّ، وَيَشْهَدُ لَهُ النَّقْلُ الْآتِي.
ابْنُ شَاسٍ مَا قَضَى بِهِ الْحَاكِمُ مِنْ نَقْلِ الْأَمْلَاكِ وَفَسْخِ الْعُقُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ حُكْمًا، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ تَأْثِيرُ الْقَاضِي فِي الْحَادِثَةِ أَكْثَرَ مِنْ إقْرَارِهَا لَمَا رُفِعَتْ إلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ نِكَاحُ امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ وَجَاءَ غَيْرُهُ، فَهَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْحُكْمِ وَإِمْضَاؤُهُ وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِإِجَارَتِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ.
اللَّخْمِيُّ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحْسَنُ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنْ تَرَكَ الْقَاضِي الْحُكْمَ بِمَسْأَلَةٍ فَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ بِفِقْهِهِ أَنْ يَمْضِيَ حُكْمُهُ بِالتَّرْكِ فَإِنَّهُ حُكْمٌ صَحِيحٌ كَتَرْكِهِ فَسْخَ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَنِكَاحَ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الْمِلْكِ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ وَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى خِلَافِهِ.
(لَا) يُعَدُّ حُكْمًا قَوْلُ الْقَاضِي فِي شَأْنِ عَقْدٍ رُفِعَ إلَيْهِ (لَا أُجِيزُهُ) ابْنُ شَاسٍ لَوْ رُفِعَ هَذَا النِّكَاحُ إلَى قَاضٍ فَقَالَ أَنَا لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِفَسْخِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلَكِنَّهُ فَتْوَى وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ اسْتَقَالَ النَّظَرَ فِيهِ فَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى جَعْلِهِ فَتْوَى أَنَّ لِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ نَقْضُهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ الْأَوَّلُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي نَقْضُهُ، لِأَنَّ قَوْلَ الْأَوَّلِ لَا أُجِيزُهُ وَلَا أَفْسَخُهُ حُكْمٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالْكَرَاهَةُ أَحَدُ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْخَمْسَةِ الَّتِي يَجِبُ رَعْيُ كُلِّ حُكْمٍ مِنْهَا وَلَازِمِهِ وَحُكْمِ الْمَكْرُوهِ.
وَعَدَمُ نَقْضِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي حُكْمِ الْحَاكِمِ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقُهُ تَرْكًا (أَوْ أَفْتَى) الْقَاضِي فِي أَمْرٍ رُفِعَ إلَيْهِ فَلَيْسَتْ فَتْوَاهُ حُكْمًا اتِّفَاقًا.
ابْنُ الْحَاجِبِ فَتْوَاهُ فِي وَاقِعَةٍ وَاضِحٌ أَنَّهُ لَيْسَ
أَوْ أَفْتَى
وَلَمْ يَتَعَدَّ لِمُمَاثِلٍ، بَلْ إنْ تَجَدَّدَ، فَالِاجْتِهَادُ كَفَسْخٍ بِرَضْعِ كَبِيرٍ، وَتَأْبِيدِ مَنْكُوحَةِ عِدَّةٍ، وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ
[منح الجليل]
بِحُكْمٍ ابْنِ عَرَفَةَ جَزْمُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى وَجْهٍ مِنْ مُجَرَّدِ إعْلَامِهِ بِهِ فَتْوَى لَا حُكْمٌ، وَجَزْمُهُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِهِ حُكْمٌ.
(وَ) إنْ حَكَمَ الْقَاضِي فِي نَازِلَةٍ بِحُكْمٍ وَنَزَلَتْ نَازِلَةٌ مِثْلُهَا (لَمْ يَتَعَدَّ) حُكْمُهُ (لِ) أَمْرٍ (مُمَاثِلٍ) لِلْأَمْرِ الَّذِي حَكَمَ فِيهِ أَوَّلًا لِأَنَّ الْحُكْمَ جُزْئِيٌّ (بَلْ إنْ تَجَدَّدَ) الْمُمَاثِلُ بَعْدَ الْحُكْمِ فِي الْأَوَّلِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا (فَالِاجْتِهَادُ) مَشْرُوعٌ فِيهِ مِنْ الْقَاضِي الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَثَّلَ لِهَذَا فَقَالَ (كَفَسْخٍ) لِنِكَاحٍ (بِ) سَبَبِ (رَضْعِ) شَخْصٍ (كَبِيرٍ) أَيْ زَادَ عُمْرُهُ عَلَى حَوْلَيْنِ وَشَهْرَيْنِ ثُمَّ عَقَدَ الزَّوْجُ عَلَى الزَّوْجَةِ فَلَا يَتَعَدَّى فَسْخَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لِهَذَا الْعَقْدِ الثَّانِي، وَكَذَا إذَا تَجَدَّدَ مِثْلُهَا فَيَجْتَهِدُ الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُ فِي الثَّانِي بِالْفَسْخِ أَوْ التَّقْرِيرِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ يَحْكُمُ بِتَأْيِيدِ التَّحْرِيمِ بَيْنَهُمَا.
(وَ) كَفَسْخِ نِكَاحٍ فِي عِدَّةٍ لِ (تَأْبِيدِ) حُرْمَةِ امْرَأَةٍ (مَنْكُوحَةِ) رَجُلٍ فِي (عِدَّةٍ) لَهَا مِنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا عَقْدًا آخَرَ وَتَزَوَّجَتْ امْرَأَةٌ أُخْرَى فِي عِدَّتِهَا فَلَا يَتَعَدَّى الْفَسْخُ إلَى الْعَقْدِ الثَّانِي وَيَجْتَهِدُ فِيهِ الْقَاضِي الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُ بِالْفَسْخِ، أَوْ التَّقْرِيرِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ يَحْكُمُ بِتَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ (وَهِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ الَّتِي فُسِخَ نِكَاحُهَا بِرَضْعِ الْكَبِيرِ أَوْ بِوُقُوعِهِ فِي عِدَّتِهَا كَغَيْرِهَا) مِنْ النِّسَاءِ (فِي) الزَّمَنِ (الْمُسْتَقْبَلِ) مِمَّنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ.
" غ " هَذَانِ الْمِثَالَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ شَاسٍ، فَقَالَ إنْ كَانَ حُكْمُ الْأَوَّلِ بِاجْتِهَادٍ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ وَلَيْسَ نَقْلَ مِلْكٍ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إلَى الْآخَرِ، وَلَا فَصْلَ حُكُومَةٍ بَيْنَهُمَا وَلَا إثْبَاتَ عَقْدٍ بَيْنَهُمَا وَلَا فَسْخَهُ، كَمَا إذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ رَضَاعُ كَبِيرٍ فَحَكَمَ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ، وَفَسَخَ النِّكَاحَ مِنْ أَجْلِهِ فَالْقَدْرُ الَّذِي ثَبَتَ بِحُكْمِهِ هُوَ فَسْخُ النِّكَاحِ.
وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِحُكْمِهِ، بَلْ يَبْقَى مُعَرَّضًا لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَكَذَا لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ حَالُ امْرَأَةٍ نُكِحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَنِكَاحُهَا وَحَرَمُهَا عَلَى زَوْجِهَا لَكَانَ الْقَدْرُ الَّذِي ثَبَتَ بِحُكْمِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ فَحَسْبُ.
وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمُعَرَّضٌ لِلِاجْتِهَادِ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ حُكْمُهُ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ تَحْرِيمِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ إجَارَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمًا فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ مِنْ الْعُقُودِ أَوْ الْبَيَّاعَاتِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاهَدَهُ وَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُعَرَّضٌ لِمَا يَأْتِي مِنْ الْحُكَّامِ وَالْفُقَهَاءِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ الْحُكْمُ لِعَارِضٍ اجْتِهَادِيٍّ لَا يَقْتَضِي الْفَسْخَ إذَا تَحَدَّدَ السَّبَبُ ثَانِيًا، بَلْ يَكُونُ مُعَرَّضًا لِلِاجْتِهَادِ كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ وَنِكَاحِ امْرَأَةٍ فِي عِدَّتِهَا وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَبِلُوهُ وَهُوَ صَوَابٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُعْتَدَّةِ.
وَأَمَّا فِي رَضَاعِ الْكَبِيرِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَوْ فِيهِ نَظَرٌ، وَبَيَانُهُ أَنَّ عِلَّةَ مَنْعِ حُكْمِ الثَّانِي بِخِلَافِ حُكْمِ الْأَوَّلِ هُوَ كَوْنُ حُكْمِ الثَّانِي رَافِعًا لِمُتَعَلِّقِ حُكْمِ الْأَوَّلِ بِالذَّاتِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ دَارَ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، إمَّا وُجُودًا فَفِي مِثَالِ حُكْمِ الْحَاكِمِ الثَّانِي بِكَوْنِ الْمُبْتَاعِ الْأَوَّلِ فِيمَا بَاعَهُ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ أَحَقَّ بِالْمَبِيعِ وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ الثَّانِي بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ قَابِضَهُ أَحَقُّ.
وَأَمَّا عَدَمًا فَفِي جَوَازِ حُكْمِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - " بِخِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُمَا فِي قِسْمِ الْفَيْءِ، وَتَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ اعْتِبَارُ الدَّوَرَانِ، إذَا
وَلَا يَدْعُو لِصُلْحٍ، إنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ
وَلَا يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ،
[منح الجليل]
ثَبَتَ هَذَا وَنَظَرْنَا وَجَدْنَا حُكْمَ الثَّانِي فِي مَسْأَلَةِ النَّاكِحِ فِي الْعِدَّةِ غَيْرَ رَافِعٍ لِنَفْسِ مُتَعَلِّقِ حُكْمِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ حُكْمِهِ بِالذَّاتِ الْفَسْخُ وَالتَّحْرِيمُ تَابِعٌ لَهُ، فَلَمْ تُوجَدْ عِلَّةُ مَنْعِ حُكْمِ الثَّانِي فِيهَا وَوَجَدْنَا حُكْمَ الثَّانِي فِي مَسْأَلَةِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ رَافِعًا لِنَفْسِ مُتَعَلِّقِ حُكْمِ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ بِالذَّاتِ، وَهُوَ تَحْرِيمُ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، وَفَسْخُ نِكَاحِهِ تَابِعٌ لِهَذَا الْمُتَعَلِّقِ بِالذَّاتِ، لَا أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ حُكْمِهِ بِالذَّاتِ، فَيَجِبُ مَنْعُ حُكْمِ الثَّانِي عَمَلًا بِالْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِمَنْعِهِ.
الْحَطّ بَحْثُ ابْنُ عَرَفَةَ مَعَ ابْنِ شَاسٍ وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ الْمِثَالَيْنِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي فِي رَضَاعِ الْكَبِيرِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ مُسْتَلْزِمٌ لِحُكْمِهِ بِتَحْرِيمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، إذْ لَا مُوجِبَ لِلْفَسْخِ سِوَاهُ، فَحُكْمُ الثَّانِي بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الثَّانِي رَافِعٌ لِحُكْمِ الْأَوَّلِ بِتَحْرِيمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، فَلَا يَصِحُّ حُكْمُهُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ حُكْمِهِ بِفَسْخِ نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِتَأْبِيدِ حُرْمَتِهَا، لِأَنَّ الْفَسْخَ لِكَوْنِ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ فَاسِدًا، وَتَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ أَمْرٌ وَرَاءَ ذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَسْتَلْزِمُهُ النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ أَمْ لَا.
وَأَمَّا الْفَسْخُ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ نَعَمْ فِي عِبَارَةِ ابْنِ شَاسٍ أَنَّ الْقَاضِيَ فَسَخَ نِكَاحَ الْمُعْتَدَّةِ وَحَرَّمَهَا، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَحَرَّمَهَا أَنَّهُ حَكَمَ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ لِلْفَسْخِ فَمَا قَالُوهُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ بِتَأْبِيدِ حُرْمَتِهَا فَكَيْفَ يَصِحُّ حُكْمُ الْقَاضِي الثَّانِي بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الثَّانِي، وَلَعَلَّهُمْ فَهِمُوا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ.
وَأَمَّا عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الثَّانِي.
(وَلَا يَدْعُو) الْقَاضِي الْخَصْمَيْنِ (لِصُلْحٍ إنْ) كَانَ (ظَهَرَ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي بِنَظَرِهِ فِي خُصُومَتِهِمَا (وَجْهُهُ) أَيْ الْحَقِّ لِأَحَدِهِمَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ خَصْمِهِ لِأَنَّ الصُّلْحَ يَشْتَمِلُ غَالِبًا عَلَى إسْقَاطِ بَعْضِ الْحَقِّ، فَفِي الدُّعَاءِ لَهُ هَضْمٌ لِبَعْضِ الْحَقِّ مَا لَمْ يَخْشَ تَفَاقُمَ الْأَمْرِ أَوْ يَكُونَا مِنْ ذَوِي الْفَضْلِ أَوْ الرَّحِمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
اللَّخْمِيُّ لَا يَدْعُو إلَى الصُّلْحِ إذَا تَبَيَّنَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَرَى لِذَلِكَ وَجْهًا، وَأَنَّهُ مَتَى حَكَمَ تَفَاقَمَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَخُشِيَتْ الْفِتْنَةُ.
(وَلَا يَسْتَنِدُ) الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ (لِعِلْمِهِ) أَيْ الْقَاضِي السَّابِقِ عَلَى مَجْلِسِ قَضَائِهِ.
إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ: كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ، أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ بِالْعَدَالَةِ
[منح الجليل]
اللَّخْمِيُّ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ وَلَا بَعْدَ أَنْ وَلِيَهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ، أَوْ كَانَ فِيهِ وَقَبْلَ تَحَاكُمِهِمَا إلَيْهِ (إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ) لِلشُّهُودِ فَيَسْتَنِدُ فِيهِمَا لِعِلْمِهِ اتِّفَاقًا حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ.
أَبُو عُمَرَ أَجْمَعُوا أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ وَيُجَرِّحَ بِعِلْمِهِ، وَأَنَّهُ إنْ عَلِمَ مَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا بِهِ أَنَّهُ يَنْفُذُ عِلْمُهُ وَيَرُدُّ شَهَادَتَهُمْ بِعِلْمِهِ.
سَحْنُونٌ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ وَأَنَا أَعْلَمُ خِلَافَ مَا شَهِدَا بِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ أَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَا أَنَّ أَرُدَّهَا، وَلَكِنْ أَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ الَّذِي فَوْقِي وَأَشْهَدُ بِمَا عَلِمْت وَغَيْرِي بِمَا عَلِمَ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ لَيْسَا بِعَدْلَيْنِ عَلَى مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ فَلَا أَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا.
وَشَبَّهَ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَادِ الْمَفْهُومِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ (كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مِنْ النَّاسِ مِنْ لَا يَسْأَلُ عَنْهُ وَلَا تُطْلَبُ فِيهِ تَزْكِيَةٌ لِعَدَالَتِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ وَلَا تُطْلَبَ فِيهِ تَزْكِيَةٌ لِاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ لِشُهْرَتِهِ بِغَيْرِ الْعَدَالَةِ إنَّمَا يُكْشَفُ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ، وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ فَقَالَ أَمَّا الِاسْمُ فَاسْمُ عَدْلٍ، وَلَكِنْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّك ابْنُ أَبِي حَازِمٍ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ مَشَايِخَنَا.
ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَ لِي بَعْضُ شُيُوخِي أَنَّ الْبَرْقِيَّ فَقِيهَ الْمَهْدِيَّةِ شَهِدَ فِي سَيْرِهِ إلَى الْحَجِّ عِنْدَ قَاضِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة، فَلَمَّا قَرَأَ اسْمَهُ قَالَ أَنْتَ الْبَرْقِيُّ فَقِيهُ الْمَهْدِيَّةِ فَقِيلَ لَهُ نَعَمْ فَكَلَّفَ الْمَشْهُودَ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ هُوَ وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِ دُونَ طَلَبِ تَعْدِيلِهِ.
(أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ) الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (بِالْعَدَالَةِ) الشَّاهِدِ عَلَيْهِ فَيَكْتَفِي بِهِ الْقَاضِي عَنْ طَلَبِ تَعْدِيلِهِ عَنْ غَيْرِهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِالْعَدَالَةِ حَكَمَ عَلَيْهِ خَاصَّةً.
ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَعْرِفْ هَذَا الْفَرْعَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَفِي جَرْيِهِ عَلَى أَصْلِهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مُتَنَاقِضٌ فَيَجِبُ طَرْحُهُ، فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي كَافِيهِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي الشُّهُودَ وَاعْتَرَفَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِعَدَالَتِهِمْ قَضَى بِهِمْ إذَا لَمْ يُكَذِّبْهُمْ وَلَا يَقْضِي بِهِمْ عَلَى غَيْرِهِ.
قُلْت
وَإِنْ أَنْكَرَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ بَعْدَهُ: لَمْ يُفِدْهُ
[منح الجليل]
قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُكَذِّبْهُمْ صَيَّرَ الْمَسْأَلَةَ إلَى بَابِ الْإِقْرَارِ وَقَالَ أَصْبَغُ إذَا رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي فَلَا يَحْكُمُ بِهَا.
(وَإِنْ) أَقَرَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا عَلَيْهِ لِلْآخَرِ وَحَكَمَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَ (أَنْكَرَ) شَخْصٌ (مَحْكُومٌ عَلَيْهِ) بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَأَنْكَرَ (إقْرَارَهُ) عِنْدَ الْقَاضِي بِمَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَكَانَ إنْكَارُهُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْحُكْمِ (لَمْ يُفِدْهُ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ الْإِنْكَارُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فَيَمْضِي الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَيُسْتَوْفَى مِنْهُ مُقْتَضَاهُ.
وَمَفْهُومُ بَعْدَهُ أَنَّهُ إنْ أَنْكَرَ إقْرَارَهُ قَبْلَهُ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَعَبَّرَ عَنْهُ الْمَازِرِيُّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ وَلَا يَعْلَمُ هَذَا إلَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ.
الْحَطّ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِهِ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِإِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ، وَمُقَابِلُهُ لَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِلَا شَهَادَةٍ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ بِأَنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ وَحَكَمَ بِلَا إشْهَادٍ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ إقْرَارَهُ بَعْدَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ عَلَى شَخْصٍ مُسْتَنِدًا لِإِقْرَارِهِ فِي مَجْلِسِهِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ عَلَى إقْرَارِهِ ثُمَّ أَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ، فَإِنَّ حُكْمَهُ بِذَلِكَ لَا يَنْتَقِضُ، فَإِذَا قَالَ الْحَاكِمُ حَكَمْت عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ عِنْدِي، وَقَالَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَمْ أُقِرَّ عِنْدَهُ فَلَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ، هَكَذَا فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي ضَيْح وَغَيْرِهِ.
وَفِي النَّوَادِرِ فَإِنْ جَهِلَ وَأَنْفَذَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ بِمَا أَقَرَّ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ غَيْرُهُ فَلْيَنْقُضْ هُوَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْزِلْ، فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْقُضَاةِ فَلَا أُحِبُّ لَهُ نَقْضَهُ فِي الْإِقْرَارِ خَاصَّةً فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ.
وَأَمَّا مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقْضِيَ أَوْ رَآهُ وَهُوَ قَاضٍ أَوْ سَمِعَهُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ فَلَا يَنْفُذُ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنْ نَفَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَا يُنْفِذُهُ أَحَدٌ غَيْرَهُ مِنْ الْحُكَّامِ وَلْيَنْقُضْهُ.
طفي قَوْلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ
وَإِنْ شَهِدَا بِحُكْمٍ نَسِيَهُ أَوْ أَنْكَرَهُ: أَمْضَاهُ
[منح الجليل]
فِي مَجْلِسِهِ إذَا أَنْكَرَ قَبْلَ الْحُكْمِ، أَمَّا إذَا اسْتَمَرَّ عَلَى إقْرَارِهِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ بَعْدَ حُكْمِهِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ.
اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إذَا أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ جَلَسَ لِلْخُصُومَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ يَحْكُمُ وَرَأَيَا أَنَّهُمَا إذَا جَلَسَا لِلْمُحَاكَمَةِ فَقَدْ رَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَقُولَانِهِ، وَلِذَلِكَ قَصَدَ وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ حَتَّى حَكَمَ ثُمَّ أَنْكَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ.
وَقَالَ مَا أَقْرَرْت بِشَيْءٍ فَلَا يُنْظَرُ لِإِنْكَارِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
ابْنُ رُشْدٍ مَا أَقَرَّ بِهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ ثُمَّ جَحَدَهُ فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ مَوْجُودٌ فِي الْمَذْهَبِ.
مُحَمَّدٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
ابْنُ الْمَاجِشُونِ الَّذِي عَلَيْهِ قُضَاتُنَا بِالْمَدِينَةِ وَعُلَمَاؤُنَا وَلَمْ أَعْلَمْ مَالِكًا قَالَ غَيْرَهُ أَنَّهُ يَقْضِي بِمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ.
وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ إذَا جَحَدَهُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ الْخِلَافَ، وَفِيهَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ ثُمَّ جَحَدَ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ، فَمَفْهُومُهَا لَوْ لَمْ يَجْحَدْ يَقْضِي عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْحَطّ بِقَوْلِ التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْخَصْمَ إذَا أَقَرَّ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ بِإِقْرَارِهِ وَمُقَابِلُهُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِيهِ لِحَمْلِهِ عَلَى إنْكَارِهِ بَعْدَ إقْرَارِهِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا عَلِمْت، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عَزْوُهُ مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ وَأَصْبَغُ، وَقَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ خِلَافَهُمْ إذَا أَنْكَرَ إقْرَارَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ اهـ، وَأَقَرَّهُ الْبُنَانِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنْ شَهِدَا) أَيْ الْعَدْلَانِ عَلَى الْقَاضِي (بِحُكْمٍ) صَدَرَ مِنْهُ وَقَدْ (نَسِيَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْحُكْمَ أَمْضَاهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ الْأَصَحُّ (أَوْ) شَهِدَا عَلَيْهِ بِحُكْمٍ (أَنْكَرَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْحُكْمَ (أَمْضَاهُ) أَيْ الْقَاضِي الْحُكْمَ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي التَّلْقِينِ إنْ نَسِيَ الْحَاكِمُ حُكْمًا حَكَمَ بِهِ، فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ بِهِ أَنْفَذَ شَهَادَتَهُمَا.
الْمَازِرِيُّ هَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " خِلَافًا
وَأَنْهَى لِغَيْرِهِ بِمُشَافَهَةٍ، إنْ كَانَ كُلٌّ بِوِلَايَتِهِ،
[منح الجليل]
لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. اللَّخْمِيُّ لَوْ أَنْكَرَ الْحَاكِمُ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ، وَقَالَ مَا حَكَمْت بِهَذَا فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِحُكْمِهِ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ حَكَاهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ.
(وَ) إنْ تَرَافَعَ خَصْمَانِ لِقَاضٍ ثُمَّ انْتَقَلَا لِقَاضٍ آخَرَ قَبْلَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بَيْنَهُمَا (أَنْهَى) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، أَيْ أَوْصَلَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ (لِ) قَاضٍ (غَيْرِهِ) مَا حَصَلَ نِدّه (بِمُشَافَهَةٍ) أَيْ بِلَا وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا (إنْ كَانَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (بِوِلَايَتِهِ) أَيْ الْمَحَلِّ الْمُوَلَّى لِلْقَضَاءِ فِيهِ.
ابْنُ شَاسٍ الرُّكْنُ الثَّالِثُ يَعْنِي فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِي إنْهَاءِ الْحَاكِمِ إلَى الْقَاضِي الْآخَرِ، وَذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ وَالْكِتَابِ وَالْمُشَافَهَةِ.
أَمَّا الْمُشَافَهَةُ فَلَوْ شَافَهَ الْقَاضِي قَاضِيًا آخَرَ فَلَا يَكْفِي لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَا يَنْفَعُ سَمَاعُهُ أَوْ إسْمَاعُهُ إذَا كَانَا قَاضِيَيْنِ لِبَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَنَادَيَا مِنْ طَرَفَيْ وِلَايَتِهِمَا فَذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الشَّهَادَةِ فَيُعْتَمَدُ.
" غ " كَذَا لِابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ التَّابِعِ لِوَجِيزِ الْغَزَالِيِّ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَعْرِفْ مَنْ جَزَمَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْمَازِرِيُّ لَا شَكَّ أَنَّ ذِكْرَ الْقَاضِي ثُبُوتَ شَهَادَةٍ عِنْدَهُ عَلَى غَائِبٍ لَيْسَ بِقَضِيَّةٍ مَحْضَةٍ وَلَا نَقْلٍ مَحْضٍ، بَلْ هُوَ مَشُوبٌ بِالْأَمْرَيْنِ فَيُنْظَرُ أَوْلَاهُمَا بِهِ وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنَّ قَاضِيَيْنِ لَوْ قَضَيَا بِمَدِينَةٍ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُنْفِذُ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَأَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ شَهَادَةُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لِرَجُلَيْنِ بِالْبَلَدِ وَقَضَى بِثُبُوتِهِمَا، فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ كَنَقْلِ شَهَادَةٍ فَلَا يَكْتَفِي هَذَا الْقَاضِي الْمُخَاطَبُ بِأَنَّهُمْ شَهِدُوا عِنْدَ الْآخَرِ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُمْ حُضُورٌ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ كَقَضِيَّةِ الْقَاضِي فَالْقَاضِي الثَّانِي يُنْفِذُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا قَدْ يُقَالُ فِيهِ أَيْضًا إذَا جَعَلْنَا قَوْلَ الْقَاضِي وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ كَالنَّقْلِ يُكْتَفَى بِهِ لِحُرْمَةِ الْقَاضِي، فَلِذَا يَصِحُّ نَقْلُهُ وَإِنْ كَانَ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ حَاضِرًا فَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَهُ إلْزَامًا وَانْفِصَالًا فَانْظُرْهُ اهـ وَنَصُّهُ فَإِنْ قُلْت مُقْتَضَى قَوْلِ الْمَازِرِيِّ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ كَقَضِيَّةٍ فَالْقَاضِي الثَّانِي يُنْفِذُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُ صِحَّةُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ شَاسٍ عَنْ الْمَذْهَبِ.
قُلْت لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ عَلَى
وَبِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا.
[منح الجليل]
تَقْدِيرِ تَوْلِيَةِ قَاضِيَيْنِ بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَلْزُومِيَّةَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ لَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَلْزُومِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْطِ وَحْدَةِ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ شَرْطُ وَحْدَتِهِ فَتَذَكَّرْهُ.
(أَوْ) أَنْهَى لِغَيْرِهِ (بِشَاهِدَيْنِ) عَلَى حُكْمِهِ (مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا.
فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ لِقَاضٍ فِي الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، يَجُوزُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي فِي الزِّنَا شَاهِدَانِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ.
وَأَمَّا الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فَلَا يَثْبُتُ بِهِمَا كِتَابُ قَاضٍ اتِّفَاقًا، فَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ أَصْلُهُ بِأَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا، أَوْ بِاثْنَيْنِ كَالنِّكَاحِ، أَوْ بِوَاحِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَالرَّضَاعِ، أَوْ بِوَاحِدٍ وَيَمِينٍ، أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ، أَوْ بِوَاحِدٍ وَلَفِيفٍ، أَوْ بِوَاحِدٍ فَقَطْ، أَوْ بِامْرَأَةٍ فَقَطْ قَالَهُ تت.
طفي قَوْلُهُ أَوْ بِوَاحِدٍ وَلَفِيفٍ هَكَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنْ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ، وَلَعَلَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ، إذْ لَيْسَ مَحَلٌّ يُشْتَرَطُ فِيهِ الشَّاهِدُ مَعَ اللَّفِيفِ.
الْحَطّ قَوْلُهُ مُطْلَقًا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَأْتِي لَهُ فِي الشَّهَادَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِذَلِكَ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْمَالِ عَلَى الْمَشْهُورِ اهـ وَتَبِعَهُ عج، وَأَطَالَ بِمَا يَمُجُّهُ السَّمْعُ وَيَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ خَرَجَا بِهَا عَنْ أَقْوَالِ الْمَالِكِيَّةِ لِمُعَارَضَتِهِمَا بَيْنَ مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَجُعِلَ أَحَدُهُمَا تَقْيِيدًا لِلْآخَرِ وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ كَمَا بَيْنَ الضَّبِّ وَالنُّونِ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ اتِّفَاقًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَقَرَّهُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْإِنْهَاءِ: وَثُبُوتُ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ يَأْتِي فِي فَصْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَدَلَّ عَلَى تَخَالُفِهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي مُجَرَّدُ إشْهَادِ الْقَاضِي أَنَّهُ حُكْمُهُ أَوْ كِتَابُهُ فَيَشْهَدَانِ عَلَى إخْبَارِهِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى حُكْمِهِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ يَحْضُرُ حُكْمَهُ وَيَشْهَدُهُ، فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْقَاضِي وَهُوَ عَلَى قَضَائِهِ حَكَمْت لِفُلَانٍ بِكَذَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ إنْ كَانَ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ مِثْلَ قَوْلِ أَحَدِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ عِنْدَ قَاضٍ حَكَمَ لِي قَاضٍ بِكَذَا، أَوْ ثَبَتَ لِي عِنْدَهُ كَذَا، فَيَسْأَلُهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْتِيهِ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَنِّي حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا.
أَوْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدِي كَذَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ شَاهِدٌ، وَلَوْ أَتَى الرَّجُلُ ابْتِدَاءً لِلْقَاضِي فَقَالَ لَهُ خَاطِبْ لِي كَذَا بِمَا ثَبَتَ لِي عِنْدَك عَلَى فُلَانٍ أَوْ بِمَا حَكَمْت لِي عَلَيْهِ لَجَازَ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ لَا شَاهِدٌ.
اهـ. فَإِذَا كَانَ قَوْلُ الْقَاضِي عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ لَا يَجُوزُ، فَكَيْفَ تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّاقِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ رَأَيْت لِابْنِ يُونُسَ مَا نَصُّهُ اُخْتُلِفَ فِي شَاهِدٍ وَيَمِينٍ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي فِي الْأَمْوَالِ فَلَمْ يُجِزْهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَأَجَازَهُ فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يَجُوزُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
اهـ. وَبِهِ اعْتَرَضَ ابْنُ نَاجِي الِاتِّفَاقَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
الْبَاجِيَّ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ إلَى قَاضٍ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَثْبُتُ لَهُ الْقَضَاءُ اهـ.
وَلَمَّا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَمَّا الشَّاهِدُ بِالْقَضَاءِ بِالْمَالِ فَالْمَشْهُورُ لَا تَمْضِي إلَخْ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا كَلَامٌ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيَّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي قَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَيْسَ بِمَا يَئُولُ إلَى مَالٍ، وَدَعْوَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمَالٍ هِيَ مِنْ دَعْوًى بِمَالٍ حَقِيقَةً، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهَا.
اهـ. لَكِنْ نَازَعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَوْلِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهَا بِشُهْرَةِ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهَا فِي كَلَامِ الْأَشْيَاخِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْخِلَافِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ عَزْوَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كَلَامِ الْبَاجِيَّ فِي كِتَابِ الْقَاضِي هُوَ بِعَيْنِهِ الْمَذْكُورُ عِنْدَ " ق " فِي حُكْمِ الْقَاضِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ بِأَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي الْحَطّ وعج صَوَابٌ، وَأَنَّ اعْتِرَاضَ طفي عَلَيْهِمَا قُصُورٌ وَتَهْوِيلٌ بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ خَالَفَا كِتَابَهُ.
وَنُدِبَ خَتْمُهُ، وَلَمْ يُفِدْ وَحْدَهُ،
[منح الجليل]
(وَاعْتَمَدَ) الْقَاضِي الْمَنْهِيُّ إلَيْهِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ إنْ لَمْ يُخَالِفَا بِشَهَادَتِهِمَا كِتَابَهُ، بَلْ (وَإِنْ خَالَفَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ بِهَا (كِتَابَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْمَنْهِيِّ وَطَابَقَا الدَّعْوَى (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (خَتْمُهُ) أَيْ الْكِتَابِ.
الْبَاجِيَّ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى شُهُودٍ كِتَابًا مَطْوِيًّا، وَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ أَوْ كَتَبَ الْحَاكِمُ كِتَابًا إلَى حَاكِمٍ وَخَتَمَهُ وَأَشْهَدَ الشُّهُودَ بِهِ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ، وَقَالَ أَيْضًا لَا يَشْهَدُوا بِهِ إلَّا أَنْ يَقْرَؤُهُ عِنْدَ مَحْمَلِ الشَّهَادَةِ.
ابْنُ شَاسٍ سَحْنُونٌ لَوْ أَشْهَدَ عَلَى كِتَابِهِ وَخَاتَمِهِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ جَازَ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ مَخْتُومٍ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَلَوْ شَهِدَا بِخِلَافِ مَا فِي الْكِتَابِ جَازَ إذَا طَابَقَ الدَّعْوَى، ثُمَّ لِلشَّاهِدِ عَلَى الْحُكْمِ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي فِي كِتَابِهِ إلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْقُضَاةِ (وَلَمْ يُفِدْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ كِتَابَةً (وَحْدَهُ) أَيْ مُجَرَّدًا مِنْ الْإِشْهَادِ وَلَوْ مَخْتُومًا ابْنُ شَاسٍ الْكِتَابُ الْمُجَرَّدُ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْقَاضِي لَا أَثَرَ لَهُ.
" غ " ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا كَانَتْ النُّصُوصُ وَالرِّوَايَاتُ وَاضِحَةً بِلَغْوِ ثُبُوتِ كِتَابِ الْقَاضِي بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِنَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي انْتَهَى إلَيْنَا أَمْرُهَا عَلَى قَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْحُقُوقِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّ الْقَاضِي دُونَ إشْهَادِهِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا خَاتَمٌ مَعْرُوفٌ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ فِيمَا أَظُنُّ صَرْفَهُمْ عَنْهُ مَعَ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، إنَّ كِتَابَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّهِ، بَلْ قَالُوا فِي الْقَاضِي يَجِدُ فِي دِيوَانِهِ حُكْمًا بِخَطِّهِ وَهُوَ لَا يَذْكُرُ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ إنْفَاذُهُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ عَدْلَانِ، وَكَذَا إنْ وَجَدَهُ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ وَثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهِ، وَلَا يَتَخَرَّجُ الْقَوْلُ بِعَمَلِهِ بِمَا تَيَقَّنَهُ مِنْ خَطِّهِ دُونَ ذِكْرِ حُكْمِهِ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ فِي الشَّاهِدِ يَتَيَقَّنُ خَطَّهُ بِالشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ وَلَا يَذْكُرُ مَوْطِنَهَا لِعُذْرِ الشَّاهِدِ، إذْ مَا عَلِمَهُ هُوَ مَقْدُورُ كَسْبِهِ، وَالْقَاضِي كَانَ قَادِرًا عَلَى إشْهَادِهِ عَلَى حُكْمِهِ ثُمَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَجْهُ عَمَلِ النَّاسِ بِأَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ بِأَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي الْبَاعِثُ بِهِ حُصُولُهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ مُنْضَمًّا لِلْمَشْهُورِ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْغَيْرِ حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَذْهَبِ يُوجِبُ كَوْنَ هَذَا الظَّنِّ كَالظَّنِّ النَّاشِئِ عَنْ ثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُهُ لِضَرُورَةِ دَفْعِ مَشَقَّةِ مَجِيءِ الْبَيِّنَةِ مَعَ الْكِتَابِ مَعَ انْتِشَارِ الْخُطَّةِ وَبُعْدِ الْمَسَافَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنْ قِيلَ تَنْدَفِعُ الْمَشَقَّةُ بِإِشْهَادِ الْقَاضِي عَلَى كِتَابِهِ بِبَيِّنَةٍ تُوُقِّعَ خَطُّهَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي وَيُشْهِدُ عَلَى خَطِّهَا فِي بَلَدِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ.
قُلْت ثُبُوتُهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي أَقْوَى مِنْ ثُبُوتِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ مَعَ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَاضِي وَمَا تَوَقَّفَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ أَقْوَى مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ، لِتَطَرُّقِ احْتِمَالٍ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ لِاحْتِمَالِ فِسْقِ الْبَيِّنَةِ أَوْ رِقِّهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَالَ وَإِذَا ثَبَتَ وَجْهُ الْعَمَلِ بِذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَ خَطُّ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ عَارِفَةٍ بِالْخُطُوطِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ وَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ إلَيْهِ فَجَائِزٌ عِنْدِي قَبُولُهُ بِمَعْرِفَةِ خَطِّهِ، وَقَبُولُ سَحْنُونٍ كُتُبَ أُمَنَائِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءِ الْقَاضِي يَعْلَمُهُ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ لِأَنَّ وُرُودَ الْكِتَابِ مِنْ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ عِنْدَهُ بِذَلِكَ، فَقَبُولُهُ الْكِتَابَ بِمَا عُرِفَ مِنْ عَدَالَتِهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ عَلَى خَطِّهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: هَذَا كُلُّهُ إنْ وَصَلَ كِتَابُ الْقَاضِي قَبْلَ مَوْتِهِ وَعَزْلِهِ وَإِلَّا فَلَا يُعْمَلُ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنَاصِفِ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ رَحَّالٍ الَّذِي أَدْرَكْنَا عَلَيْهِ أَشْيَاخَنَا أَنَّ الْإِنْهَاءَ يَصِحُّ مُطْلَقًا مَاتَ الْكَاتِبُ قَبْلَ الْوُصُولِ أَوْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ وَتَوَلَّى غَيْرُهُ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ شَأْنُ قُضَاةِ وَقْتِنَا رَسْمُ الْخِطَابِ أَسْفَلَ وَثِيقَةِ ذِكْرِ الْحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَهْرِ الصَّحِيفَةِ أَوْ أَحَدِ عَرْضَيْهَا إنْ ضَاقَ أَسْفَلُهَا، وَرُبَّمَا كَانَ فِي وَثِيقَةٍ مُلْصَقَةٍ بِالْوَثِيقَةِ إنْ تَعَذَّرَ وَضْعُهُ بِهَا.
وَأَدَّيَا، وَإِنْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَأَفَادَ إنْ أَشْهَدَهُمَا أَنَّ مَا فِيهِ حُكْمُهُ أَوْ خَطُّهُ.
[منح الجليل]
الثَّالِثُ: ابْنُ عَرَفَةَ إنْ لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي تَحْتَ الْعَقْدِ خِطَابًا يُصَرِّحُ فِيهِ بِالْإِعْلَامِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحَقِّ عِنْدَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى كِتَابَةِ: صَحَّ الرَّسْمُ عِنْدِي أَوْ ثَبَتَ أَوْ اسْتَقَلَّ، فَذَلِكَ لَغْوٌ غَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُهُ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُنَاصِفِ إنْ ثَبَتَ وَاكْتَفَى وَصَحَّ وَاسْتَقَلَّ كَالْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ.
وَذَكَرَ " غ " عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ قَالَ اسْتَقَلَّ يَخْتَصُّ بِالْعُدُولِ وَاكْتَفَى بِإِثْبَاتِ الْأَمْلَاكِ وَثَبَتَ بِمَا عَدَاهَا.
وَعَنْ الْعُقْبَانِيِّ اسْتَقَلَّ بِالْمُبْرِزِينَ وَثَبَتَ لِمَنْ يُقَارِبُهُمْ وَاكْتَفَى لِمَنْ دُونَ ذَلِكَ.
الرَّابِعُ: " غ " مِمَّا تَسَاهَلَ فِيهِ أَهْلُ فَاسَ وَعَمِلَهَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَصْلٌ شَهَادَةُ عُدُولِهِمْ مِنْ تَسْجِيلِ قَاضِيهِمْ، فَإِذَا أَوْقَعَ الْقَاضِي خَطَّهُ كَتَبَ الشَّاهِدُ شَهِدَ عَلَى إشْهَادِ مَنْ ذُكِرَ بِمَا فِيهِ عَنْهُ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى خَطِّهِ وَكَيْفَ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّهِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ بَيْنَ مَقْعَدِهِ وَدُكَّانِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ إلَّا قَدْرُ غَلْوَةٍ أَوْ أَقَلُّ.
(وَ) إنْ أَشْهَدَهُمَا الْقَاضِي عَلَى كِتَابِهِ (أَدَّيَا) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ الشَّاهِدَانِ مَا أَشْهَدَهُمَا بِهِ عِنْدَ مَنْ أُرْسِلَا إلَيْهِ، بَلْ (وَإِنْ عِنْدَ غَيْرِهِ) لِعَزْلِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ فِيهَا مَعَ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ مَاتَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ كِتَابٌ مِنْ قَاضٍ آخَرَ، فَعَلَى مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ إنْفَاذُ الْكِتَابِ.
ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا إذَا ثَبَتَ الْكَتْبُ عِنْدَهُ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ كِتَابُهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(وَأَفَادَ) كِتَابُ الْقَاضِي الَّذِي أَرْسَلَهُ لِقَاضٍ آخَرَ فَيَعْمَلُ بِمَا فِيهِ وَيُنْفِذُهُ (إنْ أَشْهَدَهُمَا) أَيْ الْقَاضِي الْمُرْسِلُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى (أَنَّهُ) أَيْ الْكِتَابَ (حُكْمُهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَوْ) أَشْهَدَهُمَا أَنَّهُ (خَطُّهُ) أَيْ الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يُقِرَّاهُ عَلَيْهِمَا حَالَ إشْهَادِهِمَا وَلَمْ يَقْرَأْهُ.
ابْنُ شَاسٍ لَوْ قَالَ الْقَاضِي أُشْهِدُكُمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ خَطِّيُّ كَفَى ذَلِكَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُمَا مَا فِيهِ حُكْمِي.
وَشَبَّهَ فِي صِحَّةِ الْإِشْهَادِ عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ مَنْسُوبٌ لِلْمُشْهَدِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الشَّاهِدَيْنِ بِمَا
كَالْإِقْرَارِ وَمَيَّزَ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ اسْمٍ وَحِرْفَةٍ وَغَيْرِهِمَا يُنَفِّذُهُ الثَّانِي، وَبَنَى كَأَنْ نُقِلَ لِخُطَّةٍ أُخْرَى
[منح الجليل]
فِيهِ فَقَالَ (كَ) الْإِشْهَادِ عَلَى (الْإِقْرَارِ) مِنْ كَاتِبِ وَثِيقَةٍ أَوْ مُمْلِيهَا بِمَا فِيهَا.
ابْنُ شَاسٍ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ أُشْهِدُك عَلَى مَا فِي الْقُبَالَةِ وَأَنَا عَالِمٌ بِهِ كَفَى، فَإِذَا حَفِظَ الشَّاهِدُ الْقُبَالَةَ وَمَا فِيهَا وَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ جَازَ أَيْضًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ قَالَ أُشْهِدُكُمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ خَطِّي أَوْ حُكْمِي فَرِوَايَتَانِ، وَمِثْلُهُ إقْرَارُهُ بِمِثْلِهِ.
ضَيْح ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْهُمَا إعْمَالُ مَا فِي الْكِتَابِ لِأَنَّهُمَا أَدَّيَا عَنْهُ مَا أَشْهَدَهُمَا بِهِ وَلَا مُعَارِضَ لَهُمَا، وَوَجَّهَ الْمَازِرِيِّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى بِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ فَالشَّهَادَةُ بِمَضْمُونِهِ شَهَادَةٌ بِمَا لَمْ يَعْلَمُوا وَضَعَّفَهُ بِأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ قَدْ أَقَرَّ بِهِ لِمَنْ أَمَرَهُ بِالشَّاهِدَةِ وَالْعِلْمُ تَارَةً يَقَعُ جُمْلَةً وَتَارَةً يَقَعُ تَفْصِيلًا.
(وَمَيَّزَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْقَاضِي (فِيهِ) أَيْ الْكِتَابِ الَّذِي أَرَادَ إرْسَالَهُ لِقَاضٍ آخَرَ (مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ) الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَبَيَّنَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ فَقَالَ (مِنْ اسْمٍ) لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَأَبِيهِ وَجَدِّهِ (وَحِرْفَةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ صَنْعَةٍ (وَغَيْرِهِمَا) كَصِفَاتٍ وَبَلَدٍ وَمَسْكَنٍ وَلَقَبٍ وَكُنْيَةٍ ابْنِ شَاسٍ وَلْيَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ اسْمَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَحِلْيَتَهُ وَمَسْكَنَهُ وَصِنَاعَتَهُ أَوْ تِجَارَتَهُ أَوْ شُهْرَةً إنْ كَانَتْ لَهُ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ بِذَلِكَ (فَيُنَفِّذُهُ) أَيْ مَا فِي كِتَابِ الْأَوَّلِ الْقَاضِي (الثَّانِي) الْمُرْسَلُ إلَيْهِ الْكِتَابُ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ الْحُجَجِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْأَوَّلُ جَمِيعَ الْحُجَجِ بِأَنْ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ (وَ) أَنْهَى لِلثَّانِي (بَنَى) الثَّانِي عَلَى مَا حَصَلَ عِنْدَ الْأَوَّلِ، وَتَمَّمَ الْحُكْمَ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ اقْتَصَرَ الْأَوَّلُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمَنْهِيِّ إلَيْهِ الْإِتْمَامُ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَشَبَّهَ فِي الْبِنَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ نُقِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْقَاضِي وَهُوَ يَنْظُرُ فِي قَضِيَّةٍ قَبْلَ تَمَامِهَا مِنْ خُطَّةٍ، أَيْ نَوْعٍ مِنْ الْحُكْمِ كَحُكْمِ السُّوقِ (لِخُطَّةٍ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ مَرْتَبَةٍ (أُخْرَى) مِنْ مَرَاتِبِ الْحُكْمِ كَالْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ ابْنُ سَهْلٍ سَأَلْت
وَإِنْ حَدًّا، إنْ كَانَ أَهْلًا أَوْ قَاضِيَ مِصْرٍ، وَإِلَّا فَلَا: كَأَنْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ،
[منح الجليل]
ابْنُ عَتَّابٍ عَنْ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ إلَى خُطَّةِ الْقَضَاءِ فَهَلْ يَسْتَأْنِفُ مَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ أَوْ يُكْمِلُهَا وَيَصِلُ نَظَرُهُ فِيهَا؟ فَقَالَ بَلْ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْمَحْكُومَةِ وَبِذَلِكَ أَفْتَيْت.
ابْنُ ذَكْوَانَ حِينَ ارْتَفَعَ مِنْ أَحْكَامِ الشُّرْطَةِ وَالسُّوقِ إلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ، وَيُنَفِّذُ الثَّانِي مَا حَكَمَ بِهِ الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَدًّا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (حَدًّا) أَوْ قِصَاصًا أَوْ عَفْوًا.
الْبُنَانِيُّ لَوْ قَالَ وَلَوْ زِنًا لَكَانَ أَبْيَنَ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضِي الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ (إنْ كَانَ) الْأَوَّلُ (أَهْلًا) لِلْقَضَاءِ بِأَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُهُ (أَوْ) لَمْ يُعْرَفْ بِهَا وَكَانَ (قَاضِي مِصْرٍ) بِالتَّنْوِينِ، أَيْ بَلَدٍ كَبِيرٍ كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، فَإِنَّ الشَّأْنَ لَا يُوَلَّى لِقَضَائِهَا إلَّا مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقَضَاءِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا وَلَا قَاضِي مِصْرٍ (فَلَا) يُنَفِّذُ الثَّانِي حُكْمَهُ.
ابْنُ شَاسٍ إذَا وَرَدَ كِتَابُ قَاضٍ عَلَى قَاضٍ، فَإِنْ عَرَفَهُ بِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ قَبِلَهُ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَإِنْ عَرَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ فَلَا يَقْبَلُهُ.
قَالَ أَصْبَغُ وَإِنْ جَاءَهُ بِكِتَابِ قَاضٍ لَمْ يَعْرِفْهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا سَخَطَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ الْجَامِعَةِ مِثْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْقَيْرَوَانِ وَالْأَنْدَلُسِ فَلْيُنَفِّذْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَلِيَحْمِلْ مِثْلُ هَؤُلَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَأَمَّا قُضَاةُ الْكُوَرِ الصِّغَارِ فَلَا يُنَفِّذُهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ الْعُدُولَ وَعَنْ حَالِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ قَبُولِ خِطَابِ الْقَاضِي صِحَّةَ وِلَايَتِهِ مِمَّنْ تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ بِوَجْهٍ احْتِرَازٌ مِنْ مُخَاطَبَةِ قُضَاةِ أَهْلِ الدَّجْنِ كَقَاضِي مُسْلِمِي بَلَنْسِيَةَ وَطَرْطُوشَةَ وَقَوْصَرَةَ عِنْدَنَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلُوا قَبُولَ الْعَدْلِ الْوِلَايَةَ مِنْ الْمُتَغَلِّبِ جُرْحَةً لِخَوْفِ تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ التَّنْفِيذِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (شَارَكَهُ) أَيْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَبَقِيَّةِ صِفَاتِهِ (غَيْرُهُ) أَيْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فَلَا يُنَفِّذُ الْقَاضِي الثَّانِي حُكْمَ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ الْمُشَارِكُ حَيًّا، بَلْ
وَإِنْ مَيِّتًا، وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ: فَفِي إعْدَائِهِ أَوْ لَا حَتَّى يُثْبِتَ أَحَدِّيَّتَهُ: قَوْلَانِ
وَالْقَرِيبُ: كَالْحَاضِرِ،
[منح الجليل]
وَإِنْ) كَانَ (مَيِّتًا) حَتَّى يُشْهِدَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَيْنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ رَجُلٌ يُلَائِمُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تُعَرِّفُ أَنَّهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَلَائِمَيْنِ قَدْ مَاتَ فَلَا يُنَفِّذُ عَلَى الْحَيِّ مِنْهُمَا مَا فِي الْكِتَابِ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَنُ الْمَيِّتِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ لِبُعْدِهِ فَيُنَفِّذُ فِي الْحَيِّ.
(فَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ) الْقَاضِي فِي الْكِتَابِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ (فَفِي أَعْدَائِهِ) أَيْ تَسْلِيطِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ الطَّالِبُ عَلَى صَاحِبِ الِاسْمِ الْمَكْتُوبِ فِي الْكِتَابِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ صَاحِبُ الِاسْمِ أَنَّ بِالْبَلَدِ مَنْ شَارَكَهُ فِيهِ (أَوْ لَا) يُعَدِّيهِ عَلَيْهِ (حَتَّى يُثْبِتَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الطَّالِبُ (أَحَدِّيَّتَهُ) أَيْ كَوْنَ صَاحِبِ الِاسْمِ وَاحِدًا بِالْبَلَدِ لَا مُشَارِكَ لَهُ فِي اسْمِهِ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا.
الْمُصَنِّفُ وَالشَّهَادَةُ فِي هَذَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ وُجِدَ بِالْبَلَدِ رَجُلٌ وَاحِدٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ كَشَفَ الْقَاضِي عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ بِالْبَلَدِ غَيْرُهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ أَعْدَاهُ عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَكَ الْقَاضِي مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ الْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَا يُؤْخَذُ بِالْحَقِّ حَتَّى يُثْبِتَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْبَلَدِ مَنْ هُوَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ سِوَاهُ وَهُوَ دَلِيلُ سَمَاعِ زُونَانَ.
ابْنُ وَهْبٍ وَقِيلَ يُؤْخَذُ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ هُوَ أَنَّ الْبَلَدَ مَنْ هُوَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ سَوَاءٌ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَرِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَدَنِيَّةِ.
وَلَمَّا أَفَادَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ وَكَانَتْ الْغَيْبَةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قَرِيبَةٍ وَبَعِيدَةٍ وَمُتَوَسِّطَةٍ ذَكَرَهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فَقَالَ (وَ) الْغَائِبُ (الْقَرِيبُ) الْغَيْبَةِ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ (كَالْحَاضِرِ) فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةِ.
ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ تُسْمَعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ حَضَرَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ ثُمَّ يُعْلَمُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَدْفَعٌ وَإِلَّا قَضَى
وَالْبَعِيدُ: كَإِفْرِيقِيَّةَ، يُقْضَى عَلَيْهِ بِيَمِينِ الْقَضَاءِ،
[منح الجليل]
عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ الْإِرْسَالِ إلَيْهِ وَإِعْلَامِهِ بِمَنْ قَامَ عَلَيْهِ دَعْوَاهُ وَمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ وَتَسْمِيَةِ الشُّهُودِ وَالْمَقْبُولِ مِنْهُمْ وَتَسْمِيَةِ الْمُعَدِّلِينَ وَلَمْ يَرَهَا سَحْنُونٌ إلَّا بِحَضْرَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً.
ابْنُ عَرَفَةَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ أَمَّا الدَّيْنُ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ فِيهِ، وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ حُجَجٌ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ فِيهِ.
سَحْنُونٌ وَالدَّيْنُ تَكُونُ فِيهِ الْحُجَجُ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَتَبَ وَأَعْذَرَ إلَيْهِ فِي كُلِّ حَقٍّ إمَّا أَنْ يُوَكِّلَ أَوْ يَقْدُمَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ وَيَبِيعُ عَلَيْهِ فِيهِ مَالَهُ مِنْ أَصْلٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْأُصُولِ وَكُلِّ الْأَشْيَاءِ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِهِ وَلَمْ تُرْجَ لَهُ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ.
(وَ) الْغَائِبُ (الْبَعِيدُ جِدًّا كَإِفْرِيقِيَّةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ وَتَشْدِيدِهَا، أَيْ مَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ بِالْمَغْرِبِ الْأَوْسَطِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ بَلَدِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَثَلَاثَةٍ مِنْ مِصْرَ بَلَدِ ابْنِ الْقَاسِمِ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " (يُقْضَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ جِدًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ رَبْعٍ وَأَصْلٍ وَعَرْضٍ وَحَيَوَانٍ وَدَيْنٍ.
وَفُهِمَ قَوْلُهُ يُقْضَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَنْهُ وَكِيلًا يَنُوبُ عَنْهُ فِي حُجَّتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا لَا يُقِيمُهُ عَنْ طِفْلٍ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُمَا لِبَقَاءِ حُجَّتِهِمَا وَإِقَامَةُ الْوَكِيلِ تَقْطَعُهَا وَيُقْضَى عَلَيْهِ (بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) مِنْ الطَّالِبِ أَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ وَلَا اسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَا اعْتَاضَ وَلَا أَحَالَ وَلَا احْتَالَ وَلَا وُكِّلَ عَلَى الِاقْتِضَاءِ مِنْهُ كُلِّهِ وَلَا بَعْضِهِ وَتُسَمَّى يَمِينَ الِاسْتِبْرَاءِ أَيْضًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ شَرْطًا، وَقِيلَ اسْتِظْهَارٌ وَتَتَوَجَّهُ عَلَى كُلِّ مُدَّعٍ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ أَوْ يَتِيمٍ أَوْ حُبُسٍ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَعَلَى مُسْتَحِقِّ الْحَيَوَانِ وَلَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا.
ابْنُ رُشْدٍ وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَانْقَطَعَتْ كَالْعَدْوَةِ مِنْ الْأَنْدَلُسِ وَمَكَّةَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ حُكِمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَعُرُوضٍ وَدَيْنٍ وَالرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَرُجِيَتْ حُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَكَوْنِهَا مَسْلُوكَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حُكِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرُبَتْ
وَسَمَّى الشُّهُودَ، وَإِلَّا نُقِضَ، وَالْعَشَرَةُ أَوْ الْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ
وَحَكَمَ بِمَا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ: كَدَيْنٍ
[منح الجليل]
غَيْبَتُهُ.
ابْنُ شَاسٍ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ نَافِذٌ، وَيُحَلِّفُ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَدَمِ الْإِبْرَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَالِاعْتِيَاضِ وَالْإِحَالَةِ وَالِاحْتِيَالِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فِي جَمِيعِ الْحَقِّ.
(وَسَمَّى) الْقَاضِي (الشُّهُودَ) أَيْ كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي سِجِلِّهِ، وَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ أَخْبَرَهُ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْذَرَ لَهُ فِيهِمْ، فَإِنْ سَلَّمَ شَهَادَتَهُمْ مَضَى الْحُكْمُ، وَإِنْ ادَّعَى مُسْقِطًا لِشَهَادَتِهِمْ كَلَّفَهُ بِإِثْبَاتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الشُّهُودَ الَّذِينَ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَى الْغَائِبِ (نُقِضَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ حُكْمُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ لَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ فِيهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الطَّعْنِ فِيهِمْ، وَهَذَا مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ فِيهِ الْبَيِّنَةَ فُسِخَتْ الْقَضِيَّةُ قَالَهُ أَصْبَغُ وَهُوَ صَحِيحٌ، عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ تُرْجَى لَهُ وَالْحُكْمَ عَلَى الْحَاضِرِ لَا يَفْتَقِرُ فِيهِ إلَى تَسْمِيَةِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ، إذْ قَدْ أَعْذَرَ فِيهَا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَصْبَغُ وَتَسْمِيَتُهُمْ أَحْسَنُ وَبِهَا مَضَى الْعَمَلُ.
(وَ) الْأَيَّامُ (الْعَشَرَةُ) مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ (أَوْ الْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ) فِي الطَّرِيقِ (يُقْضَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْغَائِبِ (مَعَهَا) أَيْ الْعَشَرَةِ مَعَ الْأَمْنِ وَالْيَوْمَيْنِ مَعَ الْخَوْفِ (فِي) كُلِّ شَيْءٍ (غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ) وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ إنْ كَانَ غَائِبًا عَلَى عَشْرَةٍ مَعَ الْأَمْنِ، أَوْ يَوْمَيْنِ مَعَ الْخَوْفِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَفِيهَا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَمِعْت مَنْ يَذْكُرُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي الدُّورِ وَهُوَ رَأْيِي إلَّا فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ كَالْأَنْدَلُسِ وَطَنْجَةَ وَمَا بَعُدَ فَلْيُقْضَ عَلَيْهِ وَمَا عَلِمْت فِي هَذَا خِلَافًا اهـ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا التَّحْدِيدُ لِلْقُرْبِ وَالْبُعْدِ إنَّمَا هُوَ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَسُلُوكِهِ وَإِلَّا حُكِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قُرِّرَتْ غَيْبَتُهُ تت وعب وَالْخَرَشِيُّ ضَمِيرُ مَعَهَا لِيَمِينِ الْقَضَاءِ وَيَلْزَمُهُ خُلُوُّ جُمْلَةِ الْخَبَرِ مِنْ رَابِطِهَا بِالْمُبْتَدَأِ.
(وَحَكَمَ) الْقَاضِي (بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ أَوْ الشَّيْءِ الَّذِي (يَتَمَيَّزُ) عَنْ غَيْرِهِ حَالَ كَوْنِهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
غَائِبًا) عَنْ بَلَدِ الْقَضَاءِ وَصِلَةُ يَتَمَيَّزُ (بِالصِّفَةِ) كَرَقِيقٍ وَحَيَوَانٍ وَكِتَابٍ وَثَوْبٍ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا لَا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ كَالْحَرِيرِ وَالْحَدِيدِ لَا يُحْكَمُ بِهِ غَائِبًا بِالصِّفَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ بِقِيمَتِهِ وَيْحُكُمْ بِهَا الْمُدَّعِيَةُ.
الْخَرَشِيُّ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ بَلَدِ الْحُكْمِ وَهُوَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ فِي غَيْبَتِهِ كَالْعَقَارِ وَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ حُضُورُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، بَلْ تُمَيِّزُهُ الْبَيِّنَةُ بِالصِّفَةِ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ كَدَيْنٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ كَالْحَدِيدِ وَالْحَرِيرِ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ بِقِيمَتِهِ وَيْحُكُمْ بِهَا لِمُدَّعِيهِ فَالْغَائِبُ عَنْ الْبَلَدِ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ وَصْفُهُ قَامَ وَصْفُهُ مَقَامَ حُضُورِهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَصْفُهُ قَامَتْ قِيمَتُهُ مَقَامَ وَصْفِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُقَوَّمِ وَالْمِثْلِيِّ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ فِي الْمِثْلِيِّ لِجَهْلِ صِفَتِهِ وَإِمَامًا فِي الْبَلَدِ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ أَمْ لَا وَنَحْوُهُ لعب الْعَدَوِيِّ قَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَالْمُنَاسِبُ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى عَيْنِهِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ (كَدَيْنٍ) .
تت اخْتَلَفَ الشَّارِحَانِ فِي تَقْرِيرِهِ، فَقَالَ الشَّارِحُ إنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ فِي غَيْبَتِهِ كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يُطْلَبُ حُضُورُهُ، بَلْ تُمَيَّزُ الْبَيِّنَةُ بِالصِّفَةِ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدَّيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ لَيْسَ الْمُرَادُ إفَادَةَ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ كَمَا يُحْكَمُ بِالدَّيْنِ الْمُتَمَيِّزِ بِالصِّفَةِ بِمَعْنَى لَا فَرْقَ.
طفي فَهِمَ تت أَنَّ تَقْرِيرَ الشَّارِحِ مُخَالِفٌ لِتَقْرِيرِ الْبِسَاطِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ، فَمَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ فَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدَّيْنِ، أَيْ فِي تَمْيِيزِهِ بِالصِّفَةِ إذْ الدَّيْنُ يَتَعَيَّنُ تَمْيِيزُهُ بِالصِّفَةِ وَلَا يُمْكِنُ فِيهِ غَيْرُهُ لِكَوْنِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُعَيَّنَاتِ كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ هَلْ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى عَيْنِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ أَوْ يَكْفِي الْوَصْفُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ لَا يُطْلَبُ حُضُورُهُ، بَلْ تُمَيِّزُهُ الْبَيِّنَةُ بِالصِّفَةِ وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدَّيْنِ.
وَقَالَ فِي شَامِلِهِ وَيَحْكُمُ فِي غَائِبٍ يَتَمَيَّزُ بِصِفَةٍ دَيْنًا أَوْ غَيْرَهُ كَفَرَسٍ وَعَبْدٍ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مَا قُلْنَاهُ وَهُوَ مُرَادُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
بِذِكْرِ الدَّيْنِ هُنَا.
وَفِي الْجَوَاهِرِ الْمَحْكُومُ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يَخْفَى فِي الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ الْعَقَارُ الَّذِي يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ بِتَحْدِيدِهِ أَمَّا الْعَبْدُ وَالْفَرَسُ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِعَلَامَةٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ يَحْكُمُ فِيهِ بِذَلِكَ إنْ كَانَ غَائِبًا.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَا يَحْكُمُ فِيهِ بِذَلِكَ اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ.
قَالَ ابْنُ هَارُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا هَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى الصِّفَةِ فِي الْقَضَاءِ بِهِ أَمْ لَا، فَمِنْ ذَلِكَ الدَّيْنُ وَالْأَمْرُ فِيهِ وَاضِحٌ، إذْ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا، وَمِنْهَا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَالْفَرَسُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ يَحْكُمُ فِيهِ بِالصِّفَةِ إنْ كَانَ غَائِبًا خِلَافًا لِابْنِ كِنَانَةَ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ كَالدَّيْنِ وَفَهِمَ تت مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ يَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدَّيْنِ أَيْ فِي لُزُومِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الدَّيْنَ يُحْكَمُ فِيهِ بِالصِّفَةِ، وَهَذَا فَهْمٌ رَكِيكٌ، إذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ حِينَئِذٍ كَالدَّيْنِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَصِيرُ لَازِمًا لَهُ بَعْدَ وَصْفِهِ فِي ذِمَّتِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ الْمُعَيَّنَاتُ لَا تُقَوَّمُ بِالذِّمَّةِ وَلَا تَكُونُ فِي ضَمَانِهِ، إذْ بِالْحُكْمِ يَنْتَقِلُ الضَّمَانُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ فِي كَبِيرِهِ عَلَى فَهْمِهِ بِقَوْلِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَحْكُمُ بِالدَّيْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ، قَوْلُهُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ رَاجِعٌ إلَى غَيْرِ الدَّيْنِ وَحْدَهُ لَا إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ، فَذَكَرَ كَلَامَ الشَّارِحِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي صَغِيرِهِ، فَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُوصَفُ فَأَدَّاهُ ذَلِكَ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ تَقْرِيرَيْ الشَّارِحَيْنِ، وَقَدْ حَرَّفَ فِي نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَنَصُّ كَلَامِهِ لَا شَكَّ أَنَّ قَيْدَ الْغَيْبَةِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِمَّا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا رَاجِعٌ إلَى غَيْرِ الدَّيْنِ وَحْدَهُ لَا إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ، وَمُرَادُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ قَيْدَ الْغَيْبَةِ فِي غَيْرِ الدَّيْنِ.
أَمَّا هُوَ فَهُوَ غَائِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ، فَاشْتِرَاطُ قَيْدِ الْغَيْبَةِ فِيهِ ضَائِعٌ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ هَارُونَ فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالصِّفَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ جَائِزًا، فَلِمَ أَجَازَ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْهُ الذَّهَابَ بِهَا إلَى بَلَدِ الْبَائِعِ لِتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهَا، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ أَنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
يَقْضِيَ لَهُ عَلَى بَائِعِهِ بِرَدِّ الثَّمَنِ إذَا شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي بَاعَهَا لَهُ مُوَافِقَةٌ لِلصِّفَةِ الَّتِي فِي كِتَابِ الْقَاضِي قُلْت يُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الذَّهَابُ بِهَا لِبَلَدِ الْبَائِعِ لِأَنَّ قَاضِيَهُ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِالصِّفَةِ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ يُرَدُّ جَوَابُهُ بِأَنَّ ظَاهِرَ أَقْوَالِ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَمُتَأَخِّرِيهِمْ وُجُوبُ إجَابَةِ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ يَدِهِ إلَى إسْعَافِهِ بِخُرُوجِهِ بِالْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ إلَى بَلَدِ بَائِعِهِ بِشُرُوطٍ مُقَرَّرَةٍ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الِاسْتِحْقَاقِ لَيْسَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ مِمَّنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِالصِّفَةِ، لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا الْكَتْبَ وَالْحُكْمَ بِخُرُوجِهِ بَيْنَ قُضَاةِ الْأَنْدَلُسِ وَكُوَرِهَا حَسَبَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ وَابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُمَا، وَالْمَعْلُومُ مِنْ حَالِ قُضَاتِهِمْ الْحُكْمُ بِالصِّفَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ تَوَهُّمِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ وُجُوبَ إسْعَافِهِ بِالْخُرُوجِ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ مُوجَبِ رُجُوعِهِ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ بَيِّنَةِ الِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّهَا لَا تَضْمَنُ كَوْنَ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ يَدِهِ اشْتَرَى الْمُسْتَحَقَّ، وَلَمْ تُعَيِّنْ مَنْ بَائِعُهُ لَهُ فَوَجَبَ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْهُ ابْتَاعَهُ مِنْ فُلَانٍ الَّذِي طَلَبَهُ بِثَمَنِهِ وَالْبَيِّنَةُ بِابْتِيَاعِهِ مِنْهُ مَعَ حُضُورِ الْمُسْتَحِقِّ مُتَيَسِّرَةٌ غَيْرُ مُتَعَسِّرَةٍ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا عَايَنَ الْمَبِيعَ عَرَفَهُ وَأَمْكَنَ أَنْ يَشْهَدَ بِأَنَّهُ الَّذِي ابْتَاعَهُ الْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ مِمَّنْ طَلَبَ ثَمَنَهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا وَافْتَقَرَ إلَى الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهُ ابْتَاعَهُ مِنْ الَّذِي طَلَبَهُ بِثَمَنِهِ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ لِجَوَازِ ذُهُولِ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ عَلَى شِرَائِهِ مِمَّنْ طَلَبَهُ بِثَمَنِهِ عَنْ صِفَتِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ لِغَيْبَتِهِ عَنْهُ، وَعَدَمِ ضَبْطِ صِفَتِهِ حِينَ الشِّرَاءِ وَهُوَ لَوْ حَضَرَ عَلِمَ أَنَّهُ الْمُشْتَرِي وَالْمُصَنِّفُ يَجِدُ عِلْمَ هَذَا مِنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِخُرُوجِهِ بِهِ لِبَلَدِ بَائِعِهِ أَدَّى إلَى ضَرَرِهِ بِذَهَابِ ثَمَنِهِ وَجَوَابُهُ مَعَ بُعْدِهِ قَاصِرٌ عَلَى السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ.
وَأَمَّا الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهَا وَمَنْ ادَّعَى عَبْدًا بِيَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا يَشْهَدُ عَلَى الْقَطْعِ، أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ مِثْلُ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ قَاطِعَةٌ بِبَلَدٍ آخَرَ فَسَأَلَ وَضْعَ قِيمَتِهِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَيِّنَتِهِ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ عِنْدَ قَاضِي ذَلِكَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْبَلَدِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ لَهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ سَأَلَ ذُو الْعَدْلِ إلَخْ، فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ مِنْ طَلَبِ الْحُجَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْوَصْفِ وَالْحُكْمِ بِهَا جَائِزَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا وَلَيْسَ مُعَيَّنًا بِنَفْسِهِ، بَلْ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ الدَّيْنُ فَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِشْهَادِ بِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ بِتَخْصِيصِ الْمَدِينِ بِمَا يُعَيِّنُهُ تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ تُكْتَبُ لِلْقَاضِي بِمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ مِنْ صِفَةِ الْآبِقِ كَمَا يُكْتَبُ فِي الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَصِفَتِهِ، فَتَقُومُ الشَّهَادَةُ فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ مَقَامَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَيْنِ، هَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إلَّا ابْنَ كِنَانَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجُزْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الصِّفَةِ وَأَجَازَهَا ابْنُ دِينَارٍ فِي الدَّيْنِ لَا الْآبِقِ.
قُلْت فَظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ لَمْ يُجِزْهَا فِي الدَّيْنِ.
الْمَازِرِيُّ يَقْضِي بِالْبَيِّنَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِصِفَةِ الْمَحْكُومِ بِهِ إنْ كَانَ رُبْعًا لِأَنَّ مِنْ صِفَتِهِ تَجْلِيَتُهُ بِمَحَلِّهِ وَمَكَانِهِ وَهُوَ لَا يَنْتَقِلُ.
وَفِي الْحُكْمِ بِهَا فِي غَيْرِهِ مِنْ حَيَوَانٍ وَشِبْهِهِ قَوْلَانِ عَلَى الْأَوَّلِ يُنَفِّذُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِبَلَدٍ الْبَيِّنَةُ الْحُكْمَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِهَا، وَعَلَى الثَّانِي يَحْكُمُ لَهُ بِأَخْذِ الْمُدَّعَى فِيهِ بِوَضْعِهِ قِيمَتَهُ لِيَذْهَبَ بِهِ لِمَحَلِّ الْبَيِّنَةِ لِتَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، فَيَحْكُمَ لَهُ بِهِ وَيَسْتَرْجِعَ قِيمَتَهُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مِمَّا لَا يَتَمَيَّزُ أَصْلًا ذِكْرُ الْبَيِّنَةِ قِيمَتَهُ تَقُولُ غَصَبَهُ حَرِيرًا قِيمَتُهُ كَذَا أَوْ طَعَامًا قِيمَتُهُ كَذَا.
قُلْت هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ لَا تَصِحُّ الْبَيِّنَةَ بِهِ بَعْدَ غَيْبَتِهِ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَتِهِ بَعْدَ حُضُورِهِ، فَتُمْتَنَعُ الشَّهَادَةُ بِهِ غَائِبًا عَلَى الصِّفَةِ، وَتَمَامُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَسَائِلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا مُعَيَّنًا بِنَفْسِهِ كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ، فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَا يُسْتَحَقُّ لَا مِنْ يَدِ مُدَّعٍ مِلْكَهُ وَلَا مُدَّعِيًا حُرِّيَّةَ نَفْسِهِ سُمِعَتْ فِي غَيْبَتِهِ بِكَمَالِ صِفَتِهِ الْمُوجِبَةِ تَعَيُّنَهُ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهِ اتِّفَاقًا إنْ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا آبِقًا وَإِنْ كَانَهُ فَفِي سَمَاعِهَا وَمَنْعِهِ قَوْلُهَا مَعَ جُلِّ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَابْنِ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ مَعَ ابْنِ كِنَانَةَ وَإِنْ كَانَتْ بِمَا يُسْتَحَقُّ مِنْ يَدِ مُدَّعٍ مِلْكَهُ أَوْ مُدَّعِيًا حُرِّيَّةَ نَفْسِهِ، فَفِي سَمَاعِهَا بِهِ وَمَنْعِهِ قَوْلَانِ، لِاخْتِصَارِ الْوَاضِحَةِ
وَجَلَبَ الْخَصْمَ، بِخَاتَمٍ، أَوْ رَسُولٍ،
[منح الجليل]
لِفَضْلٍ، عَنْ سَحْنُونٍ قَائِلًا لَا أَعْلَمُ خِلَافَهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا غَيْرَ ابْنِ كِنَانَةَ وَفَضْلٍ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ مَعَهُ.
وَلِلشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَوْ ادَّعَى عَبْدًا بِيَدِ رَجُلٍ وَالْعَبْدُ غَائِبٌ فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فِيهِ، أَوْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ مَتَاعًا بِعَيْنِهِ أَقَامَ فِيهِ بَيِّنَةً قُبِلَتْ إذَا وَصَفُوا ذَلِكَ وَعَرَّفُوهُ وَحَلُّوهُ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ.
قَالَ وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى غَائِبٍ بِأَنَّهُ سَرَقَ فَقَدِمَ وَغَابَ الشُّهُودُ أَوْ حَضَرُوا حُكِمَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا إذَا اسْتَأْصَلَ تَمَامَ الشَّهَادَةِ.
(وَجَلَبَ) الْقَاضِي (الْخَصْمَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِخَاتَمٍ) أَيْ الْآلَةِ الَّتِي يَطْبَعُ بِهَا كِتَابَهُ سَوَاءٌ كَانَ يَضَعُهُ فِي يَدِهِ أَمْ لَا، أَيْ بِوَرَقَةٍ مَطْبُوعَةٍ بِهِ.
ابْنُ يُونُسَ أَمَرَ سَحْنُونٌ النَّاسَ فَكَتَبُوا أَسْمَاءَهُمْ فِي بِطَاقٍ ثُمَّ خُلِطَتْ ثُمَّ دَعَا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَمَنْ دَعَاهُ وَخَصْمُهُ حَاضِرٌ مَعَهُ أَدْخَلَهُمَا وَأَجْلَسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الِاعْتِدَالِ فِي مَجْلِسِهِمَا، وَإِنْ اسْتَعْدَى الَّذِي خَرَجَ اسْمُهُ عَلَى رَجُلٍ بِحَاضِرَةِ مَدِينَةِ الْعَدْوَى أَوْ يَقْصُرُ.
ابْنُ الْأَغْلَبِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ أَعْدَاهُ عَلَى خَصْمِهِ بِطَابَعٍ يُعْطِيهِ إيَّاهُ، فَإِذَا أَتَى بِصَاحِبِهِ أُمِرَ بِأَخْذِ الطَّابَعِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا يُعْطَى كِتَابُ عَدَوِيّ بِجَلْبِ خَصْمٍ إلَّا مِنْ الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ.
(أَوْ رَسُولٍ) مِنْ الْقَاضِي لِلْخَصْمِ الْمَطْلُوبِ حُضُورُهُ.
ابْنُ فَتُّوحٍ إنْ سَأَلَ الطَّالِبُ الْقَاضِيَ يَرْفَعُ مَطْلُوبَهُ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي أَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إنْ كَانَ قَرِيبًا أَنْ يَأْمُرَ غُلَامَهُ الَّذِي لَهُ الْإِجَارَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِالسَّيْرِ مَعَهُ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَرِيبُ مِنْ الْمَدِينَةِ كَمَنْ يَأْتِي ثُمَّ يَرْجِعُ يَبِيتُ بِمَنْزِلِهِ.
ابْنُ شَاسٍ إنْ غَابَ الْخَصْمُ وَلَمْ يَكُنْ مَوْضِعُهُ يَزِيدُ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى أَحْضَرَهُ الْقَاضِي.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا اسْتَعْدَى الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ مَعَهُ أَعْطَاهُ عَدْوَاهُ بِخَاتَمٍ يَخْتِمُهُ لَهُ أَوْ رَسُولٍ يُرْسِلُهُ إلَيْهِ حَتَّى يَجْلِبَهُ إلَيْهِ وَأُجْرَةُ الرَّسُولِ عَلَى الطَّالِبِ إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْحُضُورِ أَوْ الْجَوَابِ أَوْ إعْطَاءِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ، فَتَكُونَ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِ لِظُلْمِهِ لَا يُقَالُ الظُّلْمُ لَا يُبِيحُ مَالَ الظَّالِمِ لِأَنَّا نَقُولُ الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُبِيحُ مَالَ الظَّالِمِ هُوَ الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُؤَدِّي لِضَيَاعِ مَالِ الْمَظْلُومِ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الْمُؤَدِّي
إنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى، لَا أَكْثَرَ: كَسِتِّينَ مِيلًا، إلَّا بِشَاهِدٍ
وَلَا يُزَوِّجُ امْرَأَةً لَيْسَتْ بِوِلَايَتِهِ.
[منح الجليل]
لِذَلِكَ فَيُوجِبُ إغْرَامَهُ كَمَنْعِ آلَةِ التَّذْكِيَةِ حَتَّى مَاتَ الْحَيَوَانُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ، أَفَادَهُ تت عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَيُجْلَبُ الْخَصْمُ بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ (إنْ كَانَ) الْخَصْمُ (عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ كَذَلِكَ مَقْصُورًا فِي الصِّحَاحِ الْعَدْوَى طَلَبُك إلَى وَالٍ لِيُعَدِّيَك عَلَى مَنْ ظَلَمَك كَيْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ يُقَالُ اسْتَعْدَيْت عَلَى فُلَانٍ الْأَمِيرَ فَأَعْدَانِي، أَيْ اسْتَعَنْت بِهِ فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ، وَالِاسْمُ مِنْهُ الْعَدْوَى وَهِيَ الْمَعُونَةُ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
الْحَطّ كَلَامُ الْقَرَافِيِّ يُفِيدُ أَنَّ مَسَافَةَ الْعَدْوَى هِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَنَحْوُهُ فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ.
وَقَالَ الْبَاجِيَّ مِثْلُ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ.
وَقِيلَ أَنْ يَأْتِيَ ثُمَّ يَرْجِعَ فَيَبِيتَ فِي مَنْزِلِهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ يُجْلَبُ الْخَصْمُ مَعَ مُدَّعِيهِ بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَلَا يَجْلِبُهُ مَا لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدٌ.
ابْنُ سَلْمُونٍ إنْ كَانَ الْخَصْمُ فِي مِصْرِ الْحَاكِمِ أَوْ عَلَى أَمْيَالٍ يَسِيرَةٍ كَتَبَ بِرَفْعِهِ أَصْبَغُ، وَإِلَّا فَلْيَكْتُبْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ اجْمَعُوا بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لِلتَّنَاصُفِ، فَإِنْ أَبَيَا فَانْظُرُوا، فَإِنْ رَأَيْتُمْ لِلْمُدَّعِي وَجْهَ مَطْلَبٍ وَلَا يُرِيدُ بِالْمَطْلُوبِ تَعْنِيَتَهُ فَارْفَعُوهُ إلَيْنَا وَإِلَّا فَلَا (لَا) يُجْلَبُ إنْ كَانَ عَلَى (أَكْثَرَ) مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى زِيَادَةً كَثِيرَةً (كَسِتِّينَ مِيلًا) فَلَا يَجِبُ مِنْهَا (إلَّا بِشَاهِدٍ) يُقِيمُهُ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْقَاضِي بِحَقِّهِ فَيَكْتُبُ إلَيْهِ إمَّا أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ أَوْ يَحْضُرَ أَوْ يُوَكِّلَ.
الْمُتَيْطِيُّ إذَا لَمْ يَتَّفِقْ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ الْبَعِيدَةِ تَقْدِيمُ حَاكِمٍ لِكَوْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَأْذَنْ لِلْقَاضِي فِي ذَلِكَ أَوْ لِعَدَمِ مَنْ يُوَلِّيهِ فَلَا يَرْفَعُ مَنْ فِيهِ إلَى الْمِصْرِ إلَّا بِشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ كَشَاهِدِ عَدْلٍ أَوْ أَثَرِ ضَرْبٍ أَوْ جُرْحٍ ظَهَرَ عِنْدَهُ، وَلَعَلَّهُ يُشَخِّصُ الرَّجُلَ الْبَعِيدَ وَلَا شَيْءَ لَهُ عِنْدَهُ.
(وَلَا يُزَوِّجُ) الْقَاضِي (امْرَأَةً) غَائِبَةً (لَيْسَتْ بِوِلَايَتِهِ) تت اخْتَلَفَ الشَّارِحَانِ فِي تَقْرِيرِهِ، فَقَرَّرَهُ الشَّارِحُ بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا بِمَحِلِّهَا فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَخَرَجَتْ مِنْهَا أَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ زَوَّجَهَا كَانَتْ مِنْ
وَهَلْ يُدَّعَى حَيْثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِهِ عُمِلَ؟ أَوْ الْمُدَّعَى وَأُقِيمَ مِنْهَا
[منح الجليل]
أَهْلِ وِلَايَتِهِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ صَارَ مَعْزُولًا عَنْ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ خَارِجًا عَنْ وِلَايَتِهِ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ لَا يُزَوِّجُ امْرَأَةً لَيْسَتْ بِوِلَايَتِهِ يَعْنِي إذَا حَضَرَ بِوِلَايَتِهِ امْرَأَةٌ مَحَلُّهَا فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ فَلَا يُزَوِّجُهَا قَالُوا لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَشْخَاصُ كَمَا تُعْتَبَرُ الْبِقَاعُ.
طفي تَقْرِيرُ الشَّارِحِ هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ نَصُّ الْجَوَاهِرِ.
(وَ) إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَلَدٍ لَهُ قَاضٍ وَالْمُدَّعِي بِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ لَهُ قَاضٍ آخَرُ فَ (هَلْ يُدَّعَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَالْعَيْنِ مُثَقَّلًا، أَيْ تُقَامُ الدَّعْوَى وَيَتَحَاكَمُ (حَيْثُ) يَكُونُ الشَّخْصُ (الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِهِ) أَيْ الِادِّعَاءِ بِمَحَلِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ قَضَى مُطَرِّفٌ بِهِ جَرَى الْحُكْمُ بِالْمَدِينَةِ وَحَكَمَ بِهِ ابْنُ بَشِيرٍ بِالْأَنْدَلُسِ (أَوْ) يُدْعَى حَيْثُ يَكُونُ (الْمُدَّعِي) فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (وَأُقِيمَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ فَهِمَهُ فَضْلٌ (مِنْهَا) أَيْ الْمُدَوَّنَةِ.
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ تت وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَقَارًا أَوْ شَيْئًا مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، اهـ. طفي لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي كَبِيرِهِ وَقَوْلُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَالْخُصُومَةُ فِي مُعَيَّنٍ دَارًا وَغَيْرَهَا فِي كَوْنِهَا فِي بَلَدِ الْمُدَّعِي فِيهِ أَوْ بَلَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ بَلَدِ الْمُدَّعِي فِيهِ، ثَالِثُهَا هَذَا أَوْ حَيْثُ اجْتِمَاعُهُمَا وَلَوْ بِغَيْرِ بَلَدِ الْمُدَّعِي فِيهِ لِاخْتِصَارِ الْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَعَ فَضْلٍ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ كِنَانَةَ وَمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ قَائِلًا كُلُّ مَنْ تَعَلَّقَ بِخَصْمٍ فِي حَقٍّ فَلَهُ مُخَاصَمَتُهُ حَيْثُ تَعَلَّقَ بِهِ إنْ كَانَ بِهِ أَمِيرًا وَقَاضٍ، وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ بِغَيْرِ مَوْضِعِ إجْمَاعِهِمَا.
ابْنُ حَبِيبٍ أَقُولُ بِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ مِنْ دَيْنٍ وَحَقٍّ لَا فِي الْعَقَارِ.
اهـ. وَنَقَلَ " ق " عَنْ ابْنِ دِينَارٍ أَنَّ الدَّعْوَى بِحَقٍّ فِي الذِّمَّةِ الْخِصَامُ فِيهَا حَيْثُ تَعَلَّقَ بِهِ الطَّالِبُ.
قُلْت الدُّيُونُ فِي هَذِهِ مُخَالِفَةٌ لِلْعَقَارِ قَالَ نَعَمْ، وَفِي التُّحْفَةِ وَحَيْثُ يُلْقِيهِ بِمَا فِي الذِّمَّةِ يَطْلُبُهُ وَمُقَابَلَتُهُمْ الْعَقَارَ بِالدُّيُونِ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْعَقَارِ، بَلْ الْمُعَيَّنُ غَيْرُهُ كَهُوَ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَإِنْ كَانَ فَرْضُ كَلَامِهِمْ فِي الْعَقَارِ.
وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ بِلَا وَكَالَةٍ؟ تَرَدُّدٌ.
[منح الجليل]
الثَّانِي: تت الظَّاهِرُ أَنَّ الْعَمَلَ مُرَجِّحٌ لِلْقَوْلِ وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ كَانَ الْعُرْفُ عَامًّا فِي كُلِّ بَلَدٍ، وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَ الْعُرْفُ بِأَنْ جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي بَلَدٍ وَجَرَى فِي آخَرَ بِغَيْرِهِ فَغَيْرُ وَاضِحٍ فَرُبَّ شَيْءٍ شَهِدَ الْعُرْفُ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فِي بَلَدٍ وَشَهِدَ فِي آخَرَ أَنَّهُ لِلنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ، وَرُبَّمَا اخْتَلَفَ الْعُرْفُ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ.
طفي كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَمَلَ بِشَيْءٍ هُوَ جَرَيَانُ الْعُرْفِ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مُرَادُهُمْ بِقَوْلِهِمْ وَبِهِ الْعَمَلُ وَعُمِلَ بِهِ أَنَّ الْقَوْلَ حَكَمَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ وَجَرَيَانُ الْعُرْفِ بِالشَّيْءِ هُوَ عَمَلُ الْعَامَّةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ إنْشَاءِ حُكْمٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، كَقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْعُرْفُ عِنْدَنَا فِي ذَوَاتِ الْأَقْدَارِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ الدَّارَ، فَلَوْ اخْتَلَفَا فِيهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ الْمَرْأَةِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهَذَا الْبَابُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ تَابِعٌ لِلْعُرْفِ، فَرُبَّ مَتَاعٍ شَهِدَ الْعُرْفَ فِي بَلَدٍ أَوْ زَمَانٍ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ، وَيَشْهَدُ فِي بَلَدٍ آخَرَ أَوْ زَمَنٍ آخَرَ أَنَّهُ لِلنِّسَاءِ، وَيَشْهَدُ فِي الزَّمَانِ الْوَاحِدِ وَالْمَكَانِ الْوَاحِدِ أَنَّهُ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْمٍ وَمِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ قَوْلِهِ، وَبِهِ الْعَمَلُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَبِهِ عُمِلَ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ مُطَرِّفٍ وَبِهِ جَرَى الْحُكْمُ فِي الْمَدِينَةِ، وَبِهِ حَكَمَ ابْنُ بَشِيرٍ بِالْأَنْدَلُسِ وَلَيْسَ هَذَا تَابِعًا لِلْعُرْفِ فِي شَيْءٍ.
(وَفِي تَمْكِينِ) شَخْصٍ مِنْ (الدَّعْوَى لِ) شَخْصٍ (غَائِبٍ) عَنْ الْبَلَدِ احْتِسَابًا (بِلَا وَكَالَةٍ) مِنْ الْغَائِبِ لَهُ فِي شَيْءٍ تَعَدَّى عَلَيْهِ أَوْ غَصْبٍ أَوْ ضَرَرٍ أَحْدَثَهُ جَارُهُ فِي دَارِهِ أَوْ أَرْضِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَحْنُونٌ، وَعَدَمُ تَمْكِينِهِ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ، ثَالِثُهَا لَا يُمَكَّنُ مِنْهَا إلَّا الْأَبُ وَالِابْنُ وَمَنْ لَهُ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ، رَابِعُهَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا مِنْ الْخُصُومَةِ، خَامِسُهَا يُمَكَّنُ الْقَرِيبُ وَالْأَجْنَبِيُّ مِنْ الْخُصُومَةِ فِي الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ دُونَ تَوْكِيلٍ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا الْأَبُ وَالِابْنُ حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ (تَرَدُّدٌ) الْحَطّ أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ إلَى الْخِلَافِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّوْضِيحِ، وَذَكَرَهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: الْحَطّ هَذَا الْخِلَافُ فِي الدَّعْوَى مِمَّنْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَأَمَّا مَنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ كَمَنْ سَبَقَتْ لَهُ يَدٌ عَلَى الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ مَنْ لَهُ فِيهِ تَعَلُّقٌ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْهُ، فَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِذَلِكَ أَمْ لَا، لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ كَلَامًا شَافِيًا، وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ نُصُوصُ الْمَذْهَبِ الْآتِي ذِكْرُهَا أَنْ تُلَخَّصَ قَاعِدَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَتُجْعَلَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَهِيَ أَنَّ هَذَا الْمُدَّعِيَ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ ضَمَانُ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ وَصَارَ مُطَالَبًا بِهِ فَلَهُ الْمُخَاصَمَةُ فِيهِ وَالدَّعْوَى وَإِثْبَاتُ مِلْكِ الْغَائِبِ وَتَسَلُّمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ضَمَانِهِ فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمُدَّعَى فِيهِ شَيْئًا لَهُ فِي ذِمَّةِ مَالِكِهِ الْغَائِبِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَازَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ وَيُثْبِتَ مِلْكَ الْغَائِبِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الدَّعْوَى، فَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْغَاصِبُ إذَا غَصَبَهُ غَاصِبٌ آخَرُ وَالْمُسْتَعِيرُ إذَا كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَالْمُرْتَهِنُ كَذَلِكَ وَالْحَمْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ، سُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْعُمَّالِ أَكْرَهَ رَجُلًا أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ رَجُلٍ يُخْرِجَ مِنْهُ مَتَاعَهُ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَأَخْرَجَ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ عُزِلَ ذَلِكَ الْعَامِلُ الْغَاصِبُ ثُمَّ أَتَى الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْمَتَاعُ فَطَلَبَ مَا غُصِبَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِمَالِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا إنْ شَاءَ الْآمِرَ، وَإِنْ شَاءَ الْمَأْمُورَ فَقَالَ نَعَمْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِمَالِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
قِيلَ لَهُ فَإِنْ أَخَذَ مَالَهُ مِنْ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى الدُّخُولِ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْعَامِلِ الَّذِي أَكْرَهَهُ عَلَى الدُّخُولِ، فَقَالَ نَعَمْ، قِيلَ لَهُ فَإِنْ عُزِلَ الْأَمِيرُ الْغَاصِبُ وَغَابَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْمَتَاعُ فَقَامَ الْمُكْرَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ عَلَى الْأَمِيرِ الْغَاصِبِ لِلْمَتَاعِ لِيُغَرِّمَهُ إيَّاهُ وَقَالَ أَنَا الْمَأْخُوذُ بِهِ إذَا جَاءَ صَاحِبُهُ فَهَلْ يُعَدَّى عَلَيْهِ فَقَالَ نَعَمْ.
مُحَمَّدٌ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْمَخْلُوقِ كَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ لَا يَصِحُّ بِإِجْمَاعٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ مِنْ الْأَقْوَالِ بِاتِّفَاقٍ، وَمِنْ الْأَفْعَالِ عَلَى اخْتِلَافٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ يُقْضَى لِلْمُكْرَهِ عَلَى الدُّخُولِ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ عَلَى الْعَامِلِ بِالْمَالِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ، فَفِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِتَغْرِيمِهِ إيَّاهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ وَيُوقَفُ لِصَاحِبِهِ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ إثْرَهُ كَالْمُصَنِّفِ فِي ضَيْح، قُلْت الْأَظْهَرُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي الْوَقْفِ لَضَمِنَهُ لِأَنَّهُ عَلَى حُكْمِ الْغَصْبِ بَاقٍ اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ كَالْغَصْبِ وَالْقَتْلِ لَا يَصِحُّ بِإِجْمَاعٍ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِ الْخِلَافُ حَسْبَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالُوا فِي الْحَمِيلِ لَهُ أَخْذُ الْحَقِّ بَعْدَ مَحَلِّهِ وَالطَّالِبُ غَائِبٌ إذَا قَالَ أَخَافُ أَنْ يُفْلِسَ الْمَضْمُونُ وَهُوَ مِمَّا يُخْشَى عَدَمُهُ قَبْلَ قُدُومِ الطَّالِبِ أَوْ كَانَ كَثِيرَ الْمَطْلِ وَاللَّدَدِ، فَإِنْ كَانَ الْحَمِيلُ أَمِينًا أَقَرَّ الْمَالَ عِنْدَهُ وَإِلَّا أَوْدَعَ لِبَرَاءَةِ الْحَمِيلِ وَالْغَرِيمِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِ.
وَمِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي الْمُرْتَهِنُ يُثْبِتُ مِلْكَ الرَّاهِنِ لِيَبِيعَهُ وَيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ وَزَوْجَةُ الْغَائِبِ وَغُرَمَاؤُهُ يُثْبِتُونَ مَالَهُ لِيُبَاعَ لَهُمْ وَيَسْتَوْفُونَ مِنْ ثَمَنِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ لِلْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الرَّهْنِ حَتَّى يَثْبُتَ الدَّيْنُ عِنْدَهُ وَالرَّهْنُ وَمِلْكُ الرَّاهِنِ لَهُ.
وَيَحْلِفُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ مَا وَهَبَهُ دَيْنَهُ وَلَا قَبَضَهُ وَلَا أَحَالَ بِهِ وَأَنَّهُ لَبَاقٍ عَلَيْهِ إلَى حِينِ قِيَامِهِ اهـ. وَفِي التَّوْضِيحِ إنْ كَانَ لِلزَّوْجِ وَدَائِعُ وَدُيُونٌ فَرَضَ لِلزَّوْجَةِ نَفَقَتَهَا فِيهَا، وَلَهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ جَحَدَ مِنْ غُرَمَائِهِ أَنَّ لِزَوْجِهَا عَلَيْهِمْ دَيْنًا، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَبِيعُ الْحَاكِمُ الدَّارَ حَتَّى يُكَلِّفَ الزَّوْجَةَ إثْبَاتَ مَلَكِيَّةِ الزَّوْجِ لَهَا وَأَنَّ الدَّارَ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ.
الثَّانِي: تت ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ التَّرَدُّدَ فِي الْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ.
طفي مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُمْ عَدُّوا هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُشِيرُ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرَدُّدِ لِكَثْرَةِ الْخِلَافِ.
الثَّالِثُ: تت مَا قَرَّرْنَا بِهِ نَحْوَهُ فِي الشَّارِحِ الْأَوْسَطِ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ الْغَائِبَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ هَذِهِ الدَّعْوَى وَكِيلٌ وَيَكْفِي وُجُودُ الْمَالِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا فَائِدَةَ لِاشْتِرَاطِ حُضُورِ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْغَائِبَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَفَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَوُجُودُ الْوَكِيلِ كَعَدَمِهِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ مَعْنَى مَا لِلشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ.
طفي مَا ذَكَرَهُ الْبِسَاطِيُّ عَنْ الشَّارِحِ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ تت، إذْ كَلَامُ الشَّارِحِ فِي كَبِيرِهِ لَيْسَ كَمَا قَالَ، وَلَا يَصِحُّ فِي نَفْسِهِ، إذْ لَيْسَ الْخِلَافُ هَلْ لَا بُدَّ مِنْ وَكِيلٍ أَوْ يَكْفِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وُجُودُ الْمَالِ، وَنَصَّ الشَّارِحِ فِي كَبِيرِهِ قَوْلُهُ وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ بِلَا وَكَالَةٍ تَرَدُّدٌ الْمَنْعُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَقَالَ إنْ كَانَ لِلْغَائِبِ بِبَلَدِ الْحُكْمِ مَالٌ أَوْ حَمِيلٌ أَوْ وَكِيلٌ سُمِعَتْ الدَّعْوَى وَإِلَّا نُقِلَتْ الشَّهَادَةُ اهـ. وَهَكَذَا النَّقْلُ فِي ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ شَرَطَ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وُجُودَ أَحَدِ مَا ذُكِرَ وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلْقَاضِي الْحُكْمُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ عَلَى حَمْلِ الشَّارِحِ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ الْبَعِيدِ كَإِفْرِيقِيَّةَ إلَخْ، وَإِنْ قُلْنَا أَعَادَهُ لِيُنَبِّهَ عَلَى الْخِلَافِ فَيَحْتَاجُ لِجَعْلِ اللَّامِ بِمَعْنَى عَلَى، وَمَعَ ذَلِكَ تَنْبُو عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ عَنْ ذَلِكَ، إذْ لَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَةِ عَلَى غَائِبٍ بِلَا وَكِيلٍ أَوْ حَمِيلٍ أَوْ مَالٍ تَرَدُّدٌ وَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا مَحَلَّ التَّرَدُّدِ، وَلِأَنَّ مَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَالْبَعِيدُ كَإِفْرِيقِيَّةَ هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ مَا يُخَالِفُهُ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْخِلَافِ مَعَ ضَعْفِهِ، إذْ لَمْ تَجْرِ لِلْمُصَنِّفِ عَادَةً بِذَلِكَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَتَقْرِيرُ الشَّارِحِ فِي كَبِيرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَفِي الْوَسَطِ وَالصَّغِيرِ كَمَا قَرَّرَ تت، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ تَعْمِيمَ ابْنِ مَرْزُوقٍ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُدَّعَى لَهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَالْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْهُمْ مَا ذُكِرَ مَعَ تَقَدُّمِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَعَ كَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مَشْهُورَةً بِالْخِلَافِ فِي دَوَاوِينِ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَنْ قَامَ مُحْتَسِبًا لِغَائِبٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَفِي قَصْرِ الْقِيَامِ عَنْهُ دُونَ تَوْكِيلٍ مِنْهُ عَلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَعُمُومُهُ فِيهِمَا وَفِي الْأَجَانِبِ ثَالِثُهَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا الْخُصُومَةِ.
وَرَابِعُهَا لَا يُمَكَّنُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَخَامِسُهَا يُمَكَّنُ مِنْهُمَا الْأَبُ وَالِابْنُ فَقَطْ، وَيُمَكَّنُ غَيْرُهُمَا وَالْأَجْنَبِيُّ فِي الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ لِفَوْتِهَا وَتَغَيُّرِهَا لَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ دَيْنٍ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقِيَامِ عَنْهُ فِي كَوْنِهِ فِي قَرِيبِ الْغَيْبَةِ وَبِعِيدِهَا وَقَصْرِهِ عَلَى قُرْبِهَا قَوْلَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابٌ)
[منح الجليل]
[بَاب فِي أَحْكَام الشَّهَادَة]
ِ وَهِيَ لُغَةً الْبَيَانُ وَالشَّاهِدُ الْمُبَيِّنُ، وَكَذَا الشَّهِيدُ، وَفُسِّرَ قَوْله تَعَالَى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: 18] يُبَيِّنُ وَيُعَلِّمُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا تُعَرَّفُ اصْطِلَاحًا لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْقَرَافِيُّ أَقَمْت نَحْوَ ثَمَانِ سِنِينَ أَطْلُبُ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ وَأَسْأَلُ الْفُضَلَاءَ عَنْهُ وَتَحْقِيقِ مَاهِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيَقُولُونَ يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ التَّعَدُّدُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةُ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ فَأَقُولُ لَهُمْ هَذَا فَرْعُ تَصَوُّرِهَا وَتَمَيُّزِهَا عَنْ الرِّوَايَةِ وَتَعْرِيفِهَا بِأَحْكَامِهَا الَّتِي لَا تُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا دَوْرٌ، وَإِذَا وَقَعَتْ حَادِثَةٌ غَيْرُ مَنْصُوصَةٍ مِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّهَا شَهَادَةٌ شَرْطُهَا التَّعَدُّدُ إلَخْ أَوْ رِوَايَةٌ لَيْسَ شَرْطُهَا ذَلِكَ وَبَنَوْا الْخِلَافَ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ عَلَى كَوْنِهِ رِوَايَةً أَوْ شَهَادَةً، وَفِي قَبُولِهِ بِعَدَدِ مَا صَلَّى إمَامُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِهِمَا وَمَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَزَلْ فِي شِدَّةِ قَلَقٍ حَتَّى طَالَعْت شَرْحَ الْبُرْهَانِ لِلْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَوَجَدْته حَقَّقَ الْمَسْأَلَةَ وَمَيَّزَ الشَّهَادَةَ مِنْ الرِّوَايَةِ، فَقَالَ هُمَا خَبَرَانِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ فَهِيَ الرِّوَايَةُ، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَالشُّفْعَةُ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ» فَإِنَّهُمَا عَامَّانِ لَا يَخْتَصَّانِ بِمُعَيَّنٍ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِهَذَا عِنْدَ هَذَا دِينَارٌ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لِزَامُ الْمُعَيَّنِ لَا يَتَعَدَّاهُ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ.
ثُمَّ قَالَ يَنْتَقِضُ هَذَا الْفَرْقُ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّيٍّ، كَشَهَادَةٍ بِوَقْفٍ مُؤَبَّدٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَكَوْنِ الْأَرْضِ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَبِأَنَّ الرِّوَايَةَ قَدْ تَتَعَلَّق بِجُزْئِيٍّ كَإِرْسَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِجْرَتِهِ وَوَفَاتِهِ وَخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ عُمُومَهَا عَارِضٌ، وَمَقْصُودَهَا الْأَوَّلَ إنَّمَا هُوَ جُزْئِيٌّ، فَالْمَقْصُودُ بِالشَّهَادَةِ بِالْوَقْفِ إنَّمَا هُوَ الْوَاقِفُ لِيَنْزِعَ مِنْهُ الْمَوْقُوفَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَأَمَّا كَوْنُ الْأَرْضِ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَالرِّوَايَةِ لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ لِتَعَيُّنِ الْمَحْكُومِ فِيهِ وَهُوَ الْأَرْضُ.
وَأَمَّا النَّقْضُ عَلَى الرِّوَايَةِ فَإِنَّ الْمَذْكُورَاتِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِجُزْئِيَّاتٍ ابْتِدَاءً لَكِنَّ ثَمَرَاتِهَا وَفَوَائِدَهَا عَامَّةٌ لِلْعَالَمِينَ أَجْمَعِينَ، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَوَاضِحٌ أَنَّ قَوْلَهُ أَقَمْت أَطْلُبُ الْفَرْقَ وَأَسْأَلُ الْفُضَلَاءَ إلَخْ نَصٌّ فِي مُنَافَاتِهِ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَا حَاجَةَ لِتَعْرِيفِ الشَّهَادَةِ، وَالْحَقُّ قَوْلُ الْقَرَافِيِّ إنَّهُ مُحْتَاجٌ لِتَعْرِيفِهَا، وَتَعَقَّبَ بَعْضُ شُيُوخِنَا قَوْلَ الْقَرَافِيِّ أَقَمْت مُدَّةً كَذَا أَطْلُبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَخْ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي أَيْسَرِ الْكُتُبِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَ مُبْتَدَئِي الطَّلَبَةِ وَهُوَ تَنْبِيهٌ.
ابْنُ بَشِيرٍ قَالَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لَمَّا كَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ رَدُّ ثُبُوتِ الْهِلَالِ لِبَابِ الْإِخْبَارِ إذَا رَأَوْا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ بَابِ الْخَبَرِ وَبَابِ الشَّهَادَةِ أَنَّ كُلَّ مَا خَصَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فَبَابُهُ بَابُ الشَّهَادَةِ، وَكُلَّ مَا عَمَّ فَلَزِمَ الْقَائِلَ مِنْهُ مَا لَزِمَ الْمَقُولَ لَهُ، فَبَابُهُ بَابُ الْإِخْبَارِ جَعَلُوا فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَهُ بِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْهِلَالِ، وَلَا تَجِدُهُ إلَّا فِي النَّقْلِ عَمَّا ثَبَتَ عِنْدَ الْإِمَامِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالصَّوَابُ أَنَّ الشَّهَادَةَ قَوْلٌ هُوَ بِحَيْثُ يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ سَمَاعَهُ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَاهُ إنْ عَدَلَ قَائِلُهُ مَعَ تَعَدُّدِهِ أَوْ حَلَفَ طَالِبُهُ فَتَخْرُجُ الرِّوَايَةُ وَالْخَبَرُ الْقَسِيمُ لِلشَّهَادَةِ وَإِخْبَارُ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قَاضِيًا آخَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَى مَا كَتَبَ بِهِ إلَيْهِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ بِالتَّعَدُّدِ أَوْ الْحَلِفِ، وَتَدْخُلُ الشَّهَادَةُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَغَيْرُ التَّامَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَيْثِيَّةَ لَا تُوجِبُ حُصُولَ مَدْلُولِ مَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ بِالْفِعْلِ حَسْبَمَا ذَكَرُوهُ فِي تَعْرِيفِ الدَّلَالَةِ.
اهـ. وَقَالَ قَوْلٌ وَهُوَ جِنْسٌ بَعِيدٌ لِإِدْخَالِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ، إذْ هِيَ قَوْلٌ لَا خَبَرٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ النَّفْسِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ لُغَةً وَعُرْفًا، وَفِيهِ دَوْرٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِافْتِقَارِهِ لِلتَّعَدُّدِ فَرْعُ تَصَوُّرِ كَوْنِهِ شَهَادَةً، وَقَوْلُهُ إنْ عُدِّلَ قَائِلُهُ أَرَادَ بِهِ إنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِعِلْمِهِ وَلَوْ قَالَ قَوْلَ عَدْلٍ لَكَانَ أَبْيَنَ أَفَادَهُ شب.
ابْنُ مَرْزُوقٍ تَعْرِيفُهُ غَيْرُ جَامِعٍ، إذْ لَا يَشْمَلُ الشَّهَادَةَ بِالْخَلْطَةِ
الْعَدْلُ: حُرٌّ،
[منح الجليل]
لِثُبُوتِهَا بِامْرَأَةٍ وَبِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِيهَا تُوجِبُ يَمِينَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
(الْعَدْلُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الدَّالِ (حُرٌّ) بِضَمِّ الْحَاءِ لَا قِنٌّ اتِّفَاقًا وَلَا ذُو شَائِبَةٍ كَمُكَاتَبٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ.
يَحْيَى سَأَلَتْ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الْمَعْرُوفِ بِظُلْمِ النَّاسِ وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مِنْ ذَوِي السَّلْطَنَةِ وَالْوُلَاةِ يَدَّعِي رَجُلٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ ظَلَمَهُ فِي أَرْضٍ غَلَبَهُ عَلَيْهَا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَا يَجِدُ عَلَى دَعْوَاهُ عُدُولًا مِنْ الْبَيِّنَاتِ، وَيَجِدُ شُهُودًا لَا يُعْرَفُونَ بِعَدَالَةٍ وَلَا يُوصَفُونَ بِسَخْطَةٍ أَيُقْبَلُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ أَوْ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُ مَا يُقْبَلُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ عُدُولِ الشُّهَدَاءِ؟ فَقَالَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ غَيْرِ الْعُدُولِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ظَالِمًا أَوْ غَيْرَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] ، فَلَا يَنْبَغِي لِغَيْرِ الْعُدُولِ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الشَّاهِدَ الْمَجْهُولَ الْحَالُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُعَدَّلَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] ، أَيْ مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ غَيْرَ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ أَجَازَ شَهَادَةَ الْمَجْهُولِ الْحَالُ عَلَى التَّوَسُّمِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَ الْمُسَافِرِينَ فِي السَّفَرِ لِلضَّرُورَةِ إلَيْهَا قِيَاسًا عَلَى شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ وَمُرَاعَاةً لِلِاخْتِلَافِ، إذْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ حَمَلَ الشَّاهِدَ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى تُعْرَفَ جُرْحَتُهُ لِظَاهِرِ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ زُورٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمَذْهَبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَقَدْ اتَّفَقُوا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا لَا تَجُوزُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ عَدَالَةِ الشَّاهِدِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ أَجَازَ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ فِي يَسِيرِ الْمَالِ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] . وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ نَصَّ فِي النَّوَادِرِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي جِهَةٍ إلَّا غَيْرُ الْعُدُولِ أَقَمْنَا أَصْلَحَهُمْ وَأَقَلَّهُمْ فُجُورًا لِلشَّهَادَةِ، وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ لِئَلَّا تَضِيعَ الْمَصَالِحُ.
قَالَ وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يُخَالِفُهُ فِي هَذَا، فَإِنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الْإِمْكَانُ.
اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ رَاشِدٍ فِي مَذْهَبِهِ وَابْنِ عَبْدِ الْغَفُورِ فِي الِاسْتِغْنَاءِ، قَالَ إذَا كَانَ الْبَلَدُ لَا عُدُولَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِالْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، وَيُسْتَكْثَرُ بِحَسَبِ خَطَرِ الْحُقُوقِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى النِّصَابِ.
وَقَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ إذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ لَا عُدُولَ فِيهَا وَبَعُدُوا عَنْ الْعُدُولِ فَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي الْأَمْوَالِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يُعْلَمْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ خِلَافُهُ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تَجُوزُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيَّ، وَرَأَيْت قَوْمًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَحْكُونَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ بِأَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِجَوَازِ الشَّهَادَةِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَيُعَلِّمُونَهَا لِلضَّرُورَةِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْمَازِرِيِّ فِي دُرَرِهِ رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى السَّارِقِ مِمَّنْ لَقِيَهُ مِنْ النَّاسِ السَّيَّارَةِ عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالرِّعَاءِ إذَا عَرَفُوهُ وَقَالُوا رَأَيْنَا فُلَانًا سَرَقَ دَابَّةَ فُلَانٍ أَوْ رَأَيْنَا فُلَانًا فِي حَوْزَةِ كَذَا أَوْ فِي مَرَاعِي بَنِي فُلَانٍ، وَتَجُوزُ عَلَيْهِ شَهَادَةُ السَّيَّارَةِ سَوَاءٌ كَانُوا عُدُولًا أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ هَذَا فِي الْبَرَابِرِ، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا تَجُوزُ عَلَيْهِمْ إلَّا شَهَادَةُ الْعُدُولِ بِشَيْءٍ عِنْدَنَا.
وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ مِثْلِ هَذَا فِي لُصُوصِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبَرَابِرِ بَرْقَةَ، فَقَالَ تَجُوزُ عَلَيْهِمْ شَهَادَةُ مَنْ لَقِيَهُمْ مِنْ النَّاسِ قِيلَ لَهُ إنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ، قَالَ وَأَيْنَ تُوجَدُ الْعُدُولُ عَلَى السَّارِقِ وَاللِّصِّ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ اللِّصَّ وَالسَّارِقَ مَوَاضِعَ الْخَلَوَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا الْعُدُولُ، وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ وَمِثْلُهُ فِي أَسْئِلَةِ ابْنِ سَحْنُونٍ كُلُّ ذَلِكَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَلَا ثُبُوتَ لِشَيْءٍ مِنْهُ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى، إذْ لَوْ