فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ، قَالَ: وَكَذَا شَيْءٌ، وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ: كَأَظُنُّ،
[منح الجليل]
ثُمَّ يُسْكِتُهُ وَيَسْتَنْطِقُ الْآخَرَ لِيَفْهَمَ حُجَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَا يَبْتَدِئُ أَحَدَهُمَا فَيَقُولُ مَا تَقُولُ أَوْ مَالَك إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ الْمُدَّعِي، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي، فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا وَسَكَتَ الْآخَرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ دَعْوَاهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ حَتَّى يُقِرَّ خَصْمُهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ هَذَا الْمُدَّعِي أَقَامَهُمَا عَنْهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَحَدُهُمَا فَيَكُونَ هُوَ الطَّالِبَ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمُدَّعِي، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَلَبَ الْآخَرَ فَالْجَالِبُ الْمُدَّعِي، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ الْجَالِبَ بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْآخَرِ.
اللَّخْمِيُّ إنْ صَرَفَهُمَا لِدَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الطَّالِبُ فَأَبَى أَحَدُهُمَا الِانْصِرَافَ بَدَأَ بِهِ، وَإِنْ بَقِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقًا بِالْآخَرِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ طَلَبٌ وَتَشَاحَّا فِي الِابْتِدَاءِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ الْحَاكِمُ بِالْخِيَارِ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالنَّظَرِ لِأَضْعَفِهِمَا.
وَإِذَا أَمَرَ الْمُدَّعِي بِالْكَلَامِ (فَيَدَّعِي) الْمُدَّعِي (ب) شَيْءٍ (مَعْلُومٍ) قَدْرُهُ وَجِنْسُهُ وَصِفَتُهُ لَا مَجْهُولٍ (مُحَقَّقٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحَتَيْنِ مُثَقَّلًا لَا مَظْنُونٍ وَلَا مَشْكُوكٍ وَلَا مَوْهُومٍ (قَالَ) الْمَازِرِيُّ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ (وَكَذَا) أَيْ الْمَعْلُومُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِهِ (شَيْءٌ) أَوْ حَقٌّ أَوْ مَالٌ تَرَتَّبَ لِي فِي ذِمَّتِهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، وَجَهِلْت قَدْرَهُ لِنِسْيَانِهِ بِطُولِ مُدَّتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا، بَلْ مَجْهُولًا كَشَيْءٍ أَوْ مَظْنُونًا (لَمْ تُسْمَعْ كَأَظُنُّ) أَنَّ لِي عِنْدَهُ كَذَا، أَوْ فِي ظَنِّي وَأَحْرَى أَشُكُّ.
ابْنُ شَاسٍ الدَّعْوَى الْمَسْمُوعَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً صَحِيحَةً، فَلَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا نَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ قَالَ وَعِنْدِي لَوْ قَالَ الطَّالِبُ أَتَيَقَّنُ عِمَارَةَ ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ بِشَيْءٍ أَجْهَلُ مَبْلَغَهُ وَأُرِيدُ جَوَابَهُ يَذْكُرُهُ مُفَصَّلًا أَوْ إنْكَارُهُ جُمْلَةً لَزِمَهُ الْجَوَابُ.
ابْنُ شَاسٍ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَيْك شَيْئًا فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ أَيْضًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ابْنُ عَرَفَةَ فَاخْتَصَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ وَشَرَطَ الْمُدَّعَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُحَقَّقًا فَقَبِلَهُ شَارِحَاهُ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ خِلَافًا، وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ مَنْ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ ثُمَّ مَاتَ فَطَلَبَتْ صَدَاقَهَا حَلَفَ الْوَرَثَةُ مَا نَعْلَمُ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ صَدَاقٌ.
ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ صَدَاقَهَا وَاسْتَوْجَبَتْهُ لَا عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ عَلِمُوا أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْهُ فَرَجَعَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ عَلَى غَيْرِ مَا نَكَلَ عَلَيْهِ الْوَرَثَةُ، وَلَهَا نَظَائِرُ.
الْحَطّ ابْنُ فَرْحُونٍ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً، فَلَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ وَامْتَنَعَ مِنْ بَيَانِهِ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الطَّالِبَ لَوْ أَيْقَنَ بِعِمَارَةِ ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ بِشَيْءٍ وَجَهِلَ مَبْلَغَهُ وَأَرَادَ مِنْ خَصْمِهِ أَنْ يُجَاوِبَهُ عَنْ ذَلِكَ بِإِقْرَارٍ بِمَا ادَّعَى بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ وَذَكَرَ الْمَبْلَغَ وَالْجِنْسَ لَزِمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ.
أَمَّا لَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ فَضْلَةِ حِسَابٍ لَا أَعْلَمُ قَدْرَهُ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمَا تَحَاسَبَا وَبَقِيَتْ لَهُ عِنْدَهُ بَقِيَّةٌ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِقَدْرِهَا فَدَعْوَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَسْمُوعَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى حَقًّا لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ الْأَرْضِ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا لَا يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ، فَهِيَ دَعْوَى مَسْمُوعَةٌ وَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ النَّاقِصَةِ اهـ.
فَقَوْلُهُ أَمَّا إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا يُسْمَعُ بِلَا خِلَافٍ، فَهُوَ مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ مَعْلُومٍ وَقَوْلُهُ بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ تَوْجِيهَ يَمِينَ التُّهْمَةِ بِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَمَسَائِلُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ، فَفِي آخِرِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارٍ بِيَدِ رَجُلٍ فَصَالَحَهُ مِنْهُ، فَإِنْ جَهِلَاهُ جَمِيعًا جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَرَفَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ مِنْهَا فَلْيُسَمِّهِ، فَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ بَطَلَ الصُّلْحُ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ اهـ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ لِلْقَائِمِ فِي الدَّارِ الْمُقَوَّمِ فِيهَا بِحِصَّةٍ لَا يَعْرِفُونَ مَبْلَغَهَا، فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنْ يُقَالَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ سَمِّ مَا شِئْت وَاحْلِفْ عَلَيْهِ وَخُذْهُ، فَإِنْ أَبَى أُخْرِجَتْ الدَّارُ مِنْ الْمَطْلُوبِ
وَكَفَاهُ بِعْت، وَتَزَوَّجْت؛ وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِلَّا فَلْيَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْ السَّبَبِ
[منح الجليل]
وَوُقِفَتْ حَتَّى يُقِرَّ بِشَيْءٍ، قَالَ مُطَرِّفٌ وَقَدْ كُنَّا نَقُولُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إنَّهُ إذَا لَمْ تَعْرِفْ الشُّهُودُ الْحِصَّةَ فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ وَلَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ شَيْءٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَجَعْنَا إلَى قَوْلِهِ وَاسْتَمَرَّتْ الْأَحْكَامُ عَلَى ذَلِكَ.
(وَكَفَاهُ) أَيْ الْمُدَّعِي فِي بَيَانِ سَبَبِ الْمُدَّعَى بِهِ قَوْلُهُ (بِعْت) شَيْئًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدِينَارٍ مَثَلًا وَلَمْ أَقْبِضْهُ مِنْهُ (وَ) كَفَى قَوْلُ امْرَأَةٍ مُدَّعِيَةٍ عَلَى رَجُلٍ بِصَدَاقٍ وَأَنْكَرَهُ (تَزَوَّجْت) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَلَمْ أَقْبِضْهَا مِنْهُ، قَالُوا وَبِمَعْنَى أَوْ (وَحُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْبَيْعُ أَوْ التَّزَوُّجُ الَّذِي أَطْلَقَهُ الْمُدَّعِي (عَلَى) الْبَيْعِ أَوْ التَّزَوُّجِ (الصَّحِيحِ) بِاسْتِيفَاءِ أَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ فِي عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ.
ابْنُ شَاسٍ إذَا ادَّعَى فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا تَزَوُّجًا صَحِيحًا سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُومَ بِوَلِيٍّ وَبِرِضَاهَا، بَلْ لَوْ أَطْلَقَ سُمِعَ أَيْضًا، وَكَذَا فِي الْبَيْعِ، بَلْ لَوْ قَالَ هِيَ زَوْجَتِي لَكَفَاهُ الْإِطْلَاقُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّعِي سَبَبَ مَا ادَّعَى بِهِ (فَلْيَسْأَلْهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (الْحَاكِمُ عَنْ السَّبَبِ) لِلْمُدَّعَى بِهِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ إيجَابِهِ شَيْئًا أَصْلًا كَبَيْعِ مُسْلِمٍ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ إيجَابِهِ أَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ كَرِبًا.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: الْحَطّ لَيْسَ مِنْ تَمَامِ صِحَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يَذْكُرَ السَّبَبَ.
يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا وَلِمُدَّعًى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا ذِكْرُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إذَا كَانَ مِثْلِيًّا وَهُوَ وَاضِحٌ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِيمَا يَنْبَغِي لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
طفي فِيهِ نَظَرٌ، إذْ صِحَّتُهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ أَشْهَبَ إنْ أَبَى الْمُدَّعِي أَنْ يَذْكُرَ السَّبَبَ وَلَمْ يَدَّعِ نِسْيَانَهُ فَلَا يُسْأَلُ الْمَطْلُوبُ عَنْ شَيْءٍ وَنَحْوِهِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ.
الشَّارِحُ وَوَجْهُهُ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُدَّعِي قَدْ يَكُونُ فَاسِدًا فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ غَرَامَةٌ.
اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ظَاهِرُ قَوْلِ الْمَازِرِيِّ وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُ تَوَجُّهُ دَعْوَى الْمُدَّعِي بِإِيجَابِ جَوَابِهِ خَصْمَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لِي عِنْدَ هَذَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَا بِهِ تَقَرَّرَتْ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ سَلَفٍ أَوْ مُعَاوَضَةٍ أَوْ بَتِّ عَطِيَّةٍ أَوْ عِدَّةٍ.
اهـ. وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي قَوْلِهِ وَلِمُدَّعًى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ الْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ لَهُ فَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى، فَإِنْ غَفَلَ الْحَاكِمُ عَنْهُ قَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَقَامَهُ، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ كَالْمُتَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّارِحِ، فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ ابْنِ حَارِثٍ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي مِنْ أَيْنَ وَجَبَ لَك مَا ادَّعَيْت بِهِ وَعَلَى هَذَا شَرْحُ عج وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ بَلْ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْحَطّ، إذْ لَوْ أَنَّ ذِكْرَهُ مِنْ تَمَامِ صِحَّةِ الدَّعْوَى مَا قُبِلَ نِسْيَانُهُ وَلَبَطَلَتْ الدَّعْوَى إذَا لَمْ يَذْكُرْهُ وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيهِمَا، وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي كَلَامِ الْمَجْمُوعَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا قَوِيَتْ التُّهْمَةُ بِامْتِنَاعِهِ عَنْ ذِكْرِهِ بَعْدَ السُّؤَالِ عَنْهُ لَمْ يُكَلَّفْ الْمَطْلُوبَ بِالْجَوَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: ابْنُ فَرْحُونٍ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ الْمُدَّعَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَزِمَهُ، كَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِهِبَةٍ وَقُلْنَا إنَّهَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ فَيَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ، وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْمُخَالِفِ وَالشَّاذِّ عِنْدَنَا أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ، وَكَذَا الْعِدَّةُ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهَا وَالْوَصِيَّةُ.
الثَّالِثُ: ابْنُ فَرْحُونٍ فَصْلٌ فِي تَصْحِيحِ الدَّعْوَى وَالْمُدَّعَى بِهِ أَنْوَاعٌ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَهُوَ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَتَصْحِيحُ الدَّعْوَى أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَدَّعِي بِهِ، وَيَذْكُرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ أَوْ الْعَدَاءِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ الْإِجَارَةِ أَوْ الْمُسَاقَاةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُدَّعِي أَنْ يَسْأَلَ الْحَاكِمَ النَّظَرَ بَيْنَهُمَا بِمَا يُوجِبُ الشَّرْعَ.
الْحَطّ قَوْلُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُهُ ضَاعَ أَوْ سُرِقَ مِنِّي وَلَا أَدْرِي بِمَاذَا وَصَلَ إلَى هَذَا الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ، وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ نُصُوصِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
الرَّابِعُ: الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ زَادَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى مُعْتَبَرَةً يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ لَا تُكَذِّبُهَا الْعَادَةُ، وَتَكُونُ مِمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَلْزَمُهُ،
ثُمَّ مُدَّعًى عَلَيْهِ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ، أَوْ أَصْلٍ بِجَوَابِهِ،
[منح الجليل]
وَاحْتَرَزَ بِمُعْتَبَرَةٍ مِنْ دَعْوَى نَحْوِ الْقَمْحَةِ وَالشَّعِيرَةِ وَبِغَرَضٍ صَحِيحٍ مِنْ دَعْوَى أُجْرَةٍ عَلَى مُحَرَّمٍ وَبِقَوْلِهِ لَا تُكَذِّبُهَا الْعَادَةُ مِنْ دَعْوَى دَارٍ بِيَدِ حَائِزٍ يَتَصَرَّفُ فِيهَا عَشْرَ سِنِينَ وَالْمُدَّعِي حَاضِرٌ سَاكِتٌ، وَبِالْأَخِيرِ مِنْ دَعْوَى الْهِبَةِ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهَا بِالْقَوْلِ وَالْوَعْدُ كَذَلِكَ وَالْوَصِيَّةُ.
الْخَامِسُ: اقْتَضَى كَلَامُ تت أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا يَكْفِيهِ فِي بَيَانِ سَبَبِهِ بِعْت وَتَزَوَّجْت فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ فَرْضُهَا أَنَّ مَنْ ادَّعَى بَيْعَ شَيْءٍ أَوْ اشْتِرَاءَهُ كَفَاهُ بِعْت أَوْ اشْتَرَيْت، وَكَذَا مَنْ ادَّعَى تَزَوُّجَ امْرَأَةٍ فَيَكْفِيهِ تَزَوَّجْتهَا، فَفِي الْجَوَاهِرِ إذَا ادَّعَى فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا تَزَوُّجًا صَحِيحًا سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ بِوَلِيٍّ وَبِرِضَاهَا، بَلْ لَوْ أَطْلَقَ تُسْمَعُ أَيْضًا.
وَكَذَا فِي الْبَيْعِ، بَلْ لَوْ قَالَ هِيَ زَوْجَتِي لَكَفَاهُ الْإِطْلَاقُ.
اهـ. وَبِهِ شَرَحَ " ق " كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهَكَذَا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ الشَّارِحُ، لَكِنْ فِي الْمُتَيْطِيِّ عَنْ ابْنِ حَارِثٍ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي مِنْ أَيْنَ وَجَبَ لَك مَا ادَّعَيْت بِهِ، فَإِنْ قَالَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ تَعَدٍّ أَوْ شُبْهَةٍ فَلَا يُكَلَّفُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
اهـ. فَعَلَيْهِ يَأْتِي تَقْرِيرُ تت، وَيُلَائِمُ قَوْلَهُ وَإِلَّا فَلْيَسْأَلْهُ إلَخْ.
تت وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ إلَخْ، وَقَالَ الشَّارِحُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَشْيَاخُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ الْمُدَّعِيَ عَنْ السَّبَبِ، وَإِلَّا يُحْمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ وَإِنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقُومُ مَقَامَهُ.
(ثُمَّ) أَمَرَ الْقَاضِي شَخْصًا (مُدَّعًى عَلَيْهِ) وَكَشَفَ حَقِيقَتَهُ بِنَعْتِهِ بِقَوْلِهِ (تَرَجَّحَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا.
أَيْ تَقَوَّى (قَوْلُهُ بِ) مُوَافَقَةِ شَيْءٍ (مَعْهُودٍ) أَيْ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ.
ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَعْهُودُ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ (أَوْ) تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمُوَافَقَةِ (أَصْلٍ) ابْنُ فَرْحُونٍ أَيْ حَالٍ مُسْتَصْحَبٍ.
الْحَطّ الْمَعْهُودُ هُوَ شَهَادَةُ الْعُرْفِ وَنَحْوِهِ وَالْأَصْلُ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَصِلَةُ أَمَرَ (بِجَوَابِهِ) أَيْ الْمُدَّعِي.
ابْنُ عَرَفَةَ إذَا ذَكَرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَمَرَ الْقَاضِي الْخَصْمَ بِجَوَابِهِ إذَا اسْتَحَقَّتْ الدَّعْوَى جَوَابًا، وَإِلَّا فَلَا، كَقَوْلِ الْمُدَّعِي هَذَا أَخْبَرَنِي الْبَارِحَةَ أَنَّهُ رَأَى هِلَالَ الشَّهْرِ أَوْ سَمِعَ مَنْ يُعَرِّفُ بِلُقَطَةٍ وَلَا
إنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ، أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ،
[منح الجليل]
يَتَوَقَّفُ أَمْرُهُ بِالْجَوَابِ عَلَى طَلَبِ الْمُدَّعِي ذَلِكَ لِوُضُوحِ دَلَالَةِ حَالِ التَّدَاعِي عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ مِنْ الدَّعْوَى كَأَنْ يَقُولَ لِلْقَاضِي لِي عِنْدَ هَذَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي طَلَبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَوَابٍ لِعَدَمِ تَصْرِيحِ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّ أَخَوَيْنِ بِالْبَصْرَةِ كَانَا يَتَوَكَّلَانِ عَلَى أَبْوَابِ الْقُضَاةِ، وَكَانَ لَهُمَا فِقْهٌ، فَلَمَّا وَلِيَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَهُوَ مِمَّنْ عَاصَرَ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَادَ الْأَخَوَانِ أَنْ يُعْلِمَاهُ مَكَانَهُمَا مِنْ الْعِلْمِ فَأَتَيَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا لِي عِنْدَ هَذَا كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ عِيسَى لِلْآخَرِ أَجِبْهُ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمَنْ أَذِنَ لَك أَنْ تَسْتَدْعِيَ جَوَابِي وَقَالَ الْمُدَّعِي لَمْ آذَنْ لَك فِي ذَلِكَ فَوَجَمَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فَقَالَا لَهُ إنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نُعَلِّمَك مَكَانَنَا مِنْ الْعِلْمِ وَعَرَّفَاهُ بِأَنْفُسِهِمَا وَهِيَ مُنَاقَشَةٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهَا لِأَنَّ الْحَالَ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَظَاهِرُهُ إيجَابُ جَوَابِهِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لِي عِنْدَهُ كَذَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ مِنْ سَلَفٍ أَوْ مُعَاوَضَةٍ أَوْ بَتِّ عَطِيَّةٍ مِنْ مَالٍ أَجْنَبِيٍّ.
وَذَكَرَ شَرْطَ أَمْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ فَقَالَ (إنْ خَالَطَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِدَيْنٍ) مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَلَوْ مَرَّةً (أَوْ) خَالَطَهُ بِ (تَكَرُّرِ بَيْعٍ) بِثَمَنٍ حَالٍّ.
" ق " اللَّخْمِيُّ مَنْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ دَعْوَى فَأَنْكَرَهُ فَلَا يُحَلِّفُهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى إلَّا بِمَا يَنْضَافُ إلَيْهَا مِنْ خُلْطَةٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ دَلِيلٍ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُدَّعَى فِيهِ.
الْبَاجِيَّ الدَّعَاوَى الَّتِي تُعْتَبَرُ فِيهَا الْخُلْطَةُ هِيَ الْمُدَايَنَةُ، فَمَنْ ادَّعَى ثَوْبًا بِيَدِ إنْسَانٍ أَنَّهُ لَهُ فَأَنْكَرَهُ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
ابْنُ زَرْقُونٍ لِأَنَّهَا فِي دَعْوَى مُعَيَّنٍ.
وَقِيلَ لَا يَحْلِفُ فِي دَعْوَى الْمُعَيَّنِ إلَّا بِلَطْخٍ أَوْ شُبْهَةٍ.
الْمَازِرِيُّ قَالَ الْمُتَقَدِّمُونَ كَابْنِ الْقَاسِمِ الْخُلْطَةُ أَنْ يُبَايِعَ إنْسَانٌ إنْسَانًا بِالدَّيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ بِالنَّقْدِ مِرَارًا.
تت هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ وَهُوَ مَنْصُوصٌ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَتَعَقَّبَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَشْيَاخُ أَنَّ الْخُلْطَةَ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ لَا فِي الدَّعْوَى وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ.
اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْخَلْطَ شَرْطٌ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
جَمَاعَةً.
وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ لَا تُعْتَبَرُ الْخُلْطَةُ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ بِمِصْرَ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ عِنْدَنَا.
" غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ إنْ خَالَطَهُ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ، وَفِي بَعْضِهَا وَخَالَطَهُ بِالْعَطْفِ عَلَى تَرَجُّحٍ وَلَا يَخْفَاك مَا فِيهِمَا مَعًا مِنْ الْقَلَقِ، فَإِنَّ الْخَلْطَ شَرْطٌ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ لَا فِي الْأَمْرِ بِالْجَوَابِ، وَلَا فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى، وَتَكْلِيفِ الْبَيِّنَةِ كَمَا تُعْطِيهِ عِبَارَتَاهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَطَعَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَافَّةِ أَصْحَابِهِ الْحُكْمُ بِالْخُلْطَةِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ حَارِثٍ وَنَقَلَ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ لَا تُعْتَبَرُ الْخُلْطَةُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَمَضَى عَمَلُ الْقُضَاةِ عِنْدَنَا عَلَيْهِ، وَنَقَلَ لِي شَيْخُنَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِ الْقُضَاةِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَحْكُمُ بِهَا إلَّا إنْ طَلَبَهَا مِنْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ حَيْثُ أَغْفَلَ تَمَامَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَنَصُّهُ وَفِي الْمَبْسُوطَةِ لِابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ لَا أَدْرِي مَا الْخُلْطَةُ وَلَا أَرَاهَا وَلَا أَقُولُ بِهَا وَأَرَى الْأَيْمَانَ وَاجِبَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» ، وَأَغْفَلَ أَيْضًا قَوْلَ الْمُتَيْطِيِّ آخِرَ الْحَمَالَةِ وَالرُّهُونِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ خُلْطَةٍ، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ إنَّ بَعْضَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَتَوَسَّطُ فِي مِثْلِ هَذَا إذَا ادَّعَى قَوْمٌ عَلَى أَشْكَالِهِمْ بِمَا يُوجِبُ الْيَمِينَ أَوْجَبَهَا دُونَ إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ، وَإِنْ ادَّعَى عَلَى الرَّجُلِ الْعَدْلِ مَنْ لَيْسَ مِنْ شَكْلِهِ فَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْخُلْطَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ هَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الْأَنْدَلُسِيُّونَ مَذْهَبَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ خُلْطَةً، وَيُوجِبُونَ الْيَمِينَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْيَوْمَ.
اهـ. وَقَبِلَهُ الْعَبْدُوسِيُّ الْبُنَانِيُّ صَوَابُ هَذَا التَّأْخِيرُ عَنْ قَوْلِهِ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ إلَخْ، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَهُ مِنْ مَخْرَجِ مُبَيَّضَتِهِ وَالْعَمَلُ جَرَى بِثُبُوتِ الْيَمِينِ وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ خُلْطَةٌ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا.
وَإِنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ، لَا بَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ
إلَّا الصَّانِعَ، وَالْمُتَّهَمَ،
[منح الجليل]
(وَ) تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، بَلْ وَ (إنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ) وَاحِدَةٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا بِالْخُلْطَةِ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهَا وَتَثْبُتُ الْخُلْطَةُ ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ تُوجِبُ الْيَمِينَ أَنَّهُ خَالَطَهُ.
وَفِي الْمُفِيدِ لَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَلَا تَثْبُتُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
الْبُنَانِيُّ لَيْسَ فِي الْمَذْهَبِ مَسْأَلَةٌ يُحْكَمُ فِيهَا بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ إلَّا هَذِهِ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ
(لَا) تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ (بِ) شَهَادَةِ (بَيِّنَةٍ) بِحَقٍّ مُدَّعًى بِهِ أَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (جُرِّحَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ شَهَادَتِهَا عَلَيْهِ وَالْإِعْذَارِ لَهُ فِيهَا بِعَدَاوَةٍ لَهُ أَوْ غَيْرِهَا، فَلَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بَيْنَهُمَا بِشَهَادَتِهَا الَّتِي سَقَطَتْ بِالتَّجْرِيحِ، فَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَقٍّ آخَرَ فَأَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بَيْنَهُمَا الْمُوجِبَةُ لِتَحْلِيفِهِ بِالشَّهَادَةِ الْأُولَى الَّتِي سَقَطَتْ بِالتَّجْرِيحِ.
" ق " رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيمَنْ أَقَامَ شُهُودًا عُدُولًا عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ فَأَقَامَ الرَّجُلُ بَيِّنَةً أَنَّهُمْ مُعَادُونَ لَهُ فَسَقَطَتْ شَهَادَتُهُمْ فَهُمْ كَمَنْ لَمْ يَشْهَدُوا وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنْ لَا يَحْلِفَ، وَكَذَلِكَ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
" غ " هُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالدَّيْنِ فَسَقَطَتْ بِوَجْهٍ مِمَّا تَسْقُطُ بِهِ الشَّهَادَةُ أَوْ جَرَّحَهَا الْمَطْلُوبُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِخُلْطَةٍ تُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ ذَلِكَ خُلْطَةٌ تُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ تَرَافَعَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَقٍّ آخَرَ فَقَضَى بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِخُلْطَةٍ.
وَاسْتَثْنَى ثَمَانِ مَسَائِلَ تُسْمَعُ فِيهَا الدَّعْوَى وَتَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بِدُونِ ثُبُوتِ خُلْطَةٍ فَقَالَ (إلَّا) الشَّخْصَ (الصَّانِعَ) كَالْخَيَّاطِ وَالْحَيَّاكِ وَالصَّوَّاغِ فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَتَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي، لِأَنَّ تَنْصِيبَ نَفْسِهِ لِلنَّاسِ بِمَنْزِلَةِ ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ بَيْنَهُمَا.
" غ " الْأَوَّلُ الصَّانِعُ وَانْدَرَجَ فِيهِ التَّاجِرُ (وَ) إلَّا لِشَخْصِ (الْمُتَّهَمِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ بِسَرِقَةٍ أَوْ تَعَدٍّ أَوْ ظُلْمٍ فَكَذَلِكَ " غ " الثَّانِي الْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ
وَالضَّيْفَ وَفِي مُعَيَّنٍ،
[منح الجليل]
وَالْعَدَاءِ وَالظُّلْمِ ابْنُ يُونُسَ أَصْبَغُ خَمْسَةٌ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ بِلَا خُلْطَةٍ الصَّانِعُ وَالْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ وَالرَّجُلُ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ إنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ دَيْنًا وَالرَّجُلُ يَمْرَضُ فِي الرُّفْقَةِ، فَيَدَّعِي أَنَّهُ دَفَعَ مَالَهُ لِرَجُلٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَدْلًا وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ نَزَلَ فِي مَدِينَةٍ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ مَالًا.
ابْنُ عَرَفَةَ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ الْخَمْسَةَ غَيْرَ مَعْزُوَّةٍ كَأَنَّهَا الْمَذْهَبُ.
الْبَاجِيَّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ الصُّنَّاعُ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ لِمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِمْ فِي صِنَاعَتِهِمْ دُونَ خُلْطَةٍ لِأَنَّهُمْ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلنَّاسِ وَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِي تُجَّارِ السُّوقِ.
(وَ) إلَّا الشَّخْصَ (الضَّيْفَ) " غ " وَالثَّالِثُ الْغَرِيبُ يَنْزِلُ بِمَدِينَةٍ فَيَدَّعِي عَلَى رَجُلٍ مِنْهَا أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ مَالًا، فَكَأَنَّهُ عَبَّرَ بِالضَّيْفِ عَنْ الْغَرِيبِ الطَّارِئِ عَلَى الْبَلَدِ، سَوَاءٌ ضَيَّفَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يُضَيِّفْهُ، وَهَذَا يُسَاعِدُ ظَاهِرَ نَصِّ الْمُتَيْطِيِّ، وَيَتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ هَذَا، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا عَلَى الْغَرِيبِ إذَا أَوْدَعَ وَدِيعَةً عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَأَنْكَرَهُ فِيهَا فَتَتَوَجَّهُ لَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.
اهـ. وَنَقَلَ الْحَطّ عَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ مِنْ هَذِهِ النَّظَائِرِ الرَّجُلُ يُضَيِّفُ الرَّجُلَ فَيَدَّعِي عَلَيْهِ.
اهـ. لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ ابْنَ فَرْحُونٍ أَخَذَهُ مِنْ يَدِ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إلَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فِي) شَيْءٍ (مُعَيَّنٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلًا.
" غ " وَالرَّابِعُ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ إنَّمَا تُرَاعَى الْخُلْطَةُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَهْلَكَةِ وَفِيمَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الْمُعَيَّنَةُ فَالْيَمِينُ وَاجِبَةٌ فِيهَا مِنْ غَيْرِ خُلْطَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا لَا تَجِبُ الْيَمِينُ إلَّا بِالْخُلْطَةِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا مِثْلَ أَنْ يَعْرِضَ رَجُلٌ سِلْعَةً فِي السُّوقِ لِلْبَيْعِ، فَيَأْتِي رَجُلٌ فَيَقُولُ قَدْ بِعْتهَا مِنِّي، فَمِثْلُ هَذَا تَجِبُ فِيهِ الْيَمِينُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ خُلْطَةٌ وَهَذَا الْقَوْلُ أَبْيَنُ عِنْدِي وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ، قَالَ لِأَنَّهُ عَرَضَهَا لِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ فَصَارَ تُهْمَةً تُوجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ لِلْأَثَرِ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ.
وَالْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا، وَالْمُسَافِرَ عَلَى رُفْقَتِهِ، وَدَعْوَى مَرِيضٍ أَوْ بَائِعٍ عَلَى حَاضِرِ الْمُزَايَدَةِ، فَإِنْ أَقَرَّ، فَلَهُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ،
[منح الجليل]
(وَ) إلَّا مَنْ ادَّعَى (الْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا) وَهُوَ مِمَّنْ يُودَعُ عِنْدَهُ مِثْلُهَا، وَقَيَّدَ اللَّخْمِيُّ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ: كَوْنُ الْمُدَّعِي يَمْلِكُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ، وَكَوْنُ الْمُودِعَ مِمَّنْ يُودَعُ مِثْلُ ذَلِكَ وَحُصُولُ أَمْرٍ يُوجِبُ الْإِيدَاعَ، وَمِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ هَذِهِ الْقُيُودَ.
" غ " الْخَامِسُ دَعْوَى الْوَدِيعَةِ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَأَنْ يُودَعَ عِنْدَهُ مِثْلُ هَذَا الْمَالِ.
قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ وَقَيَّدَهُ أَصْبَغُ وَغَيْرُهُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُودِعُ غَرِيبًا، وَقَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ أَنْ يَكُونَ الْمُودِعُ يَمْلِكُ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَالِ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يُودَعُ عِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُوجِبُ الْإِيدَاعَ.
الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ ابْنُ عَاشِرٍ أَنَّ هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا يَحْلِفُ فِيهَا إلَّا الْمُتَّهَمُ وَأَهْلُ الْوَدِيعَةِ لَيْسُوا بِمُتَّهَمِينَ.
قُلْت لَا وُرُودَ لِهَذَا لِتَفْسِيرِهِمْ أَهْلَهَا بِمَا يَعُمُّ الْمُتَّهَمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إلَّا الشَّخْصَ (الْمُسَافِرَ) الْمُدَّعِيَ (عَلَى رُفْقَتِهِ) أَنَّهُ دَفَعَ لَهُمْ أَوْ لِبَعْضِهِمْ مَالًا وَدِيعَةً.
" غ " السَّادِسُ، الْمُسَافِرُ يَدَّعِي أَنَّهُ دَفَعَ مَالًا لِبَعْضِ أَهْلِ رُفْقَتِهِ (وَ) إلَّا (دَعْوَى) شَخْصٍ (مَرِيضٍ) أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ أَصْبَغُ.
" غ " السَّابِعُ الرَّجُلُ يُوصِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا.
(أَوْ) دَعْوَى شَخْصٍ (بَائِعٍ) أَيْ مُعْرِضٍ سِلْعَةً لِبَيْعِهَا (عَلَى) شَخْصٍ (حَاضِرِ الْمُزَايَدَةِ) فِي ثَمَنِهَا مِنْ الَّذِينَ يُرِيدُونَ شِرَاءَهَا أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ " غ " الثَّامِنُ عَبَّرَ عَنْهُ الْمُتَيْطِيُّ بِقَوْلِهِ الرَّجُلُ يَحْضُرُ الْمُزَايَدَةَ فَيَقُولُ الْبَائِعُ بِعْتُك بِكَذَا وَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ بَلْ بِكَذَا وَكَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ، وَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ مُدَّعًى عَلَيْهِ كَالصَّانِعِ وَالْمُتَّهَمِ وَبَعْضُهُمْ مُدَّعٍ كَالضَّيْفِ وَالْمَرِيضِ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ جَمِيعَهَا فِي الْحَمَالَةِ وَالرُّهُونِ إلَّا السِّلْعَةَ الْمُعَيَّنَةَ، فَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي النَّظَائِرِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُسَ وَإِلَّا الْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا، فَلَمْ يَذْكُرْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْأَعَمِّ، وَذَكَرَهَا اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَإِذَا أَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ (فَإِنْ أَقَرَّ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ادَّعَى بِهِ الْمُدَّعِي (فَلَهُ)
وَلِلْحَاكِمِ: تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ
وَإِنْ أَنْكَرَ قَالَ: أَلَك بَيِّنَةٌ، فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ، فَلَا بَيِّنَةَ؛ إلَّا بِعُذْرٍ: كَنِسْيَانٍ؛
[منح الجليل]
أَيْ الْمُدَّعِي (الْإِشْهَادُ) لِلْعُدُولِ الْحَاضِرِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ خَوْفَ رُجُوعِهِ عَنْهُ وَإِنْكَارِهِ (وَلِلْحَاكِمِ تَنْبِيهُهُ) أَيْ الْمُدَّعَى (عَلَيْهِ) أَيْ الْإِشْهَادِ إنْ غَفَلَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْخِصَامِ وَقَطْعِ النِّزَاعِ وَتَحْصِينِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ مِنْ تَلْقِينِ الْخَصْمِ حُجَّةً.
" ق " ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَأْمُرُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ حِينَ يَفْرُغُ الْمُدَّعِي مِنْ كَلَامِهِ ثُمَّ يَسْأَلُهُ أَيُقِرُّ أَمْ يُنْكِرُ، فَإِنْ أَقَرَّ قَالَ لِلطَّالِبِ اشْهَدْ عَلَى إقْرَارِهِ إنْ شِئْت لِئَلَّا يَرْجِعَ عَنْهُ.
أَشْهَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَشُدَّ عَضُدَ أَحَدِهِمَا إنْ رَأَى ضَعْفَهُ عَنْ صَاحِبِهِ وَخَوْفَهُ مِنْهُ لِيَبْسُطَ أَمَلَهُ وَرَجَاءَهُ فِي الْعَدْلِ، وَيُلَقِّنَهُ حُجَّةً عَمِيَ عَنْهَا إنَّمَا يَمْنَعُ تَلْقِينَ أَحَدِهِمَا الْفُجُورَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشُدَّ عَضُدَ أَحَدِهِمَا وَلَا يُلَقِّنَهُ حُجَّةً، وَكَانَ سَحْنُونٌ إذَا سَمِعَ الدَّعَاوَى وَالْإِنْكَارَ أَمَرَ كَاتِبَهُ فَكَتَبَهُمَا ثُمَّ عَرَضَ مَا كَتَبَهُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ وَافَقَا عَلَيْهِ أَقَرَّهُ وَلِأَصْبَغَ إذَا أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمَا فِيهِ لِلْآخَرِ نَفْعٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنَبِّهَهُ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ هَذَا لَك فِيهِ نَفْعٌ هَاتِ قِرْطَاسَك أَكْتُبُ لَك فِيهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَالَ) الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي (أَلَك بَيِّنَةٌ) فَإِنْ قَالَ نَعَمْ أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا، فَإِنْ حَضَرَتْ سَمِعَ شَهَادَتَهَا فَإِنْ وَجَدَهَا مُوَافِقَةً لِدَعْوَى الْمُدَّعِي أَعْذَرَ فِيهَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ قَبِلَ شَهَادَتَهَا حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَى حُجَّةً أَمْهَلَهُ لِإِثْبَاتِهَا، فَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهَا حَكَمَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ نَفَاهَا) أَيْ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ بِأَنْ قَالَ لَا بَيِّنَةَ لِي (وَاسْتَحْلَفَهُ) أَيْ طَلَبَ الْمُدَّعِي حَلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحَلَّفَهُ الْقَاضِي وَأَرَادَ الْمُدَّعِي بَعْدَ حَلِفِهِ إقَامَةَ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِدَعْوَاهُ (فَلَا بَيِّنَةَ لَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي مَقْبُولَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْأَشْهَرِ.
وَعَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تُقْبَلُ.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُحَلِّفُ الْمَطْلُوبَ إلَّا بِطَلَبِ الْمُدَّعِي.
وَاسْتَثْنَى مِنْ نَفْيِ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ حَلِفِ الْمَطْلُوبِ فَقَالَ (إلَّا لِعُذْرٍ) مِنْ الطَّالِبِ فِي عَدَمِ إقَامَتِهَا
أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا،
[منح الجليل]
أَوَّلًا (كَنِسْيَانٍ) مِنْهُ لَهَا وَعَدَمُ تَقَدُّمِ عِلْمِهِ بِهَا ثُمَّ تَذَّكَّرهَا أَوْ عَلِمَ بِهَا فَتُقْبَلُ إنْ أَقَامَهَا وَشَهِدَتْ بِطِبْقِ دَعْوَاهُ.
" ق " فِيهَا إنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا قَضَى لَهُ بِهَا.
وَفِي الْوَاضِحَةِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، وَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِبَيِّنَتِهِ تَارِكًا لَهَا وَهِيَ حَاضِرَةٌ أَوْ غَائِبَةٌ فَلَا حَقَّ لَهُ، وَإِنْ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ.
وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى بِهَا لِيَهُودِيٍّ، وَقَالَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.
طفي قَوْلُهُ إلَّا لِعُذْرٍ إلَخْ، فَلَهُ الْقِيَامُ بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ وَجَدَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَقَالَ الْأَخَوَانِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ وَلَا يَقْضِي إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
(أَوْ وَجَدَ) الْمُدَّعِي شَاهِدًا (ثَانِيًا) كَانَ نَاسِيهِ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ كَمَا فِي الْبَيِّنَةِ وَكَانَتْ الدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَرُفِعَتْ عِنْدَ مَالِكِيٍّ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَهُ وَيُضَمِّنَهُ لِلْأَوَّلِ، وَيَعْمَلَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ لِانْفِرَادِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ اسْتِحْلَافُ الْحَاكِمِ مُبْطِلًا شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِإِبْطَالِهَا، وَإِنَّمَا أَعْرَضَ عَنْهَا وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِمَا كَمَا فِي " د " قَالَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ تَقْرِيرُ " ز " هُنَا صَوَابٌ، وَأَصْلُهُ لِلشَّارِحِ وَبِهِ قَرَّرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ وطلي وَغَيْرُهُمَا وَنَصُّ طفى لَا يَخْفَى نُبُوُّ تَقْرِيرِ تت عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ فَرْضَهُ فِيمَنْ حُجَّتُهُ وَاسْتَحْلَفَ خَصْمَهُ فَحَلَفَ لَهُ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ، أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا يَعْنِي بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَهُوَ إشَارَةٌ لِقَوْلِهَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا تُقْبَلُ مِنْ الطَّالِبِ حُجَّةٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا لَهُ وَجْهٌ مِثْلِ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، أَوْ يَكُونَ أَتَى بِشَاهِدٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ ثُمَّ وَجَدَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ بِهِ فَلْيَقْضِ بِهَذَا الْآخَرِ.
عِيَاضٌ قِيلَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ الْقَاضِي الْأَوَّلُ وَغَيْرُهُ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هَذَا لِلْقَاضِي نَفْسِهِ، وَلَا يَسْمَعُ مِنْهُ غَيْرُهُ وَلِسَحْنُونٍ خِلَافُ هَذَا كُلِّهِ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ فَوَجْهُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ اسْتَدَلَّ مِنْهُ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ تَعْجِيزُ الْمُدَّعِي
أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ
[منح الجليل]
وَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي عِيَاضًا لَا دَلِيلَ فِيهِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ فَحَكَمَ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْيَمِينِ عَلَى إنْكَارِهِ الدَّعْوَى.
وَفِي قَوْلِهِ هَذَا إنْ تَرَكَ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ لَا يَضُرُّهُ إذَا أَصَابَ شَاهِدًا آخَرَ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي هَذَا كَمَا اُخْتُلِفَ إذَا أَبَى مِنْ الْحَلِفِ مَعَ شَاهِدِهِ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَامَ لَهُ شَاهِدٌ آخَرُ لِأَنَّ هَذَا قَدْ تَرَكَهُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ يَتْرُكْهُ اهـ كَلَامُ عِيَاضٍ وَهَكَذَا قَرَّرَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَمَا أَدْرِي مَا الْحَامِلُ لتت عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَأَيْضًا تَقْرِيرُهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ أَتَى بِآخَرَ فَلَا ضَمَّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ (أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ) فَقَدْ أَغْفُلهُ الشَّارِحُ، وَظَاهِرُ تَقْرِيرِهِ أَنَّهُ مَعَ قَوْلِهِ أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا صُورَةً وَاحِدَةً، لَكِنَّ عَطْفَهُ بِأَوْ يُنَافِي ذَلِكَ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ أَشَارَ بِهَا لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ.
ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ لَا يَحْكُمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ثُمَّ وَلِيَ أَحَدٌ مِمَّنْ يَرَى الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ حُكْمُ الثَّانِي فَسْخًا لِحُكْمِ الْأَوَّلِ، يُرِيدُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ بَابِ التَّرْكِ.
اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فَقَدْ ظَهَرَ لَك مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَكَأَنَّ " غ " لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَلَامَ ابْنِ الْمَوَّازِ هَذَا فَقَالَ لَمْ أَفْهَمْ آخِرَ هَذَا التَّرْكِيبِ عَلَى مَا أُحِبُّ، فَلَعَلَّ الْكَاتِبَ غَيَّرَ فِيهِ شَيْئًا يَعْنِي قَوْلَهُ أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَلَامِ ابْنِ مُحْرِزٍ عَلَيْهَا وَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّهُ لَا تَغْيِيرَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَحُكْمُ قِيَاسِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ فِيمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ حُكْمُ مَنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الضَّمِّ، فَيَشْمَلُهُ قَوْلُهُ أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا.
وَأَمَّا تَقْرِيرُ تت قَوْلَهُ أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ، فَفِيهِ تَخْلِيطٌ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ مُحَصِّلٌ لِأَنَّ كَلَامَ مُحَمَّدٍ الَّذِي قُرِّرَ بِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي ضَمِّ الشَّاهِدِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَيْضًا كَيْفَ يَلْتَئِمُ مَا حَكَاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلَ، فَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ.
وَأَمَّا تَقْرِيرُ عج وَمَنْ مَعَهُ قَوْلُهُ أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ بِمَا إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْقَاضِي لِلْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَالْيَمِينِ فَلَهُ الْحُكْمُ فَيَنْبُو عَنْهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، إذْ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ أَوْ لَا إلَّا أَنْ يُقْرَأَ الْأَوَّلُ بِالنَّصْبِ، أَيْ لَمْ يَرَهُ الزَّمَنَ الْأَوَّلَ، وَفِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ مَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ أَغْنَانَا عَنْهُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ مُطَابِقًا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
الْبُنَانِيُّ فَرْعُ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يُطَابِقُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَلِمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَاشِرٍ قَالَ مَا نَصُّهُ رَأَيْت فِي شَرْحِ ابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّ فَرْعَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِحَلِفِ الْمَطْلُوبِ، وَإِنَّمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي تَرْكِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا.
اهـ. يَعْنِي وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ ذَكَرَهُ بَعْدُ وَاسْتَحْلَفَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَهُمَا، فَانْظُرْ مَا يَشْهَدُ لَهُ لِاقْتِضَائِهِ فَسْخَ الْحُكْمِ وَبِهِ يَبْطُلُ تَوَرُّكُ طفي عَلَى " غ ".
قُلْت قَوْلُ مُحَمَّدٍ لَيْسَ حُكْمُ الثَّانِي فَسْخًا لِحُكْمِ الْأَوَّلِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ إتْيَانَهُ بِالشَّاهِدِ بَعْدَ حُكْمِ الْأَوَّلِ، وَالْأَوَّلُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَكَلَامُهُ مُطَابِقٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلَ " ق " عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مَا يُطَابِقُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَنَصُّهُ قَوْلُهُ أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَجْهُ الْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ إذَا أَدْلَى الْخَصْمَانِ بِحُجَّتَيْهِمَا فَفَهِمَ الْقَاضِي عَنْهُمَا وَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا أَنْ يَقُولَ لَهُمَا أَبْقَيْت لَكُمَا حُجَّةً، فَإِنْ قَالَا لَا حُكْمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَقْبَلُ مِنْهُمَا حُجَّةً بَعْدَ إنْفَاذِ حُكْمِهِ.
وَلَوْ قَالَ بَقِيَتْ لِي حُجَّةٌ أَمْهَلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ حَكَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَتَيَا بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدَانِ نَقْضَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَأْتِيَا بِأَمْرٍ يَرَى فِيهِ أَنَّ لِذَلِكَ وَجْهًا.
ابْنُ الْقَاسِمِ مِثْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَقْضِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَقَالَ الْخَصْمُ لَا أَعْلَمُ شَاهِدًا آخَرَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ثُمَّ وَجَدَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلْيَقْضِ بِهَذَا الْآخَرِ، وَمِثْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ اهـ.
وَنَقَلَهُ " غ " أَيْضًا وَأَعْقَبَهُ بِقَوْلِ ابْنِ مُحْرِزٍ ضَمُّ ابْنُ الْقَاسِمِ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الَّذِي قَامَ بِهِ الْآنَ إلَى شَهَادَةِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُخْتَلَفُ فِيهِ كَمَا اُخْتُلِفَ فِيمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ حَلِفِ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ فَيَكُونُ مُسْقِطًا لَهُ بِنُكُولِهِ وَرَدِّ
وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا؛ قَالَ: وَكَذَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ؛
[منح الجليل]
الْيَمِينِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ كَمَنْ قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ فَحَلَفَ عَلَى تَكْذِيبِهِ، ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ آخَرُ بِهِ فَإِنَّهُ يَضُمُّ لِلشَّاهِدِ الْأَوَّلِ، وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ الْحَقِّ فِيهِ لَوْ كَانَ مُمَكَّنًا مِنْ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَجْزُهُ عَنْ شَاهِدٍ آخَرَ مَانِعًا لَهُ مِنْ الْقِيَامِ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ آخَرَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ عَلِمَ بِهِ وَتَرَكَهُ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ قَامَ بِهِ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا الَّذِي أَقَامَ شَاهِدًا لِحَقٍّ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدٍ فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ وَرَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ فَإِنَّمَا قِيلَ لَا تُلَفَّقُ شَهَادَةُ هَذَا إلَى شَهَادَةِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ مَعَهُ فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ وَتَرَكَ لِلْقِيَامِ بِشَهَادَتِهِ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ لَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ شَهَادَةِ هَذَا الشَّاهِدِ الْآخَرِ أَمْ لَا.
اهـ. مُرَادُنَا مِنْهُ وَبِهِ يَتَّضِحُ لَك الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَمَا ذَكَرَهُ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ أَتَى بِآخَرَ فَلَا ضَمَّ، وَفِي حَلِفِهِ مَعَهُ وَتَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ قَوْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاسْتَحْلَفَهُ الْمُدَّعِي فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ادَّعَيْت عَلَيَّ بِهَذَا وَحَلَّفْتنِي فِيهِ سَابِقًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي فَ (لَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (يَمِينُهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (لَمْ يُحَلِّفْهُ) أَيْ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ مُنَوَّنًا، أَيْ فِي الْمَاضِي فِي هَذِهِ الدَّعْوَى.
الْمَازِرِيُّ وَبِهِ الْقَضَاءُ وَالْفُتْيَا عِنْدَنَا وَلِلْمُدَّعِي رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ حَلَّفَهُ أَوَّلًا عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى، ثُمَّ لَا يَحْلِفُ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى.
(قَالَ) الْمَازِرِيُّ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ (وَكَذَا) أَيْ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَّكَ حَلَّفْتنِي أَوَّلًا فِي إيجَابِهِ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي قَوْلُهُ عَلِمْت (أَنَّهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ) أَيْ الْمُدَّعِي الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَيَّ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي عِلْمَهُ بِفِسْقِهِمْ فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَحْلِيفُهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فِسْقَهُمْ.
" ق " وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُدَّعِي إذَا طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ قَدْ كُنْت اسْتَحْلَفْتنِي فَاحْلِفْ لِي عَلَى أَنَّك لَمْ تُحَلِّفْنِي فَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ أَوْجَبَ أَنْ يَحْلِفَ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ عُدُولٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَفْسِيقَهُمْ وَلَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ إذَا قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّك عَالِمٌ بِفِسْقِ
وَأَعْذَرَ إلَيْهِ: بِأَبْقَيْت لَك حُجَّةٌ؟ وَنُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ، إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ،
[منح الجليل]
شُهُودِك، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهُ احْلِفْ لِي عَلَى أَنَّك لَمْ تَسْتَحْلِفْنِي عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى فِيمَا مَضَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينًا ثَانِيَةً حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ فِيمَا مَضَى، وَبِهَذَا مَضَى الْقَضَاءُ وَالْفُتْيَا عِنْدَنَا أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُدَّعِي يَمِينٌ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا اسْتَحْلَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَحْلَفَهُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى ثُمَّ لَا يُحَلِّفُهُ مَرَّةً أُخْرَى.
تت ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ خِلَافًا، وَاخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَنْبَغِي صِيغَةُ الْفِعْلِ هُنَا.
(وَأَعْذَرَ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ سَأَلَ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ عَنْ عُذْرِهِ وَحُجَّتِهِ فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى شَهَادَتِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ الْإِعْذَارُ سُؤَالُ الْحَاكِمِ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ مُوجِبُ الْحُكْمِ هَلْ لَهُ مَا يُسْقِطُهُ أَعْذَارًا مُصَوِّرًا (بِ) قَوْلِهِ لَهُ (أَبَقِيَتْ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ (لَك حُجَّةٌ) بِضَمِّ الْحَاءِ، أَيْ عُذْرٌ فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْك.
الْمُتَيْطِيُّ لَا يُنْفِذُ الْقَاضِي حُكْمَهُ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَعْذُرَ إلَيْهِ بِرَجُلَيْنِ وَإِنْ أَعْذَرَ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَهُ عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُنَيْسٍ، إذْ قَالَ لَهُ اُغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا.
الْحَطّ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الْإِعْذَارِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَقِيلَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ، وَقِيلَ بَعْدَ الْحُكْمِ ذَكَرَهُ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ.
وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ زَرْبٍ وَلَا تَتِمُّ قَضِيَّةُ الْقَاضِي إلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ.
اهـ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَفِي التُّحْفَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ.
(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ) أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ (فِيهِ) أَيْ الْإِعْذَارِ لِغَائِبٍ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ كَمُخَدَّرَةٍ وَمَرِيضٍ.
تت عَبَّرَ الْمُتَيْطِيُّ وَصَاحِبُ الْمُعِينِ عَنْ ذَلِكَ بِيَنْبَغِي، قَالَا وَإِنْ أَعْذَرَ إلَيْهِ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَهُ، وَاسْتَثْنَى مِمَّنْ يُعْذَرُ فِيهِ خَمْسَةً لَا إعْذَارَ فِيهِمْ فَقَالَ (إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا) حَصَلَ (فِي الْمَجْلِسِ) لِلْقَضَاءِ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ
وَمُوَجِّهَهُ، وَمُزَكَّى السِّرِّ، وَالْمُبَرِّزَ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ
[منح الجليل]
لِمُشَارَكَةِ الْقَاضِي لَهُ فِي الْعِلْمِ، فَلَوْ أَعْذَرَ فِيهِ لَا عُذْرَ فِي نَفْسِهِ وَبِهِ مَضَى أَهْلُ الْعَمَلِ.
ابْنُ سَهْلٍ مَا حَصَلَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي مِنْ الْإِقْرَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا إعْذَارَ فِي الشَّاهِدِ بِهِ، وَقَدْ أَسْقَطَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْإِعْذَارَ فِيمَنْ عَدَلَ عِنْدَ الْقَاضِي فَكَيْفَ بِهِ فِيمَنْ عَدَلَ عِنْدَهُ، وَشَهِدَ عِنْدَهُ بِمَا سَمِعَهُ فِي مَجْلِسِهِ.
(وَ) إلَّا (مُوَجَّهَهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالْجِيمِ مُثَقَّلًا، أَيْ الشَّاهِدَ الَّذِي وَجَّهَهُ وَأَرْسَلَهُ الْقَاضِي لِسَمَاعِ دَعْوًى أَوْ جَوَابِ مُخَدَّرَةٍ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ حِيَازَةِ عَقَارٍ.
الْمُتَيْطِيُّ أَبُو إبْرَاهِيمَ لَا إعْذَارَ فِيمَنْ أَعْذَرَ بِهِ إلَى مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ امْرَأَةٍ لَا تَخْرُجُ أَوْ مَرِيضٍ، كَذَلِكَ ابْنُ سَهْلٍ سَأَلْت ابْنَ عَتَّابٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا إعْذَارَ فِيمَنْ وَجَّهَ لِلْإِعْذَارِ (وَ) إلَّا (مُزَكَّى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَالْكَافِ مُثَقَّلَةً، أَيْ الشَّاهِدَ الَّذِي زَكَّاهُ عِنْدَ الْقَاضِي الْعُدُولُ فِي (السِّرِّ) فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ.
وَتَقْرِيرُ الْبِسَاطِيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ الْعَدْلَ الَّذِي اتَّخَذَهُ الْقَاضِي لِلتَّزْكِيَةِ فِي لِلسِّرِّ.
ابْنُ رُشْدٍ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ فِي أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِ.
فِي الْخَرَشِيِّ وعب أَنَّ كَسْرَ الْكَافِ أَوْلَى مِنْ فَتْحِهَا لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْكَسْرِ عَدَمُ الْإِعْذَارِ فِي مُزَكَّاهُ، بِخِلَافِ الْفَتْحِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْإِعْذَارِ فِي الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ.
الْمِسْنَاوِيُّ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ الْعَكْسُ فَالْفَتْحُ أَوْلَى لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ هِيَ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَعَدَالَةَ مُزَكَّاهُ بِالْفَتْحِ هِيَ بِعِلْمِ الْمُزَكِّي لَا بِعِلْمِ الْقَاضِي، فَعَدَالَةُ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ أَقْوَى، فَإِذَا لَمْ يُعْذَرْ فِي الْأَضْعَفِ فَلَا يُعْذَرُ فِي الْأَقْوَى بِالْأَوْلَى.
(وَ) إلَّا الشَّاهِدَ (الْمُبَرِّزَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ الزَّائِدَ عَلَى أَقْرَانِهِ فِي الْعَدَالَةِ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ (بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَقَرَابَةٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، وَمَفْهُومُهُ الْإِعْذَارُ فِي الْمُبَرِّزِ بِالْعَدَاوَةِ وَالْعَرَابَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
اللَّخْمِيُّ يُسْمَعُ الْجُرْحُ فِي الْمُتَوَسِّطِ فِي الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا.
وَفِي الْمُبَرِّزِ تَجْرِيحُ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَشَبَهِهِمَا (وَ) إلَّا الشَّاهِدَ عَلَى (مَنْ) أَيْ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ (يُخْشَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ (مِنْهُ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ضَرَرٌ لِلشَّاهِدِ عَلَيْهِ فَلَا يُعْذَرُ لَهُ فِيهِ
وَأَنْظَرَهُ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ،
[منح الجليل]
وَلَا يَذْكُرُ لَهُ اسْمَهُ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ بَشِيرٍ لَمَّا سَأَلَهُ الْوَزِيرُ عَمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ مِثْلُك لَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ.
اللَّخْمِيُّ يُسْتَحَبُّ كَوْنُ التَّجْرِيحِ سِرًّا إلَّا إنْ كَانَ الشَّاهِدُ أَوْ الْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يُتَّقَى شَرُّهُ.
طفي لَمَّا تَكَلَّمَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا إعْذَارَ فِيهَا قَالَ وَتُزَادُ سَادِسَةٌ، نُقِلَتْ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ الْقَاضِي وَذَكَرَ حِكَايَتَهُ، ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَانَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَبِالشَّهَادَةِ فَلَعَلَّ عِنْدَهُ حُجَّةٌ وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ.
اهـ. فَقَدْ اعْتَرَفَ كَمَا تَرَى أَنَّ قَضِيَّةَ ابْنِ بَشِيرٍ الْقَاضِي خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِهَا جَمْعًا لِلنَّظَائِرِ فَقَطْ، فَالدَّرَكُ عَلَيْهِ حَيْثُ اعْتَمَدَ فِي مُخْتَصَرِهِ الَّذِي جَعَلَهُ مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى خِلَافَ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَابْنُ بَشِيرٍ الْقَاضِي أَدْرَكَ مَالِكًا فَلَيْسَ هُوَ ابْنَ بَشِيرٍ تِلْمِيذَ الْمَازِرِيِّ.
الْبُنَانِيُّ وَلَفْظُ ابْنِ يُونُسَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُ مَا لِابْنِ بَشِيرٍ، وَنَصُّهُ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلَا يَشْهَدُ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي سِرًّا وَإِنْ خَافُوا مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ، إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهُ الْقَاضِي بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَيَعْذُرَ إلَيْهِ فِيهِ.
قَالَ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي بَعَثَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُمْ سِرًّا يُعْذَرُ فِيمَنْ عَدَّلَهُمْ.
(وَ) إذَا قَالَ الْقَاضِي لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ فَقَالَ نَعَمْ (أَنْظَرَهُ) أَيْ أَمْهَلَ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ (لَهَا) أَيْ لِإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ الَّتِي ادَّعَاهَا وَضَرَبَ لَهُ أَجَلًا (بِاجْتِهَادِهِ) مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ لَدَدُهُ.
تت ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّلَوُّمَ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَاَلَّذِي فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ ثَمَانِيَةً ثُمَّ ثَلَاثَةً تَلَوُّمًا، هَذَا فِي الْأَمْوَالِ، وَفِي غَيْرِهَا ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ سِتَّةٌ ثُمَّ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ ثَلَاثَةٌ.
اهـ. وَفِي وَثَائِقِ أَبِي الْقَاسِمِ فِي الْأُصُولِ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَفِي الدُّيُونِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَفِي الْبَيِّنَاتِ وَحَلِّ الْعُقُودِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَفِي غَيْرِ الْأُصُولِ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ سِتَّةٌ ثُمَّ سِتَّةٌ ثُمَّ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ ثَلَاثَةٌ فَهِيَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَلِلْقَاضِي جَمْعُهَا وَتَفْرِيقُهَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ.
طفي عِبَارَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي وَثَائِقِهِ وَفِي إثْبَاتِ الدُّيُونِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا، وَفِي الْإِعْذَارِ فِي الْبَيِّنَاتِ وَحَلِّ الْعُقُودِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَلِلْقَاضِي جَمْعُهَا وَبِتَفْرِيقِهَا جَرَى الْعَمَلُ اهـ.
ثُمَّ حَكَمَ: كَنَفَيْهَا، وَلْيُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ، وَيُعَجِّزُهُ
[منح الجليل]
ثُمَّ حَكَمَ) أَيْ يَحْكُمُ الْقَاضِي بَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ وَلَمْ يُثْبِتْ الْحُجَّةَ الَّتِي ادَّعَاهَا بِمَا شَهِدَتْ بِهِ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَشَبَّهَ فِي الْحُكْمِ فَقَالَ (كَنَفَيْهَا) أَيْ لِلْحُجَّةِ بِأَنْ قَالَ فِي جَوَابِ قَوْلِ الْقَاضِي لَهُ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ لَا حُجَّةَ لِي فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِلَا إنْظَارٍ.
ابْنُ رُشْدٍ ضَرْبُ الْأَجَلِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ بَيِّنَتِهِ مَصْرُوفٌ لِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُ.
(وَ) إنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً وَأَعْذَرَ فِيهَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَأَتَى بِبَيِّنَةٍ تُجَرِّحُهَا وَسُئِلَ الْقَاضِي عَمَّنْ جَرَّحَهَا فَ (لْيُجِبْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، الْقَاضِي مَنْ سَأَلَهُ عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ، وَصِلَةُ يُجِبْ (عَنْ الْمُجَرِّحِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مُثَقَّلَةً.
اللَّخْمِيُّ يُسْتَحَبُّ كَوْنُ التَّجْرِيحِ سِرًّا لِأَنَّ فِي إعْلَانِهِ أَذًى لِلشَّاهِدِ، وَمِنْ حَقِّ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يَعْلَمَا بِالْمُجَرِّحِ، إذْ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَرَابَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ التَّجْرِيحَ، وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يُتَّقَى شَرُّهُ (وَيُعَجِّزُهُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُثَقَّلَةً، أَيْ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إذَا مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يُثْبِتْ حُجَّتَهُ.
طفي أَيْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ فَلَيْسَ التَّعْجِيزُ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ تَلَفُّظُهُ بِمَادَّةِ التَّعْجِيزِ، وَإِنَّمَا يَكْتُبُ التَّعْجِيزَ لِمَنْ يَسْأَلُ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ، لَا لِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ الْحُجَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَفِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ انْتَظَرَهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَدَدُهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ يَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ هُوَ التَّعْجِيزُ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ عِيَاضٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ فَحَكَمَ عَلَيْهِ عَلَى تَعْجِيزِ الطَّالِبِ، وَجَوَابُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ عَزَا ابْنُ رُشْدٍ لِلْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ تُقْبَلُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ الَّتِي أَتَى بِهَا بَعْدَ التَّعْجِيزِ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ قَائِلًا هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، وَهُوَ الَّذِي عَنَى الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فِي فَصْلِ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ، وَظَاهِرُهَا الْقَبُولُ إلَخْ.
وَالْمُدَوَّنَةُ لَمْ تُصَرِّحْ بِعُنْوَانِ التَّعْجِيزِ كَمَا عَلِمْت نَصَّهَا آنِفًا مِنْ قَوْلِهَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ حُجَّةٌ إلَخْ، فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ مُجَرَّدَ الْحُكْمِ هُوَ التَّعْجِيزُ، وَقَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْجَزِيرِيِّ فِي وَثَائِقِهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ إنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ قَضَى عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَتَهُ مِنْ غَيْرِ صُدُورِ تَعْجِيزٍ، ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَتَهُ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّعْجِيزَ غَيْرُ الْقَضَاءِ، وَأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ الْحُجَّةِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ التَّعْجِيزِ لَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا عَلِمْت، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ قَضَى عَلَيْهِ قَبْلَ إثْبَاتِ عَجْزِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ صُدُورِ تَعْجِيزٍ إذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَقَوْلُهُ إلَّا فِي دَمٍ إلَخْ، لَا يَأْتِي عَلَى مَا دَرَجَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ إلَخْ مِنْ قَبُولِ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ إنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنْ نِسْيَانٍ وَعَدَمِ عِلْمٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، وَأَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُمَا فِي كُلِّ شَيْءٍ لَا خُصُوصِيَّةَ لِهَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ.
ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالتَّعْجِيزِ هَلْ تُقْبَلُ مِنْهُ أَمْ لَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لَا تُقْبَلُ مِنْهُ كَانَ الطَّالِبَ أَوْ الْمَطْلُوبَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَعْجِيزِ الطَّالِبِ، وَإِذَا قَالَهُ فِي الطَّالِبِ فَأَحْرَى أَنْ يَقُولَهُ فِي الْمَطْلُوبِ.
الثَّانِي: قَبُولُهَا مِنْهُ كَانَ الطَّالِبَ أَوْ الْمَطْلُوبَ إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ.
الثَّالِثُ: تُقْبَلُ مِنْ الطَّالِبِ وَلَا تُقْبَلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ فِي الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبُ بِخِلَافِهِ، إذْ الْمَشْهُورُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ وَقَضَى عَلَيْهِ مَضَى الْحُكْمُ وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ، أَمَّا إذَا عَجَّزَهُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَالْإِعْذَارِ وَهُوَ يَدَّعِي حُجَّةً فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ. وَسَمَاعُ أَصْبَغَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ هُوَ قَوْلُهُ سَمِعَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ ادَّعَى عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ أَنْكَرَتْهُ بِبَيِّنَةٍ بَعِيدَةٍ فَلَا يَنْتَظِرُ إلَّا فِي بَيِّنَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ، وَيَرَى الْإِمَامُ لِمَا ادَّعَاهُ وَجْهًا، فَإِنْ عَجَّزَهُ ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ فَقَدْ مَضَى الْحُكْمُ عَلَيْهِ نُكِحَتْ الْمَرْأَةُ أَمْ لَا ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ بَيِّنَتُهُ بَعْدَ التَّعْجِيزِ خِلَافُ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الصَّدَقَاتِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ.
اهـ. وَسَمَاعُ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ.
سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ وَرَثَةٍ قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَادَّعَى صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ أَبِيهِمْ فَسُئِلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحَوْزِ فَأَتَى بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَأَوْقَفَ الْقَاضِي لَهُ صَدَقَتَهُ زَمَنًا حَتَّى يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ الْقَاضِي بِقَسْمِهَا عَلَى الْوَرَثَةِ وَكَانَتْ رَقِيقًا وَمَنَازِلَ وَأَرْضًا فَقُسِمَتْ وَاُتُّخِذَتْ أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ وَأُعْتِقَ مَا أُعْتِقَ وَغُرِسَتْ الْأَرْضُ شَجَرًا، ثُمَّ ظَفِرَ مُدَّعِي الصَّدَقَةِ بِشَاهِدٍ آخَرَ كَانَ صَبِيًّا فَبَلَغَ أَوْ غَائِبًا فَقَدِمَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَمَّا مَا اُتُّخِذَتْ مِنْهَا أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ وَمَا أُعْتِقَ مِنْهُمْ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِمْ وَيَتْبَعُ الْوَرَثَةَ بِالثَّمَنِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُحْمَلْ وَلَمْ يُعْتَقْ فَيَأْخُذُهُ وَأَطَالَ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِالشَّاهِدِ الَّذِي أَتَى بِهِ مَعَ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ عَجَّزَهُ وَقَضَى بِقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ فَقَسَمَ وَفَوَّتَ خِلَافُ مَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَمِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إذَا قَضَى الْقَاضِي لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ وَسَجَّلَ لَهُ وَأَشْهَدَ لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِتَجْرِيحِ بَعْضِ مَنْ حَكَمَ بِهِ قُبِلَ مِنْهُ إنْ رَأَى لَهُ وَجْهًا، كَقَوْلِهِ جَهِلْت سُوءَ حَالِهِمْ حَتَّى ذُكِرَ لِي وَظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُلِدٍّ وَمَنْ وَلِيَ بَعْدَ الْقَاضِي مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ تَمْكِينُهُ مِنْ التَّجْرِيحِ بَعْدَ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ كَقَوْلِهَا، فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذِهِ الْأَسْمِعَةِ وَغَيْرِهَا مَا قُلْنَاهُ إنَّ التَّلَفُّظَ بِالتَّعْجِيزِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ، وَأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ لِلْقِيَامِ بَعْدَهُ لِلطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ إنْ كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ وَهُوَ مَا دَرَجَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ إلَّا لِعُذْرٍ.
وَفِي تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ بِقَوْلِهِ وَظَاهِرُهَا الْقَبُولُ فَلَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، إذْ الْقَبُولُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ، وَلِذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَيْهِ وَعَجَزَ عَنْ تَزْكِيَةِ بَيِّنَتِهِ وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَعْجِيزَهُ لِئَلَّا يَقُومَ عَلَيْهِ بِهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ مُطَرِّفٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَاخْتُلِفَ إذَا أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْ يُزَكِّيهَا أَوْ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، فَأَصْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا تُقْبَلُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ اهـ.
وَإِنَّمَا أَطَلْنَا بِذِكْرِ النُّقُولِ الْمُتَدَاخِلَةِ إيضَاحًا لِلْحَقِّ، إذْ لَمْ أَرَ مَنْ شَفَى الْغَلِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ شُرَّاحِهِ مَعَ وُقُوعِ الِاضْطِرَابِ فِي كَلَامِهِ مِنْ جَرْيِهِ مَرَّةً عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَمَرَّةً عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي فَصْلِ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
عب يُعَجِّزُهُ أَيْ يَحْكُمُ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَتِهِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَيَكْتُبُ ذَلِكَ فِي سِجِلٍّ بِأَنْ يَقُولَ ادَّعَى فُلَانٌ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَلَمْ يَأْتِ بِهَا وَقَدْ عَجَّزْته كَمَا يَأْتِي خَوْفًا مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّعْجِيزِ، وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ دَفْعًا لِلنِّزَاعِ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ قَالَ بِالْقَبُولِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّعْجِيزِ الْحُكْمَ بَعْدَ تَبَيُّنِ اللَّدَدِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ بَقَائِهِ عَلَى حُجَّتِهِ، فَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ ثُمَّ إذَا عَجَّزَهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلَهُ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ ادَّعَى نِسْيَانَهَا وَحَلَفَ عَلَيْهِ إنْ عَجَّزَهُ مَعَ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا مَعَ ادِّعَائِهِ حُجَّةً فَلَا يُقِيمُهَا وَلَوْ مَعَ ادِّعَاءِ نِسْيَانِهَا وَحَلِفِهِ عَلَيْهِ.
الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ " ز " مِنْ أَنَّ التَّعْجِيزَ هُوَ الْحُكْمُ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَتِهِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا وَأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ لِأَنَّهُ لَوْ أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّعْجِيزِ مُجَرَّدُ الْحُكْمِ لَمْ يَفْتَرِقْ الدَّمُ وَمَا مَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ قَالَهُ اللَّقَانِيُّ، ثُمَّ قَالَ الْبُنَانِيُّ الظَّاهِرُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ وَيُعَجِّزُهُ عَلَى صُورَةِ الِاتِّفَاقِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَهِيَ إذَا عَجَّزَهُ مُدَّعِيًا أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَعَلَيْهَا يَتَنَزَّلُ الِاسْتِثْنَاءُ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَبِهَذَا يَسْلَمُ مِنْ الِاضْطِرَابِ الَّذِي ادَّعَاهُ طفي، وَيَسْقُطُ بِهِ أَيْضًا قَوْلُ اللَّقَانِيِّ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ إلَخْ، هَذَا مُوَافِقٌ لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ، وَمُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا فِي التَّوْضِيحِ.
اهـ. نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ، وَقَالَ بَعْدَهُ التَّقْرِيرُ حَسَنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ،
[منح الجليل]
وَاسْتَثْنَى مِمَّا يُعَجِّزُ فِيهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ خَمْسَ مَسَائِلَ لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّعْجِيزُ فِيهَا، وَضَابِطُهَا كُلُّ حَقٍّ لَيْسَ لِمُدَّعِيهِ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتَةِ فَقَالَ (إلَّا فِي) شَأْنِ (دَمٍ) أَيْ قَتْلٍ إثْبَاتًا كَادِّعَاءِ شَخْصٍ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا عُدْوَانًا وَأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً فَأَنْظَرَهُ الْقَاضِي لِإِحْضَارِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي تَعْجِيزُهُ، فَمَتَى أَقَامَ بَيِّنَتَهُ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِهَا أَوْ نَفْيًا كَادِّعَاءِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً تُجَرِّحُ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَيْهِ بِهِ فَأَنْظَرَهُ الْقَاضِي لِإِتْيَانِهِ بِهَا وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَلَا يُعَجِّزُهُ الْقَاضِي، فَمَتَى أَتَى بِالْبَيِّنَةِ الْمُجَرِّحَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِهَا لِعِظَمِ الْقَتْلِ أَفَادَهُ عب، وَكَتَبَ عَلَى حَاشِيَتِهِ مَعْزُوًّا لَهُ مَا نَصُّهُ قَالَ عب هَذَا الضَّابِطُ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الدَّمِ، وَأَمَّا الدَّمُ فَلِلْوَلِيِّ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَتْلِ الْغِيلَةِ، إذْ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى اهـ.
طفي هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتُ إنَّمَا هِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي تَعْجِيزِ الطَّالِبِ، وَفِيهِ تَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ.
أَمَّا الْمَطْلُوبُ فَيُعَجَّزُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ إثْبَاتًا إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ صُورَةَ الْإِثْبَاتِ لَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إذَا ثَبَتَ فَلِمُدَّعِيهِ إسْقَاطُهُ، وَاَلَّذِي صَوَّرَ بِهِ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ إذَا أَرَادَ تَجْرِيحَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ فَعَجَزَ فَحَكَمَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِهِ، ثُمَّ وَجَدَ مَنْ يُجَرِّحُ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَيْهِ بِهِ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ وَلَا يُعْمَلُ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهِ لِخَطَرِ الدَّمِ، وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا قَالَهُ طفي، فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ أَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةَ التَّجْرِيحِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ.
(وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (حُبُسٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ تَحْبِيسِ شَيْءٍ، وَذَكَرَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِهِ وَأَمْهَلَهُ الْقَاضِي لِإِتْيَانِهِ بِهَا فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَلَا يُعَجِّزُهُ، فَمَتَى أَتَى بِهَا عَمِلَ بِهَا.
الْبُنَانِيُّ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْحَبْسُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَعْجِيزِ الطَّالِبِ لِحَقِّ الْغَائِبِ لَا مَا كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ فِي الْحَبْسِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا اُنْظُرْ ابْنَ مَرْزُوقٍ (وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (عِتْقٍ) بِبَيِّنَةٍ فَأَنْظَرَ الْمُدَّعِيَ لَهَا فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَلَا يُعَجَّزُ، فَمَتَى أَتَى بِهَا فَتُسْمَعُ وَيُعْمَلُ بِهَا (وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (نَسَبٍ) لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِبَيِّنَةٍ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا بَعْدَ التَّلَوُّمِ فَلَا
وَطَلَاقٍ وَكَتَبَهُ
وَإِنْ لَمْ يُجِبْ: حُبِسَ، وَأُدِّبَ، ثُمَّ حَكَمَ بِلَا يَمِينٍ.
[منح الجليل]
يُعَجَّزُ فَمَتَى أَقَامَهَا حُكِمَ بِهَا (وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (طَلَاقٍ) بِبَيِّنَةٍ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا فَلَا يُعَجَّزُ، فَمَتَى أَتَى بِهَا قُضِيَ بِهَا.
ابْنُ سَهْلٍ وَالْمُتَيْطِيُّ وَيُشْبِهُ الْحَبْسُ الطَّرِيقَ الْعَامَّ نَفْعُهَا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يُعَجَّزُ مُدَّعِيهَا.
وَنَصُّ ابْنُ سَهْلٍ وَمِمَّا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ وَالنَّسَبَ وَالْإِعْتَاقَ الْحَبْسُ وَطَرِيقُ الْعَامَّةِ وَشَبَهُهَا مِنْ مَنَافِعِهِمْ لَيْسَ عَجْزُ طَالِبِهِ وَالْقَائِمِ عَنْهُمْ فِيهِ يُوجِبُ مَنْعَهُ أَوْ مَنْعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّظَرِ لَهُ إنْ أَتَى بِوَجْهٍ.
الْجَزِيرِيُّ إنْ انْصَرَمَتْ الْآجَالُ وَعَجَزَ الطَّالِبُ عَجَّزَهُ الْقَاضِي، وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَيَصِحُّ التَّعْجِيزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُدَّعَى فِيهِ إلَّا فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الدِّمَاءِ وَالْأَحْبَاسِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ، وَفِيهِ خِلَافٌ، فَإِنْ قَامَتْ لِلْمُعَجِّزِ بَيِّنَةٌ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا حَلَفَ وَقُضِيَ لَهُ بِهَا.
وَقِيلَ لَا يُقْضَى لَهُ بِهَا وَبِهِ الْعَمَلُ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قُضِيَ عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَعْجِيزِهِ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَتَهُ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ بِهَا.
(وَكَتَبَهُ) أَيْ الْقَاضِي التَّعْجِيزَ الْمَفْهُومُ مَنْ يُعَجِّزُهُ فِي الْمُفِيدِ حَقٌّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ التَّعْجِيزَ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يَنْظُرُ هُوَ وَلَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ إنْ جَاءَ بَيِّنَةٌ تُثْبِتُ مَا عَجَزَ عَنْهُ إلَّا فِي الْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَبْسِ وَالدَّمِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
(وَإِنْ لَمْ يُجِبْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ وَلَا إنْكَارٍ بِأَنْ سَكَتَ أَوْ قَالَ لَا أُجِيبُ وَلَا أُخَاصِمُ (حُبِسَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يُجِيبَ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ رَوَاهُ أَشْهَبُ.
ابْنُ رُشْدٍ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمُدَّعِي (وَ) إنْ تَمَادَى عَلَى عَدَمِ الْجَوَابِ (أُدِّبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا بِالضَّرْبِ حَتَّى يُجِيبَ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ، وَبِهِ أَفْتَى فُقَهَاءُ قُرْطُبَةَ (ثُمَّ) إنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْجَوَابِ (حَكَمَ) الْقَاضِي عَلَيْهِ (بِلَا يَمِينٍ) مِنْ الْمُدَّعِي قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ لِعَدَمِ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْجَوَابِ إقْرَارًا بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي.
اللَّخْمِيُّ
وَلِمُدَّعًى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ، وَقُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَطْلُوبٌ الْمُعَامَلَةَ، فَالْبَيِّنَةُ، ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ: لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ
[منح الجليل]
اُخْتُلِفَ إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ دَعْوًى فَلَمْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ دَارٌ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ فَسُئِلَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ.
مُحَمَّدٌ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَيُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ حَكَمْت عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ.
(وَ) إنْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَهَا وَلَمْ يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ فَ (لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ) الَّذِي تَرَتَّبَتْ بِهِ الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ فِي ذِمَّتِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا كَبَيْعِ مُسْلِمٍ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ حُرًّا، أَوْ يُوجِبُ أَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ كَرِبًا.
أَشْهَبُ إنْ سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ طَالِبَهُ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَدَّعِي عَلَيْهِ هَذَا الْمَالَ، فَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُخَالَطَةٌ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بِشَيْءٍ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يُسَمِّ الْمُدَّعِي السَّبَبَ الَّذِي كَانَ لَهُ بِهِ الْحَقُّ، وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَزَادَ إنْ أَبَى الطَّالِبُ أَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ، فَإِنْ قَالَ لِأَنِّي لَمْ أَذْكُرْ وَجْهَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَلَا يُقْضَى عَلَى دَعْوَاهُ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيَّ بِلَفْظِ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ دَعْوَاهُ، وَإِنْ ادَّعَى نِسْيَانَهُ قُبِلَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَأُلْزِمَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذَا نَظَرٌ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ) شَخْصٌ (مَطْلُوبٌ) أَيْ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِمَالٍ (الْمُعَامَلَةَ) مَعَ الطَّالِبِ الْمُدَّعِي بِأَنْ قَالَ لَمْ تَقَعْ بَيْنِي وَبَيْنَك مُعَامَلَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اشْتِغَالُ ذَمَّنِي بِشَيْءٍ لَك (فَالْبَيِّنَةُ) عَلَى الْمُدَّعِي (ثُمَّ) إنْ أَقَامَهَا وَشَهِدَتْ لَهُ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ قَضَيْتُك مَا شَهِدْت بِهِ عَلَيَّ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ فَ (لَا تُقْبَلُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (بَيِّنَتُهُ) أَيْ الْمَطْلُوبِ الشَّاهِدَةُ لَهُ (بِالْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ أَكْذَبَهَا بِإِنْكَارِهِ الْمُعَامَلَةَ.
(بِخِلَافِ) قَوْلِ الْمَطْلُوبِ (لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ) بِشَدِّ الْيَاءِ، فَأَقَامَ الطَّالِبُ بَيِّنَتَهُ بِالْحَقِّ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ قَضَيْتُكَهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ، إذْ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ مَا
وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا، وَلَا تُرَدُّ: كَنِكَاحٍ
[منح الجليل]
يُكَذِّبُ بَيِّنَةَ الْقَضَاءِ.
عب وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْفَرْقُ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الثَّانِي.
الْبُنَانِيُّ يَعْنِي غَيْرَ الْعَامِّيِّ، وَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَقَدْ نَقَلَ الْحَطّ عَنْ الرُّعَيْنِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّهِ فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِالْقَضَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
الْعَدَوِيُّ هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا بَدِيهِيَّةٌ لَا تَخْفَى عَلَى الْعَامِّيِّ فَلَا وَجْهَ لِقَبُولِ بَيِّنَتِهِ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ إنْكَارِ الْمُعَامَلَةِ.
(وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ) كَالْإِعْتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْكِتَابَةِ (فَلَا يَمِينَ) عَلَى مُنْكِرِهَا (بِمُجَرَّدِهَا) أَيْ الدَّعْوَى عَنْ الْبَيِّنَةِ، وَمَفْهُومُ بِمُجَرَّدِهَا أَنَّهَا إنْ لَمْ تَتَجَرَّدْ وَشَهِدَ بِهَا شَاهِدٌ فَالْيَمِينُ عَلَى مُنْكِرِهَا لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ (وَلَا تُرَدُّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَشَدِّ الدَّالِ مُثَقَّلَةً، هَذِهِ الْيَمِينُ الْمُتَوَجِّهَةُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي إذْ لَا فَائِدَةَ فِي رَدِّهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنْ حَلَفَهَا لَا يَثْبُتُ الْمُدَّعَى بِهِ لِتَوَقُّفِ ثُبُوتِهِ عَلَى عَدْلَيْنِ، وَمَثَّلَ لِمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَقَالَ (كَنِكَاحٍ) وَرَجْعَةٍ وَطَلَاقٍ وَإِعْتَاقٍ وَكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ.
" غ " هَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ قُلْت قَوْلُهُ لَا تُرَدُّ زِيَادَةٌ مُسْتَغْنًى عَنْهَا لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَتَوَجَّهْ لَا تُرَدُّ لِأَنَّ رَدَّهَا فَرْعُ تَوَجُّهِهَا.
قُلْت الرَّدُّ الَّذِي يُسْتَغْنَى عَنْ نَفْيِهِ بِنَفْيِ التَّوَجُّهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّدُّ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعِي فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَعْنِي كَمَا قَالَ بَعْدُ وَحَلَفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ.
وَأَجَابَ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَنْ قَوْلِهِ لَا تُرَدُّ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنْهُ إلَّا أَنَّهَا لَا تَتَوَجَّهُ عِنْدَ التَّجَرُّدِ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا إذَا تَوَجَّهَتْ لِرَدِّ شَاهِدٍ فَنَكَلَ عَنْهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَمَفْهُومُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ أَنَّ مَا تَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَيَمِينٍ فَالْيَمِينُ بِمُجَرَّدِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
شب يُسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَةِ دَعْوَى الْقَاتِلِ عَفْوَ الْوَلِيِّ عَنْهُ، فَيَحْلِفُ بِمُجَرَّدِهَا وَالْعَفْوُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَقَوْلُهُ وَلَهُ تَحْلِيفُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ وَحَلَفَ الطَّالِبُ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ عِلْمَهُ بِعَدَمِهِ، وَالْمُتَّهَمُ
وَأَمَرَ بِالصُّلْحِ: ذَوِي الْفَضْلِ وَالرَّحِمِ: كَأَنْ خَشِيَ تَفَاقُمَ الْأَمْرِ
وَلَا يَحْكُمُ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ؛
[منح الجليل]
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَصْبٌ أَوْ سَرِقَةٌ وَدَعْوَى الْقَذْفِ إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِتَنَازُعِهِمَا وَتَشَاجُرِهِمَا.
(وَأَمَرَ) الْقَاضِي (بِالصُّلْحِ ذَوِي) أَيْ أَصْحَابَ (الْفَضْلِ) الْمُتَخَاصِمِينَ عِنْدَهُ لِلطَّالِبِينَ قَضَاءَهُ بَيْنَهُمْ (وَ) ذَوِي (الرَّحِمِ) أَيْ لِلْقَرَابَةِ إذَا تَشَاجَرُوا وَتَرَافَعُوا إلَيْهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَلَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالصُّلْحِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِتَأْلِيفِ النُّفُوسِ وَيُذْهِبُ غِلَّ الصُّدُورِ، وَفَصْلُ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ يُؤَكِّدُ عَدَاوَتَهُمْ وَغِلَّ صُدُورِهِمْ.
وَشَبَّهَ فِي الْأَمْرِ بِالصُّلْحِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (خَشِيَ) الْقَاضِي (تَفَاقُمَ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْفَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ، أَيْ تَعَاظُمَ (الْأَمْرِ) أَيْ التَّنَازُعَ وَالتَّخَاصُمَ بِسَبَبِ الْحُكْمِ فَلَا يَحْكُمُ وَيَأْمُرُهُمْ بِالصُّلْحِ.
اللَّخْمِيُّ لَا يَدْعُو الْقَاضِي إلَى الصُّلْحِ إذَا تَبَيَّنَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَرَى لَهُ وَجْهًا، وَأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الْحُكْمُ تَفَاقَمَ مَا بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَعَظُمَ وَخُشِيَتْ الْفِتْنَةُ، وَيُنْدَبُ أَهْلُ الْفَضْلِ إلَى تَرْكِ الْخُصُومَاتِ.
ابْنُ سَحْنُونٍ كَانَ أَبِي رُبَّمَا رَدَّ الْخَصْمَيْنِ إلَى مَنْ عَرَفَهُ بِالصَّلَاحِ وَالْأَمَانَةِ، فَيَقُولُ لَهُمَا اذْهَبَا إلَى فُلَانٍ يُصْلِحْ بَيْنَكُمَا، فَإِنْ اصْطَلَحْتُمَا وَإِلَّا رَجَعْتُمَا.
وَتَرَافَعَ إلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَبَى أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا وَقَالَ لَهُمَا اُسْتُرَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَلَا تُطْلِعَانِي مِنْ أَمْرِكُمَا عَلَى مَا قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكُمَا.
وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَدِّدُوا الْحُكْمَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَام حَتَّى يَصْطَلِحَا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ.
اللَّخْمِيُّ وَهَذَا بَيْنَ الْأَقَارِبِ حَسَنٌ، وَإِنْ تَبَيَّنَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا سَحْنُونٌ إذَا كَانَتْ شُبْهَةٌ وَأَشْكَلَ الْأَمْرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَهُمَا بِالصُّلْحِ.
مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لَوْ اصْطَلَحَا كَانَ أَحْمَدُ وَكَانَ ابْنُ بَقِيٍّ يُطَوِّلُ فِي الْحُكْمِ الْمُلْبِسِ رَجَاءَ أَنْ يَصْطَلِحَ أَهْلُهُ وَيَقُولُ إذَا طَوَّلَ عَلَى صَاحِبِ الْبَاطِلِ تَرَكَ طَلَبَهُ وَرَضِيَ بِالْيَسِيرِ.
(وَلَا يَحْكُمُ) الْحَاكِمُ (لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ) ابْنُهُ وَأَبِيهِ وَيَتِيمُهُ وَزَوْجَتُهُ (عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيُّ مِنْ الْخِلَافِ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي صِحَّةِ حُكْمِهِ لِمَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ.
وَنُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ، وَجَاهِلٍ لَمْ يُشَاوِرْ،
[منح الجليل]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ وَنَحْوُهُ لِمُطَرِّفٍ.
اللَّخْمِيُّ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ لِأَنَّ الظِّنَّةَ تَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ، وَانْظُرْ هَلْ يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ.
أَشْهَبُ لَا يَقْضِي لِنَفْسِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ اسْتَهْلَكَ مَالَهُ وَيُعَاقِبُهُ لِقَطْعِ أَبِي بَكْرٍ يَدَ الْأَقْطَعِ الَّذِي سَرَقَ عِقْدَ زَوْجَتِهِ أَسْمَاءَ لَمَّا اعْتَرَفَ بِسَرِقَتِهِ
(وَنُبِذَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ طُرِحَ وَأُلْغِيَ (حُكْمُ) قَاضٍ (جَائِرٍ) أَيْ خَارِجٍ فِي حُكْمِهِ عَنْ الْحَقِّ عَامِدًا.
ابْنُ رُشْدٍ الْقَاضِي الْجَائِرُ تُرَدُّ أَحْكَامُهُ دُونَ تَصَفُّحٍ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَقِيمَةً فِي ظَاهِرِهَا إلَّا أَنْ تَثْبُتَ صِحَّةُ بَاطِنِهَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ فِسْقٌ يُرَدُّ وَإِنْ صَادَفَهُ الْحَقُّ فَالْمَشْهُورُ فَسْخُهُ.
الْبُرْزُلِيُّ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ.
(وَ) نُبِذَ أَيْضًا حُكْمُ عَدْلٍ (جَاهِلٍ لَمْ يُشَاوِرْ) أَهْلَ الْعِلْمِ، ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ صَوَابًا لِكَوْنِهِ بِالْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ وَالْقَضَاءُ بِهِمَا بَاطِلٌ.
ابْنُ رُشْدٍ الْقَاضِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ فَمَا هُوَ صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ فِيهِ خِلَافٌ أُنْفِذَ، وَمَا هُوَ خَطَأٌ لَا خِلَافَ فِيهِ رُدَّ.
الْمُتَيْطِيُّ الْقَاضِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ الَّذِي عُرِفَ أَنَّهُ لَا يُشَاوِرُ فَلِلْقَاضِي الْوَالِي بَعْدَهُ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْكَامَهُ، فَمَا أَلْفَى مِنْهَا مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ أَنْفَذَهُ، وَمَا أَلْفَى مِنْهَا مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي بَلَدِهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَافَقَ قَوْلَ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ لَا يُعْمَلُ بِهِ فَإِنَّهُ يُنْفِذُهُ وَلَا يَفْسَخُهُ وَمَا لَمْ يُصَادِفْ فِيهِ قَوْلَ قَائِلٍ نَقَضَهُ وَلَا يُنْفِذُهُ.
ابْنُ مُحْرِزٍ إنْ حَكَمَ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْأَدِلَّةِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّخْمِينِ فِسْقٌ وَظُلْمٌ وَخِلَافُ الْحَقِّ وَيُفْسَخُ هَذَا الْحُكْمُ هُوَ وَغَيْرُهُ إذَا ثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِ أَنَّهُ عَلَى هَذَا حَكَمَ.
اللَّخْمِيُّ الْغَرَرُ فِي الْحُكْمِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ.
ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي أَحْكَامِ الْقُضَاةِ الَّذِينَ لَا تُرْضَى أَحْوَالُهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِالْجَوْرِ فِي أَحْكَامِهِمْ وَفِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْبِدَعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ هِيَ كَأَحْكَامِ الْجَائِرِ لَا يَمْضِي مِنْهَا إلَّا مَا عُلِمَ صِحَّةُ بَاطِنِهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ كَأَحْكَامِ الْعَدْلِ الْجَاهِلِ يَمْضِي مِنْهَا مَا كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ أَفَادَهُ " ق ". الْحَطّ قَوْلُهُ وَنُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ إلَخْ، هَذَا كَمَا قَالَ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ، الْأَوَّلُ الْجَائِرُ فَتُنْبَذُ أَحْكَامُهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
كُلُّهَا، أَيْ تُطْرَحُ وَتُرَدُّ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ حَقٌّ، وَالثَّانِي الْجَاهِلُ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُشَاوِرْ الْعُلَمَاءَ نُبِذَ حُكْمُهُ مُطْلَقًا أَيْضًا لِأَنَّ أَحْكَامَهُ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا بِالتَّخْمِينِ وَإِنْ كَانَ يُشَاوِرُ الْعُلَمَاءَ تُعُقِّبَتْ أَحْكَامُهُ وَأُمْضِيَ مِنْهَا مَا لَيْسَ جَوْرًا وَنُبِذَ الْجَوْرُ، وَالثَّالِثُ الْعَدْلُ الْعَالِمُ فَلَا تُتَعَقَّبُ أَحْكَامُهُ وَلَا يُنْظَرُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَرْفَعَ أَحَدٌ قَضِيَّةً وَيَذْكُرَ أَنَّهُ حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ الصَّوَابِ، فَيُنْظَرُ فِيهَا وَتُنْقَضُ إنْ خَالَفَتْ نَصًّا قَاطِعًا أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ اهـ.
طفي لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِالنَّقْضِ فِي الْجَاهِلِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِأَنَّ الْجَاهِلَ غَيْرُ الْمُشَاوِرِ، غَايَتُهُ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوهُ بِالْجَائِرِ وَالْجَائِرُ لَا يُنْقَضُ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا عُلِمَ صِحَّةُ بَاطِنِهِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي الْجَاهِلِ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الصَّوَابَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْحَطّ فِي الْجَائِرِ ظَاهِرُهُ النَّقْضُ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ حَقٌّ أَيْ عُلِمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ حَقٌّ وَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ جَائِرًا فِي أَحْكَامِهِ فَلَا تَجُوزُ أَقْضِيَتُهُ كُلُّهَا، وَعَلَى مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ أَنْ يَرُدَّهَا صَوَابًا كَانَتْ أَوْ خَطَأً لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُظْهِرَ الْعَدْلَ وَالصَّوَابَ وَبَاطِنُ أَمْرِهِ الْجَوْرُ إلَّا مَا عُلِمَ أَنَّ بَاطِنَ أَمْرِهِ كَانَ صَحِيحًا.
زَادَ الْبُنَانِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَاهِلِ الْعَدْلُ الْمُقَلِّدُ كَمَا فَسَّرَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَيُفِيدُهُ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْجَاهِلِ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ فَفِي التَّوْضِيحِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَمَّا أَحْكَامُ الْجَاهِلِ فَيَتَعَقَّبُهَا وَيُمْضِي مِنْهَا مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا مَا نَصُّهُ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ رِوَايَةً شَاذَّةً أَنَّ الْجَاهِلَ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الصَّوَابَ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَا إذَا كَانَ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُشَاوِرُهُمْ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَكَمَ بِالْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
اهـ. فَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، وَقَدْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ ابْنُ سَعِيدٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى هَذَا الْمُخْتَصَرِ، فَقَالَ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْجَاهِلَ غَيْرُ الْمُشَاوِرِ أَحْكَامُهُ مَنْقُوضَةٌ مُطْلَقًا، وَالْمُشَاوِرُ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ فَيُرَدُّ الْجَوْرُ وَيُمْضَى غَيْرُهُ، وَظَاهِرُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ التَّصَفُّحَ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمُشَاوِرِ، وَلِذَا قَالَ فِي ضَيْح حَكَى الْمَازِرِيُّ رِوَايَةً شَاذَّةً أَنَّ الْجَاهِلَ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا.
لِأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهَا صَوَابًا إنَّمَا هُوَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَتِمُّ فِي الْمُشَاوِرِ.
اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
ابْنُ رُشْدٍ الْقُضَاةُ أَرْبَعَةٌ،
الْأَوَّلُ عَدْلٌ عَالِمٌ فَأَحْكَامُهُ عَلَى الْجَوَازِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهَا الْخَطَأُ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ.
الثَّانِي: عَدْلٌ جَاهِلٌ يَحْكُمُ بِرَأْيِهِ وَلَا يُشَاوِرُ الْعُلَمَاءَ فَتُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ وَلَا يُرَدُّ مِنْهَا إلَّا الْخَطَأُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ.
الثَّالِثُ: مَعْرُوفٌ بِالْجَوْرِ فَأَحْكَامُهُ تُنْقَضُ كُلُّهَا، وَحَكَى فَضْلٌ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا تُتَصَفَّحُ كَأَحْكَامِ الْجَاهِلِ وَهُوَ شُذُوذٌ.
الرَّابِعُ: فَاسِقٌ لَمْ يَعْلَمْ بِالْجَوْرِ فِي أَحْكَامِهِ أَوْ مُبْتَدِعٌ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَهَذَا حُكْمٌ لَهُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَحْكُمُ الْجَائِرُ وَحَكَمَ لَهُ أَصْبَغُ بِحُكْمِ الْجَاهِلِ.
اهـ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي خِلَافِ مَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ إذَا كَانَ عَدْلًا جَاهِلًا كُشِفَتْ أَقْضِيَتُهُ فَأُنْفِذَ صَوَابُهَا وَرُدَّ خَطَؤُهَا الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ إذَا كَانَ عَدْلًا جَاهِلًا كُشِفَتْ أَقْضِيَتُهُ فَأُنْفِذَ صَوَابُهَا وَرُدَّ خَطَؤُهَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْأَخَوَانِ يُرِيدُ أَنَّهَا تُتَعَقَّبُ مِنْ وَجْهِ الْفِقْهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ إلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ الْعُلَمَاءِ فَلَا تُتَعَقَّبُ، وَرَأَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إنْ كَانَ حَكَمَ بِرَأْيِهِ أَنْ يُرَدَّ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَخْمِينٌ وَحَدْسٌ وَالْقَضَاءُ بِذَلِكَ بَاطِلٌ اهـ.
الْمُتَيْطِيُّ أَحْكَامُ الْقُضَاةِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: عَدْلٍ عَالِمٍ، وَعَدْلٍ مُقَلِّدٍ، ثُمَّ قَالَ الْوَجْهُ الثَّانِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ الَّذِي عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشَاوِرُ الْعُلَمَاءَ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْكَامَهُ، فَمَا أَلْفَى مِنْهَا مُوَافِقًا لِلْحَقِّ أَوْ مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي بَلَدِهِ إلَّا أَنَّهُ وَافَقَ قَوْلَ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يُنْفِذُهُ، وَمَا لَمْ يُصَادِفْ قَوْلَ قَائِلٍ وَكَانَ خَطَأً نَقَضَهُ.
اهـ. وَقَبِلَهُ ابْنُ هَارُونَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْقَاضِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ فَمَا هُوَ صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ فِيهِ خِلَافٌ يَنْفُذُ، وَمَا هُوَ خَطَأٌ لَا خِلَافَ فِيهِ يُرَدُّ وَنَحْوُهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ، فَهَذِهِ النُّقُولُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَاهِلِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِلَّا تُعُقِّبَ، وَمَضَى غَيْرُ الْجَوْرِ
وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَنُقِضَ، وَبَيَّنَ السَّبَبَ مُطْلَقًا مَا خَالَفَ قَاطِعًا، أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ:
[منح الجليل]
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ (تُعُقِّبَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ حُكْمُهُ (وَمَضَى غَيْرُ الْجَوْرِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَنُقِضَ الْجَوْرُ مِنْهُ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُتَعَقَّبُ حُكْمُهُ الْمُرَتَّبُ عَلَى إشَارَةِ الْعُلَمَاءِ.
قِيلَ الْقَضَاءُ صِنَاعَةٌ دَقِيقَةٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ كَيْفِيَّةُ إيقَاعِهِ، فَقَدْ يَعْرِفُ الْحُكْمَ وَلَا يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ إيقَاعِهِ فَيُوقِعُهُ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ أَحْكَامَ الْجَاهِلِ الْعَدْلِ الْمُشَاوِرِ لَا تُتَعَقَّبُ.
(وَلَا يُتَعَقَّبُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِهَا (حُكْمُ) الْقَاضِي (الْعَدْلِ الْعَالِمِ) فَلَا يَنْظُرُ فِيهِ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِلتَّسَلْسُلِ وَكَثْرَةِ الْخِصَامِ ابْنُ رُشْدٍ الْقَاضِي الْعَدْلُ الْعَالِمُ لَا تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ وَلَا يُنْظَرُ فِيهَا إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيرِ لَهَا إنْ اُحْتِيجَ لِلنَّظَرِ فِيهَا لِعَارِضِ خُصُومَةٍ.
أَوْ اخْتِلَافٍ فِي حَدٍّ لَا عَلَى الْكَشْفِ وَالتَّعَقُّبِ لَهَا إنْ سَأَلَ ذَلِكَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، فَتَنْفُذُ كُلُّهَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عِنْدَ النَّظَرِ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ أَنَّهُ خَطَأٌ ظَاهِرٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ فَيُنْقَضُ ذَلِكَ (وَنَقَضَ) الْعَدْلُ الْعَالِمُ وُجُوبًا (وَبَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ أَظْهَرَ الْعَدْلُ الْعَالِمُ وُجُوبًا (السَّبَبَ) الْمُوجِبَ لِنَقْضِهِ حُكْمَ الْعَدْلِ الْعَالِمِ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ الْمَنْقُوضُ حُكْمَ النَّاقِضِ أَوْ حُكْمَ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا فِي الثَّانِي، عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْأَوَّلِ.
مُطَرِّفٌ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِفَسْخِ قَضِيَّةِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُفَسِّرْ فَسْخَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَسْخٍ.
ابْنُ الْمَاجِشُونِ إشْهَادُهُ عَلَى الْفَسْخِ يَكْفِيهِ.
أَصْبَغُ الْفَسْخُ الَّذِي لَا يَكُونُ شَيْئًا حَتَّى يُلَخَّصَ مَا خَالَفَ (جَلِيَّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَشَدِّ الْيَاءِ، أَيْ ظَاهِرَ (قِيَاسٍ) أَيْ إلْحَاقَ أَمْرٍ بِأَمْرٍ فِي حُكْمِهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّتِهِ وَجَلِيُّهُ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، زَادَ فِي الذَّخِيرَةِ أَوْ خَالَفَ قَاعِدَةً قَطْعِيَّةً مَعَ سَلَامَةِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ مَا خَالَفَ قَاطِعًا ابْنَ الْحَاجِبِ التَّابِعَ لِابْنِ شَاسٍ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ النَّصُّ غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ يُفِيدُ الْقَطْعَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يُنْقَضُ حُكْمُ الْقَاضِي إذَا خَالَفَهُ وَنَقَلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَأَقَرَّهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ تَعْلِيقُ ابْنِ الْحَاجِبِ النَّقْضَ عَلَى مَا خَالَفَ الْقَاطِعَ لَا أَعْرِفُهُ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامًا عَنْ الْمَازِرِيِّ وَقَالَ عَقِبَهُ فَلَمْ يَقْصُرْ الْمَازِرِيُّ النَّقْضَ عَلَى الْقَطْعِ، فَقَصْرُ ابْنِ الْحَاجِبِ النَّقْضَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ لِنَصِّ رِوَايَةٍ تَابِعًا.
ابْنُ شَاسٍ مُتَعَقَّبٌ أَفَادَهُ طفي.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ مَا خَالَفَ قَاطِعًا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَالْخَطَأُ الْمُوجِبُ لِرَدِّ حُكْمِ الْعَدْلِ الْعَالِمِ فَسَّرَهُ اللَّخْمِيُّ بِمَا خَالَفَ نَصَّ آيَةٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ.
قُلْت أَوْ مَا ثَبَتَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَزَادَ الْمَازِرِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ قِيَاسًا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِي صِحَّتِهِ.
وَفِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يُنْقَضُ مِنْهَا إلَّا مَا خَالَفَ الْقَطْعَ نَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ مَا خَالَفَ الظَّنَّ الْجَلِيَّ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، بَلْ قَالُوا إنَّهُ إذَا خَالَفَ نَصَّ السُّنَّةِ غَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَيَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ هُنَا مَا أَوْرَدَهُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ.
الثَّانِي: فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَسْتَقِرُّ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَيُنْقَضُ، وَذَلِكَ إذَا وَقَعَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقَوَاعِدِ أَوْ النَّصِّ الْجَلِيِّ أَوْ الْقِيَاسِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ، فَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْأُمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ وَمُقَاسَمَةُ الْأَخِ، أَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، وَمِثَالُ مُخَالِفِ الْقَوَاعِدِ الْمَسْأَلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِتَقْرِيرِ النِّكَاحِ فِيمَنْ قَالَ إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ فَالصَّحِيحُ لُزُومُ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَهُ، فَإِذَا مَاتَتْ أَوْ مَاتَ فَحَكَمَ حَاكِمٌ بِإِرْثِ حَيِّهِمَا نَقَضْنَا حُكْمَهُ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ صِحَّةُ اجْتِمَاعِ الشَّرْطِ مَعَ الْمَشْرُوطِ لِأَنَّ حِكْمَتَهُ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الشَّرْطُ لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُ مَعَ مَشْرُوطِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّرْعِ شَرْطًا، فَلِذَلِكَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ التَّمْثِيلُ بِهَا.
وَمِثَالُ مُخَالِفِ النَّصِّ الْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَرَدَ بِاخْتِصَاصِهَا بِالشَّرِيكِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَمِثَالُ مُخَالِفِ الْقِيَاسِ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْكَافِرِ فَيُنْقَضُ قِيَاسًا عَلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْمُسْلِمِ الْفَاسِقِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ أَشَدُّ مِنْهُ فُسُوقًا وَأَبْعَدُ مِنْ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ.
1 -
الثَّالِثُ: فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مَا عُلِمَ فِيهِ نَفْيُ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَطْعًا كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ كَالتَّقْوِيمِ عَلَى مُعْتَقِ بَعْضِهِ فَيُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ فِيهِمَا مِمَّا لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّارِعُ فِيهَا وَالْقِيَاسُ الْخَفِيُّ مَا يُظَنُّ نَفْيُ الْفَارِقِ فِيهِ بَيْنَهُمَا كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي الْحُرْمَةِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ لِخُصُوصِيَّتِهَا لَا لِإِسْكَارِهَا، وَلِذَا اُخْتُلِفَ فِي قَلِيلِهِ.
وَفِي التَّنْقِيحِ لِلْقَرَافِيِّ اُخْتُلِفَ فِي الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فَقِيلَ الْجَلِيُّ قِيَاسُ الْمَعْنَى، وَالْخَفِيُّ قِيَاسُ الشَّبَهِ.
وَقِيلَ الْجَلِيُّ مَا تُفْهَمُ عِلَّتُهُ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانٌ» . وَفِي شَرْحِهِ قِيَاسُ الْمَعْنَى كَقِيَاسِ الْأُرْزِ عَلَى اللَّبَنِ فِي حُرْمَةِ الرِّبَا بِجَامِعِ الطَّعْمِ وَالنَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ السُّكْرِ.
وَقِيَاسُ الشَّبَهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا فِي ذَاتِهِ وَيَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلْمُنَاسِبِ كَقَوْلِنَا فِي الْخَلِّ إنَّهُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ لِأَنَّهُ مَائِعٌ وَلَا تُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزِيلَ النَّجَاسَةَ كَالدُّهْنِ، فَقَوْلُنَا لَا تُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ لَيْسَ مُنَاسِبًا، لَكِنَّهُ يُشْعِرُ بِالْقِلَّةِ، فَإِنَّ عَدَمَ بِنَاءِ الْقَنْطَرَةِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى قِلَّتِهِ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ أَنَّ الْقَنْطَرَةَ لَا تُبْنَى إلَّا عَلَى الْمَائِعِ الْكَثِيرِ فَمَا لَا تُبْنَى عَلَيْهِ الْقَنْطَرَةُ مِنْ الْمَائِعِ فَهُوَ غَيْرُ كَثِيرٍ، وَالطَّهَارَةُ عَلَى مُقْتَضَى اللُّطْفِ بِالْمُكَلَّفِ لَا تُشْرَعُ إلَّا بِمَا هُوَ كَثِيرٌ مُتَيَسِّرٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَكُلِّ مَكَان، فَالْقِلَّةُ حِينَئِذٍ تُنَاسِبُ الْمَنْعَ، فَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ الَّذِي اسْتَلْزَمَهُ ذَلِكَ الْوَصْفُ الطَّرْدِيُّ، وَقِيلَ الْجَلِيُّ مَا كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ فِي الْفَرْعِ أَوْلَى مِنْ ثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ كَقِيَاسِ الْعَمْيَاءِ عَلَى الْعَوْرَاءِ فِي امْتِنَاعِ التَّضْحِيَةِ وَالضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ فِي الْحُرْمَةِ.
الرَّابِعُ: لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ الْمُخَالِفُ لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ إذَا وَافَقَ مُعَارِضًا رَاجِحًا كَالْقَضَاءِ
كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ،
[منح الجليل]
بِصِحَّةِ الْقِرَاضِ وَالْقَرْضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْقَوَاعِدِ وَلِلنُّصُوصِ الْعَامَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ، وَلَكِنْ وَرَدَ فِي التَّرْخِيصِ فِيهَا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَالنُّصُوصِ الْعَامَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ وَخَصَّصَتْهَا.
وَشَبَّهَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي النَّقْضِ فَقَالَ (كَ) حُكْمٍ بِ (اسْتِسْعَاءِ) أَيْ سَعْيِ رَقِيقٍ (مُعْتَقٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ بَعْضُهُ مِنْ أَحَدِ الْمُشْتَرِكِينَ فِيهِ وَلَا مَالَ لَهُ يُقَوَّمُ فِيهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، وَامْتَنَعَ شَرِيكُهُ مِنْ إعْتَاقِ نَصِيبِهِ فَحُكِمَ عَلَى الرَّقِيقِ بِالسَّعْيِ فِي اكْتِسَابِ مَالٍ يَشْتَرِي بِهِ بَعْضَهُ الرَّقِيقَ مِنْ مَالِكِهِ لِتَتْمِيمِ حُرِّيَّتِهِ فَيُنْقَصُ هَذَا الْحُكْمُ لِضَعْفِ دَلِيلِهِ.
طفي جَعَلَهُ تت مُشَبَّهًا بِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مِثَالًا لِمَا قَبْلَهُ إذْ لَيْسَ مُخَالِفًا قَاطِعًا وَلَا جَلِيَّ قِيَاسٍ وَلَا سُنَّةً لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمُخَالِفِ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ مُسْتَنِدًا سُنَّةً أَصْلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هُنَا، لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُ كُلِّهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ» ، وَرُوِيَ فِيهِ «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» فَأَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَالْجُمْهُورُ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالثَّانِيَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهَا لِأَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ قَتَادَةَ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ الِاسْتِسْعَاءَ وَهُمَا أَثْبَتُ وَوَافَقَهُمَا هَمَّامٌ فَفَصَلَ الِاسْتِسْعَاءَ مِنْ الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ مِنْ رَأْيِ قَتَادَةَ.
عِيَاضٌ الْأَصِيلِيُّ وَابْنُ الْقَصَّارِ الَّذِينَ أَسْقَطُوا السِّعَايَةَ أَوْلَى مِنْ الَّذِينَ ذَكَرُوهَا، وَإِذًا لَيْسَتْ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ.
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مُسْقِطُهَا أَثْبَتُ مِنْ الَّذِينَ ذَكَرُوهَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ فَمَرَّةً ذَكَرَهَا وَمَرَّةً أَسْقَطَهَا، فَدَلَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْحَدِيثِ، أَفَادَهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اهـ. الْبُنَانِيُّ جَعَلَ " ز " الْكَافَ لِلتَّمْثِيلِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالْحَقُّ كَمَا قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ أَنَّهَا لِلتَّشْبِيهِ وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ تت وَجَدُّ عج وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ، ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ هُوَ مَذْهَبُ
وَشُفْعَةِ جَارٍ، وَحُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ، أَوْ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ، أَوْ مِيرَاثِ
[منح الجليل]
ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَحْدَهُ وَاعْتَرَفَ بِهَذَا فِي ضحيه وَلَمْ يَزَلْ الشُّيُوخُ يَسْتَبْعِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَ خِلَافَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَلِذَا لَمْ يُعَرِّجْ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ لَا يَذْكُرَهُ هُنَا لِمَا عَلِمْت، وَلِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَرَفْعُ الْخِلَافِ، بَلْ يُنَافِيهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِ مَا قَضَى بِهِ رَجَعَ فِيهِ، وَلَا يَنْقُضُ مَا حَكَمَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
(وَ) كَحُكْمٍ ب (شُفْعَةِ جَارٍ) فَيُنْقَضُ لِضَعْفِ دَلِيلِهِ.
ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي يُنْقَضُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ بِهِ الْحُكْمُ بِاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَبِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَتَوْرِيثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ طفي وَأَمَّا شُفْعَةُ الْجَارِ فَقَالَ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مُحْتَجِّينَ بِحَدِيثِ «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» ، وَالصَّقَبُ رُوِيَ بِالصَّادِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَيْنِ الْقَرِيبُ.
وَبِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُد «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ» إلَّا أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي جَاءَتْ فِي أَنْ لَا شُفْعَةَ إلَّا لِشَرِيكٍ أَسَانِيدُهَا جَيِّدَةٌ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اضْطِرَابٌ، بِخِلَافِ حَدِيثِ «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» ، فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَيْسَا مُخَالِفَيْنِ لِلسُّنَّةِ، إذْ لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ حُجَّةٌ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُمَا مِنْ شَهَادَةِ الْكَافِرِ لِمِثْلِهِ وَمِيرَاثِ ذَوِي الرَّحِمِ وَمَوْلًى أَسْفَلَ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، إذْ قَالَ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَهُ حُجَجٌ لَا نُطِيلُ بِهَا، وَكَذَا الْحُكْمُ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(وَ) كَ (حُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ) لِلْحَاكِمِ فَيُنْقَضُ لِإِتْهَامِهِ فِيهِ بِالْجَوْرِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى شَخْصٍ فَأَقَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْقَاضِيَ عَدُوٌّ لَهُ فَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ (أَوْ) حُكْمٍ بِ (شَهَادَةِ) شَخْصٍ (كَافِرٍ) عَلَى مِثْلِهِ.
طفي مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا شَهِدَ الْكَافِرُ عَلَى مِثْلِهِ وَالْقَائِلُ بِقَبُولِهَا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَى مُسْلِمٍ فَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهَا.
(وَ) كَحُكْمٍ بِ (مِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ) كَخَالَةٍ وَعَمَّةٍ (أَوْ) مِيرَاثِ (مَوْلًى) بِفَتْحِ الْمِيمِ
ذِي رَحِمٍ، أَوْ مَوْلًى أَسْفَلَ، أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ
[منح الجليل]
وَاللَّامِ (أَسْفَلَ) أَيْ عَتِيقٍ مِنْ مُعْتِقِهِ بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ (أَوْ) حُكْمٍ (بِ) سَبَبِ (عِلْمٍ) مِنْ الْقَاضِي بِشَيْءٍ (سَبَقَ) عِلْمُهُ بِهِ (مَجْلِسَهُ) أَيْ الْقَاضِي، سَوَاءٌ عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَهَا، وَاحْتَرَزَ عَنْ حُكْمِهِ بِمَا عَلِمَهُ فِي مَجْلِسِهِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ.
اللَّخْمِيُّ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ وَلَا بَعْدَ أَنْ وَلِيَهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ، أَوْ كَانَ فِيهِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَاكَمَا إلَيْهِ أَوْ يَجْلِسَا لِلْحُكُومَةِ، مِثْلَ أَنْ يَسْمَعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا يُقِرُّ لِلْآخَرِ فَلَمَّا تَقَدَّمَ لِلْحُكُومَةِ أَنْكَرَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ شَاهِدٌ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ إنْ أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ جَلَسَا لِلْخُصُومَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ يَحْكُمُ بِهِ وَرَأَيَا أَنَّهُمَا لَمَّا جَلَسَا لِلْمُحَاكَمَةِ فَقَدْ رَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَقُولَانِهِ، وَكَذَا إذَا أَقَرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ حَتَّى حَكَمَ ثُمَّ أَنْكَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَالَ مَا أَقْرَرْت بِشَيْءٍ فَلَا يَنْظُرُ إلَى إنْكَارِهِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
طفي وَالْقَائِلُ بِالنَّقْضِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَفِيمَا مَاثَلَهَا ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ عِنْدَهُ الْخِلَافُ النَّقْضَ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا.
ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ فِي نَقْضِ حُكْمِ مَنْ قَبْلَهُ إنْ كَانَ خَطَأً لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَلَا يَرُدُّهُ.
وَقِيلَ يَرُدُّهُ إنْ كَانَ شَاذًّا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَرُدُّهُ وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ قَوِيًّا مَشْهُورًا إنْ كَانَ خِلَافَ سُنَّةٍ قَائِمَةٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي يُنْقَضُ فِيهِ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ الْحُكْمُ بِاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ وَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَتَوْرِيثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ وَشِبْهِهَا، وَلَمَّا ذَكَرَهَا الْمَازِرِيُّ قَالَ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَمْ يَرَ النَّقْضَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِأَنَّ نَقْلَهَا غَيْرُ قَطْعِيٍّ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بَعِيدٌ لِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ.
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَا قَالَ هَذَا غَيْرُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَدْ اعْتَرَفَ فِي تَوْضِيحِهِ بِأَنَّ هَذَا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَحْدَهُ، وَنَصُّ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَرُدُّ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِمَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِيهِ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ وَشُفْعَةِ الْجَارِ وَشَهَادَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ لِمِثْلِهِ وَمِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ، وَكَذَا مَا تَوَاطَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَوْ شَاعَ الْعَمَلُ بِهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ رَأْيِ الْعُلَمَاءِ أَوْ اسْتِحْسَانِهِمْ فَلَا يَنْقُضُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ رَأْيِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُنْقَضُ الْخِلَافُ كَائِنًا مَا كَانَ، وَاَلَّذِي حَكَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُلَائِمُ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا دَرَج عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَمَا زَالَ الشُّيُوخُ يَسْتَبْعِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَ خِلَافَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَلِذَا لَمْ يُعَرِّجْ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ لَا يَذْكُرَهُ لِمَا عَلِمْت، وَلِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَرَفْعُ الْخِلَافِ بَلْ يُنَافِيهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِ مَا قَضَى بِهِ رَجَعَ فِيهِ وَلَا يَنْقُضُ مَا حَكَمَ فِيهِ غَيْرُهُ مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافٌ.
اهـ. وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مُشْكِلٌ فِي نَحْوِ شُفْعَةِ الْجَارِ وَاسْتِسْعَاءِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ لِتَعَلُّقِ الْمُخَالِفِ فِيهِ بِسُنَّةٍ قَائِمَةٍ كَمَا عَلِمْت، وَهَبْ أَنَّهَا عِنْدَهُ مَرْجُوحَةٌ فَهِيَ رَاجِحَةٌ عِنْدَ الْمُخَالِفِ، وَكَذَا كُلُّ مَا تَعَلَّقَ فِيهِ الْمُخَالِفُ بِسُنَّةٍ وَغَيْرُهُ بِمِثْلِهَا فَقَدْ ظَهَرَ لَك مَا قُلْنَاهُ سَابِقًا أَنَّ الصَّوَابَ جَعْلُ قَوْلِهِ كَاسْتِسْعَاءِ عِتْقٍ إلَخْ تَشْبِيهًا، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ صَنِيعِهِ فِي تَوْضِيحِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ عَنْ الْقَرَافِيِّ نَقْضَ الْحُكْمِ إذَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيُرَدُّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فَلَمْ يَجْعَلْهُ مِثَالًا بَلْ تَشْبِيهًا.
الْبُنَانِيُّ أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِعَدَمِ النَّقْضِ انْفَرَدَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ وَأَنَّ النَّقْضَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِمُخَالَفَةِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَالَ مَا نَصُّهُ أَشَارَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الذَّاهِبِينَ إلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ خَالَفُوا فِي حُكْمِ مَا تَوَاطَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَكَانَ ذَلِكَ كَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الْقَائِمَةِ لَا سِيَّمَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَمْ يَرَ النَّقْضَ فِي
أَوْ جَعْلِ بَتَّةٍ وَاحِدَةً،
[منح الجليل]
شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، لِكَوْنِ أَدِلَّتِهَا لَيْسَتْ بِقَطْعِيَّةٍ.
ثُمَّ قَالَ وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بَعِيدٌ عَنْ تَجْدِيدِ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ كَيْفَ وَالِاسْتِسْعَاءُ قَدْ وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ الشُّفْعَةُ لِلْجَارِ مَعَ وُرُودِ أَحَادِيثَ تَقْتَضِيهَا.
اهـ. فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْجِيحُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَا خَالَفَ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُنْقَضُ بِمَنْزِلَةِ مَا خَالَفَ قَاطِعًا، وَأَنَّ النَّقْضَ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي مُخَالَفَةِ الْقَاطِعِ، وَلَعَلَّ اسْتِبْعَادَ الْمَازِرِيِّ لَهُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ فَلَمْ يَرْتَضِهِ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ لَمَّا نَقَلَ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِالنَّقْضِ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِعَيْنِهَا، وَقَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِعَدَمِهِ فِيهَا قَالَ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُعْجِبُنِي مَا انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ انْفَرَدَ بِعَدَمِ النَّقْضِ عَنْ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ دَبُّوسٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْإِعْلَامِ بِمَا يَنْزِلُ عِنْدَ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ، وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ، وَرَوَى أَكْثَرَهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَنَّهُ رَأْيُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ.
قُلْت لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَمَنْ حَكَمَ بِحُكْمِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَمِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ إلَخْ فَقَالَ هَذَا كُلُّهُ عِنْدِي مِمَّا إذَا حَكَمَ فِيهِ حَاكِمٌ بِإِمْضَائِهِ أَمْضَيْته وَلَا أَرُدُّهُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَمْ يُعْجِبْنِي انْفِرَادُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِهَذَا الْقَوْلِ دُونَ أَصْحَابِهِ وَلَمْ نَأْخُذْ بِهِ.
وَقَوْلُنَا فِيهِ كَقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ.
اهـ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا مَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِنَقْلِ الْأَئِمَّةِ، وَاسْتِبْعَادُ الْمَازِرِيُّ لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَا يُضْعِفُهُ، وَأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِعَدَمِ النَّقْضِ هُوَ الضَّعِيفُ لِانْفِرَادِهِ بِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَقُلْ بِالنَّقْضِ غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَرْدُودٌ بِمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَرِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ) حَكَمَ ب (جَعْلِ بَتَّةٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ طَلَاقِ بَتِّ الْعِصْمَةِ وَقَطْعِهَا وَهُوَ الثَّلَاثُ طَلْقَةً (وَاحِدَةً) ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَرَفَعَ لِمَنْ يَرَاهَا وَاحِدَةً فَجَعَلَهَا
أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا فَأَخْطَأَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ صَبِيَّيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ: كَأَحَدِهِمَا،
[منح الجليل]
وَاحِدَةً وَزَوْجُهَا الْبَاتُّ قَبْلَ زَوْجٍ فَلِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الَّذِي يُقَرُّ الْحُكْمُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَنْتَقِضُ ذَلِكَ كَائِنًا مَا كَانَ مَا لَمْ يَكُنْ خَطَأً مَحْضًا (أَوْ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِي (قَصَدَ كَذَا) مِنْ الْأَقْوَالِ لِيَحْكُمَ بِهِ (فَأَخْطَأَ) وَحَكَمَ بِغَيْرِهِ وَثَبَتَ ذَلِكَ (بِبَيِّنَةٍ) شَهِدَتْ عِنْدَ الْقَاضِي.
الثَّانِي أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ قَصَدَ الْحُكْمَ بِكَذَا فَأَخْطَأَ وَحَكَمَ بِغَيْرِهِ فَيَنْقُضُهُ الثَّانِي.
ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي الْعَدْلِ فِيمَا حَكَمَ بِهِ رَأْيًا فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْوًا نُقِضَ حُكْمُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَنَصُّهُ إنْ قَصَدَ إلَى الْحُكْمِ بِمَذْهَبٍ فَصَادَفَ غَيْرَهُ سَهْوًا فَهَذَا فَسْخُهُ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ لِجَرَيَانِهِ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَوَجْهُ غَلَطِهِ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا عَلِمَتْ قَصْدَهُ إلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِهِ فَوَقَعَ فِيهِ فَيَنْقُضُهُ مَنْ بَعْدَهُ كَمَا يَنْقُضُهُ هُوَ.
(أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِي (قَضَى) بِأَمْرٍ (بِ) شَهَادَةِ (عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ) مُعْتَقِدًا عَدَالَتَهُمَا فَيُنْقَضُ قَضَاؤُهُ فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ اتِّفَاقًا، وَفِي الرَّابِعَةِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْآخَرُ لَا يُنْقَضُ وَبِهِ أَخَذَ أَشْهَبُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نُقِضَ الْحُكْمُ، بِخِلَافِ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ.
اللَّخْمِيُّ إنْ ثَبَتَ تَقَدُّمُ جُرْحَةِ الْبَيِّنَةِ فَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ يُنْقَضُ الْحُكْمُ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ يَمْضِي، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي إنْ ثَبَتَ أَنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ عَدَاوَةً أَوْ تُهْمَةً.
وَشَبَّهَ فِي النَّقْضِ فَقَالَ (كَ) ظُهُورِ (أَحَدِهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ فَاسِقًا فَيُنْقَضُ.
فِيهَا إنْ عَلِمَ بَعْدَ الْجَلْدِ أَوْ الرَّجْمِ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدٌ حُدَّ الشُّهُودُ أَجْمَعُونَ.
اللَّخْمِيُّ إنْ ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ نُقِضَ الْحُكْمُ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَلَوْ قِيلَ بِمُضِيِّهِ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ
إلَّا بِمَالٍ فَلَا يُرَدُّ، إنْ حَلَفَ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْهُ، إنْ حَلَفَ
وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ خَمْسِينَ مَعَ عَاصِبِهِ،
[منح الجليل]
إمْضَائِهِ إنْ ثَبَتَ جُرْحَتُهُ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ مَرْدُودَةٌ اتِّفَاقًا، وَالْعَبْدُ أَجَازَ شَهَادَتَهُ عَلِيٌّ وَأَنَسٌ وَشُرَيْحٌ وَغَيْرُهُمْ وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَصْرَانِيٌّ رُدَّ الْحُكْمُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا مُوَلًّى عَلَيْهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يُنْقَضُ.
وَالنَّقْضُ فِي هَذَا أَبْعَدُ مِنْهُ فِي الْعَبْدِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنَّ شَهَادَةَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ تَجُوزُ ابْتِدَاءً وَهُوَ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ عَدْلٌ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِجَهْلِهِ بِتَدْبِيرِ مَالِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الرِّوَايَةُ وَاضِحَةٌ بِأَنَّ كَوْنَهُمَا صَبِيَّيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا كَكَوْنِهِمَا أَوْ أَحَدَهُمَا كَافِرًا (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ مَنْ ظَهَرَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا (بِمَالٍ فَ) لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَ (لَا يُرَدُّ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمَالُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ (إنْ حَلَفَ) الْمَحْكُومُ لَهُ بِهِ لِتَمَامِ النِّصَابِ بِالْيَمِينِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمَحْكُومُ لَهُ بِهِ (أَخَذَهُ) أَيْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْمَالَ (مِنْهُ) أَيْ الْمَحْكُومِ لَهُ (إنْ حَلَفَ) الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْبَاقِي، فَإِنْ نَكَلَ فَلَا يَأْخُذُهُ لِثُبُوتِهِ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ فِيهَا إنْ حَكَمَ بِمَالٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ حَلَفَ الطَّالِبُ مَعَ الْبَاقِي، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ الْمَالَ، وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَطْعِ يَدِ رَجُلٍ عَمْدًا فَاقْتُصَّ مِنْهُ ثُمَّ تَبَيَّنَّ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَلَا يَكُونُ عَلَى مُتَوَلِّي الْقَطْعِ شَيْءٌ وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ اللَّخْمِيِّ، أَرَادَ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحُرُّ أَنَّ الَّذِي مَعَهُ عَبْدٌ.
وَاسْتَشْكَلَ قَوْلُهَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقُلْ يَحْلِفُ الْمُقْتَصُّ لَهُ مَعَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي كَمَا قَالَ فِي الْمَالِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيهَا إنَّ جِرَاحَ الْعَمْدِ ثَبَتَتْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَالْمَالِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَالَ يُمْكِنُ رَدُّهُ فَكَانَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ مُنْتَفَعٌ بِيَمِينِهِ فَصَحَّ حَلِفُهُ وَالْقَطْعُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ فَلَا نَفْعَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ بِحَلِفِهِ.
(وَ) إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلِ آخَرَ عَمْدًا فَاقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا (حَلَفَ) وَلِيُّ الدَّمِ (خَمْسِينَ) يَمِينًا (مَعَ) جِنْسِ (عَاصِبِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ، إذْ لَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ مِنْ رَجُلَيْنِ وَمَضَى الْحُكْمُ.