وَلَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا إنْ لَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يُتَّجَرْ لِحُضُورِهِ
[منح الجليل]
اشْتَرَى بَعْدَ عِلْمِهِ تَلَفَ مَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً.
اهـ. فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ مَا اشْتَرَى بِالسَّالِمِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَحِلُّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ التَّلَفَ، فَإِنْ عَلِمَهُ فَهِيَ لَهُ خَاصَّةً إلَّا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْهُ فَالسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا بِلَا خِيَارٍ لِأَحَدِهِمَا، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ يُفِيدُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ.
فَإِنْ قِيلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ إلَّا أَنْ يَدَّعِي، يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ.
قُلْت لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اشْتَرَى لِلشَّرِكَةِ وَلَمْ يَدَّعِ الْأَخْذَ لِنَفْسِهِ، فَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ يُفِيدُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُخَيَّرُ وَإِنَّهُ بَيْنَهُمَا لُزُومًا.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَوْ مُطْلَقًا هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ، إلَّا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَلَا خِيَارَ لِأَحَدِهِمَا سَوَاءٌ اشْتَرَى بَعْدَ الْعِلْمِ بِالتَّلَفِ أَوْ قَبْلَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ يُفِيدُ أَنَّهُ إنْ اشْتَرَى بَعْدَ عِلْمِهِ التَّلَفَ يُخَيَّرُ شَرِيكُهُ الَّذِي تَلِفَتْ صُرَّتُهُ فِي شَرِكَتِهِ وَتَرْكِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ إنْ أَحْضَرَ مَا أَخْرَجَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، بَلْ (وَلَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ الَّذِي شَارَكَ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ بِقَيْدَيْنِ، أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لَهُمَا بِقَوْلِهِ (إنْ لَمْ يَبْعُدْ) النَّقْدُ الْغَائِبُ، زَادَ فِي تَوْضِيحِهِ جِدًّا، فَإِنْ بَعُدَ النَّقْدُ الْغَائِبُ جِدًّا فَلَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِهِ (وَلَمْ يُتَّجَرْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ مُشَدَّدَةً وَالْجِيمِ بِنَقْدِ أَحَدِهِمَا الْحَاضِرِ (لِحُضُورِهِ) أَيْ النَّقْدِ الْغَائِبِ، وَاَلَّذِي فِي تَوْضِيحِهِ لِقَبْضِهِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ حُضُورَهُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ قَالَهُ تت.
فَإِنْ اتَّجَرَ بِالْحَاضِرِ قَبْلَ حُضُورِ الْغَائِبِ فَلَا تَصِحُّ.
طفي جَعَلَهُ تت مُبَالَغَةً فِي لُزُومِهَا، وَتَبِعَهُ " س "، وَاعْتَرَضَهُمَا عج بِاقْتِضَائِهِ عَدَمَ لُزُومِهَا مَعَ الْبُعْدِ أَوْ التَّجْرِ قَبْلَ حُضُورِهِ، وَالْمُرَادُ مَنْعُهَا وَجَعْلُهُ مُبَالَغَةً فِي جَوَازِهَا.
قُلْت الْأَوْلَى كَوْنُهُ مُبَالَغَةً فِي صِحَّتِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ، قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ إلَخْ ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ
لَا بِذَهَبٍ وَبِوَرِقٍ
[منح الجليل]
الْمُسْتَتِرَ لِلَّخْمِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْقَيْدُ لِبَعْضِ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِ، وَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِهِ تَقْيِيدًا نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ خِلَافٌ.
اهـ. وَنَصُّهُ وَفِي الشَّرِكَةِ بِمَالٍ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ، نَقَلَ اللَّخْمِيُّ صِحَّتَهَا عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَمَنَعَهَا عَنْ سَحْنُونٍ، وَنَقَلَ التُّونُسِيُّ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ وَالصَّقَلِّيُّ الْفَسَادَ، وَفِي كَوْنِ قَوْلِ بَعْضِ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ إنَّمَا تَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِشَرْطِ قُرْبِ الْغَيْبَةِ وَوَقْفُ التَّجْرِ بِالْحَاضِرِ عَلَى حُضُورِ الْغَائِبِ تَقْيِيدًا نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ خِلَافٌ لِاحْتِجَاجِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْجَوَازِ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيهَا اُنْظُرْ تَمَامَهُ.
(لَا) تَصِحُّ الشَّرِكَةِ (بِذَهَبٍ) مِنْ أَحَدِهِمَا (وَوَرِقٍ) مِنْ الْآخَرِ لِاجْتِمَاعِ الشَّرِكَةِ وَالصَّرْفِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ احْتِجَاجُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّهُ صَرْفٌ وَشَرِكَةٌ غَيْرُ بَيِّنٍ ` لِأَنَّ الْعُقُودَ الْمُنْضَمَّةَ إلَى الشَّرِكَةِ إنَّمَا تُمْنَعُ صِحَّتُهَا إنْ كَانَتْ خَارِجَةً عَنْهَا، نَصَّ عَلَى مَعْنَى هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ عَرَفَةَ، قَوْلُهُ إنْ كَانَتْ خَارِجَةً عَنْهَا ظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْخَارِجَةِ غَيْرُ مَانِعَةٍ صَرْفًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّمَا قَالَهُ فِيمَا لَيْسَ صَرْفًا لِأَجْلِ ضِيقِ الصَّرْفِ وَشِدَّتِهِ، وَإِنَّمَا الْغَيُّ مَانِعِيَّةُ الصَّرْفِ فِي الشَّرِكَةِ.
سَحْنُونٌ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ.
اهـ. وَقِيلَ عِلَّةُ الْمَنْعِ أَنَّ يَدَ كُلٍّ جَائِلَةٌ فِي نَقْدِهِ فَهُوَ بَاقٍ تَحْتَ يَدِهِ فَهُوَ صَرْفٌ بِتَأْخِيرٍ، وَقَدْ يُقَالُ
وَبِطَعَامَيْنِ، وَلَوْ اتَّفَقَا؛
[منح الجليل]
إنَّ فِيمَا أَجَازُوهُ مِنْ الشَّرِكَةِ بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ بَدَلَا التَّأْخِيرِ لِجَوَلَانِ يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى نَقْدِهِ، وَفِيهِ اجْتِمَاعُ الشَّرِكَةِ وَالْبَدَلِ وَهُوَ يُؤَدِّي إلَى الْبَدَلِ بِتَأْخِيرٍ.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إجَازَةِ الشَّرِكَةِ بِالدَّنَانِيرِ مِنْ كِلَا الشَّرِيكَيْنِ، أَوْ الدَّرَاهِمِ مِنْ كِلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا عَدَمَ الْمُنَاجَزَةِ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ لِبَقَاءِ يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى مَا بَاعَ بِسَبَبِ الشَّرِكَةِ وَهُوَ إجْمَاعٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَكَأَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي النُّقُودِ لِأَنَّهَا أُصُولُ الْأَثْمَانِ، وَالنَّاسُ مُحْتَاجُونَ إلَى الْمُعَيَّنِ فِي أَمْوَالِهِمْ.
وَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِلشَّرِكَةِ فِيهِ ضَرُورَةٌ اهـ.
(وَلَا) تَصِحُّ (بِطَعَامَيْنِ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ إنْ اخْتَلَفَا جِنْسًا أَوْ صِفَةً أَوْ قَدْرًا، بَلْ (وَلَوْ اتَّفَقَا) أَيْ الطَّعَامَانِ نَوْعًا وَصِفَةً عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَيْعُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ، إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاعَ لِلْآخَرِ بَعْضَ طَعَامِهِ بِبَعْضِ طَعَامِ الْآخَرِ وَبَقِيَ الْبَعْضُ الَّذِي بَاعَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا تَحْتَ يَدِهِ، فَإِذَا بِيعَ لِأَجْنَبِيٍّ فَقَدْ بِيعَ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ هَذَا فِي الشَّرِكَةِ بِطَعَامٍ وَعَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ، وَقَدْ أَجَازَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَأُجِيبَ بِاغْتِفَارِهِ فِي هَذِهِ لِتَبَعِيَّةِ الطَّعَامِ النَّقْدَ أَوْ الْعَرْضَ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَهِيَ بِطَعَامَيْنِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةِ كَثِيرًا مَمْنُوعَةٌ.
الصِّقِلِّيُّ اتِّفَاقًا، وَإِلَّا فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُمْنَعُ قَائِلًا لَمْ يُجِزْهُ مُنْذُ لَقِينَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا مَا عَلِمْت لِكَرَاهَةٍ فِيهَا وَجْهًا، وَعَلَّلَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ بِخَلْطِ الطَّعَامِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ وَعَبْدُ الْحَقِّ بِبَيْعِ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَإِسْمَاعِيلُ بِافْتِقَارِ الشَّرِكَةِ إلَى اسْتِوَاءِ الْقِيمَةِ وَالْبَيْعِ إلَى اسْتِوَاءِ الْكَيْلِ، وَلَا يَكَادُ أَنْ يُوجَدَا.
وَزَادَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِهَا بِعَيْنَيْنِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لَمْ يَقِسْ عَلَيْهِ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي هَذَا الْقَوْلِ جَوَازَهَا بِطَعَامَيْنِ وَأَبُو الْحَسَنِ اخْتِلَافُ الْأَغْرَاضِ فِي الطَّعَامِ مُطْلَقًا لِفَسْخِ بَيْعِهِ بِاسْتِحْقَاقِهِ، وَعَدَمِ اخْتِلَافِهَا فِي الْعَيْنِ لِعَدَمِ فَسْخِهِ فِيهِ فَصَارَ مُتَمَاثِلَا الطَّعَامِ كَمُخْتَلِفَيْهِ، بِخِلَافِ مُتَمَاثِلَيْ الْعَيْنِ، وَنَظَمَ " غ " الْمَسْأَلَةَ وَعَلَّلَهَا فَقَالَ:
ثُمَّ إنْ أَطْلَقَا التَّصَرُّفَ وَإِنْ بِنَوْعٍ، فَمُفَاوَضَةٌ
وَلَا يُفْسِدُهَا: انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ؛
[منح الجليل]
شَارِكْ بِجِنْسِ الْعَيْنِ وَالطَّعَامِ ... وَالثَّانِ لِلْعُتَقِيِّ لَا الْإِمَامِ
لِلنَّقْلِ وَالْخَلْطِ وَالْأَرْشِ وَالْغَرَضْ ... وَعِلَلٍ وَإِنْ كَلَامًا قَبَضْ
وَالْمُرَادُ بِالنَّقْلِ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ فِي الْعَيْنِ، وَبِالْأَرْشِ الْقِيمَةُ الَّتِي تَفْتَقِرُ الشَّرِكَةُ إلَى الِاسْتِوَاءِ فِيهَا، وَبِالْغَرَضِ اخْتِلَافُ الْأَغْرَاضِ فِي الطَّعَامِ وَتَنْكِيرُ عِلَلٍ لِلتَّكْثِيرِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي جَوَازِهَا بِدَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ وَطَعَامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَعَرْضَيْنِ كَذَلِكَ وَمَنَعَهَا فِي الْجَمِيعِ.
ثَالِثُهَا تَجُوزُ فِي الْعَرْضَيْنِ فَقَطْ الْأَوَّلُ لِمَالِكٍ وَسَحْنُونٍ، وَالثَّانِي لِأَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
وَالثَّالِثُ لِأَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ لِاجْتِمَاعِ عِلَّتَيْنِ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَهُمَا عَدَمُ الْمُنَاجَزَةِ وَالْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ وَانْفِرَادُ عِلَّةٍ فِي الْعَرْضَيْنِ هِيَ الْبَيْعُ وَالشَّرِكَةُ.
اهـ. وَأَصْلُهُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَقْدِهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، قَالَ أَجَازَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَاعِ فِي الشَّرِكَةِ عَدَمَ التَّنَاجُزِ وَلَا الصَّرْفِ وَالشَّرِكَةِ وَلَا الْبَيْعِ إذَا دَخَلَا فِيهَا.
وَلَمَّا كَانَتْ الشَّرِكَةُ سِتَّةَ أَقْسَامٍ مُفَاوَضَةٍ وَعِنَانٍ وَجَبْرٍ وَعَمَلٍ وَذِمَمٍ وَمُضَارَبَةٍ وَهُوَ الْقَرَّاضُ ذَكَرَهَا مُرَتَّبَةً كَهَذَا وَأَفْرَدَ الْأَخِيرَ بِبَابٍ فَقَالَ: (ثُمَّ) بَعْدَ لُزُومِهَا بَدَا لَهَا عُرْفًا (إنْ أَطْلَقَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ (التَّصَرُّفَ) لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِ مَا يَتَّجِرَانِ فِيهِ بِأَنْ جَعَلَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ، وَبِلَا إذْنِهِ وَعِلْمِهِ، وَفِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَالِاكْتِرَاءِ وَالْإِكْرَاءِ وَنَحْوِهَا إنْ كَانَ الْإِطْلَاقُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ مَا يُتَّجَرُ فِيهِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (بِنَوْعٍ) وَاحِدٍ مِمَّا يُتَّجَرُ فِيهِ كَالْبَزِّ بِالزَّايِ أَوْ الْعِطْرِ (فَ) هِيَ (مُفَاوَضَةٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ لَا غَيْرُ أَيْ تُسَمَّى بِهَذَا
(وَلَا يُفْسِدُهَا) أَيْ الْمُفَاوَضَةَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ (انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (بِشَيْءٍ) مِنْ الْمَالِ يَتَّجِرُ فِيهِ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ إذَا دَخَلَا عَلَى عَمَلِهِ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ بِقَدْرِ مَالِهِ فِيهَا يَكُونَانِ مُتَفَاوِضَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا عَيْنٌ أَوْ عَرْضٌ دُونَ صَاحِبِهِ، وَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا.
وَفِي التَّوْضِيحِ وَلَا يُفْسِدُ عِنْدَنَا وُجُودُ مَالٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى حِدَتِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
وَلَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ، إنْ اسْتَأْلَفَ بِهِ أَوْ خَفَّ، كَإِعَارَةِ آلَةٍ، وَدَفْعِ كِسْرَةٍ
وَيُبْضِعَ
وَيُقَارِضَ
[منح الجليل]
(وَلَهُ) أَيْ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْمُفَاوَضَةِ (أَنْ يَتَبَرَّعَ) بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ (إنْ اسْتَأْلَفَ) الْمُتَبَرِّعُ (بِهِ) أَيْ التَّبَرُّعِ لِلتِّجَارَةِ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ وَنَحْوِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْلِفْ بِهِ مُنِعَ وَيُحْسَبُ عَلَيْهِ مِمَّا يَخُصُّهُ (أَوْ) لَمْ يَسْتَأْلِفْ بِهِ لَهَا و (خَفَّ) أَيْ قَلَّ الْمُتَبَرَّعُ بِهِ (كَإِعَارَةِ آلَةٍ) جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِعَارَتِهَا كَدَلْوٍ وَفَأْسٍ وَرَحًى (وَدَفْعِ كِسْرَةٍ) مِنْ رَغِيفٍ لِفَقِيرٍ وَشَرْبَةِ مَاءٍ وَإِعَارَةِ غُلَامٍ لِنَحْوِ سَقْيِ دَابَّةٍ.
وَمَفْهُومُ خَفَّ مَنْعُ الْكَثِيرِ فِيهَا وَإِنْ أَخَّرَ أَحَدُهُمَا غَرِيمًا بِدَيْنٍ أَوْ وَضَعَ لَهُ مِنْهُ نَظَرًا وَاسْتِئْلَافًا فِي التِّجَارَةِ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ جَازَ، وَكَذَلِكَ وَكِيلُ الْبَيْعِ إذَا فَوَّضَ إلَيْهِ وَمَا صَنَعَهُ غَيْرُ مُفَوَّضٍ إلَيْهِ مِنْ شَرِيكٍ أَوْ وَكِيلٍ فَلَا يَلْزَمُ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ الشَّرِيكَ فِي حِصَّتِهِ وَيَرُدُّ صَنِيعَ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَهْلِكَ مَا صَنَعَهُ الْوَكِيلُ فَيَضْمَنُهُ.
اهـ. وَفِيهَا أَيْضًا لَيْسَ لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُعِيرَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا أَنْ يُوسِعَ لَهُ فِيهِ شَرِيكُهُ، أَوْ يَكُونَ شَيْئًا خَفِيفًا كَعَارِيَّةِ غُلَامٍ لِيَسْقِيَ دَابَّةً وَنَحْوِهِ، فَأَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَالْعَارِيَّةُ مِنْ الْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا فِعْلُهُ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ اسْتِئْلَافًا لِلتِّجَارَةِ.
وَإِنْ وَهَبَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَعَارَ عَلَى الْمَعْرُوفِ ضَمِنَ حِصَّةَ شَرِيكِهِ إلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ لِلِاسْتِئْلَافِ فَلَا يَضْمَنُ
(وَ) لَهُ أَنْ (يُبْضِعَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ أَيْ يَدْفَعُ مَالًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ لِمَنْ يَشْتَرِي بِهِ بِضَاعَةً مَعْلُومَةً مِنْ بَلَدِ كَذَا وَيُرْسِلُهَا أَوْ يَقْدُمُ بِهَا لِلشَّرِيكَيْنِ
(وَ) لَهُ أَنْ (يُقَارِضَ) أَيْ يَدْفَعُ مَالًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ لِمَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ فِيهَا لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُبْضِعَ وَيُقَارِضَ دُونَ إذْنِ الْآخَرِ.
اللَّخْمِيُّ إذَا كَانَ الْمَالُ وَاسِعًا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ عَنْهُمَا فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ نَظَرِهِ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ أَوْ فِي شَيْءٍ بَارَ عَلَيْهِمَا وَبَلَغَهُ نَفَاقُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَلَا يَجِدُ لِلسَّفَرِ بِهِ إلَيْهِ سَبِيلًا، أَوْ يَبْلُغُهُ عَنْ سِلَعٍ صَلَاحًا بِبَلَدٍ فَيَبْعَثُ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ مِنْ مِثْلِ مَا بِأَيْدِيهِمَا، وَمِثْلُ هَذَا يُعْرَفُ عِنْدَ نُزُولِهِ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وِفَاقٌ لَهَا.
وَيُودِعَ لِعُذْرٍ، وَإِلَّا ضَمِنَ
وَيُشَارِكُ فِي مُعَيَّنٍ
[منح الجليل]
وَ) لَهُ أَنْ (يُودِعَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الدَّالِ مَالَ الْمُفَاوَضَةِ عِنْدَ أَمِينٍ (لِعُذْرٍ) كَهَدْمِ جِدَارٍ وَحُدُوثِ جَارِ سَوْءٍ وَحُدُوثِ فِتْنَةٍ وَسَفَرٍ وَدُخُولِ حَمَّامٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِيدَاعُ لِعُذْرٍ وَضَاعَ الْمَالُ (ضَمِنَ) الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِمَّا أَوْدَعَهُ.
اللَّخْمِيُّ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُودَعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَكَذَلِكَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، وَلَهُ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ اخْتِيَارًا بِلَا عُذْرٍ.
فَإِنْ مَاتَ الْمُودِعُ وَلَمْ تُوجَدْ الْوَدِيعَةُ كَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ كَانَ مُفَاوَضًا أَمْ لَا، وَفِيهَا وَأَمَّا إيدَاعُهُ فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَنُزُولِهِ بَلَدًا فَرَأَى أَنْ يُودِعَ، إذْ مَنْزِلَةُ الْفُنْدُقِ وَلَا يُؤْمَنُ مِنْ السَّرِقَةِ فَذَلِكَ لَهُ وَإِنْ أَوْدَعَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ضَمِنَهُ.
أَبُو الْحَسَنِ فَذَلِكَ لَهُ أَيْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَهُ) أَنْ (يُشَارِكَ فِي) مَالٍ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ (مُعَيَّنٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةً شَرِكَةَ غَيْرَ مُفَاوَضَةٍ، كَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلِذَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِغَيْرِ الْمُفَاوَضَةِ لِأَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْمُعَيَّنِ.
طفي بَلْ وَلَوْ مُفَاوَضَةٌ فِي الْمُعَيَّنِ وَغَرَّهُ قَوْلُهَا، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُفَاوِضَ شَرِيكًا إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ.
وَأَمَّا إنْ شَارَكَهُ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا غَيْرِ شَرِكَةِ مُفَاوَضَةٍ فَجَائِزٌ لِأَنَّهَا تِجَارَةٌ مِنْ التِّجَارَاتِ.
اهـ. وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهَا غَيْرُ شَرِكَةِ مُفَاوَضَةٍ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ بِعَيْنِهَا، بَلْ مُرَادُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَارِكَهُ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ حَتَّى يَكُونَ ثَالِثَهُمَا، فَفِي شَرْحِهَا اللَّخْمِيُّ مُشَارَكَتُهُ ثَالِثًا إنْ شَارَكَهُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ سِلْعَةٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ بِدَنَانِيرَ يُخْرِجُهَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ فَيُشَارِكُ بِهَا آخَرَ لِيَتَّجِرَ فِي ذَلِكَ جَازَ، فَإِنْ جَعَلَهُ ثَالِثًا لَهُمَا لَمْ يَجُزْ فَقَوْلُهُ فِيهَا غَيْرُ مُفَاوَضَةٍ أَيْ بِجَعْلِهِ ثَالِثًا لَهُمَا.
أَبُو الْحَسَنِ فِي قَوْلِهَا وَلِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُبْضِعَ وَيُقَارِضَ دُونَ إذْنِ الْآخَرِ.
ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّ دَفْعَهُ الْبِضَاعَةَ وَمُقَارَضَةَ غَيْرِهِ وَشَرِكَتَهُ فِي سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ فِي سِلَعٍ مِنْ التِّجَارَةِ مُوَسَّعٌ لَهُ فِيهِ.
وَأَمَّا شَرِكَتُهُ شَرِكَةُ مُفَاوَضَةٍ فَقَدْ مَلَكَ هَذَا الشَّرِيكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِ الشَّرِيكِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَحُزْ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
اهـ. فَجَعَلَ مَحَلَّ الْمَنْعِ حَيْثُ جَعَلَهُ ثَالِثًا فَصَحَّ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ كَمَا
وَيُقِيلَ
وَيُوَلِّيَ
ويَقْبَلَ الْمَعِيبَ وَإِنْ أَبَى الْآخَرُ
وَيُقِرُّ بِدَيْنٍ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ
وَيَبِيعَ بِالدَّيْنِ
لَا الشِّرَاءُ بِهِ
[منح الجليل]
أَطْلَقَ غَيْرُهُ وَتَبِعَهُ فِي الشَّامِلِ، وَفَسَدَ التَّقْيِيدُ.
وَقَوْلُ الْبِسَاطِيِّ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ.
اهـ. الْبُنَانِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَاللَّخْمِيِّ لِمَا قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يُقِيلَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ أَيْ يَرُدُّ سِلْعَةً لِلشَّرِكَةِ بِثَمَنِهَا الَّذِي بَاعَهَا بِهِ هُوَ أَوْ شَرِيكُهُ
(وَ) لَهُ أَنْ (يُوَلِّيَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُشَدَّدَةً، أَيْ يَبِيعُ سِلْعَةً مُشْتَرَكَةً بِمِثْلِ ثَمَنِهَا إذَا خَافَ كَسَادَهَا أَوْ خُسْرَهَا، وَلَعَلَّ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ مَا لَمْ يُجَابَّ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يَقْبَلَ الْمَعِيبَ) أَيْ الْمَرْدُودَ بَعْدَ بَيْعِهِ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ شِرَائِهِ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ مِنْهُمَا مَعًا إنْ رَضِيَ شَرِيكُهُ، بَلْ (وَإِنْ أَبَى) شَرِيكُهُ (الْآخَرُ) قَبُولَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُفَاوِضَ إذَا ظَهَرَ لَهُ عَيْبٌ قَدِيمٌ فِيمَا اشْتَرَاهُ أَوْ شَرِيكُهُ فَلَهُ قَبُولُهُ وَعَدَمُ رَدِّهِ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِنْ أَبَى الْآخَرُ قَبُولَهُ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا عَبْدًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَضِيَهُ هُوَ أَوْ شَرِيكُهُ لَزِمَ ذَلِكَ الْآخَرَ، فَإِنْ رَدَّهُ مُبْتَاعُهُ وَرَضِيَهُ شَرِيكُهُ لَزِمَ رِضَاهُ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ بِهِ لَزِمَ الشَّرِيكَ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يُقِرُّ بِدَيْنٍ) فِي مَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَيَلْزَمُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْآخَرَ إنْ كَانَ إقْرَارُهُ (لِمَنْ) أَيْ شَخْصٍ (لَا يُتَّهَمُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ مُشَدَّدَةً الْمُقِرُّ (عَلَيْهِ) بِالْكَذِبِ فِي إقْرَارِهِ لَهُ بِأَنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا غَيْرَ مُلَاطِفٍ لِلْمُقِرِّ أَوْ بَعِيدَ الْقَرَابَةِ كَذَلِكَ، فَإِنْ أَقَرَّ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ كَأَبَوَيْهِ وَأَوْلَادِهِ وَصَدِيقِهِ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يَبِيعَ) سِلْعَةً مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ (بِالدَّيْنِ) لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
(لَا) يَجُوزُ لَهُ (الشِّرَاءُ) لِسِلْعَةٍ لِلْمُفَاوَضَةِ (بِهِ) أَيْ الدَّيْنِ.
طفي سِوَى ابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ الشِّرَاءُ بِالْبَيْعِ فِي الْجَوَازِ فَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ مَا قَالَهُ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَأَمَّا الشِّرَاءُ بِالدَّيْنِ فَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُدَوَّنَةِ أَكْرَهُ أَنْ يُخْرِجَا مَالًا عَلَى أَنْ يَتَّجِرَا بِهِ وَبِالدِّينِ مُفَاوَضَةً، فَإِنْ فَعَلَا فَمَا اشْتَرَاهُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
مِنْهُمَا فَبَيْنَهُمَا وَإِنْ جَاوَزَ رُءُوسَ أَمْوَالِهَا، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ قَالَ إذَا كَانَ الشِّرَاءُ عَلَى النَّقْدِ بَعْدَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ جَازَ، وَهَذَا لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ.
اهـ. فَتَبِعَهُ خَلِيلٌ فِي تَعَقُّبِهِ وَاسْتِدْلَالِهِ بِكَلَامِهَا، وَلِذَا فَرَّقَ فِي مُخْتَصَرِهِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَفِي اسْتِدْلَالِهِمَا عَلَى التَّعَقُّبِ بِكَلَامِهَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ فِي تَعَاقُدِهِمَا عَلَى الشِّرَاءِ بِالدَّيْنِ، وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ فَبَيْنَهُمَا مَا بَيْنَ الضَّبِّ وَالنُّونِ، وَإِنَّمَا كَلَامُهَا فِي شَرِكَةِ الذِّمَمِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي قَوْلِهَا الْمَذْكُورِ وَهَذِهِ تُفَسِّرُ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَا بِمَالٍ قَلِيلٍ عَلَى أَنْ يَتَدَايَنَا، وَأَشَارَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهَا، أَمَّا الذِّمَمُ بِغَيْرِ مَالٍ عَلَى أَنْ يَضْمَنَا مَا ابْتَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَا بِمَالٍ قَلِيلٍ عَلَى أَنْ يَتَدَايَنَا.
وَأَرَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِبَعْضِ الشُّيُوخِ اللَّخْمِيَّ، قَالَ وَلَا يَشْتَرِي بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، فَإِنْ فَعَلَ وَكَانَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ فَيَكُونُ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي خَاصَّةً، ثُمَّ قَالَ يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا لَا يَكُونُ ثَمَنُهُ مَعَهُ عَلَى النَّقْدِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَهَذَا مِمَّا لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ، فَلَوْ اسْتَدَلَّا عَلَى تَعَقُّبِهَا بِكَلَامِ اللَّخْمِيِّ كَمَا فَعَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ لَأَجَادَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ لَيْسَ هُوَ الْمَذْهَبَ، وَلِذَا لَمْ يُدْرِجْ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ، وَقَدْ أَقَرَّ كَلَامَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى تَعَقُّبِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِحَالٍ، وَقَدْ نَازَعَ الْبِسَاطِيُّ الْمُصَنِّفَ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ بِمَا قُلْنَاهُ، قَالَ وَالْحَقُّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى بَابِهَا، وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يُنَافِيهَا اهـ. فَانْظُرْ كَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا الْكَلَامُ مَعَ التَّعَقُّبِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ فَرْضَ ابْنِ الْحَاجِبِ خِلَافُ فَرْضِهَا فَكَيْفَ لَا يُنَافِيهَا.
وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَقَدْ حَمَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمَنْعِ قَائِلًا لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ فَسْخٌ فَكُلُّ مَا يُفْسَخُ إذَا وَقَعَ تَكُونُ الْكَرَاهَةُ فِيهِ الْمَنْعَ اهـ كَلَامُ طفي.
الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْجَوَازَ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ صَوَابٌ، إذْ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْلِهَا وَمَا ابْتَاعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِنْ بَيْعٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ لَزِمَ
كَكِتَابَةٍ،
[منح الجليل]
الْآخَرَ وَيَتْبَعُ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ فِي فَوْتِ الْفَاسِدِ أَيَّهُمَا شَاءَ.
اهـ. وَهُوَ يَشْمَلُ الشِّرَاءَ بِالنَّقْدِ وَبِالدَّيْنِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِالْجَوَازِ، وَنَصُّ السَّمَاعِ أَصْبَغُ ابْنُ الْقَاسِمِ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا عَلَى أَخْذِ مَتَاعٍ بِدَيْنٍ يَكُونُ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا وَلَهُمَا مَالٌ أَوْ لَا مَالَ لَهُمَا، قَالَ إنْ كَانَا يَشْتَرِكَانِ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا يَشْتَرِيَانِهَا بِدَيْنٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ كَانَ لَهُمَا رَأْسُ مَالٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ كَانَا إنَّمَا يَشْتَرِكَانِ عَلَى مَا يَشْتَرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولَانِ مَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِدَيْنٍ وَلَا مَالَ لَهُمَا فَنَحْنُ فِيهِ شُرَكَاءُ فَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ.
أَصْبَغُ فَإِنْ وَقَعَ نَفَذَ عَلَى سُنَّةِ الشَّرِكَةِ وَضَمِنَاهُ جَمِيعًا وَفُسِخَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ وَمِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ إنَّهُمَا إنْ اشْتَرَكَا فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا بِدَيْنٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَهُمَا شَرِيكَانِ فِيهَا كَانَ لَهُمَا مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَالٌ، فَإِنْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَيْهِمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا حِصَّةُ حَقِّهِ مِنْ الثَّمَنِ النِّصْفُ إنْ كَانَتْ شَرِكَتُهُمَا عَلَى النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثُ أَوْ الثُّلُثَانِ إنْ كَانَتْ شَرِكَتُهُمَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَ وَلِلْآخِرِ الثُّلُثَانِ أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ، إلَّا أَنْ يَكُونَا شُرَكَاءَ عَقْدٍ قَدْ اشْتَرَكَا شَرِكَةً صَحِيحَةً عَلَى مَالٍ لَهُمَا فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِثَمَنِ مَا اشْتَرَاهُ صَاحِبُهُ بِدَيْنٍ اجْتَمَعَا فِي أَخْذِ الْمَتَاعِ بِالدَّيْنِ أَوْ افْتَرَقَا.
وَأَمَّا إنْ اشْتَرَكَا وَلَا مَالَ لَهُمَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِالدَّيْنِ وَيَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي ذَلِكَ يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنَ مَا اشْتَرَاهُ صَاحِبُهُ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ بِالذِّمَمِ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - الشَّرِكَةُ بِالذِّمَمِ لِأَنَّهَا غَرَرٌ اهـ. فَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا شُرَكَاءَ عَقْدٍ نُصَّ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا ابْنُ رُشْدٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْبَيَانَ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ هَارُونَ وَابْنُ سَلْمُونٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا لِلَّخْمِيِّ، وَرَدُّ مَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ، وَإِنَّ الْجَوَازَ هُوَ الْمَذْهَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ إلَّا بِإِذْنِ الشَّرِيكِ فَقَالَ: (كَكِتَابَةٍ) لِرَقِيقٍ مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ
وَعِتْقٍ عَلَى مَالٍ
وَإِذْنٍ لِعَبْدٍ فِي تِجَارَةٍ أَوْ مُفَاوَضَةٍ
وَاسْتَبَدَّ آخِذُ قِرَاضٍ
وَمُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ بِلَا إذْنٍ، وَإِنْ لِلشَّرِكَةِ
[منح الجليل]
فَلَا تَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عِتْقٌ (وَعِتْقٍ) الرَّقِيقَ مِنْهُ (عَلَى مَالٍ) مُعَجَّلٍ مِنْ الرَّقِيقِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لِأَنَّ لَهُ انْتِزَاعَهُ بِلَا عِتْقٍ وَأَمَّا مِنْ أَجْنَبِيٍّ مِثْلِ قِيمَتِهِ فَيَجُوزُ كَبَيْعِهِ
(وَ) كَ (إذْنٍ لِعَبْدٍ) مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ (فِي تِجَارَةٍ) فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ (أَوْ) شَرِكَةٍ (مُفَاوَضَةٍ) فِي مَالِ الْمُفَاوَضَةِ لِثَالِثٍ تَجُولُ يَدُهُ فِيهِ مَعَهُمَا فَلَا تَجُوزُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ
(وَاسْتَبَدَّ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الدَّالِ أَيْ اسْتَقَلَّ وَاخْتَصَّ شَرِيكُ مُفَاوَضَةٍ (آخِذُ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (قِرَاضٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ مَالٍ مِنْ غَيْرِ شَرِيكِهِ يَتَّجِرُ فِيهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ بِالرِّبْحِ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ شَرِيكُهُ فِي أَخْذِهِ لِأَنَّهُ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ فِيهِ الْخَارِجِ عَنْ الْمُفَاوَضَةِ فَلَا شَيْءَ لِشَرِيكِهِ فِيهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ
(وَ) اسْتَبَدَّ شَرِيكٌ مُفَاوَضٌ (مُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ) لِحَمْلِ أَمْتِعَةِ الْمُفَاوَضَةِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ شَرِيكِهِ (وَإِنْ) اسْتَعَارَهَا (لِ) حَمْلِ سِلَعِ (الشَّرِكَةِ) وَاوُهُ لِلْحَالِ وَإِنْ صِلَةٌ فَيَخْتَصُّ بِالرِّبْحِ أَيْ أُجْرَةِ الْحَمْلِ وَالْخُسْرِ، أَيْ ضَمَانُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مَعَهَا كَلِجَامٍ وَإِكَافٍ.
الْحَطّ أَشَارَ إلَى قَوْلِهَا وَإِنْ اسْتَعَارَ أَحَدُهُمَا مَا حَمَلَ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ أَوْ مَالَ الشَّرِكَةِ فَتَلَفَ فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ عَلَى شَرِيكِهِ لِأَنَّهُ يَقُولُ كُنْت اسْتَأْجَرْت فَلَا تَضَمُّنٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ الْمُسْتَعَارَةَ إلَّا بِالتَّعَدِّي عَلَيْهَا.
أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدَّابَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ أَصْلِهِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِي الْإِعَارَةِ إلَّا بِالتَّعَدِّي، فَذَهَبَ حَمْدِيسٌ إلَى أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا يُغْلَبُ عَلَيْهِ كَالْإِكَافِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ بَعْدَ تَبَيُّنِ كَذِبِهِ فِي الْحَيَوَانِ فَقَوْلُ غَيْرِهِ تَفْسِيرٌ.
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ إنَّهُ يَضْمَنُ الْحَيَوَانَ إذَا قَضَى بِهِ قَاضٍ يَرَى ذَلِكَ وَهُوَ رَأْيُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ قَاضِي مِصْرَ يَوْمَئِذٍ رَأَى ذَلِكَ فَحَاصِلُهُ أَنَّ مَعْنَى اسْتِبْدَادِهِ بِالْخُسْرِ هُنَا تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ بِتَعَدِّيهِ أَوْ ظُهُورِ كَذِبِهِ أَوْ بِحُكْمِ مَنْ رَآهُ، وَأَمَّا اسْتِبْدَادُهُ بِالرِّبْحِ فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ
وَمُتَّجِرٌ بِوَدِيعَةٍ بِالرِّبْحِ وَالْخُسُرِ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ شَرِيكُهُ بِتَعَدِّيهِ فِي الْوَدِيعَةِ؛
وَكُلٌّ وَكِيلٌ، فَيُرَدُّ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ، كَالْغَائِبِ
[منح الجليل]
وَانْظُرْ هَلْ مَعْنَاهُ طَلَبُ شَرِيكِهِ بِمَا يَنْوِيهِ مِنْ كِرَائِهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِيهِ اهـ. طفي فَرَضَ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِعَارَةَ فِي دَابَّةٍ تَبَعًا لِلَفْظِ التَّهْذِيبِ وَلَفْظِ الْأُمَّهَاتِ.
وَإِنْ اسْتَعَارَ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَهَلَكَ فَضَمَانُهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ إلَّا بِالتَّعَدِّي، ثُمَّ قَالَ فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِ الْأُمَّهَاتِ الْقَابِلِ لِلتَّأْوِيلَاتِ.
(وَ) اسْتَبَدَّ شَرِيكٌ مُفَاوِضٌ (مُتَّجِرٌ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (بِوَدِيعَةٍ) عِنْدَهُ وَصِلَةُ اسْتَبَدَّ (بِالرِّبْحِ وَالْخُسْرِ) فِيهَا.
طفي الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَجْمَلَ فِي قَوْلِهِ بِالرِّبْحِ وَالْخُسْرِ اتِّكَالًا عَلَى ذِهْنِ السَّمِيعِ اللَّبِيبِ فِي رَدِّ كُلِّ مَا يَلِيقُ بِهِ، إذْ الْعَارِيَّةُ لَا يُتَصَوَّرُ اسْتِبْدَادُهُ بِالرِّبْحِ فِيهَا، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِيهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَى الضَّمَانِ وَذَكَرَهُمَا مَعًا فِي الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ.
وَأَمَّا تَصْوِيرُ عج فَمَعَ كَوْنِهِ لَا نَقْلٌ يُعَضِّدُهُ فَهُوَ بَعِيدٌ لَا يَكَادُ أَنْ يُقَالَ بِهِ، وَيَخْتَصُّ الْمُتَّجِرُ بِوَدِيعَةٍ بِالرِّبْحِ وَالْخُسْرِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ شَرِيكُهُ بِتَعَدِّيهِ) بِالتَّجْرِ (فِي الْوَدِيعَةِ) وَيَرْضَى بِتَجْرِهِ فِيهَا فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَالْخُسْرُ عَلَيْهِمَا.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَوْدَعَ رَجُلٌ لِأَحَدِهِمَا وَدِيعَةً فَعَمَل فِيهَا تَعَدِّيًا فَرَبِحَ، فَإِنْ عَلِمَ شَرِيكُهُ بِالْعَدَاءِ وَرَضِيَ بِالتِّجَارَةِ بِهَا بَيْنَهُمَا فَالرِّبْحُ لَهُمَا وَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَالرِّبْحُ لِلْمُتَعَدِّي وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ خَاصَّةً اهـ.
(وَكُلٌّ) مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ (وَكِيلٌ) أَيْ كَوَكِيلٍ عَنْ الْآخَرِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالِاكْتِرَاءِ وَالْإِكْرَاءِ وَالِاقْتِضَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْقِيَامِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَضَمَانِ الْعَيْبِ، وَلِذَا فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (فَيُرَدُّ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ مَا بَاعَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ غَابَ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ ظَهَرَ لِمُشْتَرِيهِ بَعْدَ شِرَائِهِ فَلَهُ رَدُّهُ بِهِ (عَلَى شَرِيكٍ حَاضِرٍ) لِبَائِعِهِ (لَمْ يَتَوَلَّ) أَيْ الشَّرِيكُ بَيْعَهُ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَمَّنْ تَوَلَّاهُ، فَإِنْ حَضَرَ الْمُتَوَلِّي فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ عَلَى غَيْرِهِ حَالَ كَوْنِ الرَّدِّ عَلَى الشَّرِيكِ غَيْرِ الْمُتَوَلِّي (كَ) الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ (الْغَائِبِ) الَّذِي ظَهَرَ فِي مَبِيعِهِ عَيْبٌ قَدِيمٌ
إنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ، وَإِلَّا اُنْتُظِرَ
[منح الجليل]
لِمُشْتَرِيهِ بَعْدَ شِرَائِهِ فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى إثْبَاتِ شِرَائِهِ بِعُهْدَةٍ وَتَارِيخُ الشِّرَاءِ السَّابِقِ فِي قَوْلِهِ فِي مَبْحَثِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ثُمَّ قَضَى إنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً مُؤَرَّخَةً وَصِحَّةَ الشِّرَاءِ إلَخْ.
وَأَفَادَ شَرْطُ الرَّدِّ عَلَى الشَّرِيكِ غَيْرِ الْمُتَوَلِّي بِقَوْلِهِ (إنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ) أَيْ الشَّرِيكِ الْغَائِبِ الَّذِي تَوَلَّى بَيْعَ الْمَعِيبِ كَعَشَرَةِ الْأَيَّامِ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَالْيَوْمَيْنِ مَعَ خَوْفِهِ وَإِنْ لَمْ تَطُلْ غَيْبَتُهُ فَلَيْسَ ضَمِيرُ غَيْبَتِهِ لِلْغَائِبِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر: 11] فَاطِرٌ أَيْ مُعَمَّرٍ آخَرَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَةُ الشَّرِيكِ الَّذِي تَوَلَّى الْبَيْعَ (اُنْتُظِرَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ أَخَّرَ الرَّدَّ إلَى قُدُومِهِ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِأَمْرِ الْمَبِيعِ وَلِئَلَّا تَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ.
طفي قَوْلُهُ إنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَيَرُدُّ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ وَالضَّمِيرُ لِلْغَائِبِ لَا يُفِيدُ أَنَّهُ الْمُتَقَدِّمُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ، وَلَا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ كَالْغَائِبِ، لِأَنَّ التَّفْصِيلَ بَيْنَ قُرْبِ الْغَيْبَةِ وَبَعْدَهَا إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْبَةِ الشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ كَالْغَائِبِ مَا قَدَّمَهُ فِي الْعُيُوبِ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ قُضِيَ إنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً مُؤَرَّخَةً وَصِحَّةَ الشِّرَاءِ إلَخْ، وَهَذَا حَاصِلُ تَقْرِيرِ " غ "، وَنَصُّهُ أَصْلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ فِي آخِرَ كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا مِنْ أَحَدِهِمَا فَظَهَرَ عَيْبُهُ فَلَهُ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِهِ إنْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ إنْ كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً قَرِيبَةً كَالْيَوْمِ وَنَحْوِهِ فَلْيَنْتَظِرْ لَعَلَّ لَهُ حُجَّةً.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ بَعِيدَةً فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْتَاعَ عَلَى بَيْعِ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَتِهِ نَظَرَ فِي الْعَيْبِ، فَإِنْ كَانَ قَدِيمًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ بَعْدَ شِرَائِهِ رَدَّ الْعَبْدَ عَلَى الشَّرِيكِ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَعَلَى الْمُبْتَاعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَإِلَّا حَلَفَ الشَّرِيكُ بِاَللَّهِ مَا عَلِمَ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَنَا وَبَرِئَ؛ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ.
اهـ. فَبِسَبَبِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَكِيلٌ لِلْآخَرِ يَرُدُّ وَاجِدُ الْعَيْبِ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ الْبَيْعَ لِتَعَذُّرِ وُجُودِ الْغَائِبِ الَّذِي تَوَلَّاهُ حَالَ كَوْنِ هَذَا الرَّدِّ كَالرَّدِّ عَلَى كُلِّ غَائِبٍ فِي افْتِقَارِ الْمُشْتَرِي الرَّادِّ إلَى إثْبَاتِ أَنَّهُ ابْتَاعَ بَيْعَ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَتَهُ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ عَلَى الْحَاضِرِ الَّذِي لَمْ
وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ
وَتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ، وَلِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلْآخَرِ.
[منح الجليل]
يَتَوَلَّ إنَّمَا هُوَ إنْ بَعُدَتْ غَيْبَةُ شَرِيكِهِ الْغَائِبِ وَإِلَّا انْتَظَرَ، فَالشَّرْطُ رَاجِعٌ لِلْمُشَبَّهِ لَا لِلْمُشَبَّهِ بِهِ، وَبِهَذِهِ التَّمْشِيَةِ يَكُونُ كَلَامُهُ مُطَابِقًا لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مُتَضَمِّنًا لِفُصُوصٍ نَصُّهَا، فَلِلَّهِ دَرُّهُ مَا أَلْطَفَ إشَارَتَهُ.
فَإِنْ قُلْت وَأَيْنَ تَقَدَّمَ لَهُ الْغَائِبُ الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ.
قُلْت قَوْلُهُ فِي خِيَارِ النَّقِيصَةِ ثُمَّ قَضَى إنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً مُؤَرَّخَةً وَصِحَّةَ الشِّرَاءِ.
فَإِنْ قُلْت عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الْغَائِبِ الْمُشَبَّهِ بِهِ يُغَيِّرُ فِي وَجْهِ هَذِهِ التَّمْشِيَةِ.
قُلْت سَلَّمْنَا عَوْدَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرُدُّهُ لِلْغَائِبِ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ، فَقُصَارَاهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ، وَقَدْ قِيلَ بِنَحْوِ هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت: 62] وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر: 11] وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَالرِّبْحُ) فِي مَالِ الشَّرِكَةِ (وَالْخُسْرُ) فِيهِ يُقْسَمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ (بِقَدْرِ) أَصْلِ (الْمَالَيْنِ) الْمُشْتَرَكِ بِهِمَا وُجُوبًا تَسَاوَيَا أَوْ لَا
(وَتَفْسُدُ) الشَّرِكَةُ (بِشَرْطِ) أَيْ اشْتِرَاطِ (التَّفَاوُتِ) أَيْ قِسْمَةِ الرِّبْحِ وَالْخُسْرِ بِغَيْرِ قَدْرِ الْمَالَيْنِ فِي عَقْدِهَا كَكَوْنِ مِائَةٍ لِأَحَدِهِمَا وَخَمْسِينَ لِلْآخَرِ وَشَرَطَا قَسْمَ الرِّبْحِ بِالنِّصْفِ وكَوْنِ الْمَالَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ وَشَرَطَا لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَيْنِ، وَيُفْسَخُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَإِنْ عَمَلَا قُسِمَ الرِّبْحُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ.
(وَلِكُلٍّ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ (أَجْرُ عَمَلِهِ لِلْآخَرِ) " غ " كَأَنَّهُ أَطْلَقَ أَجْرَ الْعَمَلِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَحَقِيقَتُهُ الْأُجْرَةُ التَّابِعَةُ لِلْعَمَلِ وَمَجَازُهُ الرِّبْحُ التَّابِعُ لِلْمَالِ، وَسَهَّلَ لَهُ هَذَا قَرِينَةُ قَوْلِهِ وَلِكُلٍّ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْجَانِبَيْنِ وَزِيَادَةُ الْعَمَلِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمَا، وَكَذَا زِيَادَةُ الرِّبْحِ.
فَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثُ وَلِلْآخِرِ الثُّلُثَانِ وَشَرَطَا الْمُنَاصَفَةَ فِي الْعَمَلِ وَالرِّبْحِ فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ بِسُدُسِ الرِّبْحِ وَصَاحِبُ الثُّلُثِ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ بِأُجْرَةِ سُدُسِ الْعَمَلِ.
وَلَهُ التَّبَرُّعُ، وَالسَّلَفُ، وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ
وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي التَّلَفِ وَالْخُسْرِ
وَلِآخِذٍ لَائِقٍ لَهُ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ
وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا
[منح الجليل]
(وَلَهُ) أَوْ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ (التَّبَرُّعُ) لِشَرِيكِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ الْعَمَلِ، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ بِشَرْطٍ (وَ) لَهُ (السَّلَفُ) لِشَرِيكِهِ (وَ) لَهُ (الْهِبَةُ) لِشَرِيكِهِ وَتَنَازُعُ التَّبَرُّعِ وَالسَّلَفِ وَالْهِبَةِ (بَعْدَ الْعَقْدِ) لِلشَّرِكَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّاحِقَ لِلْعَقْدِ لَيْسَ كَالْوَاقِعِ فِيهِ فَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَلَا تَجُوزُ قَبْلَهُ لِتَوَافُقِهِمَا عَلَى الْفَسَادِ.
الْحَطّ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ غَازِيٍّ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهَا بَعْدَهُ فِي كِتَابِ شَرِكَةِ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُمَا إذَا عَقَدَاهَا عَلَى شَرْطِ التَّفَاوُتِ تَفْسُدُ مَا نَصُّهُ، وَلَوْ صَحَّ عَقْدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فِي الْمَالِ ثُمَّ تَطَوَّعَ الَّذِي لَهُ الْأَقَلُّ فَعَمَلَ فِي الْجَمِيعِ جَازَ وَلَا أَجْرَ لَهُ اهـ.
(وَإِنْ) ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ تَلَفَ بَعْضِ مَالِ الشَّرِكَةِ الَّذِي بِيَدِهِ أَوْ خُسْرَهُ وَكَذَّبَهُ شَرِيكُهُ فَ (الْقَوْلُ لِمُدَّعِي التَّلَفِ) بِلَا تَجْرٍ، بَلْ بِنَحْوِ سَرِقَةٍ (وَالْخُسْرِ) بِالتَّجْرِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَيْهِ.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْجَوَاهِرِ تَقْيِيدُهُ بِعَدَمِ ظُهُورِ كَذِبِهِ، فَإِنْ اتَّهَمَهُ شَرِيكُهُ حَلَّفَهُ وَإِنْ ظَهَرَ كَذِبُهُ ضَمِنَ
(وَ) إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا شِرَاءَ شَيْءٍ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً وَالْآخَرُ اشْتَرَاهُ لِلشَّرِكَةِ فَالْقَوْلُ (لِآخِذِ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ شَيْءٍ (لَائِقٍ) أَيْ مُشْبِهٍ وَمُنَاسِبٍ (لَهُ) مِنْ طَعَامٍ وَلِبَاسٍ لَا عُرُوضٍ وَعَقَارٍ وَحَيَوَانٍ غَيْرِ عَاقِلٍ أَوْ عَاقِلٍ وَلَوْ لَائِقًا بِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِأَجِيرٍ فَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ فَلِشَرِيكِهِ الدُّخُولُ مَعَهُ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ اللَّائِقِ.
(وَ) إنْ قَالَ أَحَدُهُمَا الْمَالُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَنَا بِالنِّصْفِ وَالْآخَرُ بِالثُّلُثَيْنِ لَهُ وَالثُّلُثِ لِلْآخَرِ فَالْقَوْلُ (لِمُدَّعِي النِّصْفِ) بِيَمِينٍ
(وَحُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ الِاشْتِرَاكُ (عَلَيْهِ) أَيْ النِّصْفِ (فِي) حَالِ (تَنَازُعِهِمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ فِي كَوْنِ شَرِكَتِهِمَا بِالنِّصْفِ أَوْ غَيْرِهِ " غ "، لَعَلَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ لِقَوْلِ ابْنِ يُونُسَ وَإِذَا أَشْرَكَ مِنْ مَالِهِ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُشْرِكَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ أَشْرَكْتُك بِالرُّبْعِ وَالْآخَرُ بِالنِّصْفِ، وَقَالَا نَطَقْنَا بِهِ أَوْ أَضْمَرْنَاهُ بِغَيْرِ نُطْقٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمَا النِّصْفَ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ أَحَدُهُمَا رُدَّ إلَيْهِ أَصْلُ شَرِكَتِهِمَا فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً، فَعَلَى عَدَدِهِمْ، وَهَكَذَا مَا كَانُوا ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا إنْ أَشْرَكَ رَجُلًا فِي سِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا مِمَّنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُشْرِكَهُ ثُمَّ اخْتَلَفَا هَكَذَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا نَوَيَا وَلَمْ يَنْطِقَا بِهِ كَانَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ فَعَلَى عَدَدِهِمْ، وَقَالَ قَبْلَ هَذَا وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ شَرِيكُهُ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ شَرِيكُهُ بِالرُّبْعِ أَوْ إنَّمَا هُوَ شَرِيكُهُ فِي مِائَةِ دِينَارٍ فَإِنَّهُ شَرِيكُهُ بِالنِّصْفِ.
اهـ. مَا قُصِدَ نَقْلُهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ الْإِشَارَةَ إلَيْهِ.
فَإِنْ قُلْت يَصِيرُ عَلَى هَذَا تَكْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ آخِرَ فَصْلِ الْخِيَارِ وَإِنْ أَشْرَكَهُ حُمِلَ إنْ أَطْلَقَ عَلَى النِّصْفِ.
قُلْت تَكْرَارُهُ مَعَ مَا طَالَ وَتُنُوسِيَ أَهْوَنُ مِنْ تَكْرَارِهِ مَعَ مَا يَلِيهِ وَحَمْلِهِ عَلَى تَنَازُعِهِمَا.
عب وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا مَنْ سَلِمَ لَهُ شَيْءٌ أَخَذَهُ، وَيُقْسَمُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بَيْنَهُمَا وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّدَاقِ حَيْثُ قَالَ لَا إنْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَجَهِلَتْ وَدَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا وَلَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ لِلْمَدْخُولِ بِهَا الصَّدَاقُ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ، وَلِغَيْرِهَا رُبْعُهُ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الصَّدَاقِ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا يُقْسَمُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بَيْنَهُمَا عَلَى الدَّعْوَى إنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا كَالْعَوْلِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الشَّهَادَاتِ اهـ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُ ابْنِ زَمَنِينَ إلَخْ هَذَا مِنْ تَمَامِ قَوْلِ أَشْهَبَ وَقَدْ تَرَكَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ كَالْمُصَنِّفِ، فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ أَشْهَبَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ، وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ أَوْلَى وَنَصُّهَا وَلَوْ ادَّعَى الثُّلُثَيْنِ وَالْآخَرُ النِّصْفَ دُفِعَ لِكُلٍّ مَا سَلِمَ لَهُ وَقُسِمَ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا.
وَقِيلَ
وَلِلِاشْتِرَاكِ فِيمَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا، إلَّا لِبَيِّنَةٍ عَلَى: كَإِرْثِهِ، وَإِنْ قَالَتْ لَا نَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ لَهَا إنْ شَهِدَ بِالْمُفَاوَضَةِ، وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِالْإِقْرَارِ بِهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
[منح الجليل]
يَحْلِفَانِ وَيُنَصَّفُ.
اهـ. وَكَانَ الْمُصَنِّفُ أَسْقَطَ الْيَمِينَ لِاسْتِشْكَالِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَهَا بِأَنْ حَلَفَ مَنْ ادَّعَى الثُّلُثَيْنِ لَهُ ثُمَّ يَأْخُذُ النِّصْفَ لَا يَحْتَمِلُهُ الْأُصُولُ، وَتَبِعَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَانْفَصَلَ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ أَشْهَبَ لَمْ يَبْنِ عَلَى رَعْيِ دَعْوَاهُمَا وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَإِنَّمَا بَنَى عَلَى رَعْيِ تَسَاوِيهِمَا فِي الْحَوْزِ وَالْقَضَاءِ بِالْحَوْزِ لَا يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِهِ دُونَ يَمِينِ الْحَائِزِ.
اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ النِّصْفُ يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ.
(وَ) إنْ حَازَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ شَيْئًا وَادَّعَى اخْتِصَاصَهُ بِهِ وَقَالَ شَرِيكُهُ هُوَ مِنْ مَالٍ الْمُفَاوَضَةِ فَالْقَوْلُ (ل) مُدَّعِي (الِاشْتِرَاكِ فِيمَا) أَيْ الشَّيْءِ الَّذِي (بِيَدِ) أَيْ حَوْزِ (أَحَدِهِمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ دُونَ قَوْلِ مُدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ فِي كُلِّ حَالٍّ (إلَّا لِ) شَهَادَةِ (بَيِّنَةٍ عَلَى كَارِثَةٍ) أَيْ مُدَّعِي الِاخْتِصَاصِ الشَّيْءِ الَّذِي ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ فَيَخْتَصُّ بِهِ إنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ نَعْلَمُ تَأَخُّرَ إرْثِهِ عَنْ اشْتِرَاكِهِمَا، بَلْ (وَإِنْ قَالَتْ) الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِإِرْثِهِ (لَا نَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ) أَيْ الْإِرْثِ وَلَا تَأَخُّرَهُ (لَهَا) أَيْ عَنْ الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا إنْ قَالَتْ نَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ عَلَيْهَا فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الِاشْتِرَاكِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ بِعَدَمِ إدْخَالِهِ فِيهَا فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ، وَذَكَرَ شَرْطَ كَوْنِ الْقَوْلِ الْمُدَّعِي الِاشْتِرَاكَ فِيمَا قَبْلُ إلَّا فَقَالَ (إنْ شُهِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِالْمُفَاوَضَةِ) بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، أَيْ بِتَصَرُّفِهِمَا تَصَرُّفَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَالْإِقْرَارِ مِنْهُمَا بِهَا وَأَوْلَى إنْ شُهِدَ بِعَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا، بَلْ (وَلَوْ لَمْ يُشْهَدْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ (بِالْإِقْرَارِ) مِنْهُمَا (بِهَا) أَيْ الْمُفَاوَضَةِ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْخِلَافِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سَهْلٍ، فَأَشَارَ بِالْأَصَحِّ لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَأَشَارَ بِوَ لِخِلَافِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَابْنِ دَحُونٍ وَابْنُ الشَّقَّاقِ بِقَوْلِهِمْ لَا يَكْتَفِي بِذَلِكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الشُّهُودُ أَقَرَّا عِنْدَنَا بِالْمُفَاوَضَةِ وَأَشْهَدَانَا بِهَا.
وَنَصُّ ابْنِ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ: أَفْتَى ابْنُ الْقَطَّانِ بِأَنَّ الشُّهُودَ إذَا قَالُوا نَعْرِفُ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ مُتَفَاوِضَانِ فِي جَمِيعِ أَمْوَالِهِمَا إلَى آخِرِ
وَلِمُقِيمِ بَيِّنَةٍ بِأَخْذِ مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، إنْ أَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ الْآخِذِ،
[منح الجليل]
الْعَقْدِ أَنَّهَا شَهَادَةٌ نَاقِصَةٌ لَا يَجِبُ بِهَا قَضَاءٌ بِشَرِكَةٍ بَيْنَهُمَا إذْ لَمْ يُفَسِّرُوا مَعْرِفَتَهُمْ بِهَا إنْ كَانَتْ بِإِشْهَارٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَوْ بِإِقْرَارٍ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ بِسَمَاعٍ يُذْكَرُ، وَهَذَا غَيْرُ عَامِلٍ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الشُّهُودُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ شَهِدْت الشُّورَى فِيهَا وَقَدْ نَزَلَتْ.
وَقَالَ ابْنُ الشَّقَّاقِ وَابْنُ دَحُونٍ بِهَذَا وَنَفَذَ الْحُكْمُ بِهِ.
وَأَفْتَى ابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ يَحْسُنَ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عُدُولُ الْبَيِّنَةِ الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الشَّهَادَةُ عَنْ وَجْهِ مَعْرِفَتِهَا الْمُفَاوَضَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ فَسَّرُوا أَنَّهُمَا عَلِمَاهَا بِإِعْلَامِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إيَّاهُمَا بِذَلِكَ أُعْمِلَتْ الشَّهَادَةُ وَنَابَ الْحَاضِرُ مِنْهُمَا عَنْ الْغَائِبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ قَرِيبٌ فَهُوَ أَتَمُّ وَأَطْيَبُ لِلنَّفْسِ وَأَوْلَى.
أَبُو الْأَصْبَغِ قَوْلُهُ أَتَمُّ هُوَ نَصُّ ابْنِ الْقَطَّانِ فِي وَثَائِقِهِ.
قَالَ فِي بَعْضِ عُقُودِهَا لِلْأَوْصِيَاءِ مِمَّنْ يَعْرِفُ الْإِيصَاءَ الْمَذْكُورَ.
ثُمَّ قَالَ إنْ قُلْت مِمَّنْ يَعْرِفُهُ بِإِشْهَادِهِ إيَّاهُ عَلَيْهِ فَهُوَ أَتَمُّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ تَامَّةٌ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الشَّاهِدُ الْوَجْهَ الَّذِي عَلِمَ بِهِ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ هُوَ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِمْ مِمَّنْ يَعْرِفُ الْإِيصَاءَ، وَمِمَّنْ يَعْرِفُ لِلتَّوْكِيلِ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينِ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَتَّابٍ عَنْ أَبِي عُمَرَ الْإِشْبِيلِيِّ أَنَّهُ أَفْتَى فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ تَامَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا، وَنَحْوُهُ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُفَاوَضَةٌ وَلَمْ تَشْتَرِطْ تَعْيِينًا فَالتَّعْوِيلُ عَلَى هَذَا أَوْلَى مِنْ التَّعْوِيلِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الشَّقَّاقِ وَابْنِ دَحُونٍ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي جَوَابِهِ عَنْهُمَا اهـ. كَلَامُ ابْنِ سَهْلٍ.
(وَ) إنْ أَخَذَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِائَةً مَثَلًا مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ وَادَّعَى رَدَّهَا لَهُ وَكَذَّبَهُ شَرِيكُهُ فِي رَدِّهَا لَهُ وَادَّعَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عِنْدَ أَخْذِهَا فَالْقَوْلُ (لِ) شَرِيكٍ (مُقِيمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ مُشْهِدِ (بَيِّنَةٍ) عَلَى شَرِيكِهِ (بِأَخْذِ مِائَةٍ) مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ ادَّعَى الْآخِذُ أَنَّهُ رَدَّهَا لَهُ وَكَذَّبَهُ شَرِيكُهُ فَالْقَوْلُ لَهُ فِي (أَنَّهَا) أَيْ الْمِائَةَ (بَاقِيَةٌ) عِنْدَ أَخْذِهَا (إنْ شُهِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِهَا) أَيْ الْمِائَةِ (عِنْدَ الْآخِذِ) لَهَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، سَوَاءٌ طَالَتْ الْمُدَّةُ بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَنَازُعِهِمَا أَمْ لَا فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِإِشْهَادٍ عَلَى رَدِّهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ (أَوْ) لَمْ
أَوْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ:
[منح الجليل]
يُشْهِدْ بِهَا عِنْدَ أَخْذِهَا و (قَصُرَتْ الْمُدَّةُ) بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَنَازُعِهِمَا فِي رَدِّهَا، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ بِهَا عِنْدَهُ وَطَالَتْ الْمُدَّةُ فَالْقَوْلُ لِلْآخِذِ أَنَّهُ رَدَّهَا لَهُ.
الْمُصَنِّفُ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ مُحَمَّدٍ بِالْإِشْهَادِ عِنْدَ الْأَخْذِ قَصْدُهُ لِلتَّوَثُّقِ كَالْإِشْهَادِ عَلَى الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ عِنْدَ الْإِيدَاعِ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الرَّدِّ مَعَهُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، فَالْأَوْلَى إنْ أَشْهَدَ بِهَا عِنْدَهُ رُبَاعِيًّا فِيهَا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَأَقَامَ صَاحِبُهُ بَيِّنَةً أَنَّ مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ الشَّرِكَةِ عِنْدَ الْمَيِّتِ فَلَمْ تُوجَدْ وَلَمْ يُعْلَمْ مَسْقَطُهَا، فَإِنْ قَرُبَ مَوْتُهُ مِنْ أَخْذِهَا فِيمَا يُظَنُّ أَنَّهُ لَمْ يَشْغَلْهَا فِي تِجَارَةٍ فَهِيَ فِي حِصَّتِهِ وَمَا تَطَاوَلَ وَقْتُهُ لَا يَلْزَمُهُ، أَرَأَيْت لَوْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَبَضَهَا مُنْذُ سَنَةٍ وَهُمَا يَتَّجِرَانِ أَيَلْزَمُهُ اهـ. وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُ هَذَا وَبِأَنَّ مُحَمَّدًا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ إنْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَخْذِهَا شَاهِدَيْنِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ رَدَّهَا وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إقْرَارُهُ بِلَا تَعَمُّدِ إشْهَادٍ وَلَا كِتَابٍ فَكَمَا قَالَ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ اهـ.
ابْنُ عَرَفَةَ اُنْظُرْ قَوْلَهُ وَلَا كِتَابٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِكِتَابٍ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا أَخَذَهَا بِكِتَابٍ فَقَدْ وُثِّقَ آخِذُهَا فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى الْبَرَاءَةِ اهـ. فِي التَّوْضِيحِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُشْهِدْ، وَأَمَّا إذَا أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَخْذِهَا فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِإِشْهَادٍ بِأَنَّهُ رَدَّهَا طَالَ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ مُحَمَّدٍ بِقَوْلِهِ أَشْهَدَ كَوْنُ الْبَيِّنَةِ قُصِدَتْ لِلتَّوَثُّقِ كَالْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا تُقْبَلُ مَعَهَا دَعْوَى رَدِّ الْوَدِيعَةِ قَالُوا هِيَ الَّتِي تُشُهِّدَ عَلَى دَفْعِهَا لِلْمُودِعِ.
وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ بِحَضْرَةِ قَوْمٍ وَلَمْ يَقْصِدْ التَّوَثُّقَ بِشَهَادَتِهِمْ فَلَا، وَهَذَا الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ إقْرَارُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إشْهَادٍ فَكَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ قَوْلَهُ أَشْهَدُ بِهَمْزَةٍ فِي أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّهُ رُبَاعِيٌّ، أَيْ أَشْهَدُ بِهَا قَاصِدًا التَّوَثُّقَ كَمَسْأَلَةِ الْمُودِعِ وَقَدْ نُبِّهَ عَلَى هَذَا " غ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَفَادَهُ الْحَطّ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ هُوَ الْإِشْهَادُ بِأَخْذِهَا لِقَصْدِ التَّوَثُّقِ، وَلَا يَسْقُطُ بِطُولٍ لِزَمَانٍ وَلَوْ زَادَ عَلَى عَشْرِ سِنِينَ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ، فَسَيَأْتِي فِي بَابِهَا فِي قَوْلِهِ إلَّا
كَدَفْعِ صَدَاقٍ عَنْهُ فِي أَنَّهُ مِنْ الْمُفَاوَضَةِ إلَّا أَنْ يَطُولَ كَسَنَةٍ، وَإِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى: كَإِرْثِهِ،
[منح الجليل]
كَعَشْرٍ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ إشْهَادٍ مَقْصُودٍ بِهِ التَّوَثُّقُ.
وَأَمَّا مَعَهُ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِدَفْعِهَا بِإِشْهَادٍ، فَإِنْ مَاتَ الشَّرِيكُ وَلَمْ يُوصِي بِمَا أَشْهَدَ أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ وَلَمْ يُوجَدْ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ إشْهَادٍ أَوْ بِإِشْهَادٍ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّوَثُّقُ فَيَكْفِي فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ بِهَا مُضِيُّ سَنَةٍ وَنَحْوِهَا، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَفَرَّقَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ الشَّرِيكَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا بِخِلَافِ الْمُودِعِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ هَذَا إنَّمَا يُفِيدُ حَيْثُ كَانَ الْمَالُ الْمُشْتَرَكُ تَحْتَ يَدِ الْآخِذِ وَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ رَدَّ الْبَعْضَ الَّذِي أَخَذَهُ.
وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ فَلَا يُفِيدُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمِائَةِ وَجَمِيعِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ إذَا أَشْهَدَ أَنَّهُ حَبَسَهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَإِنْ كَانَ الْإِشْهَادُ قُصِدَ لِلتَّوَثُّقِ بِهِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ وَإِلَّا فَلَا.
الثَّالِثُ: ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ أَقَرَّ الشَّرِيكُ أَنَّ بِيَدِهِ مِائَةً مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ طُولِ الْمُدَّةِ وَقِصَرِهَا، وَلَوْ أَشْهَدَ أَنَّهُ أَخَذَهَا فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ أَنَّهُ رَدَّهَا.
اهـ. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْآخِذِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَبَّهَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى الضَّمَانَ لِلْمُفَاوَضَةِ فَقَالَ (كَدَفْعِ صَدَاقٍ) مِنْ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ (عَنْهُ) أَيْ الْآخَرِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَوْنَهُ مِنْ مَالِ الدَّافِعِ أَوْ الْمَدْفُوعِ عَنْهُ أَوْ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، ثُمَّ ادَّعَى الدَّافِعُ أَوْ وَارِثُهُ إنْ مَاتَ أَنَّهُ مِنْ مَالِ الدَّافِعِ وَادَّعَى الْمَدْفُوعُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَأَنَّهُ رَدَّهُ إلَيْهِ أَوْ عَكْسُهُ، أَيْ ادَّعَى الْمَدْفُوعُ أَنَّهُ مِنْ مَالِ الْخَاصِّ بِهِ وَالدَّافِعُ أَوْ وَارِثُهُ أَنَّهُ مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ، فَالْقَوْلُ لِلْمَدْفُوعِ عَنْهُ (فِي أَنَّهُ) أَيْ الصَّدَاقَ الْمَدْفُوعَ (مِنْ) مَالِ (الْمُفَاوَضَةِ) وَيُطَالَبُ بِهِ الْمَدْفُوعُ عَنْهُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَطُولَ) الزَّمَنُ بَيْنَ دَفْعِهِ وَالتَّنَازُعِ (كَسَنَةٍ) فَيُصَدَّقُ الْمَدْفُوعُ عَنْهُ فِي رَدِّهِ لَهَا، وَيَبْرَأُ مِنْهُ، وَهَذَا فِي صُورَةِ الْأَصْلِ وَلِلدَّافِعِ أَوْ وَارِثِهِ فِي أَنَّهُ مِنْهَا فِي صُورَةِ الْعَكْسِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا لِ) شَهَادَةِ (بَيِّنَةٍ) بِأَنَّ الصَّدَاقَ الْمَدْفُوعَ حَصَلَ لِلْمَدْفُوعِ عَنْهُ (عَلَى كَإِرْثٍ) أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ
وَإِنْ قَالَتْ: لَا نَعْلَمُ
وَإِنْ أَقَرَّ وَاحِدٌ بَعْدَ تَفَرُّقٍ أَوْ مَوْتٍ: فَهُوَ شَاهِدٌ فِي غَيْرِ نَصِيبِهِ
[منح الجليل]
أَوْ خُلْعٍ أَوْ أَرْش جِنَايَةٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ نَحْوَهَا، فَيُقْضَى لِلْمَدْفُوعِ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ مَالِهِ وَيَبْرَأُ مِنْهُ إنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ عَلِمْنَا تَأَخُّرَهُ عَنْ الْمُفَاوَضَةِ، بَلْ (وَإِنْ قَالَتْ) الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِأَنَّهُ مِنْ كَإِرْثٍ (لَا نَعْلَمُ) تَأَخُّرَهُ عَنْهَا.
" غ " فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ سُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ عَنْ أَخِيهِ وَهُوَ شَرِيكُهُ مُفَاوَضَةَ صَدَاقِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ أَخِيهِ أَوْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ حَتَّى مَاتَ الدَّافِعُ فَقَامَ فِي ذَلِكَ وَرَثَتُهُ، وَقَالُوا هُوَ مِنْ مَالِ وَلِيِّنَا، فَأَجَابَ إذَا دَفَعَ وَهُمَا مُتَفَاوِضَانِ ثُمَّ أَقَامَا سِنِينَ كَثِيرَةً فِي تَفَاوُضِهِمَا لَا يَطْلُبُ أَخَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذَا ضَعِيفٌ إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ بَيْنَهُمَا شَطْرَيْنِ وَيُحَاسَبُ بِهِ الْبَاقِي إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ.
اهـ. فَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْقَوْلَ لِمَنْ ادَّعَى أَنَّ الصَّدَاقَ الْمَدْفُوعَ مِنْ الْمُفَاوَضَةِ إلَّا فِي وَجْهَيْنِ، أَحَدِهِمَا، أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَطُولَ كَسَنَةٍ، وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ فِي التَّحْدِيدِ بِالسَّنَةِ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِ سَحْنُونٍ وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ فَذَلِكَ بَيْنَهُمَا، وَرَأَى أَنَّ مَا عَارَضَ هَذَا الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ فِي مُقَابَلَةِ سِنِينَ كَثِيرَةٍ غَيْرَ مَقْصُودٍ.
وَثَانِيهِمَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا لِبَيِّنَةٍ بِكَإِرْثِهِ، وَإِنْ قَالَتْ لَا نَعْلَمُ وَهَكَذَا هُوَ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ قَبْلَ إلَّا، وَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَاقِي حُجَّةٌ، فَإِنَّ الْبَاقِي مِنْ الْأَخَوَيْنِ إنْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ الصَّدَاقَ الْمَدْفُوعَ كَانَ مِنْ إرْثٍ مَثَلًا كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً لَهُ، وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ لَا نَعْلَمُ تَأَخُّرَ هَذَا الْإِرْثِ عَنْ الْمُفَاوَضَةِ فَهَذَا أَمْثَلُ مَا انْقَدَحَ لَنَا فِي تَشْقِيقِ كَلَامِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ وَاحِدٌ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بِدَيْنٍ مَثَلًا تَدَايَنَاهُ حَالَ شَرِكَتِهِمَا، وَأَنَّهُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِمَا، وَصِلَةُ أَقَرَّ (بَعْدَ تَفَرُّقٍ) بَيْنَمَا مِنْ الشَّرِكَةِ (أَوْ) أَقَرَّ بِهِ (بَعْدَ مَوْتٍ) لِشَرِيكِهِ وَأَنْكَرَهُ شَرِيكُهُ أَوْ وَارِثُهُ (فَ) الْمُقِرُّ (شَاهِدٌ فِي غَيْرِ نَصِيبِهِ) أَيْ الْمُقِرُّ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَلِلْمُقَرِّ لَهُ إقَامَةُ آخَرَ مَعَهُ أَوْ الْحَلِفُ، وَيَسْتَحِقُّ نَصِيبَ غَيْرِهِ وَلَزِمَ الْمُقِرَّ نَصِيبُهُ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ.
وَأُلْغِيَتْ نَفَقَتُهُمَا وَكِسْوَتُهُمَا، وَإِنْ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ السِّعْرِ:
كَعِيَالِهِمَا إنْ تَقَارَبَا
[منح الجليل]
وَ) إنْ أَنْفَقَ كُلٌّ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ اكْتَسَى مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ (أُلْغِيَتْ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تُرِكَتْ وَلَمْ تُحْسَبْ (نَفَقَتُهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا (وَ) أُلْغِيَتْ (كِسْوَتُهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ لِأَنْفُسِهِمَا إنْ كَانَا بِبَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِبَلَدَيْنِ مُتَّفِقَيْ السِّعْرِ لِلْمَأْكُولِ وَالْمَلْبُوسِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَا (بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ السِّعْرِ) لِذَلِكَ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ وَدُخُولِهِمَا عَلَيْهِ مِنْ قِلَّةِ مُؤْنَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَاسْتُسْهِلَ اخْتِلَافُ السِّعْرَيْنِ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا أَقَامَ لِلتَّجْرِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِلْغَاءِ فَقَالَ (كَ) نَفَقَةِ وَكِسْوَةِ (عِيَالِهِمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ فَتُلْغَيْ أَيْضًا (إنْ تَقَارَبَا) أَيْ الْعِيَالَانِ عَدَدًا وَسِنًّا بِالْعُرْفِ وَلَوْ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ السِّعْرِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا لِمَالِكٍ لَغْوُ نَفَقَتِهِمَا إنْ كَانَا ذَوَيْ عِيَالٍ وَلَوْ كَانَا بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ السِّعْرِ.
الصِّقِلِّيُّ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ لِابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا إذَا تَقَارَبَا فِي الْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ التُّونُسِيُّ يَنْبَغِي لَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عِيَالٌ وَاخْتَلَفَ سِعْرُ بَلَدَيْهِمَا اخْتِلَافًا بَيِّنًا أَنْ تُحْسَبَ النَّفَقَةُ إذْ نَفَقَةُ الْعِيَالِ لَيْسَتْ مِنْ التَّجْرِ.
اللَّخْمِيُّ الْقِيَاسُ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي قَرَارِهِ وَسِعْرِهِ أَغْلَى يُحَاسَبُ بِمَا بَيْنَ السِّعْرَيْنِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ لِتَجْرٍ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَغْلَاهُمَا فَلَا يُحَاسَبُ بِالْفَضْلِ لِأَنَّهُ خَرَجَ لِتَنْمِيَةِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ فِي قَرَارِهِ وَكَانَ أَغْلَاهُمَا سِعْرًا مَنْ هُوَ فِي قَرَارِهِ دُونَ مَنْ خَرَجَ لِتَنْمِيَةِ الْمَالِ كَانَ لِأَقَلِّهِمَا سِعْرًا أَنْ يُحَاسِبَ الْآخَرَ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ نَفَقَةَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ لِلْعَادَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِنْفَاقُ مِنْ الْوَسَطِ جَازَ عَلَى مَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ عَلَيْهِ وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْإِنْفَاقِ، وَفِيهَا لِمَالِكٍ تُلْغَى النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا إنَّمَا أَنْفَقَا مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ وَالْكِسْوَةُ لَهُمَا وَلِعِيَالِهِمَا تُلْغَى لِأَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَالَ تُلْغَيْ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ مِنْ النَّفَقَةِ.
قُلْت وَهَذَا نَصٌّ فِي لُزُومِ كِسْوَةِ مَنْ الْتَزَمَتْ نَفَقَتُهُ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا فِي النَّفَقَةِ، وَفِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ كِسْوَةً لَيْسَتْ مِمَّا يَبْتَذِلُهُ الْعِيَالُ مِثْلَ الْقَسِّيِّ وَالشَّوْكِيِّ وَالْوَشْيِ، فَهَذِهِ لَا تُلْغَيْ، وَأَسْقَطَ شَرْطًا وَهُوَ كَوْنُ الْمَالِ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً فَقَطْ.
وَإِلَّا حَسَبَا كَانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِهِ
وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلْآخَرِ رَدُّهَا؛ إلَّا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ
[منح الجليل]
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كُلُّ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ إلْغَاءِ النَّفَقَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى النِّصْفِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الثُّلُثِ فَتُحْسَبُ نَفَقَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
اللَّخْمِيُّ وَإِنْ اشْتَرَكَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ وَتَسَاوَيَا فِي الْعِيَالِ فَلَا يُنْفِقُ صَاحِبُ الثُّلُثِ إلَّا بِقَدْرِ جُزْئِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْفِقَ بِقَدْرِ عِيَالِهِ لِيُحَاسَبَ بِذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا إنْ عَقَدَا الشَّرِكَةَ عَلَى ذَلِكَ، لَوْ كَانَ تَطَوُّعًا بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ كَانَ كَالسَّلَفِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَقَارَبْ الْعَيَّالَانِ بِأَنْ اخْتَلَفَا عَدَدًا أَوْ سِنًّا اخْتِلَافًا غَيْرَ مُتَقَارِبٍ (حَسَبَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ مَا أَنْفَقَاهُ عَلَى عِيَالِهِمَا مَا لَمْ يَسْتَوِيَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ اكْتَفَى أَحَدُهُمَا بِجَرِيشِ الطَّعَامِ وَغَلِيظِ اللِّبَاسِ وَالْآخَرُ بِضِدِّهِمَا حُسِبَ كُلُّ مَا أَنْفَقَهُ.
وَشَبَّهَ فِي الْحَسَبِ فَقَالَ (كَانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (بِهِ) أَيْ الْعِيَالِ أَوْ الْإِنْفَاقِ فَيُحْسَبُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَى عِيَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عِيَالٌ وَوَلَدٌ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ عِيَالٌ وَلَا وَلَدٌ حَسَبُ كُلُّ مَا أُنْفِقَ.
اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الشَّارِحِ و " ق " وَغَيْرِهِمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا وَمَا اشْتَرَى مِنْ طَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ لِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ فَلِبَائِعِهِ أَخْذُ ثَمَنِهِ مِمَّنْ قُدِّرَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا لِأَنَّ مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " قَالَ إنَّهُ يُلْغَى.
اللَّخْمِيُّ إنْ تُسَاوَى الْعِيَالَانِ فِي الْعَدَدِ وَتَبَايَنَا فِي السِّنِّ تَحَاسَبَا بِالْفَضْلِ كَتَبَايُنِ الْعَدَدِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُبْتَذَلُ وَاشْتُرِيَتْ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ فَرِبْحُهَا لِلشَّرِكَةِ وَخَسَارَتُهَا عَلَى مُشْتَرِيهَا وَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ قَبْلَ وَزْنِ الثَّمَنِ فَلِلْآخَرِ مَنْعُهُ إلَّا عَلَى الْمُفَاضَلَةِ فِيهِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى) أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ (جَارِيَةً لِنَفْسِهِ) لِاسْتِخْدَامِهَا أَوْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَطَأْهَا وَدَفَعَ ثَمَنَهَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ (فَلِلْآخَرِ رَدُّهَا) أَيْ الْجَارِيَةِ لِلشَّرِكَةِ وَلَهُ تَرْكُهَا لِمُشْتَرِيهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا) إذَا كَانَ اشْتَرَاهَا (لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ) أَيْ الْآخَرِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا لِلشَّرِكَةِ فَيَخْتَصُّ الْمُشْتَرِي بِهَا فَلَهُ رِبْحُهَا وَعَلَيْهِ خُسْرُهَا لِأَنَّ شَرِيكَهُ أَسْلَفَهُ نِصْفَ ثَمَنِهَا، وَكَذَا إذَا اشْتَرَاهَا بِإِذْنِهِ لِلْخِدْمَةِ، نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ،
وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِلشَّرِكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَحَمَلَتْ قُوِّمَتْ،
[منح الجليل]
وَنَصُّ الْوَجْهِ الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهَا إنْ هَلَكَتْ فَلَهُ رِبْحُهَا وَعَلَيْهِ خَسَارَتُهَا، فَهَذَا قَدْ أَسْلَفَهُ شَرِيكُهُ نِصْفَ ثَمَنِهَا فَلَهُ النَّمَاءُ وَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ.
وَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ لِيَطَأهَا عَلَى أَنَّهَا لِلشَّرِكَةِ بِمَعْنَى أَنَّ الرِّبْحَ لَهُمَا وَالْخَسَارَةَ عَلَيْهِمَا فَنَصَّ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَالْمُحَلَّلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَطَأَهَا رُدَّتْ لِلشَّرِكَةِ، وَإِنْ وَطِئَهَا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا جَبْرًا عَلَيْهِمَا فَاشْتَرَكَ هَذَا، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ وَافْتَرَقَا مِنْ أَنَّ الْأَوَّلَ اشْتَرَاهَا بِدُونِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَلِهَذَا قَالَ " غ " مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا بِالْوَطْءِ أَوْ بِإِذْنِهِ بِجَرِّ اللَّفْظَيْنِ بِالْبَاءِ، وَعَطْفِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِأَوْ بَدَلَ قَوْلِهِ إلَّا لِلْوَطْءِ.
أَتَمُّ فَائِدَةٍ حَسْبَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ النُّسْخَةَ تُفِيدُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ، لَكِنْ فِي الْأَوَّلِ بِدُونِ إذْنِ شَرِيكِهِ.
وَفِي الثَّانِي بِإِذْنِهِ، وَتُفِيدُ أَنَّ التَّخْيِيرَ فِي الْوَجْهِ مَحِلُّهُ مَا لَمْ يَطَأْ.
(وَإِنْ وَطِئَ) أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ (جَارِيَةً) اشْتَرَاهَا (لِلشَّرِكَةِ) وَصِلَةُ وَطِئَ (بِإِذْنِهِ) أَيْ الشَّرِيكِ الْآخَرِ فِي وَطْئِهَا قُوِّمَتْ عَلَى وَاطِئِهَا جَبْرًا عَلَيْهِمَا، وَسَوَاءٌ حَمَلَتْ مِنْ وَطْئِهِ أَمْ لَا رَدًّا لِإِعَارَةِ الْفَرْجِ (أَوْ) وَطِئَهَا (بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ الشَّرِيكِ الْآخَرِ (وَحَمَلَتْ قُوِّمَتْ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُشَدَّدَةً عَلَى وَاطِئِهَا وُجُوبًا إنْ كَانَ مَلِيًّا.
الْحَطّ تَنْبِيهٌ هَذَا أَنَّ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي وُجُوبِ الْقِيمَةِ فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ لِأَنَّهُ إنْ أُعْدِمَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَحَمَلَتْ الْأَمَةُ مِنْهُ فَلَا تُبَاعَ وَيُتْبَعُ بِقِيمَتِهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَتُبَاعُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ مِنْهَا فِي الْمُحَلَّلَةِ، وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّ شَرِيكَهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ التَّمَسُّكِ بِنَصِيبِهِ وَإِتْبَاعِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَاتِّبَاعِهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهَا يَوْمَ حَمْلِهَا فَيُبَاعُ نِصْفُهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا فَيَأْخُذُهُ إنْ كَانَ كَفَافًا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا وَتَبِعَهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ دَيْنًا، وَإِنْ نَقَصَ ثَمَنُ نِصْفِهَا عَنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا اتَّبَعَهُ بِبَاقِيهِ وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَلَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْحُكْمِ كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا مَعَ نِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ، وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
وَإِلَّا فَلِلْآخَرِ إبْقَاؤُهَا، أَوْ مُقَاوَاتُهَا
وَإِنْ اشْتَرَطَا نَفْيَ الِاسْتِبْدَادِ
[منح الجليل]
وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ مِنْ وَطْئِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ (خُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (فِي إبْقَائِهَا) أَيْ الْأَمَةِ لِلشَّرِكَةِ (وَتَقْوِيمِهَا) أَيْ الْأَمَةِ عَلَى وَاطِئِهَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَمُقَاوَمَتِهَا بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ وَيُرْجَعُ لِلْأَوَّلِ بِتَكَلُّفٍ، وَفِي بَعْضِهَا وَمُقَاوَاتُهَا أَيْ الْمُزَايَدَةِ فِيهَا حَتَّى تَقِفَ عَلَى أَحَدِهِمَا وَهَذَا يُوَافِقُ مَا فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَكِنَّهُ خِلَافُ مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ شِرَائِهَا لِلشَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ وَطْئِهَا ثُمَّ وَطْئِهَا وَشِرَائِهَا لَوَطِئَهَا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لَهُمَا وَالْخَسَارَةَ عَلَيْهِمَا، وَمِثْلُهُمَا شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَوَطْئِهَا.
الثَّانِي: إذَا تَمَسَّكَ الشَّرِيكُ بِنَصِيبِهِ وَلَمْ يُقَوِّمْهَا مَنَعَ وَاطِئَهَا مِنْ الْخَلْوَةِ بِهَا لِئَلَّا يَعُودَ لِوَطْئِهَا وَيُعَاقَبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ وَلَكِنْ عُقُوبَتُهُ أَخَفُّ مِنْ عُقُوبَةِ الْعَالِمِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
الْحَطّ هَذَا خِلَافُ قَوْلِهَا فِي كِتَابِ الْقَذْفِ إنْ وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَمَةً بَيْنَهُمَا وَهُوَ عَالَمٌ بِتَحْرِيمِهِ فَلَا يُحَدُّ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ وَيُؤَدَّبُ إنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ.
الثَّالِثُ: ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا إنْ حَمَلَتْ قُوِّمَتْ عَلَى وَاطِئِهَا يَوْمَ وَطْئِهِ إنْ كَانَ مَلِيًّا وَلَحِقَ الْوَلَدُ بِهِ فَهِيَ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ وَلَا يَتَمَاسَكُ شَرِيكُهُ بِنَصِيبِهِ مِنْهَا.
اللَّخْمِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَيْضًا تُقَوَّمُ يَوْمَ حَمَلَتْ.
وَقِيلَ يَوْمَ الْحُكْمِ.
وَعَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ شَاءَ يَوْمَ الْوَطْءِ، وَإِنْ شَاءَ يَوْمَ الْحُكْمِ وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مُعَسِّرًا فَقَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَرَّةً هِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِوَاطِئِهَا وَيَتْبَعُ بِقِيمَتِهَا دَيْنًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى تَخْيِيرِ شَرِيكِهِ فِي تَمَاسُكِهِ بِنَصِيبِهِ مِنْهَا مَعَ اتِّبَاعِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهَا، وَفِي تَقْوِيمِهِ نِصْفُهَا وَنِصْفُ قِيمَةِ وَلَدِهَا وَيُبَاع لَهُ نِصْفُهَا فَقَطْ فِيمَا لَزِمَ لَهُ.
(وَإِنْ شَرَطَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ (نَفْيَ) أَيْ عَدَمِ (الِاسْتِبْدَادِ) بِالتَّصَرُّفِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا
فَعِنَانٌ
وَجَازَ لِذِي طَيْرٍ وَذِي طَيْرَةٍ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشَّرِكَةِ فِي الْفِرَاخِ
[منح الجليل]
فَ) الشَّرِكَةُ (عِنَانٌ) أَيْ تُسَمَّى بِهَذَا.
ابْنُ عَرَفَةَ عِيَاضٌ ضَبَطْنَاهُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَفِي بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ فَتْحُهَا وَلَمْ أَرَهُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِفَتْحِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِكَسْرِهَا وَهِيَ جَائِزَةٌ وَلَازِمَةٌ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِنْ شَرَطَا نَفْيَ الِاسْتِبْدَادِ لَزِمَ وَتُسَمَّى شَرِكَةَ الْعِنَانِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ كُلًّا مِنْ الشَّرِيكَيْنِ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِ شَرِيكِهِ فِي حَضْرَتِهِ وَمَعَ غَيْبَتِهِ، فَلَوْ شَرَطَا أَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ وَمُوَافَقَتِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى نَفْيِ الِاسْتِبْدَادِ لَزِمَ الشَّرْطُ، وَتُسَمَّى شَرِكَةَ عِنَانٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي تَسْمِيَتِهَا بِهَذَا الِاسْمِ حُصُولُ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي نَوْعٍ مِنْ الْمَتْجَرِ أَوْ لَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ الشَّرِكَةُ فِي نَوْعٍ مَخْصُوصٍ سَوَاءٌ شُرِطَ ذَلِكَ الشَّرْطُ أَمْ لَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ الشَّرِكَةُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ كَثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ مِنْ مَاذَا هُوَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَمَّا شَرِكَةُ الْعِنَانِ فَلَا نَعْرِفُهَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَعْرِفُهَا، قِيلَ لَمْ يُعْرَفْ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ بِبَلَدِهِمْ.
قُلْت وَقَدْ عَلَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْحُكْمَ عَلَى شَرِكَةِ الْعِنَانِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لَكِنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْهَا.
(وَجَازَ لِذِي طَيْرٍ) ذَكَرٍ (وَذِي طَيْرَةٍ) أُنْثَى (أَنْ يَتَّفِقَا) أَيْ ذُو الطَّيْرِ وَذُو الطَّيْرَةِ عَلَى جَمِيعِ الطَّيْرِ وَالطَّيْرَةِ (عَلَى الشَّرِكَةِ فِي الْفِرَاخِ) الْحَاصِلَةِ مِنْهُمَا، رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَمَامِ لِتَعَاوُنِهِمَا فِي الْحَضْنِ.
ابْنُ سَلْمُونٍ سُئِلَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشُّورَى عَنْ الرَّجُلِ يَجْعَلُ دِيكًا وَيَجْعَلُ الْآخَرُ دَجَاجَةً وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْفَلَالِيسِ، فَقَالَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الدِّيكَ لَا يَحْضُنُ.
قَالَ فَإِنْ جَعَلَ أَحَدُهُمَا حَمَامَةً أُنْثَى وَالْآخَرُ ذَكَرًا، قَالَ جَازَتْ الشَّرِكَةُ لِأَنَّ الذَّكَرَ يَحْضُنُ كَالْأُنْثَى، فَفِي شَرِكَةِ الْعُتْبِيَّةِ سَحْنُونٌ أَخْبَرْنَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الرَّجُلِ يَأْتِي بِحَمَامَةٍ أُنْثَى وَيَأْتِي الْآخَرُ بِحَمَامَةٍ ذَكَرٍ، عَلَى أَنْ تَكُونَ الْفِرَاخُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفِرَاخَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمَا يَتَعَاوَنَانِ جَمِيعًا عَلَى الْحَضَانَةِ.
وَاشْتَرِ لِي وَلَك، فَوَكَالَةٌ.
وَجَازَ: وَانْقُدْ عَنِّي، إنْ لَمْ يَقُلْ وَأَبِيعُهَا لَك،
[منح الجليل]
" غ " ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ هَذَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالْفَوَاتِ لِأَنَّهُ قَالَ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي أَنَّ الزَّرْعَ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ لِصَاحِبَيْ الْعَمَلِ وَالْأَرْضِ يُرِيدُ وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْأُنْثَى عَلَى صَاحِبِ الذَّكَرِ بِمِثْلِ نِصْفِ بَيْضِ حَمَامَتِهِ، وَيَأْتِي عَلَى قِيَاسِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الزَّرْعَ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ لِصَاحِبِ الْبَزْرِ أَنَّ الْفِرَاخَ لِصَاحِبِ الْأُنْثَى لِأَنَّ الْبَيْضَ لَهُ وَلِصَاحِبِ الذَّكَرِ قِيمَةُ حَضَانَتِهِ اهـ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَجَازَ لِذِي طَيْرٍ إلَخْ، ظَاهِرُهُ الْجَوَازُ ابْتِدَاءً وَهُوَ صَرِيحُ ابْنِ يُونُسَ، وَظَاهِرُ النَّوَادِرِ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَنَقَلَ " غ " أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالْفَوَاتِ فَانْظُرْهُ.
تت تَنْبِيهٌ أَشْعَرَ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِذَوَيْ رَقِيقَيْنِ أَنْ يُزَوِّجَاهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ فِي الْأَوْلَادِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَبِأَنَّ مِنْ جَاءَ لِشَخْصٍ بِبَيْضٍ، وَقَالَ لَهُ اجْعَلْهُ تَحْتَ دَجَاجَتِكَ وَالْفِرَاخُ بَيْنَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ كَمَا أَشْعَرَ لَكِنَّهُ لَمْ يُفِدْ الْحُكْمَ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَهُوَ أَنَّ الْفِرَاخَ لِصَاحِبِ الدَّجَاجَةِ وَلِصَاحِبِ الْبَيْضِ مِثْلُ بَيْضِهِ.
زَادَ " غ " وَهُوَ مِثْلُ مَنْ جَاءَ بِقَمْحٍ لِرَجُلٍ وَقَالَ ازْرَعْهُ بِأَرْضِك وَمَا يَخْرُجُ بَيْنَنَا فَإِنَّمَا لَهُ مِثْلُهُ وَالزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ.
(وَ) إنْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ (اشْتَرِ) سِلْعَةَ كَذَا بِكَذَا (لِي وَلَك فَ) هِيَ (وَكَالَةٌ) عَلَى الشِّرَاءِ خَاصَّةً فَلَا تَتَعَدَّاهُ إلَى الْبَيْعِ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ الْخَاصَّةَ لَا يَتَعَدَّى الْوَكِيلُ فِيهَا لِغَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْبِسَاطِيِّ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ لَفْظِيَّةٌ وَهُوَ الْفَاءُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهَا قَالَ تت (وَ) إنْ قَالَ اشْتَرِ لِي وَلَك (جَازَ) أَنْ يَقُولَ (وَانْقُدْ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ، أَيْ ادْفَعْ ثَمَنَ نَصِيبِي مِمَّا تَشْتَرِيهِ نِيَابَةً (عَنِّي) لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ يَصْنَعُهُ الْمَأْمُورُ مَعَ آمِرِهِ بِتَسْلِيفِهِ وَنِيَابَتِهِ عَنْهُ فِي الشِّرَاءِ (إنْ لَمْ يَقُلْ) الْآمِرُ (وَ) أَنَا (أَبِيعُهَا) أَيْ السِّلْعَةَ الَّتِي تَشْتَرِيهَا لِي وَلَك أَيْ أَتَوَلَّى بَيْعَهَا (لَك) أَيْ نِيَابَةً عَنْك فِي نَصِيبِك، فَإِنْ قَالَهُ امْتَنَعَ لِلسَّلَفِ بِمَنْفَعَةٍ وَهِيَ تَوَلِّي الْآمِرُ بَيْعَ نَصِيبِ الْمَأْمُورِ.
الْبَاجِيَّ فَإِنْ وَقَعَ فَالسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَلْزَمُ الْآمِرَ بَيْعُ نَصِيبِ الْمَأْمُورِ إلَّا تَطَوُّعًا أَوْ بِإِجَازَةٍ صَحِيحَةٍ، وَيَلْزَمُهُ مَا دَفَعَهُ
وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا
إلَّا أَنْ يَقُولَ: وَاحْبِسْهَا، فَكَالرَّهْنِ،
وَإِنْ أَسْلَفَ غَيْرَ الْمُشْتَرِي جَازَ، إلَّا لِكَبَصِيرَةِ الْمُشْتَرِي
[منح الجليل]
الْمَأْمُورُ عَنْهُ نَقْدًا، فَإِنْ كَانَ بَاعَ فَلَهُ جَعْلُ مِثْلِهِ فِي تَوَلِّيهِ بَيْعَ نَصِيبِ الْمَأْمُورِ وَلَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّقْدِ لَأَمْسَكَ الْمَأْمُورُ وَلَا يُنْقَدُ وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي السِّلْعَةِ فَيَبِيعُ كُلٌّ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهَا أَوْ يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ مِنْ بِنَاءٍ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْمَأْمُورِ (حَبْسُهَا) أَيْ مَنْعُ الْآمِرِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي نَصِيبِهِ مِنْ السِّلْعَةِ لِلتَّوَثُّقِ فِيمَا دَفَعَهُ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ نَصِيبِهِ.
الْبِسَاطِيُّ إنْ قُلْت لِلْبَائِعِ حَبَسَهَا حَتَّى يَقْبِضَ فَمَا الْفَرْقُ.
قُلْت الْفَرْقُ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ عِوَضُ الثَّمَنِ، وَالْخَارِجَ مِنْ يَدِ الْمُسَلِّفِ لَيْسَ عِوَضَهُ فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا وَفِي كُلِّ حَالٍ
(إلَّا أَنْ يَقُولَ) الْآمِرُ اشْتَرِ لِي وَلَك وَانْقُدْ عَنِّي (وَاحْبِسْهَا) حَتَّى أَدْفَعَ لَك نَصِيبِي مِنْ ثَمَنِهَا (فَ) يَصِيرُ نَصِيبُ الْآمِرِ مِنْ السِّلْعَةِ (كَالرَّهْنِ) عِنْدَ الْمَأْمُورِ فِيمَا يَدْفَعُهُ عَنْهُ أَيْ إذَا اشْتَرَيْتهَا وَصَارَتْ فِي مِلْكِي صَيَّرْتهَا رَهْنًا عِنْدَك فِيمَا تَدْفَعُهُ عَنِّي فَهُوَ عَقْدُ رَهْنٍ مُعَلَّقٌ عَلَى الْمِلْكِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَالرَّهْنِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى تَلَفِهِ وَعَدَمِهِ، وَلَعَلَّهُ قَالَ كَالرَّهْنِ لِاحْتِيَاطِهِ لِلَفْظٍ صَرِيحٍ مِنْ مَادَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ.
(وَإِنْ أَسْلَفَ غَيْرَ الْمُشْتَرِي) أَيْ الْآمِرُ الْمُشْتَرِي ثَمَنَ نَصِيبِهِ مِمَّا يَشْتَرِيهِ لَهُمَا، بِأَنْ قَالَ لَهُ خُذْ هَذَيْنِ الدِّينَارَيْنِ اشْتَرِ بِهِمَا سِلْعَةَ كَذَا لِي وَلَك وَانْقُدْهُمَا عَنِّي وَعَنْك، وَتَرُدَّ لِي عِوَضَ مَا تَدْفَعُهُ عَنْك إذَا تَيَسَّرَتْ (جَازَ) إسْلَافُ الْآمِرِ الْمَأْمُورَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا) إذَا كَانَ دَفْعُ الْآمِرِ عَنْ الْمَأْمُورِ (لِكَبَصِيرَةِ) أَيْ خِبْرَةِ وَمَعْرِفَةِ (الْمُشْتَرِي) بِالشِّرَاءِ أَوْ جَاهِهِ أَوْ حَظِّهِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا.
وَفِي الْبَيَانِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إذَا صَحَّتْ النِّيَّةُ وَمَنْعُهُ إذَا قَصَدَ نَفْعَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ حَيْثُ لَا نِيَّةَ.
فِي الْعُتْبِيَّةِ سَحْنُونٌ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ دَعَا أَخَاهُ إلَى أَنْ أَسُلَفَهُ ذَهَبًا وَيُخْرِجُ مِثْلَهُ وَيُشَارِكُهُ بِهِ وَيَتَّجِرَانِ جَمِيعًا بِهِمَا فِي مَوْضِعِهِمَا أَوْ يُسَافِرَانِ فِي ذَلِكَ، قَالَ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ مِنْهُ لِأَخِيهِ وَلَا
وَأُجْبِرَ عَلَيْهَا، إنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِسُوقِهِ، لَا لِكَسَفَرٍ وَقِنْيَةٍ، وَغَيْرُهُ حَاضِرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْ تُجَّارِهِ
[منح الجليل]
حَاجَةَ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ إلَّا الرِّفْقُ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي بَصِيرَةٍ فِي الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ وَإِنْقَاذِ التِّجَارَةِ وَتَعْلِيمِهِ وَنَحْوِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " بَعْدَ هَذَا الْأَخِيرِ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَتَفْصِيلُهُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ إلَّا الرِّفْقُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِارْتِفَاعِهِ بِمُشَارَكَتِهِ إيَّاهُ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كَانَ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا» ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إذَا قَصَدَ بِهِ نَفْعَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مِنْهُمَا فَرَأَى الْإِمَامُ مَرَّةً النِّيَّةَ فِيهِ مُحْتَمَلَةً فَسَأَلَ عَنْهَا وَصَدَّقَهُ فِيهَا وَمَرَّةً رَآهَا بَعِيدَةً، وَإِلَّا ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ قَصَدَ نَفْعَ نَفْسِهِ بِدَلِيلِ سُؤَالِهِ إيَّاهُ الشَّرِكَةَ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الشَّرِيكُ هُوَ الَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يُسَلِّفَهُ وَيُشَارِكَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَسْأَلَ فِي ذَلِكَ نِيَّتَهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يُؤْمَرُ بِهِ ابْتِدَاءً وَيُنْهَى عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ وَادَّعَى أَنَّهُ قَصَدَ نَفْعَ نَفْسِهِ لِيَأْخُذَ سَلَفَهُ مُعَجَّلًا، إنْ كَانَ أَجَلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ عَرْضًا وَفَاتَ، فَعَلَى الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ ابْتِدَاءً لَا يُصَدَّقُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَيُنْهَى عَنْهُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ بِيَمِينِهِ وَيَأْخُذُ سَلَفَهُ مُعَجَّلًا اهـ. أَفَادَهُ الْحَطّ، وَانْظُرْ الْحُكْمَ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَمَلِ.
(وَأُجْبِرَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ الْمُشْتَرِي (عَلَيْهَا) أَيْ شَرِكَةٍ غَيْرُهُ مَعَهُ فِيمَا اشْتَرَاهُ (إنْ اشْتَرَى) الْمُشْتَرِي الَّذِي تَضَمَّنَهُ اشْتَرَى (شَيْئًا) طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَخَصَّهُ أَشْهَبُ بِالطَّعَامِ بِشَرْطِ كَوْنِ الشِّرَاءِ (بِسُوقِهِ) أَيْ الشَّيْءِ الْمُشْتَرَى بِالْفَتْحِ، وَكَوْنِ شِرَائِهِ لِلتِّجَارَةِ بِهِ فِي بَلَدِ الشِّرَاءِ (لَا) إنْ اشْتَرَاهُ (لِكَسَفَرٍ) بِهِ لِلتِّجَارَةِ بِبَلَدٍ آخَرَ (وَ) لَا إنْ اشْتَرَاهُ (لِقِنْيَةٍ) أَوْ عَاقِبَةٍ أَوْ مَهْرٍ أَوْ فِدَاءِ أَسِيرٍ، وَإِذَا نُوزِعَ فِي نِيَّتِهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ بِقَرِينَةٍ كَكَثْرَةِ مَا اشْتَرَاهُ جِدًّا وَمِنْ الشُّرُوطِ شِرَاؤُهُ (وَغَيْرُهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي وَاوُهُ لِلْحَالِ (حَاضِرٌ) الشِّرَاءَ (لَمْ يَتَكَلَّمْ) حَالَ كَوْنِهِ (مِنْ
لَا بِبَيْتِهِ وَهَلْ وَفِي الزُّقَاقِ لَا كَبَيْتِهِ؟ قَوْلَانِ.
وَجَازَتْ بِالْعَمَلِ، إنْ اتَّحَدَ، أَوْ تَلَازَمَ،
[منح الجليل]
تُجَّارِهِ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَشَدِّ الْجِيمِ جَمْعِ تَاجِرٍ، أَيْ الشَّيْءِ الْمُشْتَرَى.
فَلَوْ غَابَ غَيْرُهُ حِينَ شِرَائِهِ أَوْ حَضَرَ وَزَادَ فِي السَّوْمِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ تُجَّارِهِ فَلَا يُجْبَرُ.
الْحَطّ بَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يُبَيِّنَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ بَيَّنَ ذَلِكَ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَشْرِيكِ غَيْرِهِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ تَبْيِينُهُ لِتُجَّارِ السِّلْعَةِ الَّذِينَ أَرَادُوا مُشَارَكَتَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ مُتَوَلِّي الشِّرَاءِ أَنَّهُ لَا يُشَارِكُ أَحَدًا مِنْهُمْ وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ زَادَ، فَإِذَا بَيَّنَ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ حَضَرَ دُخُولُهُ مَعَهُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ أَنَّهُمْ لَوْ تَكَلَّمُوا حِينَ الشِّرَاءِ وَقَالُوا أَشْرَكْنَا فَقَالَ نَعَمْ أَوْ سَكَتَ لِجَبْرٍ بِالْأُولَى، وَلَهُ جَبْرُهُمْ عَلَى مُشَارَكَتِهِ إنْ امْتَنَعُوا مِنْهَا لِظُهُورِ خَسَارَةٍ، وَلَوْ قَالَ لَا لَا يُجْبَرُ لَهُمْ وَلَا يُجْبَرُونَ لَهُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ اشْتَرَى أَنَّهُمْ لَوْ حَضَرُوا السَّوْمَ فَقَطْ وَاشْتَرَى بَعْدَ ذَهَابِهِمْ فَلَا يُجْبَرُ وَلَوْ قَالُوا لَهُ أَشْرِكْنَا وَلَكِنَّهُ يَحْلِفُ مَا اشْتَرَى لَهُ وَلَهُمْ وَلَوْ أَرَادَهُ هُوَ لَزِمَهُمْ لِسُؤَالِهِمْ، كَذَا فِي التَّوْضِيحِ.
وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ بِسُوقِهِ فَقَالَ (لَا) يُجْبَرُ عَلَيْهَا إنْ اشْتَرَاهَا (بِبَيْتِهِ) أَيْ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعِ أَوْ مَجْلِسِهِ أَوْ حَانُوتِهِ بِغَيْرِ سُوقِهِمَا اتِّفَاقًا قَالَهُ فِي الْبَيَانِ (وَهَلْ) يُجْبَرُ إنْ اشْتَرَى بِسُوقِهِ (وَفِي الزُّقَاقِ) بِزَايٍ وَقَافَيْنِ، أَيْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُعَدٍّ لِلشِّرَاءِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ (لَا) الشِّرَاءُ فِي الزُّقَاقِ (كَ) الشِّرَاءِ فِي (بَيْتِهِ) فِي عَدَمِ الْجَبْرِ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ، الْجَوَابُ (قَوْلَانِ) مُسْتَوِيَانِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ حَكَاهُمَا فِي تَوْضِيحِهِ وَالشَّارِحُ، وَفِي الشَّامِلِ كَذَا فِي النُّسْخَةِ الَّتِي شَرَحَ عَلَيْهَا تت، وَفِي نُسْخَةٍ وَهَلْ وَفِي الزُّقَاقِ لَا كَبَيْتِهِ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْخَرَشِيِّ وعب.
(وَجَازَتْ) الشَّرِكَةُ (بِالْعَمَلِ) اتِّفَاقًا (إنْ اتَّحَدَ) الْعَمَلُ كَخَيَّاطَيْنِ (أَوْ) اخْتَلَفَ و (تَلَازَمَ) بِأَنْ يَلْزَمَ مِنْ رَوَاجِ أَحَدِهِمَا رَوَاجُ الْآخَرِ كَنَسْجٍ وَإِصْلَاحِ غَزْلٍ بِتَهْيِئَتِهِ لِلنَّسْجِ لَا إنْ اخْتَلَفَ وَلَمْ يَتَلَازَمْ، إذْ قَدْ تَرُوجُ صَنْعَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ صَنْعَةِ الْآخَرِ فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا غَلَّةَ
وَتَسَاوَيَا فِيهِ، أَوْ تَقَارَبَا، وَحَصَلَ التَّعَاوُنُ، وَإِنْ بِمَكَانَيْنِ
وَفِي جَوَازِ إخْرَاجِ كُلِّ آلَةٍ
[منح الجليل]
الْآخَرِ بَاطِلًا (وَتَسَاوَيَا) أَيْ الْعَامِلَانِ (فِيهِ) أَيْ الْعَمَلِ بِأَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَلَّةِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ فِي الْمُتَّحَدِ، وَقَدْرِ قِيمَتِهِ فِي الْمُتَلَازِمِ، فَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا الثُّلُثَ وَالْآخَرُ الثُّلُثَيْنِ فَلِلْأَوَّلِ ثُلُثُ الْغَلَّةِ وَلِلثَّانِي ثُلُثَاهَا، فَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ اسْتِوَاءِ الْعَمَلَيْنِ أَوْ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَفِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ بِأَنْ يُقَالَ إنْ لَمْ يَسْتَوِيَا فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ الْغَلَّةِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ جَازَتْ وَإِلَّا فَلَا.
(أَوْ) لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ و (تَقَارَبَا) فِيهِ عُرْفًا كَعَمَلِ أَحَدِهِمَا زِيَادَةً عَنْ النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ يَسِيرًا وَالْآخَرِ النِّصْفَ أَوْ الثُّلُثَيْنِ، فَإِنْ احْتَاجَا مَعَ الصَّنْعَةِ لِمَالٍ أَخْرَجَ كُلٌّ بِقَدْرِ عَمَلِهِ (وَ) إنْ (حَصَلَ التَّعَاوُنُ) مِنْهُمَا فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فَلَا تَجُوزُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ عَنْ صَيَّادِينَ مَعَهُمْ شِبَاكٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَتَعَاوَنُ وَمَا أَصَبْنَا بَيْنَنَا فَنَصَبَ أَحَدُهُمْ شَبَكَتَهُ فَأَخَذَ صَيْدًا وَأَبَى أَنْ يُعْطِيَ الْآخَرِينَ فَقَالَ ذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مِمَّا أَصَابَ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ لَا تَحِلُّ.
ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ لَا تَجُوزُ إلَّا فِيمَا يَحْتَاجُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ إلَى التَّعَاوُنِ لِأَنَّهُمْ مَتَى اشْتَرَكُوا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ كُلٌّ عَلَى حِدَتِهِ كَانَ مِنْ الْغَرَرِ الْبَيِّنِ، وَتَصِحُّ بِاسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ إنْ كَانَ بِمَكَانٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَا (بِمَكَانَيْنِ) إنْ اتَّحَدَتْ الصَّنْعَةُ كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ.
وَشَرَطَ فِي الْمُدَوَّنَةِ اتِّحَادَ صَنْعَتِهِمَا وَمَكَانِهِمَا، وَعَلَيْهِ دَرَجَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
ابْنُ نَاجِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مَا بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ خِلَافٌ، وَهُوَ رَأْيُ اللَّخْمِيِّ أَوْ وِفَاقٌ بِحَمْلِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا بِسُوقٍ وَاحِدٍ أَوْ سُوقَيْنِ نَفَاقُهُمَا وَاحِدٌ وَتَجُولُ أَيْدِيهِمَا بِعَمَلِهِمَا أَوْ يَجْتَمِعَانِ بِمَكَانٍ لِأَخْذِ الْمَصْنُوعَاتِ، ثُمَّ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْضَهَا يَذْهَبُ بِهَا لِحَانُوتِهِ بِعَمَلِهِ فِيهِ لِرِفْقِهِ بِهِ لِسَعَتِهِ أَوْ قُرْبِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
(وَفِي جَوَازِ إخْرَاجِ كُلِّ) مِنْ شَرِيكَيْ الْعَمَلِ (آلَةٍ) لَهَا قَدْرٌ كَآلَةِ النِّجَارَةِ وَالصِّيَاغَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مُخْرِجِهَا ذَاتًا وَمَنْفَعَةً، هَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاكِهِمَا فِيهَا بِمِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، وَتَأَوَّلَهَا بَعْضٌ آخَرُ عَلَيْهِ تَأْوِيلَانِ وَقَوْلَانِ.
وَاسْتِئْجَارِهِ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ؟ تَأْوِيلَانِ:
[منح الجليل]
وَ) فِي جَوَازِ (اسْتِئْجَارِهِ) لِلْآلَةِ الْمَمْلُوكَةِ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَيْ اسْتِئْجَارِ غَيْرِ الْمَالِكِ (مِنْ) الشَّرِيكِ (الْآخَرِ) الْمَالِكِ الْآلَةَ قَدْرُ نَصِيبِهِ مِنْهَا عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ هَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (أَوْ لَا بُدَّ) فِي صِحَّةِ الشَّرِكَةِ فِي الْعَمَلِ الْمُحْتَاجِ لِآلَةٍ لَهَا بَالٌ (مِنْ) اشْتِرَاكِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْآلَةِ ب (مِلْكٍ) لَهُمَا (أَوْ) ب (كِرَاءٍ) لَهَا مِنْ غَيْرِهِمَا، وَهَذَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، وَتُؤُوِّلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِ أَيْضًا (تَأْوِيلَانِ) وَقَوْلَانِ فَقَدْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ تَأْوِيلَانِ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا عَلَيْهِ.
الْحَطّ ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَسْأَلَتَيْنِ، أُولَاهُمَا هَلْ يَكْفِي فِي الشَّرِكَةِ أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ مِنْهُمَا آلَةً مُسَاوِيَةً لِآلَةِ الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَتُؤُوِّلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِ أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْآلَةِ بِمِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ وَلَوْ بِأَنْ يَكْتَرِيَ مِنْ شَرِيكِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، بَلْ صَرِيحُهَا كَمَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الرَّحَى وَالْبَيْتِ وَالدَّابَّةِ لَكِنَّهُ قَالَ فِيهَا إنْ وَقَعَ مَضَى وَصَحَّتْ الشَّرِكَةُ.
الثَّانِيَةُ: هَلْ يَكْفِي فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الْآلَةِ كَوْنُهَا لِأَحَدِهِمَا وَاسْتِئْجَارُ الْآخَرِ نِصْفَهَا مِنْهُ.
عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ هُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْمِلْكِ أَوْ الْكِرَاءِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قُلْت كَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي تَطَوُّعِ أَحَدِهِمَا بِكَثِيرِ الْآلَةِ، وَمَسْأَلَةُ الْبَيْتِ وَالرَّحَى صَرِيحٌ فِي الْأَوَّلِ، فَفِي تَسْوِيَةِ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ فِي هَذِهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
طفي قَوْلُهُ وَفِي جَوَازِ إخْرَاجِ كُلِّ آلَةٍ تُسَاوِي آلَةَ صَاحِبِهِ وَسَكَتَا عَنْ الْكِرَاءِ، هَذِهِ ذَاتُ التَّأْوِيلَيْنِ مَذْهَبُ سَحْنُونٍ الْجَوَازُ، وَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ الْمُدَوَّنَةَ فِي مَسْأَلَةِ الثَّلَاثَةِ لِأَحَدِهِمْ الْبَيْتُ وَلِلْآخَرِ الدَّابَّةُ وَلِلْآخَرِ الرَّحَى قَائِلًا إنَّمَا يُمْنَعُ إذَا كَانَ كِرَاءُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَخْتَلِفُ، وَقَالَ عِيَاضٌ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ، وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ الثَّلَاثَةِ ظَاهِرُ هَذَا، أَنَّ مَذْهَبَ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ إذَا كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ، وَصَرَّحَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ مَضَى، هَذَا تَحْصِيلُ مَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ.
فَقَوْلُ تت تَأْوِيلَانِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَقَوْلَانِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، إذْ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ إلَّا مَا فَهِمَهُ عِيَاضٌ مِنْ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَبُو الْحَسَنِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَاسْتِئْجَارُهُ مِنْ الْآخَرِ فَقَرَّرَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّ الْآلَةَ لِأَحَدِهِمَا وَأَجْرَ نِصْفِهَا لِصَاحِبِهِ وَتَبِعَهُ تت وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْمُصَنِّفِ فِي تَوْضِيحِهِ قَائِلًا، قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْجَوَازُ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ عِيَاضًا لَمْ يَقُلْ هَذَا فِي تَصْوِيرِهِ وَإِنَّمَا قَالَهُ فِيمَا إذَا أَخْرَجَ كُلٌّ آلَةً وَآجَرَ نِصْفَ آلَةِ صَاحِبِهِ بِنِصْفِ آلَتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَأْوِيلَيْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا فِي الْمُقَدِّمَةِ.
وَنَصُّهُ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُؤَاجِرَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ آلَةِ صَاحِبِهِ بِنِصْفِ آلَتِهِ هُوَ وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، ظَاهِرُ الْكِتَابِ الْجَوَازُ.
وَلِابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ الْمَنْعُ إلَّا بِالتَّسَاوِي فِي الْمِلْكِ وَالْكِرَاءِ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ إكْرَاءً وَاسْتَوَيَتَا فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى وَأَجَازَهُ سَحْنُونٌ، وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ.
اهـ. وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَبُو الْحَسَنِ، فَظَهَرَ أَنَّ كَلَامَهُ اشْتَمَلَ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ آلَةً مُسَاوِيَةً لِآلَةِ صَاحِبِهِ بِنِصْفِ آلَتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَأْوِيلَيْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا الْجَوَازَ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالْمَنْعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ.
الثَّانِيَةِ: أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ آلَةً مُسَاوِيَةً لِآلَةِ صَاحِبِهِ وَيَسْكُتَا عَنْ الْكِرَاءِ وَهِيَ ذَاتُ التَّأْوِيلَيْنِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ نِسْبَةِ الْمُصَنِّفِ لِعِيَاضٍ، ظَاهِرُ الْكِتَابِ الْجَوَازُ فِي تَصْوِيرِهِ، وَجَعَلَ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ وَتَبِعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ نَقَلَ الْحَطَّابُ كَلَامَهُ وَقِبَلَهُ تَقْلِيدًا وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَذَكَرَ التَّأْوِيلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقَالَ تت تَأْوِيلَانِ وَقَوْلَانِ فِي هَذَا أَيْضًا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَلِكَ كُلُّهُ، وَعَلَى فَرْضِ عِيَاضٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ بِالْمَنْعِ، وَظَاهِرُ الْكِتَابِ بِالْجَوَازِ.
فَإِنْ قُلْت مَا الْحُكْمُ فِيمَا فَرَضُوهُ، قُلْت صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِجَوَازِهِ، فَفِيهَا وَأَمَّا إنْ تَطَاوَلَ أَحَدُهُمَا بِأَدَاةٍ لَا يُلْغَى مِثْلُهَا لِكَثْرَتِهَا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَشْتَرِكَا فِي مِلْكِهَا أَوْ يَكْتَرِي مِنْ الْآخَرِ نِصْفَهَا اهـ. وَلَا شَكَّ فِي مَنْعِهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْمِلْكِ أَوْ الْكِرَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِالْخِلَافِ فِيهَا وَأَنَّ جَوَازَهَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ
وَصَائِدَيْنِ فِي الْبَازَيْنِ.
وَهَلْ وَإِنْ افْتَرَقَا؟
[منح الجليل]
وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْقَوْلُ بِمَنْعِهَا لِلْعُتْبِيَّةِ فَهِيَ ذَاتُ خِلَافٍ أَيْضًا، وَإِنَّمَا نَقَمْنَا عَلَى الْمُصَنِّفِ نِسْبَتَهُمَا لِعِيَاضٍ وَذَكَرَ التَّأْوِيلَيْنِ فِيهَا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ فِيهَا جَوَازُهَا، وَقَدْ اعْتَرَضَ الْحَطّ عَلَى الْمُصَنِّفِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَهَا كَمَا فَرَضُوا قَائِلًا كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ تَطَوُّعِ أَحَدِهِمَا بِكَثِيرِ الْآلَةِ، وَفِي مَسْأَلَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالرَّحَى صَرِيحٌ فِي جَوَازِهَا فَفِي تَسْوِيَةِ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذِهِ نَظَرٌ اهـ. إلَّا أَنَّهُ سَلَّمَ التَّأْوِيلَيْنِ تَقْلِيدًا لِلْمُصَنِّفِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُمَا غَيْرُ مُسَلَّمَيْنِ فِيهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَشُدَّ يَدَك عَلَيْهِ، فَلَعَلَّك لَا تَجِدُ تَحْقِيقَهُ فِي غَيْرِ هَذَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُ عِيَاضٍ وَاخْتَلَفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ إلَخْ، يُحْتَمَلُ رُجُوعُهُ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ مَعًا تَكُونُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَأْوِيلَانِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَاسْتِئْجَارُهُ مِنْ الْآخَرِ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا، أَيْ وَاسْتِئْجَارُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ إلَخْ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الِاعْتِرَاضُ فِي الْمَتْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا فِيمَا يَحْتَاجُ لِآلَةٍ لَهَا قِيمَةٌ، وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى آلَةٍ أَوْ يَحْتَاجُ إلَى آلَةٍ لَا قَدْرَ لَهَا كَالْخَيَّاطَةِ، فَلَا كَلَامَ فِيهِ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ قَالَهُ الْحَطّ.
وَمَثَّلَ لِشَرِيكَيْ الْعَمَلِ فَقَالَ كَطَبِيبَيْنِ اتَّحَدَ طِبُّهُمَا كَكَحَّالَيْنِ أَوْ تَلَازَمَ (اشْتَرَكَا) أَيْ الطَّبِيبَانِ (فِي الدَّوَاءِ) بِشِرَاءٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ أَحَدُهُمَا يَعْمَلُ وَيَشْتَرِي الْآخَرُ، فَإِنْ اخْتَلَفَ طِبُّهُمَا وَلَمْ يَتَلَازَمْ فَلَا تَصِحُّ شَرِكَتُهُمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ
(وَ) كَصَائِدَيْنِ اشْتَرَكَا (فِي) مِلْكِ أَوْ كِرَاءِ (الْبَازَيْنِ) أَوْ الْكَلْبَيْنِ أَوْ أَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا جَارِحًا وَاسْتَأْجَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفَ جَارِحِ صَاحِبِهِ بِنِصْفِ جَارِحِهِ أَوْ سَكَتَا أَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا جَارِحًا وَأَكْرَى نِصْفَهُ لِلْآخَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وِفَاقًا وَخِلَافًا إذَا كَانَ طَلَبُهُمَا وَأَخْذُهُمَا وَاحِدًا لَا يَفْتَرِقَانِ كَمَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَهَلْ) يَجُوزُ اشْتِرَاكُهُمَا إنْ اشْتَرَكَا فِي الْجَارِحَيْنِ بِمُلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ مِنْ غَيْرِهِمَا (إنْ
رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا
[منح الجليل]
افْتَرَقَا) أَيْ الصَّائِدَانِ فِي الْمَكَانِ أَوْ الِاصْطِيَادِ أَوْ لَا يَجُوزُ (رُوِيَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمُدَوَّنَةُ (عَلَيْهِمَا) أَيْ الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ إنْ افْتَرَقَا.
الْبُنَانِيُّ لَفْظُهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَصِيدَا بِبَازَيْهِمَا أَوْ كَلْبَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَمْلِكَا رِقَابَهُمَا أَوْ يَكُونَ الْكَلْبَانِ أَوْ الْبَازَانِ طَلَبُهُمَا وَاحِدًا لَا يَفْتَرِقَانِ فَجَائِزٌ.
عِيَاضٌ رُوِيَتْ بِالْوَاوِ وَبِأَوْ وَعَزَا الرِّوَايَةَ بِأَوْ لِأَكْثَرِ النُّسَخِ وَلِرِوَايَتِهِ عَنْ شُيُوخِهِ.
" ق " عَلَى مَعْنَى أَوْ حَمَلَهَا.
ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ عَتَّابٍ وَاللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ فَالظَّاهِرُ وَهَلْ إنْ اتَّفَقَا فِي الْمِلْكِ وَالطَّلَبِ أَوْ أَحَدُهُمَا كَافٍ اُنْظُرْ الْحَطّ، وَنَصُّهُ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي شَرِكَةِ الصَّائِدَيْنِ مِنْ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْبَازَيْنِ، ثُمَّ هَلْ يَجُوزُ وَإِنْ افْتَرَقَا أَوْ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ رُوِيَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ يَتَبَادَرُ هَذَا الْفَهْمُ مِنْ كَلَامِ التَّنْبِيهَاتِ لَكِنْ إذَا تَأَمَّلْته وَجَدْته يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا رُوِيَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْبَازَيْنِ وَأَنْ لَا يَفْتَرِقَا بِأَنْ يَكُونَ طَلَبُهُمَا وَاحِدًا، وَالثَّانِي أَنَّ الشَّرْطَ أَحَدُ شَيْئَيْنِ إمَّا أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْبَازَيْنِ فَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ وَإِنْ افْتَرَقَا أَوْ يَجْتَمِعَا فِي الطَّلَبِ فَتَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكَا فِي رِقَابِ الْبَازَيْنِ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَصِيدَا بِبَازَيْهِمَا أَوْ كَلْبَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَمْلِكَا رِقَابَهُمَا أَوْ يَكُونَ الْبَازَانِ أَوْ الْكَلْبَانِ طَلَبُهُمَا وَأَخْذُهُمَا وَاحِدٌ لَا يَفْتَرِقَانِ.
عِيَاضٌ كَذَا فِي رِوَايَتِي عَنْ شُيُوخِي، يَعْنِي بِأَوْ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَيَكُونُ الْبَازَانِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَفْتَرِقُ الصَّائِدَانِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِيهِمَا كَالصَّانِعَيْنِ وَنَحْوِهِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَوْ فَاسْتَدَلَّ مِنْهُ الْأَشْيَاخُ عَلَى أَنَّ الِاشْتِرَاكَ إذَا حَصَلَ بَيْنَهُمَا فَلَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُهَا وَيَجُوزُ الْإِفْرَاقُ، وَيُسْتَدَلُّ مِنْهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ التَّسَاوِي فِي الْآلَةِ يَجُوزُ مَعَ الِاشْتِرَاكِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكَا فِيهَا.
اهـ. فَآخِرُ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ كَافٍ.
وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا كَافٍ فَقَالَ وَإِنْ كَانَتْ الْبُزَاةُ أَوْ الْكِلَابُ مُشْتَرَكَةً جَازَ وَإِنْ افْتَرَقَا فِي الِاصْطِيَادِ.
وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكَا فِي الْبُزَاةِ وَالْكِلَابِ جَازَتْ الشَّرِكَةُ إنْ كَانَ الصَّيْدُ بِهِمَا مَعًا يَتَعَاوَنَانِ وَلَا يَفْتَرِقَانِ، فَيَكُونُ مَضْمُونُ الشَّرِكَةِ عَمَلًا بِعَمَلٍ وَلَا يَجُوزُ إذَا افْتَرَقَا اهـ.
فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَصَائِدَيْنِ وَهَلْ إنْ اشْتَرَكَا فِي الْبَازَيْنِ وَلَمْ يَفْتَرِقَا أَوْ أَحَدُهُمَا كَافٍ
وَحَافِرَيْنِ بِكَرِكَازٍ، وَمَعْدِنٍ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ بَقِيَّتَهُ، وَأَقْطَعَهُ الْإِمَامُ، وَقُيِّدَ بِمَا لَمْ يَبْدُ
[منح الجليل]
رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا لَكَانَ مُوفِيًا بِالرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَى رِوَايَةٍ أَوْ اخْتَصَرَهَا.
ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ قَوْلًا كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
التُّونُسِيُّ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَازٌ وَلِلْآخَرِ كَلْبٌ وَكَانَا يَتَعَاوَنَانِ فِي الصَّيْدِ فَيَجُوزُ.
(وَ) كَ (حَافِرَيْنِ) اشْتَرَكَا (بِ) حَفْرٍ عَلَى كَ (رِكَازٍ) أَيْ مَدْفُونٍ جَاهِلِيٍّ (وَمَعْدِنٍ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَبِئْرٍ وَعَيْنٍ وَقَبْرٍ إنْ اتَّحَدَ الْمَوْضِعُ: الْمُتَيْطِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ هَذَا فِي غَارٍ مِنْ مَعْدِنٍ، وَهَذَا فِي غَارٍ سِوَاهُ (وَ) إنْ أَذِنَ الْإِمَامُ لِشَخْصٍ فِي الْعَمَلِ فِي مَعْدِنٍ وَأَخَذَ خَارِجَهُ لِنَفْسِهِ وَمَاتَ الْمَأْذُونُ لَهُ قَبْلَ تَمَامِهِ (لَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ) أَيْ الْمَأْذُونِ لَهُ (بَقِيَّتَهُ) أَيْ الْمَعْدِنِ (وَ) رَجَعَ حُكْمُهُ لِلْإِمَامِ فَ (أَقْطَعَهُ) أَيْ أَعْطَى الْمَعْدِنَ (الْإِمَامُ) لِمَنْ شَاءَ مِنْ وَارِثِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَقُيِّدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، أَيْ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ وَارِثِهِ بَقِيَّةَ الْمَعْدِنِ (بِمَا) إذَا (لَمْ يَبْدُ) أَيْ يَظْهَرُ النَّيْلُ بِعَمَلِ مُوَرِّثِهِ أَوْ يُقَارِبُ الْبُدُوَّ، فَإِنْ بَدَا أَوْ قَارَبَ بُدُوَّهُ بِعَمَلِهِ وَلَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا أَوْ أَخَرَجَ بَعْضَهُ وَإِنْ زَادَ الْعُرْفُ عَلَى مُقَابِلِ عَمَلِهِ فِيمَا يَظْهَرُ اسْتَحَقَّ وَارِثُهُ بَقِيَّتَهُ إلَى أَنْ يَفْرُغَ النَّيْلُ الَّذِي بَدَا أَوْ قَارَبَ، وَإِنْ مَاتَ مُوَرِّثُهُ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ كُلَّهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ وَارِثُهُ بَقِيَّةَ الْعَمَلِ.
الْحَطّ وَالْمُقَيِّدُ بِذَلِكَ الْقَابِسِيُّ، وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ يُونُسَ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَعْدَ إدْرَاكِهِ النَّيْلَ فَلَا يُوَرَّثُ حَظُّهُ مِنْ الْمَعْدِنِ، وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْطَعَهُ لِمَنْ يَرَى وَيَنْظُرَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ اهـ. فِي النُّكَتِ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ عَنْ الْقَابِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَدْرَكَا نَيْلًا أَنَّهُمَا أَخْرَجَاهُ وَاقْتَسَمَاهُ فَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ التَّمَادِي عَلَى الْعَمَلِ فِي الْمَعْدِنِ إلَّا بِإِقْطَاعٍ مِنْ الْإِمَامِ لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يُخْرِجَا شَيْئًا اهـ، فَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَسْتَحِقُّ وَارِثُهُ بَقِيَّتَهُ يُرِيدُ بِهِ فِي الْأَنْيَالِ الَّتِي لَمْ تَبْدُ.
وَأَمَّا النَّيْلُ الَّذِي بَدَا وَعَمَلَ فِيهِ أَوْ قَارَبَ أَنْ يَبْدُو فَلِوَرَثَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ لَفْظُ
وَلَزِمَهُ مَا يَقْبَلُهُ صَاحِبُهُ وَضَمَانُهُ وَإِنْ تَفَاصَلَا
[منح الجليل]
التَّهْذِيبِ قُلْت فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَعْدَ إدْرَاكِهِ النَّيْلَ قَالَ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمَعَادِنِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِأَنَّهَا إذَا مَاتَ صَاحِبُهَا الَّذِي عَمِلَهَا أَقْطَعَهَا الْإِمَامُ غَيْرَهُ فَأَرَى الْمَعَادِنَ لَا تُورَثُ اهـ. عِيَاضٌ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ إذْ لَمْ يُجِبْ عَنْ مَسْأَلَتِهِ، وَإِنَّمَا أَجَابَ عَنْ حُكْمِ الْمَعْدِنِ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنْ أَدْرَكَ النَّيْلَ كَانَ لِوَرَثَتِهِ اهـ. طفي وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهَا مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَعْدَ إدْرَاكِهِ النَّيْلَ يُنَافِي الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ، حَمَلَهُ الْقَابِسِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُدْرَكَ أَخْرَجَاهُ وَاقْتَسَمَاهُ فَلَوْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ مَا صَحَّ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ.
(وَ) إنْ اُسْتُؤْجِرَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْعَمَلِ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ فِي غَيْبَةِ شَرِيكِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ الشَّرِيكَ الَّذِي كَانَ غَائِبًا حِينَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ الْعَمَلُ فِي (مَا يَقْبَلُهُ) أَيْ يَسْتَأْجِرُ عَلَى عَمَلِهِ صَاحِبَهُ، أَيْ شَرِيكَهُ فِي الْعَمَلِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا عَقْدُهُمَا مَعًا (وَ) لَزِمَهُ أَيْضًا (ضَمَانُهُ) أَيْ مَا يَقْبَلُهُ (صَاحِبُهُ) إنْ اسْتَمَرَّا عَلَى الشَّرِكَةِ، بَلْ وَلَوْ (تَفَاصَلَا) مِنْ الشَّرِكَةِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَا يَقْبَلُهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلصَّنْعَةِ لَزِمَ الْآخَرَ عَمَلُهُ وَضَمَانُهُ فَيُؤْخَذُ بِهِ وَإِنْ افْتَرَقَا.
اللَّخْمِيُّ إنْ عَقَدَ الشَّرِيكَانِ الْإِجَارَةَ عَلَى عَمَلٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ مَرِضَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَاتَ فَعَلَى الْآخَرِ أَنْ يُوَفِّيَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ أَوْ عَلَى أَعْيَانِهِمَا لِأَنَّهُمَا عَلَى ذَلِكَ اشْتَرَكَا.
أَحْمَدُ بَابَا إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَلِفَ قَبْلَ الْمَقَالَةِ فَالْمُبَالَغَةُ ضَائِعَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَلِفَ بَعْدَهَا فَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِمَّنْ هَلَكَ بِيَدِهِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَلَفُهُ بَعْدَهَا وَضَمِنَاهُ كَضَمَانِ الْوَصِيَّيْنِ إذَا اقْتَسَمَا الْمَالَ وَضَاعَ مَا عِنْدَ أَحَدِهِمَا فَضَمَانُهُ عَلَيْهِمَا لِتَعَدِّي وَاضِعِ الْيَدِ بِاسْتِقْلَالِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وَالْآخَرِ بِرَفْعِ يَدِهِ عَنْهُ.
اهـ. وَقَرَّرَهُ الْحَطّ بِتَلَفِهِ قَبْلَهَا وَتَأَخُّرِ الطَّلَبِ بِهِ بَعْدَهَا، وَنَصُّهُ يَعْنِي أَنَّ أَحَدَ شَرِيكَيْ الْعَمَلِ إذَا قَبِلَ شَيْئًا لِيَعْمَلَا فِيهِ لَزِمَ شَرِيكَهُ الْآخَرَ أَنْ يَعْمَلَهُ مَعَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْقِدَا مَعًا، وَيَلْزَمُ أَحَدَهُمَا الضَّمَانُ فِيمَا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ وَإِنْ افْتَرَقَا، كَمَا إذَا أَخَذَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا لِيَعْمَلَا فِيهِ فَتَلِفَ ثُمَّ تَفَارَقَا فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَطْلُبُ بِهِ الَّذِي دَفَعَهُ لَهُ، فَإِنَّ ضَمَانَهُ عَلَيْهِمَا مَعًا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَا يَقْبَلُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إلَى آخَرِ مَا تَقَدَّمَ.
الْبُنَانِيُّ فَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ الْمُدَوَّنَةَ فِي الْمُبَالَغَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وَغَيْبَتُهُمَا، لَا إنْ كَثُرَ
[منح الجليل]
وَأُلْغِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا يُعْتَبَرُ (مَرَضُ) أَحَدِ شَرِيكَيْ الْعَمَلِ (كَيَوْمَيْنِ وَ) أُلْغِيَتْ (غَيْبَتُهُمَا) أَيْ الْيَوْمَيْنِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْهُمَا فَمَا عَمَلَهُ أَحَدُهُمَا فِي مُدَّةِ مَرَضِ الْآخَرِ أَوْ غَيْبَتِهِ فَأُجْرَتُهُ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا (لَا) يُلْغَى مَرَضُ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْبَتُهُ (إنْ كَثُرَ) أَيْ طَالَ زَمَنُ الْمَرَضِ أَوْ الْغَيْبَةِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا مَرِضَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الصَّنْعَةِ أَوْ غَابَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَعَمِلَ صَاحِبُهُ فَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جَائِزٌ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَطَالَ، فَإِنَّ الْعَامِلَ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ لِصَاحِبِهِ نِصْفَ مَا عَمِلَ جَازَ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَعْقِدَا فِي أَصْلِ الشَّرِكَةِ أَنَّ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمَا أَوْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَمَا عَمِلَ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ قَوْلُهُ كَيَوْمَيْنِ يُفِيدُ أَنَّ مَا قَارَبَهُمَا لَهُ حُكْمُهُمَا، وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْيَوْمَيْنِ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهَا فِي الشِّقِّ الثَّانِي إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَطَالَ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، وَكَأَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى الْعُرْفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ فِي الرَّدِّ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مَا بَاعَهُ الْآخَرُ فِي غَيْبَةِ الْبَائِعِ أَنَّ الْقَرِيبَ الثَّلَاثَةُ وَالْبَعِيدَ الْعَشَرَةُ، وَأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا يَلْحَقُ بِمَا قَارَبَهُ اهـ، وَيَنْبَغِي مِثْلُهُ فِيمَا يُشْبِهُهُ مِنْ الْأَبْوَابِ.
الثَّانِي: ضَمِيرُ غَيْبَتِهِمَا رَاجِعٌ إلَى الْيَوْمَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ.
الثَّالِثُ: هَلْ يُلْغَى مِنْ الْكَثِيرَةِ يَوْمَانِ.
الْبِسَاطِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُلْغَى مِنْهَا شَيْءٌ.
الْحَطّ يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ.
الرَّابِعُ: عُلِمَ مِنْ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ مَرِضَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَاتَ أَنَّ الْمَوْتَ كَالْغَيْبَةِ وَالْمَرَضِ، عَلَيْهِ فَيَنْغِي أَنْ يُقَالَ إنْ عَمِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ يَوْمَيْنِ أُلْغِيَ وَإِنْ كَثُرَ فَلَا يُلْغَى.
الْخَامِسُ: عُلِمَ مِنْ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ مَرِضَ أَحَدُهُمَا إلَخْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَخْذِ الشَّيْءِ الَّذِي يَعْمَلَانِ فِيهِ فِي صِحَّتِهِمَا أَوْ مَرَضِ أَحَدِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
السَّادِسُ: ابْنُ حَبِيبٍ هَذَا فِي شَرِكَةِ الْعَمَلِ، وَأَمَّا فِي شَرِكَةِ الْمَالِ فَلِلَّذِي عَمِلَ نِصْفُ أُجْرَةِ عَمَلِهِ عَلَى شَرِيكِهِ وَالْفَضْلُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمَالَ جَرَّهُ.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ إنْ مَرِضَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ مَالِيَّةٌ بَيْنَهُمَا فَالرِّبْحُ وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ عَمَلِهِ لِأَنَّ سَبَبَ الرِّبْحِ الْمَالُ.
وَأَمَّا الْبَدَنِيَّةُ فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا الْغَالِبُ التَّسَامُحُ فِيهِ فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَلَا شَيْءَ لِلْمُعَافَى عَلَى الْمَؤُوفِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهَلْ يَكُونُ الْمُعَافَى مُتَطَوِّعًا لِلْمَؤُوفِ قَوْلَانِ.
أَشْهَبُ مُتَطَوِّعٌ لَهُ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ مُتَطَوِّعًا لَهُ فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَيَخْتَصُّ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ.
اهـ. وَالْمَؤُوفُ هُوَ الْمَرِيضُ.
السَّابِعُ: اللَّخْمِيُّ إنْ عَقَدَ أَحَدُهَا إجَارَةً بَعْدَ طُولِ الْمَرَضِ أَوْ الْغَيْبَةِ فَذَلِكَ لَهُ وَحْدَهُ لِانْقِطَاعِ الشَّرِكَةِ وَضَمَانِ مَا هَلَكَ إنْ لَمْ تَنْقَطِعْ الشَّرِكَةُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ انْقَطَعَتْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضٍ وَأَقَرَّهُ.
الثَّامِنُ: لَمْ يُفْهَمْ مِنْ قَوْلِهِ لَا إنْ كَثُرَ كَيْفَ يَعْمَلُ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُوهِمُ اخْتِصَاصَ الْعَامِلِ بِأُجْرَةِ مَا عَمِلَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأُجْرَةَ بَيْنَهُمَا وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ عَمَلِهِ.
اللَّخْمِيُّ إنْ عَقَدَ الشَّرِيكَانِ الْإِجَارَةَ عَلَى عَمَلٍ ثُمَّ مَرِضَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَاتَ أَوْ غَابَ فَعَلَى الْآخَرِ أَنْ يُوفِيَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ فِي أَعْيَانِهِمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا عَلَى ذَلِكَ وَلِدُخُولِ مُسْتَأْجَرِهِمَا عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُمَا مُتَضَامِنَانِ فَيَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مَا يَلْزَمُ الْآخَرَ.
وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الصِّحَّةِ ثُمَّ مَرِضَ أَحَدُهُمَا مَرَضًا خَفِيفًا أَوْ طَوِيلًا أَوْ غَابَ أَحَدُهُمَا إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ فَعَلَى الصَّحِيحِ وَالْحَاضِرِ الْقِيَامُ بِجَمِيعِ الْعَمَلِ، وَكَذَا إذَا عَقَدَ الْإِجَارَةَ عَلَى شَيْءٍ فِي أَوَّلِ الْمَرَضِ ثُمَّ بَرَأَ عَنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ، أَوْ فِي سَفَرِ أَحَدِهِمَا إلَى مَكَان قَرِيبٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي أَنَّ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْحَاضِرِ الْقِيَامَ بِجَمِيعِ الْعَمَلِ، هَذَا فِي حَقِّ الَّذِي لَهُ الْعَمَلُ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُسَمَّى الَّذِي عَقَدَ عَلَيْهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَيَفْتَرِقُ الْجَوَابُ فِي رُجُوعِ الَّذِي عَمِلَ عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ خَفِيفًا وَالسَّفَرُ قَرِيبًا فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْعَفْوُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَلَوْلَاهَا لَرَجَعَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ.
إنْ طَالَ الْمَرَضُ أَوْ السَّفَرُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ.
اهـ. وَالْأُجْرَةُ الَّتِي آجَرَا بِهَا بَيْنَهُمَا وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَبِلَهُ وَأَبُو الْحَسَنِ وَالرَّجْرَاجِيُّ وَتَقَدَّمَ فِي السَّادِسِ نَصُّهُ أَفَادَهُ الْحَطّ.
طفي فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ، الْأَوَّلِ: رَدُّهُ عَلَى الشَّارِحِ وَكَلَامُهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِذَا مَرِضَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الصَّنْعَةِ أَوْ غَابَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَعَمِلَ صَاحِبُهُ فَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جَائِزٌ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَطَالَ، فَإِنَّ الْعَامِلَ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ لِصَاحِبِهِ نِصْفَ مَا عَمِلَ جَازَ ذَلِكَ.
أَبُو الْحَسَنِ وَإِنْ لَمْ يُحِبَّ فَلَا يُعْطِيهِ.
ابْنُ يُونُسَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ إذَا تَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا بَعْدَ طُولِ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ أَوْ مَرَضِهِ فَهُوَ لَهُ، وَإِذَا تَقَبَّلَا جَمِيمًا ثُمَّ غَابَ أَحَدُهُمَا غَيْبَةً طَوِيلَةً كَانَتْ الْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا، وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ عَلَى شَرِيكِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ حَمِيلًا لِصَاحِبِهِ بِالْعَمَلِ.
اهـ. وَنَحْوِهِ اللَّخْمِيُّ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَخْ، مَعَ أَنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِالْمُرَادِ.
الثَّالِثِ: جَزْمُهُ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ بَيْنَهُمَا، وَإِطْلَاقُهُ فِي ذَلِكَ وَاسْتِدْلَالُهُ بِكَلَامِ اللَّخْمِيِّ مَعَ تَفْصِيلِهِ كَبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ، وَقَدْ نَقَلَ هُوَ كَلَامَهُ، وَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ.
وَأَمَّا نَقْلُهُ عَنْ الرَّجْرَاجِيِّ أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا وَيُطَالِبُهُ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خِلَافُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَخِلَافُ تَفْصِيلِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَاللَّخْمِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْرِيعٌ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَدْ تَبِعَهُ عج وَمَنْ بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَحَلُّ كَلَامِهِ فِيمَا قَبِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْغَيْبَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْمَرَضِ الطَّوِيلِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَقْرِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ التَّنْبِيهَاتِ قَالَ التَّنْبِيهُ الثَّامِنُ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَلَوْ عَقَدَ أَحَدُهُمَا إجَارَةً بَعْدَ طُولِ الْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَحْدَهُ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ حِينَئِذٍ قَدْ انْقَطَعَتْ.
اهـ. فَهَذَا يُقَيِّدُ إطْلَاقَهُ أَوَّلًا، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ لِأَنَّ اللَّخْمِيَّ فَرَضَ الْكَلَامَ أَوَّلًا فِيمَا عَقَدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْغَيْبَةِ الطَّوِيلَةِ أَوْ الْمَرَضِ الطَّوِيلِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَيَرْجِعُ بِأُجْرَةِ نِصْفِ الْعَمَلِ ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ مَا قَبِلَهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ السَّفَرِ أَوْ الْمَرَضِ الطَّوِيلِ، وَلِكَوْنِ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ
وَفَسَدَتْ بِاشْتِرَاطِهِ
كَكَثِيرِ الْآلَةِ،
[منح الجليل]
كَلَامَهُ بَعِيدًا جَزَمَ عج وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ بَيْنَهُمَا وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ أُجْرَةِ الْعَمَلِ وَلَمْ يُفَصِّلْ.
(وَفَسَدَتْ) شَرِكَةُ الْعَمَلِ (بِ) سَبَبِ (اشْتِرَاطِهِ) أَيْ لَغْوِ كَثِيرِ الْمَرَضِ أَوْ الْغَيْبَةِ، وَمَفْهُومُ اشْتِرَاطِهِ أَنَّهُمَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطَاهُ وَأَرَادَ صَاحِبُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ نَصِيبَهُ مِمَّا عَمِلَهُ جَازَ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَفِيهَا وَإِذَا مَرِضَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الصَّنْعَةِ أَوْ غَابَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَعَمِلَ صَاحِبُهُ فَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ أَمْرٌ جَائِزٌ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَطَالَ، فَإِنَّ الْعَامِلَ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ لِصَاحِبِهِ نِصْفَ مَا عَمِلَ جَازَ إنْ لَمْ يَعْقِدَا أَصْلَ الشَّرِكَةِ، عَلَى أَنَّ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمَا أَوْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَمَا عَمِلَ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ عَقَدَا عَلَى هَذَا لَمْ تَجُزْ الشَّرِكَةُ، فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ كَانَ مَا اجْتَمَعَا فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمَا وَمَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً.
اهـ. زَادَ الْقَرَافِيُّ عَقِبَ قَوْلِهِ لَمْ تَجُزْ لِلْغَرَرِ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ كَلَامَهَا الْمَذْكُورَ يُرِيدُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا الْقَرَوِيِّينَ إنْ لَمْ يَعْقِدَا عَلَى هَذَا لَا نَبْغِي أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الَّذِي لَوْ صَحَّ هَذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ الزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ وَيُتَسَامَحُ فِي الشَّرِكَةِ الصَّحِيحَةِ عَنْ التَّفَاضُلِ الْيَسِيرِ.
وَأَمَّا إذَا فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ فَلَا يُسْمَحُ فِي ذَلِكَ اهـ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الْقَدْرُ لَهُ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ جُزْءَ الْجُمْلَةِ هَلْ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ أَمْ لَا كَمَنْ يَسْجُدُ عَلَى أَنْفِهِ وَهُوَ يُومِئُ، وَهَذَا هُوَ الْخِلَافُ الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ فِي التَّنْبِيهُ الثَّالِثِ مِنْ الْقَوْلَةِ السَّابِقَةِ.
وَشَبَّهَ فِي الْفَسَادِ فَقَالَ (كَ) انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِ (كَثِيرِ الْآلَةِ) لِعَمَلِهِمَا فَيُفْسِدُ الشَّرِكَةَ.
الْحَطّ وَلَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَاحْتُرِزَ بِكَثِيرِهَا مِنْ يَسِيرِهَا فَتَطَوُّعُ أَحَدِهِمَا بِهِ لَا يُفْسِدُهَا، هَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَبِهِ قَرَّرَ الشَّارِحُ، وَقَيَّدَهُ الْبِسَاطِيُّ بِالِاشْتِرَاطِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهَا فَفِيهَا وَإِنْ تَطَاوَلَ أَحَدُ الْقَصَّارَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ تَافِهٍ مِنْ الْمَاعُونِ لَا قَدْرَ لَهُ فِي الْكِرَاءِ كَالْقَصْرِيَّةِ وَالْمِدَقَّةِ جَازَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ تَطَاوَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِأَدَاةٍ لَا يُلْغَى مِثْلُهَا