وَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهِ؛
وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ:
[منح الجليل]
ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَعْدَلُهَا عِنْدِي.
ثَالِثُهَا وَهُوَ إنْ ادَّعَى الْجَهْلَ اُسْتُبْرِئَ أَمْرُهُ وَإِنْ ادَّعَى الْغَلَطَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَتَعَقَّبَ الْبِسَاطِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ، وَالثَّانِي قَوْلُهُ لَا إنْ غَلِطَ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَوْنِي، وَهَذَا صَادِقٌ بِأَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لَهُ، وَبِتَعْجِيلِ دَفْعِهَا لَهُ وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ.
وَيُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِجَعْلِ أَلْ فِي الْوَاحِدَةِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ، أَيْ مِنْ الْمَشْدُودِ فِيهِ وَالْمَشْدُودِ بِهِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْقَرِينَةَ عَلَى إرَادَةِ عَدَمِ دَفْعِهَا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، فَإِنَّهُ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
(وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يَضُرَّ جَهْلُهُ) أَيْ مُدَّعِي اللُّقَطَةِ (بِقَدْرِهِ) أَيْ الْمَالِ الْمُلْتَقَطِ إذَا عَرَفَ عِفَاصَهُ وَوِكَاءَهُ أَوْ أَحَدَهُمَا وَجَهِلَ الْآخَرَ وَلَمْ يَأْتِ غَيْرُهُ مَعَ الِاسْتِينَاءُ ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا جَهْلُهُ بِالْعَدَدِ فَلَا يَضُرُّهُ إذَا عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، وَكَذَلِكَ غَلَطُهُ فِيهِ بِالزِّيَادَةِ لَا يَضُرُّهُ، وَاخْتُلِفَ فِي غَلَطِهِ بِالنُّقْصَانِ
(وَوَجَبَ أَخْذُهُ) أَيْ الْمَالِ الَّذِي وُجِدَ فِي غَيْرِ حِرْزِهِ وَخِيفَ ضَيَاعُهُ إنْ تُرِكَ فِي مَحَلِّهِ (لِخَوْفِ) أَخْذِ شَخْصٍ (خَائِنٍ) فِيهِ بِتَمَلُّكِهِ لِأَنَّ حِفْظَ مَالِ الْغَيْرِ وَاجِبٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي حُكْمِ أَخْذِ اللُّقَطَةِ اضْطِرَابٌ.
ابْنُ رُشْدٍ يَلْزَمُ أَنْ يُؤْخَذَ اللَّقِيطُ وَلَا يُتْرَكَ لِأَنَّهُ إنْ تُرِكَ ضَاعَ وَهَلَكَ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي لُقَطَةِ الْمَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ لَا يَخْشَى أَنْ يَأْخُذَهَا إنْ عَلِمَهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهِ إيَّاهَا وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ فَأَخْذُهَا وَاجِبٌ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ، وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ، لَكَانَ الِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ لَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ ظَنُّهُ مِنْ أَكْثَرِ الْخَوْفَيْنِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا عَدَا لُقَطَةَ الْحَاجِّ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا مَخَافَةَ أَنْ لَا يَجِدَ رَبَّهَا لِتَفَرُّقِ الْحُجَّاجِ إلَى بُلْدَانِهِمْ، فَإِنْ الْتَقَطَهَا وَجَبَ فِي تَعْرِيفِهَا مَا يَجِبُ فِيمَا سِوَاهَا.
اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَتْ بَيْنَ نَاسٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَجَبَ حِفْظُهَا لِأَنَّ حِفْظَ أَمْوَالِ النَّاسِ وَأَنْ
لَا إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ؛ وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الْأَحْسَنِ
[منح الجليل]
لَا تَضِيعُ وَاجِبٌ، وَيَجِبُ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ إنْ عَلِمَ وَاجِدُهُ أَمَانَةَ نَفْسِهِ (لَا إنْ عَلِمَ) وَاجِدُهُ (خِيَانَتَهُ) أَيْ وَاجِدِ الْمَالِ (هُوَ) تَأْكِيدٌ لِلْمَاءِ بِتَمَلُّكِهِ وَعَدَمِ تَعْرِيفِهِ (فَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ أَخْذُهُ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وُجُوبَ أَخْذِهَا وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ خِيَانَةَ نَفْسِهِ عُذْرًا مُسْقِطًا عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ مَالِ الْغَيْرِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْحَطّ، وَنَصُّهُ وَالْأَظْهَرُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحِفْظِ أَنْ يَجِبَ الِالْتِقَاطُ، وَلَا يُعَدُّ عِلْمُهُ خِيَانَةَ نَفْسِهِ مَانِعًا، وَأَحْرَى خَوْفُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْخِيَانَةِ وَحِفْظُ الْمَالِ الْمَعْصُومِ، وَقُصَارَى الْأَمْرِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْحِفْظِ وَحْدَهُ، وَمَنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ أَوْ شَكَّ فِيهَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ الْحِفْظُ وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ وَبَعْدَ تَسْلِيمِ هَذَا فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الِاسْتِحْبَابُ أَوْ الْوُجُوبُ لَوْ قِيلَ بِهِ لِوُجُوبِ إعَانَةِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا اهـ. الْحَطّ كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَسَنٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا مِنْ خَائِنٍ وَعَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ (كُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَخْذُهُ (عَلَى الْأَحْسَنِ) عِنْدَ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَذَا خَوْفُ الْخَائِنِ مَعَ شَكِّهِ فِي أَمَانَةِ نَفْسِهِ.
طفي عِبَارَة الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَاصِرَةٌ عَنْ تَحْرِيرِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ وَالِالْتِقَاطُ حَرَامٌ عَلَى مَنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ، وَمَكْرُوهٌ لِلْخَائِفِ.
وَفِي الْمَأْمُونِ الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ فِيمَا لَهُ بَالٌ وَالْوُجُوبُ إنْ خَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ.
خَلِيلٌ الْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ:
الْأَوَّلُ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهَا.
الثَّانِي أَنْ يَخَافَ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ.
الثَّالِثُ أَنْ يَثِقَ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ، وَهَذَا يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ أَمْ لَا، فَإِنْ خَافَ وَجَبَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَالثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالِ وَكُلُّهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَصْلُهُ كُلُّهُ لِلَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ، فَيَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ وُجُوبَ الْتِقَاطِهَا لِخَوْفِ خَائِنٍ لِلْمَأْمُونِ وَحُرْمَتَهُ عَلَى مَنْ عَلِمَ الْخِيَانَةَ مِنْ نَفْسِهِ مُطْلَقًا خَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ أَمْ لَا، فَقَوْلُهُ وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ أَيْ مَعَ ثِقَتِهِ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا كُرِهَ النَّفْيُ بِلَا مَنْصِبٍ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْخَوَنَةَ وَلَا عَلِمَهَا مِنْ نَفْسِهِ كُرِهَ وَنَفْيُ عِلْمِهَا يَصْدُقُ بِالْخَوْفِ
وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً، وَلَوْ كَدَلْوٍ
[منح الجليل]
مِنْ نَفْسِهِ وَثِقَتِهِ بِهَا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَوَّلَ اقْتَصَرَ فِيهِ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَكَذَا الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَفِي الثَّانِي هِيَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَتَقْرِيرُ تت بِعَزْوِهِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاسْتِحْسَانُ بَعْضِهِمْ هُوَ فِي الثَّانِي فَقَطْ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ، فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إجْمَالٌ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ فِي بَعْضِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ كَلَامُهُ غَيْرُ مُبَيَّنٍ، ثُمَّ قَالَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْوُجُوبِ بِعَدَالَةِ الْإِمَامِ وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا تَفْصِيلٌ تَرَكْنَاهُ خَوْفَ الطُّولِ.
(وَ) وَجَبَ (تَعْرِيفُهُ) أَيْ الْمَالِ الْمُلْتَقَطِ (سَنَةً) فَوْرًا مِنْ حِينِ أَخْذِهِ، فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا وَإِلَّا فَلَا آمُرُهُ بِأَكْلِهَا كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ دِرْهَمًا فَصَاعِدًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ بَعْدَ السَّنَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا، وَيُخَيَّرُ صَاحِبُهَا إنْ جَاءَ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُهَا أَوْ يَغْرَمَهَا لَهُ فِعْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ إلَّا الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ.
أَبُو الْحَسَنِ الْكَرَاهَةُ هُنَا عَلَى الْمَنْعِ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ.
اللَّخْمِيُّ إنْ أَمْسَكَهَا سَنَةً وَلَمْ يُعَرِّفْهَا ثُمَّ عَرَّفَهَا فَتَلِفَتْ ضَمِنَ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَيَّدَ بِالسَّنَةِ.
وَيَجِبُ التَّعْرِيفُ سَنَةً إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (كَدَلْوٍ) وَمِخْلَاةٍ فَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ التَّعْرِيفِ سَنَةً بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَشَارَ بِ وَلَوْ إلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ أَنَّ الْيَسِيرَ يُعَرَّفُ أَيَّامًا بِمَظَانِّ طَلَبِهِ.
فِيهَا سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي لُقَطَةٍ مِثْلِ الدَّلْوِ وَالْحَبْلِ وَالْمِخْلَاةِ وَشِبْهِ ذَلِكَ إنْ وُجِدَ بِطَرِيقٍ وُضِعَ بِأَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِمَدِينَةٍ انْتَفَعَ بِهِ وَعَرَّفَهُ بِهِ وَالصَّدَقَةُ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ.
ابْنُ رُشْدٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ اللُّقَطَةِ هُوَ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ إنْ تُرِكَ، وَيَبْقَى فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ إنْ الْتَقَطَهُ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا جِدًّا لَا بَالَ لَهُ وَلَا قَدْرَ لَقِيمَتِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ لِتَفَاهَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُعَرَّفُ وَهُوَ لِوَاجِدِهِ إنْ شَاءَ أَكَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ، أَصْلُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَرَّ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَوْلَا أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتهَا» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَعْرِيفًا.
لَا تَافِهًا؛ بِمَظَانِّ طَلَبِهَا: بِكَبَابِ مَسْجِدٍ، فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمِنْ يَثِقُ بِهِ
[منح الجليل]
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يَجِدُ السَّوْطَ وَالْعَصَا أَنَّهُ يُعَرِّفُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا إلَّا أَنَّ لَهُ قَدْرًا وَمَنْفَعَةً، وَقَدْ يَشِحُّ بِهِ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ، فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِهِ.
وَظَاهِرُ مَا حَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُعَرِّفُ سَنَةً.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنَّمَا يُعَرِّفُهُ أَيَّامًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(لَا) يَجِبُ أَنْ يُعَرِّفَ مَالًا (تَافِهًا) لَا تَلْتَفِتُ النُّفُوسُ إلَيْهِ كَفَلْسٍ وَتَمْرَةٍ وَكِسْرَةٍ وَهُوَ لِوَاجِدِهِ إنْ شَاءَ أَكَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ (بِمَظَانِّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِعْجَامِ الظَّاءِ وَشَدِّ النُّونِ، أَيْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّ صَاحِبَ اللُّقَطَةِ يَطْلُبُهَا بِهَا (بِكَبَابِ مَسْجِدٍ) فِيهَا يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ حَيْثُ وَجَدَهَا وَعَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ يُعَرِّفُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا هُنَاكَ أَوْ خَبَرَهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَمْرِ الْإِمَامِ.
ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَنْدُوبٌ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا مِنْهُ سَمِعَ الْقَرِينَانِ أَيُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ مَا أُحِبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ تُعَرَّفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ مَشَى هَذَا الَّذِي وَجَدَهَا إلَى الْخَلْقِ فِي الْمَسْجِدِ يُخْبِرُهُمْ بِهَا وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا.
وَفِي التَّمْهِيدِ التَّعْرِيفُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا عَلِمْت لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الْعَامَّةِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ.
وَيُعَرِّفُهُ (فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) مِنْ الْأَيَّامِ مَرَّةً، رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَنْبَغِي لِلَّذِي يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ أَنْ لَا يُرِيَهَا أَحَدًا وَلَا يُسَمِّيَهَا بِعَيْنِهَا وَيُعَمِّيَ بِهَا لِئَلَّا يَأْتِيَ مُتَحَيِّلٌ فَيَصِفَهَا بِصِفَةِ الْمُعَرِّفِ فَيَأْخُذَهَا وَلَيْسَتْ لَهُ، وَلْيُعَرِّفْهَا بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَعَ صَنْعَتَهُ وَيُعَرِّفُهَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ التَّعْرِيفِ، وَيُعَرِّفُهُ (بِنَفْسِهِ) أَيْ وَاجِدِ الْمَالِ (أَوْ بِمَنْ) أَيْ شَخْصٍ أَوْ الشَّخْصِ الَّذِي (يَثِقُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ فَقَافٌ، أَيْ يَطْمَئِنُّ (بِهِ) قَلْبُهُ وَيَعْتَقِدُ
أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا، إنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ
وَبِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا وَلَا يُذْكَرُ جِنْسُهَا عَلَى الْمُخْتَارِ
وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ، إنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ
[منح الجليل]
أَمَانَتَهُ وَصِدْقَهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ (أَوْ) بِمَنْ يَثِقُ بِهِ (بِأُجْرَةٍ) لِمُعَرِّفِهَا (مِنْهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (إنْ لَمْ يُعَرِّفْ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا اللُّقَطَةَ (مِثْلُهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ لِإِزْرَائِهِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يُعَرِّفُهَا فَلَا يَسْتَأْجِرُ عَلَى تَعْرِيفِهَا إلَّا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ بِالْتِقَاطِهِ كَأَنَّهُ الْتَزَمَ التَّعْرِيفَ بِنَفْسِهِ.
اللَّخْمِيُّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعٍ تَعْرِيفِهَا بِنَفْسِهِ وَرَفْعِهَا إلَى السُّلْطَانِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَلَا يَتَشَاغَلُ عَنْ تَعْرِيفِهَا وَبِمُؤْتَمِنٍ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ وَاسْتِئْجَارِ مَنْ يُعَرِّفُهَا.
وَأَجَازَ ابْنُ شَعْبَانَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا عَلَيْهِ، يُرِيدُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ تَعْرِيفَهَا وَكَانَ مِثْلُهُ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا دَفَعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ لَمْ يُعَرِّفْهَا فَضَاعَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ، وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. ابْنُ كِنَانَةَ وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ لِيَعْمَلَ مَا شَاءَ.
(وَ) تُعَرَّفُ (بِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْبَلَدَيْنِ اللَّخْمِيُّ إنْ وُجِدَتْ بِطَرِيقٍ بَيْنَ مَدِينَتَيْنِ عَرَّفَهَا فِيهِمَا وَكَذَا الْقَرْيَتَانِ وَالْمَدِينَةُ وَالْقَرْيَةُ (وَلَا يَذْكُرُ) الْمُعَرِّفُ (جِنْسَهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (عَلَى الْمُخْتَارِ) لِلَّخْمِيِّ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. اللَّخْمِيُّ اخْتَلَفَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ يُسَمِّي جِنْسَ اللُّقَطَةِ إذَا أَنْشَدَهَا.
وَإِنْ لَا يُسَمِّيَ أَحْسَنُ.
(وَدُفِعَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ اللُّقَطَةُ (لِحَبْرٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ عَالِمٍ ذِمِّيٍّ (إنْ وُجِدَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ اللُّقَطَةُ (بَقَرِيَّةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ كُفَّارٍ أَهْلِ ذِمَّةٍ (رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ) فِي اللُّقَطَةِ تُوجَدُ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ تُدْفَعُ إلَى أَحْبَارِهِمْ، وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ بِإِمْكَانِ كَوْنِهَا لِمُسْلِمٍ، فَالِاحْتِيَاطُ تَعْرِيفُهَا أَوَّلًا سَنَةً، ثُمَّ تُدْفَعُ لِحَبْرِهِمْ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّهَا لَهُمْ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا غَرَّمُوهَا لَهُ وَتُدْفَعُ لِأَحْبَارِهِمْ ابْتِدَاءً إنْ تَحَقَّقَ أَنَّهَا لِأَهْلِ الذَّمَّةِ يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنْ قَالُوا إنَّ مِنْ دِينِهِمْ كَوْنَ لُقَطَةِ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ لَهُمْ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُدْفَعَ لِأَحْبَارِهِمْ، وَتُوقَفُ أَبَدًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهُ أَوْ التَّصَدُّقُ أَوْ التَّمَلُّكُ وَلَوْ بِمَكَّةَ
[منح الجليل]
(وَلَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ بَعْدَ السَّنَةِ (حَبْسُهَا) أَيْ إبْقَاءُ اللُّقَطَةِ عِنْدَهُ وَدِيعَةً لِرَبِّهَا (أَوْ التَّصَدُّقُ) بِهَا عَنْ رَبِّهَا، وَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّمَلُّكِ.
(أَوْ التَّمَلُّكُ) لَهَا أَيْ اقْتِرَاضُهَا لِنَفْسِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعَهَا لَهُ فِي الْأَوَّلِ وَغَرِمَ لَهُ عِوَضَهَا فِي الْأَخِيرَيْنِ.
الْجَلَّابِ إنْ مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَأْتِ طَالِبُهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْفَقَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا وَضَمِنَهَا أَوْ حَبَسَهَا لِيَأْتِيَ رَبُّهَا اللَّخْمِيُّ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا.
وَفِي الصَّحِيحِ فَإِنْ لَمْ تُعَرِّفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَفِي النَّسَائِيّ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بَعْدَ الْحَوْلِ خِلَافُهُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا لِنَفْسِهِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَيْضًا.
وَفِي التَّمْهِيدِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَأْكُلَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنِيِّ، فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَيَضْمَنَهَا.
ابْنُ وَهْبٍ قُلْت لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا شَأْنُهُ بِهَا قَالَ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ اسْتَنْفَقَهَا، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَدَّاهَا إلَيْهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَأْكُلُ اللُّقَطَةَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ بَعْدَ الْحَوْلِ، هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَقَوْلُهُ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِهَا وَتَمَلُّكُهَا بَعْدَ السَّنَةِ إنْ الْتَقَطَهَا بِغَيْرِ مَكَّةَ، بَلْ (وَلَوْ) الْتَقَطَهَا (بِمَكَّةَ) حَكَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
الْمَازِرِيُّ حُكْمُ لُقَطَةِ مَكَّةَ حُكْمُ لُقَطَةِ سَائِرِ الْبِلَادِ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى خِلَافِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ لُقَطَتَهَا لَا تُمْلَكُ لِخَبَرِ لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ هَذَا حُكْمُ اللُّقَطَةِ إلَّا بِمَكَّةَ إذْ لُقَطَتُهَا لَا تُسْتَبَاحُ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً، وَعَلَى مُلْتَقِطِهَا تَعْرِيفُهَا أَبَدًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» . ابْنُ زَرْقُونٍ كَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَتَبِعَهُمَا ابْنُ رُشْدٍ.
وَلِابْنِ الْقَصَّارِ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". لُقَطَةُ مَكَّةَ كَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» تَأْكِيدًا لِلْإِعْلَامِ لِسَنَةِ اللُّقَطَةِ لِكَثْرَتِهَا بِمَكَّةَ.
ضَامِنًا فِيهِمَا
: كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا
[منح الجليل]
الْمَازِرِيُّ حُكْمُ لُقَطَةِ مَكَّةَ حُكْمُ لُقَطَةِ سَائِرِ الْبِلَادِ، وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ لِرُجُوعِ رَبِّهَا لِبَلَدِهِ وَعَدَمِ عَوْدِهِ إلَّا بَعْدَ أَعْوَامٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا حُجَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ لَا لَهُ.
عِيَاضٌ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ كَغَيْرِهَا.
اللَّخْمِيُّ ابْنُ الْقَصَّارِ حُكْمُ اللُّقَطَةِ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - " لُقَطَةُ مَكَّةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا وَهُوَ أَبْيَنُ لِلْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ، فَلَوْ كَانَتْ كَغَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِيثِ مَعْنًى.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأَنَّ غَالِبَ مَنْ حَجَّ عَدَمُ رُجُوعِهِ لِمَكَّةَ فِي عَامِهِ، بَلْ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، فَلَا يَكُونُ مُرُورُ السَّنَةِ دَلِيلًا عَلَى الْإِيَاسِ مِنْ رَبِّهَا.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لُقَطَةُ مَكَّةَ كَسَائِرِ اللُّقَطِ، وَتَكَلَّمَ عُلَمَاؤُنَا فِي الِاحْتِجَاجِ لَهُ وَالِانْفِصَالِ عَنْ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَرَ مُخَالَفَةَ الْحَدِيثِ وَلَا تَأْوِيلَ مَا لَا يَقْبَلُهُ.
قُلْت وَالِانْفِصَالُ عَنْ الْحَدِيثِ عَلَى قَاعِدَةِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مِنْ تَقْدِيمِهِ الْعَمَلَ عَلَيْهِ وَاضِحٌ، وَيُقَالُ جَاءَ الْحَدِيثُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ التَّعْرِيفِ بِمَكَّةَ لِغَلَبَةِ تَفَرُّقِ الْحُجَّاجِ مُشَرِّقِينَ وَمُغَرِّبَيْنِ وَمَدِّ الْمَطَايَا أَعْنَاقَهَا فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّعْرِيفِ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ التَّعْرِيفَ فِيهَا كَغَيْرِهَا لِاحْتِمَالِ بَقَاءِ صَاحِبِهَا بِمَكَّةَ أَوْ تَوْكِيلِهِ مُقِيمًا بِهَا عَلَيْهَا حَالَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ الْمُتَصَدِّقِ أَوْ الْمُتَمَلِّكِ بَعْدَ السَّنَةِ (ضَامِنًا) اللُّقَطَةَ لِمُسْتَحِقِّهَا إذَا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ (فِيهِمَا) أَيْ التَّصَدُّقِ وَالتَّمَلُّكِ.
وَشَبَّهَ فِي الضَّمَانِ فَقَالَ (كَنِيَّةِ) الْمُلْتَقِطِ لِ (أَخْذِهَا) أَيْ تَمَلُّكِ اللُّقَطَةِ (قَبْلَ) تَمَامِ (هَا) أَيْ السَّنَةِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ هِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبِ، وَفِيهَا إذَا ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ فَلَا يَضْمَنُهَا.
أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَخَذْتهَا لِتَذْهَبَ بِهَا وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ لَا أَعْرِفُهَا صُدِّقَ الْمُلْتَقِطُ.
أَشْهَبُ بِلَا يَمِينٍ قَرَّرَ الشَّارِحُ أَوَّلًا بِمَا تَقَدَّمَ وَدَرَج عَلَيْهِ فِي شَامِلِهِ فَقَالَ وَلَوْ نَوَى أَكْلَهُ قَبْلَ الْعَامِ ضَمِنَهُ إنْ تَلِفَ اهـ. الشَّارِحُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إذَا تَلِفَ بَعْدَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ قَالَ الْمَشْهُورُ أَنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُقَارِنَهَا فِعْلٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ قَبْلَهَا لِلُّقَطَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ اللُّقَطَةَ نَوَى أَخْذَهَا لِتَمَلُّكِهَا قَبْلَ الْتِقَاطِهَا وَتَبِعَهُ الْبِسَاطِيُّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْحَطّ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ لَمْ يَقُلْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَبَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا رَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا أَوْ غَيْرِهِ ضَمِنَهَا، فَإِنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنْ سَاعَتِهِ كَمَنْ مَرَّ فِي إثْرِ رَجُلٍ فَوَجَدَ شَيْئًا فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَك فَقَالَ لَا فَتَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْإِمَامُ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي وَاجِدِ كِسَاءٍ بِإِثْرِ رُفْقَةٍ فَأَخَذَهُ وَصَاحَ أَهَذَا لَكُمْ فَقَالُوا لَا فَرَدَّهُ، قَالَ قَدْ أَحْسَنَ فِي رَدِّهِ وَلَا يَضْمَنُهُ.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ لِيُعَرِّفَهَا اُنْظُرْ هَلْ تَعْرِيفًا عَامًّا الَّذِي هُوَ السَّنَةُ، أَوْ تَعْرِيفًا خَاصًّا كَوَاجِدِ الْكِسَاءِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَهَلْ تُوجِبُ النِّيَّةُ بِمُجَرَّدِهَا شَيْئًا أَوْ لَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» ، فَمَنْ نَوَى قُرْبَةً فَلَا تَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَارِنَهَا قَوْلٌ كَالنَّذْرِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ كَصَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ فَهَذَا يَلْزَمُ إتْمَامُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَجَزَّأُ كَالْجِوَارِ وَقِرَاءَةِ أَحْزَابٍ فَمَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَ وَمَا لَمْ يَأْتِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَالتَّعْرِيفُ مِمَّا يَتَجَزَّأُ فَلَيْسَ فِيمَا يَأْتِي إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ اهـ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ أَيْ وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ إذَا نَوَى لَمَّا وَجَدَ اللُّقَطَةَ أَخَذَهَا تَمَلُّكًا، وَهَذِهِ النِّيَّةُ قَبْلَ أَخْذِهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا صَارَ كَالْغَاصِبِ، فَإِنْ قُلْت حَمَلْت اللَّفْظَ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ، قُلْت بَلْ يَحْتَمِلُ، وَغَايَةُ مَا يُورَدُ أَنِّي غَيَّرْت الْأَخْذَ حَتَّى يَصِحَّ الْمَعْنَى الْمَنْصُوصُ، وَقَدَّرْت مُضَافًا مَحْفُوظًا بَعْدَ قَبْلُ، أَيْ قَبْلَ قَبْضِهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ أَوَّلًا لَا يَصِحُّ مَعْنًى وَلَا نَقْلًا.
اهـ. فَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي قَوْلِهِ، وَظَاهِرُ إلَخْ وَاحْتِجَاجَهُ بِكَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اتِّفَاقًا فَيَبْقَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْبِسَاطِيُّ فَأَوَّلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لِيُوَافِقَ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الضَّمَانَ إذَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرَ كَالْمَغْصُوبِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ اللُّقَطَةَ بِيَدِ مُتَلَقِّطِهَا عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ بِمُقْتَضَى حُكْمِ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا مَا لَمْ يَنْوِ اغْتِيَالًا وَغَصْبًا، فَإِنْ نَوَاهُ ضَمِنَهَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
كَالْغَاصِبِ، وَهَذَا بَيِّنٌ إذَا كَانَتْ هَذِهِ النِّيَّةُ حِينَ الْتَقَطَهَا، وَإِنْ حَدَثَتْ لَهُ هَذِهِ النِّيَّةُ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ جَرَى ذَلِكَ عَلَى تَبَدُّلِ النِّيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ يُرَدُّ بِأَنَّ الْقَوْلَ بَلَغُوا أَثَرَ النِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ كَمَا كَانَتْ لَا مَعَ تَغَيُّرِ بَقَائِهَا عَمَّا كَانَتْ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِتَأْثِيرِ النِّيَّةِ وَيَدُ الْمُلْتَقِطِ السَّابِقَةُ عَنْ نِيَّةِ الِاغْتِيَالِ كَانَتْ مَقْرُونَةً بِالتَّعْرِيفِ أَوْ الْعَزْمِ عَلَيْهِ، وَهِيَ بَعْدَهَا مَقْرُونَةٌ بِنَقِيضِ ذَلِكَ فَصَارَ ذَلِكَ كَالْفِعْلِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ اتِّفَاقًا وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَنْظُرَ لِحَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْغَصْبِ.
اهـ. وَكَذَلِكَ هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةٍ لِلشَّامِلِ وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَيْضًا، فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَأْوِيلِ الْبِسَاطِيِّ.
اهـ. كَلَامُ الْحَطّ.
طفي أَتَى أَبُو الْحَسَنِ بِمَا قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ فَصَحَّ اسْتِدْلَالُ الشَّارِحِ بِهِ هُنَا، وَسَقَطَ تَوَرُّكُ الْحَطّ عَلَيْهِ.
وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ تَحَامُلٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِنَقِيضِ مَا اخْتَارَهُ هُنَا فَقَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ تَمَلُّكِهَا أَوْ التَّصَدُّقِ بِهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ ذَلِكَ، قَبِلَهُ ابْنُ هَارُونَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَائِلًا هَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلِ بِتَأْثِيرِ النِّيَّةِ، وَلَمْ أَعْرِفُهُ نَصًّا، وَتَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِتَأْثِيرِ النِّيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي النِّيَّةِ الْمُسْتَنِدَةِ لِعَقْدٍ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِتَأْثِيرِهَا لَمْ أَعْرِفْهُ إلَّا لِابْنِ بَشِيرٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي تَخْرِيجِهِ جَوَازَ صَرْفِ الْوَدِيعَةِ وَمَنْعَهُ عَلَى تَأْثِيرِ النِّيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ فِي الْحُكْمِ وَلَغْوِهَا، وَالنِّيَّةُ فِي الْوَدِيعَةِ مُسْتَنِدَةٌ لِعَقْدٍ، وَلِذَا عَبَّرَ الْمَازِرِيُّ عَنْ إجْرَاءِ الْخِلَافِ فِي صَرْفِ الْوَدِيعَةِ بِقَوْلِهِ بِنَاءً عَلَى وَقْفِ انْتِقَالِ ضَمَانِهَا عَلَى قَبْضِهَا وَحُصُولِهِ بِالْعَقْدِ، فَلَمْ يُعَلِّلْ ضَمَانَهَا إلَّا بِالْعَقْدِ لَا بِالنِّيَّةِ، وَالْعَقْدُ أَقْوَى مِنْهَا اهـ.
وَرَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ، إلَّا بِقُرْبٍ: فَتَأْوِيلَانِ.
[منح الجليل]
وَالْمُرَادُ بِالْعَقْدِ عَقْدُ الصَّرْفِ فَظَهَرَ، أَنَّ الصَّوَابَ التَّقْرِيرُ الثَّانِي وَلِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ كَذَلِكَ مَفْرُوضَةٌ فَفِي الْجَوَاهِرِ هِيَ مَغْصُوبَةٌ فِي يَدِ مَنْ أَخَذَهَا بِقَصْدِ الِاخْتِزَالِ.
الْبُنَانِيُّ بَلْ الظَّاهِرُ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ وَ " ح " لِأَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ هُنَا لَمْ تَتَجَرَّدْ، بَلْ قَارَنَهَا الْكَفُّ عَنْ التَّعْرِيفِ وَلَا حُجَّةَ لطفي فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ بَعْدُ لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ فِي نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا بَعْدَ السَّنَةِ وَالنِّيَّةُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ وَصْفِ الْيَدِ لِأَنَّهُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ سَقَطَ عَنْهُ التَّعْرِيفُ، فَتَمَسُّكُهُ بِهِ غَفْلَةٌ وَاضِحَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) كَ (رَدَّهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ لِمَوْضِعِهَا الَّذِي وُجِدَتْ بِهِ وَأَوْلَى لِغَيْرِهِ (بَعْدَ أَخْذِهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (لِلْحِفْظِ) وَالتَّعْرِيفِ وَطُولِ الزَّمَانِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ فَتَلِفَتْ فَيَضْمَنُهَا وَهَذَا فِي أَخْذِهَا الْمَكْرُوهِ لَا الْوَاجِبِ لِضَمَانِهَا بِمُجَرَّدِ تَرْكِهَا وَلَا الْحَرَامِ لِضَمَانِهَا بِأَخْذِهَا إنْ لَمْ يَرُدَّهَا لِمَكَانِهَا، فَإِنْ رَدَّهَا لَهُ فَلَا يَضْمَنُهَا لِوُجُوبِ رَدِّهَا حِينَئِذٍ (إلَّا) رَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ (بِقُرْبٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مِنْ وَقْتِ أَخْذِهَا (فَ) فِي ضَمَانِهَا إذَا تَلِفَتْ وَعَدَمِهِ (تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ، وَالثَّانِي لِلَّخْمِيِّ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَبَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا رَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ ضَمِنَهَا، وَأَمَّا إنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مَكَانَهُ مِنْ سَاعَتِهِ كَمَنْ مَرَّ فِي إثْرِ رَجُلٍ فَوَجَدَ شَيْئًا فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَك فَقَالَ لَا فَتَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي وَاجِدِ الْكِسَاءِ فِي إثْرِ رُفْقَةٍ فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَكُمْ فَقَالُوا لَا فَرَدَّهُ، قَالَ قَدْ أَحْسَنَ فِي رَدِّهِ فَلَا يَضْمَنُ.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ لِيُعَرِّفَهَا اُنْظُرْ هَلْ تَعْرِيفًا عَامًّا الَّذِي هُوَ السَّنَةُ، أَوْ تَعْرِيفًا خَاصًّا كَوَاجِدِ الْكِسَاءِ.
عِيَاضٌ اخْتَلَفَ تَأْوِيلُ الشُّيُوخِ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقِيلَ إنَّ الثَّانِيَةَ بِخِلَافِ الْأُولَى، وَأَنَّهُ ضَمِنَهُ فِي الْأُولَى لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا، وَالثَّانِيَةُ لَمْ يَأْخُذْهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، وَحَكَى هَذَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَتَأَوَّلَ آخَرُونَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ، وَقَدْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ تَعْرِيفِهَا وَإِلَيْهِ نَحَا اللَّخْمِيُّ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ مَنْ أَخَذَ لُقَطَةً الْمَسْأَلَةَ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ، فَذَهَبَ
وَذُو الرِّقِّ كَذَلِكَ، وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ
[منح الجليل]
بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا ضَمِنَهُ فِي الْأُولَى إذَا لَمْ يَرُدَّهَا بِالْقُرْبِ لِقَوْلِهِ فَبَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا وَلَمْ يَضْمَنْهُ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ رَدَّهَا بِالْقُرْبِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ اللَّخْمِيِّ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا ضَمِنَهُ فِي الْأُولَى لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ تَعْرِيفِهَا فَلَزِمَهَا حِفْظُهَا فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَالثَّانِيَةُ لَمْ يَأْخُذْهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ الْعَامِّ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ رُشْدٍ.
الشَّيْخُ وَهَلْ تُوجِبُ النِّيَّةُ بِمُجَرَّدِهَا شَيْئًا أَمْ لَا؟ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» ، فَمَنْ نَوَى قُرْبَهُ فَلَا تَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَارِنَهَا قَوْلٌ كَالنَّذْرِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، ثُمَّ هَذَا الْعَمَلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَتَجَزَّأُ كَصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ فَهَذَا يَلْزَمُ إتْمَامُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَجَزَّأَ كَالْجِوَارِ وَقِرَاءَةِ أَحْزَابٍ، فَمَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَ، وَمَا لَمْ يَأْتِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ.
وَالتَّعْرِيفُ مِمَّا يَتَجَزَّأُ فِيمَا يَأْتِي إلَّا مُجَرَّدَ النِّيَّةِ فَانْظُرْهُ.
اهـ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ إمَّا أَنْ يَأْخُذَهَا بِنِيَّةِ تَعْرِيفِهَا، وَإِمَّا بِنِيَّةِ اغْتِيَالِهَا، وَإِمَّا بِنِيَّةِ سُؤَالٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ يَرُدَّهَا، فَفِي الثَّالِثِ يُفَرَّقُ بَيْنَ رَدِّهَا بِبُعْدٍ فَيَضْمَنُ وَبِقُرْبٍ فَلَا يَضْمَنُ، وَفِي الثَّانِي رَدُّهَا وَاجِبٌ فَلَا ضَمَانَ بِهِ مُطْلَقًا، وَفِي الْأَوَّلِ يَضْمَنُ إنْ رَدَّهَا بِبُعْدٍ، وَفِي الْقُرْبِ تَأْوِيلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَذُو) أَيْ صَاحِبُ (الرِّقِّ) أَيْ الشَّخْصِ الْمُتَّصِفِ بِالرِّقِّيَّةِ قِنًّا كَانَ أَوْ ذَا شَائِبَةٍ حُكْمُهُ فِي الْتِقَاطِ اللُّقَطَةِ وَتَعْرِيفِهَا سَنَةً وَفِعْلِهِ بِهَا مَا يَشَاءُ بَعْدَهَا (كَذَلِكَ) أَيْ الْحُرِّ (وَ) إنْ تَمَلَّكَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا (قَبْلَ) تَمَامِ (السَّنَةِ فَ) هِيَ (فِي رَقَبَتِهِ) فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ إسْقَاطُهَا عَنْهُ لِأَنَّ رَبَّهَا لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَيْهَا، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِدَائِهِ بِعِوَضِهَا وَإِسْلَامِهِ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ تَعْرِيفِهَا لِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ خِدْمَتِهِ.
وَمَفْهُومُ قَبْلَ السَّنَةِ أَنَّهَا بَعْدَهَا فِي ذِمَّتِهِ كَالْحُرِّ وَهُوَ كَذَالِك.
اللَّخْمِيُّ إذَا الْتَقَطَ الرَّقِيقُ لُقَطَةً عَرَّفَهَا وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ فِيهَا، فَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ كَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَهَا فَلَا تَكُونُ إلَّا فِي ذِمَّتِهِ ابْنُ يُونُسَ وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ إسْقَاطُهَا عَنْهُ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَيْهَا وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ جَعَلَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فِي ذِمَّتِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» .
وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ وَلَوْ بِقَرْيَةٍ، وَشَاةٍ: بِفَيْفَاءَ: كَبَقَرٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ، وَإِلَّا تُرِكَتْ كَإِبِلٍ، وَإِنْ أَخَذَتْ: عُرِّفَتْ،
[منح الجليل]
وَلَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ (أَكْلُ مَا يَفْسُدُ) بِالتَّأْخِيرِ كَطَرِيِّ لَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ إنْ وُجِدَ بِغَيْرٍ قُرْبِهِ، بَلْ (وَإِنْ) وَجَدَهُ (بِقُرْبِهِ) وَلَا يَضْمَنُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ أَوْلَى وَأَكْلُهُ أَوْلَى مِنْ طَرْحِهِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ الْتَقَطَ مَا لَا يَبْقَى مِنْ الطَّعَامِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كَثُرَ أَوْ قَلَّ.
ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ أَكَلَهُ فَلَا يَضْمَنُهُ (وَ) لَهُ أَكْلُ (شَاةٍ) وَجَدَهَا (بِفَيْفَاءَ) بِفَتْحِ الْفَاءَيْنِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ مَمْدُودًا، أَيْ صَحْرَاءُ لَا عِمَارَةَ بِهَا وَلَا مَاءَ وَلَا عُشْبَ.
ابْنُ رُشْدٍ مَا لَا يَبْقَى بِيَدِ مُلْتَقِطِهِ وَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ إنْ تَرَكَهُ كَالشَّاةِ فِي الْفَيْفَاءِ وَالطَّعَامِ الَّذِي لَا يَبْقَى فَإِنَّ هَذَا يَأْكُلُهُ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشَّاةِ «هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ» فَأَوْجَبَهَا لَهُ مِلْكًا.
وَاخْتُلِفَ إنْ وُجِدَ هَذَا الطَّعَامُ الَّذِي يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَلَا يَبْقَى فِي الْحَاضِرَةِ وَحَيْثُ النَّاسُ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ أَكْلَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ.
وَفِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ وَجَدَ ضَالَّةَ الْغَنَمِ بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ عَرَّفَ بِهَا فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إلَيْهِ، وَلَا يَأْكُلُهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْمَهَامِهِ أَكَلَهَا وَلَا يُعَرِّفُ بِهَا، وَلَا يَضْمَنُ لِرَبِّهَا شَيْئًا.
الْحَطّ تَرَكَ الْمُصَنِّفُ شَرْطًا آخَرَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ كَوْنُهَا بِعُسْرِ حَمْلِهَا، وَأَقَرَّهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، الثَّانِي لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْسُرْ حَمْلُهَا لَلَزِمَهُ حَمْلُهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا.
وَشَبَّهَ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ فَقَالَ (كَبَقَرٍ) وُجِدَتْ (بِمَحَلِّ خَوْفٍ) عَلَيْهَا مِنْ سِبَاعٍ وَنَحْوَهَا وَجُوعٍ وَعَطَشٍ وَعُسْرِ سَوْقِهَا لَلْعُمْرَانِ فَيَجُوزُ لِوَاجِدِهَا أَكْلُهَا وَلَا يَضْمَنُهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْبَقَرُ بِمَحَلِّ خَوْفٍ (تُرِكَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مِنْ الْمُخْتَلِطَةِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ ضَالَّةُ الْبَقَرِ إنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا فِيهِ مِنْ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ فَهِيَ كَالْغَنَمِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ فَهِيَ كَالْإِبِلِ.
وَشَبَّهَ فِي التَّرْكِ فَقَالَ (كَ) ضَالَّةِ (إبِلٍ) فَيَجِبُ تَرْكُهَا بِمَحَلِّ وُجُودِهَا وَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهَا (فَإِنْ أُخِذَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ اُلْتُقِطَتْ ضَالَّةُ الْإِبِلِ (عُرِّفَتْ)
ثُمَّ تُرِكَتْ بِمَحَلِّهَا.
وَكِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوَهَا فِي عَلَفِهَا: كِرَاءً مَضْمُونًا
[منح الجليل]
بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا ضَالَّةُ الْإِبِلِ سَنَةً (ثُمَّ) إنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحِقُّهَا (تُرِكَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ ضَالَّةُ الْإِبِلِ (بِمَحَلِّهَا) الَّذِي وُجِدَتْ بِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَجَدَ ضَالَّةَ الْإِبِلِ بِفَلَاةٍ تَرَكَهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً وَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا وَلَا بَيْعُهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَبَّهَا فَلْيُخَلِّهَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ الْحَطّ ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَسَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ، وَقِيلَ هُوَ خَاصٌّ بِزَمَانِ الْعَدْلِ وَصَلَاحِ النَّاسِ.
وَأَمَّا فِي الزَّمَنِ الَّذِي فَسَدَ فِيهِ النَّاسُ فَالْحُكْمُ أَخْذُهَا وَتَعْرِيفُهَا فَإِنْ لَمْ تُعَرَّفْ بِيعَتْ وَوَقَفَ ثَمَنُهَا لِصَاحِبِهَا، فَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهِ كَمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا دَخَلَ النَّاسَ فِي زَمَنِهِ الْفَسَادُ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ صَمِيمُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَدَمُ الْتِقَاطِهَا مُطْلَقًا، وَأَقَرَّهُ الْمُوَضِّحُ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا فِيهِ مِنْ السِّبَاعِ أَمْ لَا.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ اُخْتُلِفَ إنْ كَانَتْ الْإِبِلُ بَعِيدَةً مِنْ الْعُمْرَانِ حَيْثُ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ فَقِيلَ إنَّهَا كَالْغَنَمِ لِوَاجِدِهَا أَكْلُهَا.
وَقِيلَ تُؤْخَذُ فَتُعَرَّفُ.
إذْ لَا مَشَقَّةَ فِي جَلْبِهَا اهـ. وَنَقَلَ الْخِلَافَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُوَضِّحُ أَيْضًا عَنْ غَيْرِ الْمُقَدِّمَاتِ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْعُمْرَانِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا تُلْتَقَطُ الْإِبِلُ فِي الصَّحْرَاءِ.
الْمُوَضِّحُ نَحْوَهُ.
فِي الْمُدَوَّنَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ لِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْغَالِبِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ مَفْهُومًا ثُمَّ هُوَ يَحْتَمِلُ الْمُوَافَقَةَ لِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الْتِقَاطُهَا حَيْثُ يُتَوَهَّمُ ضَيَاعُهَا فَامْتِنَاعُهُ حَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ أَوْلَى، وَالْمُخَالَفَةُ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تُلْتَقَطُ فِي الْعُمْرَانِ لِسُهُولَةِ وِجْدَانِ رَبِّهَا وَلِأَنَّهَا فِي الْعُمْرَانِ لَا تَجِدُ مَا تَأْكُلُ فَتَهْلِكُ جُوعًا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَوَّلُ أَسْعَدُ بِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَالثَّانِي أَقْرَبُ إلَى لَفْظِهِ.
(وَ) لَهُ (كِرَاءُ بَقَرٍ) مُلْتَقَطَةٍ (وَنَحْوَهَا) كَخَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ وَيُصْرَفُ كِرَاؤُهَا (فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَضْمُونًا) أَيْ مَأْمُونًا وَعَاقِبَتُهُ لَا يُخْشَى عَلَيْهَا الْهَلَاكُ مِنْهُ.
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي عَلَفِهَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ كِرَاؤُهَا لِغَيْرِهِ.
اللَّخْمِيُّ ضَالَّةُ الْبَقَرِ وَالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الدَّوَابِّ يُمْنَعُ
رُكُوب دَابَّةٍ مُلْتَقَطَة مِنْ مَوْضِع الْتِقَاطهَا لِمَوْضِعِهِ أَيْ الْمُلْتَقَط وَرُكُوبُ دَابَّةٍ لِمَوْضِعِهِ وَإِلَّا ضَمِنَ، وَغَلَّاتُهَا دُونَ نَسْلِهَا
وَخُيِّرَ رَبُّهَا بَيْنَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ أَوْ إسْلَامِهَا
[منح الجليل]
أَخْذُهَا إذَا كَانَتْ بِمَوْضِعِ رَيٍّ وَمَاءٍ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا السِّبَاعُ وَلَا بَأْسٌ، فَإِنْ انْخَرَمَ أَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ أُخِذَتْ وَلَيْسَ لِهَذِهِ صَبْرٌ عَنْ الْمَاءِ كَالْإِبِلِ، فَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ حَوْلًا إذَا تَكَلَّفَ ذَلِكَ وَاجِدُهَا وَلَمْ يَلْحَقْ صَاحِبَهَا فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ مَضَرَّةٌ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى بَيْعِهَا فِي أَمْنٍ وَحِفْظٍ أَوْ تُؤَاجَرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُ مِنْ النَّفَقَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ خِيفَ خُرُوجُهَا إلَى الرَّعْيِ اُسْتُؤْجِرَتْ فِي مَأْمُونٍ مِنْ الْأَعْمَالِ بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُهُ مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِنْ لَمْ تُوفِ الْإِجَارَةُ بِعَلَفِهَا أَوْ قَالَ وَاجِدُهَا لَا أَتَكَلَّفُ الصَّبْرَ عَلَيْهَا بِيعَتْ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَهَا.
(وَ) لَهُ (رُكُوبُ دَابَّةٍ) مُلْتَقَطَةٍ مِنْ مَوْضِعِ الْتِقَاطِهَا (لِمَوْضِعِهِ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْهَا لِمَوْضِعِهِ بِأَنْ رَكِبَهَا لِغَيْرِهِ (ضَمِنَ) قِيمَتَهَا إنْ هَلَكَتْ بِسَبَبِ رُكُوبِهَا وَأُجْرَتِهَا إنْ سَلِمَتْ.
مُطَرِّفٌ لِوَاجِدِ ضَالَّةِ الدَّوَابِّ رُكُوبُهَا إلَى مَوْضِعِهِ لَا فِي حَوَائِجِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا (وَ) لَهُ (غَلَّاتُهَا) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ اللَّامِ.
" غ " الْمُرَادُ بِالْغَلَّةِ هُنَا لَبَنُهَا وَزُبْدُهَا وَسَمْنُهَا دُونَ صُوفِهَا وَدُونَ كِرَائِهَا، بِدَلِيلِ تَقْدِيمِ الْكِرَاءِ، وَالصُّوفُ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّسْلِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي خِيَارِ النَّقِيصَةِ، بِخِلَافِ وَلَدٍ وَثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ وَصُوفٍ تَمَّ أَوْ لَا (دُونَ نَسْلِهَا) سَمِعَ الْقَرِينَانِ نِتَاجُ الضَّالَّةِ مِثْلُهَا وَلَبَنُهَا.
عِيسَى لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ نِتَاجِهَا وَخَفَّفَ أَكْلَ لَبَنِهَا يُرِيدُ بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ كَالْوَصِيِّ فِي مَالِ يَتِيمَتِهِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا لَهُ قَدْرٌ يَشِحُّ بِهِ رَبُّهُ كَلُقَطَةٍ وَمَا لَا يَشِحُّ بِهِ لَهُ أَكْلُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ نَسْلُ الضَّالَّةِ الْمُعَرَّفَةِ وَصُوفُهَا مِثْلُهَا فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
وَأَمَّا مَنَافِعُ اللُّقَطَةِ وَغَلَّاتُهَا وَلَبَنُهَا فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لِلْمُلْتَقِطِ وَلَا يُتْبَعُ بِذَلِكَ، وَيُتْبَعُ بِهَا وَبِنَسْلِهَا خَاصَّةً.
وَقِيلَ يُتْبَعُ بِالْجَمِيعِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ الْبَقَرَ وَغَيْرَهُ فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَأْمُونًا، وَلَهُ الرُّكُوبُ، وَلَهُ بَيْعُ مَا يُخَافُ ضَيَاعُهُ وَتَلَفُهُ
. (وَ) إنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى اللُّقَطَةِ نَفَقَةً (خُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً (رَبُّهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (بَيْنَ فَكِّهَا بِ) دَفْعِ عِوَضِ (النَّفَقَةِ) لِلْمُلْتَقِطِ (وَإِسْلَامِهَا)
وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ
بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكَيْنِ؛ أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ:
[منح الجليل]
لِمُلْتَقِطِهَا فِي النَّفَقَةِ الَّتِي أَنْفَقَهَا عَلَيْهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَا أُنْفِقَ عَلَى الدَّوَابِّ أَوْ مَا اُلْتُقِطَ مِنْ رَقِيقٍ أَوْ إبِلٍ، كَأَنْ أَسْلَمَهَا رَبُّهَا أَوْ غَنَمٍ أَوْ مَتَاعٍ أُكْرِيَ عَلَى حَمْلِهِ مِنْ مَوْضِعٍ لِآخَرَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ أَوْ دُونَهُ فَلَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ حَتَّى يَدْفَعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ رَبُّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي رُهُونِهَا الْمُنْفِقُ عَلَى الضَّالَّةِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ نَفَقَتَهُ.
الشَّيْخُ فِي كُتُبِ أَشْهَبَ وَغَيْرِهَا لِرَبِّ الدَّوَابِّ وَالْمَاشِيَةِ أَخْذُهَا وَإِسْلَامُهَا، فَإِنْ أَسْلَمَهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَخْذُهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَا فِي الْآبِقِ إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ بَاعَهَا) أَيْ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ (بَعْدَهَا) أَيْ السَّنَةِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا (فَمَا) أَيْ لَيْسَ (لِرَبِّهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (إلَّا الثَّمَنُ) الَّذِي بِيعَتْ بِهِ، سَوَاءٌ بِيعَتْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ بَيْعِهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا إنْ بِيعَتْ اللُّقَطَةُ بَعْدَ السَّنَةِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ، وَإِنْ بِيعَتْ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُ ثَمَنِهَا مِمَّنْ قَبَضَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الدَّوَابِّ إذَا بِيعَتْ.
ابْنُ يُونُسَ جَعَلَ أَشْهَبُ بَيْعَ الثِّيَابِ بَعْدَ السَّنَةِ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ تَعَدِّيًا، وَجَعَلَهُ يَنْقُضُ الْبَيْعَ فِي الدَّوَابِّ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَشَأْنَكَ بِهَا» فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِهَذَا أَبْيَنُ.
(بِخِلَافِ) مَا (لَوْ وَجَدَهَا) أَيْ الْمُسْتَحِقِّ اللُّقَطَةَ (بِيَدِ الْمِسْكَيْنِ) الَّذِي تَصَدَّقَ الْمُلْتَقِطُ بِهَا عَلَيْهِ (أَوْ) وَجَدَهَا بِيَدِ شَخْصٍ (مُبْتَاعٍ) أَيْ مُشْتَرٍ (مِنْهُ) أَيْ الْمِسْكَيْنِ فَلَهُ أَخْذُهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
فِيهَا إذَا تَصَدَّقَ بِاللُّقَطَةِ بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِيَدِ الْمَسَاكِينِ فَلَهُ أَخْذُهَا وَإِنْ أَكَلُوهَا فَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُمْ لِأَنَّهُ قِيلَ فِي اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ شَأْنُهُ بِهَا بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ لَهُ يَأْكُلُ الْهِبَةَ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ هَذَا لِرَبِّهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ.
ابْنُ يُونُسَ إنْ تَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ الْتِزَامِ قِيمَتِهَا لِرَبِّهَا فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا الْتَزَمَ أَوْ يَأْخُذَهَا مِنْ يَدِ الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا تَعَدِّيًا أَوْ عَنْ رَبِّهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا أَخْذُهَا، وَإِنْ فَاتَتْ فِي الْوَجْهَيْنِ لَزِمَ مُلْتَقِطَهَا قِيمَتُهَا.
فَلَهُ أَخْذُهَا؛ وَلِلْمُلْتَقِطِ: الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا، إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ،
وَإِنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا، فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتِهَا.
[منح الجليل]
ابْنُ الْقَاسِمِ وُجِدَتْ بِيَدِ مَنْ ابْتَاعَهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ فِيهِ أَخْذُهَا ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ.
ابْنُ يُونُسَ جَعَلَ ابْنَ الْقَاسِمِ لِرَبِّهَا نَقْضُ بَيْعِ الْمَسَاكِينِ لَهَا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ نَقْضَ بَيْعِهَا الْمُلْتَقَطَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ بَاعَهَا خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِهَا وَأَوْقَفَ لَهُ ثَمَنَهَا فَلَمْ يُنْقَضْ بَيْعُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَشَأْنَك بِهَا» وَالْمَسَاكِينُ إنَّمَا بَاعُوهَا عَلَى أَنَّهَا مِلْكُهُمْ فَلِمُسْتَحِقِّهَا نَقْضُ بَيْعِهِمْ كَنَقْضِهِ بَيْعَ الْمُشْتَرِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
ابْنُ يُونُسَ وَإِذَا أَخَذَهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ رَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمَسَاكِينِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِأَيْدِيهِمْ كَمَا كَانَ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكَلُوهَا فَالْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ الَّذِي سَلَّطَهُمْ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ أَكَلُوهَا.
(وَلِل) شَخْصِ الـ (مُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمِسْكِينِ بِاللُّقَطَةِ إنْ وَجَدَهَا عِنْدَهُ وَبِثَمَنِهَا إنْ وَجَدَهُ عِنْدَهُ إنْ أَخَذَ صَاحِبُهَا (مِنْهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ (قِيمَتُهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ) الْمُلْتَقِطُ (بِهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمِسْكَيْنِ بِشَيْءٍ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي عَيْنِهَا إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ.
ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ إنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ، وَأَخَذَ قِيمَتَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِشَيْءٍ.
(وَإِنْ نَقَصَتْ) لُقَطَةٌ عِنْدَ مُلْتَقِطِهَا (بَعْدَ نِيَّةِ) مُلْتَقِطِهَا لِ (تَمَلُّكِهَا) بَعْدَ السَّنَةِ (فَلِرَبِّهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (أَخْذُهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ مِنْ مُلْتَقِطِهَا نَاقِصَةً بِلَا أَرْشٍ لِنَقْصِهَا (أَوْ) أَخَذَ (قِيمَتَهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ يَوْمَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا وَتَرَكَهَا لِمُلْتَقِطِهَا، وَمَفْهُومُ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا أَنَّهَا إنْ نَقَصَتْ بِسَمَاوِيٍّ قَبْلَهَا أَوْ فِي السَّنَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخَذُهَا نَاقِصَةً.
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ نَقَصَتْ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِاسْتِعْمَالِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ إذَا وَجَدَهَا رَبُّهَا بِيَدِ مُلْتَقِطِهَا وَقَدْ نَقَصَهَا بِاسْتِعْمَالِهِ فَلَهُ أَخْذُهَا وَمَا نَقَصَهَا، وَإِنْ أَنْهَكَهَا فَفِي تَخْيِيرِهِ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا أَوْ أَخَذَهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي نَقْصِهَا أَوْ مَعَ قِيمَةِ نَقْصِهَا.
ثَالِثُهَا لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا نَقَصَهَا.
طفي وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كَمَا تَرَى لَيْسَتْ
وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً
[منح الجليل]
فِي فَرْضِ الْمُصَنِّفِ مِنْ نَقْصِهَا بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا بَعْدَ السَّنَةِ، بَلْ فِي نَقْصِهَا عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِهِ لَا بِقَيْدِ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا بَعْدَ السَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَوَجَبَ لَقْطُ) بِسُكُونِ الْقَافِ وَإِهْمَالِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ (طِفْلٍ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ صَبِيٍّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (نُبِذَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِعْجَامِ الذَّالِ، أَيْ طُرِحَ لِوُجُوبِ حِفْظِ النَّفْسِ وُجُوبًا (كِفَايَةً) مِمَّنْ قَامَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ لِحُصُولِ الْحِفْظِ بِهِ فَلَا يُلْقَطُ بَالِغٌ وَلَا طِفْلٌ غَيْرُ مَنْبُوذٍ، وَيُعْلَمُ كَوْنُهُ مَنْبُوذًا بِقَرِينَةِ الْحَالِ.
ابْنُ شَاسٍ كُلُّ صَبِيٍّ ضَائِعٍ لَا كَافِلَ لَهُ فَالْتِقَاطُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: ابْنُ عَرَفَةَ اللَّقِيطُ صَغِيرٌ آدَمِيٌّ لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ وَلَا رِقُّهُ فَخَرَجَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ الْمَعْلُومَةِ وَمَنْ عُلِمَ رِقُّهُ لُقَطَةً الْمِسْنَاوِيُّ وَفِيهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ الرَّقِيقَ مِنْ حَدِّ اللُّقَطَةِ أَيْضًا، قَوْلُهُ إنَّهُ آبِقٌ لَا لُقَطَةٌ وَلَا لَقِيطٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ أَيْضًا لِأَنَّ الْآبِقَ عُرْفًا هُوَ الْفَارُّ مِنْ سَيِّدِهِ.
الثَّانِي: ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ تَابِعًا لِلْغَزَالِيِّ هُوَ طِفْلٌ ضَائِعٌ لَا كَافِلَ لَهُ قَبْلَهُ.
ابْنُ هَارُونَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِطِفْلٍ كَذَلِكَ مَعْلُومٍ أَبَوَاهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَقِيطٍ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ وَهُوَ كَوْنُ إرْثِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي وَلَائِهَا.
اللَّقِيطُ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ لِمَنْ الْتَقَطَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ يَشَاءُ وَالْمُسْلِمُونَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ مَا جَنَى وَيَرِثُونَهُ.
الثَّالِثُ: ابْنُ عَرَفَةَ أَطْلَقَ ابْنُ شَعْبَانَ عَلَيْهِ لَفْظَ مَنْبُوذٍ وَتَرْجَمَ عَلَى أَحْكَامِهِ فِي الْمُوَطَّإِ بِالْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ.
وَفِي صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ الْمَنْبُوذُ اللَّقِيطُ.
اللَّخْمِيُّ الْمَنْبُوذُ كَاللَّقِيطِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالدَّيْنِ، وَاخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَنْبُوذُ لِزَنْيَةٍ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ، وَيُحَدُّ قَاذِفُ اللَّقِيطِ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ، وَقِيلَ الْمَنْبُوذُ مَنْ نُبِذَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَشَأْنُ ذَلِكَ فِيمَا وَلَدُ لِزِنًا وَاللَّقِيطُ مَنْ طُرِحَ فِي الشِّدَّةِ وَالْجَدْبِ وَلِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِثْلُهُ قَالَ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا مَنْبُوذُ قَالَ مَا يُعْلَمُ مَنْبُوذٌ إلَّا وَلَدَ الزِّنَا وَعَلَى قَائِلِهِ الْحَدُّ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ اسْتَلْحَقَ لَقِيطًا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَيَسْمَعُ قَوْلَ النَّاسِ إنْ طُرِحَ عَاشَ، وَهَذَا إنَّمَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ.
وَحَضَانَتُهُ وَنَفَقَتُهُ إنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ الْفَيْءِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَ كَهِبَةٍ أَوْ يُوجَدَ مَعَهُ أَوْ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ، إنْ كَانَ مَعَهُ رُقْعَةٌ
[منح الجليل]
الرَّابِعُ: ابْنُ عَرَفَةَ عَبَّرَ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ حُكْمِ الْتِقَاطِهِ بِقَوْلِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ الْمَنْبُوذُ وَلَا يُتْرَكَ.
وَفِي الْمَعُونَةِ مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَوْ تَرَكَهُ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَلْزَمُ الْكَافَّةَ إعَانَتُهُ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ تَابِعًا الْغَزَالِيَّ إلَى الْتِقَاطِهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَمْ أَعْرِفْهَا.
وَالظَّاهِرُ إنْ كَانَ بَيْتُ مَالٍ تَعَيَّنَ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ حِفْظُهُ وَعَلَى مَنْ أَبْصَرَهُ رَفْعُ عِلْمِهِ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ الْغَالِبُ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَى الْقَادِرِينَ عَلَى حِفْظِهِ وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ إنْ خَافَ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ إنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ أَخْذُهُ هُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَمَاتَ تَخَرَّجَ عَلَى قَوْلِهَا أَوَّلُ حَرِيمِ الْبِئْرِ إنْ لَمْ يَقْوَ الْمُسَافِرُونَ عَلَى دَفْعِهِمْ حَتَّى مَاتُوا عَطَشًا فَدِيَتُهُمْ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا.
(وَ) وَجَبَتْ (حَضَانَتُهُ) أَيْ تَرْبِيَةُ اللَّقِيطِ وَحِفْظُهُ عَلَى مُلْتَقِطِهِ لِالْتِزَامِهِ ذَلِكَ بِأَخْذِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ حَضَانَةُ اللَّقِيطِ عَلَى مُلْتَقِطِهِ اتِّفَاقًا (وَ) وَجَبَتْ (نَفَقَتُهُ) أَيْ اللَّقِيطِ عَلَى مُلْتَقِطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الذَّكَرُ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ وَيَدْخُلَ بِالْأُنْثَى زَوْجُهَا (إنْ لَمْ يُعْطَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ اللَّقِيطُ (مِنْ الْفَيْءِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَهَمْزٌ، أَيْ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَكْفِيهِ (إلَّا أَنْ يَمْلِكَ) اللَّقِيطُ (كَهِبَةٍ) وَصَدَقَةٍ وَغَلَّةٍ حُبِسَ (أَوْ) إلَّا أَنْ (يُوجَدَ مَعَهُ) أَيْ اللَّقِيطِ (مَالٌ) مَرْبُوطٌ فِي لِفَافَتِهِ (أَوْ) يُوجَدَ شَيْءٌ (مَدْفُونٌ) تَحْتَهُ (إنْ كَانَتْ مَعَهُ) أَيْ اللَّقِيطِ (رُقْعَةٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مِنْ وَرَقٍ أَوْ جِلْدٍ مَكْتُوبٍ فِيهَا إنَّ الْمَدْفُونَ تَحْتَ اللَّقِيطِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ رُقْعَةٌ كَذَلِكَ فَلَيْسَ الْمَدْفُونُ لَهُ، بَلْ هُوَ رِكَازٌ إنْ كَانَ دَفْنَ جَاهِلِيٍّ وَإِلَّا فَهِيَ لُقَطَةٌ.
ابْنُ شَاسٍ نَفَقَةُ اللَّقِيطِ فِي مَالِهِ وَهُوَ مَا وُقِفَ عَلَى اللَّقِيطِ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ أَوْ مَا وُجِدَ تَحْتَ يَدِ اللَّقِيطِ عِنْدَ الْتِقَاطِهِ لِكَوْنِهِ مَلْفُوفًا عَلَيْهِ.
وَفِي الزَّاهِيِّ إنْ وُجِدَ عَلَى فِرَاشٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَعَهُ مَالٌ مَشْدُودٌ فَهُوَ لَهُ.
ابْنُ شَاسٍ وَأَمَّا الْمَالُ الْمَدْفُونُ فِي الْأَرْضِ تَحْتَهُ فَلَيْسَ هُوَ لَهُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ مَعَهُ رُقْعَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِأَنَّهُ لَهُ فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنْ
وَرُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ إنْ طَرَحَهُ عَمْدًا، وَالْقَوْلُ لَهُ إنْ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً
[منح الجليل]
لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَالَ الْبَاجِيَّ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَلَى مُلْتَقِطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغْنِيَ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَأْذَنَ الْإِمَامَ وَفِي عِتْقِهَا الثَّانِي اللَّقِيطُ حُرٌّ وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَفِي كِتَابِ الْجُعْلِ أَجْرُ رَضَاعِ اللَّقِيطِ.
وَمَنْ لَا مَالَ لَهُ مِنْ الْيَتَامَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
(وَ) وَجَبَ لِلْمُلْتَقِطِ (رُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ) أَيْ اللَّقِيطِ بِعِوَضِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ (إنْ طَرَحَهُ) أَيْ الْأَبُ اللَّقِيطَ (عَمْدًا) ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَأَتَى رَجُلٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ فَلْيَتْبَعْهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فِي حِينِ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ هَذَا إنْ تَعَمَّدَ الْأَبُ طَرْحَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ طَرَحَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ بِحَالٍ لِأَنَّ الْمُنْفِقَ مُحْتَسَبٌ.
اللَّخْمِيُّ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَبْيَنُ لِأَنَّ الْمُنْفِقَ يَقُولُ لَوْ عَلِمْت أَنَّ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَمْ أُنْفِقْ عَلَيْهِ.
وَفِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي صَغِيرٍ ضَلَّ مِنْ وَالِدِهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَلَا يَتْبَعُ أَبَاهُ بِشَيْءٍ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ اللَّقِيطُ الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ الْأَبُ طَرْحَهُ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ (وَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ بِيَمِينِهِ (أَنَّهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ (لَمْ يُنْفِقْ) الْمُلْتَقِطُ عَلَيْهِ (حِسْبَةً) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ تَبَرُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى إذَا ادَّعَى الْأَبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ حِسْبَةً، وَهَذَا إذَا أُشْكِلَ الْأَمْرُ وَلَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ ثَبَتَ لَهُ أَبٌ بِبَيِّنَةٍ وَطَرَحَهُ عَمْدًا لَزِمَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ حِسْبَةً فَلَا رُجُوعَ لَهُ، فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْفِقِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَهِمَ ابْنَ الْحَاجِبِ وَشَارِحَاهُ الْمَذْهَبَ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ حِسْبَةً فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ مَعَ تَعَمُّدِهِ.
طَرْحَهُ، وَمُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ، وَأَنَّ لِمَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ احْتِسَابًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ لَهُ أَبًا مُوسِرًا تَعَمَّدَ طَرْحَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ وَتَقَدَّمَ نَصُّهَا وَيُرَشِّحُهُ اللَّخْمِيُّ بِقَوْلِهِ إنَّهُ يَقُولُ لَوْ عَلِمْت لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مَا أَنْفَقْت عَلَيْهِ،
وَهُوَ حُرٌّ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي قُرَى الْمُسْلِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتَانِ، إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ، وَإِنْ فِي قُرَى الشِّرْكِ فَمُشْرِكٌ
وَلَمْ يَلْحَقْ بِمُلْتَقِطِهِ وَلَا غَيْرِهِ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِوَجْهٍ
[منح الجليل]
وَهُوَ) أَيْ اللَّقِيطُ (حُرٌّ) لَا رِقَّ لِمُلْتَقِطِهِ (وَوَلَاؤُهُ) أَيْ مِيرَاثُ اللَّقِيطِ إذَا مَاتَ بِلَا وَارِثٍ (لِ) بَيْتِ مَالِ (الْمُسْلِمِينَ) لَا لِمُلْتَقِطِهِ.
فِيهَا اللَّقِيطُ حُرٌّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَقْلُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ (وَحُكِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِإِسْلَامِهِ) أَيْ اللَّقِيطِ إنْ وُجِدَ (فِي قُرَى) بِضَمِّ الْقَافِ جَمْعُ قَرْيَةٍ (الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ، وَشَبَّهَ فِي الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ، حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (لَمْ يَكُنْ) يُوجَدُ (فِيهَا) أَيْ الْقَرْيَةِ الَّتِي وُجِدَ اللَّقِيطُ فِيهَا (إلَّا بَيْتَانِ) لِلْمُسْلِمِينَ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ و) إنْ وُجِدَ (فِي قُرَى الشِّرْكِ) أَيْ الْكُفْرِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بَيْتَانِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ (مُشْرِكٌ) أَيْ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ وَلَوْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِيهَا، قُلْت مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فِي مَدِينَةٍ إسْلَامٍ أَوْ فِي قَرْيَةٍ لِلشِّرْكِ فِي أَرْضِهِ أَوْ كَنِيسَةٍ أَوْ بِيعَةٍ وَعَلَيْهِ زِيُّ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ الْمُسْلِمِينَ وَكَيْفَ إنْ كَانَ الَّذِي الْتَقَطَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مَا حَالُهُ، فَقَالَ إنْ الْتَقَطَهُ نَصْرَانِيٌّ فِي قُرَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَ فِي قُرَى أَهْلِ الشِّرْكِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لِلنَّصَارَى وَلَا يُعْرَضُ لَهُ إلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ هُنَاكَ مُسْلِمٌ فَيَحْمِلَهُ عَلَى دِينِهِ.
(وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يَلْحَقْ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ نَسَبُ اللَّقِيطِ (بِمُلْتَقِطِهِ وَلَا) بِ (غَيْرِهِ إلَّا بِبَيِّنَةِ) شَاهِدَةٍ بِثُبُوتِ نَسَبِهِ بِمُلْتَقِطِهِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ بِوَجْهٍ) أَيْ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِ مُدَّعِيهِ كَشُهْرَتِهِ بِمَوْتِ أَوْلَادِهِ وَسَمَاعِهِ قَوْلَ بَعْضِ الْعَوَامّ إنْ طُرِحَ الْوَلَدُ يَوْمَ وِلَادَتِهِ عَاشَ، فَزَعَمَ أَنَّهُ طَرَحَهُ لِذَلِكَ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ
وَلَا يَرُدُّهُ بَعْدَ أَخْذِهِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ لِيَرْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ
وَقُدِّمَ الْأَسْبَقُ ثُمَّ الْأَوْلَى، وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ،
[منح الجليل]
فَلَا يُصَدَّقُ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِدَعْوَاهُ وَجْهٌ كَرَجُلٍ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ رَمَاهُ لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْلَ النَّاسِ إذَا طُرِحَ عَاشَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُلْتَقِطُ قَالَ أَرَاهُ شَاهِدًا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مَعَ الْيَمِينِ فِي النَّسَبِ.
(وَلَا يَرُدُّهُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ، أَيْ الْمُلْتَقِطُ اللَّقِيطَ (بَعْدَ أَخْذِهِ) لِتَعَيُّنِ حَضَانَتِهِ عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ اللَّقِيطَ (لِيَدْفَعَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ اللَّقِيطَ (لِلْحَاكِمِ) لَا لِقَصْدِ تَرْبِيَتِهِ (فَلَمْ يَقْبَلْهُ) أَيْ الْحَاكِمُ اللَّقِيطَ فَلِلْمُلْتَقِطِ رَدُّهُ لِمَوْضِعِ الْتِقَاطِهِ (وَ) الْحَالُ (الْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ) لِلنَّاسِ كَثِيرًا.
الْبَاجِيَّ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مَطْرُوقًا وَأَيْقَنَ أَنَّ غَيْرَهُ يَأْخُذُهُ وَإِلَّا فَلَا يَرُدُّهُ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُهُ لِلتَّلَفِ.
ابْنُ عَرَفَةَ أَشْهَبُ مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَلَيْسَ لَهُ تَرَكَهُ إنْ أَخَذَهُ لِيُرَبِّيَهُ وَإِنْ أَخَذَهُ لِيَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فَلَا ضِيقَ عَلَيْهِ فِي رَدِّهِ لِمَوْضِعِ أَخْذِهِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ أَخَذَ لَقِيطًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ الْتِزَامَ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ قَبِلَ قَوْلَهُ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْهَلَاكِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ فِيهِ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ يُسَارِعُ النَّاسُ إلَى أَخْذِهِ.
(وَ) إنْ ازْدَحَمَ عَلَى اللَّقِيطِ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ وَكُلٌّ مِنْهُمْ صَالِحٌ لِحَضَانَتِهِ وَأَرَادَ كُلٌّ أَخْذَهُ (قُدِّمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الشَّخْصُ (الْأَسْبَقُ) أَيْ السَّابِقُ مِنْهُمْ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ أَسْبَقُ قُدِّمَ الشَّخْصُ (الْأَوْلَى) بِفَتْحِ الْهَمْزِ، أَيْ الْأَحَقُّ بِكَفَالَتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَسْبَقُ وَلَا أَوْلَى (فَالْقُرْعَةُ) تُضْرَبُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ بِتَقْدِيمِهِ قُدِّمَ.
ابْنُ شَاسٍ لَوْ ازْدَحَمَ اثْنَانِ عَلَى اللَّقِيطِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَهْلٌ قُدِّمَ مَنْ سَبَقَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلصَّبِيِّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِيهِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَفِيهَا مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَكَابَرَهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَنَزَعَهُ مَنَعَهُ فَرَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ إلَيْهِمَا فَأَيُّهُمَا كَانَ أَقْوَى عَلَى مُؤْنَتِهِ وَكِفَايَتِهِ
وَيَنْبَغِي الْإِشْهَادُ
وَلَيْسَ لِمُكَاتَبٍ وَنَحْوَهُ الْتِقَاطٌ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ
وَنُزِعَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِهِ
[منح الجليل]
وَكَانَ مَأْمُونًا دَفَعَهُ إلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ تَابِعًا لِلْغَزَالِيِّ إنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
(وَيَنْبَغِي الْإِشْهَادُ) عَلَى الْتِقَاطِهِ خَوْفَ اسْتِرْقَاقِهِ أَوْ تَبَنِّيه.
ابْنُ شَاسٍ مَنْ أَخَذَ لَقِيطًا فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ خَوْفَ الِاسْتِرْقَاقِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَعْرِفْهُ نَصًّا إلَّا لِلْغَزَالِيِّ، وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْإِشْهَادِ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ خِلَافَ ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ نَدْبِهِ
(وَلَيْسَ لِ) رَقِيقٍ (مُكَاتَبٍ وَنَحْوِهِ) كَمُدَبَّرٍ وَمُبَعَّضٍ وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ وَأُمِّ وَلَدٍ وَوَلَدِهَا غَيْرِ سَيِّدِهَا وَأَوْلَى الْقِنُّ (الْتِقَاطٌ) لِلَّقِيطِ (بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ) فَإِنْ أَذِنَ فَهُوَ الْمُلْتَقِطُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي وَجِيزِ الْغَزَالِيِّ لَوْ الْتَقَطَ الْعَبْدُ أَوْ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ اُنْتُزِعَ مِنْ أَيْدِيهِمَا، فَإِنَّ الْحَضَانَةَ تَبَرُّعٌ وَهُمَا مَمْنُوعَانِ مِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ فَهُوَ الْمُلْتَقِطُ وَنَقَلَهُ ابْنُ شَاسٍ كَأَنَّهُ نَصُّ الْمَذْهَبِ وَلَمْ أَعْرِفُهُ نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ لَكِنَّهُ مُقْتَضَى أَصْلِهِ، وَالْحَقُّ أَنْ لَا يُنْقَلَ عَلَى أَنَّهُ نَصٌّ فِيهِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ مُقْتَضَاهُ.
الْحَطّ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِأَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِتَرْبِيَتِهِ وَنَفَقَتِهِ عَنْ سَيِّدِهِ وَنَصَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ فَيُتَوَهَّمُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَوَجْهُ مَنْعِهِ أَنَّ اللَّقِيطَ يَحْتَاجُ إلَى حَضَانَةٍ وَهِيَ تَبَرُّعٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَانْظُرْ الزَّوْجَةَ هَلْ يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا؟ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَنُزِعَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ لَقِيطٌ (مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ) بِالْتِقَاطِهِ فِي قَرْيَةِ مُسْلِمِينَ، وَصِلَةُ نُزِعَ (مِنْ) مُلْتَقِطٍ (غَيْرِهِ) أَيْ الْمُسْلِمِ وَهُوَ الْكَافِرُ خَوْفَ تَرْبِيَتِهِ عَلَى دِينِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا اللَّقِيطُ فِي قُرَى الْإِسْلَامِ مُسْلِمٌ وَلَوْ الْتَقَطَهُ كَافِرٌ.
مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ إنْ الْتَقَطَهُ نَصْرَانِيٌّ نُزِعَ مِنْهُ لِئَلَّا يُنَصِّرَهُ أَوْ يَسْتَرِقَّهُ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إنْ الْتَقَطَتْ نَصْرَانِيَّةٌ صَبِيَّةً فَرَبَّتهَا حَتَّى بَلَغَتْ عَلَى دِينِهَا رُدَّتْ لِلْإِسْلَامِ وَهِيَ حُرَّةٌ.
اللَّخْمِيُّ فِي عِتْقِهَا الثَّانِي إنْ الْتَقَطَ كَافِرٌ لَقِيطًا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ فَرَبَّاهُ عَلَى دِينِهِ فَلَا يُتْرَكْ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ عَلَيْهَا فَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُقَرُّ عَلَيْهَا.
وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ؛ فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَهُ لِلْإِمَامِ وَوُقِفَ سَنَةً، ثُمَّ بِيعَ وَلَا يُهْمَلُ، وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ
[منح الجليل]
وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (أَخْذُ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ رَقِيقٍ (آبِقٍ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ هَارِبٍ مِنْ مَالِكِهِ (لِمَنْ) أَيْ شَخْصٍ أَوْ الشَّخْصِ الَّذِي (يَعْرِفُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (رَبَّهُ) قَرِيبًا كَانَ أَوْ جَارًا أَوْ غَيْرَهُمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ (فَلَا) يُنْدَبُ لَهُ أَخْذُهُ (فَإِنْ أَخَذَهُ) وَهُوَ لَا يَعْرِفُ رَبَّهُ (رَفَعَهُ) أَيْ الْآخِذُ الْآبِقَ (لِلْإِمَامِ) أَيْ حَاكِمِ بَلَدِهِ إمَامًا كَانَ أَوْ نَائِبَهُ (وَ) إذَا رَفَعَهُ لَهُ (وُقِفَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْآبِقُ عِنْدَهُ (سَنَةً) وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَظْهَرْ رَبُّهُ (بِيعَ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْآبِقُ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ (وَلَا يُهْمَلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَمْرُهُ عَنْ الْبَيَانِ فَيَكْتُبُ اسْمَهُ وَصِفَاتِهِ وَبَلَدَهُ وَثَمَنَهُ الَّذِي بِيعَ بِهِ وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ ادَّعَاهُ قَابَلَ كَلَامَهُ بِالْمَكْتُوبِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَهُ دَفَعَ لَهُ بَقِيَّةَ ثَمَنِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَى لَا يُهْمَلُ لَا يُتْرَكُ بَعْدَ السَّنَةِ يَذْهَبُ حَيْثُ يَشَاءُ كَضَالَّةِ الْأَبِ.
(وَ) إذَا بَاعَهُ الْإِمَامُ (أَخَذَ) الْإِمَامُ (نَفَقَتَهُ) أَيْ الْآبِقِ الَّتِي أُنْفِقَتْ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ ثَمَنِهِ الَّذِي بِيعَ بِهِ وَجَعَلَ بَقِيَّةَ ثَمَنِهِ أَمَانَةً لِرَبِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَنْ وَجَدَ آبِقًا فَلَا يَأْخُذُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ فَهُوَ فِي سِعَةِ وَمَنْ أَخَذَ آبِقًا رَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَوَقَفَهُ سَنَةً وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلَّا بَاعَهُ وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ وَحَبَسَ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ لِرَبِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
سَحْنُونٌ لَا أَرَى أَنْ يُوقِفَهُ سَنَةً وَلَكِنْ بِقَدْرِ مَا يَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ ثُمَّ يُبَاعُ وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ صِفَتَهُ عِنْدَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبُهُ.
ابْنُ يُونُسَ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَبِيعُ الْإِبَاقَ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَا يَأْمُرُ بِاطِّلَاقِهِمْ يَعْمَلُونَ وَيَأْكُلُونَ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ لِأَنَّهُمْ يَأْبَقُونَ ثَانِيَةً.
وَمَضَى بَيْعُهُ: وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْته وَلَهُ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ، وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ؛ وَضَمِنَهُ إنْ أَرْسَلَهُ، إلَّا لِخَوْفٍ مِنْهُ: كَمَنْ اسْتَأْجَرَهُ فِيمَا يَعْطَبُ فِيهِ،
[منح الجليل]
وَ) إذَا بَاعَهُ الْإِمَامُ (مَضَى بَيْعُهُ) أَيْ الْآبِقِ (وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْته) أَيْ الْآبِقَ قَبْلَ بَيْعِهِ لِاتِّهَامِهِ بِالتَّحَيُّلِ عَلَى نَقْضِ بَيْعِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ لَهُ بِإِعْتَاقِهِ قَبْلَهُ فَيُنْقَضُ بَيْعُهُ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ جَاءَ رَبُّ الْآبِقِ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ السَّنَةِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا ثَمَنُهُ وَلَا يَرُدُّ بَيْعَهُ لِأَنَّ الْإِمَامَ بَاعَهُ وَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَلَوْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْته أَوْ دَبَّرْته بَعْدَ إبَاقِهِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
(وَلَهُ) أَيْ رَبُّ الْآبِقِ (عِتْقُهُ) أَيْ الْآبِقِ نَاجِزًا مَجَّانًا وَعَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارِهِ وَإِلَى أَجَلٍ وَكِتَابَتُهُ وَتَدْبِيرُهُ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ وَالْإِيصَاءُ بِهِ (وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وَتُقَامُ عَلَيْهِ) أَيْ الْآبِقِ (الْحُدُودُ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِزِنًا وَسَرِقَةٍ وَشُرْبِ مُسْكِرٍ وَقَذْفٍ وَرِدَّةٍ وَتَرْكِ صَلَاةٍ وَنَحْوِهَا.
فِيهَا يَجُوزُ لِسَيِّدِ الْآبِقِ عِتْقُهُ وَتَدْبِيرُهُ.
وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ لِثَوَابٍ، وَإِنْ زَنَى الْآبِقُ أَوْ سَرَقَ أَوْ قَذَفَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
(وَضَمِنَهُ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَيْ الْآبِقَ آخِذُهُ (إنْ أَرْسَلَهُ) أَيْ أَطْلَقَ الْآخِذُ الْآبِقَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا) إرْسَالَهُ (لِخَوْفٍ مِنْهُ) أَيْ الْآبِقِ أَنْ يَقْتُلَ آخِذَهُ أَوْ يَضُرَّهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَلَا يُوجِبُ إرْسَالُهُ ضَمَانَهُ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ أَخَذَ آبِقًا فَأَبَقَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ ضَمِنَهُ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَوْ خَلَّاهُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهُ لِعُذْرٍ بِأَنْ خَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يَضُرَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ لِشِدَّةِ النَّفَقَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَشَبَّهَ فِي الضَّمَانِ فَقَالَ (كَمَنْ) أَيْ شَخْصٍ أَوْ الشَّخْصِ الَّذِي (اسْتَأْجَرَهُ) أَيْ الْآبِقُ مِنْ نَفْسِهِ (فِيمَا) أَيْ عَمِلَ (يَعْطَبُ) الْآبِقُ (فِيهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ وَعَطِبَ فَيَضْمَنُهُ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ اسْتَأْجَرَ آبِقًا فَعَطِبَ فِي عَمَلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ آبِقٌ ضَمِنَهُ لِرَبِّهِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ أَجَرَ عَبْدًا عَلَى تَبْلِيغِ كِتَابٍ إلَى بَلَدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَبْدٌ فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ، ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْآبِقَ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي عَمَلٍ
لَا إنْ أَبَقَ مِنْهُ وَإِنْ مُرْتَهِنًا وَحَلَفَ، وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ: بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَأَخَذَهُ، إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ إنْ صَدَّقَهُ وَلْيُرْفَعْ لِلْإِمَامِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ مُسْتَحِقَّهُ، إنْ لَمْ يَخَفْ ظُلْمَهُ
[منح الجليل]
يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَهَلَكَ فِيهِ.
اهـ. فَإِنْ كَانَ لَا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَلِرَبِّهِ أُجْرَتُهُ إنْ كَانَ لَهُ بَالٌ لَا مَا لَا بَالَ لَهُ كَسَقْيِ دَابَّةٍ وَشِرَاءِ خُضْرَةٍ.
(لَا) يَضْمَنُ آخِذُ الْآبِقِ (إنْ أَبَقَ) الْآبِقُ (مِنْهُ) أَيْ آخِذِهِ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ أَخَذَ آبِقًا فَأَبَقَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَبَالَغَ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ بِالْإِبَاقِ فَقَالَ لَا يَضْمَنُ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ عَبْدٌ لِغَيْرِهِ.
فَأَبَقَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُرْتَهَنًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الرَّقِيقُ (مُرْتَهَنًا) بِفَتْحِ الْهَاءِ، أَيْ مَرْهُونًا فِي دَيْنٍ وَأَبَقَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِكَسْرِ الْهَاءِ (وَحَلَفَ) الْمُرْتَهِنُ بِالْكَسْرِ أَنَّهُ أَبَقَ مِنْهُ فَلَا يَضْمَنُ لِرَاهِنِهِ، فِيهَا إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ فَلَا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ وَيَصْدُقُ فِي إبَاقِهِ وَلَا يَحْلِفُ وَكَانَ عَلَى حَقِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّبَّاغِ وَيَحْلِفُ (وَاسْتَحَقَّهُ) أَيْ الْآبِقَ (سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ) شَهِدَ لَهُ بِهِ (وَيَمِينٍ) مِنْ سَيِّدِهِ أَنَّهُ لَهُ لِأَنَّهُ مَالٌ وَهُوَ يَكْفِي فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ اعْتَرَفَ آبِقًا عِنْدَ السُّلْطَانِ وَأَثْبَتَ شَاهِدًا حَلَفَ مَعَهُ وَأَخَذَ الْعَبْدَ.
(وَ) إنْ ادَّعَى شَخْصٌ أَنَّ الْآبِقَ لَهُ (أَخَذَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي الْآبِقَ (إنْ لَمْ تَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ) أَيْ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَهُ (إنْ صَدَّقَهُ) أَيْ الْآبِقُ الْمُدَّعِيَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَهُ.
ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ التَّلَوُّمِ.
فِيهَا إنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْآبِقَ عَبْدُهُ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَإِنْ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ دُفِعَ إلَيْهِ أَرَادَ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَتَضْمِينِهِ إيَّاهُ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي مَتَاعٍ وُجِدَ مَعَ لُصُوصٍ فَادَّعَاهُ قَوْمٌ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ إنَّ الْإِمَامَ يَتَلَوَّمُ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ سِوَاهُمْ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ الْآبِقُ.
أَشْهَبُ لِأَنَّ هَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ (وَلْيُرْفَعْ) مَنْ أَخَذَ الْآبِقَ أَمْرُهُ (لِلْإِمَامِ) الْعَدْلِ (إذَا لَمْ يَعْرِفْ) آخِذُهُ (مُسْتَحِقَّهُ) أَيْ الْآبِقِ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (إنْ لَمْ يَخَفْ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ آخِذُهُ (ظُلْمَهُ) أَيْ الْإِمَامِ بِأَنْ كَانَ عَادِلًا، فَإِنْ خَافَ ظُلْمَهُ فَلَا
وَإِنْ أَتَى رَجُلٌ بِكِتَابِ قَاضٍ إنَّهُ قَدْ شَهِدَ عِنْدِي: أَنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا فُلَانٌ، هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ، وَوَصَفَهُ، فَلْيُدْفَعْ إلَيْهِ بِذَلِكَ.
[منح الجليل]
يَرْفَعُهُ إلَيْهِ فِيهَا، وَالْآبِقُ إذَا اعْتَرَفَهُ رَبُّهُ فِي يَدِك وَلَمْ تُعَرِّفْهُ فَأَرَى أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ إنْ لَمْ تَخَفْ ظُلْمَهُ.
(وَإِنْ أَتَى رَجُلٌ) قَاضِيًا أَوْ وَالِيًا (بِكِتَابِ قَاضٍ) آخَرَ مَضْمُونُهُ (أَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنَ (قَدْ شَهِدَ عِنْدِي) عَدْلَانِ (أَنَّ صَاحِبَ) أَيْ حَامِلَ (كِتَابِي هَذَا فُلَانٌ) كِنَايَةٌ عَنْ عَلَمِ شَخْصٍ كَزَيْدٍ عَطْفُ بَيَانٍ عَلَى صَاحِبٍ (هَرَبَ مِنْهُ) أَيْ فُلَانٍ صَاحِبِ الْكِتَابِ (عَبْدٌ) صِفَتُهُ كَذَا هَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرُ أَنَّ (وَوَصَفَهُ) أَيْ فُلَانُ الْعَبْدَ، وَعِنْدَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ عَبْدٌ مَحْبُوسٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ (فَلْيَدْفَعْ) الْقَاضِي الَّذِي أَتَاهُ الْكِتَابُ الْعَبْدَ الَّذِي عِنْدَهُ (إلَيْهِ) أَيْ صَاحِبِ الْكِتَابِ (بِذَلِكَ) الْكِتَابِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا أَتَى رَجُلٌ إلَى قَاضٍ بِكِتَابٍ مِنْ قَاضٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ عِنْدِي قَوْمٌ أَنَّ فُلَانًا صَاحِبَ كِتَابِي إلَيْك قَدْ هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ صِفَتُهُ كَذَا فَحْلًا، وَوَصَفَهُ فِي الْكِتَابِ، وَعِنْدَ هَذَا الْقَاضِي عَبْدٌ آبِقٌ مَحْبُوسٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلْيُقْبَلْ كِتَابُ الْقَاضِي وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي شَهِدَتْ فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ الْعَبْدُ.
طفي ظَاهِرُهُ إعْمَالُ الْكِتَابِ بِمُجَرَّدِ إتْيَانِ الرَّجُلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَارَضَهُ عج بِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُفِدْ وَحْدَهُ، وَأَجَابَ بِإِمْكَانِ رَدِّ هَذَا لِذَاكَ وَبِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ لِقَوْلَيْنِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنَّمَا قُبِلَ هُنَا وَحْدَهُ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ فِيهِ، إذْ لَهُ أَخْذُهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَقَدْ أَشَارَ لِهَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ بِقَوْلِهِ قِيلَ أَفَتَرَى لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الصِّفَةِ وَيَكْتُبَ بِهَا إلَى قَاضٍ آخَرَ، قَالَ نَعَمْ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَتَاعِ الَّذِي يُسْرَقُ بِمَكَّةَ إذَا اعْتَرَفَهُ رَجُلٌ وَوَصَفَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ يَسْتَأْنِي الْإِمَامُ فِيهِ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَطْلُبُهُ وَإِلَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ، فَالْعَبْدُ الَّذِي أَقَامَ فِيهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَى عَيْنَ الْعَبْدِ وَوَصَفَهُ وَلَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ فَأَرَى أَنَّهُ مِثْلُ الْمَتَاعِ يَنْتَظِرُ بِهِ الْإِمَامُ وَيَتَلَوَّمُ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يَطْلُبُهُ وَإِلَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ وَضَمَّنَهُ إيَّاهُ،
(بَابٌ) أَهْلُ الْقَضَاءِ:
[منح الجليل]
قِيلَ وَلَا يُلْتَفَتُ هُنَا إلَى قَوْلِ الْعَبْدِ إنْ أَنْكَرَ أَنَّ هَذَا مَوْلَاهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ بِبَلَدٍ آخَرَ.
اهـ. وَلَمْ يُلْتَفَتْ لِقَوْلِ الْعَبْدِ هُنَا لِوَصْفِهِ رَبَّهُ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ تَصْدِيقِهِ حَيْثُ لَمْ يَصِفْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاب فِي بَيَان شُرُوط وَأَحْكَام الْقَضَاء وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ]
(بَابٌ) فِي بَيَانِ شُرُوطِ وَأَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (أَهْلُ) أَيْ مُسْتَحِقُّ (الْقَضَاءِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِعْجَامِ الضَّادِ مَمْدُودًا.
ابْنُ رَاشِدٍ وَابْنُ فَرْحُونٍ الْقَضَاءُ الْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْقَضَاءُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا نُفُوذَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَخْرُجُ التَّحْكِيمُ وَوِلَايَةُ الشُّرْطَةِ وَالْإِمَامَةِ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَاضِحٌ قُصُورُهُ.
الْحَطّ يُطْلَقُ الْقَضَاءُ فِي الِاصْطِلَاحِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ وَفِي الْقَضَاءِ وَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَهْلُ الْقَضَاءِ إلَخْ وَعَلَى الْإِخْبَارِ الْمَذْكُورِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ قَضَى الْقَاضِي بِكَذَا، وَقَوْلِهِمْ قَضَاءُ الْقَاضِي بِكَذَا حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ.
لَكِنْ فِي تَعْرِيفِ ابْنِ رَاشِدٍ مُسَامَحَاتٌ الْأُولَى ذِكْرُ الْأَخْبَارِ، إذْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ مَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ الْمُقَابِلَ لِلْإِنْشَاءِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَمْرُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ.
الثَّانِيَةُ شُمُولُ حُكْمٍ حُكْمَيْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَتَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ وَحُكْمَ الْمُحْكَمِ وَحُكْمَ الْمُحْتَسِبِ وَالْوَالِي وَغَيْرِهِمَا مِنْ وُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا حَكَمُوا بِالشَّرْعِ، قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّ التَّحْكِيمَ يَخْرُجُ مِنْ تَعْرِيفِهِ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ خُرُوجِهِ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمُحَكِّمَ لَا يَحْكُمُ ابْتِدَاءً إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْمُحَكِّمِينَ وَلَا يَحْكُمُ ابْتِدَاءً فِي الْقِصَاصِ وَاللِّعَانِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِمَا بِذَلِكَ، قَالُوا فَإِنْ حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ جَوْرٍ نَفَذَ حُكْمُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّعْدِيلَ وَالتَّجْرِيحَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
1 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: فِي الذَّخِيرَةِ عَقْدُ الْقَضَاءِ جَائِزٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مُطْلَقًا كَالْجَعَالَةِ وَالْقِرَاضِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي عَمَلِهِمَا وَالْمُغَارَسَةِ وَالتَّحْكِيمِ وَالْوَكَالَةِ، فَلِلْإِمَامِ عَزْلُهُ وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي.
الثَّانِي: ابْنُ سَهْلٍ تَلْخِيصُ خُطَطِ الْوِلَايَةِ الْقَضَاءُ وَالشُّرْطَةُ وَالْمَظَالِمُ وَالرَّدُّ وَالْمَدِينَةُ وَالسُّوقُ، فَمُتَعَلِّقُ حُكْمِ وَالِي الرَّدِّ مَا اسْتَرَابَهُ الْقُضَاةُ وَرَدُّوهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَصَاحِبُ السُّوقِ يُعْرَفُ بِصَاحِبِ الْحِسْبَةِ لِأَنَّ أَكْثَرَ نَظَرِهِ فِيهَا بِالْأَسْوَاقِ مِنْ غِشٍّ وَتَفَقُّدِ مِكْيَالٍ وَمِيزَانٍ.
الثَّالِثُ: عِلْمُ الْقَضَاءِ أَخَصُّ مِنْ الْعِلْمِ بِفِقْهِهِ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ فِقْهِهِ كُلِّيٌّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلِّيٌّ وَمُتَعَلِّقُ عِلْمِهِ كُلِّيٌّ مِنْ حَيْثُ صِدْقُ كُلِّيِّهِ عَلَى جُزْئِيَّاتٍ، وَكَذَا فِقْهُ الْفَقِيهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ فَقِيهًا هُوَ أَعَمُّ مِنْ فِقْهِ الْفَقِيهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُفْتِيًا، ثُمَّ قَالَ وَإِذَا تَأَمَّلْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ حَالَ الْفَقِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَقِيهٌ كَحَالِ عَالِمٍ بِكُبْرَى قِيَاسِ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، وَحَالُ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي كَحَالِ عَالِمٍ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِصُغْرَاهُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْعِلْمَ بِهِمَا أَشَقُّ وَأَخَصُّ مِنْ الْعِلْمِ بِالْكُبْرَى فَقَطْ، وَأَيْضًا فِقْهُ الْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى مَبْنِيَّانِ عَلَى النَّظَرِ فِي الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ بِإِدْرَاكِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَوْصَافِ الَّتِي فِيهَا، فَيُلْغَى طَرْدِيُّهَا وَيُعْمَلُ مُعْتَبَرُهَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عِلْمُ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ أَحَدَ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْفِقْهِ مُتَمَيِّزٌ بِأُمُورٍ لَا يُحْسِنُهَا كُلُّ فَقِيهٍ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ عَارِفًا بِفَصْلِ الْخِصَامِ، وَلَيْسَ لَهُ بَاعٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، كَمَا أَنَّ عِلْمَ الْفَرَائِضِ كَذَلِكَ، وَكَمَا أَنَّ عِلْمَ التَّصْرِيفِ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ زَمَانِنَا لَا يُحْسِنُونَهُ، وَقَدْ يُحْسِنُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَلَا غَرَابَةَ فِي امْتِيَازِ عِلْمِ الْقَضَاءِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَابَةُ فِي اسْتِعْمَالِ كُلِّيَّاتِ عِلْمِ الْفِقْهِ وَتَطْبِيقِهَا عَلَى جُزْئِيَّاتِهَا الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ عَسِيرٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فَتَجِدُ مَنْ يَحْفَظُ أُصُولًا كَثِيرَةً مِنْ الْفِقْهِ وَيَفْهَمُهَا وَيُعَلِّمُهَا غَيْرَهُ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ الْوَاقِعَةِ جُزْئِيَّةً مِنْ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ لَا يُحْسِنُ الْجَوَابَ، بَلْ لَا يَفْهَمُ مُرَادَ السَّائِلِ عَنْهَا إلَّا بَعْدَ عُسْرٍ، وَلِلشُّيُوخِ فِي هَذَا حِكَايَاتٌ نَبَّهَ ابْنُ سَهْلٍ عَلَى بَعْضِهَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الرَّابِعُ: أَقْوَالُ الشُّيُوخِ وَاضِحَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى جَلَالَةِ خُطَّةِ الْقَضَاءِ وَنُدُورِ السَّلَامَةِ فِيهِ، قَالَ بَعْضُ النَّاسِ الْقَضَاءُ مِنْ أَعْظَمِ الْخُطَطِ قَدْرًا وَأَجَلِّهَا خَطَرًا، لَا سِيَّمَا إذَا اجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الصَّلَاةُ ابْنُ عَرَفَةَ أَرَادَ إمَامَةَ الصَّلَاةِ وَمُقْتَضَاهُ حُسْنُ اجْتِمَاعِهِمَا وَالْمَعْرُوفُ بِبَلَدِنَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا مَنْعُ إمَامَةِ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِهَا وَإِلَّا تُنْكِحُهُ إمَامَةُ الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ بِهَا.
الْخَامِسُ: ابْنُ رُشْدٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَجْرِ، وَالْجَوْرُ فِيهِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ مِحْنَةٌ مَنْ دَخَلَ فِيهِ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ إذْ التَّخَلُّصُ فِيهِ عَسِيرٌ.
عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَدِدْت أَنِّي أَنْجُو مِنْ هَذَا الْأَمْرِ كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ، فَالْهُرُوبُ مِنْهُ وَاجِبٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ.
مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَا أَدْرَكْت قَاضِيًا اسْتَقْضَى بِالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ إلَّا رَأَيْت كَآبَةَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَتَهُ فِي وَجْهِهِ إلَّا قَاضِيَيْنِ سَمَّاهُمَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، هَذَا حِينَ كَانَ الْقَاضِي يُعَانُ عَلَى مَا وَلِيَهُ وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَحْكُمُ عَلَى مَنْ وَلَّاهُ وَلَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ إنْ شَهِدَ عِنْدَهُ، وَأَمَّا إذَا صَارَ الْقَاضِي لَا يُعَانُ بَلْ مَنْ وَلَّاهُ رُبَّمَا أَعَانَ عَلَيْهِ مَنْ مَقْصُودُهُ بُلُوغُ هَوَاهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْقَلِبُ مُحَرَّمًا نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ.
وَأَكْثَرُ الْخُطَطِ الشَّرْعِيَّةِ فِي زَمَنِنَا أَسْمَاءٌ شَرِيفَةٌ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ خَسِيسَةٍ.
السَّادِسُ: حُكْمُ تَوْلِيَةِ الْقَاضِي الْوُجُوبُ.
اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ إقَامَةُ حَكَمٍ لِلنَّاسِ وَاجِبَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْهَرْجِ وَالْمَظَالِمِ، فَعَلَى الْوَالِي عَلَى بَلَدٍ النَّظَرُ فِي أَحْكَامِهِمْ إنْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ أَوْ اشْتَغَلَ عَنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ لَهُمْ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْضِعِ وَالٍ كَانَ ذَلِكَ لِذَوِي الرَّأْيِ وَالثِّقَةِ.
السَّابِعُ: مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ قَاضٍ.
هُمْ الَّذِينَ كَانُوا يَقْضُونَ بَيْنَ النَّاسِ.
أَوَّلُ مَنْ اسْتَقْضَى مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اسْتَقْضَى شُرَيْحًا، وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ أَنَّ أَوَّلَ قَاضٍ اُسْتُقْضِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَوْفَلٍ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ.
الْعِرَاقِيُّونَ أَوَّلُ مَنْ اسْتَقْضَى عُمَرُ وَجَّهَ
عَدْلٌ،
[منح الجليل]
شُرَيْحًا لِلْكُوفَةِ وَكَعْبَ بْنَ سِرَارٍ لِلْبَصْرَةِ، وَقِيلَ أَوَّلُ مِنْ اسْتَقْضَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا مَنَعَتْهُ الْحُرُوبُ اسْتَقْضَى شُرَيْحًا، وَقَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَسْتَقْضِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ يَعْنِي بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَسَائِرِ الْبِلَادِ بَعَثُوا إلَيْهَا قُضَاةً وَاسْتَقْضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا وَمُعَاذًا وَغَيْرَهُمَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. الثَّامِنُ: صِفَاتُ الْقَاضِي الْمَطْلُوبَةُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: شُرُوطٌ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ وَشُرُوطٌ فِي دَوَامِهَا وَشُرُوطٌ فِي كَمَالِهَا، أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ عَدْلٌ إلَى قَوْلِهِ فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ، وَإِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى إلَى قَوْلِهِ وَوَجَبَ عَزْلُهُ وَإِلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ كَوَرَعٍ إلَخْ.
(عَدْلٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ بَالِغٌ عَاقِلٌ مُسْلِمٌ ذَكَرٌ حُرٌّ غَيْرُ فَاسِقٍ وَلَا مُرْتَكِبٍ مَا يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ لِلْقَضَاءِ خِصَالٌ مُشْتَرَطَةٌ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا بَالِغًا ذَكَرًا عَاقِلًا وَاحِدًا، فَهَذِهِ السِّتُّ خِصَالٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ عَلَى مَذْهَبِنَا إلَّا مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ، فَإِنْ وَلِيَ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ لَمْ تَنْعَقِدْ وِلَايَتُهُ وَإِنْ انْخَرَمَ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ انْعِقَادِ الْوِلَايَةِ سَقَطَتْ الْوِلَايَةُ.
الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ نَصَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حُرًّا وَأَمِيرُ الْجَيْشِ وَالْحَرْبِ فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّهَا مَنَاصِبُ دِينِيَّةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا تَنْفِيذُ أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ فَلَا يَصْلُحُ لَهَا الْعَبْدُ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ بِالرِّقِّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَمَسْلُوبُ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَالتَّنْفِيذِ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَلَا لِلْإِمَارَةِ، وَأَظُنُّ جُمْهُورَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ وِلَايَةِ الْعَتِيقِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِلْجُمْهُورِ، قَالَا وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ خَوْفَ اسْتِحْقَاقِهِ فَيُرَدُّ إلَى الرِّقِّ، وَتُرَدُّ أَحْكَامُهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ وِلَايَةَ الْفَاسِقِ لَا تَصِحُّ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَافَقَ الْحَقَّ أَمْ لَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ صَرَّحَ بِهِ فِي تَوْضِيحِهِ، وَقَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ فِسْقُهُ مُوجِبٌ لِعَزْلِهِ وَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْفَاسِقِ، وَيَمْضِي مِنْ أَحْكَامِهِ مَا وَافَقَ الْحَقَّ.
وَفِي الْعُمْدَةِ هَلْ يَنْعَزِلُ بِفِسْقِهِ أَوْ يَجِبُ عَزْلُهُ قَوْلَانِ.
الْقَرَافِيُّ إنْ لَمْ يُوجَدْ عَدْلٌ وُلِّيَ أَمْثَلُ
ذَكَرٌ، فَطِنٌ، مُجْتَهِدٌ، إنْ وُجِدَ وَإِلَّا: فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ
[منح الجليل]
الْمَوْجُودِينَ.
مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا أَرَى خِصَالَ الْقُضَاةِ تَجْتَمِعُ الْيَوْمَ فِي أَحَدٍ، فَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْهَا خَصْلَتَانِ الْعِلْمُ وَالْوَرَعُ وَلِيَ.
(ذَكَرٌ) فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ امْرَأَةٍ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» (فَطِنٌ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ الْفَطَانَةِ، أَيْ النَّبَاهَةِ وَجَوْدَةِ الْعَقْلِ فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْمُغَفَّلِ الَّذِي يَنْخَدِعُ بِتَحْسِينِ الْكَلَامِ، وَلَا يَتَنَبَّهُ لِمَا يُفِيدُ الْإِقْرَارُ وَحِيَلِ الْخُصُومِ وَالشُّهُودِ.
ابْنُ عَرَفَةَ عَدَّ ابْنَ الْحَاجِبِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ فَطَانَتَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الطُّرْطُوشِيِّ، فَلَا يَكْتَفِي بِالْعَقْلِ التَّكَيُّفِيِّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْفَطِنَةِ بَعِيدَ الْغَفْلَةِ وَعَدَّهَا ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ رُشْدٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ غَيْرِ الْوَاجِبَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّ مُطْلَقَ الْفَطِنَةِ الْمَانِعَ مِنْ كَثْرَةِ التَّغَفُّلِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَالْفَطِنَةُ الْمُوجِبَةُ لِلشُّهْرَةِ بِهَا غَيْرُ النَّادِرَةِ يَنْبَغِي كَوْنُهَا مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، فَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ أَنْسَبُ لِأَنَّ فَطِنٌ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ كَحَذِرٍ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْفَطَانَةِ مُسْتَحَبَّةٌ لَا لَازِمَةٌ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُرَادُ بِالْفَطِنِ مَنْ لَا يَسْتَزِلُّ فِي رَأْيِهِ وَلَا تَمْشِي عَلَيْهِ حِيَلُ الشُّهُودِ وَالْخُصُومِ.
الْحَطّ الْأَحْسَنُ ذُو فِطْنَةٍ الْمِسْنَاوِيُّ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ الْفِطْنَةَ مِنْ الشُّرُوطِ إلَّا ابْنَ الْحَاجِبِ وَمُحَقِّقُو الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ.
(مُجْتَهِدٌ) أَيْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ (إنْ وُجِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ مُقَلِّدٍ مَعَ وُجُودِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ (فَأَمْثَلُ) أَيْ أَكْمَلُ (مُقَلِّدٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ مُقَلِّدٍ دُونَهُ مَعَ وُجُودِهِ.
الْبُنَانِيُّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ وِلَايَةَ الْأَمْثَلِ شَرْطُ صِحَّةٍ فَلَا تَنْعَقِدُ وِلَايَةُ مَنْ دُونَهُ مَعَ وُجُودِهِ، وَلَا أَظُنُّ هَذَا يَسْلَمُ، وَعِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ أَعْلَمُ الْمُقَلِّدِينَ مِمَّنْ لَهُ فِقْهٌ نَفِيسٌ إلَخْ.
الْبَاجِيَّ لَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ كَوْنِ الْقَاضِي عَالِمًا مَعَ وُجُودِهِ وَاَلَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا.
عِيَاضٌ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ شَرْطُهُ كَوْنُهُ عَالِمًا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا إنْ فُقِدَ الْمُجْتَهِدُ كَشَرْطِ كَوْنِهِ حُرًّا مُسْلِمًا.
الْمَازِرِيُّ زَمَانُنَا عَارٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي إقْلِيمِ الْمَغْرِبِ فَضْلًا عَنْ قُضَاتِهِ.
الْحَطّ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ عَالِمًا، وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْعِلْمَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ.
وَقَالَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَعَدَّهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَالْقَرَافِيُّ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْجَاهِلِ وَيَجِبُ عَزْلُهُ وَأَحْكَامُهُ مَرْدُودَةٌ مَا لَمْ يُوَافِقْ الْحَقَّ مِنْهَا وَمَا وَافَقَهُ، وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهَا مَرْدُودَةٌ مَا لَمْ يُشَاوِرْ الْعُلَمَاءَ ثُمَّ إنَّهُ إذَا وُجِدَ مُجْتَهِدٌ وَجَبَتْ تَوْلِيَتُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى غَيْرُهُ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنْ تَوَلَّى الْمُقَلِّدُ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ جَائِرٌ، نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ إنْ وُجِدَ لَيْسَ شَرْطًا خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ الْعِلْمُ، وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ فَوَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ جَعَلَ ابْنَ زَرْقُونٍ كَوْنَهُ عَالِمًا مِنْ الْقِسْمِ الْمُسْتَحَبِّ، وَكَذَا ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ عَالِمًا يُسَوَّغُ لَهُ الِاجْتِهَادُ.
وَقَالَ عِيَاضٌ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيُّ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا إنْ فُقِدَ الْمُجْتَهِدُ كَشَرْطِ كَوْنِهِ مُسْلِمًا حُرًّا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَبُولُ الْمُقَلِّدِ الْوِلَايَةَ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ، وَمَعَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ جَائِزٌ، ثُمَّ قَالَ فَفِي صِحَّةِ تَوْلِيَةِ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ قَوْلَانِ لِابْنِ زَرْقُونٍ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ وَعِيَاضٍ مَعَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيِّ قَائِلًا هُوَ مَحْكِيُّ أَئِمَّتِنَا عَنْ الْمَذْهَبِ، وَمَعَ فَقْدِهِ جَائِزٌ، وَمَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ أَوْلَى اتِّفَاقًا فِيهِمَا.
اهـ. فَانْظُرْ كَيْفَ عَزَا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ عَدَمَ صِحَّةِ وِلَايَةِ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ مَعَ نَقْلِهِ قَبْلَ هَذَا قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَبُولُ الْمُقَلِّدِ الْوِلَايَةَ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فَيَصِحُّ كَلَامُهُ، إلَّا أَنَّ الَّذِي يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ مِنْ قَوْلِهِ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ أَنَّهَا تَصِحُّ مَعَ التَّعَدِّي وَالْجَوْرِ، وَعَلَى مَا فَهِمَهُ ابْنُ عَرَفَةَ يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ عَنْ الْمُصَنِّفِ، إذْ لَعَلَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَاشٍ عَلَى مَا عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِعِيَاضٍ وَالْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ أَمْثَلُ مُقَلِّدٍ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ فَمُقَلِّدٌ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ أَعْلَمُ الْمُقَلِّدِينَ مِمَّنْ لَهُ فِقْهٌ نَفِيسٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ أَقْوَالِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَيَعْلَمُ مَا هُوَ يَجْرِي عَلَى أَصْلِ إمَامِهِ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
يَكُنْ بِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشُّيُوخِ اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ تَوْلِيَتِهِ الْقَضَاءَ.
ابْنُ عَرَفَةَ إنْ أَرَادَ مَعَ وُجُودِ ذِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ مَعَ فَقْدِهِ فَظَاهِرُ أَقْوَالِهِمْ صِحَّةُ تَوْلِيَتِهِ خَوْفَ تَعْطِيلِ الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ خِلَافٍ فِي ذَلِكَ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: الْبِسَاطِيُّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي إمْكَانَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنْ عَنَى أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَدْ يَدَّعِي أَنَّهُ مُمْكِنٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُجْتَهِدَ فِي الْأَدِلَّةِ فَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ الْمَازِرِيُّ وَصَلَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ كَلَامٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ مَبْدَؤُهُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّقْلِيدِ، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ أَيْضًا.
الْحَطّ تَأَمَّلْ هَذَا مَعَ اخْتِلَافِ الْأُصُولِيِّينَ فِي إمْكَانِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا أَظُنُّهُ انْقَطَعَ بِالْمَشْرِقِ وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ نُسِبَ إلَى الِاجْتِهَادِ فِي حَيَاةِ أَشْيَاخِنَا، وَمَوَادُّ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِنَا أَيْسَرُ مِنْهَا فِي زَمَانِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَا الْهِدَايَةَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ الْعِلْمِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ دُوِّنَتْ، وَكَذَا تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ شَهْرًا.
فَإِنْ قِيلَ يَحْتَاجُ الْمُجْتَهِدُ إلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِمَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ وَهُوَ مُتَعَذَّرٌ فِي زَمَنِنَا لِكَثْرَةِ الْمَذَاهِبِ وَتَشَعُّبِهَا.
قِيلَ يَكْفِيهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا، إذْ الْمَقْصُودُ الِاحْتِرَازُ مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ وَهَذَا مُتَيَسِّرٌ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ يُسْرُ الِاجْتِهَادِ سَمِعْت ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ يَحْكِيهِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ، إذْ قِرَاءَةُ مِثْلِ الْجُزُولِيَّةِ وَالْمَعَالِمِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْكُبْرَى لِعَبْدِ الْحَقِّ وَنَحْوِهَا يَكْفِي فِي تَحْصِيلِ آلَةِ الِاجْتِهَادِ مَعَ الِاطِّلَاعِ عَلَى فَهْمِ مُشْكِلِ اللُّغَةِ بِمُخْتَصَرِ الْعَيْنِ، وَنَحْوِ صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ نَظَرِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَتَحْقِيقِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَبُلُوغِ دَرَجَةِ الْإِمَامَةِ أَوْ مُقَارَبَتِهَا فِي الْعُلُومِ الْمَذْكُورَةِ لَا تُشْتَرَطُ فِي الِاجْتِهَادِ إجْمَاعًا الْفَخْرُ فِي مَحْصُولِهِ وَالسَّرَّاجُ فِي تَحْصِيلِهِ وَالتَّاجُ فِي حَاصِلِهِ لَوْ بَقِيَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَاحِدٌ لَكَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً، فَاسْتِعَاذَتُهُمْ تَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِمْ، وَالْفَخْرُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَلَكِنْ فِي الِاسْتِغْنَاءِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَنِنَا عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ، إذْ لَا مُجْتَهَدَ فِيهِ، وَقَوْلُ الْبِسَاطِيِّ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْلِيدِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ إنْ سَلِمَ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَفَادَهُ الْحَطّ.
(فَائِدَةٌ)
فِي آخِرِ خُطْبَةِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ إذَا جَمَعَ الطَّالِبُ الْمُقَدِّمَاتِ إلَى هَذَا الْكِتَابِ عَنَى بِهِ الْبَيَانَ وَالتَّحْصِيلَ حَصَلَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ، وَعَرَفَ الْعِلْمَ مِنْ طَرِيقِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ بَابِهِ وَسَبِيلِهِ وَأَحْكَمَ رَدَّ الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ، وَاسْتَغْنَى بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ الشُّيُوخِ فِي الْمُشْكِلَاتِ، وَحَصَلَ فِي دَرَجَةِ مَنْ يَجِبُ تَقْلِيدُهُ فِي النَّوَازِلِ الْمُعْضِلَاتِ، وَدَخَلَ فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْآيَاتِ وَوَعَدَهُمْ فِيهَا بِتَرْفِيعِ الدَّرَجَاتِ.
الثَّانِي: بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ شَرْطٌ وَهُوَ كَوْنُهُ وَاحِدًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَتَقَدَّمَ نَصُّهَا، وَنَقَلَهَا ابْنُ شَاسٍ وَالْقَرَافِيُّ، وَاسْتَوْفَى " غ " الْكَلَامَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ.
1 -
الثَّالِثُ: فِي الْمُقَدِّمَاتِ يَجِبُ أَنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ مَنْ طَلَبَهُ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُهُ مَخَافَةَ أَنْ يُوكَلَ إلَيْهِ فَلَا يَقُومُ بِهِ اهـ، أَرَادَ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ طَلَبُهُ، وَهَذَا فِي طَلَبِهِ بِغَيْرِ بَذْلِ مَالٍ فَكَيْفَ مَعَ بَذْلِ الْمَالِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا طَلَبَهُ فَوَلِيَ وَهُوَ جَامِعٌ لِشُرُوطِهِ فَلَا يَجِبُ عَزْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقُرْطُبِيُّ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ» ، نَهْيٌ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ «إنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
1 -
الرَّابِعُ: السُّيُورِيُّ إذَا تَحَرَّجَ النَّاسُ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَهْلُهُ فَجَمَاعَتُهُمْ يَكْفُونَ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْته وَفِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَيَقُومُونَ مَقَامَ الْقَاضِي مَعَ فَقْدِهِ فِي ضَرْبِ الْآجَالِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
الْحَطّ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْقَاضِي مَعَ فَقْدِهِ إلَّا فِي مَسَائِلَ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهَا.
وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ: قُرَشِيٌّ
[منح الجليل]
الْخَامِسُ: فِي النَّوَادِرِ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي جِهَةٍ إلَّا غَيْرُ الْعُدُولِ فَأَصْلَحَهُمْ وَأَقَلُّهُمْ فُجُورًا يُرَتِّبُ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ، وَيَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِي الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ لِئَلَّا تَضِيعَ الْمَصَالِحُ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يُخَالِفُ فِي هَذَا، إذْ التَّكْلِيفُ مَشْرُوطٌ بِالْإِمْكَانِ، وَإِذَا جَازَ نَصْبُ الْفَسَقَةِ شُهُودًا لِعُمُومِ الْفَسَادِ جَازَ التَّوَسُّعُ فِي الْحُكَّامِ لِمَنْعِ الْمَظَالِمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَزِيدَ) بِكَسْرِ الزَّايِ عَلَى الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ لِلْقَضَاءِ (لِ) جَوَازِ تَوْلِيَةِ (الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) الْخَلِيفَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إمَامَةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَحِفْظِ الْإِسْلَامِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ وَجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَالذُّكُورَةُ وَالْفِطْنَةُ وَالْعِلْمُ، وَنَائِبُ فَاعِلِ زِيدَ (قُرَشِيٌّ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِعْجَامِ الشَّيْنِ وَشَدِّ الْيَاءِ، أَيْ كَوْنُهُ مَنْسُوبًا لِقُرَيْشٍ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» . فِي الصِّحَاحِ قُرَيْشٌ قَبِيلَةٌ وَأَبُوهُمْ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرَكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ النَّضْرِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ دُونَ وَلَدِ كِنَانَةَ وَمَنْ فَوْقَهُ، رُبَّمَا قَالُوا قُرَيْشِيٌّ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
اهـ. وَبِعِبَارَةٍ قُرَيْشٌ لَقَبُ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَقِيلَ لَقَبُ النَّضْرِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْعِرَاقِيُّ:
أَمَّا قُرَيْشٌ فَالْأَصَحُّ فِهْرٌ ... جِمَاعُهَا وَالْأَكْثَرُونَ النَّضْرُ
وَلَا يُنْدَبُ كَوْنُهُ عَبَّاسِيًّا خِلَافًا لِلشَّارِحِ وتت وعج وَمَنْ تَبِعَهُمْ، وَلَا عَلَوِيًّا بِالْإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - " عَلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَعَلَى خِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَيْضًا، وَعَلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَيْضًا، وَعَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الضَّحِيَّةِ وَهَلْ هُوَ الْعَبَّاسِيُّ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَدْبَ كَوْنِهِ عَبَّاسِيًّا وَإِنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ مِنْهُ الشَّارِحُ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَإِنَّمَا اخْتَصَرَ فِيهِ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهَلْ الْإِمَامُ
فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلِّدِهِ
[منح الجليل]
الْمُعْتَبَرُ سَبْقُهُ الْخَلِيفَةَ كَالْعَبَّاسِيِّ الْيَوْمَ اهـ، وَقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَفَادَهُ طفي.
أَبُو مُحَمَّدٍ مَنْ وَلِيَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رِضًا أَوْ عَنْ غَلَبَةٍ وَاشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ فَلَا يُخْرَجُ عَلَيْهِ عَدْلٌ أَوْ جَارٍ، وَيُغْزَى مَعَهُ الْعَدُوُّ وَيُحَجُّ الْبَيْتُ وَتُدْفَعُ إلَيْهِ الصَّدَقَةُ وَتُجْزِئُ إذَا طَلَبَهَا وَتُصَلَّى الْجُمُعَةُ خَلْفَهُ.
(وَحَكَمَ) الْقَاضِي الْمُقَلِّدِ (بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُشَدَّدَةً.
ابْنُ الْحَاجِبِ يَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ.
وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَلْ يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِ إمَامِهِ أَمْ لَا الْأَصْلُ عَدَمُ اللُّزُومِ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَحْجُرُونَ عَلَى الْعَوَامّ اتِّبَاعَ عَالِمٍ وَاحِدٍ وَلَا يَأْمُرُونَ مَنْ سَأَلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَنْ لَا يَسْأَلَ غَيْرَهُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى فِي حَقِّ الْقَاضِي لُزُومُ طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّهُ إنْ قَلَّدَ إمَامًا لَا يَعْدِلُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي لِتُهْمَتِهِ بِالْمَيْلِ، وَلَمَّا جَاءَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْحُكْمِ فِي قَضِيَّةٍ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
ابْنُ فَرْحُونٍ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ الْمُقَلِّدَ إذَا وَجَدَ الْمَشْهُورَ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ، وَقَدْ بَلَغَ الْمَازِرِيُّ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يُفْتِ قَطُّ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ، وَعَاشَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً، فَإِنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الرِّوَايَتَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ التَّشَهِّي وَالْحُكْمُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَتَرْجِيحٍ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي آدَابِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتَى مَنْ يُكْتَفَى بِكَوْنِ فَتْوَاهُ أَوْ عِلْمِهِ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَيَعْمَلُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ، فَقَدْ جَهِلَ وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ، فَإِذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْزَعَ فِي التَّرْجِيحِ إلَى صِفَاتِهِمْ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ، فَيَعْمَلَ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ وَالْأَوْرَعِ وَالْأَعْلَمِ، فَإِنْ اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِصِفَةٍ قُدِّمَ مَنْ هُوَ أَحْرَى بِالْإِصَابَةِ فَالْأَعْلَمُ الْوَرِعُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَوْرَعِ وَالْعَالِمِ، وَإِذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بَيَانُ الْأَصَحِّ مِنْهُمَا اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلِيهِمَا أَوْ قَائِلِيهِمَا.
ابْنُ فَرْحُونٍ وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِي أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَمُقَلِّدَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ وَأَنْوَاعُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
التَّرْجِيحِ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ إنَّ كِتَابَهُ النَّوَادِرَ اشْتَمَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَالِكِيِّينَ، قَالَ وَلَا يَنْبَغِي الِاخْتِيَارُ مِنْ الْخِلَافِ لِلْمُتَعَلِّمِ وَلَا لِلْمُقَصِّرِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحَلٌّ لِاخْتِيَارِ الْقَوْلِ فَلَهُ اخْتِيَارُ الْمُعْتَنِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِذَلِكَ مِثْلِ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ وَعِيسَى بْنِ دِينَارٍ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ وَابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ أَكْثَرُهُمْ تَكَلُّفًا لِلِاخْتِيَارَاتِ وَابْنُ حَبِيبٍ لَمْ يَبْلُغْ فِي اخْتِيَارَاتِهِ وَقُوَّةِ رِوَايَاتِهِ مَبْلَغَ مَنْ ذَكَرْنَا، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى عَنْ الْأَحْكَامِ لِلْقَرَافِيِّ مَا نَصُّهُ الْحَاكِمُ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِالْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِهِ وَأَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ مُقَلِّدًا فِي رُجْحَانِ الْقَوْلِ الْمَحْكُومِ بِهِ إمَامُهُ.
وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فَحَرَامٌ إجْمَاعًا.
نَعَمْ اُخْتُلِفَ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَسَاوَتْ وَعَجَزَ عَنْ التَّرْجِيحِ فَهَلْ يَتَسَاقَطَانِ أَوْ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا؟ يُفْتِي بِهِ قَوْلَانِ، فَعَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ لِلْفُتْيَا فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا يَحْكُمُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَاجِحٍ عِنْدَهُ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْفِقْهِ وَالْقَوَاعِدِ وَلَيْسَ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى.
وَأَمَّا الْفُتْيَا وَالْحُكْمُ بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَلَا مَعْرِفَةٍ بِأَدِلَّتِهِمَا إجْمَاعًا، فَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّرْجِيحِ.
اهـ. كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ.
الْحَطّ فَتَحَصَّلَ مِنْهُ إذَا تَسَاوَى الْقَوْلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَعَجَزَ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى أَوْجُهِ التَّرْجِيحِ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
ابْنُ فَرْحُونٍ لَا يَجُوزُ التَّسَاهُلُ فِي الْفَتْوَى وَمَنْ عُرِفَ بِهِ لَا يَجُوزُ اسْتِفْتَاؤُهُ، وَالتَّسَاهُلُ يَكُونُ بِأَنْ لَا يُثْبِتَ وَيُسْرِعَ بِالْفَتْوَى أَوْ الْحُكْمِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أَنَّ الْإِسْرَاعَ بَرَاعَةٌ وَالْإِبْطَاءَ عَجْزٌ، وَلَا يُبْطِئُ وَلَا يُخْطِئُ أَجْمَلَ بِهِ أَنْ يُعَجِّلَ فَيَضِلَّ وَيُضِلَّ، وَقَدْ يَكُونُ تَسَاهُلُهُ بِأَنْ تَحْمِلَهُ الْأَغْرَاضُ الْفَاسِدَةُ عَلَى تَتَبُّعِ الْحِيَلِ الْمَحْذُورَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ بِالتَّمَسُّكِ بِالشُّبْهَةِ طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ عَلَى مَنْ يَرُومُ نَفْعَهُ أَوْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ يَرُومُ ضَرَرَهُ.
ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ هَانَ عَلَيْهِ دِينُهُ، وَأَمَّا إذَا صَحَّ قَصْدُ الْمُفْتِي وَاحْتَسَبَ فِي طَلَبِ حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا وَلَا تَجُرُّ إلَى مَفْسَدَةٍ لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ مِنْ وَرْطَةِ يَمِينٍ أَوْ نَحْوِهَا فَذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ.
الْقَرَافِيُّ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا تَشْدِيدٌ وَالْآخَرُ تَخْفِيفٌ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ الْعَامَّةَ بِالتَّشْدِيدِ وَالْخَوَاصَّ وَوُلَاةَ الْأُمُورِ بِالتَّخْفِيفِ فَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ الْفُسُوقِ وَالْخِيَانَةِ فِي الدِّينِ وَالتَّلَاعُبِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَدَلِيلٌ عَلَى فَرَاغِ الْقَلْبِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِجْلَالِهِ وَتَقْوَاهُ وَعِمَارَتِهِ بِاللَّعِبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى الْخَلْقِ دُونَ الْخَالِقِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ الْغَافِلِينَ.
وَالْحَاكِمُ كَالْمُفْتِي فِي هَذَا.
(فَرْعٌ)
إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي النَّازِلَةِ نَصٌّ فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنْ قَاسَ عَلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ، أَوْ قَالَ يَجِيءُ مِنْ كَذَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ.
خَلِيلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ جَوَازُهُ عَلَى مَدَارِك إمَامِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ.
قُلْت يُرَدُّ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ لِأَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُ الْمُجْتَهِدِ لِامْتِنَاعِ تَوْلِيَةِ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِهِ، فَإِذَا كَانَ حُكْمُ النَّازِلَةِ غَيْرَ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُقَلِّدِ الْمُوَلَّى الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ فِي نَازِلَةٍ أُخْرَى تَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ، وَبِأَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي قِيَاسِهِ عَلَى أَقْوَالِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمُتَأَخِّرِيهِمْ كَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَالتُّونُسِيِّ وَالْبَاجِيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَجَدَهُ بَعْدَ اخْتِيَارَاتِهِ وَتَخْرِيجَاتِهِ فِي تَحْصِيلِهِ أَقْوَالًا، وَقَدْ عَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ فَتْوَى ابْنِ عَبْدِ الرَّءُوف وَابْنِ السَّبَّاقِ وَابْنِ دَحُونٍ وَنَحْوِهِمْ أَقْوَالًا، وَنَقَلَ لِابْنِ الطَّلَّاعِ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ وَجَعَلَهُ مُقَابِلًا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَصَّارِ.
الْحَطّ وَكَأَنَّ خَلِيلًا وَابْنَ عَرَفَةَ لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي الذَّخِيرَةِ وَبَحَثَهُ مَعَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَنَصُّهُ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَوْلُهُ فَإِنْ قَاسَ عَلَى قَوْلِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ، قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُقَلِّدُ قِسْمَانِ مُحِيطٌ بِأُصُولِ مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ وَقَوَاعِدِهِ بِحَيْثُ تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلَى مَذْهَبِهِ كَنِسْبَةِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ إلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا، فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ التَّخْرِيجُ وَالْقِيَاسُ بِشَرَائِطِهِ،
وَنَفَذَ حُكْمُ: أَعْمَى، وَأَبْكَمَ، وَأَصَمَّ، وَوَجَبَ عَزْلُهُ
وَلَزِمَ الْمُتَعَيِّنَ أَوْ الْخَائِفَ فِتْنَةً: إنْ لَمْ يَتَوَلَّ، أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ: الْقَبُولُ، وَالطَّلَبُ، وَأُجْبِرَ وَإِنْ بِضَرْبٍ،
[منح الجليل]
كَمَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ وَغَيْرِ مُحِيطٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّخْرِيجُ لِأَنَّهُ كَالْعَامِّيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي فَيُتَّجَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ اهـ.
(وَنَفَذَ) بِفَتَحَاتٍ مُعْجَمِ الدَّالِ، أَيْ مَضَى (حُكْمُ) قَاضٍ (أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فِيهِمَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ وَلِيَ كَذَلِكَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَهَا (وَوَجَبَ) عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (عَزْلُهُ) أَيْ الْأَعْمَى أَوْ الْأَبْكَمِ أَوْ الْأَصَمِّ عَنْ الْقَضَاءِ.
ابْنُ رُشْدٍ الْخِصَالُ الَّتِي لَيْسَتْ مُشْتَرَطَةً فِي صِحَّةِ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ إلَّا أَنَّ عَدَمَهَا يُوجِبُ فَسْخَ تَوْلِيَتِهِ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا، فَإِنْ وَلِيَ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ وَجَبَ عَزْلُهُ مَتَى عَثَرَ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ جَائِزًا وَفِي التَّوْضِيحِ الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ لَا تُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ، وَلَكِنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَّصِفًا بِهَا وَعَدَمُهَا مُوجِبٌ لِعَزْلِهِ، وَيَنْفُذُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ.
(وَلَزِمَ) الْقَضَاءُ الشَّخْصَ (الْمُتَعَيِّنَ) لَهُ لِانْفِرَادِهِ بِشُرُوطِهِ فَيَلْزَمُهُ طَلَبُهُ وَقَبُولُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَوَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ تَوْلِيَتُهُ وَإِعَانَتُهُ عَلَى الْحَقِّ (أَوْ) الشَّخْصَ (الْخَائِفَ فِتْنَةً) بِعَدَمِ تَوَلِّيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عِيَالِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِشُرُوطِهِ (أَوْ) الْخَائِفَ (ضَيَاعَ الْحَقِّ) عَلَى مُسْتَحِقِّهِ بِتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُهُ (الْقَبُولُ وَالطَّلَبُ) لِتَوْلِيَتِهِ (وَ) إنْ امْتَنَعَ الْمُتَعَيِّنُ مِنْ الْقَبُولِ (أُجْبِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْقَبُولِ بِغَيْرِ ضَرْبٍ، بَلْ (وَإِنْ بِضَرْبٍ) قِيلَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَيُجْبَرُ بِالسِّجْنِ الضَّرْبُ، قَالَ نَعَمْ أَبُو عُمَرَ إنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَضَاءِ مَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ يُجْبَرُ بِالسِّجْنِ وَالضَّرْبِ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَبُولُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ إنْ كَانَ بِالْبَلَدِ عَدَدٌ يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَأُجْبِرَ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ.
الْمَازِرِيُّ يَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ السَّعْيُ فِي طَلَبِهِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَلِهِ ضَاعَتْ الْحُقُوقُ أَوْ تَوْلِيَةُ مَنْ لَا يَحِلُّ أَنْ يُوَلَّى، وَكَذَا إنْ وَلِيَ مَنْ لَا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ وَلَا سَبِيلَ لِعَزْلِهِ إلَّا بِطَلَبِهِ.
وَإِلَّا فَلَهُ الْهَرَبُ وَإِنْ عُيِّنَ
[منح الجليل]
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَلَا ضَيَاعَ الْحَقِّ (فَلَهُ) أَيْ مَنْ فِيهِ شُرُوطُهُ (الْهَرَبُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالرَّاءِ مِنْ تَوْلِيَتِهِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ الْإِمَامُ، بَلْ (وَإِنْ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مِنْ الْإِمَامِ لِتَوَلِّيَةِ الْقَضَاءِ.
ابْنُ رُشْدٍ الْهُرُوبُ عَنْ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَطَلَبُ السَّلَامَةِ مِنْهُ لَازِمٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَرَوْضُ الْكِفَايَةِ كُلُّهَا تَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ إلَّا الْقَضَاءَ لِشِدَّةِ خَطَرِهِ فِي الدِّينِ.
ابْنُ مَرْزُوقٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وِلَايَتَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمِحَنِ حَيْثُ جَازَتْ لَهُ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ هُنَا، وَلَمْ تَجُزْ لَهُ فِي الْجِهَادِ الْمُؤَدِّي لِلْمَوْتِ.
ابْنُ شَاسٍ لِلْإِمَامِ إجْبَارُهُ وَلَهُ هُوَ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ تَعَيُّنَهُ لَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: إذَا لَزِمَهُ طَلَبُ الْقَضَاءِ فَطَلَبَهُ فَمُنِعَ مِنْهُ إلَّا بِبَذْلِ مَالٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِمْ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ يُعَانُ عَلَى الْحَقِّ، وَبَذْلُ الْمَالِ فِي الْقَضَاءِ مِنْ أَوَّلِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يُعَنْ عَلَى إبْطَالِهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ قَالَهُ الْحَطّ.
الثَّانِي: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ» ، فَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَأَرَادَهُ وَحَرَصَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ، وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَامْتُحِنَ بِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ أَعَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا اسْتَعَانَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ تُؤْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ تُعَنْ عَلَيْهَا وَإِنْ تُؤْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ تُوَكَّلْ إلَيْهَا» .
1 -
الثَّالِثُ: فِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ الْقَضَاءُ مِحْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ لِأَنَّ التَّخَلُّصَ مِنْهُ عُسْرٌ، فَالْهَرَبُ مِنْهُ وَاجِبٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ وَطَلَبُهُ نُوكٌ، وَإِنْ كَانَ حِسْبَةً قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إذَا خَلَصَتْ النِّيَّةُ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ وَلِيَهُ مَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّا لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ» . اهـ. فِي الصِّحَاحِ