عَمْدٍ وَخَطَأٍ، فَالشُّفْعَةُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ وَبِدِيَةِ الْمُوضِحَةِ، وَهَلْ كَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَ الْجُرْحُ؟ تَأْوِيلَانِ.
[منح الجليل]
وَالْفَوْقِيَّةِ مُثَنَّى مُوضِحَةٍ حُذِفَتْ نُونُهُ لِإِضَافَتِهِ، أَيْ جُرْحٌ أَظْهَرَ الْعَظْمَ بِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ جِلْدٍ وَلَحْمٍ نَشَأَتْ إحْدَاهُمَا عَنْ فِعْلٍ (عَمْدٍ وَ) الْأُخْرَى عَنْ فِعْلٍ (خَطَإٍ) وَأَرَادَ شَرِيكُ الْجَانِي أَخْذَ الشِّقْصِ الْمُصَالَحِ بِهِ بِالشُّفْعَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُوضِحَةَ الْعَمْدِ لَا دِيَةَ لَهَا إنَّمَا فِيهَا الْقِصَاصُ، أَوْ الْعَفْوُ كَسَائِرِ جِنَايَاتِ الْعَمْدِ، وَدِيَةُ مُوضِحَةِ الْخَطَإِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ النَّفْسِ.
(فَالشُّفْعَةُ) فِي الشِّقْصِ لِشَرِيكِ الْجَانِي (بِنِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ وَبِدِيَةِ الْمُوضِحَةِ) الْخَطَإِ، أَيْ يَدْفَعُ الشَّفِيعُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ نِصْفَ قِيمَةِ الشِّقْصِ فِي مُقَابَلَةِ نِصْفِ الشِّقْصِ الْمُصَالَحِ بِهِ عَنْ مُوضِحَةِ الْعَمْدِ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا مَالٌ مُقَدَّرٌ، وَيَدْفَعُ لَهُ أَيْضًا دِيَةَ مُوضِحَةِ الْخَطَإِ وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ فِي مُقَابَلَةِ نِصْفِهِ الْمُصَالَحِ بِهِ عَنْ مُوضِحَةِ الْخَطَإِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ قَاعِدَتَهُ إذَا أَخَذَ الشِّقْصَ فِي مُقَابَلَةِ مَعْلُومٍ كَدِيَةِ الْخَطَإِ، وَمَجْهُولٍ كَجُرْحِ الْعَمْدِ أَنْ يُوَزَّعَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ نِصْفٌ لِلْمَعْلُومِ وَنِصْفٌ لِلْمَجْهُولِ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الصُّلْحِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى إقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى إنْكَارٍ فَالشُّفْعَةُ بِقِيمَةِ جَمِيعِ الشِّقْصِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَهَلْ كَذَلِكَ) أَيْ الْمُصَالَحُ بِهِ عَنْ مَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ مُتَّفِقَيْنِ كَمُوضِحَتَيْنِ فِي قِسْمَةِ نِصْفَيْنِ بَيْنَهُمَا (إنْ اخْتَلَفَ الْجُرْحُ) كَقَتْلِ نَفْسٍ خَطَأً وَقَطْعِ يَدٍ عَمْدًا أَوْ عَكْسِهِ صَالَحَ عَنْهُمَا بِشِقْصٍ مِنْ مُشْتَرَكٍ وَأَرَادَ الشَّرِيكُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ (أَوْ) إنْ اخْتَلَفَ الْجُرْحُ يُقَسَّمُ الشِّقْصُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ دَيْنَيْهِمَا فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ ثُلُثَهُ الْمُصَالَحَ بِهِ عَنْ دِيَةِ الْيَدِ، وَثُلُثَيْ قِيمَةِ الشِّقْصِ الْمُصَالَحَ بِهِمَا عَنْ دِيَةِ النَّفْسِ فِي صُورَةِ الْعَكْسِ لِأَنَّ دِيَةَ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ خَطَأً خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَدِيَةَ النَّفْسِ لَوْ كَانَتْ خَطَأً أَلْفُ دِينَارٍ وَمَجْمُوعُهُمَا أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ نِسْبَةُ الْأَلْفِ لَهُ ثُلُثَانِ وَالْخَمْسُمِائَةِ ثُلُثٌ، وَعَلَى هَذَا قِسْ صُورَةَ الْأَصْلِ فَيَأْخُذُ بِدِيَةِ النَّفْسِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَبِثُلُثِ دِيَةِ الشِّقْصِ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْقُرَوِيِّينَ (تَأْوِيلَانِ) وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
بَابٌ) شَرْطُ الْحَوَالَةِ: رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ
[منح الجليل]
بَابٌ) (فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْحَوَالَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) (شَرْطُ) صِحَّةِ (الْحَوَالَةِ) عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ، لِأَنَّ الطَّالِبَ تَحَوَّلَ مِنْ طَلَبِ غَرِيمِهِ إلَى طَلَبِ غَرِيمِ غَرِيمِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْحَوَالَةُ طَرْحُ الدَّيْنِ عَنْ ذِمَّةٍ بِمِثْلِهِ فِي أُخْرَى وَلَا تَرِدُ الْمُقَاصَّةُ إذْ لَيْسَتْ طَرْحًا بِمِثْلِهِ فِي أُخْرَى لِامْتِنَاعِ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِذِمَّةِ مَنْ هُوَ لَهُ اهـ. الْحَطّ وَلَا يَشْمَلُ حَوَالَةَ مَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ أَوْ وَهَبَهُ وَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ إذْ لَا يُطْلَقُ لَفْظُ الدَّيْنِ عَلَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ عُرْفًا، وَهِيَ حَوَالَةٌ كَمَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَلَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
طفي الطَّرْحُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْحَوَالَةِ لَا نَفْسِهَا وَقَدْ جَعَلَهُ فِي الْجَوَاهِرِ مِنْ أَحْكَامِهَا فَقَالَ أَمَّا حُكْمُهَا فَبَرَاءَةُ الْمُحِيلِ مِنْ دَيْنِ الْمُحَالِ وَتَحْوِيلُ الْحَقِّ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ.
اهـ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ الْآتِي وَيَتَحَوَّلُ إلَخْ اهـ.
الْبُنَانِيُّ الطَّرْحُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فِعْلُ الْفَاعِلِ، أَيْ طَرْحُ الْمُحَالِ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ فَهُوَ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ وَلَيْسَ هُوَ الْبَرَاءَةُ فِي كَلَامِ الْجَوَاهِرِ، بَلْ هِيَ مُفَرَّعَةٌ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ عِيَاضٌ الْأَكْثَرُ أَنَّهَا رُخْصَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ بِالْعَيْنِ غَيْرَ يَدٍ بِيَدٍ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ الْبَاجِيَّ لَيْسَتْ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ بِنَفْسِ الْإِحَالَةِ، فَهِيَ مِنْ بَابِ النَّقْدِ.
عِيَاضٌ فِي حَمْلِ الْحَوَالَةِ عَلَى النَّدْبِ أَوْ الْإِبَاحَةِ قَوْلًا الْأَكْثَرُ، وَبَعْضُهُمْ الْبَاجِيَّ هِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
(رِضَا) الشَّخْصِ (الْمُحِيلِ وَ) رِضَا الشَّخْصِ (الْمُحَالِ) ابْنُ عَرَفَةَ صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ أَنَّهُمَا مِنْ شُرُوطِهَا، وَلَمْ يَعُدَّهَا اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ مِنْهَا وَهُوَ أَحْسَنُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا جُزْآنِ كُلَّمَا وُجِدَا وُجِدَتْ اهـ. الْحَطّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا جُزْآنِ،
فَقَطْ؛
[منح الجليل]
كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ تَعَلُّقِهَا عَلَيْهِمَا وَوُجُودِهَا عَلَيْهِمَا، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ رِضَا الْمُحَالِ، وَإِنَّمَا أَرْكَانُهَا الْمُحِيلُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ وَالْمُحَالُ بِهِ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ كُلَّمَا وُجِدَ أَوْ وُجِدَتْ مَمْنُوعٌ فَقَدْ يُوجَدَانِ وَلَا تُوجَدُ إذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا أَحَالَك عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُ دَيْنٌ فَلَيْسَتْ حَوَالَةً وَهِيَ حَمَالَةٌ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ نَصَّ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ عَلَى أَنَّ حَدَّهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا شَرْطَانِ لَا جُزْآنِ إذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِّ.
طفي ابْنُ رَاشِدٍ اشْتَرَطُوا رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ لِأَنَّهَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِرِضَا الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَلِذَا قَالَ عِيَاضٌ هِيَ عِنْدَ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا مُبَايَعَةٌ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي حَدِّ ابْنِ عَرَفَةَ، وَحَيْثُ كَانَتْ مُبَايَعَةً فَالرِّضَا شَرْطٌ فِيهَا كَمَا فِيهِ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ كُلَّمَا وُجِدَا وُجِدَتْ غَيْرُ مُسْلِمٍ كَتَخَلُّفِ الصِّيغَةِ كَالْبَيْعِ قَدْ يُوجِدُ الرِّضَا، وَتَتَخَلَّفُ صِيغَتُهُ وَإِنَّمَا أَرْكَانُهَا الْمُحِيلُ وَالْمُحَالُ بِهِ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ رُكْنُهُ الْعَاقِدَانِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِمَا وَالصِّيغَةُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الرُّكْنَ لَا تُتَعَقَّلُ الْمَاهِيَّةُ بِدُونِهِ وَالْحَوَالَةُ لَا يَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُهَا عَلَى الرِّضَا.
وَأَمَّا رَدُّ " ح " عَلَى ابْنِ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ قَدْ يُوجَدَانِ وَلَا تُوجَدُ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا فَغَيْرُ وَارِدٍ، إذْ شَأْنُ الْمَاهِيَّةِ بُطْلَانُهَا عِنْدَ تَخَلُّفِ شَرْطِهَا وَإِنْ اجْتَمَعَتْ أَجْزَاؤُهَا وَمُرَادُهُمْ بِوُجُودِهَا عِنْدَ وُجُودِ أَجْزَائِهَا وُجُودُهَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَخَلُّفِ الشَّرْطِ (فَقَطْ) أَيْ لَا رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ شَرْطًا عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ السَّلَامَةُ مِنْ الْعَدَاوَةِ قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
الْمَازِرِيُّ وَإِنَّمَا يَعْرِضُ الْإِشْكَالُ إذَا اسْتَدَانَ رَجُلٌ مِنْ آخَرَ دَيْنًا ثُمَّ حَدَثَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ بَعْدَ الِاسْتِدَانَةِ هَلْ يُمْنَعُ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ مِنْ اقْتِضَائِهِ لِئَلَّا يُبَالِغَ فِيهِ وَيُؤْذِيَهُ فَيُؤْمَرُ بِتَوْكِيلِ غَيْرِهِ أَوْ لَا يُمْنَعُ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ، تَرَدَّدَ ابْنُ الْقَصَّارِ فِي هَذَا وَإِشَارَتُهُ تَقْتَضِي الْمَيْلَ إلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مِنْ اقْتِضَائِهِ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ لَوْ كَانَ الْمُحَالُ عَدُوًّا لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ اُشْتُرِطَ رِضَاهُ.
وَاخْتُلِفَ عَلَى هَذَا إذَا حَدَثَتْ الْعَدَاوَةُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ هَلْ يَجِبُ التَّوْكِيلُ أَوْ لَا كَمَا قَالُوا فِيمَنْ لَهُ دَيْنٌ
وَثُبُوتُ دَيْنٍ لَازِمٍ
[منح الجليل]
عَلَى شَخْصٍ وَتَجَدَّدَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِقْرَارُهُ كَمَا فِي بَيْعِ الدَّيْنِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلِلْمُوَثِّقِينَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَيْضًا الْقَوْلَانِ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إجَازَةُ الْحَوَالَةِ مَعَ الْجَهْلِ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَأَصْلُ الْخِلَافِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيْنَ الشُّيُوخِ هَلْ هِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَيَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الْبُيُوعِ أَوْ هِيَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ اهـ كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ وَلَا حُضُورُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفِي الِاسْتِغْنَاءِ لَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِنْ وَقَعَتْ فُسِخَتْ حَتَّى يَحْضُرَ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ لِلْغَائِبِ مِنْ ذَلِكَ بَرَاءَةٌ.
وَفِي الْمُشْتَمَلِ لَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ إلَّا عَلَى حَاضِرٍ مُقِرٍّ.
اهـ. وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ اقْتَصَرَ الْوَقَارُ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَنَصُّهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ أَحَدٌ بِحَقٍّ لَهُ عَلَى غَائِبٍ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا فِي مَالِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ بِهِ عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ بِخِلَافِ الْحَيِّ الْحَاضِرِ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ قَدْ فَاتَتْ، وَذِمَّةَ الْحَيِّ مَوْجُودَةٌ.
اهـ. وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ وَصَاحِبُ الْكَافِي وَالْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ دَارِهِ أَوْ عَبْدَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ مُقِرٍّ حَاضِرٍ مَلِيءٍ وَتُحِيلُهُ عَلَيْهِ إنْ شَرَعْت فِي السُّكْنَى وَالْخِدْمَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ شَرَطَ هُنَا كَوْنَهُ حَاضِرًا مُقِرًّا وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ.
الشَّيْخُ فَحَيْثُ ذَكَرَهُ يُقَيِّدُ بِهِ مَا لَمْ تَذْكُرْهُ اهـ الْمَشَذَّالِيُّ قَوْلُهُ مُقِرٌّ حَاضِرٌ مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ غَائِبًا لَمْ تَجُزْ الْحَوَالَةُ فِي الطُّرَرِ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقُرْطُبِيِّ لَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ عَلَى غَائِبٍ، فَإِنْ وَقَعَتْ فُسِخَتْ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ لِلْغَائِبِ مِنْ ذَلِكَ بَرَاءَةٌ
(وَ) شَرْطُ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ (ثُبُوتُ دَيْنٍ) لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لِلْمُحَالِ عَلَى الْمُحِيلِ وَإِلَّا فَهِيَ حَمَالَةٌ فِي الْأُولَى وَوَكَالَةٌ فِي الثَّانِيَةِ لَا حَوَالَةٌ وَلَوْ وَقَعَتْ بِلَفْظِهَا وَوُصِفَ دَيْنٌ بِ (لَازِمٍ) فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى دَيْنٍ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ سَفِيهٍ تُدَايِنُهُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، أَوْ رَقِيقٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِجَوَازِ حَوَالَةِ الْمُكَاتَبِ إلَّا عَلَى سَيِّدِهِ عَلَى مُكَاتَبِهِ الْأَسْفَلِ إذَا بُتَّ عِتْقُ الْأَعْلَى مَعَ أَنَّ مَا عَلَى الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ غَيْرُ لَازِمٍ.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ بِتَعْجِيلِ الْعِتْقِ صَارَ دَيْنًا لَازِمًا بِالنَّظَرِ إلَى الْمُحِيلِ، وَاغْتُفِرَ عَدَمُ لُزُومِهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَسْفَلِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ، وَلِذَا امْتَنَعَ أَنْ يُحَالَ أَجْنَبِيٌّ عَلَى الْأَسْفَلِ قَبْلَ أَنْ يُبَتَّ عِتْقُهُ، وَاحْتُرِزَ بِهِ أَيْضًا عَمَّنْ صَرَفَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ وَأَحَالَ غَرِيمَهُ عَلَيْهَا فَلَا تَصِحُّ لِعَدَمِ الْمُنَاجَزَةِ فِي الصَّرْفِ، وَهُوَ يُوجِبُ فَسْخَهُ، فَالدَّرَاهِمُ لَمْ تَلْزَمْ الْمُحَالَ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ تَقَرُّرُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ قَبْلَ الْحَوَالَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ أَنْكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَيَتَحَوَّلُ إلَخْ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا كَمَا قَدَّرْتُهُ وَهِيَ تَقْتَضِي اللُّزُومَ هُنَا.
وَيُشْتَرَطُ فِي تَمَامِهَا كَوْنُ الدَّيْنِ اللَّازِمِ عَنْ عِوَضٍ مَالِيٍّ، فَمَنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ بِمَالٍ وَأَحَالَ بِهِ ذَا دَيْنٍ عَلَيْهِ فَمَاتَتْ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْهَا رَجَعَ عَلَى الزَّوْجِ بِدَيْنِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَقَوْلُهُ دَيْنٌ أَيْ وَلَوْ حُكْمًا كَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِمَا عَلَى دَيْنٍ لِلْوَاهِبِ أَوْ الْمُتَصَدِّقِ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ ابْنُ عَاشِرٍ الْمُرَادُ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ وُجُودُهُ لَا الثُّبُوتُ الْعُرْفِيُّ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَحِينَئِذٍ يَكْفِي فِي ثُبُوتِهِ تَصْدِيقُ الْمُحَالِ بِثُبُوتِهِ كَمَا يَأْتِي آخِرَ الْبَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِالثُّبُوتِ إلَى مَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ شَرْطِ الْحُضُورِ وَالْإِقْرَارِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَتَأَمَّلْ هَذَا الشَّرْطَ مَعَ قَوْلِهِ فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِعَدَمِهِ إلَخْ، وَقَدْ أَشَارَ فِي التَّوْضِيحِ إلَى هَذَا الْبَحْثِ عِنْدَ تَعْرِيفِ الْحَوَالَةِ.
وَأَجَابَ اللَّقَانِيُّ بِأَنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ، وَلُزُومِهَا لَا فِي أَصْلِ كَوْنِهَا حَوَالَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَأَجَابَ " ز " بَعْدُ بِمَا هُوَ غَيْرُ مُقْنِعٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الثُّبُوتَ شَرْطٌ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُحَالُ بِعَدَمِ الدَّيْنِ وَيَرْضَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ لَازِمٌ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ.
وَقَدْ تُوُرِّكَ " ق عَلَيْهِ فِي اشْتِرَاطِهِ قَائِلًا إنَّمَا اشْتَرَطُوا هَذَا فِي الْحَمَالَةِ.
لَكِنْ فِي ضَيْح عَنْ التُّونُسِيِّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ حَوَالَةُ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَهُوَ يُفِيدُ شَرْطَ اللُّزُومِ وَمَا فِي " ز " مِنْ أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ دَيْنِ صَبِيٍّ أَوْ سَفِيهٍ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَلَا يُحَالُ بِهِ حَيْثُ
فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِعَدَمِهِ وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ: صَحَّ، وَهَلْ إلَّا أَنْ يُفَلَّسَ أَوْ يَمُوتَ؟ تَأْوِيلَانِ.
[منح الجليل]
كَانَ لَهُمَا، وَلَا عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ عَلَيْهِمَا فَغَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ هَذَا خَارِجٌ بِشَرْطِ ثُبُوتِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ هُنَا، وَكَذَا مَنْ صَرَفَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ وَأَحَالَ غَرِيمَهُ عَلَيْهَا لَا دَيْنَ لَهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّرْفِ فَتَأَمَّلْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا شَكَّ فِي ثُبُوتِهِ عَلَيْهِمْ وَأَنَّ الْمَنْفِيَّ إنَّمَا هُوَ لُزُومُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَإِنْ) أَحَالَهُ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَ (أَعْلَمَهُ) أَيْ الْمُحِيلُ الْمُحَالَ (بِعَدَمِهِ) أَيْ الدَّيْنِ بِأَنْ قَالَهُ لَا دَيْنَ لِي عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلِمَ الْمُحَالُ عَدَمَهُ مِنْ غَيْرِ الْمُحِيلِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، ظَاهِرُهَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُحِيلُ عِلْمَهُ وَرِضَاهُ بِهَا (وَشَرَطَ) الْمُحِيلُ عَلَى الْمُحَالِ (الْبَرَاءَةَ) مِنْ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ مَعَ الْحَوَالَةِ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ وَرَضِيَ الْمُحَالُ بِشَرْطِهَا (صَحَّ) عَقْدُ الْحَوَالَةِ فَلَا يَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ لِلْمُحَالِ تَرْكَ حَقِّهِ مَجَّانًا.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إلَّا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ.
فَإِنْ قُلْت كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الْحَوَالَةُ وَشَرْطُهَا ثُبُوتُ دَيْنٍ.
قُلْت نَزَلَ عِلْمُهُ بِعَدَمِهِ وَرِضَاهُ مَنْزِلَةَ ثُبُوتِهِ، لَكِنْ فِي الْجُمْلَةِ وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ إذَا مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ فُلِّسَ اتِّفَاقًا، مَعَ أَنَّ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ أَشَارَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ (وَهَلْ) لَا يَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ الَّذِي أَعْلَمَهُ بِعَدَمِهِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْبَرَاءَةَ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يُفَلَّسَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ مُشَدَّدَةً الْمُحَالُ عَلَيْهِ (أَوْ يَمُوتُ) الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَلِلْمُحَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ لِشَبَهِ الْحَوَالَةِ حِينَئِذٍ بِالْحَمَالَةِ.
فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ رُشْدٍ أَوْ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَلَوْ فُلِّسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَهَذَا تَأْوِيلُ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) وَجَمَعَ أَبُو عِمْرَانَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ جَوَابَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اشْتَرَطَ الْبَرَاءَةَ وَالرِّوَايَةَ فِيمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: شَرَطَ الْبَرَاءَةَ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَحْرَى إنْ اشْتَرَطَ الْمُحَالُ الرُّجُوعَ فَهُوَ لَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِهِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا ثَلَاثُ مَسَائِلُ، اشْتِرَاطُ الْمُحِيلِ الْبَرَاءَةَ، وَاشْتِرَاطُ الْمُحَالِ الرُّجُوعَ وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ أَحَدِهِمَا شَيْئًا مِنْهُمَا.
الثَّانِي: بَعْضُ مَشَايِخِي كَيْفَ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ حَيْثُ أَعْلَمَهُ بِأَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَى الْمُحَالِ، وَاشْتَرَطَ الْبَرَاءَةَ مَعَ قَوْلِهِمْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ ثُبُوتِ دَيْنٍ لَازِمٍ، وَهَلْ هَذَا إلَّا تَنَاقُضٌ.
وَأَجَابَ بِعَدَمِ التَّنَاقُضِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ دَيْنٍ لَازِمٍ حَيْثُ لَمْ يُعْلِمْهُ بِعَدَمِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْبَرَاءَةَ، وَمَحَلُّ الصِّحَّةِ الْإِعْلَامُ وَاشْتِرَاطُ الْبَرَاءَةِ أَفَادَهُ تت.
طفي قَوْلُهُ فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِعَدَمِهِ.
. . إلَخْ، لَوْ قَالَ فَإِنْ عَلِمَ بِعَدَمِهِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ الْحَاجِبِ لَكَانَ أَوْلَى، إذْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُعْلِمَهُ الْمُحِيلُ، وَالْمَدَارُ عَلَى عِلْمِ الْمُحَالِ.
وَجَعَلَ تت التَّأْوِيلَيْنِ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ تَبِعَ فِيهِ الشَّارِحَ وَالتَّوْضِيحَ، وَنَسَبُوا الْوِفَاقَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ نَظَرٌ، بَلْ الْوِفَاقُ بَيْنَ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَهُوَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ كَمَا فِي ابْنِ يُونُسَ وَأَبِي الْحَسَنِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ لَا يَرْجِعُ، وَقَالَ أَشْهَبُ يَرْجِعُ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ مَعَ الْعِلْمِ وَشَرْطُهُ الْبَرَاءَةُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُوَفَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ لَا يَرْجِعُ مَا لَمْ يُفَلَّسْ أَوْ يَمُتْ، وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَهُمَا مُحَمَّدٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ لَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى الْمُحِيلِ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ حَرِّقْ صَحِيفَتَك الَّتِي لَك عَلَى فُلَانٍ، وَاتَّبِعْنِي بِمَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ حَوَالَةٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَاتَّبَعَهُ حَتَّى فُلِّسَ الضَّامِنُ، أَوْ مَاتَ وَلَا وَفَاءَ لَهُ أَنَّ لِلطَّالِبِ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ مِنْ الْحَوَالَةِ مَا أُحِيلَ بِهِ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ.
ابْنُ يُونُسَ وَبِهِ أَخَذَ سَحْنُونٌ.
أَبُو عِمْرَانَ جَوَابُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اشْتَرَطَ الْبَرَاءَةَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فَأَنْتَ تَرَى التَّوْفِيقَ، الْأَوَّلَ بَيْنَ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، بِخِلَافِ تَوْفِيقِ أَبِي عِمْرَانَ فَإِنَّهُ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ سَابِقًا، فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِعَدَمِهِ وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ صَحَّ،
وَصِيغَتُهَا
[منح الجليل]
أَيْ صَحَّ عَقْدُهَا حَوَالَةً لَازِمَةً وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ وَلَا يَنْقَلِبُ حَمَالَةً، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ تَصِحَّ وَتَنْقَلِبُ حَمَالَةً، قَالَ فِيهَا وَإِنْ أَحَالَك عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُ دَيْنٌ فَلَيْسَتْ حَوَالَةً وَهِيَ حَمَالَةٌ.
اهـ. وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ كَلَامُ بَعْضِ مَشَايِخِ تت، فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ دَيْنٍ لَازِمٍ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْهُ، أَيْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهِ فِي كَوْنِهَا حَوَالَةً وَإِلَّا انْقَلَبَتْ حَمَالَةً، وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَمَحَلُّ الصِّحَّةِ أَيْ صِحَّتِهَا حَوَالَةً وَلَا تَنْقَلِبُ حَمَالَةً فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ.
الْبُنَانِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَوَالَةَ صَحِيحَةٌ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، لَكِنْ إنْ رَضِيَ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا وَالتَّأْوِيلَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَنَصُّهُ وَاخْتُلِفَ إنْ شَرَطَ الْمُتَحَمِّلُ لَهُ عَلَى الْحَمِيلِ أَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهِ وَأَبْرَأَ الْغَرِيمَ، فَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الشَّرْطَ جَائِزٌ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَرِيمِ.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْحَمِيلُ أَوْ يُفَلَّسُ، ثُمَّ قَالَ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى التَّفْلِيسِ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَعْنَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْمُتَحَمِّلُ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُفَلَّسَ، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُؤَوَّلَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ أَبْرَآ الْغَرِيمَ جَمِيعًا مِنْ الدَّيْنِ جُمْلَةً فَابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَهَذَا سَائِغٌ مُمْكِنٌ مُحْتَمَلٌ.
اهـ. فَهِيَ ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ، وَعَزَا ابْنُ يُونُسَ الثَّانِي لِمُحَمَّدٍ وَالثَّالِثَ لِأَبِي عِمْرَانَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يَرْجِعُ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ مَعَ الْعِلْمِ، وَشَرْطِ الْبَرَاءَةِ فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُوَفَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمِثْلِ التَّأْوِيلِ الثَّانِي، وَعَلَيْهِ تَأَوَّلَهُ مُحَمَّدٌ، وَلَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّأْوِيلُ الثَّالِثُ لِأَنَّهُ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ كَقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ يُونُسَ عُلِمَ أَنَّ التَّوْفِيقَ الَّذِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَوْجُودٌ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ كَمَا وُجِدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ أَشْهَبَ خِلَافًا لطفي فِي إنْكَارِهِ وُجُودَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَ) شَرْطُ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ (صِيغَتُهَا) أَيْ الْحَوَالَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَى تَرْكِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْمُحَالِ دَيْنَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ بِمِثْلِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ الشَّارِحَانِ هَلْ لَا يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ لَا تَكُونُ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِلَفْظِهَا، أَوْ مَا يَنُوبُ مَنَابَهُ كَخُذْ مِنْهُ حَقَّك وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ دَيْنِك وَشَبَهُهُ وَعَلَى هَذَا أَدْرَجَ الشَّارِحُ، أَوْ يُشْتَرَطُ وَعَلَيْهِ مَشَى الْبِسَاطِيُّ، فَقَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ عَقْدُهَا بِلَفْظِهَا وَوَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ إنَّمَا الْحَوَالَةُ أَنْ يَقُولَ أَحَلْتُك بِحَقِّك عَلَى فُلَانٍ وَأَبْرَأَ مِنْهُ بَعْدَمَا قَالَ فِيمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَجُلٍ، كَذَا وَأَمَرَ الْآخَرَ بِالدَّفْعِ لَيْسَ بِحَوَالَةٍ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَوْ قَالَ خُذْ مِنْ هَذَا حَقَّك وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ دَيْنِك بِحَوَالَةٍ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اهـ تت.
طفي الشَّارِحُ وَالْبِسَاطِيُّ قَرَارُهُ عَلَى أَنَّ شَرْطَهَا كَوْنُهَا بِلَفْظِهَا، لَكِنْ لَمَّا أَتَى الشَّارِحُ بِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ دَلَّ عَلَى عَدَمِ شَرْطِ لَفْظِهَا فَصَحَّ نِسْبَتُهُ لَهُ، وَقَدْ قَالَ " ح " اُنْظُرْ هَلْ مُرَادُهُ بِصِيغَتِهَا أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِهَا، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ لَكِنَّهُ أَتَى بَعْدَهُ بِكَلَامِ الْبَيَانِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ أَوْ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْمُحَالِ دَيْنَهُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَيَانِ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ.
قَالَ يَحْيَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ طَلَبَ رَجُلًا بِحَقٍّ فَذَهَبَ بِهِ إلَى غَرِيمِهِ، وَقَالَ لَهُ خُذْ حَقَّك مِنْ هَذَا وَأَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ فَتَقَاضَاهُ فَقَضَاهُ بَعْضَ حَقِّهِ أَوْ لَمْ يَقْضِهِ شَيْئًا مِنْهُ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَوَّلِ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ أَوْ بِجَمِيعِهِ، فَذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَجْهِ الْحَوَالَةِ اللَّازِمَةِ لِمَنْ احْتَالَ بِحَقِّهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَمْ أَحْتَلْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا أَرَدْت أَنْ أَكْفِيَك التَّقَاضِي، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَوَالَةِ اللَّازِمُ أَنْ يَقُولَ أُحِيلُك عَلَى هَذَا بِحَقِّك وَأَبْرَأُ بِذَلِكَ مِمَّا تَطْلُبُنِي وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعٌ يُنْقَلُ بِهَا الدَّيْنُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِيَقِينٍ، وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ أَوْ مَا يَنُوبُ مَنَابَهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ خُذْ مِنْ هَذَا حَقَّك وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ دَيْنِك وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَاسْتَظْهَرَ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
أَنَّ مِنْ شَرْطِهَا كَوْنَهَا بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ لِلْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ، وَنَصَّهُ الشَّيْخُ وَلِلْبَرَاءَةِ بِالْحَوَالَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ وَأَنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ وَأَنْ تَكُونَ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ وَأَنْ لَا يَغُرَّ بِهَا عَلَى مَنْ عَلِمَ عُدْمَهُ.
اهـ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِلَفْظِهَا عِنْدَهُ فَكَأَنَّهَا حَمَالَةٌ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ.
وَعِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ يَبْرَأُ بِلَفْظِهَا أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَخُذْ حَقَّك مِنْ فُلَانٍ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْبِسَاطِيِّ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَوْ قَالَ خُذْ حَقَّك مِنْ هَذَا وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ فَلَيْسَ بِحَوَالَةٍ.
اهـ. فَغَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا وَقَعَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مَا نُقِلَ لَفْظُهُ أَوَّلًا فَقَطْ، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يَنْتَقِلُ بِهَا الدَّيْنُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ أَوْ مَا يَنُوبُ مَنَابَهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ خُذْ مِنْ هَذَا حَقَّك وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ دَيْنِك وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
اهـ. فَلَوْ وَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْبِسَاطِيُّ مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا، وَالْعَجَبُ مِنْ تت كَيْفَ سَلَّمَهُ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إذَا قَالَ لَهُ اتَّبِعْ فُلَانًا بِحَقِّك فَهِيَ حَوَالَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَنْ اُتُّبِعَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتَّبِعْ» ، قَالَ فَلَمَّا أُتِيَ بِلَفْظٍ يُشْبِهُ النَّصَّ كَانَ حَوَالَةً إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيْنِ، وَإِنَّمَا الْبَيِّنُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ قَدْ أَتْبَعْتُك عَلَى فُلَانٍ، وَأَمَّا إذَا قَالَ اتَّبِعْ فُلَانًا فَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا هَلْ الْأَمْرُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِيجَابِ أَمْ لَا، اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. اهـ. وَالْقَوْلَانِ اللَّذَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا هُمَا الرِّوَايَتَانِ فِي قَوْلِ الْبَائِعِ خُذْ هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا هَلْ هُوَ إيجَابٌ لِلْبَيْعِ كَقَوْلِهِ بِعْتُك أَمْ لَا، نَعَمْ فِي عِبَارَةِ أَبِي الْحَسَنِ مِنْ شُرُوطِ الْحَوَالَةِ كَوْنُهَا بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ وَأَطْلَقَ وَنَصُّهُ وَلِلْبَرَاءَةِ بِالْحَوَالَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ كَوْنُهَا بِرِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ، وَكَوْنُهَا بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ وَكَوْنُهَا عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ وَأَنْ لَا يَغِرَّ بِالْإِحَالَةِ عَلَى مَنْ عَلِمَ عَدَمَهُ.
ثُمَّ قَالَ الْحَطّ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ إنْ أَتَى بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ الْحَوَالَةَ وَالْوَكَالَةَ كَقَوْلِهِ خُذْ الَّذِي لَك عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
وَحُلُولُ الْمُحَالِ بِهِ
[منح الجليل]
لِلْمُحَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ، وَيَقُولُ إنَّمَا طَلَبْت مِنْهُ ثِيَابَهُ عَنْك لَا عَلَى أَنَّهَا حَوَالَةٌ أَبْرَأْتُك مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) شَرْطُ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ (حُلُولُ) الدَّيْنِ (الْمُحَالِ بِهِ) عَلَى الْمُحِيلِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُؤَجَّلًا أَدَّى إلَى تَعْمِيرِ ذِمَّةٍ بِذِمَّةٍ فَيَلْزَمُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَبَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِوَرِقٍ وَلَيْسَ يَدًا بِيَدٍ إنْ كَانَ الدَّيْنَانِ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ حَالًّا وَيَقْبِضُهُ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا مِثْلُ الصَّرْفِ فَيَجُوزُ.
الْحَطّ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا كَوْنُ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ حَالًّا وَوَقَعَ فِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَا يُوهِمُ خِلَافَهُ، وَنَصُّهُ وَلَوْ اسْتَقْرَضَ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَمُ مِثْلُ طَعَامَك مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَسَأَلَهُ أَنْ يُوفِيَك أَوْ أَحَالَك بِهِ وَلَمْ تَسْأَلْ أَنْتَ الْأَجْنَبِيَّ، فَذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ الْأَجَلِ وَبَعْدَهُ، فَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ حِينَ إقْرَائِهِ هَذَا الْمَحَلِّ أَنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ مِنْ اشْتِرَاطِ حُلُولِ الْمُحَالِ بِهِ فَلَمْ يَحْضُرْهُ وَلَا غَيْرَهُ جَوَابٌ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ثُمَّ بَانَ لِي سِرُّهُ بِأَنَّ شَرْطَ الْحُلُولِ فِي الْحَوَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ، وَهَذِهِ مَجَازٌ لِأَنَّهَا عَلَى غَيْرِ أَصْلِ دَيْنٍ فَهِيَ حَمَالَةٌ.
وَإِنْ كِتَابَةً
[منح الجليل]
وَيُشْتَرَطُ حُلُولُ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ دَيْنِ كِتَابَةٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (كِتَابَةً) أَيْ نُجُومَهَا أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ بِهَا عَلَى دَيْنٍ لَهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ فَتَحِلُّ الْحَوَالَةُ بِهَا إنْ حَلَّتْ حَقِيقَةً بِانْقِضَاءِ شُهُورِهَا أَوْ حُكْمًا بِأَنْ نَجَزَ سَيِّدُهُ عِتْقَهُ الْحَطّ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ.
ابْنُ جُزَيٍّ فِي قَوَانِينِهِ الْحَوَالَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ إحَالَةُ قَطْعٍ وَإِحَالَةُ إذْنٍ، فَأَمَّا إحَالَةُ الْقَطْعِ فَلَا تَجُوزُ فِي الْمَذْهَبِ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ، الْأَوَّلُ: كَوْنُ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ قَدْ حَلَّ.
الثَّانِي: كَوْنُ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ مُسَاوِيًا لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ، الثَّالِثُ: كَوْنُ الدَّيْنَيْنِ لَيْسَا مَعًا وَلَا أَحَدُهُمَا طَعَامًا مِنْ سَلَمٍ.
وَأَمَّا إحَالَةُ الْإِذْنِ فَهِيَ كَالتَّوْكِيلِ عَلَى الْقَبْضِ وَالْإِقْطَاعِ، فَيَجُوزُ بِمَا حَلَّ بِهَا وَلَمْ يَحِلَّ وَلَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ حَتَّى يَقْبِضَ الْمُحَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَالَهُ، وَيَجُوزُ لِلْمُحِيلِ عَزْلُ الْمُحَالِ فِي الْإِذْنِ عَنْ الْقَبْضِ وَلَا يَعْزِلُهُ فِي إحَالَةِ الْقَطْعِ.
طفي اشْتِرَاطُ حُلُولِ الْمُحَالِ بِهِ حَيْثُ تَئُولُ إذَا لَمْ يُحِلْ لِمَمْنُوعٍ وَإِلَّا جَازَتْ.
ابْنُ رُشْدٍ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِهَا كَوْنُ دَيْنِ الْمُحَالِ حَالًّا لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ حَالًّا كَانَتْ بَيْعَ ذِمَّةٍ بِذِمَّةٍ فَدَخَلَهُ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ إنْ كَانَ الدِّينَانِ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ حَالًّا وَيَقْبِضُ ذَلِكَ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا مِثْلُ الصَّرْفِ فَيَجُوزُ.
عِيَاضٌ شُرُوطُ الْحَوَالَةِ الَّتِي تَجُوزُ بِهَا وَلَا تَصِحُّ بِدُونِهَا أَرْبَعَةٌ، أَوَّلُهَا: حُلُولُ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ فَلَا تَصِحُّ إذَا لَمْ يُحِلْ وَصَارَتْ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ حَقِيقَةً، وَمُرَادُ الْأَئِمَّةِ بِهَذَا أَنَّهَا مِنْ أَصْلِهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَهُوَ لَازِمٌ لَهَا إلَّا أَنَّهُ إذَا حَلَّ الْمُحَالُ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مَحَلُّ الرُّخْصَةِ.
عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتَّبِعْ» حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ إلَّا مِنْ دَيْنٍ حَلَّ لِأَنَّ الْمَطْلَ وَالظُّلْمَ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا حَلَّ.
وَفِي التَّوْضِيحِ الْحَوَالَةُ رُخْصَةٌ فَيُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَوْرِدِهَا يَعْنِي بِهِ حُلُولَ الْمُحَالِ بِهِ اسْتِقْرَاءُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» . . . الْحَدِيثَ.
فَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ مَحَلِّ الرُّخْصَةِ فَأَجْرِهَا عَلَى الْقَوَاعِدِ، فَإِنْ أَدَّتْ إلَى مَمْنُوعٍ مُنِعَتْ وَإِلَّا جَازَتْ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَأَطْلَقَ الْمَنْعَ مَنْ أَطْلَقَهُ
لَا عَلَيْهِ
[منح الجليل]
إذَا لَمْ يَحِلَّ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا ذِمَّةٌ بِذِمَّةٍ، وَتَعْجِيلُ الْحَقِّ يُخْرِجُهَا عَنْ أَصْلِهَا، وَعَلَى التَّعْجِيلِ يُحْمَلُ قَوْلُهَا فِي السَّلَمِ الثَّانِي وَلَوْ اسْتَقْرَضَ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَمُ مِثْلَ طَعَامِك مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَسَأَلَهُ أَنْ يُوَفِّيَك أَوْ أَحَالَك بِهِ وَلَمْ تَسْأَلْ أَنْتَ الْأَجْنَبِيَّ ذَلِكَ جَازَ قَبْلَ الْأَجَلِ وَبَعْدَهُ، وَبِهِ تَعْلَمُ جَوَابَ مَا أَوْرَدَهُ بَعْضُ أَهْلِ دَرْسٍ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَيْهِ حِينَ إقْرَائِهِ هَذَا الْمَحَلَّ أَنَّ كَلَامَهَا هَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ مِنْ اشْتِرَاطِ حُلُولِ الْمُحَالِ بِهِ فَلَمْ يَحْضُرْهُ وَلَا غَيْرَهُ جَوَابٌ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ بِأَنَّ لِي سِرَّهُ بِأَنَّ شَرْطَ الْحُلُولِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ، وَهَذِهِ مَجَازٌ بِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ فَهِيَ حَمَالَةٌ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ بِاسْتِقْرَاضِهِ، إذْ الْقَرْضُ يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ فَهُوَ دَيْنٌ حَقِيقَةً
(لَا) يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ حُلُولُ دَيْنِ الْمُحَالِ (عَلَيْهِ) كَانَ كِتَابَةً أَوْ غَيْرَهَا نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ كَوْنُ الْمُحَالِ هُوَ السَّيِّدُ بِأَنْ يُحِيلَهُ مُكَاتَبُهُ بِمَا حَلَّ حَلَّ عَلَيْهِ عَلَى كِتَابَةِ مُكَاتَبٍ لِلْمُكَاتِبِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحِيلَ السَّيِّدُ أَجْنَبِيًّا لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى مُكَاتَبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ التُّونُسِيُّ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَعَزَى ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ لِابْنِ الْقَاسِمِ اشْتِرَاطَ حُلُولِ الْكِتَابَةِ الْمُحَالِ عَلَيْهَا السَّيِّدُ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِمَا مَا حَكَيَاهُ مِنْ شَرْطِ حُلُولِهَا بِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْمُحَالَ عَلَيْهَا لَمْ يَشْتَرِطْ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا غَيْرُهُ حُلُولَهَا وَلَمْ يُعْرَفْ مَنْ قَالَ بِهِ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ أَحَالَك مُكَاتَبُك بِالْكِتَابَةِ عَلَى مُكَاتَبٍ لَهُ وَلَهُ عَلَيْهِ مِقْدَارُ مَا عَلَى الْأَعْلَى فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُبَتَّ عِتْقُ الْأَعْلَى وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ كِتَابَةُ الْأَعْلَى جَازَتْ بِشَرْطِ تَعْجِيلِ الْعِتْقِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ عَجَزَ الْأَسْفَلُ رَقَّ لَك وَلَا تَرْجِعُ عَلَى الْمُكَاتِبِ الْأَعْلَى بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْبَيْعِ وَقَدْ تَمَّتْ حُرِّيَّتُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِشَرْطِ كَوْنِ الْمُحَالِ السَّيِّدَ لَا أَجْنَبِيًّا.
التُّونُسِيُّ وَالْمُكَاتَبُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يُحِيلَ سَيِّدَهُ بِمَا حَلَّ مِنْ كِتَابَتِهِ عَلَى مَا لَمْ يَحِلَّ وَإِنْ كَانَ الْمُحَالُ أَجْنَبِيًّا لَمْ يَجُزْ، وَهِيَ لَوْ حَلَّتْ لَمْ تَجُزْ لِلْحَوَالَةِ عَلَيْهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا أُجِيزَتْ فِي الْأَجْنَبِيِّ إذَا أُحِيلَ عَلَى مِثْلِ الدَّيْنِ، وَهَا هُنَا قَدْ يَعْجِزُ الْمُكَاتَبُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَتَصِيرُ الْحَوَالَةُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ لِأَجْنَبِيٍّ فَأَحَالَهُ بِهِ عَلَى مُكَاتَبِهِ فَلَا تَجُوزُ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ فَتَصِيرُ الْحَوَالَةُ قَدْ خَالَفَتْ مَا رُخِّصَ فِيهِ مِنْهَا، وَهُوَ كَوْنُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْمُحَالِ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ أَجَزْتُمْ بَيْعَ الْكِتَابَةِ لِلْمُكَاتَبِ أَوْ غَيْرِهِ مَعَ إمْكَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ كِتَابَتَهُ تَارَةً وَرَقَبَتَهُ أُخْرَى، قِيلَ أَصْلُ الْحَوَالَةِ رُخْصَةٌ لِأَنَّهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ فَلَا يَتَعَدَّى بِهَا مَا خَفَّفَ مِنْهَا اهـ، كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَلَخَصَّهُ فِي الشَّامِلِ بِقَوْلِهِ وَحُلُولُ مُحَالٍ بِهِ، ثُمَّ قَالَ لَا مُحَالٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُحِيلَ سَيِّدَهُ لَا أَجْنَبِيًّا بِمَا حَلَّ مِنْ كِتَابَتِهِ عَلَى نُجُومِ مُكَاتَبِهِ، وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ.
الْبُنَانِيُّ وَفِي التَّوْضِيحِ وَأَمَّا الْكِتَابَةُ الْمُحَالُ بِهَا فَاشْتَرَطَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ حُلُولَهَا، قَالَ وَإِلَّا فَهُوَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ فِيهَا لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَعْتِقَ مَكَانَهُ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ لَيْسَ دَيْنًا ثَابِتًا، فَقَدْ اشْتَرَطَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْحُلُولَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُحَالِ بِهِ الْحُلُولُ، وَرَأَى غَيْرُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ دَيْنًا ثَابِتًا، وَاخْتَارَهُ سَحْنُونٌ وَابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُمَا، وَحَكَى عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ شُيُوخِهِ أَنَّهُ إنَّمَا اخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ إذَا سَكَتَا عَنْ شَرْطِ تَعْجِيلِ الْعِتْقِ، وَعَنْ شَرْطِ بَقَائِهِ مُكَاتَبًا فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ نَفْسَخُ مَا لَمْ تَفُتْ بِالْأَدَاءِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ يُحْكَمُ بِتَعْجِيلِ الْعِتْقِ.
وَأَمَّا إنْ أَحَالَهُ بِشَرْطِ تَنْجِيزِ الْعِتْقِ فَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي جَوَازِهَا بِشَرْطِ عَدَمِهِ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي مَنْعهَا، ابْنُ عَرَفَةَ لَا تَجُوزُ حَمَالَةٌ بِكِتَابَةٍ وَتَجُوزُ الْحَوَالَةُ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ، وَفِي شَرْطِهَا بِحُلُولِهَا قَوْلًا ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ فِيهَا وَصَوَّبَهُ سَحْنُونٌ وَالصَّقَلِّيُّ وَاللَّخْمِيُّ بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ إنْ لَمْ تَحِلَّ الْكِتَابَةُ وَأَحَالَ عَلَيْهَا سَيِّدَهُ بِشَرْطِ تَعْجِيلِ عِتْقِهِ أَوْ بِشَرْطِ عَدَمِهِ لَمْ يَخْتَلِفَا فِيهِمَا.
وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُفْسَخُ، يُرِيدُ مَا لَمْ تَفُتْ بِالْأَدَاءِ وَغَيْرُهُ يَحْكُمُ بِتَعْجِيلِ الْعِتْقِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ اطَّلَعْت عَلَى تَمَامِ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فَوَجَدْته نَصَّ عَلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ فِي إحَالَةِ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ عَلَى دَيْنٍ لَهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ.
وَأَمَّا إذَا أَحَالَهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ عِتْقِ الْأَعْلَى حَلَّتْ كِتَابَتُهُ أَوْ لَا، وَنَصُّهُ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَفِيهَا إنْ أَحَالَك مُكَاتَبُك بِكِتَابَتِهِ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِقَدْرِهَا لَمْ تَجُزْ إلَّا
وَتَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً، وَفِي تَحَوُّلِهِ عَلَى الْأَدْنَى: تَرَدُّدٌ
[منح الجليل]
بِبَتِّ عِتْقِ الْأَعْلَى، فَإِنْ عَجَزَ الْأَسْفَلُ رَقَّ لَك.
الصِّقِلِّيُّ يُرِيدُ وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ كِتَابَةُ الْأَعْلَى لِشَرْطِهِ تَعْجِيلَ عِتْقِهِ.
الْمَازِرِيُّ قَالُوا لَا مَعْنَى لِشَرْطِ تَعْجِيلِ عِتْقِهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُهُ.
الصِّقِلِّيُّ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْقِيَاسُ أَنَّ لَفْظَ الْحَوَالَةِ يُوجِبُ تَعْجِيلَ الْعِتْقِ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ لِلِاعْتِذَارِ عَنْ شَرْطِ تَعْجِيلِ الْعِتْقِ بِمَا تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا أَوْجَبَتْ بَرَاءَةَ الْمُحِيلِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا عَلَى مُحَقَّقٍ ثُبُوتُهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ عَجْزِ الْأَسْفَلِ فَلَا يَحْصُلُ نَفْسُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَضَعْفُ إيجَابِ هَذِهِ الْحَوَالَةِ الْبَرَاءَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْعِتْقِ فَافْتَقَرَ إلَى شَرْطِهَا بِالْعِتْقِ
(وَ) شَرْطُ الْحَوَالَةِ (تَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ) الْمُحَالِ بِهِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ (قَدْرًا) بِأَنْ يُحِيلَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ عَلَى مِثْلِهَا لَا عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا وَلَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا، فَلَيْسَ الْمُرَادُ تَسَاوِي مَا عَلَى الْمُحِيلِ لِمَا عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ حَتَّى تَمْتَنِعَ الْإِحَالَةُ بِخَمْسَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ عَلَى الْمُحِيلِ عَلَى خَمْسَةٍ لَهُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، أَوْ بِخَمْسَةٍ عَلَى الْمُحِيلِ عَلَى خَمْسَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ لَهُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ كَمَا تُوهَمُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَسَاوِي مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِلْمُحَالِ بِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ أَقَلَّ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرَ.
(وَ) تُسَاوِيهِمَا (صِفَةً) بِأَنْ يَكُونَا مُحَمَّدِيَّيْنِ أَوْ يَزِيدِيَّيْنِ فَلَا يُحَالُ بِيَزِيدِيٍّ عَلَى مُحَمَّدِيٍّ وَلَا عَكْسُهُ زَادَ الشَّارِحُ تَسَاوِيهِمَا جِنْسًا كَذَهَبَيْنِ أَوْ فِضَّتَيْنِ فَلَا يُحَالُ بِذَهَبٍ عَلَى فِضَّةٍ وَلَا عَكْسُهُ الْبِسَاطِيُّ يُسْتَغْنَى عَنْ هَذَا بِتَسَاوِيهِمَا صِفَةً، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَسَاوِي الصِّفَةِ اتِّحَادُ الْجِنْسِ كَدَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ مُحَمَّدِيَّتَيْنِ أَوْ يَزِيدِيَّتَيْنِ (وَفِي) جَوَازِ (تَحَوُّلِهِ) بِالْأَعْلَى صِفَةً (عَلَى الْأَدْنَى) صِفَةً بِالْأَكْثَرِ قَدْرًا عَلَى الْأَقَلِّ قَدْرًا وَمَنْعِهِ (تَرَدُّدٌ) وَعُلِّلَ الْجَوَازُ بِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ، وَالْمَنْعُ بِتَأْدِيَتِهِ لِلتَّفَاضُلِ بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ.
الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ الْأَشْيَاخَ الْمُتَأَخِّرِينَ تَرَدَّدُوا فِي جَوَازِ تَحَوُّلِهِ مِنْ الدَّيْنِ الْأَعْلَى إلَى أَدْنَى مِنْهُ يُرِيدُ أَوْ مِنْ الْكَثِيرِ إلَى أَقَلَّ مِنْهُ، وَأَكْثَرُ الشُّيُوخِ عَلَى الْجَوَازِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ التَّرَدُّدَ جَارٍ فِي التَّحَوُّلِ مِنْ الْكَثِيرِ إلَى الْقَلِيلِ، بَلْ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ ذَلِكَ فَإِنَّ صَاحِبَ الْمُقَدِّمَاتِ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ شَرَطَ فِيهَا تَمَاثُلَهُمَا فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ لَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ وَلَا
وَأَنْ لَا يَكُونَا طَعَامًا مِنْ بَيْعٍ:
[منح الجليل]
أَدْنَى وَلَا أَفْضَلَ اهـ. قُلْت هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِجُمْلَةِ الْكَثِيرِ عَلَى الْقَلِيلِ كَأَحَلْتُكَ بِالْمِائَةِ الَّتِي لَك عَلَيَّ عَلَى فُلَانٍ بِعَشَرَةٍ لِي عِنْدَهُ.
أَمَّا إنْ قَالَ لَهُ أَسْقَطْت عَنْك تِسْعِينَ مِنْ الْمِائَةِ وَأَحَلْتُك بِالْعَشَرَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى عَشَرَةٍ لِي عَلَى فُلَانٍ فَالظَّاهِرُ فِيهِ التَّرَدُّدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فِي التَّوْضِيحِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ جَوَازِ التَّحَوُّلِ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى مُوَافِقٌ لِكَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ وَابْنِ شَاسٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَقْوَى فِي الْمَعْرُوفِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَعِيَاضٌ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا التَّحَوُّلُ مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ فَيَجُوزُ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى مَوْضِعَ عَلَى عَنْ، فَهِيَ بِمَعْنَى عَلَى، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا بِمَعْنَاهَا لِأَنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَخْذُ الْأَعْلَى عَنْ الْأَدْنَى، وَهَذِهِ لَا يَجُوزُ صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ اهـ.
ابْنُ عَرَفَةَ يُشْتَرَطُ تَمَاثُلُ صِنْفِ الدَّيْنَيْنِ، وَفِي شَرْطِ تَسَاوِيهِمَا فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ مُطْلَقًا وَجَوَازِ كَوْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَقَلُّ أَوْ أَدْنَى.
قَوْلُ الْمُقَدِّمَاتِ شَرْطُهَا تَمَاثُلُهُمَا فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ لَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ وَلَا أَدْنَى وَلَا أَفْضَلَ وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ مَعَ الْمَازِرِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ، وَقَالَ شُرُوطُهَا سِتٌّ كَوْنُهَا عَلَى دَيْنٍ، وَاتِّحَادُ جِنْسِ الدَّيْنَيْنِ، وَاتِّحَادُ قَدْرِهِمَا وَصِفَتِهِمَا أَوْ كَوْنُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَقَلَّ أَوْ أَدْنَى اهـ.
(تَنْبِيهٌ) فِي التَّوْضِيحِ حَيْثُ حَكَمَ بِالْمَنْعِ فِي هَذَا الْفَصْلِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا لَمْ يَقَعْ التَّقَابُضُ فِي الْحَالِ فَإِنْ قَبَضَهُ فِيهِ جَازَ، فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا اخْتَلَفَ الدَّيْنَانِ فِي الصِّنْفِ أَوْ الْجَوْدَةِ وَهُمَا طَعَامٌ أَوْ عَيْنٌ أَوْ عَرْضٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ وَإِنْ حَلَّا مُحَمَّدٌ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا فَتَجُوزُ إلَّا فِي الطَّعَامِ مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقْبِضَهُ إلَّا صَاحِبُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَهَبًا وَالْآخَرُ وَرِقًا فَلَا يُحِيلُهُ بِهِ، وَإِنْ حَلَّا إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ مَكَانَهُ قَبْلَ افْتِرَاقِ الثَّلَاثَةِ وَطُولَ الْمَجْلِسِ.
(وَ) شَرْطُهَا (أَنْ لَا يَكُونَا) أَيْ الدَّيْنَانِ الْمُحَالُ بِهِ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ (طَعَامًا مِنْ بَيْعٍ) فَلَا يَدْخُلُهَا بَيْعُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَفْرَدَ طَعَامًا وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مُثَنَّى لِكَوْنِهِ
لَا كَشْفُهُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ
وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحَالِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ،
[منح الجليل]
اسْمَ جِنْسٍ صَادِقًا عَلَى الْكَثِيرِ أَيْضًا، كَمَاءٍ وَثَنَّاهُ فِي السَّلَمِ نَظَرًا لِتَعَدُّدِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَشَمِلَ مَنْطُوقُهُ صُورَتَيْنِ كَوْنَهُمَا مِنْ قَرْضٍ، وَيَكْفِي فِي هَذِهِ حُلُولُ الْمُحَالِ بِهِ بِلَا نِزَاعٍ، وَكَوْنَ أَحَدِهِمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرِ مِنْ قَرْضٍ، وَيَكْفِي فِي هَذِهِ حُلُولُ الْمُحَالِ بِهِ بِلَا نِزَاعٍ، وَكَوْنِ أَحَدِهِمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرِ مِنْ قَرْضٍ، وَيَكْفِي فِي هَذِهِ حُلُولُ الْمُحَالِ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا ابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ فَاشْتَرَطَ حُلُولَهُمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ وَقَوْلُهُمْ أَصْوَبُ فَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَتَبِعَهُ فِي الشَّامِلِ.
ابْنُ عَاشِرٍ عِلَّةُ الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا مِنْ بَيْعٍ فَمَا مَعْنَى جَوَازِهَا فِيهِمَا.
الْبُنَانِيُّ وَجْهُهُ أَنَّ قَضَاءَ الْقَرْضِ بِطَعَامِ الْبَيْعِ جَائِزٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَقَضَاؤُهُ عَنْ قَرْضٍ قُلْت هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْمُحَالُ بِهِ مِنْ قَرْضٍ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعٍ لَا فِي عَكْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(لَا) يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ (كَشْفُهُ) أَيْ الْمُحَالِ (عَنْ) حَالِ (ذِمَّةِ) الشَّخْصِ (الْمُحَالِ عَلَيْهِ) مِنْ غِنًى وَفَقْرٍ وَاشْتِغَالٍ بِدَيْنٍ آخَرَ غَيْرِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ، فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ مَعَ عَدَمِ الْكَشْفِ عَنْهَا، فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إجَازَةُ الْحَوَالَةِ مَعَ الْجَهْلِ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ الْمَذْهَبُ، وَنَصُّهُ أَجَازَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْحَوَالَةَ مَعَ الْجَهْلِ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَدْرِي أَمُوسِرٌ هُوَ أَوْ مُعْسِرٌ الْمَازِرِيُّ شَرْطُ بَيْعِ الدَّيْنِ عِلْمُ حَالِ ذِمَّةِ الْمَدِينِ، وَإِلَّا كَانَ غَرَرًا بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ فَاغْتُفِرَ فِيهَا الْغُرُورُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ
(وَيَتَحَوَّلُ) بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ (حَقُّ) الشَّخْصِ (الْمُحَالِ عَلَى) الشَّخْصِ (الْمُحَالِ عَلَيْهِ) إنْ لَمْ يَكُنْ مُفْلِسًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ قَدْ (أَفْلَسَ) الْمُحَالُ عَلَيْهِ حِينَ الْحَوَالَةِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَهُ وَأَوْلَى إنْ طَرَأَ فَلَهُ بَعْدَهَا إنْ اسْتَمَرَّ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ، بَلْ (أَوْ) أَيْ وَإِنْ (جَحَدَ) الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ لِلْمُحِيلِ بَعْدَ الْحَوَالَةِ لَا قَبْلَهَا حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ بِهِ
إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُحِيلُ بِإِفْلَاسِهِ فَقَطْ
[منح الجليل]
لِعَدَمِ ثُبُوتِ دَيْنٍ عَلَيْهِ، وَالْأَوْلَى إبْدَالُ وَاوِ وَيَتَحَوَّلُ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُحِيلُ بِإِفْلَاسِهِ) أَيْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْمُحَالِ فَيَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ فِيهَا وَإِذَا أَحَالَك غَرِيمُك عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَرَضِيت بِاتِّبَاعِهِ فَلَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي غَيْبَةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ عُدْمِهِ.
أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُحَالُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ إنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ جَحَدَ أَوْ مَاتَ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُغِيرَةِ ابْنِ نَاجِي، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيَّ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا صَحِيحٌ لَمْ أَعْرِفْ فِيهِ خِلَافًا.
وَفِي التَّوْضِيحِ مَسْأَلَةُ الْفَلَسِ صَحِيحَةٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَيَّدَهَا الْمُغِيرَةُ فَقَالَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُحَالُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيلِ إذَا أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَلَهُ شَرْطُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ حُدُوثُ فَلَسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَغْوٌ لَا يُوجِبُ نَقْضَهَا، وَسَمِعَ سَحْنُونٌ الْمُغِيرَةَ إنْ شَرَطَ الْمُحَالُ إنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيَّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا صَحِيحٌ لَمْ أَعْرِفْ فِيهِ خِلَافًا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُنَاقِضٌ لِعَقْدِ الْحَوَالَةِ، وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ فِي الشَّرْطِ الْمُنَاقِضِ لِلْعَقْدِ أَنَّهُ يُفْسِدُهُ، وَفِي بَعْضِهَا يَسْقُطُ الشَّرْطُ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ كَالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا جَائِحَةَ.
ابْنُ سَلْمُونٍ إنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحَالَةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمُحَالُ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْحَوَالَةُ، فَإِنْ انْعَقَدَ فِي الْوَثِيقَةِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمُحَالِ بِمُلَاءِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَمَوْضِعِهِ مِنْ الْمَالِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِوَجْهٍ وَإِنْ كَانَ إفْلَاسُهُ بَعْدَ الْإِحَالَةِ فَلَا كَلَامَ لِلْمُحَالِ.
الْحَطّ إذَا عَلِمَا جَمِيعًا بِفَلَسِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَحْرَى إذَا عَلِمَهُ الْمُحَالُ وَحْدَهُ، فَإِنْ جَهِلَا فَلَسَهُ جَمِيعًا فَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ الَّذِي نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَالْمُوَضِّحُ وَغَيْرُهُمَا، بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اعْتَرَضَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ فَلَسَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عَيْبًا فَلَهُ الرُّجُوعُ، عَلِمَ الْمُحِيلُ بِهِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا فَلَا رُجُوعَ لَهُ مُطْلَقًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ
وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ، إنْ ظُنَّ بِهِ الْعِلْمَ
فَلَوْ أَحَالَ بَائِعٌ عَلَى مُشْتَرٍ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ رَدَّ بِعَيْبٍ أَوْ اسْتَحَقَّ وَلَمْ تَنْفَسِخْ، وَاخْتِيرَ خِلَافُهُ
[منح الجليل]
عَيْبٌ مَعَ عِلْمِ الْمُحِيلِ لِغُرُورِهِ، وَأَجَابَ عَبْدُ الْحَقِّ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مَعْرُوفٌ فَسَهُلَ عَلَى الْمُحِيلِ إلَّا أَنْ يَغِرَّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ ابْنِ سَلْمُونٍ السَّابِقُ بِهَذَا
(وَ) إنْ ادَّعَى الْمُحَالُ عِلْمَ الْمُحِيلِ بِفَلَسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَهُ الْمُحِيلُ (حَلَفَ) الْمُحِيلُ (عَلَى نَفْيِهِ) أَيْ الْعِلْمِ (إنْ ظُنَّ) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ (بِهِ) أَيْ الْمُحِيلِ (الْعِلْمُ) أَيْ إنْ كَانَ مِثْلُهُ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ حَالَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يَحْلِفُ، وَإِنْ اتَّهَمَهُ الْمُحَالُ بِهِ هَذَا هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ.
وَالظَّاهِرُ مِثْلُهُ فِي دَعْوَى الْمُحِيلِ عِلْمَ الْمُحَالِ فَلَسَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ
وَفَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ وَيَتَحَوَّلُ إلَخْ فَقَالَ (فَلَوْ أَحَالَ) شَخْصٌ (بَائِعٌ) شَيْئًا مَعْلُومًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ (عَلَى مُشْتَرٍ) ذَلِكَ الشَّيْءَ (بِالثَّمَنِ) الَّذِي اشْتَرَى بِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْهُ (ثُمَّ رُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ عَلَى بَائِعِهِ الْمُحِيلِ بِثَمَنِهِ (بِ) سَبَبِ (عَيْبٍ) قَدِيمٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ بِسَبَبِ فَسَادِ الْبَيْعِ أَوْ بِسَبَبِ إقَالَةٍ (أَوْ اُسْتُحِقَّ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَبِيعُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ قَبْلَ دَفْعِهِ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ (لَمْ تَنْفَسِخْ) الْحَوَالَةُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي دَفْعُ الثَّمَنِ وَيَرْجِعُ بِعِوَضِهِ عَلَى بَائِعِهِ الْمُحِيلِ (وَاخْتِيرَ خِلَافُهُ) أَيْ عَدَمُ الِانْفِسَاخِ وَهُوَ الِانْفِسَاخُ.
الْحَطّ وَتَنْفَسِخُ عِنْدَ أَشْهَبَ وَاخْتَارَهُ الْأَئِمَّةُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ فَقَوْلُهُ وَاخْتِيرَ غَيْرُ جَارٍ عَلَى قَاعِدَتِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ لِأَنَّ مَادَّةَ الِاخْتِيَارِ اللَّخْمِيُّ وَصِيغَةَ الْفِعْلِ لِاخْتِيَارِهِ فِي نَفْسِهِ وَلَيْسَ لِلَّخْمِيِّ اخْتِيَارٌ هُنَا، وَالْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَنْصُوصٌ وَالْمُخْتَارُ لِقَوْلِ أَشْهَبَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا الْخِلَافُ مُقَيَّدٌ بِظَنِّ الْبَائِعِ أَنَّهُ مَلَكَ مَا بَاعَهُ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ كَبَيْعِهِ سِلْعَةً لِرَجُلٍ ثُمَّ بَيْعِهَا لِآخَرَ وَإِحَالَتِهِ عَلَيْهِ بِثَمَنِهَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَيَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ
وَالْقَوْلُ لِلْمُحِيلِ، إنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ نَفْيُ الدَّيْنِ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ، لَا فِي دَعْوَاهُ وَكَالَةً أَوْ سَلَفًا.
[منح الجليل]
قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ وَابْنِ سَلْمُونٍ، وَنَصُّهُ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ بَاعَ حِصَّةً مِنْ كَرْمٍ وَأَحَالَ عَلَيْهِ بِثَمَنِهَا فَأَثْبَتَ رَجُلٌ أَنَّهُ ابْتَاعَ الْحِصَّةَ مِنْ الْمُحِيلِ قَبْلَ بَيْعِهَا لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ وَاسْتَحَقَّ الْحِصَّةَ وَفُسِخَ الْبَيْعُ فَقَالَ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْت فَتُنْتَقَضُ الْإِحَالَةُ وَيَرْجِعُ الْمُحَالُ بِدَيْنِهِ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ قِبَلَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِسُقُوطِ الثَّمَنِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَارِجَةٌ عِنْدِي مِنْ الِاخْتِلَافِ لِكَوْنِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهَا مِنْ جِهَةِ الْمُحِيلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِهَتِهِ، وَقَدْ كُنْتُ سُئِلْتُ عَنْهَا مِنْ مُدَّةٍ فَأَجَبْت فِيهَا بِمِثْلٍ هَذَا الْجَوَابِ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ خَالَفَهُ فِي اللَّفْظِ
(وَ) إنْ ادَّعَى الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ أَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَادَّعَى الْمُحِيلُ أَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ جُنُونِهِ أَوْ فَلَسِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَهُ فَ (الْقَوْلُ لِلْمُحِيلِ) بِيَمِينٍ (إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ الْمُحِيلُ الْمُحَالَ (نَفْيَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، أَيْ عَدَمَ (الدَّيْنِ لِ) الْمُحِيلِ عِنْدَ (الْمُحَالِ عَلَيْهِ) فَإِنْ حَضَرَ وَذَكَرَ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ أَحَدِهِمَا فَهَلْ يَكُونُ شَاهِدًا لَهُ أَمْ لَا، وَهَلْ يَجْرِي فِي الْمَلِيءِ وَالْمُعْسِرِ أَمْ لَا.
فَإِنْ قِيلَ تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَهَا ثُبُوتُ دَيْنٍ لَازِمٍ، فَمُقْتَضَاهُ تَكْلِيفُ الْمُحِيلِ بِإِثْبَاتِهِ، فَجَوَابُهُ أَنَّ رِضَا الْمُحَالِ بِالْحَوَالَةِ ابْتِدَاءً تَصْدِيقٌ مِنْهُ بِثُبُوتِهِ فَصَارَ مُدَّعِيًا وَالْمُحِيلُ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ قَبَضَ شَخْصٌ دَيْنَ آخَرَ مِنْ مَدِينِهِ وَادَّعَى رَبُّ الدَّيْنِ أَنَّهُ وَكَّلَ الْقَابِضَ عَلَى قَبْضِهِ أَوْ أَنَّهُ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ وَادَّعَى الْقَابِضُ أَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا فَ (لَا) يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْمُحِيلِ (فِي دَعْوَاهُ) أَيْ الْمُحِيلِ (وَكَالَةً) أَيْ تَوْكِيلًا لِلْمُحَالِ عَلَى قَبْضِ دَيْنِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِنْكَارِهِ إحَالَتَهُ لَهُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لِلْمُحَالِ (أَوْ) دَعْوَاهُ (سَلَفًا) أَيْ تَسْلِيفًا لِلْمُحَالِ مَا قَبَضَهُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَعَ صُدُورِ لَفْظِ الْحَوَالَةِ مِنْ الْمُحِيلِ لِلْمُحَالِ فَالْقَوْلُ لِلْقَابِضِ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ مِنْ دَيْنِهِ أَحَالَهُ بِهِ إنْ أَشْبَهَ كَوْنُ مِثْلِهِ يُدَايِنُ الْمُحِيلَ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَإِلَّا فَقَوْلُ رَبِّ الْمَالِ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ وَكَّلَهُ أَوْ سَلَّفَهُ، هَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الْوَكَالَةِ وَتَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ فِي السَّلَفِ عَلَيْهَا.
وَالْمَنْصُوصُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَوْلَ فِي السَّلَفِ لِلْمُحِيلِ وَخَرَجَ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَوْلَ لَهُ فِي الْوَكَالَةِ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْجَرْيُ عَلَيْهِ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبِعَ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ، أَيْ فِي الْوَكَالَةِ وَالسَّلَفِ، قَالَ فِي ضَيْح أَرَادَ بِالْأَصَحِّ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْوَكَالَةِ وَغَيْرِ الْأَصَحِّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي السَّلَفِ.
اللَّخْمِيُّ الْمَسْأَلَتَانِ سَوَاءٌ، وَعَلَى هَذَا فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلٌ، وَخَرَجَ فِيهِ آخَرُ مِنْ الْأُخْرَى، وَبِتَصْحِيحِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي السَّلَفِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ " ز " يَنْبَغِي لَهُ الْجَرْيُ عَلَيْهِ، أَيْ الْمَنْصُوصِ فِيهِ أَيْ السَّلَفِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
بَابُ) الضَّمَانِ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ،
[منح الجليل]
[بَابُ الضَّمَانِ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ]
بَابٌ) فِي بَيَانِ الضَّمَانِ وَأَقْسَامِهِ وَأَحْكَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (الضَّمَانُ) أَيْ حَقِيقَتُهُ شَرْعًا الْمَازِرِيُّ الْحَمَالَةُ وَالْكَفَالَةُ وَالضَّمَانُ وَالزَّعَامَةُ كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي اللُّغَةِ، تَقُولُ الْعَرَبُ هَذَا كَفِيلٌ وَحَمِيلٌ وَضَمِينٌ وَزَعِيمٌ، هَذِهِ هِيَ الْأَسْمَاءُ الْمَشْهُورَةُ وَتَقُولُ الْعَرَبُ أَيْضًا قَبِيلٌ بِمَعْنَى ضَمِينٍ (شَغْلٌ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَيْنِ، أَيْ مَصْدَرُ شَغَلَ بِفَتْحِهِمَا مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ جِنْسٌ شَمِلَ الضَّمَانَ وَغَيْرَهُ، وَإِضَافَتُهُ لِ (ذِمَّةٍ) فَصْلٌ مُخْرِجٌ لِشَغْلِ غَيْرِهَا وَنَعْتُ ذِمَّةٍ بِ (أُخْرَى) أَيْ مَعَ الْأُولَى فَصْلٌ ثَانٍ مُخْرِجٌ الْحَوَالَةَ وَالْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَالنِّكَاحَ وَالْخُلْعَ وَنَحْوَهَا (بِالْحَقِّ) إمَّا ابْتِدَاءً أَوْ انْتِهَاءً، فَشَمِلَ ضَمَانَ الْمَالِ وَضَمَانَ الْوَجْهِ وَضَمَانَ الطَّلَبِ، وَأَلْ فِي الْحَقِّ لِلْعَهْدِ أَيْ الْأَوَّلِ الَّذِي شُغِلَتْ بِهِ الذِّمَّةُ الْأُولَى فَانْدَفَعَ إيرَادُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِشُمُولِهِ بَيْعَ شَيْءٍ بِدَيْنٍ ثُمَّ بَيْعَ سِلْعَةٍ أُخْرَى بِدَيْنٍ أَيْضًا وَالتَّشْرِيكُ فِيمَا اشْتَرَى، وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَشْمَلُ التَّوْلِيَةَ، وَيُجَابُ بِخُرُوجِهَا بِأُخْرَى كَالْحَوَالَةِ، وَانْدَفَعَ بِقَوْلِي أَوْ انْتِهَاءً إيرَادُ أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِعَدَمِ شُمُولِهِ ضَمَانَ الْوَجْهِ وَضَمَانَ الطَّلَبِ.
وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي تَعْرِيفِهِ بِمَا ذُكِرَ، وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ الْحَمَالَةُ الْتِزَامُ دَيْنٍ لَا يُسْقِطُهُ أَوْ طَلَبَهُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِمَنْ هُوَ لَهُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِعَبْدِ الْوَهَّابِ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ لَا يَشْمَلُهَا لِأَنَّ شَغْلَ الذِّمَّةِ لَازِمٌ لَهَا لَا نَفْسِهَا لِأَنَّهَا مُكْتَسَبَةٌ، وَالشَّغْلُ حُكْمٌ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ كَالْمِلْكِ مَعَ الْبَيْعِ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إطْلَاقُ الْحَمَالَةِ عَلَى الطَّلَبِ إنَّمَا هُوَ مَجَازٌ عُرْفًا لَا حَقِيقَةً، يُرَدُّ بِمَنْعِهِ لِظَاهِرِ إطْلَاقَاتِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْأُمَّهَاتِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالرُّوَاةِ.
" غ " فَالضَّمَانُ فِي تَعْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ مُنَوَّعٌ إلَى الْتِزَامِ الدَّيْنِ وَالْتِزَامِ طَلَبِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ
وَصَحَّ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ:
[منح الجليل]
وَالضَّمَانُ عِنْدَهُ مُكْتَسَبٌ وَالشَّغْلُ لَازِمُهُ كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ مُكْتَسَبٌ وَالْمِلْكَ لَازِمُهُ.
الْبُنَانِيُّ حَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُمْ شَغْلٌ مُبَايِنٌ لِلْمَحْدُودِ فَلَيْسَ بِجَامِعٍ وَلَا مَانِعٍ لِأَنَّ الضَّمَانَ سَبَبٌ فِي الشَّغْلِ، فَالشَّغْلُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ لَا نَفْسُهُ وَسَلَّمَهُ " غ " وعج وَرَدَّهُ ابْنُ عَاشِرٍ بِأَنَّ الَّذِي لَيْسَ فِعْلًا لِلشَّخْصِ إنَّمَا هُوَ اشْتِغَالُ الذِّمَّةِ.
وَأَمَّا شَغْلُهَا فَهُوَ فِعْلُ الشَّخْصِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، فَقَوْلُهُمْ شَغْلُ ذِمَّةٍ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّخْصَ شَغَلَ ذِمَّتَهُ بِالْحَقِّ أَيْ أَلْزَمَهَا إيَّاهُ، فَهُوَ فِعْلٌ مُكْتَسَبٌ مُسَاوٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ الْتِزَامُ دَيْنٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاحْتَرَزَ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ لَا يُسْقِطُهُ عَنْ الْحَوَالَةِ وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهَا طَرْحُ الدَّيْنِ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْتِزَامٍ، فَالْمُنَاسِبُ أَنَّهُ لِتَحْقِيقِ الْمَاهِيَّةِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي فُصُولِ الْحَدِّ لَا لِإِخْرَاجِ الْحَوَالَةِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ صُوَرِ الْحَوَالَةِ وَذَلِكَ إذَا الْتَزَمَ مَدْيَنُ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى دَائِنِهِ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الْحَوَالَةِ، فَهَذِهِ تَخْرُجُ بِقَوْلِهِ لَا يُسْقِطُهُ، وَيَخْرُجُ بِهِ أَيْضًا الْتِزَامُ دَيْنٍ عَلَى آخَرَ أَفَادَهُ عج.
(وَصَحَّ) الضَّمَانُ وَلَزِمَ (مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ) بِالْمَضْمُونِ فِيهِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الَّذِي لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيمَا ضَمِنَ، فِيهِ فَدَخَلَتْ الزَّوْجَةُ وَالْمَرِيضُ بِالنِّسْبَةِ لِلثُّلُثِ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمَأْذُونُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا أَذِنَ لَهُمَا سَيِّدُهُمَا فِي ضَمَانِهِ.
وَمَفْهُومُ أَهْلِ التَّبَرُّعِ فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ زَوْجَةً أَوْ مَرِيضًا بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ رَقِيقًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ مَدِينًا بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ، أَوْ مُؤَجِّرًا نَفْسَهُ لِعَمَلٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ ظِئْرًا فَضَمَانُهُمْ صَحِيحٌ غَيْرُ لَازِمٍ وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَهُوَ فَاسِدٌ وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ إجَازَتُهُ.
فِي النَّوَادِرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ تَكَفَّلَ بِوَجْهِ رَجُلٍ فَغَابَ الرَّجُلُ فَأُخِذَ بِهِ الْكَفِيلُ فَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْكَفِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ دَارِهِ أَوْ يُسَافِرَ مَعَهُ إلَى مَكَّةَ فَالْإِجَارَةُ مُقَدَّمَةٌ وَلَا يُحْبَسُ فِي الدَّيْنِ لِأَنَّ كَفَالَةَ الدَّيْنِ مَعْرُوفٌ مُتَطَوَّعٌ بِهِ وَلَوْ كَانَتْ ظِئْرًا اُسْتُؤْجِرَتْ لِرَضَاعٍ قَبْلَ كَفَالَتِهَا فَلَا تُحْبَسُ فِي الْكَفَالَةِ أَيْضًا، وَالرَّضَاعُ مُقَدَّمٌ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الرَّضَاعِ طُولِبَتْ بِالْحَمَالَةِ.
كَمُكَاتَبٍ، وَمَأْذُونٍ أَذِنَ سَيِّدُهُمَا، وَزَوْجَةٍ، وَمَرِيضٍ بِثُلُثٍ
[منح الجليل]
وَمَثَّلَ لِأَهْلِ التَّبَرُّعِ فَقَالَ (كَ) رَقِيقٍ (مُكَاتَبٍ وَ) رَقِيقٍ (مَأْذُونٍ) لَهُ فِي التِّجَارَةِ (أَذِنَ سَيِّدُهُمَا) لَهُمَا فِي الضَّمَانِ، فَيَصِحُّ مِنْهُمَا، وَيَلْزَمُهُمَا إنْ وَقَعَ مِنْهُمَا.
فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا فَيَصِحُّ وَلَا يَلْزَمُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَأُتْبِعَ ذُو الرِّقِّ بِهِ إنْ عَتَقَ، وَدَخَلَ بِالْكَافِ قَنٌّ وَذُو شَائِبَةٍ كَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ جَوَازِ ضَمَانِهِمَا بِلَا إذْنٍ لِإِحْرَازِ الْمُكَاتَبِ نَفْسَهُ وَمَالَهُ، وَلِرَفْعِ الْحَجْرِ عَنْ الْمَأْذُونِ بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لِسَيِّدِهِ فِيهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَضْمَنَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى عَجْزِهِ.
وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ تَوَقُّفُ ضَمَانِهِمَا عَلَى إذْنِ سَيِّدِهِمَا وَلَوْ ضَمِنَاهُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَمُرَادُهُ بِهِمَا غَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمَا لِدَيْنٍ بِدَلِيلِ التَّمْثِيلِ بِهِمَا لِأَهْلِ التَّبَرُّعِ، فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ الشَّارِحِ بِشُمُولِ كَلَامِهِ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِمَا لِدَيْنٍ، وَأَجَابَ تت بِأَنَّهُ أَطْلَقَ اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحَجْرِ وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ.
الْبُنَانِيُّ الْكَافُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلتَّشْبِيهِ، وَفِي الْمَعْطُوفِ لِلتَّمْثِيلِ فَهِيَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي مَعْنَيَيْهِ.
(وَ) كَ (زَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ) ضَمِنَ أَحَدُهُمَا دَيْنًا (بِ) قَدْرِ (ثُلُثٍ) مِنْ مَالِهِ أَوْ بِزَائِدٍ عَلَيْهِ بِيَسِيرٍ كَدِينَارٍ وَمَا خَفَّ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَمْ تَقْصِدْ بِهِ ضَرَرًا فَيَمْضِي الثُّلُثُ مَعَ الزَّائِدِ الْيَسِيرِ لَا بِكَثِيرٍ، فَلَا يَلْزَمُهَا، وَإِنْ ضَمِنَتْ زَوْجَهَا أَوْ ضَمِنَ مَرِيضٌ وَارِثَهُ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ صَحِيحًا مُتَوَقِّفًا عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ وَالْوَارِثِ وَلِلزَّوْجِ رَدُّ جَمِيعِهِ إنْ ضَمِنَتْ بِأَزْيَدَ كَمَا مَرَّ وَلَوْ لَهُ هُوَ وَلِلْوَارِثِ رَدُّ الزَّائِدِ فَقَطْ وَلَوْ لَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا كَفَالَةُ ذَاتِ الزَّوْجِ فِي ثُلُثِهَا إنْ تَكَفَّلَتْ بِزَوْجِهَا فَفِيهَا عَطِيَّتُهَا زَوْجَهَا جَمِيعَ مَالِهَا جَائِزَةٌ، وَكَذَا كَفَالَتُهَا عَنْهُ.
الْبَاجِيَّ يُرِيدُ بِإِذْنِهِ وَفِيهَا إنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ أَكْرَهَهَا فِي كَفَالَتِهَا عَنْهُ فَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ.
اهـ. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَفَالَةِ زَوْجِهَا وَغَيْرِهِ، وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاجِيَّ هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ وَإِنْ كَاتَبَتْ أَوْ تَكَفَّلَتْ أَوْ أَعْتَقَتْ أَوْ تَصَدَّقَتْ أَوْ وَهَبَتْ أَوْ صَنَعَتْ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ، فَإِنْ حَمَلَهُ ثُلُثُهَا وَهِيَ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهَا جَازَ وَإِنْ كَرِهَ زَوْجُهَا.
وَإِنْ جَاوَزَ ثُلُثَهَا فَلِزَوْجِهَا رَدُّ جَمِيعِهِ أَوْ إجَازَتُهُ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ كَالدِّينَارِ وَمَا خَفَّ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ بِهِ ضَرَرَهُ فَيَمْضِي الثُّلُثُ مَعَ الزِّيَادَةِ، ثُمَّ قَالَ
وَاتُّبِعَ ذُو الرِّقِّ بِهِ إنْ عَتَقَ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ جَبْرُهُ عَلَيْهِ
[منح الجليل]
فِيهَا وَإِذَا أَجَازَ الزَّوْجُ كَفَالَةَ زَوْجَتِهِ الرَّشِيدَةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا جَازَتْ تَكَفَّلَتْ عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَكَفَّلَتْ عَنْهُ بِمَا يَغْتَرِقُ جَمِيعَ مَالِهَا فَلَمْ يَرْضَ لَمْ يَجُزْ الثُّلُثُ وَلَا غَيْرُهُ.
اهـ. وَلَا حَاجَةَ لِتَقْيِيدِهَا بِكَوْنِهَا حُرَّةً رَشِيدَةً لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ وَلَا يَكُونُ ضَمَانُهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ ضَمِنَتْهُ جَازَ وَلَوْ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ مَالِهَا لِأَنَّ جَوَازَ هَذَا مَشْرُوطٌ بِإِذْنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالزَّوْجُ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، نَعَمْ يُقَيَّدُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِكَوْنِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لَيْسَتْ يَسِيرَةً كَدِينَارٍ وَمَا خَفَّ وَإِلَّا فَيَمْضِي كُلُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَ) إنْ ضَمِنَ الرَّقِيقُ مَالًا أَوْ وَجْهًا وَتَعَذَّرَ مَضْمُونُهُ (اُتُّبِعَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (ذُو الرِّقِّ) أَيْ الرَّقِيقُ (بِ) غَرَامَاتِ (هـ) أَيْ الضَّمَانِ، سَوَاءٌ ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِلَا إذْنِهِ (إنْ عَتَقَ) الرَّقِيقُ الضَّامِنُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْفَوْقِيَّةِ أَيْ صَارَ حُرًّا بِإِعْتَاقٍ أَوْ أَدَاءِ نُجُومِ كِتَابَةٍ أَوْ مَوْتِ سَيِّدِهِ أَوْ انْقِضَاءِ أَجَلِ رَقَبَتِهِ أَوْ حُصُولِ مُعَلَّقٍ عَلَيْهِ أَوْ تَمْثِيلٍ أَوْ نَحْوِهَا إذَا لَمْ يُرِدْ سَيِّدُهُ ضَمَانَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ قَبْلَ عِتْقِهِ، فَإِنْ رَدَّ سَقَطَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِسْقَاطِهِ عَنْهُ لِأَنَّ رَدَّهُ إبْطَالٌ لَا إيقَافٌ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ لِعَبْدٍ وَلَا مُكَاتَبٍ وَلَا مُدَبَّرٍ وَلَا أُمِّ وَلَدٍ كَفَالَةٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ، فَإِنْ فَعَلُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا يَجُوزُ إنْ رَدَّهُ السَّيِّدُ، فَإِنْ رَدَّهُ فَلَا يَلْزَمُهُمْ، وَإِنْ عَتَقُوا وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ حَتَّى عَتَقُوا لَزِمَهُمْ عَلِمَ بِهِ السَّيِّدُ قَبْلَ عِتْقِهِمْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
أَبُو الْحَسَنِ جَعَلَ رَدَّ السَّيِّدِ هُنَا رَدَّ إبْطَالٍ وَمِثْلُهُ فِي الْعِتْقِ، وَجَعَلَهُ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ رَدَّ إيقَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَفَادَهُ الْحَطّ.
(وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ جَبْرُهُ) أَيْ الرَّقِيقِ (عَلَيْهِ) أَيْ الضَّمَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَفِي بِمَا يَضْمَنُهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهُ جَبْرُهُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَفِي بِهِ فَلَهُ جَبْرُهُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا.
اللَّخْمِيُّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَجْبُرَ عَبْدَهُ عَلَى الْكَفَالَةِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ بِقَدْرِهَا، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ فَقِيرًا وَلَيْسَ فِي يَدِهِ مَالٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجْبَرُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُجْبَرُ.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ ثُمَّ قَالَ لَوْ أَشْهَدَ سَيِّدُهُ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ فَلَا تَلْزَمُهُ إلَّا بِرِضَاهُ
وَعَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ
وَالضَّامِنِ
[منح الجليل]
وَ) صَحَّ الضَّمَانُ بِمَعْنَى الْحَمْلِ لَا حَقِيقَةِ الضَّمَانِ الَّذِي هُوَ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ لِخَرَابِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، أَيْ صَحَّ الْحَمْلُ وَيَلْزَمُ (عَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ) بِسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ الْمُعْسِرِ.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْحَمَالَةُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَجُوزُ عَنْ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ تَحَمَّلَ عَنْ الْحَيِّ فَأَدَّى عَنْهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ، وَإِتْبَاعُهُ بِهِ إنْ كَانَ مُعْدَمًا تَحَمَّلَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَإِنْ تَحَمَّلَ عَنْ مَيِّتٍ لَا وَفَاءَ لَهُ بِمَا تَحَمَّلَ عَنْهُ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَدَّى عَنْهُ فِي مَالٍ طَرَأَ لَهُ اهـ. الْمَازِرِيُّ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الْحَمَالَةِ عَنْ الْحَيِّ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا وَلَا فِي الْحَمَالَةِ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْحَمَالَةِ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهَا، وَانْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِمَنْعِهَا
(وَ) صَحَّ ضَمَانُ (الضَّامِنِ) وَإِنْ تَكَرَّرَ بِأَنْ ضَمِنَ الضَّامِنُ ضَامِنًا وَضَمِنَ ضَامِنُ الضَّامِنِ ضَامِنًا ثَالِثًا، وَضَمِنَ الثَّالِثُ ضَامِنًا رَابِعًا، وَضَمِنَ الرَّابِعُ خَامِسًا وَهَكَذَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ كَوْنَ الضَّمَانِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَالٍ أَوْ بِوَجْهٍ أَوْ بِطَلَبٍ، أَوْ كَوْنَ الْأَوَّلِ بِمَالٍ، وَالثَّانِي بِوَجْهٍ وَعَكْسَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ وَإِنْ اخْتَلَفَا مِنْ حَيْثُ الرُّجُوعُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَخَذَ مِنْ الْكَفِيلِ كَفِيلًا لَزِمَهُ مَا لَزِمَ الْكَفِيلَ اهـ.
وَفِي الشَّامِلِ وَإِنْ كَانَا مَعًا بِمَالٍ غَرِمَهُ الْأَوَّلُ إنْ حَلَّ وَغَابَ غَرِيمُهُ، فَإِنْ أَعْدَمَ فَالثَّانِي فَإِنْ غَابَ الْأَوَّلُ أَيْضًا فَأَحْضَرَ الثَّانِي أَحَدَهُمَا مُوسِرًا بَرِئَ وَإِلَّا غَرِمَ، فَإِنْ غَابَ الْكُلُّ بَدَأَ بِمَالِ غَرِيمِهِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَالْأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّانِي وَإِنْ كَانَا مَعًا بِوَجْهٍ فَغَابَ غَرِيمُهُ أَحْضَرَهُ الْأَوَّلُ وَإِلَّا غَرِمَ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا بَرِئَ الثَّانِي بِحُضُورِ مَنْ ضَمِنَهُ، وَإِنْ غَابَ الْأَوَّلُ أَيْضًا أَحْضَرَ الثَّانِي أَحَدَهُمَا وَإِلَّا غَرِمَ، وَإِنْ غَابَ الْكُلُّ أُخِذَ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ إنْ كَانَ وَإِلَّا فَالْأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّانِي إنْ لَمْ يَثْبُتْ فَقْرُ غَرِيمِهِ مَعَ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ كَانَا الْأَوَّلُ بِمَالٍ دُونَ الثَّانِي فَغَابَ غَرِيمُهُ غَرِمَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي إنْ كَانَ غَرِيمُهُ فَقِيرًا.
فَإِنْ غَابَ الْأَوَّلُ أَيْضًا فَأَحْضَرَ الثَّانِي غَرِيمَهُ مُوسِرًا أَوْ الْأَوَّلَ مُطْلَقًا بَرِئَ وَإِلَّا غَرِمَ
وَالْمُؤَجَّلُ حَالًّا، إنْ كَانَ مِمَّا يُعَجَّلُ
وَعَكْسُهُ إنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ أَوْ لَمْ يُوسِرْ
[منح الجليل]
وَإِنْ غَابَ الثَّانِي أَيْضًا وَوُجِدَ لَهُ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ فَقْرُ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بِوَجْهٍ دُونَ الثَّانِي فَغَابَ غَرِيمُهُ أَحْضَرَهُ الْأَوَّلُ وَإِلَّا غَرِمَ.
فَإِنْ أَعْدَمَ غَرِمَ الثَّانِي وَإِنْ غَابَ الْأَوَّلُ أَيْضًا بَرِئَ الثَّانِي إنْ أَحْضَرَ غَرِيمَهُ مُطْلَقًا أَوْ الْأَوَّلَ مُوسِرًا، فَإِنْ مَاتَ الْغَرِيمُ بَرِئَ لِبَرَاءَةِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ مَاتَ الثَّانِي جَرَى عَلَى حُكْمِ حَمِيلِ الْمَالِ إذَا مَاتَ عَلَى الْأَظْهَرِ.
اهـ. وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ لَكِنَّ هَذَا أَخْصَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَ) إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَأَسْقَطَ الْمَدِينُ حَقَّهُ فِي التَّأْجِيلِ وَرَضِيَ بِتَعْجِيلِهِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ صَحَّ ضَمَانُ الدَّيْنِ (الْمُؤَجَّلِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْجِيمِ مُشَدَّدًا عَلَى أَنْ يُدْفَعَ (حَالًّا) قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ (إنْ كَانَ) الدَّيْنُ (مِمَّا يُعَجَّلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْجِيمِ مُشَدَّدًا أَيْ يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ وَهُوَ الْعَيْنُ مُطْلَقًا وَالْعَرْضُ وَالطَّعَامُ مِنْ قَرْضٍ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعَجَّلُ كَعَرْضٍ أَوْ طَعَامٍ مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَجُوزُ ضَمَانُهُ حَالًّا لِأَنَّ فِيهِ حَطَّ الضَّمَانِ، وَأَزِيدُك تَوَثُّقًا بِالضَّمَانِ.
الْبُنَانِيُّ كَضَمَانِ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا فِي جَوَازِهِ بِقَيْدِهِ ضَمَانَهُ لِدُونِ أَجَلِهِ وَضَمَانَهُ لِلْأَجَلِ نَفْسِهِ وَلِأَبْعَدَ مُمْتَنِعٌ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ، وَتَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهِ مِمَّا يُعَجَّلُ ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ بِبَيِّنٍ، فَإِنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَا يَأْخُذُ زِيَادَةً فِي نَفْسِ الْحَقِّ وَلَا مُنْفَصِلَةً يَنْتَفِعُ بِهَا، وَإِنَّمَا قَصَدَ التَّوَثُّقَ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ وَلَا غَرَضَ لِلْآخَرِ فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ مَعَ التَّأْخِيرِ لَا مَعَ التَّعْجِيلِ، وَتَعَقَّبَ بِمُخَالَفَتِهِ النَّقْلَ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَإِعْطَاءُ حَمِيلٍ بِدَيْنٍ قَبْلَ أَجَلِهِ إلَيْهِ جَائِزٌ مُطْلَقًا، وَإِلَى أَجَلٍ دُونَهُ وَالدَّيْنُ عَيْنٌ أَوْ عَرْضٌ مِنْ قَرْضٍ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَرْضًا مِنْ بَيْعٍ وَالْقَصْدُ نَفْعُ الطَّالِبِ بِالتَّعْجِيلِ جَازَ، وَلِنَفْعِ الْمَطْلُوبِ بِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ لَا يَجُوزُ
(وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) أَيْ ضَمَانِ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا كَأَجَلِ مَدِينِك بِالدَّيْنِ شَهْرًا وَأَنَا ضَامِنُهُ (إنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ) أَيْ مَدِينُ الْمَضْمُونِ لَهُ بِالدَّيْنِ الْحَالِّ لِأَنَّهُ كَابْتِدَاءِ تَسْلِيفٍ بِضَامِنٍ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ مِنْهُ (أَوْ) أَعْسَرَ غَرِيمُهُ بِالدَّيْنِ الْحَالِّ وَ (لَمْ) أَيْ وَكَانَ لَا (يُوسِرْ) الْغَرِيمُ
فِي الْأَجَلِ
وَبِالْمُوسِرِ أَوْ بِالْمُعْسِرِ؛ لَا الْجَمِيعِ بِدَيْنٍ
[منح الجليل]
فِي الْأَجَلِ) بِأَنْ كَانَ يَسْتَمِرُّ عُسْرُهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ الَّذِي ضَمِنَهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ انْتَفَعَ بِتَوَثُّقِهِ بِالضَّمَانِ لَمْ يَحْصُلْ تَسْلِيفٌ بِتَأْخِيرِهِ لِوُجُوبِ إنْظَارِهِ لِعُسْرِهِ، فَإِنْ كَانَ يُوسِرُ فِي الْأَجَلِ بِغَلَّةٍ أَوْ مُرَتَّبٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَثَلًا فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ بَعْدَ يُسْرِهِ تَسْلِيفٌ جَرَّ نَفْعًا بِتَوَثُّقِهِ بِالضَّمَانِ فِيمَا قَبْلَ يُسْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيُسْرَ الْمُتَرَقَّبَ كَالْحَاصِلِ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ عُسْرِهِ وَيُسْرُهُ الْمُتَرَقَّبُ قَدْ لَا يَحْصُلُ فَهُوَ مُعْسِرٌ تَبَرَّعَ بِضَامِنٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَإِعْطَاؤُهُ أَيْ الْحَمِيلِ بَعْدَ حُلُولِهِ لِتَأْخِيرِ وَالْغَرِيمُ مُوسِرٌ جَائِزٌ، وَكَذَا إنْ كَانَ مُعْسِرًا وَالتَّأْخِيرُ لِمَا يَرَى يُسْرَهُ إلَيْهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَفِي جَوَازِهِ لِمَا يَرَى يُسْرَهُ قَبْلَهُ قَوْلَا أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ
(وَ) إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَالْمَدِينُ مُوسِرٌ بِبَعْضِهِ وَمُعْسِرٌ بِبَعْضِهِ صَحَّ ضَمَانُهُ (بِ) الْبَعْضِ (الْمُوسَرِ) بِفَتْحِ السِّينِ بِهِ فَقَطْ مُؤَجَّلًا (أَوْ) ضَمَانُهُ بِالْبَعْضِ (الْمُعْسَرِ) بِفَتْحِ السِّينِ بِهِ إنْ اسْتَمَرَّ عُسْرُهُ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَجَلِ (لَا) يَصِحُّ ضَمَانُهُ (بِالْجَمِيعِ) أَيْ الْمُوسَرِ بِهِ وَالْمُعْسَرِ بِهِ مَعًا عَلَى تَأْخِيرِهِ بِالْمُوسَرِ بِهِ لِأَنَّهُ تَسْلِيفٌ بِتَأْخِيرِهِ جَرَّ نَفْعَ التَّوَثُّقِ بِالضَّمَانِ فِي الْمُعْسَرِ بِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِالْبَعْضِ فَالْحَمَالَةُ بِهِ لِيُؤَخِّرَهُ جَائِزَةٌ، وَكَذَا بِمَا هُوَ مُعْسَرٌ بِهِ عَلَى تَعْجِيلِ مَا هُوَ مُوسَرٌ بِهِ وَعَلَى تَأْخِيرِهِ لَا يَجُوزُ.
قُلْت وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِالْبَعْضِ جَازَ ضَمَانُ أَحَدِهِمَا لَا الْجَمِيعِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيهِ نَظَرٌ إذَا مَرِضَ إنَّ عُسْرَهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْيُسْرِ فِي الْأَجَلِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسِرًا بِالْجَمِيعِ لَجَازَ، وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا بِهِ لَجَازَ أَيْضًا.
قُلْت لَا يَخْفَى سُقُوطُ احْتِجَاجِهِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا بِالْجَمِيعِ فَلَا عُوِّضَ عَنْ الْحَمَالَةِ بِوَجْهٍ، وَإِذَا كَانَ مُوسِرًا بِالْبَعْضِ فَالْعِوَضُ عَنْهَا مَوْجُودٌ وَهُوَ تَأْخِيرُهُ بِالْبَعْضِ الَّذِي هُوَ مُوسِرٌ بِهِ فَيَدْخُلُهُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ وَسَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا حَسْبَمَا قَرَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَشَارَ لِلْمَضْمُونِ فِيهِ بِقَوْلِهِ مُعَلَّقًا لَهُ يَصِحُّ (بِدَيْنٍ) لَا بِمُعَيَّنٍ كَوَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَمَالِ قِرَاضٍ وَشَرِكَةٍ عَلَى أَنَّهَا إنْ تَلِفَتْ أَتَى الضَّامِنُ بِعَيْنِهَا لِاسْتِحَالَتِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى
لَازِمٍ، أَوْ آيِلٍ إلَيْهِ
لَا كِتَابَةٍ بَلْ كَجُعْلٍ
[منح الجليل]
تَلَفِهَا بِتَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ مِنْ الْعَرْضِ صَحَّ وَلَزِمَ (لَازِمٌ) كَقَرْضٍ وَثَمَنِ مَبِيعٍ وَأُجْرَةِ مُسْتَأْجَرٍ فَلَا يَصِحُّ الضَّمَانُ فِي دَيْنٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَدَيْنٍ عَلَى رَقِيقٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ سَفِيهٍ تُدَايِنُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَوَلِيِّهِ (أَوْ آيِلٌ) بِهَمْزَتَيْنِ وَلَا تَبْدُ الثَّانِيَةُ يَاءً كَبَائِعٍ أَيْ صَائِرٌ (إلَيْهِ) أَيْ اللُّزُومِ كَجُعْلٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمَضْمُونُ مَا يَأْتِي نَيْلُهُ مِنْ الضَّامِنِ أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُهُ فَيَدْخُلُ الْوَجْهُ، وَكُلُّ الْكُلِّيِّ لَا الْجُزْئِيِّ الْحَقِيقِيِّ كَالْمُعَيَّنِ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ، وَلِذَا جَازَتْ بِعَمَلِ الْمُسَاقَاةِ لِأَنَّهُ كُلِّيٌّ حَسْبَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَجْوِبَتُهَا مَعَ غَيْرِهَا، وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ الْمُفْتِينَ وَفِيهَا لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِمَا ابْتَعْته مِنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَتَجُوزُ بِمَا أَدْرَكَهُ مِنْ دَرْكٍ فِي الْمَبِيعِ فَيَغْرَمُ الثَّمَنَ حِينَ الدَّرْكِ فِي غَيْبَةِ الْبَائِعِ وَعُدْمِهِ
وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ لَازِمٍ فَقَالَ (لَا) يَصِحُّ الضَّمَانُ بِنُجُومِ (كِتَابَةٍ) لِعَدَمِ لُزُومِهَا إلَّا أَنْ يُعَجِّلَ سَيِّدُهُ عِتْقَهُ أَوْ يَشْتَرِطَ تَنْجِيزَ عِتْقِهِ عَلَى تَقْدِيرِ عَجْزِهِ فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ فِيهَا لِلُزُومِهَا، وَإِنْ أَدَّاهَا الضَّامِنُ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الْمُكَاتَبِ، قَالَ فِي الشَّامِلِ لَا كِتَابَةَ عَلَى الْمَعْرُوفِ إلَّا بِشَرْطِ تَعْجِيلِ الْعِتْقِ أَوْ كَانَتْ نَجْمًا وَاحِدًا وَقَالَ الْحَمِيلُ هُوَ عَلَيَّ إنْ عَجَزَ (بَلْ) تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِ (كَجُعْلٍ) أَيْ عِوَضِ عَمَلٍ مُعَلَّقٍ عَلَى التَّمَامِ بِقَوْلِهِ إنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مَثَلًا فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ فِيهَا وَلَوْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَالشَّامِلِ لِأَنَّهُ آيِلٌ لِلُّزُومِ، فَلِذَا مَثَّلَ بِهِ لَهُ " غ ".
فَإِنْ قُلْت لَوْ قَالَ بِدَيْنٍ لَازِمٍ أَوْ آيِلٍ كَجُعْلٍ لَا كِتَابَةٍ لَكَانَ أَحْسَنَ.
قُلْت بَلْ صَنِيعُهُ أَمَسُّ لِعَطْفِهِ دَايِنْ عَلَى عَجِّلْ، إذْ هُمَا مِثَالَانِ لِلْآيِلِ إلَيْهِ، وَاقْتَضَى حُسْنُ الْإِلْقَاءِ أَنْ لَا يُقَدِّمَهُمَا لِطُولِ التَّفْرِيعِ فِي الثَّانِيَةِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا كِتَابَةَ بَلْ بِمُعَجَّلٍ كَجُعْلٍ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الضَّمَانُ بِكِتَابَةٍ، بَلْ إنَّمَا يَجُوزُ بِعِوَضِ عِتْقٍ مُعَجَّلٍ كَمَا يَجُوزُ بِجُعْلٍ فَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِكِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ.
وَأَمَّا مَنْ عَجَّلَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى مَالٍ فَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِهِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ عَجِّلْ عِتْقَ مُكَاتَبِك وَأَنَا بِمَا فِي كِتَابَتِهِ كَفِيلٌ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَأَمَّا الْجُعْلُ فَلَمْ يُوقَفْ فِي عَيْنِهِ عَلَى رِوَايَةٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا وَلَكِنْ نَصَّ الْمَازِرِيُّ عَلَى جَوَازِ الضَّمَانِ فِيهِ وَلِلَّهِ دَرُّ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ لَمْ يَزَلْ بِهِ
وَدَايِنْ فُلَانًا، وَلَزِمَ فِيمَا ثَبَتَ
[منح الجليل]
نَقْلُ ابْنُ شَاسٍ وَاتَّبَعَهُ فِي ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ شَاسٍ قَالَ لَا يَجُوزُ ضَمَانُ الْجُعْلِ إلَّا بَعْدَ الْعَمَلِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَرَّرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَائِلًا لِأَنَّ الْجَعَالَةَ قَبْلَ الْعَمَلِ لَيْسَتْ بِعَقْدٍ مُنْبَرِمٍ، وَأَشْبَهَتْ الْكِتَابَةَ وَلَمْ يَقْنَعْ حَتَّى زَادَ، وَفِي جَوَازِ الْحَمَالَةِ بِهَا بَعْدَ الْعَمَلِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْعَامِلِ بَعْدَ الْعَمَلِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي هَذَا نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنًا لَازِمًا فِي الْحَالِ فَيَلْزَمُ فَهُوَ آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْمَازِرِيِّ، وَمِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ مَا لَيْسَ بِعَقْدٍ لَازِمٍ كَالْجُعْلِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ كَقَوْلِهِ إنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَهَذَا تَصِحُّ الْحَمَالَةُ بِهِ أَيْضًا قَبْلَ الْمَجِيءِ بِالْآبِقِ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ لَزِمَ مَا تَحَمَّلَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ اهـ.
وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ، وَقَالَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَجُوزُ ضَمَانُ الْجُعْلِ إلَّا بَعْدَ الْعَمَلِ لَا أَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ عِنْدِي الْجَوَازُ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ غَيْرِهَا بِصِحَّةِ ضَمَانِ مَا هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلثُّبُوتِ اسْتِقْبَالًا.
وَتَوْجِيهُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ قَبْلَ الْعَمَلِ لَيْسَتْ بِعَقْدٍ مُنْبَرِمٍ فَأَشْبَهَتْ الْكِتَابَةَ، يُرَدُّ بِأَنَّ حَمَالَةَ الْكِتَابَةِ تُؤَدِّي إلَى الْغُرْمِ مَجَّانًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَيْنًا ثَابِتًا، وَالْجُعْلُ مَهْمَا غَرِمَهُ الْحَمِيلُ رَجَعَ بِهِ لِأَنَّهُ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ دَيْنٌ ثَابِتٌ، وَفِي وَجِيزِ الْغَزَالِيِّ فِي ضَمَانِ الْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ وَجْهَانِ
(وَ) يَصِحُّ الضَّمَانُ مِمَّنْ قَالَ لِشَخْصٍ (دَايِنْ فُلَانًا) أَيْ عَامِلْهُ بِدَيْنٍ بِأَنْ تُقْرِضَهُ أَوْ تُسَلِّمَهُ أَوْ تَبِيعُهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَأَنَا ضَامِنُهُ فِيمَا تُعَامِلُهُ بِهِ (وَ) إنْ دَايَنَهُ (لَزِمَ) الضَّمَانُ الضَّامِنَ (فِيمَا) أَيْ دَيْنٍ أَوْ الدَّيْنِ الَّذِي (ثَبَتَ) تَدَايُنُهُ مِنْ الْمَقُولِ لَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ تَحَمَّلَ لِفُلَانٍ بِمَالِهِ قِبَلَ فُلَانٍ فِي لُزُومِ غُرْمِهِ مَا أَقَرَّ بِهِ فُلَانٌ بِإِقْرَارِهِ أَوْ وَقَفَهُ عَلَى ثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ نَقْلًا اللَّخْمِيُّ.
قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدِّمْيَاطِيَّةِ وَالْمُدَوَّنَةِ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ.
فِي الْبَزَّازِ وَمَا الْعَادَةُ الْمُدَايَنَةُ فِيهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَسَمِعَ عِيسَى رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ أَنَا حَمِيلٌ بِمَا بُويِعَ بِهِ فُلَانٌ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِمَّا بُويِعَ بِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لَا بِإِقْرَارِهِ، وَكَذَا مَنْ شُكِيَ إلَيْهِ مَطْلُ رَجُلٍ فَقَالَ مَا عَلَيْهِ عَلَيَّ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمَطْلُوبُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ.
وَهَلْ يُقَيَّدُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ؟ تَأْوِيلَانِ وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْمُعَامَلَةِ، بِخِلَافِ احْلِفْ وَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ،
[منح الجليل]
ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُهُ قَوْلُهَا مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ بَايِعْ فُلَانًا فَمَا بَايَعْته بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَا ضَامِنٌ ثَمَنَهُ لَزِمَهُ إذَا ثَبَتَ مَا بَايَعَهُ بِهِ زَادَ غَيْرُهُ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ مَا يُشْبِهُ أَنْ يُدَايَنَ بِمِثْلِهِ الْمَحْمُولُ عَنْهُ، وَلَا خِلَافَ عِنْدِي فِيهِ، وَلَا فِي مَسْأَلَةِ الشَّكْوَى اُنْظُرْ تَمَامَهُ فِي الْحَطّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِيهَا إنَّمَا يَلْزَمُهُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ مُدَايِنَتِهِ أَوْ مُعَامَلَةِ هَذَا الْمَثَلِ.
هَذَا (وَ) اخْتَلَفَ شُيُوخُهَا فِي جَوَابِ (هَلْ يُقَيَّدُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ مُثَقَّلَةً اللُّزُومُ فِيمَا ثَبَتَ وَصِلَةُ يُقَيَّدُ (بِمَا يُعَامَلُ بِهِ) مِثْلُ الْمَضْمُونِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيِّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَقَوْلُ الْغَيْرِ وِفَاقٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَوْ لَا يُقَيَّدُ بِذَلِكَ، وَهَذَا تَأْوِيلُ غَيْرُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ شَارِحِيهَا فَهُوَ خِلَافٌ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) وَأَنْكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الثَّانِي قَالَ لَا أَذْكُرُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ، بَلْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ وَالصَّقَلِّيُّ عَلَى أَنَّهُ وِفَاقٌ.
اهـ. فَعُمْدَةُ الْمُصَنِّفِ فِي ذِكْرِ التَّأْوِيلَيْنِ كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَا يَظْهَرُ فَإِنَّهُ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَفَسَّرَ بِهِ الشَّارِحَانِ التَّأْوِيلَيْنِ فَعُلِمَ أَنَّ جَعْلَهُ تَقْيِيدًا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَعْرُوفُ مِنْهُ فَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.
(وَلَهُ) أَيْ مَنْ قَالَ دَايِنْ فُلَانًا وَأَنَا ضَامِنُهُ (الرُّجُوعُ) عَنْ الضَّمَانِ (قَبْلَ) حُصُولِ (الْمُعَامَلَةِ) بَيْنَ الْمَضْمُونِ لَهُ وَالْمَضْمُونِ لِالْتِزَامِهِ الضَّمَانَ فِيمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَطْلَقَ أَوْ قَيَّدَ بِقَدْرٍ كَمِائَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي التَّقْيِيدِ بِقَدْرٍ وَالْآخَرُ لَا رُجُوعَ لَهُ، وَقَوْلُهُ قَبْلَ الْمُعَامَلَةِ أَيْ قَبْلَ تَمَامِهَا، فَإِنْ عَامَلَهُ يَوْمًا مَثَلًا ثُمَّ رَجَعَ الضَّامِنُ لَزِمَهُ مَا عَامَلَهُ بِهِ فِي الْيَوْمِ لَا مَا عَامَلَهُ بِهِ فِيمَا بَعْدَهُ قَالَهُ الْجَزِيرِيُّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا حَدَّ لِمَا يُعَامِلُهُ بِهِ حَدًّا كَمِائَةٍ أَوْ لَمْ يَحُدَّ لَهُ حَدًّا وَقُلْنَا يُقَيَّدُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ مِثْلُهُ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَلَا فَائِدَةَ لَهُ قَالَهُ عب، وَفِي قَوْلِهِ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي إلَخْ نَظَرٌ، إذْ الْفَائِدَةُ ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِ أَيْضًا.
(بِخِلَافِ) مَنْ قَالَ لِمُدَّعٍ بِمَالٍ عَلَى مُنْكِرِهِ (احْلِفْ) عَلَى مَا ادَّعَيْت بِهِ (وَأَنَا ضَامِنٌ)
إنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ضَامِنِهِ
وَإِنْ جُهِلَ
[منح الجليل]
بِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَلَوْ قَبْلَ حَلِفِهِ لِأَنَّهُ أَحَلَّ نَفْسَهُ مَحَلَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ إذَا قَالَ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ وَخُذْ فَلَا رُجُوعَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ احْلِفْ أَنَّ الَّذِي تَدَّعِيهِ قِبَلَ أَخِي حَقٌّ وَأَنَا ضَامِنٌ ثُمَّ رَجَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ رُجُوعُهُ، وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إنْ حَلَفَ الطَّالِبُ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ فَإِنْ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِمَا غَرِمَ الْحَمِيلُ غَرِمَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ فَلِلْحَمِيلِ تَحْلِيفُهُ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ الْحَمِيلِ إذْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الطَّالِبَ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ أَوَّلًا، وَأَشْبَهَتْ يَمِينُهُ يَمِينَ التُّهَمِ الَّتِي بِالنُّكُولِ عَنْهَا يَغْرَمُ.
اهـ. مِنْ أَبِي الْحَسَنِ.
وَأَشَارَ لِلْمَضْمُونِ فِيهِ أَيْضًا بِجَعْلِهِ شَرْطًا فَقَالَ (إنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ) أَيْ الْحَقِّ الْمَضْمُونِ (مِنْ ضَامِنِهِ) وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ بِدَيْنٍ، إذْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إخْرَاجُ الْمُعَيَّنَاتِ وَالْحُدُودِ وَنَحْوِهَا كَالتَّعَازِيرِ وَالْقَتْلِ وَالْجَرْحِ فَلَا يَصِحُّ الضَّمَانُ فِيهَا إذْ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الضَّامِنِ، وَهَذِهِ خَارِجَةٌ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ، وَأَيْضًا فَالضَّمَانُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا احْتَرَزَ عَنْهُ بِهَذَا الْقَيْدِ حَتَّى يَحْتَاجَ لِإِخْرَاجِهِ بِهِ، إذْ هُوَ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ وَالْمُعَيَّنَاتُ لَا تَقْبَلُهَا الذِّمَمُ وَكَذَا الْحُدُودُ وَنَحْوُهَا لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ لَا بِالذِّمَّةِ، وَهَذَا الْإِيرَادُ الثَّانِي وَارِدٌ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ بِدَيْنٍ، إذْ مُحْتَرَزُهُ الْمُتَقَدِّمُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ، وَلَعَلَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِهِ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى صِفَتِهِ وَهُوَ اللَّازِمُ قَالَهُ " د "
(وَ) يَصِحُّ الضَّمَانُ بِالدَّيْنِ الثَّابِتِ اللَّازِمِ إنْ كَانَ مَعْلُومًا، بَلْ (وَإِنْ جُهِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الدَّيْنُ حَالًا وَمَآلًا، الْحَطُّ مِنْ صُوَرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مَا ذَابَ لَك قِبَلَ فُلَانٍ الَّذِي تُخَاصِمُ فَأَنَا بِهِ حَمِيلٌ فَاسْتُحِقَّ قِبَلَهُ مَالًا كَانَ هَذَا الْكَفِيلُ ضَامِنًا لَهُ.
عِيَاضٌ ذَابَ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ فَأَلْفٍ سَاكِنَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ أَيْ ثَبَتَ وَصَحَّ.
فِي التَّوْضِيحِ إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ الضَّمَانِ فَقَوْلَانِ اسْتَقْرَاهُمَا.
عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنْهَا ابْنُ الْمَوَّازِ مَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الْحَمَالَةِ يَلْزَمُهُ غُرْمُهُ، وَقَيَّدَ ابْنُ سَحْنُونٍ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِعُسْرِ الْغَرِيمِ.
وَأَمَّا الْمُوسِرُ فَلَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ ثُمَّ قَالَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ تَجُوزُ الْحَمَالَةُ بِالْمَالِ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، وَيَضْرِبُ لَهُ مِنْ الْأَجَلِ بِقَدْرِ مَا يَرَى.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ
أَوْ مَنْ لَهُ، وَبِغَيْرِ إذْنِهِ: كَأَدَائِهِ رِفْقًا لَا عَنَتًا فَيُرَدُّ: كَشِرَائِهِ،
[منح الجليل]
قَالَ لِرَجُلٍ إنْ لَمْ يُوَفِّك فُلَانٌ حَقَّك فَهُوَ عَلَيَّ وَلَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا تَلَوَّمَ لَهُ السُّلْطَانُ بِقَدْرِ مَا يَرَى، ثُمَّ يَلْزَمُهُ الْمَالُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ حَاضِرًا مَلِيًّا، وَإِنْ قَالَ إنْ لَمْ يُوَفِّك حَقَّك فُلَانٌ حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ عَلَيَّ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ حَتَّى يَمُوتَ الْغَرِيمُ يُرِيدُ عَدِيمًا.
ابْنُ يُونُسَ لَوْ مَاتَ الْحَمِيلُ قَبْلَ مَوْتِ الْغَرِيمِ وَجَبَ أَنْ يُوقَفَ مِنْ مَالِهِ قَدْرُ الدَّيْنِ، فَإِنْ مَاتَ الْمَحْمُولُ عَنْهُ عَدِيمًا أَخَذَ الْمَحْمُولُ لَهُ ذَلِكَ الْمَوْقُوفَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَفَّلَ بِمَالٍ إلَى خُرُوجِ الْعَطَاءِ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا إنْ كَانَ فِي قَرْضٍ أَوْ فِي تَأْخِيرِ ثَمَنِ بَيْعٍ صَحَّتْ عُقْدَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ إذَا كَانَ الْعَطَاءُ مَجْهُولًا.
وَيَصِحُّ الضَّمَانُ بِالدَّيْنِ الثَّابِتِ اللَّازِمِ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَضْمُونُ لَهُ (أَوْ) جَهِلَ (مَنْ) أَيْ الشَّخْصُ الَّذِي الدَّيْنُ (لَهُ) إذْ لَا يَخْتَلِفُ الضَّمَانُ بِمَعْرِفَتِهِ وَعَدَمِهَا (وَ) صَحَّ الضَّمَانُ (بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ الْمَضْمُونِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ صِحَّةُ ضَمَانِهِ وَإِنْ جَهِلَهُ الضَّامِنُ.
الْبُنَانِيُّ جَرَتْ عَادَةُ الْمُوَثِّقِينَ بِذِكْرِ رِضَا الْمَدِينِ بِضَمَانِهِ، وَسَبَبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا قَالَهُ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْحَمَالَةَ لَا تَلْزَمُ الْمِدْيَانَ إلَّا بِشَرْطِ كَوْنِهَا بِأَمْرِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ نُصُوصُهَا مَعَ غَيْرِهَا بِصِحَّةِ الْحَمَالَةِ دُونَ رِضَا الْمُتَحَمَّلِ عَنْهُ وَاضِحَةٌ.
الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ لَا تَلْزَمُ الْحَمَالَةُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ إلَّا بِأَمْرِهِ، وَلِذَا كَتَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ تَحَمَّلَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ بِأَمْرِهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَأَدَائِهِ) أَيْ الدَّيْنِ لِرَبِّهِ مِنْ غَيْرِ الْمَدِينِ بِلَا إذْنِهِ فَيَصِحُّ إذَا أَدَّاهُ عَنْهُ (رِفْقًا) بِالْمَضْمُونِ فِي الْأُولَى وَبِالْمُؤَدَّى عَنْهُ فِي الثَّانِيَةِ (لَا) يَصِحُّ الضَّمَانُ وَلَا التَّأْدِيَةُ إنْ ضَمِنَهُ أَوْ أَدَّى عَنْهُ (عَنَتًا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ أَيْ لِإِضْرَارِهِ بِسُوءِ طَلَبِهِ وَحَبْسِهِ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا (فَيُرَدُّ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمَالُ الَّذِي أَدَّاهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ لِمُؤَدِّيهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ، فَإِنْ فَاتَ رُدَّ لَهُ عِوَضُهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِغَيْبَةِ الْمَدْفُوعِ لَهُ أَقَامَ الْحَاكِمُ مَنْ يَقْبِضُ مِنْ الْمَدِينِ وَيَدْفَعُ لِلْمُؤَدِّي عَنَتًا.
وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ لِلْعَنَتِ وَالرَّدِّ فَقَالَ (كَشِرَائِهِ) أَيْ الدَّيْنِ عَنَتًا فَيُرَدُّ، فَإِنْ فَاتَ رُدَّ عِوَضُهُ إلَخْ مَا تَقَدَّمَ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْهَا مَنْ أَدَّى عَنْ رَجُلٍ دَيْنًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ
وَهَلْ إنْ عَلِمَ بَائِعُهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؟ تَأْوِيلَانِ
، لَا إنْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ فَضَمِنَ ثُمَّ أَنْكَرَ، أَوْ قَالَ لِمُدَّعٍ عَلَى مُنْكِرٍ: إنْ لَمْ آتِك بِهِ لِغَدٍ فَأَنَا ضَامِنٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ، إنْ لَمْ يُثْبِتْ حَقَّهُ بِبَيِّنَةٍ،
[منح الجليل]
جَازَ إنْ فَعَلَهُ رِفْقًا بِالْمَطْلُوبِ، وَإِنْ أَرَادَ الضَّرَرَ بِطَلَبِهِ وَإِعْنَاتِهِ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى دَيْنًا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ وَرُدَّ إنْ عُلِمَ.
أَبُو الْحَسَنِ قَصْدُ الضَّرَرِ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ فَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِإِقْرَارِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بِقَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَيْهِ.
(وَهَلْ) رَدُّ شِرَاءِ الدَّيْنِ عَنَتًا (إنْ عَلِمَ بَائِعُهُ) أَيْ الدَّيْنِ يَقْصِدُ مُشْتَرِيَهُ بِشِرَائِهِ الْعَنَتَ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ فَلَا يُرَدُّ وَيُبَاعُ الدَّيْنُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِشَخْصٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينِ عَدَاوَةٌ لِيَرْتَفِعَ ضَرَرُهُ بِهِ (وَهُوَ) أَيْ التَّقْيِيدُ بِعِلْمِ بَائِعِهِ (الْأَظْهَرُ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ خِلَافِ مَنْ تَقَدَّمَهُ.
" غ " إنَّمَا وَقَفْت عَلَى هَذَا التَّرْجِيحِ لِابْنِ يُونُسَ، وَعَنْهُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ ابْنُ رُشْدٍ فَصَوَابُهُ وَهُوَ الْأَرْجَحُ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ ثَبَتَ قَصْدُ مُشْتَرِي الدَّيْنِ ضَرَرَ الْمَدِينِ وَالْبَائِعُ جَاهِلٌ بِذَلِكَ، فَفِي فَسْخِ بَيْعِهِ وَمُضِيِّهِ وَيُبَاعُ عَلَى مُشْتَرِيهِ نَقْلًا عَبْدِ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَغَيْرِهِ مَعَ الصِّقِلِّيِّ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ بَائِعِهِ قَصْدَ مُشْتَرِيهِ الضَّرَرَ بِشِرَائِهِ فَيُرَدُّ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بَائِعُهُ وَهُوَ ظَاهِرُهَا عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ)
(لَا) يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ (إنْ ادَّعَى) شَخْصٌ دَيْنًا (عَلَى) شَخْصٍ (غَائِبٍ فَضَمِنَ) شَخْصٌ آخَرُ الْغَائِبَ فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ (ثُمَّ أَنْكَرَ) الْغَائِبُ الدَّيْنَ بَعْدَ حُضُورِهِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ الدَّيْنُ بِبَيِّنَةٍ (أَوْ قَالَ) شَخْصٌ (لِ) شَخْصٍ (مُدَّعٍ عَلَى) شَخْصٍ (مُنْكِرٍ) بِكَسْرِ الْكَافِ لَمَّا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ أَطْلِقْهُ الْيَوْمَ وَأَنَا آتِيك بِهِ غَدًا.
وَ (إنْ لَمْ آتِك بِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرِ (لِغَدٍ) أَيْ فِيهِ (فَأَنَا ضَامِنٌ) مَا ادَّعَيْت بِهِ عَلَيْهِ (وَلَمْ يَأْتِ) الْقَائِلُ (بِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرُ فِي الْغَدِ فَلَا يَلْزَمُ الْقَائِلَ شَيْءٌ (إنْ لَمْ يَثْبُتْ) الْمُدَّعَى بِهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ) فَإِنْ ثَبَتَ بِهَا لَزِمَ الضَّامِنَ مَا ثَبَتَ.
وَهَلْ بِإِقْرَارِهِ؟ تَأْوِيلَانِ: كَقَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَجِّلْنِي الْيَوْمَ فَإِنْ لَمْ أُوَافِك غَدًا فَاَلَّذِي تَدَّعِيهِ عَلَيَّ حَقٌّ.
[منح الجليل]
وَهَلْ) يَلْزَمُ الضَّامِنَ مَا ثَبَتَ (بِإِقْرَارِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ مَدْلُولُ الْكِتَابِ أَوْ لَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ مَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
عِيَاضٌ لَوْ أَقَرَّ الْمُتَكَفَّلُ عَنْهُ بَعْدُ فَلَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ وَهُوَ نَصُّ كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ الْكِتَابَ.
فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا الشَّارِحَانِ إلَّا فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ زَادُوا وَأَقْبَلَ بِإِقْرَارِهِ لَكَانَ حَسَنًا فِي عَدَمِ اللُّزُومِ الْمَطْوِيِّ فِي كَلَامِهِ قَالَهُ تت.
الْحَطّ الشَّرْطُ وَمَا بَعْدَهُ رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ، اُنْظُرْ الْمُدَوَّنَةَ فِي الْحَمَالَةِ، وَكَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ عَلَيْهَا يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ.
الْبُنَانِيُّ الْأَوَّلُ لِعِيَاضٍ، وَالثَّانِي لِغَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ وَهَلْ وَبِإِقْرَارِهِ كَانَ أَوْلَى، وَقَوْلُ " ز " رَاجِعٌ لِلثَّانِيَةِ فَقَطْ أَصْلُهُ لِلشَّارِحِ وَالْبِسَاطِيِّ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَاشِرٍ قَائِلًا لِأَنَّ الْأُولَى فَرْضُهَا الْإِنْكَارُ.
الْمِسْنَاوِيُّ لَعَلَّهُمْ تَكَلَّمُوا عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِغَيْرِهِ اقْتِصَارًا عَلَى مَا عَلَيْهِ شُيُوخُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى خِلَافُ ذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا التَّأْوِيلَانِ إنَّمَا هُمَا فِي الثَّانِيَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى خِلَافٌ أَيْضًا، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ اللُّزُومِ حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ الْحَقُّ بِبَيِّنَةٍ وَفِي لُزُومِهِ حَيْثُ ثَبَتَ بِهَا، وَيُعْتَبَرُ الْإِقْرَارُ هُنَا اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ (كَقَوْلِ) الشَّخْصِ (الْمُدَّعَى) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (عَلَيْهِ) الْمُنْكِرِ لِلْمُدَّعِي (أَجِّلْنِي الْيَوْمَ) وَأَنَا أُوَافِيك غَدًا (فَإِنْ لَمْ أُوَافِك) أَيْ آتِك وَأُلَاقِك (غَدًا فَاَلَّذِي تَدَّعِيهِ عَلَيَّ) بِفَتْحِ الْيَاءِ مُشَدَّدَةً (حَقٌّ) وَأَخْلَفَ وَعْدَهُ وَلَمْ يُوَافِهِ غَدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
الْحَطُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَأَ قَوْلُهُ أُوَافِك بِأَلْفٍ بَعْدَ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ مِنْ الْمُوَافَاةِ، أَيْ الْمُلَاقَاةِ، وَيُشِيرُ إلَى مَا قَالَهُ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لِابْنِ هِشَامٍ.
وَمِنْ كِتَابِ الْجِدَارِ وَسُئِلَ عِيسَى عَنْ الْخَصْمَيْنِ يَشْتَرِطُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إنْ لَمْ يُوَافِهِ عِنْدَ الْقَاضِي إلَى أَجَلٍ سَمَّيَاهُ فَدَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ إنْ كَانَ مُدَّعِيًا أَوْ دَعْوَى صَاحِبِهِ حَقٌّ إنْ كَانَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
مُدَّعَى عَلَيْهِ فَيُخْلِفُهُ هَلْ يَلْزَمُهُ هَذَا الشَّرْطُ قَالَ لَا يُوجِبُ هَذَا الشَّرْطُ حَقًّا لَمْ يَجِبْ وَلَا يُسْقِطُ حَقًّا قَدْ وَجَبَ، وَسُئِلَ عَنْ الْخَصْمَيْنِ يَتَوَاعَدَانِ إلَى الْمُوَافَاةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَهُوَ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُمَا يُسَمِّيَانِهَا فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا إنِّي أَخَافُ أَنْ تُخْلِفَنِي فَأَتْعَبَ وَأَغْرَمَ كِرَاءَ الدَّابَّةِ فَيَقُولُ إنْ لَمْ أُوَافِك فَدَعْوَاك حَقٌّ ثُمَّ يُخْلِفُهُ قَالَ لَا أَرَى ذَلِكَ يَلْزَمُهُ.
اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَأَ أُوَفِّك غَدًا بِإِسْقَاطِ الْأَلْفِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مِنْ التَّوْفِيَةِ وَنَحْوُهُ فِي حَمَالَةِ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهَا وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِلطَّالِبِ أَجِّلْنِي الْيَوْمَ، فَإِنْ لَمْ أُوَافِك غَدًا فَاَلَّذِي تَدَّعِيهِ قِبَلِي حَقٌّ فَهَذِهِ مُخَاطَرَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
ابْنُ يُونُسَ أَيْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةً.
أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إذْ قَدْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ اهـ.
(فَرْعٌ) أَبُو الْحَسَنِ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَ الْقَاضِي وَقْتَ كَذَا فَالْحَقُّ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ مَنْ الْتَزَمَهُ اهـ.
(فَرْعٌ) فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ إنْ عَجَّلْت لِي مِنْ حَقِّي كَذَا وَكَذَا فَبَقِيَّتُهُ مَوْضُوعَةٌ عَنْك، إمَّا السَّاعَةَ أَوْ إلَى أَجَلٍ سَمَّاهُ فَيُعَجِّلُ ذَلِكَ فِي السَّاعَةِ أَوْ فِي الْأَجَلِ إلَّا الدِّرْهَمَ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْوَضِيعَةُ، فَقَالَ عِيسَى مَا أَرَى الْوَضِيعَةَ تَلْزَمُهُ إذْ لَمْ يُعَجِّلْ جَمِيعَ حَقِّهِ.
طفي الَّذِي فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا أُوَفِّك، وَالصَّوَابُ أُوَافِك بِأَلْفٍ بَعْدَ الْوَاوِ مِنْ وَافَى بِمَعْنَى أَتَى، وَالْأُولَى تَصْحِيفٌ مِمَّنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ إذْ لَا مَعْنَى لِوَفَّى الَّذِي بِمَعْنَى أَدَّى هُنَا، إذْ هَذَا كَصَرِيحِ الْإِقْرَارِ وَمُخَالِفٌ لِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِلطَّالِبِ أَجِّلْنِي يَوْمَيْنِ، فَإِنْ لَمْ أُوَافِك غَدًا فَاَلَّذِي تَدَّعِيهِ قِبَلِي حَقٌّ، فَهَذِهِ مُخَاطَرَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، إذْ قَدْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَفُهِمَ مِنْ تَوْجِيهِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ وَافَى بِمَعْنَى أَتَى.
وَمِمَّا يَدُلُّ لَهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ السَّابِقَةَ أَيْ قَوْلَهُ إنْ لَمْ آتِك بِهِ لِغَدٍ فَأَنَا ضَامِنٌ عَبَّرَ عَنْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ بِإِنْ لَمْ أُوَافِك كَمَا فِي هَذِهِ فَخَالَفَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا تَفَنُّنًا، وَنَصُّهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ ادَّعَى
وَرَجَعَ بِمَا أَدَّى وَلَوْ مُقَوَّمًا، إنْ ثَبَتَ الدَّفْعُ.
[منح الجليل]
عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَأَنْكَرَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَنَا بِهِ كَفِيلٌ إلَى غَدٍ، فَإِنْ لَمْ أُوَافِك فِي غَدٍ بِهِ فَأَنَا ضَامِنٌ لِلْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي غَدٍ فَلَا يَلْزَمُ الْحِيَلَ شَيْءٌ حَتَّى يُثْبِتَ الْحَقَّ بِبَيِّنَةٍ فَيَكُونَ حَمِيلًا بِهِ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ تَغَيُّرَ تت وَغَيْرِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَأَنَّ تَجْوِيزَ الْحَطّ تَشْدِيدَ الْفَاءِ بِمَعْنَى الْوَفَاءِ وَاسْتِدْلَالَهُ عَلَى هَذَا الضَّبْطِ بِلَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورِ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ كَلَامُهَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا تَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْبُنَانِيُّ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ يُونُسَ اخْتَصَرَهَا بِلَفْظِ فَإِنْ لَمْ آتِك غَدًا
(وَ) إنْ دَفَعَ الضَّامِنُ شَيْئًا لِلْمَضْمُونِ لَهُ (رَجَعَ) عَلَى الْمَضْمُونِ (بِ) مِثْلِ (مَا) أَيْ الْمَالِ الَّذِي (أَدَّى) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مُثَقَّلَةً أَيْ دَفَعَهُ الضَّامِنُ لِلْمَضْمُونِ لَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا كَعَيْنٍ وَطَعَامٍ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ مَا أَدَّاهُ (مُقَوَّمًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالْوَاوِ، وَمُثَقَّلًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، لِأَنَّهُ كَالسَّلَفِ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمُقَوَّمِ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُقَوَّمُ عَرْضًا اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ حَكَى فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ بِثَمَنِ مَا اشْتَرَاهُ إنْ لَمْ يُحَابَ، وَسَاقَهُ فِي الشَّامِلِ قَيَّدَ الْحَطّ ابْنُ رُشْدٍ إذَا اشْتَرَى الْكَفِيلُ الْعَرْضَ الَّذِي تَحَمَّلَ بِهِ فَلَا اخْتِلَافَ أَعْرِفُهُ فِي أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مَا لَمْ يُحَابِ الْبَائِعَ فَلَا يَرْجِعُ بِمَا زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ إنْ كَانَ ضَمِنَ الْمَضْمُونَ بِإِذْنِهِ وَإِلَّا فَيَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِنْ الثَّمَنِ وَقِيمَةِ مَا تَحَمَّلَ بِهِ.
وَيَرْجِعُ بِمَا أَدَّى (إنْ ثَبَتَ الدَّفْعُ) مِنْ الضَّامِنِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ بِبَيِّنَةٍ عَايَنَتْ دَفْعَ الدَّيْنِ لِلطَّالِبِ أَوْ بِإِقْرَارِ الطَّالِبِ بِقَبْضِهِ مِنْ الضَّامِنِ، وَأَمَّا إقْرَارُ الْمَطْلُوبِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الدَّفْعُ فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْحَمِيلَ لَا يَرْجِعُ إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا إقْرَارُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِأَنَّ الضَّامِنَ دَفَعَ الدَّيْنَ لِلطَّالِبِ إذَا أَنْكَرَ الطَّالِبُ الْقَبْضَ وَهُوَ كَذَلِكَ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ أَعْلَمْ خِلَافًا فِي هَذَا إذَا أَدَّى الضَّامِنُ الدَّيْنَ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْغَرِيمِ وَأَمَّا بِحَضْرَتِهِ فَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِتَقْصِيرِهِ وَبِتَرْكِ الْإِشْهَادِ، وَلَهُ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ يَرْجِعُ لِتَقْصِيرِ الْغَرِيمِ فِيهِ.
وَجَازَ صُلْحُهُ عَنْهُ بِمَا جَازَ لِلْغَرِيمِ عَلَى الْأَصَحِّ
[منح الجليل]
ابْنُ رُشْدٍ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْمَالَ لِلضَّامِنِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِشْهَادِ عَلَى دَفْعِهِ، وَذَكَرَ الْحَطّ سَمَاعَ عِيسَى وَكَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهِ فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَطّ تَنْبِيهٌ هَذَا إذَا دَفَعَ الْحَمِيلُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَلَوْ دَفَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الْمَالَ لِلْحَمِيلِ لِيَدْفَعَهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ فَدَفَعَهُ ثُمَّ أَنْكَرَهُ فَإِنْ دَفَعَهُ بِحَضْرَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَمِيلِ الدَّافِعِ وَيَغْرَمُهُ الْمَضْمُونُ ثَانِيَةً بَعْدَ يَمِينِ الطَّالِبِ الْجَاحِدِ، فَإِنْ أَعْدَمَ الْمَطْلُوبُ أَوْ غَابَ أُخِذَ مِنْ الْحَمِيلِ ثَانِيَةً وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَطْلُوبِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلطَّالِبِ قِبَلَهُ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ الْمَطْلُوبُ بِحَضْرَةِ الْحَمِيلِ وَجَحَدَهُ الطَّالِبُ وَأَخَذَهُ مِنْ الْحَمِيلِ ثَانِيَةً لِعَدَمِ الْمَطْلُوبِ أَوْ غَيْبَتِهِ، وَإِنْ دَفَعَهُ الْحَمِيلُ مِنْ مَالِهِ الْمَطْلُوبِ فِي غَيْبَتِهِ ضَمِنَهُ لِلْمَطْلُوبِ وَلَهُ تَضْمِينُهُ وَإِنْ عَلِمَ دَفْعَهُ لِلطَّالِبِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِتَرْكِ إشْهَادِهِ عَلَى دَفْعِهِ قَالَهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى
(وَجَازَ صُلْحُهُ) أَيْ الضَّامِنِ رَبِّ الدَّيْنِ (عَنْهُ) أَيْ الْمَدِينِ أَوْ الدَّيْنِ (بِمَا) أَيْ الْمَالِ الَّذِي (جَازَ لِلْغَرِيمِ) أَيْ الْمَدِينِ صَلَحَ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ (عَلَى) الْقَوْلِ (الْأَصَحِّ) مِنْ الْخِلَافِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ قَدَّمَهُمْ الْمُصَنِّفُ فَيَنْزِلُ الضَّامِنُ مَنْزِلَةَ الْمَضْمُونِ، فَيَجُوزُ صُلْحُ الضَّامِنِ بَعْدَ الْأَجَلِ عَنْ دَنَانِيرَ جَيِّدَةٍ بِدَنَانِيرَ رَدِيئَةٍ وَعَكْسِهِ لِجَوَازِهِ لِلْمَضْمُونِ.
(تَنْكِيتٌ) تَعَقَّبَ الْبِسَاطِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِصُورَتَيْنِ يَجُوزُ الصُّلْحُ فِيهِمَا لِلْغَرِيمِ وَلَا يَجُوزُ الضَّامِنُ أَحَدُهُمَا طَعَامُ السَّلَمِ الَّذِي حَلَّ أَجَلُهُ، يَجُوزُ لِلْغَرِيمِ الصُّلْحُ عَنْهُ بِأَدْنَى أَوْ أَجْوَدَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَجُوزُ لِلضَّامِنِ الثَّانِيَةُ يَجُوزُ صُلْحُ الْغَرِيمِ بِغَيْرِ الْجِنْسِ بِشَرْطِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلضَّامِنِ، وَكَذَا الصُّلْحُ عَنْ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ وَعَكْسُهُ، وَيُجَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْأُولَى فِي تَوْضِيحِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ مَا جَازَ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَدْفَعَهُ جَازَ لِلضَّامِنِ، قَالَ لَكِنْ قَالَ الْمَازِرِيُّ لَمْ يَطَّرِدْ هَذَا أَيْ الْجَوَازُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الطَّعَامِ مِنْ السَّلَمِ فَإِنَّهُ مَنَعَ الْكَفِيلَ أَنْ يُصَالِحَ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ بِطَعَامٍ أَجْوَدَ مِمَّا تَحَمَّلَ بِهِ أَوْ أَدْنَى مِنْهُ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَضَاءً عَنْ الْغَرِيمِ لَا يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ اهـ. فَلَمْ يَعْتَمِدْ هُنَا مَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْهَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَفِي التَّوْضِيحِ قَبْلَ هَذَا بِنَحْوِ صَفْحَةٍ اخْتَلَفَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إذَا صَالَحَ بِمِثْلِيٍّ مُخَالِفٍ جِنْسَ الدَّيْنِ فَمَنَعَهُ فِي السَّلَمِ الثَّانِي وَأَجَازَهُ فِي الْكَفَالَةِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ أَقْرَبُ لِأَنَّ الْبَابَ مَعْرُوفٌ، وَمَا لَا يَجُوزُ لِلْغَرِيمِ دَفْعُهُ عِوَضًا عَمَّا عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لِلضَّامِنِ فَلَوْ ضَمِنَهُ فِي عُرُوضٍ مِنْ سَلَمٍ فَلَا يَجُوزُ لِلضَّامِنِ الصُّلْحُ عَنْهَا قَبْلَ الْأَجَلِ بِأَدْنَى صِفَةً أَوْ قَدْرًا لِدُخُولِ ضَعْ وَتَعَجَّلْ وَلَا بِأَكْثَرَ قَبْلَ الْأَجَلِ لِدُخُولِ حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُ قَالَهُ تت.
طفي لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَعْطَى الْحَمِيلَ مِثْلَ مَا أَدَّى أَوْ مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ لَمْ يَعْتَمِدْ مَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْهَا فِيهِ نَظَرٌ، إذْ يَبْقَى الْمُصَنِّفُ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِي مُخَالَفَةِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَوْلُهُ اخْتَلَفَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إذَا صَالَحَ بِمِثْلِيٍّ إلَخْ أَيْ: وَالدَّيْنُ عَيْنٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي مَنْعِهِ عَنْ عَيْنٍ بِمِثْلِيٍّ وَجَوَازِهِ قَوْلًا سَلَمُهَا وَكَفَالَتُهَا، وَنَصُّ سَلَمِهَا وَإِنْ كَانَ دَيْنُك مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ قَرْضٍ فَصَالَحَك الْكَفِيلُ عَنْهَا قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ بِشَيْءٍ يَرْجِعُ إلَى الْقِيمَةِ جَازَ ذَلِكَ، وَيَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْغَرِيمِ بِالْأَقَلِّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ الْقِيمَةِ لَمَّا صَالَحَ بِهِ وَإِنْ صَالَحَك الْكَفِيلُ بِطَعَامٍ أَوْ بِمَا يَقْضِي بِثَمَنِهِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْغَرِيمَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ إنْ أَعْطَاك مِثْلَهُ أَوْ الدَّيْنَ اهـ.
وَنَصُّ كَفَالَتِهَا وَمَنْ تَكَفَّلَ بِمِائَةِ دِينَارٍ هَاشِمِيَّةٍ فَأَدَّاهَا دِمَشْقِيَّةً وَهِيَ دُونَهَا بِرِضَا الطَّالِبِ رَجَعَ بِمِثْلِ مَا أَدَّى، وَلَوْ دَفَعَ فِيهَا عَرْضًا أَوْ طَعَامًا فَالْغَرِيمُ مُخَيَّرٌ فِي دَفْعِ مِثْلِ الطَّعَامِ أَوْ قِيمَةِ الْعَرْضِ أَوْ مَا لَزِمَهُ مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ اهـ. فَكِلَاهُمَا فِي الْمُصَالَحَةِ عَنْ الْعَيْنِ بِمِثْلِيٍّ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافًا لِتَعْمِيمِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، أَمَّا الْمُصَالَحَةُ عَنْ الْعَيْنِ بِمُقَوَّمٍ فَجَائِزَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَصِّ سَلَمِهَا، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقَ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَمَّا الْمُصَالَحَةُ عَنْ الْعِوَضِ بِعَرْضٍ أَوْ عَيْنٍ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي مَنْعِهِ عَنْ عَرْضٍ بِعَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ مُخَالِفٍ لَهُ سَمَاعُ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ.
وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا الْمُصَالَحَةُ عَنْ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِيٍّ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَتَمْرٍ عَنْ قَمْحٍ، ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْبِسَاطِيَّ أَطْلَقَ فِي مَنْعِ الْمُصَالَحَةِ بِغَيْرِ الْجِنْسِ لِلْكَفِيلِ، وَفِيهَا تَفْصِيلٌ.
وَقَوْلُ تت فَدَرَجَ هُنَا عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَلْزَمُ
وَرَجَعَ بِالْأَقَلِّ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ.
وَإِنْ بَرِئَ الْأَصْلُ:
[منح الجليل]
عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ الْمَشْهُورِ لِأَنَّ مَا فِي سَلَمِهَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ زَرْقُونٍ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَا فِي كَفَالَتِهَا مُضْطَرِبٌ.
عِيَاضٌ سَقَطَ عِنْدَ ابْنِ عَتَّابٍ ذِكْرُ الطَّعَامِ هُنَا وَثَبَتَ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى قَوْلُهُ أَوْ طَعَامٌ لَا يُعْجِبُنِي.
اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا وَهِيَ الْمُصَالَحَةُ بِالْمُقَوَّمِ عَنْ الْعَيْنِ وَلَمْ يُرِدْ الْمُصَالَحَةَ بِالْمِثْلِيِّ لِقَوْلِهِ وَرَجَعَ بِالْأَقَلِّ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ الَّتِي كَهَذِهِ أَنَّ الصُّلْحَ بِمُقَوَّمٍ فَلَا يَرِدُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ.
وَأَمَّا الصُّلْحُ عَنْ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ وَعَكْسِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ، ذَكَرَهُمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَجَزَمَ الْبِسَاطِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
اهـ. كَلَامُ طفي.
الْبُنَانِيُّ الْمُصَالَحَةُ بِالْمُقَوَّمِ عَنْ الْعَيْنِ نَصَّ عَلَى جَوَازِهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ مَوْجُودًا فِيمَا عِنْدَ غَيْرِهِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ إذْ لَا أَقُولُ إنَّ الْجَوَازَ فِيهَا هُوَ الرَّاجِحُ، ثُمَّ قَالَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْبَاجِيَّ وَإِلَى مَنْعِ الْمُصَالَحَةِ بِالدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَبِالْعَكْسِ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَأَصْحَابُنَا اهـ.
وَأَمَّا صُلْحُهُ عَنْ طَعَامَ بِيعَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ أَوْ أَدْنَى، فَإِنَّ مَنْعَهُ لِلضَّامِنِ دُونَ الْغَرِيمِ ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَقَلَ فِي ضَيْح بَعْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ الْكَفِيلَ كَالْغَرِيمِ فِيمَا يَجُوزُ مِنْ الصُّلْحِ وَيُمْنَعُ عَنْ الْمَازِرِيِّ مَا نَصُّهُ، لَكِنْ لَمْ يَطَّرِدْ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الطَّعَامِ مِنْ السَّلَمِ، فَإِنَّهُ مَنَعَ الْكَفِيلَ أَنْ يُصَالِحَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ بِطَعَامٍ أَجْوَدَ أَوْ أَدْنَى مِنْهُ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِحُصُولِ الْخِيَارِ لِلْمَدِينِ إلَخْ
(وَرَجَعَ) الضَّامِنُ إذَا صَالَحَ عَنْ الْعَيْنِ بِمُقَوَّمٍ (بِالْأَقَلِّ مِنْهُ) أَيْ دَيْنِ الْعَيْنِ (أَوْ) مِنْ (قِيمَتِهِ) أَيْ الْمُقَوَّمِ الْمُصَالَحِ بِهِ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَقَلَّ رَجَعَ بِهِ.
فِي الْجَوَاهِرِ إذَا صَالَحَ الْكَفِيلُ رَجَعَ بِالْأَقَلِّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ قِيمَةِ مَا صَالَحَ بِهِ، وَكَذَا لَوْ سُومِحَ بِحَطِّ قَدْرٍ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ صِفَةٍ فَلَا يَرْجِعُ إلَّا بِمَا بَذَلَ اهـ (وَإِنْ بَرِئَ) مِنْ الدَّيْنِ (الْأَصْلُ) أَيْ الْمَضْمُونُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ لِمُسْتَحِقِّهِ أَوْ هِبَتِهِ لَهُ أَوْ إبْرَائِهِ مِنْهُ أَوْ مَوْتِهِ مَلِيًّا وَالطَّالِبُ وَارِثُهُ أَوْ إحَالَةٍ عَلَى دَيْنٍ ثَابِتٍ