وَالتَّغَالِي فِيهَا.
[منح الجليل]
إلَيْهِ وَطَرِيقَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهُوَ إطْلَاقُهُ كَانَ فِي عِيَالِهِ أَوْ بَعَثَ إلَيْهِ حَيْثُ قَالَ تُكْرَهُ لِلْكَافِرِ عَلَى الْأَشْهَرِ وَقَدْ أَشَارَ تت إلَى ذَلِكَ.
(وَ) كُرِهَ (التَّغَالِي فِيهَا) أَيْ الضَّحِيَّةِ بِكَثْرَةِ ثَمَنِهَا عَلَى غَالِبِ شِرَاءِ أَهْلِ الْبَلَدِ مَعَ اتِّحَادِهَا، وَكَوْنِ قِيمَتِهَا مَا بَذَلَهُ فِيهَا لِتَأْدِيَتِهِ إلَى الْمُبَاهَاةِ وَكَذَا التَّغَالِي فِي عَدَدِهَا إنْ قَصَدَ مُبَاهَاةً وَإِلَّا جَازَ فَإِنْ نَوَى فَضِيلَةً وَزِيَادَةَ ثَوَابٍ بِزِيَادَةِ ثَمَنِهَا أَوْ عَدَدِهَا نُدِبَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِخَبَرِ «أَفْضَلُ الرِّقَابِ أَغْلَاهَا ثَمَنًا» فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ يُسْتَحَبُّ اسْتِكْثَارُهَا كَمَا عَارَضَ بَيْنَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ لِحَمْلِ الْكَرَاهَةِ عَلَى مُجَرَّدِ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ وَالْمُفَاخَرَةِ لِأَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يَحْرُمْ مَعَ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ؛ لِأَنَّهَا هُنَا تَعُودُ بِمَنْفَعَةِ طِيبِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ، وَشَأْنُهَا أَنْ يُتَصَدَّقَ مِنْهَا وَلِأَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ فَلَا يُسْقِطُهَا قَصْدُ الْمُبَاهَاةِ.
وَفِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ كَعَتِيرَةٍ.
، وَإِبْدَالَهَا بِدُونٍ،
[منح الجليل]
ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ لَا يُمَاكَسُ فِي ثَمَنِ الْأُضْحِيَّةِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى الْمُبَاهَاةِ بِهَا عَلَّلَ ابْنُ رُشْدٍ الْكَرَاهَةَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَخَافُ قَصْدَهَا فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمَهُ نُدِبَ لَهُ لِلْحَدِيثِ وَإِنْ تَحَقَّقَهُ حَرُمَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ، وَفَرْقُ " ز " بَيْنَهُمَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْمَقْصُودُ بِهَا الرِّيَاءَ حَرَامٌ مُطْلَقًا قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَقَوْلُهُ يُكْرَهُ التَّغَالِي فِي عَدَدِهَا إنْ قَصَدَ الْمُبَاهَاةَ صَوَابُهُ إنْ خَافَ قَصْدَهَا.
(وَ) كُرِهَ (فِعْلُهَا) أَوْ التَّضْحِيَةُ (عَنْ) شَخْصٍ (مَيِّتٍ) لَمْ يَشْتَرِطْهَا فِي وَقْفٍ وَالْأَوْجَبُ فِعْلُهَا عَنْهُ لِقَوْلِهِ وَاتُّبِعَ شَرْطُهُ إنْ جَازَ أَيْ أَوْ كُرِهَ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ وَإِلَّا نُدِبَ إنْفَاذُهَا.
وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَعَتِيرَةٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ شَاةٌ كَانَتْ تُذْبَحُ فِي رَجَبٍ لِآلِهَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالضَّحِيَّةِ وَفِي الْكَرْمَانِيِّ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ وَلَمْ يَقُلْ لِآلِهَتِهِمْ.
وَفِي تت ذَبِيحَةٌ لِأَوَّلِ رَجَبٍ، وَالْفَرْعُ كَالْعَتِيرَةِ فِي الْكَرَاهَةِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «لَا فَرْعَ وَلَا عَتِيرَةَ» . الْكَرْمَانِيُّ الْفَرْعُ بِالْفَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ يَلِيهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ أَوَّلُ نِتَاجٍ يُنْتَجُ لَهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِي أَمْوَالِهِمْ يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيُطْعِمُونَ.
ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا فَرْعَ وَلَا عَتِيرَةَ» فَقِيلَ: إنَّهُ نَهَىٌ عَنْهُمَا، وَقِيلَ نَسْخٌ لِوُجُوبِهِمَا فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ النَّهْيُ وَحَمَلَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ فَعَدَّهَا فِي الْمَكْرُوهَاتِ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ نَهْيًا رِوَايَةُ النَّسَائِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْفَرْعِ وَالْعَتِيرَةِ» .
(وَ) كُرِهَ إذَا لَمْ يُعَيِّنْهَا (إبْدَالُهَا) أَيْ الضَّحِيَّةِ (بِدُونٍ) مِنْهَا أَوْ مُسَاوٍ عَلَى الرَّاجِحِ إذَا كَانَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ، وَلَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ ذَبْحُ أُخْرَى وَيُكْرَهُ اقْتِصَارُهُ عَلَى الدُّونِ، وَمَفْهُومُ بِدُونٍ أَنَّ إبْدَالَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا لَا يُكْرَهُ، وَفِي تَوْضِيحِهِ يَنْبَغِي كَوْنُهُ مُسْتَحَبًّا.
الْحَطّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يُسْتَحَبُّ رَعْيًا لِلْقَوْلِ بِتَعَيُّنِهَا بِشِرَائِهَا، وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يُوجِبْهَا بِالنَّذْرِ وَإِلَّا فَكَالْهَدْيِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ، أَيْ فِي امْتِنَاعِ الْإِبْدَالِ وَجَوَازِ الْأَكْلِ مِنْهَا إنْ لَمْ يُسَمِّهَا لِلْمَسَاكِينِ وَإِلَّا مُنِعَ اهـ عب.
وَإِنْ لِاخْتِلَاطٍ قَبْلَ الذَّبْحِ وَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ إنْ اخْتَلَطَتْ بَعْدَهُ عَلَى الْأَحْسَنِ.
[منح الجليل]
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْهَا هَذَا الْقَيْدُ صَحِيحٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَبِهِ قَيَّدَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الْمَشْهُورَ إنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ لِحَمْلِهِ عَلَى عَدَمِ إلْغَاءِ الْعَيْبِ الطَّارِئِ وَإِلَّا فَتَعْيِينُهَا بِالنَّذْرِ يَمْنَعُ الْإِبْدَالَ وَالْبَيْعَ كَمَا يَأْتِي.
وَقَوْلُهُ أَوْ مُسَاوٍ عَلَى الرَّاجِحِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ إبْدَالَهَا بِمِثْلِهَا جَائِزٌ وَكَانَ لَفْظُ الْأُمِّ لَا يُبْدِلُهَا إلَّا بِخَيْرٍ مِنْهَا إذَا كَانَ الْإِبْدَالُ لِغَيْرِ اخْتِلَاطٍ.
بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (لِاخْتِلَاطٍ) لِلضَّحِيَّةِ بِغَيْرِهَا فَيُكْرَهُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ لِغَيْرِهِ وَأَخْذُ الدُّونِ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ وَصِلَةُ إبْدَالٍ (قَبْلَ الذَّبْحِ) فَمَعْنَى الْإِبْدَالِ فِي حَالِ الِاخْتِلَاطِ الْأَخْذُ (وَجَازَ) لِمَالِكِ ضَحِيَّةٍ (أَخْذُ الْعِوَضِ) مِنْهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا كَنَقْدٍ وَعَرْضٍ (إنْ اخْتَلَطَتْ) الضَّحِيَّةُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا بِغَيْرِهَا بِأَنْ اسْتَنَابَ رَجُلَانِ رَجُلًا عَلَى الذَّبْحِ عَنْهُمَا فَذَبَحَ وَاخْتَلَطَتَا (بَعْدَهُ) أَيْ الذَّبْحِ وَلَمْ يَعْرِفْ كُلَّ ضَحِيَّتِهِ فَيَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ (عَلَى الْأَحْسَنِ) عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا نَقْصِدُ بِهِ الْمُعَاوَضَةَ وَلِأَنَّهَا شَرِكَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَأَشْبَهَتْ شَرِكَةَ الْوَرَثَةِ فِي لَحْمِ ضَحِيَّةٍ مُوَرِّثِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُقَالُ أَخَذَ الْقِيمَةَ عَنْهَا بِيعَ لَهَا وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا هُوَ بَدَلُ مُتْلَفٍ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ اهـ.
فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْ الْجِنْسِ فَلَيْسَ فِيهِ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ وَفِيهِ الْمَنْعُ وَفِيهَا وَالْكَرَاهَةُ كَمَا فِي تَوْضِيحِهِ، قَالَ وَقَدْ يُقَالُ بِمَنْعِهِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ بِالْأَوْلَى مِمَّا إذَا كَانَ الْعِوَضُ مِنْ الْجِنْسِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ إذْ يَلْزَمُ عَلَى الْإِبْدَالِ بِالْجِنْسِ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ، بِخِلَافِ إبْدَالِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَإِنَّهُ بَيْعُ لَحْمٍ بِعَرْضٍ وَهُوَ جَائِزٌ، فَلِذَا جَازَ.
وَإِذَنْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْ الْجِنْسِ لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَا يَفْعَلُ بِهِ مَا يَفْعَلُ بِالضَّحِيَّةِ غَيْرِ الْمُخْتَلِطَةِ وَأَجْزَأَتْهُ ضَحِيَّتُهُ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَهَلْ كَجُزْئِهِ ضَحِيَّتَهُ أَمْ لَا وَالْأَوَّلُ مُشْكِلٌ إذْ كَيْفَ يَمْلِكُ الْعِوَضَ مَعَ إجْزَائِهَا، وَإِذَا اخْتَلَطَتْ ضَحِيَّةُ شَخْصٍ بِضَحِيَّةِ آخَرَ بَعْدَ ذَبْحِهِمَا جَازَ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدَةً
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
بِالْقُرْعَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَأَجْزَأَتْهُ ضَحِيَّتُهُ، وَفِيهِ الْإِشْكَالُ الْمُتَقَدِّمُ ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي أَخْذِ عِوَضِهَا مِنْ جِنْسِهَا بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ مَنَعَ الشَّارِعُ مِنْ أَكْلِهَا، أَشَارَ لَهُ ابْنُ يُونُسَ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ إنْ حُمِلَ عَلَى الْعِوَضِ مِنْ الْجِنْسِ فَالِاخْتِلَاطُ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِأَنْ اخْتَلَطَتْ ضَحِيَّةُ أَحَدِهِمَا بِضَحِيَّةِ الْآخَرِ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ إحْدَاهُمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ اخْتَلَطَتْ أُضْحِيَّتَا رَجُلَيْنِ بَعْدَ ذَبْحِهِمَا أَجْزَأَتَاهُمَا وَفِي وُجُوبِ صَدَقَتِهِمَا بِهِمَا وَجَوَازِ أَكْلِهِمَا إيَّاهُمَا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَتَخَرُّجُ اللَّخْمِيُّ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْجَوَازُ أَقْرَبُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ عَلَى الْأَحْسَنِ فَاسْتِحْسَانُهُ إنَّمَا هُوَ فِي أَخْذِ الْعِوَضِ مِنْ الْجِنْسِ وَهُوَ الَّذِي يُطَابِقُ تَعْلِيلَهُ الَّذِي نَقَلَهُ " ز " وَجَعَلَهُ " ز " فِي أَخْذِ الْعِوَضِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَيْسَ بِصَوَابٍ.
وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْعِوَضِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَاطُ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ بِأَنْ يُرَادَ بِهِ التَّلَفُ بِعَدَاءٍ أَوْ سَرِقَةٍ وَفِيهِ أَقْوَالٌ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا سُرِقَتْ الضَّحِيَّةُ وَاسْتُهْلِكَتْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَغْرَمَ السَّارِقُ، وَقَالَ عِيسَى تُؤْخَذُ الْقِيمَةُ وَيُتَصَدَّقُ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ تُؤْخَذُ وَيَصْنَعُ بِهَا رَبُّهَا مَا يَشَاءُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ سَنَدٌ فِي الْهَدْيِ، وَعَلَى هَذَا الْحَمْلِ فَقَدْ أَنَابَ بِالْأَحْسَنِ إلَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا أَخْذُ أَحَدِهِمَا الْقِيمَةَ فِي الِاخْتِلَاطِ الْحَقِيقِيِّ عِوَضًا عَنْ أُضْحِيَّتِهِ وَتَرْكِهَا لِلْآخَرِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَظُنُّ أَحَدًا فِي الْمَذْهَبِ أَجَازَهُ وَإِنْ تَوَهَّمَ مِنْ بَعْضِ الظَّوَاهِرِ، وَقَوْلُهُ فَلَيْسَ فِيهِ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ أَيْ مَنْصُوصٌ فَلَا يُنَافِي تَخْرِيجَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقَوْلُهُ يَلْزَمُ عَلَى الْإِبْدَالِ بِالْجِنْسِ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ أَقُولُ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ جَائِزٌ لَا مَمْنُوعٌ فَلَا مَعْنَى لِهَذَا التَّفْرِيقِ، ثُمَّ إذَا جُهِلَ الْوَزْنُ كَانَ مُزَابَنَةً وَمَا ذَكَرَهُ " ز " مِنْ أَنَّ الْعِوَضَ مِنْ الْجِنْسِ يَلْزَمُ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى الرَّاجِحِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ جَوَازَ أَكْلِهِ اسْتَقَرَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ.
وَلَا إشْكَالَ فِي الْإِجْزَاءِ مَعَ أَخْذِ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ جَرَّ إلَيْهِ الْحُكْمُ وَقَوْلُهُ كَمَا أَشَارَ لَهُ ابْنُ يُونُسَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ مَنْعُ الْأَكْلِ هُوَ أَنَّ فِيهِ بَيْعَ الْأُضْحِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ بَيْعٌ لَا أَنَّ فِيهِ بَيْعَ لَحْمٍ بِلَحْمٍ، وَقَدْ بَنَى ابْنُ رُشْدٍ ضَمَانَ الْعِوَضِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ
وَصَحَّ إنَابَةٌ بِلَفْظٍ إنْ أَسْلَمَ، وَلَوْ لَمْ يَصِلْ أَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ بِعَادَةٍ: كَقَرِيبٍ، وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ؛
[منح الجليل]
أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ الْمُسْتَهْلِكِ لَيْسَ بِبَيْعٍ وَعَدَمُ ضَمَانِهِ عَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي كَلَامِ " ز " تَخْلِيطًا كَثِيرًا وَالتَّحْرِيمُ مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَصَحَّ إنَابَةٌ) عَلَى تَذْكِيَةِ الضَّحِيَّةِ (بِلَفْظِ) كَاتَبْتُك أَوْ وَكَّلْتُك عَلَى تَذْكِيَتِهَا وَيَقْبَلُ الْآخَرُ وَتُكْرَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالْهَدْيِ وَالْفِدْيَةِ وَالْعَقِيقَةِ (إنْ أَسْلَمَ) النَّائِبُ (وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ كُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ وَتُكْرَهُ اسْتِنَابَتُهُ وَتُسْتَحَبُّ إعَادَةُ التَّضْحِيَةِ فَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ تَجُزْ ضَحِيَّةٌ اتِّفَاقًا فِي الْمَجُوسِيِّ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْكِتَابِيِّ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَيَضْمَنُ إنْ غَرَّ بِإِسْلَامِهِ وَيُعَاقَبُ، وَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا فَلَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا جَرَى فِيهِ الْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ.
(أَوْ نَوَى) النَّائِبُ تَضْحِيَتَهَا (عَنْ نَفْسِهِ) عَمْدًا وَأَوْلَى غَلَطًا وَتُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا، قِيلَ لَا تُجْزِئُ الْمَالِكَ وَتُجْزِئُ النَّائِبَ وَيَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهَا كَمَنْ تَعَدَّى عَلَى أُضْحِيَّةِ شَخْصٍ فَذَبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ.
وَقِيلَ لَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَعَطَفَ عَلَى بِلَفْظِ فَقَالَ (أَوْ بِعَادَةِ كَقَرِيبٍ) بِإِضَافَةِ عَادَةٍ لِلْكَافِ الَّتِي بِمَعْنَى مِثْلِ وَالْمُرَادُ بِمِثْلِ الْقَرِيبِ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا عَادَتُهُ التَّصَرُّفُ لِلْمُضَحِّي بِأَنْ كَانَ قَرِيبًا لَا عَادَةَ لَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا لَهُ عَادَةٌ (فَتَرَدُّدٌ) فِي صِحَّةِ كَوْنِهَا ضَحِيَّةً عَنْ مَالِكِهَا وَعَدَمِهَا، وَأَمَّا أَجْنَبِيٌّ لَا عَادَةَ لَهُ فَلَا تُجْزِئُ تَضْحِيَتُهُ قَطْعًا فَلَا يَدْخُلُ فِي التَّرَدُّدِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَعْنَى إذْ وَجْهُ الصِّحَّةِ فِي الْقَرِيبِ النَّظَرُ لِقَرَابَتِهِ وَفِي الْأَجْنَبِيِّ الْمُعْتَادِ النَّظَرِ لِعَادَتِهِ، وَلَا وَجْهَ لَهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ الَّذِي لَا عَادَةَ لَهُ وَيُخَيَّرُ رَبُّهَا بَيْنَ أَنْ يُغَرِّمَهُ قِيمَتَهَا حَيَّةً وَيَتْرُكَهَا لَهُ وَأَخْذِهَا وَأَرْشِ نَقْصِهَا بِالذَّبْحِ وَيَفْعَلُ بِهَا مَا يَشَاءُ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ أَيْ طَرِيقَتَانِ إحْدَاهُمَا تَحْكِي الِاتِّفَاقَ عَلَى الْإِجْزَاءِ فِي الْقَرِيبِ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ، وَالْأُخْرَى تَحْكِي الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ وَالْخِلَافُ فِي الْقَرِيبِ، وَنَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرُهُ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ
لَا إنْ غَلِطَ، فَلَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
[منح الجليل]
عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وتت.
وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الِاسْتِنَابَةِ بِالْعَادَةِ طَرِيقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْقَرِيبِ وَغَيْرِهِ وَهِيَ الَّتِي عَزَاهَا لِلَّخْمِيِّ وَالْأُخْرَى لِلْبَاجِيِّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا فِي الْقَرِيبِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَأَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ فِي الْقَرِيبِ وَغَيْرِهِ الْقِيَامُ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ فَمَنْ كَانَ قَائِمًا بِجَمِيعِ الْأُمُورِ أَجْزَأَ ذَبْحُهُ قَرِيبًا كَانَ أَوْ لَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِجَمِيعِ الْأُمُورِ لَمْ يَجُزْ ذَبْحُهُ مُطْلَقًا قَرِيبًا أَوْ لَا وَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ إلَى الطَّرِيقَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِهِ إلَى جَمِيعِ الطُّرُقِ الْأَرْبَعِ لِجَزْمِهِ بِالْإِجْزَاءِ فِي الْقَرِيبِ، فَلَوْ أَرَادَ الْإِشَارَةَ بِهِ إلَى الْجَمِيعِ لَحَكَى التَّرَدُّدَ فِي الِاسْتِنَابَةِ بِالْعَادَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِغَيْرِ الْقَرِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(لَا إنْ غَلِطَ) الذَّابِحُ بِأَنْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهَا ضَحِيَّتُهُ مِنْ غَيْرِ وَكَالَةٍ مِنْ رَبِّهَا لَهُ عَلَى ذَبْحِهَا فَمُرَادُهُ بِالْغَلَطِ الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ مُحْرِزٍ لَا الْمُتَعَلِّقُ بِاللِّسَانِ لِصِحَّتِهَا فِيمَا يَظْهَرُ لِقَوْلِهِ وَإِنْ تَخَالَفَا فَالْعَقْدُ (فَلَا تُجْزِئُ) الضَّحِيَّةُ (عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ مَالِكِهَا لِعَدَمِ النِّيَّةِ إنْ لَمْ يَأْخُذْ قِيمَتَهَا، وَالذَّابِحُ إنْ أَخَذَهَا أَوْ قِيمَتَهَا الْمَالِكُ لِعَدَمِ مِلْكِهَا قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنْ ذَبَحَهَا غَيْرُ مَالِكِهَا عَنْ نَفْسِهِ عَمْدًا فَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَجْزَأَتْهُ وَضَمِنَ لِرَبِّهَا قِيمَتَهَا اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لَا إنْ غَلِطَ يَنْبَغِي عَلَى التَّقْرِيرِ الْمُتَقَدِّمِ عِوَضٌ لَا إنْ غَلِطَ لَا إنْ فُقِدَ أَثِمَ إنْ أَخَذَ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى: لَيْسَ لِلذَّابِحِ فِي اللَّحْمِ إلَّا الْأَكْلُ أَوْ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَهَا عَلَى وَجْهِ الضَّحِيَّةِ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالِكُ اللَّحْمَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ
وَمُنِعَ الْبَيْعُ وَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ، أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةُ الذَّبْحِ، أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا وَالْإِجَارَةُ، وَالْبَدَلُ،
[منح الجليل]
كَيْفَ يَشَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْبَحْهَا هُوَ عَلَى التَّضْحِيَةِ.
(وَمُنِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ حَرُمَ (الْبَيْعُ) لِلْأُضْحِيَّةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا مِنْ لَحْمٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهَا كَخَرَزَةِ بَقَرَةٍ، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ بَيْعُهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ قَصْرُهُ عَلَى بَيْعِ جُمْلَتِهَا وَكَوَدَكٍ وَلَوْ بِمَاعُونٍ وَلَا يُعْطَى الْجَزَّارُ شَيْئًا مِنْهَا فِي مُقَابَلَةِ جِزَارَتِهِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا إذَا ذُكِّيَتْ وَأَجْزَأَتْ بَلْ (وَإِنْ) لَمْ تَجُزْ كَمَنْ ذَبَحَهَا يَوْمَ التَّاسِعِ يَظُنُّهُ الْعَاشِرَ أَوْ (ذَبَحَهَا) يَوْمَ الْعِيدِ (قَبْلَ) ذَبْحِ (الْإِمَامِ أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةَ الذَّبْحِ) بِأَنْ أَضْجَعَهَا فَاضْطَرَبَتْ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهَا أَوْ أَصَابَتْ السِّكِّينُ عَيْنَهَا فَفَقَأَتْهَا وَذَبَحَهَا فِيهِمَا فَيَحْرُمُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا مَعَ كَوْنِهَا لَمْ تُجْزِ (أَوْ) تَعَيَّبَتْ (قَبْلَهُ) أَيْ الذَّبْحِ وَذَبَحَهَا ضَحِيَّةً فَإِنْ لَمْ يَذْبَحْهَا فَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَا تُجْزِئُ إنْ تَعَيَّبَتْ قَبْلَهُ وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ.
(أَوْ ذَبَحَ مَعِيبًا) بِعَيْبٍ مَانِعٍ مِنْ الْإِجْزَاءِ (جَهْلًا) بِالْعَيْبِ أَوْ يَمْنَعُهُ الْإِجْزَاءَ بِأَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فَقَوْلُهُ جَهْلًا يَشْمَلُ جَهْلَ تَعَيُّبِهِ كَذَبْحِهِ مُعْتَقِدًا سَلَامَتَهُ، فَتَبَيَّنَ عَيْبُهُ وَالْجَهْلُ بِحُكْمِهِ كَذَبْحِهِ عَالِمًا بِعَيْبِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَمْنَعُهُ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ كَخَرَزَةِ بَقَرَةٍ نَقَلَ ابْنُ نَاجِي مَنْعَ بَيْعِهَا عَنْ فَتْوَى الْغُبْرِينِيُّ وَالْبَرْزَلِيِّ الشَّيْخِ مَيَّارَةَ وَالْخَرَزَةُ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى بِالْوَرْسِ تُوجَدُ فِي مَرَارَةِ الْبَقَرَةِ عَلَى شَكْلِ أَصْغَرِ الْبَيْضِ تُبَاعُ بِثَمَنٍ غَالٍ قِيلَ: إنَّهُ يَسْمَنُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ.
(وَ) مُنِعَتْ (الْإِجَارَةُ) لَهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا وَلِجِلْدِهَا وَغَيْرِهِ بَعْدَهُ وَاَلَّذِي لِسَحْنُونٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الصِّقِلِّيُّ وَابْنُ عَرَفَةَ جَوَازُ إجَارَتِهَا فِي حَيَاتِهَا وَجِلْدِهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لَهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا لَا يَصِحُّ حَمْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا مَنْعَ فِيهَا وَإِنَّمَا مُرَادُهُ الْأُخْرَى وَهِيَ إجَارَةُ جِلْدِهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا وَمَنْعُهَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ، وَجَعَلَ قَوْلَ سَحْنُونٍ مُقَابِلًا.
(وَ) مُنِعَ (الْبَدَلُ) لَهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا وَكَذَا بَدَلُ شَيْءٍ مِنْهَا كَجِلْدِهَا بِشَيْءٍ آخَرَ وَلَوْ مُجَانِسًا لِلْمُبْدَلِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَرَاهَةِ إبْدَالِهَا بِدُونٍ فِي إبْدَالِهَا قَبْلَهُ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا،
إلَّا لِمُتَصَدَّقٍ عَلَيْهِ، وَفُسِخَتْ، وَتَصَدَّقَ بِالْعِوَضِ فِي الْفَوْتِ، إنْ لَمْ يَتَوَلَّ غَيْرٌ بِلَا إذْنٍ، وَصَرْفٍ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ:.
[منح الجليل]
وَمَنَعَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْحَذَّاءَ أَنْ يَدْهُنَ شِرَاكَ النِّعَالِ الَّتِي يَصْنَعُهَا بِدُهْنِ الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا بِالدُّهْنِ تَحْسُنُ فَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ (إلَّا لِ) شَخْصٍ (مُتَصَدَّقٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً (عَلَيْهِ) بِالضَّحِيَّةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا أَوْ مَوْهُوبٍ لَهُ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَا مَلَكَهُ مِنْ لَحْمِهَا وَجِلْدِهَا وَإِجَارَتُهُ وَبَدَلُهُ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلِمَ الْمُتَصَدِّقُ بِالْكَسْرِ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالْفَتْحِ يَبِيعُ أَوْ يُؤَاجِرُ وَيُبْدِلُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالْهَدِيَّةُ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْحَطّ.
وَقَدْ عَبَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ بِالْعَطِيَّةِ الشَّامِلَةِ لَهَا فَلَوْ قَالَ إلَّا لِمُعْطًى لَكَانَ أَحْسَنَ وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ وَشَهَرَهُ ابْنُ غَلَّابٍ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ هُوَ أَحْسَنُ وَمُقَابِلُهُ الْمَنْعُ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَشَهَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ السَّرِقَةِ.
(وَفُسِخَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ الْعُقُودُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ مَنَعَهَا الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَإِبْدَالٌ إنْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ فَوَاتِ الْمَبِيعِ وَالْمُبْدَلِ (وَ) إنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْمَبِيعِ أَوْ الْمُبْدَلِ (تَصَدَّقَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ الْمُضَحِّي وُجُوبًا (بِالْعِوَضِ) أَيْ نَفْسِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالْبَدَلِ فِي الْإِبْدَالِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَعِوَضِهِ إنْ فَاتَ (فِي الْفَوَاتِ) لِلْمَبِيعِ أَوْ الْمُبْدَلِ مِنْ الضَّحِيَّةِ (إنْ لَمْ يَتَوَلَّ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ الْبَيْعُ أَوْ الْإِبْدَالُ (غَيْرٌ) بِالتَّنْوِينِ أَيْ غَيْرُ الْمُضَحِّي (بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْمُضَحِّي فِي الْبَيْعِ أَوْ الْإِبْدَالِ بِأَنْ تَوَلَّاهُ الْمُضَحِّي أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ.
(وَصَرْفٍ) هُوَ مَصْدَرٌ عُطِفَ عَلَى مَعْنَى مَدْلُولِ الْبَاءِ وَهُوَ مَجْمُوعٌ لَا إذْنٌ وَصِلَتُهُ مَحْذُوفَةٌ أَيْ لِلثَّمَنِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ (فِيمَا) أَيْ شَيْءٌ (لَا يَلْزَمُ) الْمُضَحِّيَ أَيْ مَعَ صَرْفِ الثَّمَنِ فِيمَا لَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ بِأَنْ كَانَ الثَّمَنُ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ أَوْ صَرَفَهُ الْغَيْرُ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّي فَهَذِهِ ثَمَانُ صُوَرٍ هِيَ مَنْطُوقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ التَّصَدُّقُ فِيهَا بِنَفْسِ الثَّمَنِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبِعِوَضِهِ إنْ فَاتَ، وَمَفْهُومُهُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ تُوَلِّي غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ مَعَ صَرْفِ الثَّمَنِ فِيمَا لَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ، فِي هَذِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ وَيَلْزَمُ الْمُتَوَلِّيَ التَّصَدُّقُ بِبَدَلِهِ هَذَا
كَأَرْشِ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.
، وَإِنَّمَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَالذَّبْحِ، فَلَا تُجْزِئُ إنْ تَعَيَّبَتْ قَبْلَهُ، وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ:
[منح الجليل]
عَلَى نُسْخَةِ فِيمَا لَا يَلْزَمُ بِإِثْبَاتِ لَا، أَمَّا عَلَى نُسْخَةِ فِيمَا يَلْزَمُ بِحَذْفِهَا قَالُوا وَبِمَعْنَى أَوْ، وَصَرَفَ فِعْلٌ مَاضٍ عَقِبَ عَلَى لَمْ يَتَوَلَّ غَيْرُ أَيْ أَوْ تَوَلَّاهُ غَيْرٌ بِلَا إذْنٍ وَصَرَفَهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ، وَأَوْلَى إنْ بَقِيَ وَلَمْ يُصْرَفْ وَمَفْهُومُ فِيمَا يَلْزَمُ أَنَّهُ إنْ تَوَلَّاهُ غَيْرٌ بِلَا إذْنٍ وَصَرَفَهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُ لَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ وَعَلَى الْمُتَوَلِّي التَّصَدُّقُ بِعِوَضِهِ وَهِيَ تَرْجِعُ لِلْأُولَى.
(كَأَرْشِ عَيْبٍ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ) بِحَذْفِ لَا هَذَا هُوَ الَّذِي فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَعَلَيْهِ بَهْرَامُ وَالْبِسَاطِيُّ فَلَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ التَّصَدُّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا فَهُوَ تَشْبِيهٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ غَيْرٌ إلَخْ فِي عَدَمِ وُجُوبِ التَّصَدُّقِ عَلَى الْمُضَحِّي.
وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ غَازِيٍّ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءُ بِإِثْبَاتٍ لَا فَهُوَ تَشْبِيهٌ بِمَنْطُوقِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ غَيْرٌ إلَخْ فِي وُجُوبِ التَّصَدُّقِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْأَرْشَ إنْ مَنَعَ عَيْبُهُ الْإِجْزَاءَ صَنَعَ بِهِ مَا يَشَاءُ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ.
وَأَمَّا الضَّحِيَّةُ فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ عَيْبُهَا الْإِجْزَاءَ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ مَنَعَهُ فَالْمَذْهَبُ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِهَا كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَتَقَدَّمَ أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةُ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَهُ.
(وَإِنَّمَا تَجِبُ) الضَّحِيَّةُ وُجُوبًا يَلْقَى الْعَيْبُ الطَّارِئُ بَعْدَهُ (بِالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ) أَيْ مَعَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا تَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ إلَّا بِالذَّبْحِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
اهـ. وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْوُجُوبِ الَّذِي يُلْغِي طُرُوءَ الْعَيْبِ بَعْدَهُ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، فَإِذَا نَذَرَهَا ثُمَّ أَصَابَهَا عَيْبٌ قَبْلَ تَذْكِيَتِهَا فَلَا تُجْزِئُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُكَلَّفِ وَالْتِزَامَهُ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ مَا طَلَبَ الشَّارِعُ مِنْهُ فِعْلَهُ يَوْمَ الْأَضْحَى مِنْ تَذْكِيَةِ نَعَمٍ سَلِيمٍ مِنْ الْعَيْبِ بِخِلَافِ طُرُوئِهِ فِي الْهَدْيِ بَعْدَ تَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ عَدَمَ وُجُوبِ الضَّحِيَّةِ بِالنَّذْرِ مُطْلَقًا بَلْ نَذْرُهَا يُوجِبُ ذَبْحَهَا وَيَمْنَعُ بَيْعَهَا وَإِبْدَالَهَا (فَلَا تُجْزِئُ) الضَّحِيَّةُ فِي حُصُولِ سُنَّةِ الضَّحِيَّةِ (إنْ تَعَيَّبَتْ) عَيْبًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَكَسْرِ رِجْلِهَا أَوْ فَقْءِ عَيْنِهَا (قَبْلَهُ) أَيْ الذَّبْحِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْذُورَةً أَمْ لَا (وَصَنَعَ بِهَا) أَيْ الذَّاتِ الَّتِي تَعَيَّبَتْ قَبْلَ تَذْكِيَتِهَا (مَا شَاءَ) مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ مَنْذُورَةً، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ أَوْ تَعَيَّبَتْ
كَحَبْسِهَا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ إلَّا أَنَّ هَذَا آثِمٌ، وَلِلْوَارِثِ الْقَسْمُ،
[منح الجليل]
حَالَةَ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ قَدْ ذُبِحَتْ ضَحِيَّةً وَمَا هُنَا لَمْ تُذْبَحْ.
وَشَبَّهَ فِي أَنَّهُ يَصْنَعُ بِهَا مَا يَشَاءُ فَقَالَ (كَحَبْسِهَا) أَيْ تَأْخِيرِ تَذْكِيَةِ الضَّحِيَّةِ (حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ) لِلتَّضْحِيَةِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيَصْنَعُ بِهَا مَا يَشَاءُ إنْ لَمْ تَكُنْ مَنْذُورَةً فَإِنْ كَانَتْ مَنْذُورَةً فَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ الْجَلَّابِ وُجُوبَ تَذْكِيَتِهَا وَنَقَلَهُ طفي، وَيُفِيدُهُ مَا تَقَدَّمَ بِهِ مِنْ أَنَّ نَذْرَهَا يَمْنَعُ بَيْعَهَا وَإِبْدَالَهَا وَاسْتَدْرَكَ عَلَى التَّشْبِيهِ لِرَفْعِ إيهَامِهِ مُسَاوَاةَ الْمُشَبَّهِ الْمُشَبَّهَ بِهِ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ فَقَالَ (إلَّا أَنَّ هَذَا) أَيْ الَّذِي حَبَسَهَا اخْتِيَارًا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ (آثِمٌ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ.
وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ لَيْسَ إثْمًا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِثْمِ فَوَاتُ ثَوَابِ السُّنَّةِ وَالْكَرَاهَةُ الشَّدِيدَةُ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إثْمِهِ بِفِعْلِ مَعْصِيَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُعَاقِبُ الْمُذْنِبَ بِحِرْمَانِهِ مِنْ السُّنَّةِ، وَبِأَنَّ التَّأْثِيمَ وَالِاسْتِغْفَارَ فِي كَلَامِهِمْ لَيْسَ خَاصًّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ بَلْ يَسْتَعْمِلُونَهُ كَثِيرًا فِي تَرْكِ السُّنَّةِ، وَرُبَّمَا أَبْطَلُوا الصَّلَاةَ بِتَرْكِهَا وَيَأْمُرُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ كَالْإِقَامَةِ (وَلِ) جِنْسِ ا (لْوَارِثِ الْقَسْمُ) لِضَحِيَّةِ مُوَرِّثِهِ الَّذِي مَاتَ بَعْدَ تَذْكِيَتِهَا أَوْ قَبْلَهَا وَأَنْفَذَهَا الْوَارِثُ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهَا تَمْيِيزُ حَقٍّ لَا بِالتَّرَاضِي؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ، رَوَاهُ الْأَخَوَانِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَظَاهِرُهُ قَسْمُهَا عَلَى حَسَبِ الْمِيرَاثِ وَهُوَ سَمَاعُ عِيسَى وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ.
وَقِيلَ: عَلَى قَدْرِ الْأَكْلِ فَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالزَّوْجَةُ سَوَاءٌ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَلَخَصَّهَا ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَكْلِهَا أَهْلُ بَيْتِهِ عَلَى نَحْوِ أَكْلِهِمْ فِي حَيَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا وَرَثَةً وَقَسَمَهَا وَرَثَتُهُ عَلَى الْمِيرَاثِ.
ثَالِثُهَا: يُقَسِّمُونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يَأْكُلُونَ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَمَاعُهُ عِيسَى وَظَاهِرُ الْوَاضِحَةِ اهـ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
وَقَوْلُ " ز " وَظَاهِرُهُ الْقَسْمُ عَلَى الْمِيرَاثِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَسْمِ الْوَارِثِ، لَكِنْ قَالَ الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ مَشَى عَلَى أَنَّهُمْ يَقْسِمُونَهَا عَلَى الرُّءُوسِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ التُّونُسِيُّ إنَّهُ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ اهـ.
وَلَوْ ذُبِحَتْ؛ لَا بَيْعٌ بَعْدَهُ فِي دَيْنٍ.
[منح الجليل]
قَالَ طفي هَذَا وَهْمٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي قَالَ التُّونُسِيُّ إنَّهُ الْأَشْبَهُ أَكْلُهَا بِلَا قَسْمٍ وَنَصُّ التُّونُسِيُّ بَعْدَ عَزْوِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا تُؤْكَلُ وَلَا تُقْسَمُ وَلِأَشْهَبَ الْقَسْمُ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ قُرْبَةً بِالذَّبْحِ وَاتُّفِقَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ فَأَشْبَهَتْ الْحَبْسَ يَنْتَفِعُ الْوَرَثَةُ بِهَا غَيْرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ مِنْ زَوْجَةٍ وَغَيْرِهَا فِيهَا حَقًّا لِقَصْدِ الْمَيِّتِ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَزِيدَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فِي حَظِّهِ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا حَظِّ الْأُنْثَى كَحَظِّ الذَّكَرِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْأَكْلِ.
اهـ. وَنَقَلَهُ الْمُوضِحُ
قُلْت: إذَا تَأَمَّلْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ الْوَهْمَ مِنْ طفي مِنْ الْحَطّ وَأَنَّ كَلَامَ التُّونُسِيِّ شَاهِدٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ نَفْيُ الْقَسْمِ عَلَى الْمِيرَاثِ لَا نَفْيُهُ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ جَعَلُوا لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ حَقًّا مَعَ قَوْلِهِ وَيَكُونُ حَظُّ الْأُنْثَى كَحَظِّ الذَّكَرِ صَرِيحٌ فِي الْقَسْمِ عَلَى الرُّءُوسِ الَّذِي عَزَاهُ لَهُ الْحَطّ، وَأَيْضًا لَا مَعْنَى لِأَكْلِهِمْ لَهَا وَانْتِفَاعِهِمْ بِهَا إلَّا قَسْمُهَا عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرَهُ طفي مِنْ أَكْلِهَا بِلَا قَسْمٍ أَصْلًا لَكَانَ قَوْلًا رَابِعًا وَهَذَا ابْنُ رُشْدٍ حَافِظُ الْمَذْهَبِ، وَكَذَا ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَحْفَظَا إلَّا الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَنَاهِيك بِحِفْظِهِمَا فَلَوْ وَجَدَ مَا أَغْفَلَاهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا اخْتَارَهُ التُّونُسِيُّ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ الَّذِي عَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَا تَقَدَّمَ لِظَاهِرِ الْوَاضِحَةِ، وَقَدْ حَمَلَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ سَنَّ وَنَصُّ السَّمَاعِ وَلَكِنْ أَرَى فِي لَحْمِ الْأَضَاحِيِّ أَنْ يَقْسِمَهُ وَرَثَتُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ الْأَظْهَرُ إذْ خَصَّ الْوَرَثَةَ وَأَنْزَلَهُمْ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْمَيِّتِ أَنْ لَا يَقْسِمُوهُ عَلَى الْمِيرَاثِ وَأَنْ يَقْسِمُوهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَأْكُلُونَ فَيَكُونُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَقْسِمُوهُ إذْ قَدْ قِيلَ إنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ اهـ.
وَلِلْوَرَثَةِ قَسْمُهَا إنْ لَمْ تُذْبَحْ بَلْ (وَلَوْ ذُبِحَتْ) قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ بَعْدَهُ (لَا) يَجُوزُ (بَيْعٌ) لِلضَّحِيَّةِ أَوْ بَعْضِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الذَّبْحِ (فِي دَيْنٍ) عَلَى الْمُوَرِّثِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مِنْ قُوتِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مَعَ أَنَّهَا قُرْبَةٌ وَتَعَيَّنَتْ بِذَبْحِهَا لَمْ يَقْضِ مِنْهَا دَيْنَهُ.
وَنُدِبَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ نَهَارًا، وَأُلْغِيَ يَوْمُهَا؛ إنْ سَبَقَ بِالْفَجْرِ.
[منح الجليل]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الضَّحِيَّةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (ذَبْحُ) أَوْ نَحْرُ ذَاتٍ (وَاحِدَةٍ) مِنْ النَّعَمِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (تُجْزِئُ ضَحِيَّةً) سِنًّا وَسَلَامَةً، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ فِي الْأَحَادِيثِ.
وَأُجِيبَ بِحَمْلِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ لِلْأُمَّةِ، وَصِلَةُ ذَبَحَ (فِي سَابِعِ) يَوْمٍ مِنْ يَوْمِ (الْوِلَادَةِ) عَقِيقَةً عَنْ الْمَوْلُودِ مِنْ مَالِ الْأَبِ لَا مِنْ مَالِ الْمَوْلُودِ، فَالْمُخَاطَبُ بِهَا الْأَبُ لَا غَيْرُهُ إلَّا الْوَصِيَّ فَيُخَاطَبُ بِهَا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إذَا لَمْ تُجْحِفْ بِهِ، وَيَرْفَعُ لِمَالِكِيٍّ إنْ كَانَ حَنَفِيٌّ لَا يَرَاهَا عَنْ يَتِيمٍ، وَإِلَّا السَّيِّدَ فَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ فِي عَقِّهِ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا يَعُقُّ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَوْلُودُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ «عَقَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الْحَسَنِ بِكَبْشٍ» وَنَحْوُهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَقِيَاسًا عَلَى الضَّحِيَّةِ، وَهَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ «أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعُقَّ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ مُتَكَافِئَتَيْنِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ» وَهَذَا إنْ اتَّحَدَ الْمَوْلُودُ، فَإِنْ تَعَدَّدَ كَتَوْأَمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ تَعَدَّدَتْ بِتَعَدُّدِهِ وَأَوْلَى تَعَدُّدُهُ مِنْ نِسَاءٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَلَا تُنْدَبُ بَعْدَ السَّابِعِ فِي سَابِعٍ ثَانٍ وَلَا ثَالِثٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَشَرْطُهَا اسْتِمْرَارُ حَيَاةِ الْمَوْلُودِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ السَّابِعِ أَوْ فِيهِ قَبْلَ الْعَقِّ عَنْهُ فَلَا تُنْدَبُ.
الطُّرْطُوشِيُّ وَلَا تَنْدَرِجُ فِي ضَحِيَّةٍ بِخِلَافِ الْوَلِيمَةِ فَتَنْدَرِجُ فِيهَا عِنْدَ الْقَصْدِ وَشَرْطُهَا ذَبْحُهَا.
(نَهَارًا) مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ الْيَوْمِ السَّابِعِ لِغُرُوبِهِ وَنُدِبَ كَوْنُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَفِي الرِّسَالَةِ وَابْنِ عَرَفَةَ ضَحْوَةً (وَأُلْغِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا يُحْسَبُ (يَوْمُهَا) أَيْ الْوِلَادَةِ (إنْ سُبِقَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ الْيَوْمُ بِمَعْنَى وَقْتِ الْوِلَادَةِ أَوْ الْمَوْلُودِ (بِ) طُلُوعِ (الْفَجْرِ) بِأَنْ طَلَعَ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَلَوْ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ جِدًّا، فَإِنْ وُلِدَ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حُسِبَ يَوْمُهَا.
وَالتَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ.
وَجَازَ كَسْرُ عِظَامِهَا.
، وَكُرِهَ عَمَلُهَا وَلِيمَةً.
، وَلَطْخُهُ بِدَمِهَا.
[منح الجليل]
وَ) نُدِبَ حَلْقُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَ (التَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ) ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً عَقَّ عَنْهُ أَمْ لَا قَبْلَ الْعَقِّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ تَحَرَّى وَتَصَدَّقَ بِهِ، وَنُدِبَ أَنْ يَسْبِقَ إلَى جَوْفِ الْمَوْلُودِ حَلَاوَةٌ «لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ تَحْنِيكِهِ بِتَمْرَةٍ مَضَغَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَبِيحَةَ وِلَادَتِهِ وَدُعَائِهِ لَهُ وَتَسْمِيَتِهِ» .
(وَجَازَ كَسْرُ عِظَامِهَا) أَيْ الْعَقِيقَةِ، وَقِيلَ يُنْدَبُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً لِلْجَاهِلِيَّةِ فِي امْتِنَاعِهِمْ مِنْ كَسْرِ عِظَامِهَا مَخَافَةَ مَا يُصِيبُ الْمَوْلُودَ وَتَقْطِيعِهَا مِنْ الْمَفَاصِلِ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
الْفَاكِهَانِيُّ يَجِبُ تَرْكُ شِعَارِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إلَّا اتِّبَاعَ الْبَاطِلِ وَلَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ فَائِدَتُهُ التَّفَاؤُلُ بِسَلَامَةِ الصَّبِيِّ وَبَقَائِهِ، إذْ لَا أَصْلَ لِذَلِكَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا عَمَلٍ.
وَقَوْلُهُ يَجِبُ تَرْكُ إلَخْ أَيْ يَتَأَكَّدُ فَلَا يُنَافِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَجَازَ وَكَانَتْ الْعَقِيقَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأُقِرَّتْ بِالْإِسْلَامِ.
(وَكُرِهَ عَمَلُهَا) أَيْ الْعَقِيقَةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا (وَلِيمَةً) لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهَا بَلْ تُطْبَخُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُ الْبَيْتِ وَالْجِيرَانُ وَالْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ، وَيُطْعَمُ النَّاسُ مِنْهَا وَهُمْ فِي مَوَاضِعِهِمْ.
الْفَاكِهَانِيُّ وَالْإِطْعَامُ مِنْهَا كَالْإِطْعَامِ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ بِلَا حَدٍّ فَيَأْكُلُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ وَيَتَصَدَّقُ مِنْهَا بِمَا يَشَاءُ وَيُطْعِمُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الدَّعْوَةِ إلَيْهَا.
ابْنُ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَيُدَّخَرُ لَحْمُ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: شَأْنُ النَّاسِ أَكْلُهَا وَمَا بِذَلِكَ بَأْسٌ، وَتُمْنَعُ الْمُعَاوَضَةُ فِيهَا وَمَنَعَ غَيْرُ وَاحِدٍ إعْطَاءَ الْقَابِلَةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ.
وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ عَمِلَهَا إنْ عَمِلَ طَعَامَ غَيْرِهَا وَلِيمَةً مَعَ ذَبْحِهَا أَوْ نَحْرِهَا وَضَعَهُ بِهَا صُنْعَ الْعَقِيقَةِ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَقَقْت عَنْ وَلَدِي وَذَبَحْت بِاللَّيْلِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ إلَيْهِ إخْوَانِي وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ ذَبَحْت شَاةً لِعَقِيقَةٍ فَأَهْدَيْت مِنْهَا لِجِيرَانِي فَأَكَلُوا وَأَكَلْنَا فَمَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلْيَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ.
(وَ) كُرِهَ (لَطْخُهُ) أَيْ الْمَوْلُودِ (بِدَمِهَا) أَيْ الْعَقِيقَةِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَتُهُ
وَخِتَانُهُ يَوْمَهَا.
[منح الجليل]
فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» ، فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مِنْ تَلْطِيخِ رَأْسِهِ بِدَمِهَا وَبَعْضُهُمْ بِالْحَلْقِ وَالتَّصَدُّقِ بِزِنَةِ الشَّعْرِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ وَإِنْ خَلَّقَ رَأْسَهُ بِخَلُوقٍ بَدَلًا مِنْ الدَّمِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(وَ) كُرِهَ (خِتَانُهُ) أَيْ الْمَوْلُودِ (يَوْمَهَا) أَيْ الْعَقِيقَةِ وَأَحْرَى يَوْمُ وِلَادَتِهِ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ لَا مِنْ عَمَلِ النَّاسِ، وَيُنْدَبُ زَمَنَ أَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَاوِزَ بِهِ عَشْرَ سِنِينَ إلَّا وَهُوَ مَخْتُونٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّ خَتْنَ الذَّكَرِ سُنَّةٌ وَخَفْضَ الْأُنْثَى مُسْتَحَبٌّ، أَيْ قَطْعُ جُزْءٍ مِنْ الْجَلْدَةِ بِأَعْلَى الْفَرْجِ وَلَا تُسْتَأْصَلُ لِخَبَرِ أُمِّ عَطِيَّةَ «اخْفِضِي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» ، أَيْ لَا تُبَالِغِي وَأَسْرَى أَيْ أَشْرَقُ لِلَّوْنِ الْوَجْهِ وَأَحْظَى أَيْ أَلَذُّ عِنْدَ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَةَ تَشْتَدُّ مَعَ الذَّكَرِ مَعَ كَمَالِهَا فَتُقَوِّي الشَّهْوَةَ لِذَلِكَ.
(تَتِمَّةٌ) :
تَسْمِيَةُ الْمَوْلُودِ حَقُّ أَبِيهِ وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُهَا لِلسَّابِعِ إنْ أَرَادَ الْعَقَّ عَنْهُ وَالْأَسْمَاءُ فِي أَيٍّ وَقْتٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ لَهُ اسْمًا قَبْلَهُ وَيُسَمِّيَهُ بِهِ فِيهِ قَبْلَ الْعَقِّ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ.
الْبَاجِيَّ مِنْ أَفْضَلِ الْأَسْمَاءِ ذُو الْعُبُودِيَّةِ لِحَدِيثِ «أَحَبُّ أَسْمَائِكُمْ إلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ سَمَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ» ، وَيُمْنَعُ بِمَا قَبُحَ كَحَرْبٍ وَحُزْنٍ وَمَا فِيهِ تَزْكِيَةٌ وَمَنَعَهَا مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " بِالْمُهْدِي فَقِيلَ لَهُ فَالْهَادِي قَالَ هَذَا أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الْهَادِيَ هَادِي طَرِيقٍ.
الْبَاجِيَّ وَتَحْرُمُ بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ لِحَدِيثِ هُوَ أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ فَنُونٍ مَفْتُوحَةٍ أَيْ أَذَلُّ الْأَسْمَاءِ إذَا سُمِّيَ بِهِ مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ مَلِكَ الْأَمْلَاكِ إنَّمَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
عِيَاضٌ «غَيَّرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَزِيزًا وَحَكِيمًا لِشَبَهِهِمَا بِأَسْمَاءِ صِفَاتِهِ تَعَالَى» ، وَسُمِّيَ بِعَلِيٍّ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ تُكْرَهُ ببس.
ابْنُ رُشْدٍ لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ اسْمًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْقُرْآنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَمُقْتَضَى هَذَا التَّحْرِيمُ.
(بَابٌ) الْيَمِينُ: تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ:
[منح الجليل]
[بَابٌ الْيَمِين]
(بَابٌ) فِي الْيَمِينِ (الْيَمِينُ) أَيْ حَقِيقَتُهَا شَرْعًا (تَحْقِيقُ) أَيْ تَقْرِيرُ وَتَقْوِيَةُ (مَا) أَيْ شَيْءٌ (لَمْ يَجِبْ) وُقُوعُهُ عَقْلًا وَلَا عَادَةً بِأَنْ كَانَ مُمْكِنًا فِيهِمَا كَدُخُولِ الدَّارِ، وَلَوْ وَجَبَ شَرْعًا كَصَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ امْتَنَعَ شَرْعًا كَشُرْبِ مُسْكِرٍ أَوْ فِي الْعَقْلِ دُونَ الْعَادَةِ كَشُرْبِ الْبَحْرِ وَيَحْنَثُ فِي هَذَا بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إلَّا الْعَزْمُ عَلَى الضِّدِّ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى فِعْلِهِ، أَوْ مُمْتَنِعًا فِيهِمَا كَجَمْعِ الضِّدَّيْنِ، وَيَحْنَثُ فِي هَذَا بِمُجَرَّدِهَا أَيْضًا لِذَلِكَ.
وَخَرَجَ الْوَاجِبُ فِيهِمَا كَتَحَيُّزِ الْجُرْمِ أَوْ فِي الْعَادَةِ فَقَطْ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَتَحْقِيقُ جِنْسٍ، وَإِضَافَتُهُ لِمَا لَمْ يَجِبْ فَصْلٌ مُخْرِجٌ تَحْقِيقَ الْوَاجِبِ عَقْلًا وَعَادَةً أَوْ عَادَةً فَقَطْ.
وَصِلَةُ تَحْقِيقٍ (بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ) وَإِضَافَةُ اسْمِ اللَّهِ اسْتِغْرَاقِيَّةٌ أَيْ كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى، سَوَاءٌ وُضِعَ لِمُجَرَّدِ الذَّاتِ كَاَللَّهِ أَوْ لَهَا وَصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى كَالرَّحْمَنِ وَالْحَيِّ وَالْخَالِقِ (أَوْ) بِذِكْرِ اسْمِ (صِفَتِهِ) النَّفْسِيَّةِ كَوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ السَّلْبِيَّةِ كَوَحْدَانِيِّتِهِ تَعَالَى.
عج وَشَمِلَتْ الْقِدَمَ وَالْوَحْدَانِيَّةَ مِنْ صِفَاتِ السَّلْبِ، وَانْظُرْ هَلْ تَشْمَلُ بَقِيَّةَ صِفَاتِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
السَّلْبِ.
اهـ. وَاَلَّذِي لِابْنِ عَاشِرٍ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ، فَفِي سَمَاعِ عِيسَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَحْلِفُ بِقَوْلِهِ لَعَمْرُ اللَّهِ وَأَيْمُ اللَّهِ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا وَقَالَ أَصْبَغُ هُوَ يَمِينٌ.
ابْنُ رُشْدٍ قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُمَا صِفَتَيْنِ لَهُ تَعَالَى، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَى ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّهُ بَاقٍ لِنَفْسِهِ وَقَدِيمٌ لِنَفْسِهِ لَا لِمَعْنًى مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِهِ وَإِنَّ مَعْنَى الْقَدِيمِ الَّذِي لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ، وَمَعْنَى الْبَاقِي الْمُسْتَمِرُّ الْوُجُودِ فَكَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَقَالَ أَخَافُ إلَخْ نَظَرًا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَذَهَبَ أَصْبَغُ إلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ: إنَّهُ يَمِينٌ، وَمِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ أَوْ الذَّاتِيَّةُ كَحَيَاتِهِ تَعَالَى لَا الْفِعْلِيَّةُ كَالْخَلْقِ، وَهَذَا فَصْلٌ مُخْرِجٌ لِتَحْقِيقِ غَيْرِ الْوَاجِبِ بِتَعْلِيقِ نَحْوِ عِتْقٍ أَوْ نَحْوِ طَلَاقٍ فَلَا يُسَمَّى يَمِينًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَأَرَادَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ فِيهَا الصِّيَغُ الصَّرِيحَةُ فِي الْقَسَمِ إذَا نَوَاهُ بِهَا كَأَحْلِفُ وَأُقْسِمُ وَأَشْهَدُ إنْ قَدَّرَ عَقِبَهَا كُلِّهَا بِاَللَّهِ.
وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ إلَخْ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ: مَعْنَاهَا ضَرُورِيٌّ لَا يُعْرَفُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ فَالْيَمِينُ قَسَمٌ أَوْ الْتِزَامٌ مَنْدُوبٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ قُرْبَةٌ أَوْ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ لَا يَفْتَقِرُ لِقَبُولٍ مُعَلَّقٍ بِأَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ.
اهـ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ إنَّ التَّعْلِيقَ مِنْ الْيَمِينِ فَهُوَ تَعْرِيفٌ لِلْيَمِينِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ النَّذْرُ كَلِلَّهِ عَلَيَّ دِينَارٌ صَدَقَةً، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْقُرْبَةُ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ نَحْوُ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ
كَبِاللَّهِ، وَهَاللَّهِ، وَأَيْمُ اللَّهِ، وَحَقِّ اللَّهِ، وَالْعَزِيزِ، وَعَظَمَتِهِ، وَجَلَالِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَكَفَالَتِهِ، وَكَلَامِهِ، وَالْقُرْآنِ، وَالْمُصْحَفِ.
[منح الجليل]
فَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ، فَإِنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنْ دُخُولِ الدَّارِ، وَغَيْرُ بِالرَّفْعِ صِفَةُ الْتِزَامٍ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ لَا يَفْتَقِرُ لِقَبُولٍ نَحْوُ ثَوْبِي صَدَقَةٌ مَثَلًا عَلَى فُلَانٍ، وَشَمِلَ قَوْلُهُ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءِ الْمَنْدُوبِ نَحْوُ أَنْتَ حُرٌّ إلَّا أَنَّهُ تَقَدَّمَ فَيُقَيَّدُ بِمَا لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ كَالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ، وَقَوْلُهُ مُعَلَّقٌ إلَخْ بِالرَّفْعِ صِفَةُ مَا يَجِبُ لِأَنَّ مَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
وَمَثَّلَ الْمُصَنِّفُ لِلْيَمِينِ فَقَالَ (كَبِاللَّهِ) وَاَللَّهِ وَتَاللَّهِ وَمِثْلُهُ الِاسْمُ الْمُجَرَّدُ مِنْ حَرْفِ الْقَسَمِ كَاَللَّهِ لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ (وَهَاللَّهِ) بِحَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ أَيْ الْوَاوِ وَإِقَامَةِ هَا التَّنْبِيهِ مَقَامَهُ (وَأَيْمُ اللَّهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَكَسْرِهِ، وَكَذَا أَمْ وَكَذَا أَصْلُهُمَا وَهُوَ أَيْمُنُ فَهَذِهِ سِتَّةٌ وَمُ وَمُنْ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ فِيهِمَا فَهَذِهِ ثِنْتَا عَشْرَةَ لُغَةً كُلٌّ مِنْهَا يَمِينٌ كَمَا صَوَّبَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَمَعْنَاهَا الْبَرَكَةُ الْقَدِيمَةُ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْحَادِثُ لَمْ تَكُنْ يَمِينًا، وَإِنْ لَمْ يُرَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَفِي كَلَامِ الْآبِي مَا يُفِيدُ أَنَّهَا يَمِينٌ.
(وَحَقِّ اللَّهِ) إنْ أَرَادَ عَظَمَتَهُ أَوْ اسْتِحْقَاقَهُ الْأُلُوهِيَّةَ أَوْ حُكْمَهُ أَوْ تَكْلِيفَهُ أَوْ لَمْ يُرَدْ شَيْءٌ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْحُقُوقُ الَّتِي لَهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَمَرَهُمْ بِهَا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ (وَالْعَزِيزِ) مِنْ عَزَّ يَعَزُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمُضَارِعِ أَيْ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الَّذِي لَا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ أَوْ بِكَسْرِهَا أَيْ الَّذِي لَا يَكَادُ يُوجَدُ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ الْفَرَّاءُ وَأَلْ فِيهِ لِلْكَمَالِ أَيْ الْكَامِلِ الْعِزَّةِ، وَيَصِحُّ جَعْلُهَا لِلْعَهْدِ الْحُضُورِيِّ، وَهَذَا مَا لَمْ يُرِدْ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزِيزًا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ.
(وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ) إذَا أُرِيدَ بِهِمَا الْمَعْنَى الْقَدِيمُ وَهُوَ وَصْفُهُ تَعَالَى الْقَدِيمُ الْبَاقِي، فَإِنْ أُرِيدَ عَظَمَتُهُ وَجَلَالُهُ اللَّذَانِ خَلَقَهُمَا فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ.
فَلَيْسَتَا بِيَمِينٍ (وَإِرَادَتِهِ) تَعَالَى وَلُطْفِهِ وَغَضَبِهِ وَرِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ وَمِيثَاقِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْحَادِثَ فِي الْخَلْقِ (وَكَفَالَتِهِ) أَيْ الْتِزَامِهِ تَعَالَى وَيَرْجِعُ لِكَلَامِهِ الْقَدِيمِ وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي.
(وَكَلَامِهِ وَالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ) إنْ نَوَى الْمَعْنَى الْقَدِيمَ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ
وَإِنْ قَالَ أَرَدْت وَثِقْت بِاَللَّهِ، ثُمَّ ابْتَدَأْت لَأَفْعَلَنَّ دُيِّنَ
[منح الجليل]
أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَإِنْ نَوَى الْمُنْزَلَ الْمُؤَلَّفَ مِنْ الْحُرُوفِ بِالْكَلَامِ وَالْقُرْآنِ وَبِالْمُصْحَفِ الْأَوْرَاقَ وَالْكِتَابَةَ وَالْجِلْدَ الْجَامِعَ لَهَا فَلَيْسَتْ يَمِينًا، وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي الْحَلِفِ بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى تَسْمِيَةِ الْمُنْزَلِ الْمُؤَلَّفِ قُرْآنًا وَاخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَةِ الْقَدِيمِ بِهِ وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ مُصْحَفًا
(وَإِنْ قَالَ) شَخْصٌ بِاَللَّهِ لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ فَقِيلَ لَهُ انْعَقَدَتْ عَلَيْك الْيَمِينُ وَلَزِمَك التَّرْكُ أَوْ الْفِعْلُ لِلْبِرِّ فَقَالَ لَمْ تَنْعَقِدْ لِأَنِّي (أَرَدْت) بِقَوْلِي بِاَللَّهِ (وَثِقْت) أَوْ اعْتَصَمْت (بِاَللَّهِ ثُمَّ ابْتَدَأْت) وَاسْتَأْنَفْت قَوْلِي (لَأَفْعَلَنَّ) أَوْ لَا فَعَلْت وَلَمْ أَجْعَلْهُ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ (دُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ وُكِلَ لِدِينِهِ وَقُبِلَ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ ثُمَّ ابْتَدَأْت لَأَفْعَلَنَّ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَبْتَدِ بِشَيْءٍ بَعْدَ بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ يُدَيَّنُ بِالْأَوْلَى حَيْثُ لَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ.
وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ وَثِقْت بِاَللَّهِ بِأَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ دُونَ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَهَاللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ بِاَللَّهِ بِالرَّحْمَنِ مَثَلًا، وَيُفِيدُ هَذَا قَوْلَ ابْنِ شَاسٍ أَوْ بِالرَّحْمَنِ وَبَحَثَ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ جَوَابًا لِقَسَمٍ.
أَمَّا فِي مِثْلِ لَأَفْعَلَنَّ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ مَا ادَّعَاهُ، وَجَوَابُهُ أَنَّ لَأَفْعَلَنَّ جَوَابُ قَسَمٍ
لَا بِسَبْقِ لِسَانِهِ.
وَكَعِزَّةِ اللَّهِ، وَأَمَانَتِهِ، وَعَهْدِهِ، وَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ؛ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمَخْلُوقَ،
[منح الجليل]
مُقَدَّرٍ وَلَيْسَ بِيَمِينٍ كَالْكَعْبَةِ.
وَأُخْرِجَ مِنْ مُقَدَّرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ دُيِّنَ أَيْ وَلَمْ تَلْزَمْهُ يَمِينٌ
فَقَالَ (لَا بِسَبْقِ لِسَانِهِ) إلَى الْيَمِينِ فَتَلْزَمُهُ الْيَمِينُ وَلَيْسَ مُخْرَجًا مِنْ قَوْلِهِ دُيِّنَ لِاقْتِضَائِهِ عَدَمَ قَبُولِ قَوْلِهِ مَعَ أَنَّهُ مَقْبُولٌ، وَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ لَهُ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهَا إلَى نِيَّةٍ كَمَا لِابْنِ عَرَفَةَ، وَفَائِدَةُ قَبُولِ قَوْلِهِ إنَّهُ إذَا قِيلَ لَهُ تَعَمَّدْت الْحَلِفَ عَلَى كَذَا فَحَلَفَ أَنَّهُ سَبَقَهُ لِسَانُهُ فَيُصَدَّقُ فِي يَمِينِهِ الثَّانِيَةِ، وَلَا تَلْزَمُهُ لِأَجْلِهَا كَفَّارَةٌ فَالْمُرَادُ بِسَبْقِ لِسَانِهِ غَلَبَتُهُ وَجَرَيَانُهُ لَا انْتِقَالُهُ مِنْ لَفْظٍ لِآخَرَ، فَإِنَّ هَذَا يُعْذَرُ بِهِ كَسَبْقِهِ فِي الطَّلَاقِ كَمَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ.
ابْنُ غَازِيٍّ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِسَبْقِ اللِّسَانِ أَنْ يَسْبِقَ اللَّفْظُ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ كَبَلَى وَاَللَّهِ لَا وَاَللَّهِ وَفِيهِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَغْوٍ.
وَذَهَبَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَالْأَبْهَرِيُّ إلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَالْعَبْدُوسِيُّ، فَحَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِرَدِّ النَّفْيِ لِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي بِرَدِّ النَّفْيِ لِقَوْلِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ لَا بِسَبْقِ لِسَانِهِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ بَعْدُ عَلَى تَفْسِيرِ اللَّغْوِ بِمَا يَعْتَقِدُهُ، فَظَهَرَ نَفْيُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَكَعِزَّةِ اللَّهِ) إنْ أَرَادَ بِهَا صِفَتَهُ تَعَالَى الْقَدِيمَةَ الْبَاقِيَةَ الَّتِي هِيَ مَنَعَتُهُ وَقُوَّتُهُ (وَأَمَانَتُهُ) أَيْ تَكْلِيفُهُ الرَّاجِعُ لِكَلَامِهِ الْقَدِيمِ (وَعَهْدِهِ) وَكَلَامُهُ الْقَدِيمُ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ خَلْقَهُ، وَمَحَلُّ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ أَمَانَتِهِ وَعَهْدِهِ يَمِينًا إنْ أَتَى مَعَهُ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ بِأَنْ قَالَ: وَأَمَانَةِ اللَّهِ، وَعَهْدِ اللَّهِ فَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الْمِثَالِ؛ لِأَنَّهُ لِبَيَانِ الصِّيَغِ الَّتِي تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهَا.
(وَعَلَى عَهْدِ اللَّهِ أَنْ يُرِيدَ) بِعِزَّةِ اللَّهِ وَمَا بَعْدَهُ الْمَعْنَى (الْمَخْلُوقَ) لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْعِبَادِ الْمُرَادِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: 180] ، وَمِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: 72] الْآيَةَ، وَمِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: 125] ، فَلَا تَنْعَقِدُ بِهَا يَمِينٌ وَيَكُونُ الْحَلِفُ بِهَا غَيْرَ مَشْرُوعٍ.
الْبِسَاطِيُّ لَا يَرْجِعُ
وَكَأَحْلِفُ، وَأُقْسِمُ، وَأَشْهَدُ؛ إنْ نَوَى وَأَعْزِمُ؛ إنْ قَالَ بِاَللَّهِ، وَفِي أُعَاهِدُ اللَّهَ: قَوْلَانِ، لَا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، أَوْ أُعْطِيك عَهْدًا، وَعَزَمْت عَلَيْك بِاَللَّهِ
[منح الجليل]
الِاسْتِثْنَاءُ لِعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ لِأَنَّ لَفْظَ عَلَيَّ وَإِضَافَةَ الْعَهْدِ إلَى اللَّهِ يَمْنَعَانِ إرَادَةَ الْمَخْلُوقِ، وَيَنْبَغِي رُجُوعُهُ لِمَا قَبْلَ الْكَافِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ وَحَقِّ اللَّهِ إلَخْ كَمَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ فِيهَا بِعَدَمِ إرَادَةِ الْحَادِثِ.
(وَكَأَحْلِفُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (وَأُقْسِمُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ (وَأَشْهَدُ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَمَاضِيهَا كَذَلِكَ (إنْ نَوَى) أَيْ قَدَّرَ (بِاَللَّهِ) عَقِبَهَا، وَأَوْلَى إنْ نَطَقَ بِهِ أَوْ بِصِفَتِهِ لِقَصْدِهِ إنْشَاءَ الْيَمِينِ حِينَئِذٍ.
وَمَفْهُومُ إنْ نَوَى بِاَللَّهِ أَنَّهُ إنْ نَوَى بِالنَّبِيِّ مَثَلًا أَوْ الْإِخْبَارَ كَاذِبًا فِي الْمَاضِي بِأَنَّهُ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ، أَوْ قَصَدَ بِمُضَارِعِهَا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْكُتْ مُخَاطِبُهُ يَحْلِفُ لَا يَفْعَلُ أَوْ لَيَفْعَلَنَّ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَلَوْ نَطَقَ بِاَللَّهِ.
(وَأَعْزِمُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَكَذَا عَزَمْت (إنْ قَالَ بِاَللَّهِ) لَا إنْ نَوَاهُ لِأَنَّ مَعْنَى أَعْزِمُ أَقْصِدُ وَأَهْتَمُّ، وَتَقْيِيدُهُ بِاَللَّهِ يُفِيدُ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْقَسَمِ (وَفِي) انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ (أُعَاهِدُ اللَّهَ) لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَعَدَمِ انْعِقَادِهَا بِهِ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا.
وَجْهُ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ بِهِ مَا قَصَدَ حُصُولَهُ أَوْ عَدَمَهُ دَلَّ عَلَى قَصْدِ الْحَلِفِ بِهِ، وَالثَّانِي بِأَنَّ الْعَهْدَ مِنْ الْعَبْدِ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، وَخَرَجَ أُبَايِعُ اللَّهَ عَلَى أُعَاهِدُ اللَّهَ (لَا) تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ (بِ) قَوْلِهِ (لَك عَلَيَّ عَهْدٌ) لَا فَعَلْت كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ (أَوْ) قَوْلِهِ (أُعْطِيك) بِضَمِّ الْهَمْزِ (عَهْدًا) عَلَى تَرْكِ كَذَا أَوْ فِعْلِهِ وَهَذَا بَعْضُ مَفْهُومِ قَوْلِهِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ وَمِثْلُهُمَا لَك عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، أَوْ أُعْطِيكَ عَهْدَ اللَّهِ، وَلَوْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا لَفُهِمَ مَا ذَكَرَهُ بِالْأَوْلَى.
(وَ) لَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ (عَزَمْت) أَوْ أَعْزِمُ (عَلَيْك بِاَللَّهِ) لَا تَفْعَلْ أَوْ لَتَفْعَلَنَّ وَأَعْزِمُ بِاَللَّهِ السَّابِقَةَ الَّتِي تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهَا لَيْسَ فِيهَا عَلَيْك وَحَلَفَ بِهَا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَهَذِهِ سَأَلَ بِهَا غَيْرَهُ وَأَقْسَمْت أَوْ حَلَفْت عَلَيْك بِاَللَّهِ لَا تَفْعَلْ أَوْ لَتَفْعَلَنَّ يَمِينٌ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْقَسَمِ فَلَمْ
وَحَاشَ اللَّهِ، وَمَعَاذَ اللَّهِ، وَاَللَّهُ رَاعٍ أَوْ كَفِيلٌ،
[منح الجليل]
يَصْرِفْهُ عَنْهُ، قَوْلُهُ عَلَيْك، بِخِلَافِ عَزَمْت فَإِنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلْقَسَمِ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَسْتَدْعِي التَّأْكِيدَ وَهُوَ يَكُونُ بِالْقَسَمِ فَفِيهَا شَائِبَتُهُ، فَإِنْ تَرَكَ مَعَهَا عَلَيْك صَارَتْ يَمِينًا وَإِلَّا فَلَا.
(وَ) لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِقَوْلِهِ (حَاشَا اللَّهَ) مَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَنْزِيهًا مِنَّا لَهُ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَلَامُ الْقَدِيمُ الدَّالُّ عَلَى تَنَزُّهِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، لَكِنَّهُ مَجَازٌ يَحْتَاجُ لِقَرِينَةٍ وَنِيَّةٍ.
وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَيْسَ يَمِينًا وَلَوْ أَتَى قَبْلَهُ بِوَاوِ الْقَسَمِ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَالْوَاوُ الَّتِي فِي الْمَتْنِ لِلْعَطْفِ.
(وَ) لَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ (مَعَادَ اللَّهِ) لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْعَوْدِ أَيْ الرُّجُوعِ مِنَّا لِلَّهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، أَوْ الْمُعْجَمَةِ أَيْ التَّحَصُّنِ مِنَّا وَالِاعْتِصَامِ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِذَلِكَ.
وَمَحَلُّ كَوْنِ حَاشَا اللَّهَ وَمَعَادَ اللَّهِ لَيْسَتَا يَمِينًا إنْ أَرَادَ الْحَادِثَ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا.
فَإِنْ أَرَادَ بِالْأُولَى كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمَ الدَّالَّ عَلَى تَنَزُّهِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أَوْ أَرَادَ بِمَعَادَ الذَّاتَ وَأَضَافَهُ لِلْبَيَانِ فَهُمَا يَمِينٌ.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ النَّوَادِرِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي مَعَادَ اللَّهِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْيَمِينَ.
وَقِيلَ فِي مَعَادَ اللَّهِ وَحَاشَا لِلَّهِ لَيْسَتَا بِيَمِينٍ بِحَالٍ.
(وَ) لَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ (اللَّهُ رَاعٍ) أَيْ حَافِظٌ (أَوْ كَفِيلٌ) أَيْ ضَامِنٌ لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ إنْ رَفَعَ الِاسْمَ الْكَرِيمَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إخْبَارٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْيَمِينَ كَمَا يُفِيدُهُ مَا ذَكَرَهُ التُّونُسِيُّ فِي اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ بِنَصَبِ الْجَلَالَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا نَوَى حَرْفَ الْقَسَمِ، وَنَصَبَ بِحَذْفِهِ فَيَمِينٌ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا فَلَا: إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْيَمِينَ.
وَأَمَّا إنْ جَرَّهُ لَحْنًا وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُهُ فَغَيْرُ يَمِينٍ عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِهِ، فَإِنْ قَصَدَ جَرَّهُ بِحَرْفِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ فَيَمِينٌ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْقَسَمَ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّهُ فَصَّلَ بَيْنَ وَاَللَّهِ وَبَيْنَ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ بِجُمْلَةٍ وَهِيَ رَاعٍ أَوْ كَفِيلٌ، وَمُبْتَدَؤُهُ الْمُقَدَّرُ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ يَمِينًا.
وَمِثْلُ اللَّهُ كَفِيلٌ عَلِمَ اللَّهُ.
الشَّيْخُ سَالِمٌ عَدَّ صَاحِبَ الْخِصَالِ مِمَّا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ يَعْلَمُ اللَّهُ وَفِي الْبَيَانِ إذَا قَالَ يَعْلَمُ اللَّهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ
وَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ، وَكَالْخَلْقِ، وَالْإِمَاتَةِ، أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ
[منح الجليل]
الْكَفَّارَةُ احْتِيَاطًا تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ عِلْمِ اللَّهِ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ.
سَحْنُونٌ إنْ أَرَادَ الْحَلِفَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ حُرُوفَ الْقَسَمِ قَدْ تُحْذَفُ.
(وَ) لَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ وَ (النَّبِيِّ) لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ (وَ) لَا بِقَوْلِهِ وَ (الْكَعْبَةِ) مَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ وَالْحَجَرِ وَالْبَيْتِ وَالْمَقَامِ وَمَكَّةَ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ، وَخَاتَمِ الصَّوْمِ الَّذِي عَلَى فَمِ الْعِبَادِ، وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ مِنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ مُعَظَّمٍ شَرْعًا.
وَفِي حُرْمَةِ الْحَلِفِ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَشَهَّرَهُ فِي الشَّامِلِ، وَكَرِهْتُهُ وَشَهَّرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ قَوْلَانِ، مَحَلُّهُمَا إنْ كَانَ صَادِقًا وَإِلَّا حَرُمَ اتِّفَاقًا.
بَلْ رُبَّمَا كَانَ بِالنَّبِيِّ كُفْرًا لِأَنَّهُ اسْتِهْزَاءٌ قَالَهُ الْحَطّ.
لَا يُقَالُ تَعْلِيلُهُ يُفِيدُ أَنَّهُ سَابٌّ لِأَنَّا نَقُولُ مَعْنَاهُ يُفِيدُ الِاسْتِهْزَاءَ لَا أَنَّهُ قَصَدَهُ.
وَأَمَّا الْحَلِفُ بِمَا لَيْسَ بِمُعَظَّمٍ شَرْعًا كَالدُّمَى وَالْأَنْصَابِ وَحَيَاةِ أَبِي وَرَأْسِ أَبِي وَتُرْبَةِ أَبِي فَلَا شَكَّ تَحْرِيمُهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ نَهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» ؛ قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سَمِعَ عُمَرَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فِي سَفَرٍ فَمَا حَلَفَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
(وَ) لَا تَنْعَقِدُ بِصِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ (كَالْخَلْقِ) وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ (وَالْإِمَاتَةِ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَبِمُثَنَّاتَيْنِ فَوْقِيَّتَيْنِ آخِرَهُ ضِدُّ الْإِحْيَاءِ.
ابْنُ يُونُسَ لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ أَفْعَالِهِ تَعَالَى كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، وَأَمَّا الْقَائِلُ وَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَالْمُحْيِي وَالْمُمِيتِ فَهَذَا حَالِفٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ دَلَّتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ عَلَى صِفَاتِ أَفْعَالِهِ.
(أَوْ) أَيْ لَا تَنْعَقِدُ إنْ قَالَ (هُوَ) أَيْ الْحَالِفُ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ دَفْعًا لِشَنَاعَةِ إسْنَادِ الْخَبَرِ الْآتِي لِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ (يَهُودِيٌّ) أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ أَوْ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ سَارِقٌ أَوْ زَانٍ أَوْ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ وَلَعْنَةُ اللَّهِ إنْ فَعَلَ كَذَا، أَوْ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ ثُمَّ حَنِثَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا يَرْتَدُّ وَلَوْ كَذَبَ فِي كَلَامِهِ لِقَصْدِهِ إنْشَاءَ الْيَمِينِ لَا الْإِخْبَارَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وَلِذَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَمِينٍ فَإِنَّهُ مُرْتَدٌّ وَلَوْ جَاهِلًا أَوْ هَازِلًا، وَخَبَرُ «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ
وَغَمُوسٌ: بِأَنْ شَكَّ، أَوْ ظَنَّ، وَحَلَفَ بِلَا تَبَيُّنِ صِدْقٍ،
[منح الجليل]
غَيْرَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ مُوَاقَعَةِ هَذَا اللَّفْظِ وَلَا يَرْتَدُّ مَنْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ لِيَغْتَرَّ بِهِ يَهُودِيَّةً لِيَتَزَوَّجَهَا مَثَلًا.
(وَ) لَا كَفَّارَةَ فِي يَمِينٍ (غَمُوسٍ) مُتَعَلِّقَةٍ بِمَاضٍ وَفَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ (بِأَنْ شَكَّ) الْحَالِفُ فِيمَا أَرَادَ الْحَلِفَ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ كَمَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ أَوْ لَا (أَوْ ظَنَّ) الْحَالِفُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَمَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ ظَنًّا غَيْرَ قَوِيٍّ وَأَوْلَى إنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ (وَحَلَفَ) عَلَى شَكِّهِ أَوْ ظَنِّهِ الضَّعِيفِ أَوْ تَعَمُّدِهِ الْكَذِبَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ (بِلَا تَبَيُّنِ صِدْقٍ) بِأَنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ أَوْ ظَنِّهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ فَلَيْسَتْ غَمُوسًا.
وَكَذَا إنْ جَزَمَ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا قَوِيًّا وَسَيَقُولُ وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ، وَكَذَا إنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ فِي ظَنِّي فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِحَالٍ أَوْ اسْتِقْبَالٍ كُفِّرَتْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
ابْنُ غَازِيٍّ قَوْلُهُ بِلَا تَبَيُّنِ صِدْقٍ مَفْهُومُهُ لَوْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ لَمْ تَكُنْ يَمِينٌ غَمُوسٌ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَمَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَقِيت فُلَانًا أَمْسِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَلَقِيَهُ أَمْ لَا ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ بَرَّ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ أَثِمَ.
وَكَانَ كَتَعَمُّدِ الْكَذِبِ فَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ، وَعَلَى هَذَا الْمُتَبَادَرِ حَمَلَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَلَيْهِ حَمَلَ ابْنُ عَتَّابٍ لَفْظَ الْعُتْبِيَّةِ فِيمَا يُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ، وَحَمَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ وَافَقَ الْبِرَّ فِي الظَّاهِرِ لَا أَنَّ إثْمَ جُرْأَتِهِ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْحَلِفِ شَاكًّا سَقَطَ عَنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تُزِيلُهُ إلَّا التَّوْبَةُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْفِقْهِ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَمِمَّنْ حَمَلَهَا عَلَى مُوَافَقَةِ الْبِرِّ لَا نَفْيِ إثْمِ الْحَلِفِ عَلَى الشَّكِّ وَإِنْ كَانَ دُونَ إثْمِ الْمُتَعَمِّدِ.
أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْحَالِفِ عَلَى شَكٍّ أَوْ ظَنٍّ إنْ صَادَفَ صِدْقًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ خَاطَرَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ الصَّوَابُ أَنَّهُ آثِمٌ وَسُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ، وَقِيلَ فِي الْإِثْمِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ حَاصِلٌ أَيْ مَوْجُودٌ بِخِلَافِ الْغَمْسِ فِي النَّارِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُحَقَّقًا، إذْ فَاعِلُ الذَّنْبِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا تَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ النَّارُ.
وَأُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَغْمِسُهُ فِي النَّارِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا
وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ، وَإِنْ قَصَدَ بِكَالْعُزَّى: التَّعْظِيمَ، فَكُفْرٌ.
وَلَا لَغْوٍ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ؛
[منح الجليل]
بِسَبَبِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهَا دُخُولُهَا.
(وَلْيَسْتَغْفِرْ) الْقَائِلُ هُوَ يَهُودِيٌّ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ وَمَا بَعْدَهُ (اللَّهَ) أَيْ يَتُبْ وُجُوبًا بِأَنْ يَنْدَمَ وَيُقْلِعَ وَيَعْزِمَ عَلَى عَدَمِ عَوْدِهِ لِمِثْلِهِ، هَذِهِ حَقِيقَةُ الِاسْتِغْفَارِ (وَإِنْ قَصَدَ) الْحَالِفُ (بِكَالْعُزَّى) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ مُشَدَّدَةً مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى كَاللَّاتِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَالْمَسِيحِ وَالْعُزَيْر (التَّعْظِيم) لِلْمَحْلُوفِ بِهِ مِنْهُمْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْبُودًا أَوْ مَنْسُوبًا إلَيْهِ فِعْلٌ كَالْأَزْلَامِ (فَ) حَلِفُهُ (كُفْرٌ) لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ خَاصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِشْرَاكٌ فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَعْظِيمًا فَحَرَامٌ اتِّفَاقًا فِي الْأَصْنَامِ، وَعَلَى خِلَافٍ سَبَقَ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَكُلِّ مُعَظَّمٍ شَرْعًا وَالْأَزْلَامُ وَاحِدُهَا زَلَمٌ كَجَمَلٍ خَشَبَةُ السَّهْمِ بِلَا نَصْلٍ كَانُوا إذَا قَصَدُوا أَمْرًا كَتَبُوا عَلَى وَاحِدٍ أَمَرَنِي رَبِّي وَعَلَى آخَرَ نَهَانِي رَبِّي وَعَلَى آخَرَ غَفَلَ، وَخَلَطُوهَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَخْرَجُوا وَاحِدًا فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ أَمَرَنِي رَبِّي فَعَلُوا وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ نَهَانِي رَبِّي كَفُّوا، وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ غَفَلَ أَعَادُوا الضَّرْبَ.
عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ يَحْلِفُ (وَلَا) كَفَّارَةَ فِي يَمِينٍ (لَغْوٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَاضٍ أَوْ حَالٍ وَفَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ يَحْلِفُ (عَلَى مَا) أَيْ شَيْءٍ (يَعْتَقِدُهُ) أَيْ يَجْزِمُ بِهِ حَالَ حَلِفِهِ (فَظَهَرَ) بَعْدَ حَلِفِهِ (نَفْيُهُ) أَيْ مُخَالَفَتُهُ لِاعْتِقَادِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَاضِيًا اتِّفَاقًا أَوْ حَالًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمُسْتَقْبَلٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتُهَا فَالْغَمُوسُ وَاللَّغْوُ إنْ تَعَلَّقَتَا بِمَاضٍ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَعَلَّقَتَا بِمُسْتَقْبَلٍ كُفِّرَتَا اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَعَلَّقَتَا بِحَالٍ كُفِّرَتْ الْغَمُوسُ دُونَ اللَّغْوِ.
عج:
كَفِّرْ غَمُوسًا بِلَا مَاضٍ تَكُونُ كَذَا ... لَغْوٌ بِمُسْتَقْبَلٍ لَا غَيْرُ فَامْتَثِلَا
الْبُنَانِيُّ هَذَا مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ فِي اللَّغْوِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ فِي الْغَمُوسِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَعْرُوفُ لَا لَغْوٌ وَلَا غَمُوسٌ فِي مُسْتَقْبَلٍ، وَتَعْلِيقُ ابْنِ الْحَاجِبِ اللَّغْوَ بِهِ لَا أَعْرِفُهُ وَقَبُولُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَوْلُهُ يَتَأَتَّى فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْمَاضِي
وَلَمْ ولَمْ يُفِدْ فِي غَيْرِ اللَّهِ:
[منح الجليل]
وَالْحَالِ وَأَكْثَرُ كَلَامِ الشُّيُوخِ فِيهِمَا يَرِدُ بِأَنَّ شَأْنَ الْعِلْمِ الْحَادِثِ تَعَلُّقُهُ بِمَا وَقَعَ لَا بِالْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّهُ غَيْبٌ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْكَفَّارَةِ فِي حَلِفِهِ عَلَى مَا وَقَعَ تَرْكُهَا فِي حَلِفِهِ جَزْمًا عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ لِعُذْرِ الْأَوَّلِ وَجُرْأَةِ الثَّانِي.
التُّونُسِيُّ الْأَشْبَهُ فِي مُسْتَقْبَلٍ مُمْتَنِعٍ كَوَاللَّهِ لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ غَدًا أَنَّهُ غَمُوسٌ.
قُلْت هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهَا عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ الصِّقِلِّيُّ مَنْ حَلَفَ مُهَدِّدًا بَعْضَ أَهْلِهِ مُجْمِعًا عَلَى الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ بِيَمِينِهِ لَمْ يَأْثَمْ.
قُلْت ظَاهِرُهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُهَدِّدٍ أَثِمَ اهـ. وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ الْمَشْهُورُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْغَمُوسِ وَاللَّغْوِ هُوَ الْمَاضِي لَكِنْ اخْتَارَ التُّونُسِيُّ أَنْ تَكُونَ الْغَمُوسُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْمُمْتَنِعِ عَقْلًا أَوْ عَادَةً اُنْظُرْ الْحَطّ.
(وَلَمْ يُفِدْ) لَغْوُ الْيَمِينِ (فِي) الْحَلِفِ بِ (غَيْرِ اللَّهِ) تَعَالَى وَالنَّذْرُ الْمُبْهَمُ وَالْيَمِينُ وَالْكَفَّارَةُ مِنْ عِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَحَجٍّ وَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُوجِبُ الْحِنْثَ فِيهِ غَيْرَ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ وَظَهَرَ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا حَلَفَ بِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ لَقَدْ دَفَعَ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ لِبَائِعِهَا فَبَانَ أَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَهُ لِأَخِيهِ فَقَالَ: مَا كُنْت ظَنَنْت أَنِّي دَفَعْته إلَّا لِلْبَائِعِ، قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَحْنَثُ اهـ. بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ فَيُفِيدُ اللَّغْوَ فِيهَا لِأَنَّهَا الْيَمِينُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] ، وَهِيَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ.
وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَالْمَشْيُ وَالصَّدَقَةُ فَلَيْسَتْ أَيْمَانًا شَرْعِيَّةً وَإِنَّمَا هِيَ الْتِزَامَاتٌ، وَلِذَا لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا حُرُوفُ الْقَسَمِ وَكَانَ الْحَلِفُ بِهَا مَمْنُوعًا وَمِثْلُهَا النَّذْرُ الْمُبْهَمُ أَيْ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ مَخْرَجُهُ كَحَلِفِهِ بِهِ عَلَى شَخْصٍ مُقْبِلٍ أَنَّهُ زَيْدٌ أَوْ إنْ
كَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ، إنْ قَصَدَهُ: كَإِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، أَوْ يُرِيدَ، أَوْ يَقْضِيَ: عَلَى الْأَظْهَرِ،
[منح الجليل]
لَمْ يَكُنْ زَيْدًا فَعَلَيَّ نَذْرٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَمْرٌو فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِفَادَةِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَعَدَمِهَا فِي غَيْرِهَا فَقَالَ (كَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ) فَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ أَوْ عَلَيَّ نَذْرٌ لَا أَفْعَلُ كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَصَدَهُ إلَى آخِرِ شُرُوطِهِ ثُمَّ حَنِثَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (إنْ قَصَدَهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءَ أَيْ حَلَّ الْيَمِينُ فَإِنْ سَبَقَهُ لِسَانُهُ إلَيْهِ أَوْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ فَلَا يُفِيدُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَيْضًا.
وَإِنْ قَالَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ إنْ فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَحَنِثَ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَإِنْ قَصَدَهُ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِفَادَةِ فِي اللَّهِ وَعَدَمِهَا فِي غَيْرِهِ فَقَالَ (كَإِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ يُرِيدَ أَوْ يَقْضِيَ) فَيُفِيدُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا وَلَا يُفِيدُ فِي غَيْرِهَا (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ الْخِلَافِ فِي إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَوْ يَقْضِيَ وَلَا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إذْ لَا خِلَافَ فِيهِ خِلَافَ مَا يُوهِمُهُ لَفْظُهُ مِنْ رُجُوعِهِ لِلثَّلَاثَةِ.
ابْنُ غَازِيٍّ قَوْلُهُ كَإِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ يُرِيدَ أَوْ يَقْضِيَ عَلَى الْأَظْهَرِ، أَيْ فِي الْأَخِيرَيْنِ، أَشَارَ بِهِ لِمَا فِي رَسْمٍ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ.
وَمَنْ حَلَفَ لَا فَعَلَ كَذَا إلَّا أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ أَوْ يُرِيدَ غَيْرَهُ، فَلَيْسَ اسْتِثْنَاءً.
عِيسَى هُوَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى اسْتِثْنَاءٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَحَمَلَهُ ابْنُ حَارِثٍ وَابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَاخْتَارَ قَوْلَ عِيسَى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَظَاهِرُ النَّوَادِرِ حَمْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ فَلَا يَكُونُ خِلَافًا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِسَمَاعِهِ إيَّاهُ فِي الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ.
مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا إلَّا أَنْ يُقَدَّرَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ فَعَلَهُ حَنِثَ.
ابْنُ رُشْدٍ لِأَشْهَبَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَالنَّظَرُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَضَاءِ اللَّهِ أَوْ قَدَرِهِ أَوْ مَشِيئَتِهِ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى أَنَّهُ يَنْفَعُهُ فِي الْمَشِيئَةِ فَقَطْ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ نَفَعَهُ اسْتِثْنَاؤُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ.
وَقَالَ ابْنُ دَحُونٍ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ عَلَى قِيَاسِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ اهـ.
وَهَلْ الِاسْتِثْنَاءُ رَافِعٌ لِلْكَفَّارَةِ فَقَطْ أَوْ حَلٌّ لِلْيَمِينِ مِنْ أَصْلِهَا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ
وَأَفَادَ بِكَإِلَّا فِي الْجَمِيعِ، إنْ اتَّصَلَ، إلَّا لِعَارِضٍ، وَنَوَى الِاسْتِثْنَاءَ، وَقَصَدَ.
[منح الجليل]
مَعَ الْقَاضِي وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ.
وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ مَا حَلَفَ وَفِيمَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فَحَلَفَ وَاسْتَثْنَى فَيَحْنَثُ فِيهِمَا عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَفِّرُ فَحَلَفَ وَاسْتَثْنَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِمَا.
(وَأَفَادَ) الِاسْتِثْنَاءُ (بِكَإِلَّا) وَخَلَا وَعَدَا وَحَاشَا وَلَيْسَ وَلَا يَكُونُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ شَرْطٍ وَصْفَةٍ كَمَا لِابْنِ رُشْدٍ وَغَايَةٍ وَبَدَلِ بَعْضٍ، نَحْوُ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا إلَّا يَوْمَ كَذَا، أَوْ إنْ ضَرَبَنِي أَوْ ابْنُ عَمْرٍو أَوْ إلَى وَقْتِ كَذَا أَوْ لَا أُكَلِّمُ الرَّجُلَ ابْنَ عَمْرٍو (فِي الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ الْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ أَوْ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ.
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ أَيْ جَمِيعُ مُتَعَلِّقَاتِ الْيَمِينِ مُسْتَقْبَلَةٌ وَمَاضِيَةٌ كَانَتْ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً أَوْ غَمُوسًا، كَذَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَمَنْ حَلَفَ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْبَحْرَ أَوْ يَحْمِلُ الْجَبَلَ أَوْ يُمِيتُ الْمَيِّتَ ثُمَّ اسْتَثْنَى فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ فَائِدَةُ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَحَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَيْمَانِ مَعْنَاهُ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ إلَّا وَاحِدَةً نَفَعَهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِهِ (إنْ اتَّصَلَ) الِاسْتِثْنَاءُ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا وَالْمُعْتَبَرُ اتِّصَالُهُ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ حَيْثُ تَعَلَّقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ وَأَمَّا إنْ تَعَلَّقَ بِالْمُقْسَمِ بِهِ أَيْ بِعَدَدِهِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا يَكُونُ هَذَا إلَّا بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا فَهَلْ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالْمُقْسَمِ بِهِ نَحْوُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً لَا يَفْعَلُ، كَذَا أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ أَوْ يَكْتَفِي بِاتِّصَالِهِ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ نَحْوُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا لَا يَفْعَلُ كَذَا، أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ إلَّا وَاحِدَةً خِلَافٌ، فَإِنْ انْفَصَلَ لَمْ يُفِدْ كَانَ مَشِيئَةً أَوْ غَيْرَهَا.
(إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْفَصْلُ (لِعَارِضٍ) لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ كَسُعَالٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ انْقِطَاعِ نَفَسٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَوْ تَثَاؤُبٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ أَوْ تَكَرَّرَتْ لَا رَدٍّ لِسَلَامٍ وَحَمْدِ عَاطِسٍ وَتَشْمِيتِهِ فَيَضُرُّ (وَنَوَى الِاسْتِثْنَاءَ) أَيْ النُّطْقُ بِهِ لَا إنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِلَا قَصْدٍ بَلْ سَهْوًا فَلَا يُفِيدُ مَشِيئَةً أَوْ غَيْرَهَا (وَقَصَدَ) بِهِ حَلَّ الْيَمِينِ مِنْ أَوَّلِ النُّطْقِ
وَنَطَقَ بِهِ وَإِنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانٍ؛ إلَّا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا: كَالزَّوْجَةِ فِي: " الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ "
[منح الجليل]
بِاَللَّهِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ الْيَمِينِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ بِلَا فَصْلٍ وَلَوْ بِتَذْكِيرٍ، كَقَوْلِ شَخْصٍ لِلْحَالِفِ قُلْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَيَقُولُهَا عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِلَا فَصْلٍ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ احْتِرَازًا مِنْ قَصْدِ التَّبَرُّكِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ وَمِنْ عَدَمِ الْقَصْدِ لِشَيْءٍ.
وَلَيْسَ مَا هُنَا بِتَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا إنْ قَصَدَهُ لِأَنَّهُ هُنَاكَ قَيَّدَ فِي عَدَمِ الْإِفَادَةِ فِي غَيْرِ اللَّهِ فَمَفْهُومُهُ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ أَحْرَى، وَهَذَا قَيْدٌ فِي الْإِفَادَةِ فَمَفْهُومُهُ مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ وَإِنْ أَمْكَنَ الِاكْتِفَاءُ بِأَحَدِهِمَا.
(وَنَطَقَ بِهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ جَهْرًا بَلْ (وَإِنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ) إنْ لَمْ يَحْلِفْ فِي حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَوْ شَرْطٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ عَقْدِ بَيْعٍ وَإِلَّا لَمْ يَنْفَعْهُ عِنْدَ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ وَابْنِ الْمَوَّازِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ عَلَى نِيَّةِ الْمُحَلِّفِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَهُوَ لَا يَرْضَى بِاسْتِثْنَائِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَاسْتَثْنَى مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ أَيْ وَلَا يَكْفِي فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْيَمِينِ النِّيَّةُ أَوَّلًا الَّتِي لَمْ يَصْحَبْهَا لَفْظُ اسْتِثْنَاءٍ فَقَالَ (إلَّا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ أَيْ ابْتِدَاءً قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْيَمِينِ فَتَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ حِينَئِذٍ وَلَوْ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْلِفُ أَمْ لَا إلَّا فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ فَلَا يَنْفَعُهُ الْعَزْلُ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي الشَّامِلِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّيْخِ سَالِمٍ وَلَمَّا كَانَ الْمُخَصَّصُ اسْتِثْنَاءً يُشْتَرَطُ فِيهِ النُّطْقُ كَمَا مَرَّ وَمُحَاشَاةً لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا النُّطْقُ، بَلْ النِّيَّةُ فِيهَا كَافِيَةٌ أَخْرَجَهَا مِنْ شَرْطِ النُّطْقِ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَعْزِلَ الْحَالِفُ شَيْئًا بِنِيَّتِهِ فِي يَمِينِهِ أَيْ يُخْرِجُهُ ثُمَّ يُصْدِرُهَا عَلَى مَا سِوَاهُ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ الْعَزْلُ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِأَشَدِّ الْأَشْيَاءِ فَقَالَ (كَ) عَزْلِ (الزَّوْجَةِ) أَوَّلًا (فِي) الْحَلِفِ بِ (الْحَلَالِ) أَوْ كُلِّ حَلَالٍ (عَلَيَّ حَرَامٌ) لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، ثُمَّ فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ أَوْ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهِ فِي الثَّانِي فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي الزَّوْجَةِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ إخْرَاجٌ لِمَا دَخَلَ فِي الْيَمِينِ أَوَّلًا فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا مِنْ طَرَيَان نِيَّةِ الْعَزْلِ بَعْدَ النُّطْقِ بِالْيَمِينِ فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ
وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ
[منح الجليل]
نُطْقًا مُتَّصِلًا وَقَصْدُ حِلِّ الْيَمِينِ بِهِ وَنِيَّةُ مَا عَدَاهَا لَا تُوجِبُ تَحْرِيمًا لِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا سَيَقُولُ وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ لَغْوٌ (وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ) أَيْ الْمُسَمَّاةُ بِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَهِيَ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَ الْحَلَالِ وَأَرَادَ بِهِ مَا عَدَا الزَّوْجَةَ فَلَمْ يُرِدْ عُمُومَهُ لَا تَنَاوُلًا وَلَا حُكْمًا فَهُوَ كُلِّيٌّ اُسْتُعْمِلَ فِي جُزْئِيٍّ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهَا مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وَهُوَ الَّذِي عُمُومُهُ مُرَادٌ تَنَاوُلًا لَا حُكْمًا لِقَرِينَةِ التَّخْصِيصِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَالْقَوْمُ فِي قَوْلِنَا قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ حَتَّى زَيْدٍ وَالْحُكْمُ بِالْقِيَامِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا عَدَاهُ فَلَا يُقَالُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ إخْبَارٌ عَنْ زَيْدٍ بِأَنَّهُ قَامَ وَبِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ.
فَإِنْ قُلْت مَا الْمَانِعُ مِنْ انْدِرَاجِ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ فَالْحَلَالُ فِي قَوْلِهِ الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ حَتَّى الزَّوْجَةِ، وَالْحُكْمُ بِالتَّحْرِيمِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا عَدَاهَا كَمَا فِي قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا.
قُلْت عَدَمُ الْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهَا، وَالنِّيَّةُ خَفِيَّةٌ فَلَيْسَتْ قَرِينَةً لَفْظِيَّةً أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ مَا فَسَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ الْمُحَاشَاةَ أَصْلُهُ لِابْنِ مُحْرِزٍ وَتَبِعَهُ اللَّخْمِيُّ وَفَسَّرَ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ الْمُدَوَّنَةَ وَقَبِلَهُ ابْنُ نَاجِي عَلَيْهَا وَنَقَلَهُ الْحَطّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ النِّيَّةَ الْمُخَصِّصَةَ إنْ كَانَتْ أَوَّلًا نَفَعَتْ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَثْنَاءِ لَمْ تَنْفَعْ وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ لَفْظًا وَتَعَقَّبَهُ مُصْطَفَى بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا اشْتِرَاطُ الْأَوَّلِيَّةِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا كَالنِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ.
الْقَرَافِيُّ الْمُحَاشَاةُ هِيَ التَّخْصِيصُ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَلَيْسَتْ شَيْئًا غَيْرَ التَّخْصِيصِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ شَرْطُ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ حُصُولُهَا قَبْلَ تَمَامِ الْيَمِينِ فَهِيَ بَعْدَهَا وَلَوْ وَصَلَتْ بِهَا لَغْوٌ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ تَفْصِيلَ ابْنِ مُحْرِزٍ ثَالِثًا مُقَابِلًا لِلْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ تَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ وَلَوْ فِي الْأَثْنَاءِ، وَنَسَبَهُ ابْنُ هَارُونَ لِلْمُدَوَّنَةِ وَسَلَّمَ ابْنُ عَرَفَةَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ فَعَلَى الْمُصَنِّفِ اعْتِمَادُ الْمَشْهُورِ وَإِسْقَاطُ لَفْظِ أَوَّلًا.
ثَانِيهِمَا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَمَنْ تَبِعَهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُحَاشَاةَ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ وَأَنَّ مَسْأَلَةَ الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا خَاصَّةٌ
وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ،
[منح الجليل]
بِمَسْأَلَةِ الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ لِإِطْلَاقِهِمْ فِي النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مَعَ الْمُرَافَعَةِ، وَقَالُوا فِي الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ تُقْبَلُ الْمُحَاشَاةُ وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ، وَلَفَرَّقَ الْبَاجِيَّ بَيْنَ قَبُولِ الْمُحَاشَاةِ مُطْلَقًا وَبَيْنَ التَّفْصِيلِ فِي النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ بِأَنَّ مَا يُحْلَفُ بِهِ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ، لِأَنَّ أَصْلَ الْأَيْمَانِ هِيَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَلِذَا لَوْ قَالَ الْحَالِفُ عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَجَازَ أَنْ يَقُولَ أَرَدْت وَاحِدَةً، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ لِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا كَلَّمْت رَجُلًا حُمِلَ عَلَى الْعُمُومِ، وَأَيْضًا الْبَاجِيَّ أَجْرَى إخْرَاجَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ بِالنِّيَّةِ مِنْ الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي مُحَاشَاةِ الزَّوْجَةِ مِنْ الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ، فَلَوْ كَانَتْ قَاعِدَةً مُطَّرِدَةً مَا احْتَاجَ إلَى هَذَا الْإِجْزَاءِ اهـ. الْبُنَانِيُّ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ نَظَرٌ فَإِنَّ كَلَامَ الْبَاجِيَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ.
طفي مِنْ التَّخْصِيصِ بَلْ عَلَى أَنَّهَا قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي كُلِّ مَحْلُوفٍ بِهِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ دُونَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْإِجْزَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ بَلْ يُفِيدُ اسْتِوَاءَ الْحُكْمِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا لَا يَأْبَى ذَلِكَ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ الْقِيَاسُ لَا يُصَدِّقُ الْقَائِلَ الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ إنْ ادَّعَى مُحَاشَاةَ زَوْجَتِهِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ لِادِّعَائِهِ خِلَافَ، ظَاهِرِ لَفْظٍ كَحَالِفٍ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَقَالَ نَوَيْت شَهْرًا، وَتَصْدِيقُهُ فِي الزَّوْجَةِ اسْتِحْسَانٌ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْيَمِينِ.
اهـ. فَانْظُرْ قَوْلَهُ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يُفِيدُ قَبُولَ النِّيَّةِ فِي أَصْلِ كُلِّ يَمِينٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا أَفَادَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَنَّ الْمُحَاشَاةَ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ كَمَا قَالَ لِإِطْلَاقِهِمْ قَبُولَ الْمُحَاشَاةِ وَتَفْصِيلِهِمْ فِي النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ، وَأَنَّ مَا ادَّعَاهُ طفي مِنْ تَخْصِيصِهَا بِ الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ لَمْ يَقُمْ لَهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَإِنْ ادَّعَى اطِّرَادَهَا فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ فَقَطْ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْبَاجِيَّ لَمْ يَبْعُدْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفِي النَّذْرِ) أَيْ الْتِزَامِ الْمَنْدُوبِ (الْمُبْهَمِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ الَّذِي لَمْ يُعَيِّنْ النَّاذِرُ فِيهِ نَوْعَ الْعِبَادَةِ الَّذِي يُوَفِّي نَذْرَهُ مِنْهُ كَلِلَّهِ عَلَيْهِ نَذْرًا وَإِنْ فَعَلْت أَوْ
الْيَمِينِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَالْمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ بِإِنْ فَعَلْت، وَلَا فَعَلْت، أَوْ حِنْثٍ بِلَأَفْعَلَن أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ؛
[منح الجليل]
إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ فَعَلَيْهِ نَذْرٌ، أَوْ إنْ فَعَلَ أَوْ إنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ نَذْرٌ (وَ) فِي الْتِزَامِ (الْيَمِينِ) كَلِلَّهِ عَلَيْهِ يَمِينٌ أَوْ عَلَيْهِ يَمِينٌ أَوْ إنْ فَعَلَ أَوْ إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيْهِ يَمِينٌ أَوْ فَعَلَيْهِ يَمِينٌ.
ابْنُ عَاشِرٍ هَذَا مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يَجْرِيَ الْعُرْفُ فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ، فَإِنْ جَرَى بِهِ لَزِمَ وَبِهِ جَرَتْ الْفُتْيَا فِي بَلَدِنَا فَاسَ اهـ. الْبُنَانِيُّ وَالطَّلَاقُ اللَّازِمُ بِهَا رَجْعِيٌّ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَنْشَرِيسِيُّ وَالْقَصَّارُ وَعَبْدُ الْقَادِرِ وَغَيْرُهُمْ.
(وَ) فِي الْتِزَامِ (الْكَفَّارَةِ) كَلِلَّهِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَوْ إنْ فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ فَلِلَّهِ عَلَيْهِ أَوْ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (وَ) فِي الْيَمِينِ الَّتِي تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهَا (الْمُنْعَقِدَةُ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْغَمُوسِ الْمَاضِيَةِ وَاللَّغْوِ الْمَاضِيَةِ أَوْ الْحَالِيَّةِ (عَلَى بِرٍّ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدَّ الرَّاءِ أَيْ عَدَمِ فِعْلِ وَتَرْكِ الْمُصَوَّرَةِ (بِإِنْ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ لَا (فَعَلْت) أَيْ أَفْعَلُ (وَ) بِمَعْنَى أَوْ (لَا فَعَلْت) أَيْ أَفْعَلُ وَلَا يُعْتَبَرُ رَدُّهَا إلَى صِيغَةِ الْحِنْثِ بِتَقْدِيرِ التَّرْكِ كَوَاللَّهِ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا أَوْ لَا كَلَّمْتُهُ فَإِنَّهَا تُرَدُّ بِهِ إلَيْهَا بِنَحْوِ لَأَتْرُكَنَّ كَلَامَهُ، وَيُعْتَبَرُ رَدُّهَا إلَيْهَا بِتَقْدِيرِ غَيْرِهِ كَوَاللَّهِ إنْ عَفَوْت أَوْ لَا عَفَوْت عَنْ زَيْدٍ أَوْ إنْ أَقَمْت أَوْ لَا أَقَمْت فِي هَذَا الْبَلَدِ مَثَلًا فَهِيَ صِيغَةُ حِنْثٍ، إذْ مَعْنَاهَا فِي الْأَوَّلِ لَأُطَالِبَنَّهُ، وَفِي الثَّانِي لَأَنْتَقِلَنَّ نَقَلَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
فَإِنْ قُلْت يُمْكِنُ تَقْدِيرُ التَّرْكِ فِي هَذَيْنِ أَيْضًا أَيْ لَأَتْرُكَنَّ الْعَفْوَ عَنْهُ فِي الْأَوَّلِ وَلَأَتْرُكَنَّ الْإِقَامَةَ بِهِ فِي الثَّانِي فَمَا الْمُرَجِّحُ لِتَقْدِيرِ غَيْرِهِ.
قُلْت الْمُرَجِّحُ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَأَنْتَقِمَنَّ فِي الْأَوَّلِ وَلْأَنْتَقِلَنَّ فِي الثَّانِي مُسْتَفَادَةٌ مِنْ لَفْظِ إنْ عَفَوْت وَإِنْ أَقَمْت وَهُوَ أَقْوَى مِمَّا اُسْتُفِيدَ مِنْ الْمَعْنَى، وَأَيْضًا إمْكَانُ الرَّدِّ بِالتَّرْكِ لَا يُعْتَبَرُ لِعُمُومِهِ فِي كُلِّ صِيغَةِ بِرٍّ، وَالْمُعْتَبَرُ إنَّمَا هُوَ إمْكَانُ الرَّدِّ بِغَيْرِهِ فَحَيْثُ وُجِدَ كَانَتْ الصِّيغَةُ حِنْثًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) الْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ عَلَى (حِنْثٍ) أَيْ فِعْلِ الْمُصَوَّرَةِ (بِلَأَفْعَلَنَّ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ) وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا رَدُّهَا إلَى صِيغَةِ الْبِرِّ بِتَقْدِيرِ لَفْظِ تَرْكٍ وَغَيْرِهِ عَلَى ظَاهِرِ مَا لِابْنِ الْمَوَّازِ، وَإِنْ فِي صِيغَتَيْ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ نَافِيَةٌ إنْ لَمْ يُذْكَرْ لَهَا جَوَابٌ، وَمَعْنَاهَا فِي الْحِنْثِ حِينَئِذٍ لَأَفْعَلَنَّ
إنْ لَمْ يُؤَجَّلْ: إطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ: لِكُلٍّ مُدٌّ،
[منح الجليل]
لِأَنَّهَا نَافِيَةٌ وَلَمْ نَافِيَةٌ وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَإِنْ ذُكِرَ لَهَا جَوَابٌ فَشَرْطِيَّةٌ فِيهِمَا.
وَقَيَّدَ صِيغَتَيْ الْحِنْثِ بِقَوْلِهِ (إنْ لَمْ يُؤَجِّلْ) الْحَالِفُ يَمِينَهُ بِأَنْ أَطْلَقَهَا نَحْوُ وَاَللَّهِ لَأُكَلِّمَنَّ زَيْدًا أَوْ وَاَللَّهِ لَا أُقِيمُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ إنْ لَمْ أُكَلِّمْهُ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْمَوْتِ، فَإِنْ أَجَّلَ فَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَحَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ إلَخْ، وَالتَّأْجِيلُ بِأَنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَثَلًا بِأَنْ جَعَلَ الْيَوْمَ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ بِأَنْ جَعَلَ وُقُوعَ الْفِعْلِ بَعْدَهُ، وَتَتَّفِقُ الصُّورَتَانِ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْمَحْلُوفِ بِهَا فِي حَلِفِهِ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فِي الْأَجَلِ الَّذِي جَعَلَهُ ظَرْفًا أَوْ جَعَلَ حُصُولَ الْفِعْلِ بَعْدَهُ.
وَتَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ فِعْلَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ يَبَرُّ بِهِ وَإِذَا مَضَى وَلَمْ يَفْعَلْهُ حَنِثَ وَلَا يَبَرُّ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي قَبْلَ وُجُودِ زَمَنِهِ الْمُعَلَّقِ فِعْلُهُ عَلَى وُجُودِهِ، فَإِذَا مَضَى مُنِعَ مِنْ وَطْءِ الْمَحْلُوفِ بِطَلَاقِهَا أَوْ عِتْقِهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ نَفَى وَلَمْ يُؤَجِّلْ مُنِعَ مِنْهَا أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ هَذَا نَحْوُ تَمْثِيلِ التَّوْضِيحِ الْمُؤَجَّلَةِ بِلَأَضْرِبَنَّ فُلَانًا بَعْدَ شَهْرٍ، وَنَازَعَهُ سَالِمٌ فِي تَمْثِيلِهِ بِهِ وَالصَّوَابُ لِأَضْرِبَنَّهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَوْ قَبْلَ شَهْرِ كَذَا، وَهُوَ نِزَاعٌ حَسَنٌ قَالَهُ طفي فِي أَجْوِبَتِهِ، وَمُبْتَدَأٌ فِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ إلَخْ.
(إطْعَامُ) أَيْ تَمْلِيكٌ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرَادَ تَبَرُّكًا بِمَادَّةِ الْآيَةِ وَعَدَلَ عَنْهُ فِي الظِّهَارِ إلَى تَمْلِيكٍ تَفَنُّنًا (عَشْرَةِ مَسَاكِينَ) أَيْ لَا يَمْلِكُونَ قُوتَ عَامٍ فَشَمِلُوا الْفُقَرَاءَ أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ فَتُدْفَعُ لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا الْفَقِيرَيْنِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ
وَالْمُعْتَبَرُ مَسَاكِينُ مَحَلِّ الْحِنْثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلُّ الْيَمِينِ وَلَا بَلَدُ الْحَالِفِ (لِكُلِّ) مِنْهُمْ (مُدٌّ) نَبَوِيٌّ مِلْءُ حِفَانٍ مُتَوَسِّطٍ لَا مَقْبُوضٍ وَلَا مَبْسُوطٍ مِمَّا يُخْرَجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَلَا تُشْتَرَطُ غَرْبَلَتُهُ إلَّا إذَا زَادَ غَلَّتُهُ عَلَى ثُلُثِهِ وَيُجْزِئُ الدَّقِيقُ بِرِيعِهِ اهـ عب.
طفي هَذَا فِي الْبُرِّ أَبُو الْحَسَنِ فَإِنْ أَخْرَجَ الشَّعِيرَ أَوْ التَّمْرَ أَوْ الذُّرَةَ أَوْ غَيْرَهَا فَلْيُخْرِجْ وَسَطَ الشِّبَعِ مِنْهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ قَدْرَ وَسَطِ الشِّبَعِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ قَدْرَ مَبْلَغِ شِبَعِ الْبُرِّ قَوْلَانِ لِلَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَالْبَاجِيِّ مَعَ النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدٍ، فَقَوْلُ س ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ غَيْرَ الْبُرِّ مِثْلُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَنُدِبَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ: زِيَادَةُ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ، أَوْ رِطْلَانِ خُبْزًا بِأُدْمٍ: كَشِبَعِهِمْ
[منح الجليل]
وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ شَمِلَ مَكَّةَ إذْ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِهَا قَنَاعَةٌ كَقَنَاعَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَيُفِيدُهُ أَيْضًا وَعَلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ لِقَنَاعَتِهَا وَنَائِبُ نُدِبَ (زِيَادَةُ ثُلُثِهِ) أَيْ الْمُدِّ عِنْدَ أَشْهَبَ (أَوْ نِصْفِهِ) عِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ فَأَوْ لِلْخِلَافِ لَا التَّنْوِيعِ وَعِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِالِاجْتِهَادِ.
طفي هَذَا كَقَوْلِ الرِّسَالَةِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لَوْ زَادَ عَلَى الْمُدِّ مِثْلَ ثُلُثِ مُدٍّ أَوْ نِصْفِ مُدٍّ وَذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ وَسَطَ عَيْشِهِمْ فِي غَلَاءٍ أَوْ رُخْصٍ وَمَنْ أَخْرَجَ مُدًّا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَجْزَأَهُ.
ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو الْحَسَنِ أَحَبُّ إلَيْنَا يَعْنِي الْمُؤَلِّفَ نَفْسَهُ وَظَاهِرُ الرِّسَالَةِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا سَائِرُ الْأَمْصَارِ فَإِنَّ لَهُمْ عَيْشًا غَيْرَ عَيْشِنَا فَلْيُخْرِجُوا وَسَطًا مِنْ عَيْشِهِمْ، وُجُوبُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُدِّ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ، فَانْظُرْ لِمَ عَدَلَ عَنْ ظَاهِرِهَا إلَى اخْتِيَارِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَقَدْ أَبْقَى أَبُو الْحَسَنِ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا.
وَجَعَلَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ حَيْثُمَا أَخْرَجَ الْمُدَّ أَجْزَأَهُ خِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَالَ فِي تَوْضِيحِهِ وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُدِّ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ كَقَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ إلَّا أَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَحُدَّ الزِّيَادَةَ، ثُمَّ إنْ كَانَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ثُلُثُهُ أَوْ نِصْفُهُ لِقَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُمَا يَعْتَبِرَانِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ سِوَى الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي مِصْرَ وَمَا قَارَبَهَا فِي سَعَةِ الْقُوتِ، وَالْمُخَلِّصُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَبِعَ ابْنَ أَبِي زَيْدٍ وَأَوْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلْخِلَافِ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ (أَوْ رِطْلَانِ) بَغْدَادِيَّانِ (خُبْزًا) تَمْيِيزٌ لِرِطْلَيْنِ (بِأُدْمٍ) يَكْفِي الرِّطْلَيْنِ عَادَةً وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَكَذَا الْمُدُّ بِإِدَامٍ نَدْبًا وَظَاهِرُهُ أَيْ إدَامٌ فَيَشْمَلُ اللَّحْمَ وَاللَّبَنَ وَالزَّيْتَ وَالْبَقْلَ وَالْقُطْنِيَّةَ وَالتَّمْرَ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَشِبَعِهِمْ) مَرَّتَيْنِ كَمَا فِي الْحَطّ وَلَعَلَّهُ اسْتَغْنَى عَنْ مَرَّتَيْنِ بِجَعْلِهِ قَسِيمَ الرِّطْلَيْنِ اللَّذَيْنِ يُؤْكَلَانِ فِي مَرَّتَيْنِ غَالِبًا سَوَاءٌ تَوَالَتْ الْمَرَّتَانِ أَمْ لَا طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا أَمْ
أَوْ كِسْوَتُهُمْ: لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ، وَلَوْ غَيْرَ وَسَطِ أَهْلِهِ، وَالرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا،
[منح الجليل]
لَا مُجْتَمَعَيْنِ أَوْ مُتَفَرِّقَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْأَكْلِ أَمْ لَا شِبَعًا مُتَوَسِّطًا، وَيَكْفِي شِبَعُهُمْ مَرَّتَيْنِ وَلَوْ دُونَ الْأَمْدَادِ كَمَا فِي الشَّامِلِ (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) أَيْ الْعَشَرَةَ مَسَاكِينَ جَدِيدًا أَوْ لَبِيسًا لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ خِيَاطَتُهُ (لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ) سَاتِرٌ جَمِيعَ جَسَدِهِ كَمَا فِي الْحَطّ فَلَا يَكْفِي عِمَامَةٌ وَحْدَهَا وَلَا إزَارٌ وَحْدَهُ إنْ لَمْ يَبْلُغْ الِالْتِحَافَ بِهِ وَإِلَّا كَفَى عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ، وَقَوْلُهَا يُجْزِئُ فِي صَلَاتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجْزَاءِ الْكَامِلِ (وَالْمَرْأَةُ دِرْعٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ قَمِيصٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَكْفِي مَا يَسْتُرُ بَدَنَهَا كُلَّهُ قَمِيصًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (وَخِمَارٌ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ شَيْءٌ تَسْتُرُ بِهِ رَأْسَهَا وَعُنُقَهَا إنْ كَانَ مَا ذَكَرَ مِنْ وَسَطِ كِسْوَةِ أَهْلِهِ.
بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (غَيْرَ وَسَطٍ) كِسْوَةُ (أَهْلِهِ) أَيْ الْمُكَفِّرِ لِإِطْلَاقِهَا فِي الْآيَةِ عَنْ تَقْيِيدِهَا بِكَوْنِهَا مِنْ وَسَطِ كِسْوَةِ الْأَهْلِ.
ابْنُ فَرْحُونٍ يُعْطَى الرَّجُلُ ثَوْبًا وَفِي مَعْنَى الثَّوْبِ الْإِزَارُ الَّذِي يُمْكِنُ الِاشْتِمَالُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ.
اللَّخْمِيُّ وَالْمُرَاعَى فِي الْكِسْوَةِ الْفَقِيرُ نَفْسُهُ فَيُكْسَى الرَّجُلُ ثَوْبًا تَامًّا يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهِ وَالْمَرْأَةُ ثَوْبًا وَخِمَارًا، ثُمَّ قَالَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ الْكِسْوَةَ مِثْلَ كِسْوَةِ الْمُكَفِّرِ وَأَهْلِهِ وَلَا مِثْلَ كِسْوَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ اهـ.
(وَ) الشَّخْصُ (الرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا) أَيْ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ بِصِنْفَيْهِ الْمُدِّ وَالرِّطْلَيْنِ بِشَرْطِ أَكْلِهِ الطَّعَامَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنْ اللَّبَنِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الشَّامِلِ فَيُعْطَى كِسْوَةَ كَبِيرٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَوْ مُدًّا أَوْ رِطْلَيْنِ خُبْزًا وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ إلَّا فِي مَرَّاتٍ وَلَا يَكْفِي إشْبَاعُهُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي جَعْلِ الصَّغِيرِ كَالْكَبِيرِ فِيمَا يُعْطَاهُ قَوْلَانِ التَّوْضِيحِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ كَالْكَبِيرِ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْعُتْبِيَّةِ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ، وَالْقَوْلُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الصَّغِيرِ لِأَشْهَبَ، وَكَوْنُ طَعَامِ الرَّضِيعِ كَالْكَبِيرِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فَفِي كِتَابِ الظِّهَارِ مِنْهَا يُطْعِمُ الرَّضِيعَ مِنْ الْكَفَّارَةِ إذَا كَانَ قَدْ أَكَلَ طَعَامًا وَيُعْطَى مَا يُعْطَى الْكَبِيرُ اهـ.
أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ: كَالظِّهَارِ، ثُمَّ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ
[منح الجليل]
وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلًا بِأَنَّ الصَّغِيرَ يُعْطَى مَا يَكْفِيهِ خَاصَّةً.
اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إعْطَاءُ الصَّغِيرِ مَا يَكْفِيهِ لَا أَعْرِفُهُ، بَلْ تَوْجِيهُ الْبَاجِيَّ كَوْنَ كِسْوَتِهِ كَكَبِيرٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى كَوْنِ طَعَامِهِ كَذَلِكَ دَلِيلُ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ فِي الطَّعَامِ.
ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يُغَدِّيَ الصِّغَارَ وَيُعَشِّيَهُمْ.
(أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَ) الرَّقَبَةِ الَّتِي تُعْتَقُ فِي كَفَّارَةِ (الظِّهَارِ) فِي شُرُوطِهَا الْآتِيَةِ فِي بَابِهِ فِي قَوْلِهِ لَا جَنِينَ وَعَتَقَ بَعْدَ وَضْعِهِ مُؤْمِنَةً.
وَفِي الْأَعْجَمِيِّ تَأْوِيلَانِ: سَلِيمَةٌ عَنْ قَطْعِ إصْبَعٍ وَعَمًى وَجُنُونٍ وَبَكَمٍ وَمَرَضٍ مُشْرِفٍ وَقَطْعِ أُذُنٍ وَصَمَمٍ وَهَرَمٍ، وَعَرَجٍ شَدِيدَيْنِ وَجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَفَلَجٍ بِلَا شَوْبِ عِوَضٍ لَا مُشْتَرِي الْمُعْتَقِ مُحَرَّرَةً لَهُ لَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَفِي إنْ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي تَأْوِيلَانِ إلَخْ.
(ثُمَّ) إذَا عَجَزَ حِينَ الْإِخْرَاجِ عَنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ بِأَنْ لَمْ يَمْلِكْ مَا يُبَاعُ عَلَى مُفْلِسٍ (صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَنُدِبَ تَتَابُعُهَا (وَلَا تُجْزِئُ) كَفَّارَةٌ (مُلَفَّقَةٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَالْفَاءِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
مِنْ نَوْعَيْنِ كَعِتْقِ نِصْفِ رَقَبَةٍ وَإِطْعَامِ خَمْسَةٍ أَوْ كِسْوَتِهِمْ وَكَإِطْعَامِ خَمْسَةٍ وَكِسْوَةِ خَمْسَةٍ، وَأَمَّا مِنْ صِنْفَيْ نَوْعٍ فَتُجْزِئُ كَتَمْلِيكِ خَمْسَةِ أَمْدَادٍ لِخَمْسَةٍ وَعَشْرَةِ أَرْطَالٍ لِخَمْسَةٍ، وَكَذَا مُلَفَّقَةٌ مِنْ أَصْنَافِ الطَّعَامِ الثَّلَاثَةِ: الْأَمْدَادِ وَالْأَرْطَالِ وَالْإِشْبَاعِ، وَهَذَا فِي كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا هُوَ مَنْطُوقُ الْمُصَنِّفِ.
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ فَأَطْعَمَ عَشْرَةً وَكَسَا عَشْرَةً وَأَعْتَقَ رَقَبَةً وَنَوَى أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا عَنْ يَمِينٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، سَوَاءٌ عَيَّنَ كُلَّ كَفَّارَةٍ لِيَمِينٍ أَمْ لَا.
وَكَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَإِنَّمَا الْمَانِعُ التَّشْرِيكُ بِجَعْلِ الْعِتْقِ عَنْ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا الْإِطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ فَلَا يُجْزِئُهُ شَيْءٌ مِنْهَا قَالَهُ عج وَغَيْرُهُ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ فَلَا يُجْزِئُهُ شَيْءٌ مِنْهَا قَالَهُ عج وَغَيْرُهُ فِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ قَالَهُ عج إذْ الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالْحَطّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ إنْ شَرَكَ الثَّلَاثَةَ فَالْعِتْقُ لَا يُجْزِئُ اتِّفَاقًا لِكَوْنِهِ لَا يَتَبَعَّضُ، وَأَمَّا الْإِطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ فَعَلَى التَّلْفِيقِ يُبْنَى عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لِأَنَّهُ قَدْ نَابَ كُلَّ كَفَّارَةٍ ثَلَاثَةُ وَثُلُثٌ مِنْ الطَّعَامِ وَمِثْلُهَا مِنْ الْكِسْوَةِ وَإِلَّا ثَلَاثَ لَا تُجْزِئُ فَتُلْغَى، وَعَلَى عَدَمِ التَّلْفِيقِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَبْنِي عَلَى سِتَّةٍ ثَلَاثَةً مِنْ الطَّعَامِ وَثَلَاثَةً مِنْ الْكِسْوَةِ، ثُمَّ يَكْسُو سَبْعَةً وَيُطْعِمُ سَبْعَةً وَيُكَفِّرُ عَنْ الْيَمِينِ الثَّالِثَةِ بِمَا شَاءَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يَبْنِي عَلَى تِسْعَةٍ إمَّا مِنْ الطَّعَامِ أَوْ مِنْ الْكِسْوَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ نَابَهَا ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْكِسْوَةِ فَيُلْغِي الثُّلُثَ وَيَبْنِي عَلَى تِسْعَةٍ الْمُوَضِّحُ، وَعَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ جَمِيعُ الشُّيُوخِ، وَكَانَ شَيْخُنَا يُوَجِّهُ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ بِأَنَّ قَاعِدَتَهُ لَا تَبْتَدِئُ كَفَّارَةٌ مِنْ نَوْعِ الْأُولَى قَبْلَ تَكْمِيلِهَا وَلَوْ قَصَدَ التَّشْرِيكَ فِي كُلِّ مِسْكِينٍ لَمْ يَصِحَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
لَهُ شَيْءٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ عج عَلَى هَذَا صَحَّ وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ.
وَمُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ وَنَاقِصٌ: كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ، إلَّا أَنْ يُكَمِّلَ، وَهَلْ إنْ بَقِيَ؟ تَأْوِيلَانِ، وَلَهُ نَزْعُهُ، إنْ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ،
[منح الجليل]
وَ) يُجْزِئُ شَيْءٌ (مُكَرَّرٌ) مِنْ طَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ (لِمِسْكِينٍ) كَإِطْعَامِ خَمْسَةٍ كُلَّ وَاحِدٍ مُدَّيْنِ أَوْ أَرْبَعَةَ أَرْطَالٍ أَوْ كِسْوَةِ كُلِّ وَاحِدٍ ثَوْبَيْنِ قَالَهُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لِتَصْرِيحِ الْآيَةِ بِالْعَدَدِ، وَلِتَوَقُّعِ وَلِيٍّ فِيهِمْ تُسْتَجَابُ دَعَوْته وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إعْطَاءَهَا وَاحِدًا قَائِلًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ الْخَلَّةِ لَا مَحَلِّهَا اهـ عب.
(وَ) لَا يُجْزِئُ طَعَامٌ (نَاقِصٌ) عَنْ الْمُدِّ أَوْ الرِّطْلَيْنِ (كَعِشْرِينَ) مِسْكِينًا (لِكُلٍّ نِصْفٌ) مِنْ مُدٍّ أَوْ رِطْلٍ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يُكَمِّلَ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الْمُكَفِّرُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ فَيُكَمِّلُ فِي التَّلْفِيقِ عَلَى نَوْعٍ مُلْغِيًا غَيْرَهُ، وَفِي التَّكْرَارِ بِإِعْطَاءِ مَنْ يُكَمِّلُ الْعَشَرَةَ وَفِي النَّاقِصِ بِالتَّكْمِيلِ عَلَى النِّصْفِ أَوْ الرِّطْلِ لِعَشْرَةٍ مِنْ الْعِشْرِينَ، وَلَا يَصِحُّ التَّكْمِيلُ فِي الْعِتْقِ إذْ شَرْطُهُ عِتْقُ الرَّقَبَةِ كُلِّهَا فِي صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ نِصْفِهَا فِي وَقْتٍ ثُمَّ عِتْقُ نِصْفِهَا الْآخَرِ فِي وَقْتٍ آخَرَ.
(وَهَلْ) شَرْطُ إجْزَاءِ تَكْمِيلِ النَّاقِصِ (إنْ بَقِيَ) النِّصْفُ أَوْ الرِّطْلُ الْمُكَمِّلُ عَلَيْهِ بِيَدِ الْمِسْكِينِ، فَإِنْ ذَهَبَ مِنْ يَدِهِ فَلَا يُجْزِئُ التَّكْمِيلُ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْمُكَمَّلِ عَلَيْهِ بِيَدِهِ فَيُجْزِئُ التَّكْمِيلُ بَعْدَ ذَهَابِهِ مِنْ يَدِهِ فِيهِ (تَأْوِيلَانِ) وَأَمَّا التَّكْمِيلُ فِي التَّلْفِيقِ وَالتَّكْرَارِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْبَقَاءُ اتِّفَاقًا.
عِيَاضٌ الرَّاجِحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْبَقَاءِ بِيَدِهِ لِوَقْتِ التَّكْمِيلِ كَمَا يُفِيدُهُ إجْزَاءُ الْغَدَاءِ وَالْعِشَاءِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُكَفِّرِ (نَزْعُهُ) أَيْ النَّوْعِ الَّذِي لَمْ يُرِدْ التَّكْمِيلَ عَلَيْهِ فِي التَّلْفِيقِ وَالزَّائِدُ عَلَى مُدٍّ أَوْ رِطْلَيْنِ فِي التَّكْرَارِ وَمَا دَفَعَهُ لِزَائِدٍ عَلَى عَشْرَةٍ فِي النَّقْصِ (إنْ) بَقِيَ مَا أُرِيدَ نَزْعُهُ مِنْ الْمِسْكِينِ بِيَدِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ مِنْهُ فَلَا يَغْرَمُ عِوَضَهُ وَكَانَ الْمُكَفِّرُ (بَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا وَقْتَ الدَّفْعِ لَهُ أَنَّهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَيَكُونُ النَّزْعُ فِي مَسْأَلَةِ النَّاقِصِ (بِالْقُرْعَةِ) قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، وَلَا يَحْتَاجُ لَهَا فِي الْمُكَرَّرِ لِأَخْذِهِ مِنْ الْجَمِيعِ وَلَا فِي التَّلْفِيقِ فِي أَخْذِ مَا لَمْ يُرِدْ الْبِنَاءَ
وَجَازَ لِثَانِيَةٍ إنْ أَخْرَجَ، وَإِلَّا كُرِهَ، وَإِنْ كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ، وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ،
[منح الجليل]
عَلَيْهِ إذْ لَهُ الْخِيَارُ فِيمَا يَبْنِي عَلَيْهِ وَمَحَلُّ الْقُرْعَةِ فِي النَّاقِصِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْأَخْذَ بَعْدَ الْعَشَرَةِ، وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْأَخْذُ مِنْهُ بِلَا قُرْعَةٍ قِيَاسًا عَلَى بَحْثِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إذَا أَعْطَاهَا لِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ مِسْكِينًا مِنْ قَوْلِهِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ الْأَخْذَ بَعْدَ السِّتِّينَ تَعَيَّنَ رَدُّ مَا أَخَذَهُ.
(وَجَازَ) التَّكْرَارُ لِمِسْكِينٍ مِمَّنْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ (لِ) يَمِينٍ (ثَانِيَةٍ) فَيَدْفَعُهَا لِمَسَاكِينِ الْكَفَّارَةِ الْأُولَى (إنْ) كَانَ (أَخْرَجَ) الْكَفَّارَةَ الْأُولَى قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الثَّانِيَةِ اتِّفَاقًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ الْأُولَى أَوْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ حِنْثِهِ فِي الثَّانِيَةِ (كُرِهَ) دَفْعُ الثَّانِيَةِ لِمَسَاكِينِ الْأُولَى لِئَلَّا تَخْتَلِطَ النِّيَّةُ فِي الْكَفَّارَتَيْنِ قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ، فَإِنْ نَوَى كُلًّا عَلَى حِدَتِهَا جَازَ وَصَوَّبَهُ أَبُو عِمْرَانَ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَفْظُ ظَاهِرِهَا يَأْبَاهُ هَذَا إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَتَانِ لِيَمِينٍ بَلْ (وَإِنْ) اخْتَلَفَ مُوجِبُهُمَا (كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ وَأَجْزَأَتْ) الْكَفَّارَةُ أَيْ إخْرَاجُهَا (قَبْلَ حِنْثِهِ) أَيْ الْحَالِفِ فِي الْيَمِينِ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ بِعِتْقِ مُعَيَّنٍ أَوْ بَتَاتٍ أَوْ صَدَقَةٍ بِمُعَيَّنٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى حِنْثٍ أَوْ بِرٍّ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِمَشْيٍ إلَى مَكَّةَ أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ بِعِتْقٍ كَذَلِكَ أَوْ بِطَلَاقٍ دُونَ غَايَتِهِ، فَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ حِنْثٍ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِأَجَلٍ لَا إنْ كَانَتْ صِيغَةَ بِرٍّ وَحِنْثٍ مُقَيَّدَةً بِأَجَلٍ فَلَا يُجْزِئُ تَكْفِيرُهَا قَبْلَ الْحِنْثِ فِيهَا.
فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُمْكِنُ إخْرَاجُهَا فِي الْحِنْثِ قَبْلَهُ وَإِخْرَاجُهَا عَزْمٌ عَلَى الضِّدِّ وَهُوَ حِنْثٌ؟ .