منح الجليل شرح مختصر خليلصفحات 359-398
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَقِيهَيْنِ بِذَلِكَ

[منح الجليل]

وَأَمَّا إنْ أَرَادَ الطَّعَامَ فَلَمَّا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ أَرَادَ الصِّيَامَ، فَهَا هُنَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمِهِمَا بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الطَّعَامِ لَا مِنْ الصَّيْدِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] ، وَكَأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالطَّعَامِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْعِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحُكْمِ.
اهـ. فَيَنْزِلُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِمَا قَوْلُهَا وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْ يَحْكُمَا عَلَيْهِ بِجَزَاءِ مَا أَصَابَ مِنْ النَّعَمِ أَوْ بِالصِّيَامِ أَوْ بِالطَّعَامِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ أَمَرَهُمَا بِالْحُكْمِ فَالْجَزَاءُ مِنْ النَّعَمِ، فَحَكَمَا بِهِ وَأَصَابَا فَأَرَادَ بَعْدَ حُكْمِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الصِّيَامِ أَوْ الطَّعَامِ يَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِهِ هُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا فَلِذَلِكَ لَهُ اهـ. وَكَلَامُ سَنَدٍ وَالْبَاجِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ عَلَى الثَّانِي، وَظَاهِرُ قَوْلِهَا وَإِنْ أَصَابَ الْمُحْرِمُ الْيَرْبُوعَ وَالضَّبَّ وَالْأَرْنَبَ وَشَبَهُهُ حُكِمَ فِيهِ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا، وَخُيِّرَ الْمُحْرِمُ فَإِمَّا أَطْعَمَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا أَوْ صَامَ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا عَدَمُ احْتِيَاجِ الصَّوْمِ لِلْحُكْمِ فِي الثَّانِي.
قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ عِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ، وَمِثْلُهَا فِي الْحَطّ عَنْ سَنَدٍ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ يَأْمُرُهُمَا بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ، أَيْ: بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ لَا بِخُصُوصِ لَفْظِ الْجَزَاءِ.
وَاَلَّذِي فِي تت قَالَ فِي الشَّامِلِ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَالْجَزَاءِ.
طفي هَكَذَا فِي نُسْخَةٍ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا، وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ، وَهَكَذَا عِبَارَةُ سَنَدٍ الَّتِي نَقَلَهَا الْحَطّ وعج، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَلَفَّظَا بِالْجَزَاءِ بَلْ الْحُكْمِ، فَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِرَجُلٍ بِجَنْبِهِ تَعَالَ أَحْكُمُ أَنَا وَأَنْتَ، فَحَكَمَا عَلَيْهِ وَفِيهِ أَيْضًا فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ تَعَالَ نَحْكُمْ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ أَنْ يَأْمُرَهُمَا الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ لَا بِخُصُوصِ لَفْظِ الْجَزَاءِ فَفِيهَا فَإِنْ أَمَرَهُمَا بِالْحُكْمِ بِالْجَزَاءِ مِنْ النَّعَمِ فَحَكَمَا بِهِ وَأَصَابَا إلَخْ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ قَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ وَنَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ اُحْكُمَا فَحَكَمَا عَلَيْهِ.
(فَقِيهَيْنِ) أَيْ: عَالِمَيْنِ (بِذَلِكَ) أَيْ حُكْمِ جَزَاءِ الصَّيْدِ لَا بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَخَبَرُ

مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ إطْعَامٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ يَوْمَ التَّلَفِ بِمَحَلِّهِ.
وَإِلَّا فَبِقُرْبِهِ.

وَلَا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ، وَلَا زَائِدَ عَلَى مُدٍّ لِمِسْكِينٍ؛ إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فَتَأْوِيلَانِ،

[منح الجليل]

الْجَزَاءِ (مِثْلُهُ) أَيْ مُقَارِبُ الصَّيْدِ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا كَفَى مُقَارِبُهُ فِي الْقَدْرِ وَبَيَّنَ الْمِثْلَ فَقَالَ (مِنْ النَّعَمِ) أَيْ: الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (أَوْ إطْعَامٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ) نَفْسِهِ حَيًّا كَبِيرًا وَلَا يُقَوِّمُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا، لَكِنْ إنْ فَعَلَ أَجْزَأَ، وَلَا يُقَوِّمُ مِثْلَهُ مِنْ النَّعَمِ بَلْ يُقَوِّمُ نَفْسَ، الصَّيْدِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ التَّلَفِ) لَا يَوْمَ تَقْوِيمِ الْحَكَمَيْنِ وَلَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا يَوْمَ الْأَكْثَرِ مِنْ طَعَامِ جُلِّ عَيْشِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَيُعْتَبَرُ كُلٌّ مِنْ الْإِطْعَامِ وَالتَّقْوِيمِ (بِمَحَلِّهِ) أَيْ التَّلَفِ إنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ فِيهِ وَوَجَدَ بِهِ مَسَاكِينَ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ بِمَحَلِّهِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَسَاكِينُ (فَ) يُقَوِّمُ أَوْ يُطْعِمُ (بِقُرْبِهِ) أَيْ: مَحَلِّ التَّلَفِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنَا بِقُرْبِهِ أَيْضًا فَإِذَا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ حَكَّمَ اثْنَيْنِ وَوَصَفَ لَهُمَا الصَّيْدَ وَذَكَرَ لَهُمَا سِعْرَ الطَّعَامِ بِمَحَلِّ التَّلَفِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا تَقْوِيمُهُ بِطَعَامٍ قَوَّمَاهُ بِدَرَاهِمَ وَاشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَبَعَثَهُ إلَى مَحَلِّ التَّلَفِ أَوْ قُرْبِهِ.

(وَلَا يُجْزِئُ) الْإِطْعَامُ (بِغَيْرِهِ) أَيْ: مَحَلِّ التَّلَفِ أَوْ قُرْبِهِ مَعَ الْإِمْكَانِ بِهِ.
سَنَدٌ جُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَ الْجَزَاءَ هَدْيًا اخْتَصَّ بِالْحَرَمِ أَوْ صِيَامًا فَحَيْثُ شَاءَ أَوْ طَعَامًا اخْتَصَرَ بِمَحَلِّ التَّقْوِيمِ (وَلَا) يُجْزِئُ (زَائِدٌ عَلَى مُدٍّ) مِنْ الطَّعَامِ الْمُقَوَّمِ بِهِ الصَّيْدُ أَيْ: دَفْعُهُ (لِمِسْكِينٍ) وَلَهُ نَزْعُهُ إنْ بَقِيَ، وَبَيْنَ وَلَا يُجْزِئُ نَاقِصٌ عَنْ مُدٍّ إلَّا أَنْ يُكْمِلَ، وَهَلْ إنْ بَقِيَ تَأْوِيلَانِ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُجْزِي بِغَيْرِهِ فَقَالَ (إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ) أَيْ: الطَّعَامِ فِي مَحَلِّ الْإِطْعَامِ سِعْرَهُ فِي مَحَلِّ التَّلَفِ (فَتَأْوِيلَانِ) بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُطْلَبُ ابْتِدَاءً أَنْ يُخْرِجَ الطَّعَامَ بِمَحَلِّ التَّقْوِيمِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ فِي غَيْرِهِ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ أَصَابَ صَيْدًا بِمِصْرَ وَأَطْعَمَ بِالْمَدِينَةِ

أَوْ لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ، وَالْفِيلُ بِذَاتِ سِنَامَيْنِ،

[منح الجليل]

أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ سِعْرَهَا أَغْلَى، وَإِنْ أَصَابَهُ بِالْمَدِينَةِ وَأَطْعَمَ بِمِصْرَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ سِعْرَاهُمَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ تَفْسِيرًا لَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ خِلَافًا لَهَا وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ وَفِي مَكَانِهِ أَيْ: الْإِطْعَامُ ثَلَاثَةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَمُحَمَّدٍ، حَيْثُ يُقَوَّمُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقٌّ، وَيُجْزِئُ حَيْثُ شَاءَ إنْ أَخْرَجَ عَلَى سِعْرِهِ، وَيُجْزِئُ إنْ تَسَاوَى السِّعْرَانِ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ يُطْعِمُ حَيْثُ أَحَبَّ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْفَرْقُ بَيْنَ كَلَامِ مُحَمَّدٍ وَأَصْبَغَ أَنَّ الَّذِي شَرَطَهُ مُحَمَّدٌ هُوَ تَسَاوِي السِّعْرَيْنِ وَاَلَّذِي شَرَطَهُ أَصْبَغُ اعْتِبَارُ سِعْرِ بَلَدِ التَّقْوِيمِ لَا بَلَدِ الْإِخْرَاجِ سَوَاءٌ اتَّفَقَ سِعْرُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُحَمَّدًا شَرَطَ مُسَاوَاةَ السِّعْرَيْنِ وَأَنَّ أَصْبَغَ لَمْ يَنْظُرْ إلَّا إلَى قِيمَةِ الصَّيْدِ، فَإِنْ اشْتَرَى بِهِمَا طَعَامًا عَلَى سِعْرِ بَلَدِ الْإِخْرَاجِ أَجْزَأَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ وَهْبٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إنْ اخْتَلَفَ السِّعْرَانِ أَخْرَجَ قِيمَةَ الطَّعَامِ الَّذِي حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ عَيْنًا حَيْثُ أَصَابَ الصَّيْدَ فَيَشْتَرِي بِمِثْلِ تِلْكَ الْقِيمَةِ طَعَامًا حَيْثُ أُحِبُّ أَنْ يُخْرِجَهُ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ غَلَا بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ أَوْ رَخُصَ فَاعْتَبَرَ قِيمَةَ الطَّعَامِ، وَاعْتَبَرَ أَصْبَغُ قِيمَةَ الصَّيْدِ وَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فِي بَلَدِ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مُسَاوَاةِ الطَّعَامَيْنِ اهـ. (أَوْ) صِيَامُ أَيَّامٍ بِعَدَدِ الْأَمْدَادِ (لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ) وَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ شَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةً قَالَهُ فِيهَا (وَكَمَّلَ) بِشَدِّ الْمِيمِ الْيَوْمَ أَوْ الْمُدَّ (لِكَسْرِهِ) أَيْ الْمُدِّ وُجُوبًا فِي الصَّوْمِ وَنَدْبًا فِي الْمُدِّ قَالَهُ الْبَاجِيَّ (فَالنَّعَامَةُ) جَزَاؤُهَا (بَدَنَةٌ) لِمُقَارَبَتِهَا لَهَا فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ (وَالْفِيلُ) جَزَاؤُهُ بَدَنَةٌ (بِذَاتِ سَنَامَيْنِ) لِقُرْبِهَا مِنْهُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَا نَصَّ فِي الْفِيلِ.
ابْنُ مُيَسِّرٍ بَدَنَةٌ خُرَاسَانِيَّةٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ، وَقَالَ الْقَرَوِيُّونَ الْقِيمَةُ.
وَقِيلَ قَدْرُ وَزْنِهِ لِغَلَاءِ عَظْمِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَصِفَةُ وَزْنِهِ أَنْ يَجْعَلَ فِي مَرْكَبٍ وَيَنْظُرَ إلَى حَيْثُ يَنْزِلُ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يُزَالُ مِنْهُ وَيُجْعَلُ

وَحِمَارُ الْوَحْشِ، وَبَقَرُهُ بَقَرَةٌ، وَالضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ: شَاةٌ

[منح الجليل]

فِيهِ طَعَامٌ حَتَّى يَنْزِلَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ.
ابْنُ رَاشِدٍ وَيَتَوَصَّلُ إلَى وَزْنِهِ بِالْقَبَّانِ قِيلَ الْأَوْلَى حَذْفُ الْبَاءِ أَوْ ذَاتِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَاتَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ أَيْ بِبَدَنَةٍ ذَاتِ الْبَدْرِ قَوْلُهُ فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ إلَخْ أَيْ إنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الْمِثْلِ إذْ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ أَوْ يَصُومَ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ عج فِيهِ نَظَرٌ إذْ الَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي النَّعَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَوْلُهُ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ إلَخْ، فِيمَا يَرِدُ فِيهِ النَّصُّ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ عب.
طفي مَا قَالَهُ عج خَطَأٌ فَاحِشٌ خَرَجَ بِهِ عَنْ أَقْوَالِ الْمَالِكِيَّةِ كُلِّهِمْ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ بِمَا تَمُجُّهُ الْأَسْمَاعُ وَتَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ، وَمَا أَدْرِي أَيْنَ هَذَا النَّقْلُ الَّذِي يُفِيدُ مَا زَعَمَهُ.
وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُهُ الْبَدْرُ إذْ كُتُبُ الْمَالِكِيَّةِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْبَدَنَةَ الَّتِي فِي النَّعَامَةِ وَالْبَقَرَةَ الَّتِي فِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَالْعَنْزَ الَّذِي فِي الظَّبْيِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا حَكَمَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بَيَانٌ لِلْمِثْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ لَجَلَبْنَا مِنْ كَلَامِهِمْ مَا يُثْلِجُ لَهُ الصَّدْرَ وَلَمَّا ذَكَرَ الْبَاجِيَّ مَا فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ عُمَرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَكَمَا عَلَى رَجُلٍ أَصَابَ ظَبْيًا بِعَنْزٍ، قَالَ يُرِيدُ أَنَّهُ اخْتَارَ الْمِثْلَ وَلِذَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ، وَمَنْ تَصَفَّحَ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ ظَهَرَ لَهُ مَا قُلْنَاهُ ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا﴾ [الإسراء: 84] . (وَحِمَارُ الْوَحْشِ) وَيُقَالُ لَهُ الْعَيْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَلِأُنْثَاهُ حِمَارَةٌ وَأَتَانٌ (وَبَقَرُهُ) أَيْ: الْوَحْشِ وَالْإِيَّلِ بِكَسْرِ الْهَمْزِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ قَرِيبٌ مِنْ الْبَقَرِ طَوِيلُ الْعُنُقِ جَزَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا (بَقَرَةٌ) بِتَاءِ الْوَحْدَةِ لَا التَّأْنِيثِ فَتَشْمَلُ الذَّكَرَ أَيْضًا وَجَمْعُهُمَا بَقَرٌ وَبُقْرَانٌ وَبُقُرٌ بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالضَّبُعُ) الْجَوْهَرِيُّ الضَّبُعُ مَعْرُوفَةٌ وَلَا يُقَالُ ضَبِعَةٌ؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ ضَبُعَانُ (وَالثَّعْلَبُ) مَعْرُوفٌ.
الْكِسَائِيُّ الْأُنْثَى ثَعْلَبَةٌ وَالذَّكَرُ ثُعْلُبَانُ فِي كُلٍّ (شَاةٌ) أَيْ: وَاحِدَةٌ مِنْ غَنَمٍ فَذَكَرٌ وَتُؤَنَّثُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ خِيفَ مِنْهُمَا وَلَا يَنْدَفِعَانِ إلَّا بِقَتْلِهِمَا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الطَّيْرِ الْمَخُوفِ مِنْهُ إلَّا بِقَتْلِهِ.
وَفَرَّقَ بِسُهُولَةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُمَا بِصُعُودِ نَخْلَةٍ مَثَلًا بِخِلَافِ الطَّيْرِ.
الْبُنَانِيُّ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ

كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهَا بِلَا حُكْمٍ،

[منح الجليل]

كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى غَيْرِ الْمَخُوفِ مِنْهَا إلَّا بِقَتْلِهِمَا وَإِلَّا فَلَا جَزَاءَ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ.
وَشَبَّهَ فِي الشَّاةِ فَقَالَ (كَحَمَامِ مَكَّةَ) أَيْ: الْمَصِيدِ فِيهَا وَإِنْ كَانَ طَارِئًا عَلَيْهَا مِنْ الْحِلِّ (وَالْحَرَمِ) عَطْفٌ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ إلْحَاقًا لِغَيْرِهَا مِنْهُ بِهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْبَغَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ حُكُومَةٌ كَحَمَامِ الْحِلِّ الَّذِي صَادَهُ مُحْرِمٌ (وَيَمَامِهَا) أَيْ الْمَصِيدِ فِي الْحَرَمِ وَمِنْهُ مَكَّةُ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ بِهِ، وَالدُّبْسِيُّ وَالْفَاخِتُ وَالْقُمَرِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ وَذَاتُ الْأَطْوَاقِ كُلُّهَا حَمَامٌ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَفِيهَا أَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِهِ وَتَجِبُ الشَّاةُ فِي حَمَامٍ وَيَمَامٍ الْحَرَمِ (بِلَا حُكْمٍ) كَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَّا حَمَامَ مَكَّةَ فَشَاةٌ بِلَا حُكْمٍ لِخُرُوجِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ لِتَقَرُّرِهِ بِالدَّلِيلِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا جَارٍ فِي النَّعَامَةِ إلَخْ، فَلَوْ فَرَّقَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ الْجَزَاءِ وَالصَّيْدِ بَوْنٌ عَظِيمٌ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ لَمْ يُنْظَرْ إلَى تَفَاوُتِ أَفْرَادِ الصَّيْدِ وَبِأَنَّ تَفَاوُتَ أَفْرَادِ الْحَمَامِ يَسِيرٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَكَانَ حَسَنًا، وَقَدْ خَالَفَ حَمَامُ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامُهُمَا سَائِرَ الصَّيْدِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِثْلٌ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِحُكْمٍ، وَأَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِيهِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الشَّاةِ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَكَانَ فِيهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ يَأْلَفُ النَّاسَ فَشَدَّدَ فِيهِ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ إلَى قَتْلِهِ، فَإِنْ اصْطَادَهُ حِلٌّ فِي الْحِلِّ وَمَاتَ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ ذَكَّاهُ بَعْدَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ فِي الْحِلِّ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ طَعَامًا أَفَادَهُ عبق.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدِّيَاتِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ بِالدَّلِيلِ أَيْ لِتَعَيُّنِهَا وَعَدَمِ التَّخْيِيرِ فِيهَا وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا فِيهِ تَخْيِيرٌ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ ذَكَرَهُ الْجُزُولِيُّ، وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ جَارٍ فِي النَّعَامَةِ وَنَحْوِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا فِيهَا التَّخْيِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهَا شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ فَلَوْ فَرَّقَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ هُوَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ، قَالَ لَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ فِي كُلِّ جَزَاءٍ حَتَّى جَزَاءِ الْجَرَادِ إلَّا حَمَامَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ مَا اُتُّفِقَ

وَلِلْحِلِّ وَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ الْقِيمَةُ طَعَامًا، وَالصَّغِيرُ وَالْمَرِيضُ وَالْجَمِيلُ كَغَيْرِهِ،

[منح الجليل]

عَلَيْهِ مِنْ الشَّاةِ فِيهِ لَيْسَ بِمِثْلٍ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَحْقِيقِ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ فَإِنْ اصْطَادَهُ حِلٌّ فِي حِلٍّ إلَخْ أَيْ: فَيَجُوزُ اصْطِيَادُهُ أَبُو الْحَسَنِ.
ظَاهِرُ الْكِتَابِ جَوَازُ اصْطِيَادِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِرَاخٌ فِي الْحَرَمِ.
ابْنُ نَاجِي إنْ كَانَ لَهُ فِرَاخٌ فِي الْحَرَمِ فَالصَّوَابُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ لِتَعْذِيبِ فِرَاخِهِ حَتَّى يَمُوتُوا.
(وَ) فِي الْحَمَامِ (لِلْحِلِّ) أَيْ الْمَصِيدِ فِيهِ وَإِنْ وُلِدَ بِالْحَرَمِ فَاللَّامُ بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾ [الأعراف: 187] . وَقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] . (وَ) فِي (ضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ) الْمَصِيدِ فِي حِلٍّ لِمُحْرِمٍ أَوْ حَرُمَ مُطْلَقًا وَلَوْ بِمَكَّةَ غَيْرَ حَمَامِ الْحَرَمِ وَيَمَامِهِ وَغَيْرَ مَا أَلْحَقَ بِهِمَا، وَلَوْ قَالَ وَبَاقِي كَانَ أَحْسَنَ (الْقِيمَةُ) مُعْتَبَرَةٌ يَوْمَ الْإِتْلَافِ (طَعَامًا) أَوْ عَدْلُهَا صِيَامًا، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الصَّيْدَ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ لِصِغَرِهِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، وَمَا لَهُ مِثْلٌ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ وَلَمْ يَفْصِلْ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ بَيْنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ، قَالَهُ فِيهَا لَا بَأْسَ بِصَيْدِ حَمَامِ مَكَّةَ فِي الْحِلِّ لِلْحَلَالِ.
ابْنُ يُونُسَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ صَادَهُ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلِّ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ طَعَامًا أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا، وَإِنَّمَا تَكُونُ فِيهِ الشَّاةُ إذَا صَادَهُ فِي الْحَرَمِ.
(وَالصَّغِيرُ) مِنْ الصَّيْدِ فِيمَا وَجَبَ مِنْ مِثْلٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ صِيَامٍ بَدَلًا عَنْ الْأَمْدَادِ قِلَّةً وَكَثْرَةً (وَالْمَرِيضُ) مِنْهُ (وَالْجَمِيلُ) فِي صُورَتِهِ وَالْأُنْثَى وَالْمُعَلَّمُ وَلَوْ مَنْفَعَةً شَرْعِيَّةً (كَغَيْرِهِ) مِنْ كَبِيرٍ وَسَلِيمٍ وَقَبِيحٍ، وَذَكَرُوا مَا لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَتَسَاوِي الْمَذْكُورَاتِ مُقَابِلَاتُهَا فِي الْوَاجِبِ كَالدِّيَاتِ وَلَمْ يَقُلْ وَالْقَبِيحُ مَعَ أَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِمَا قَبْلَهُ لِاقْتِضَائِهِ خِلَافَ الْمَنْصُوصِ مِنْ أَنَّ الْجَمِيلَ يُقَوَّمُ عَلَى أَنَّهُ قَبِيحٌ لَا الْعَكْسُ.
الْقَرَافِيُّ الْفَرَاهَةُ وَالْجَمَالُ لَا يُعْتَدُّ بِهِمَا فِي تَقْوِيمِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِأَكْلِهِ وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ اللَّحْمُ فَالْمَعِيبُ عَيْبًا لَا يُؤَثِّرُ فِي اللَّحْمِ كَالسَّلِيمِ فَيُقَوِّمُ ذَاتَ الصَّيْدِ

وَقُوِّمَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ مَعَهَا، وَاجْتَهَدَ، وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ فَبِهِ.

[منح الجليل]

بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ، وَلَا تُقَوَّمُ الْأُنْثَى عَلَى أَنَّهَا ذَكَرٌ وَلَا الذَّكَرُ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَهْلُ الْمَذْهَبِ تِلْكَ الصِّفَاتِ فِي الْجَزَاءِ إذَا كَانَ هَدْيًا فَلَمَّا لَمْ يَعْتَبِرُوهَا فِي أَحَدِ أَنْوَاعِ الْجَزَاءِ إذَا كَانَ مِثْلًا مِنْ النَّعَمِ أَلْحَقُوا بِهِ بَقِيَّةَ أَنْوَاعِهِ هَذَا فِي الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَ) لَوْ كَانَ الصَّيْدُ الْمَوْصُوفُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ مَمْلُوكًا لِشَخْصٍ بِأَنْ كَانَ مُعَلَّمًا مَنْفَعَةً شَرْعِيَّةً أَوْ صَغِيرًا أَوْ جَمِيلًا أَوْ مَرِيضًا قُوِّمَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُعْتَبَرٍ وَصْفُهُ وَ (قُوِّمَ لِرَبِّهِ بِ) اعْتِبَارِ (ذَلِكَ) الْوَصْفِ الْقَائِمِ بِهِ مِنْ التَّعَلُّمِ أَوْ الصِّغَرِ أَوْ الْجَمَالِ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ ضِدِّهَا (مَعَهَا) أَيْ: الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ لَحِقَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: مَعَ إخْرَاجِهَا فَيُعْطِي رَبُّهُ قِيمَتَهُ عَلَى أَنَّهُ مُعَلَّمٌ مَثَلًا وَيُخْرِجُ قِيمَتَهُ أَيْ: جَزَاءَهُ لِلْفُقَرَاءِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ وَقِيمَةٌ مَعَ اعْتِبَارِهَا.
(وَاجْتَهَدَا) أَيْ: الْحَكَمَانِ وُجُوبًا (وَإِنْ رُوِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (فِيهِ) أَيْ: الصَّيْدِ شَيْءٌ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِخُصُوصِهِ كَبَدَنَةٍ فِي نَعَامَةٍ وَذَاتِ سَنَامَيْنِ فِي فِيلٍ وَصِلَةٍ اجْتَهَدَا (فِيهِ) أَيْ الْجَزَاءِ الَّذِي يَحْكُمَانِ بِهِ إنْ لَمْ يُرْوَ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ الصَّحَابَةِ، بَلْ وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ شَيْءٌ عَنْهُمْ فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ وَلَوْ حُذِفَ أَحَدُهُمَا كَانَ أَحْسَنَ وَكَانَ مِنْ التَّنَازُعِ.
وَمَعْنَى اجْتِهَادِهِمَا فِي الْمَرْوِيِّ فِيهِ شَيْءٌ اجْتِهَادُهُمَا فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ وَالسِّنِّ، فَمَصَبُّ الرِّوَايَةِ النَّوْعُ وَمَصَبُّ الِاجْتِهَادِ الصِّفَاتُ كَالسِّمَنِ وَالسِّنِّ بِأَنْ يَرَيَا أَنَّ فِي هَذِهِ النَّعَامَةِ بَدَنَةً سَمِينَةً أَوْ هَزِيلَةً مَثَلًا لِسِمَنِ النَّعَامَةِ أَوْ هُزَالِهَا وَكَأَنْ يَرَيَا أَنَّ فِي هَذِهِ النَّعَامَةِ نَاقَةً سِنُّهَا خَمْسُ سِنِينَ لِصِغَرِهَا، وَفِي هَذِهِ النَّعَامَةِ نَاقَةً سِنُّهَا سَبْعُ سِنِينَ لِكِبَرِهَا.
عَبْدِ الْوَهَّابِ لَمْ يَكْتَفِ بِحُكْمِ الصَّحَابَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] أَفَادَهُ عب.
الرَّمَاصِيُّ قَوْلُهُ وَاجْتَهَدَا إلَخْ أَمْرٌ لِلْحَكَمَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَزَمَانُهُ زَمَنُ اجْتِهَادٍ، قَالَ فِيهَا وَلَا يَكْتَفِيَانِ فِي الْجَزَاءِ بِمَا رُوِيَ وَلِيَبْتَدِئَا الِاجْتِهَادَ وَلَا يَخْرُجَا بِاجْتِهَادِهِمَا عَنْ آثَارِ مَنْ مَضَى.
اهـ. أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

قَضَى فِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ وَهِيَ دُونَ الْعَنَاقِ وَخَالَفَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُحْتَجًّا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُخْرِجَ مَا لَيْسَ بِهَدْيٍ لِصِغَرِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِاجْتِهَادِهِمَا لَا بِمَا رَوَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، أَيْ: عَنْ السَّلَفِ.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ فَلَا يَصِحُّ الْعُدُولُ عَنْهُ كَمَا فِي الضَّبُعِ أَنَّهُ قَضَى فِيهِ بِكَبْشٍ.
فَإِنْ قُلْت تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ فَلِمَ لَا يَكْتَفِي الْحَكَمَانِ بِمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْبَابِ.
قُلْت لَمْ يَخْرُجْ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ أَصْلِهِ إذْ مَعْنَى قَوْلِهِ فَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِاجْتِهَادِهِمَا لَا بِمَا رُوِيَ إذَا وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ خِلَافٌ.
وَأَمَّا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَحِلُّ الْعُدُولُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهَا وَلَا يَكْتَفِيَانِ فِي الْجَزَاءِ بِمَا رُوِيَ وَلِيَبْتَدِئَا الِاجْتِهَادَ وَلَا يَخْرُجَانِ عَنْ أَثَرِ مَنْ مَضَى، وَكَذَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ لَا يَكْتَفِي فِي الْجَرَادِ وَلَا فِي غَيْرِهِ أَوْ النَّعَامَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ فَمَا دُونَهَا بِاَلَّذِي جَاءَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَأْتَنِفَا الْحُكْمَ فِيهِ وَلَا يَخْرُجَا عَمَّا مَضَى اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ اجْتِهَادَهُمَا فِي الْوَاجِبِ لَا فِي سِمَنِهِ وَهُزَالِهِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إذْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُمَا لَا يَتَعَرَّضَانِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمَا أَنْ يَأْتِيَا بِمَا يُجْزِئُ ضَحِيَّةً، وَهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: الْحُكْمُ لَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى فِي الْمَرْوِيِّ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ الَّذِي اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ [المائدة: 95] فَأَتَى بِالْمُضَارِعِ الدَّالِّ عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَوَقَعَ فِي الْآيَةِ جَوَابُ الشَّرْطِ فَخَلَّصَهُ لِلِاسْتِقْبَالِ.
ثَانِيهِمَا: إذَا حَكَمَا لَا بُدَّ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي مَحَلِّهِ، فَقَدْ قَالَ الْبَاجِيَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُوَطَّإِ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ فِي النَّعَامَةِ إذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ بَدَنَةٌ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ شَائِعٌ قَدِيمٌ تَكَرَّرَ حُكْمُ الْأَئِمَّةِ بِهِ وَفَتْوَى الْعُلَمَاءِ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إلَّا بَعْدَ الْحُكْمِ

وَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ؛ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ: فَتَأْوِيلَانِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا اُبْتُدِئَ، وَالْأَوْلَى كَوْنُهُمَا بِمَجْلِسٍ، وَنُقِضَ إنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ، وَفِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ: عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ وَلَوْ تَحَرَّكَ،

[منح الجليل]

بِهَا وَتَكَرَّرَ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ.
أَقُولُ حَيْثُ كَانَ الِاجْتِهَادُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْخُرُوجِ عَمَّا رُوِيَ عَنْ السَّلَفِ لَمْ يَبْقَ مُتَعَلِّقٌ إلَّا الصِّفَاتِ مِنْ السِّنِّ وَالسِّمَنِ وَالْهُزَالِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مُخَالَفَةُ مَالِكٍ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْعَنَاقِ وَالْجَفْرَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِجَزَاءِ صَيْدٍ (أَنْ يَنْتَقِلَ) عَمَّا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ بِأَنْ يُرِيدَ حُكْمًا آخَرَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَهُ الِانْتِقَالَ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ) مَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ (فَتَأْوِيلَانِ) فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ عَنْهُ وَعَدَمِهِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُمَا إذَا عَرَفَ مَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ وَالْتَزَمَهُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ لَا إنْ الْتَزَمَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وَالتَّأْوِيلُ بِعَدَمِ الِانْتِقَالِ لِابْنِ الْكَاتِبِ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَالتَّأْوِيلُ بِالِانْتِقَالِ لِلْأَكْثَرِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْحَكَمَانِ فِي قَدْرِ مَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ أَصْلِ الْحُكْمِ (اُبْتُدِئَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الْحُكْمُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ غَيْرِ صَاحِبِهِ (وَالْأَوْلَى) بِفَتْحِ الْهَمْزِ (كَوْنُهُمَا) أَيْ: الْحَكَمَيْنِ حِينَ الْحُكْمِ (بِمَجْلِسٍ) وَاحِدٍ لِيَطَّلِعَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى رَأْيِ الْآخَرِ (وَنُقِضَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ حُكْمُهُمَا مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا (إنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ) تَبَيُّنًا وَاضِحًا كَحُكْمٍ بِشَاةٍ فِيمَا فِيهِ بَقَرَةٌ أَوْ بَدَنَةٌ أَوْ بِبَقَرَةٍ أَوْ بَعِيرٍ فِيمَا فِيهِ شَاةٌ أَوْ إطْعَامٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
(وَفِي) التَّسَبُّبِ فِي إسْقَاطِ (الْجَنِينِ) مَيِّتًا وَأُمُّهُ حَيَّةٌ مِنْ مُحْرِمٍ مُطْلَقًا أَوْ حِلٍّ فِي الْحَرَمِ أَيْ: كُلُّ جَنِينٍ لِوَحْشِيَّةٍ (وَ) فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ (الْبَيْضِ) لِغَيْرِ إوَزٍّ وَدَجَاجٍ غَيْرَ الْمَذَرِ إذَا كَسَرَهَا مُحْرِمٌ مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ فَرْخٌ وَخَرَجَ مَيِّتًا بَعْدَ كَسْرِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرْخٌ (عُشْرُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ (دِيَةِ) أَيْ: جَزَاءُ (الْأُمِّ) لِلْجَنِينِ أَوْ الْبَيْضِ إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ الْجَنِينُ أَوْ الْفَرْخُ بَلْ (وَلَوْ تَحَرَّكَ) الْجَنِينُ أَوْ الْفَرْخُ عَقِبَ انْفِصَالِهِ حَرَكَةً ضَعِيفَةً لَا

وَدِيَتُهَا إنْ اسْتَهَلَّ.

وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ وَالصَّيْدِ مُرَتَّبٌ

[منح الجليل]

تَدُلُّ عَلَى اسْتِقْرَارِ حَيَاتِهِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ مَوْتُ الْجَنِينِ أَوْ الْفَرْخِ قَبْلَ التَّسَبُّبِ فِي إسْقَاطِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
(وَ) فِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ (دِيَتُهَا) أَيْ: جَزَاءُ الْأُمِّ (إنْ) مَاتَ بَعْدَ أَنْ (اسْتَهَلَّ) الْجَنِينُ أَوْ الْفَرْخُ صَارِخًا عَقِبَ انْفِصَالِهِ عَنْ أُمِّهِ حَيَّةً أَوْ عَنْ بَيْضَتِهِ أَيْ: جَزَاءٌ كَجَزَاءِ أُمِّهِ فِي كَوْنِهِ يُجْزِئُ ضَحِيَّةً لِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَالصَّغِيرُ كَغَيْرِهِ، وَلِذَا قَالَ: دِيَتُهَا وَلَمْ يَقُلْ دِيَتُهُ، وَلِمُنَاسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ اسْتِهْلَالِهِ سَائِرُ مَا تَتَحَقَّقُ حَيَاتُهُ بِهِ كَكَثْرَةِ رَضَاعٍ فِيمَا يُرْضَعُ، فَإِنْ اسْتَهَلَّ وَمَاتَ وَمَاتَتْ فَجَزَاءَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَمَاتَتْ انْدَرَجَ فِي جَزَائِهَا فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَسْتَهِلَّ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهَا حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً فَإِنْ اسْتَهَلَّ وَمَاتَا فَدِيَتَانِ، وَإِنْ اسْتَهَلَّ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَدِيَتُهُ فَقَطْ كَمَا إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ وَمَاتَتْ الْأُمُّ، فَإِنْ لَمْ تَمُتْ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَلَا شَيْءَ فِي الْمَذَرِ.
وَكَذَا الْمَمْرُوقُ الَّذِي اخْتَلَطَ صَفَارُهُ بِبَيَاضِهِ أَوْ مَا وُجِدَ فِيهِ نُقْطَةُ دَمٍ عَلَى الظَّاهِرِ إذْ لَا يَتَخَلَّقُ مِنْهُمَا فَرْخٌ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَالْبَيْضُ وَلَوْ أَتْلَفَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فِي فَوْرٍ وَلَوْ وَصَلَ لِعَشْرٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ، لَوْ كَسَرَ عَشْرَ بَيْضَاتٍ لَكَانَ فِي كُلِّ بَيْضَةٍ عُشْرٌ لَا شَاةٌ عَنْ مَجْمُوعِهَا؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يَتَبَعَّضُ كَمَنْ قَتَلَ مِنْ الْيَرَابِيعِ مَا يَبْلُغُ قَدْرَ شَاةٍ فَلَا تُجْمَعُ فِيهَا، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْبَيْضِ خِلَافَهُ وَأَنَّهُ يُؤَدِّي فِي الْعَشْرِ بَيْضَاتٍ شَاةٌ.
وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَرَابِيعِ بِأَنَّ الْعَشْرَ بَيْضَاتٍ أَجْزَاءُ كُلٍّ بِخِلَافِ الْيَرَابِيعِ، فَإِنَّهَا جُزْئِيَّاتٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا.
وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأَجِنَّةِ، وَيُخَيَّرُ فِي الْجَنِينِ أَوْ الْبَيْضِ بَيْنَ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ مِنْ الطَّعَامِ وَعُدَّ لَهُ صِيَامًا يَوْمًا مَكَانَ مُدٍّ أَوْ كَسْرِهِ إلَّا بَيْضَ حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا فَإِنْ تَعَذَّرَ صَامَ يَوْمًا، وَلَمَّا كَانَتْ دِمَاءُ الْحَجِّ ثَلَاثَةً فِدْيَةٌ وَجَزَاءٌ وَهَدْيٌ، وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ.

شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْهَدْيِ فَقَالَ (وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ) الْوَاجِبَةِ فِيمَا يُتَرَفَّهُ أَوْ يُزِيلُ أَذًى (وَ) غَيْرُ جَزَاءِ (الصَّيْدِ) وَهُوَ مَا يَجِبُ لِقِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (مُرَتَّبٌ) مَرْتَبَتَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا لَا يَنْتَقِلُ عَنْ أُولَاهُمَا إلَّا بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْهَا دَمٌ ثُمَّ

هَدْيٌ، وَنُدِبَ إبِلٌ فَبَقَرٌ، ثُمَّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ إحْرَامِهِ، وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى

[منح الجليل]

صِيَامُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَيُقَالُ لَهُ (هَدْيٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْوَاعِ النَّعَمِ (إبِلٌ) فَهُوَ أَفْضَلُ الْهَدَايَا (فَبَقَرٌ) يَلِي الْإِبِلَ فِي الْفَضْلِ فَضَأْنٌ فَمَعْزٌ فَحَذَفَ مَرْتَبَةً لَهَا نَوْعَانِ أَوَّلُهُمَا مُقَدَّمٌ نَدْبًا؛ لِأَنَّهَا لَا أَفْضَلِيَّةَ لَهَا؛ إذْ لَا مَرْتَبَةَ بَعْدَهَا.
(ثُمَّ) إنْ عَجَزَ عَنْ الدَّمِ (صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) أَوَّلَ وَقْتِهَا (مِنْ إحْرَامِهِ) بِالْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْعِيدِ (وَ) إنْ فَاتَهُ صَوْمُهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا (صَامَ أَيَّامَ مِنًى) الثَّلَاثَةَ الَّتِي تَلِي يَوْمَ الْعِيدِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَيْهَا إلَّا لِعُذْرٍ، وَلَعَلَّ هَذَا حُكْمُهُ قَوْلُهُ وَصَامَ إلَخْ وَلَمْ يَقُلْ وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى كَمَا قَالَهُ سَابِقًا.
وَتَرَدَّدَ ابْنُ الْمُعَلَّى وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي صَوْمِهَا أَيَّامَ مِنًى هَلْ هُوَ أَدَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَنْعِ تَأْخِيرِهِ إلَيْهَا وَكَوْنِهِ أَدَّاهُ، إذْ هُوَ كَالصَّلَاةِ فِي الضَّرُورِيِّ قَالَ فِيهِ وَأَثِمَ إلَّا لِعُذْرٍ وَالْكُلُّ أَدَاءٌ أَفَادَهُ عب.
طفي وَهُوَ قُصُورٌ مِنْهُمَا وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْهُمَا فَفِي الْمُنْتَقَى، قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنَّ صِيَامَ أَيَّامِ مِنًى عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ، وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ قَبْلَهَا أَفْضَلَ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ الَّذِي فِيهِ سَعَةٌ لِلْأَدَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ أَفْضَلُ مِنْ آخِرِهِ وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ وَإِنْ أَيِسَ مِنْ وُجُودِ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ بِثَلَاثَةٍ لَا يَنْبَغِي تَأْخِيرُ صَوْمِهِ عَنْهَا، فَقَوْلُ عب وعج يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ لِأَيَّامِ مِنًى لِغَيْرِ عُذْرٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَإِنْ نَسَبَاهُ لِبَعْضِ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الِاسْتِحْبَابُ كَمَالُ صَوْمِهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَهُ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْطَرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَصَامَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي بَعْدَهُ.
اهـ. فَلَوْ كَانَ صَوْمُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَاجِبًا وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ مَا قَالَتْ وَلَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَالٌ قَالَ الْبَاجِيَّ إنَّ صِيَامَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ مُفَضَّلٌ لَا

بِنَقْضٍ بِحَجٍّ

[منح الجليل]

وَاجِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاغْتُفِرَ صَوْمُهَا مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةٍ فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ الْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ فَقَطْ أَوْ هُمَا، وَمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ فَاتَهُ أَوْ هُمْ، وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ حَجِّهِ مِنْ يَوْمِ إحْرَامِهِ إلَى حِينِ وُقُوفِهِ رَابِعَهَا أَوْ لِتَرْكِ ذَلِكَ وَلَوْ بَعْدَ وُقُوفِهِ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ وُجُوبُ صَوْمِ مَنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ أَيَّامَ مِنًى وَمَنَعَهُ.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَأَقَرَّاهُ.
(بِنَقْصٍ بِحَجٍّ) تَنَازَعَ فِيهِ صِيَامٌ وَصَامَ فَأَعْمَلَ الثَّانِي فِي اللَّفْظِ لِقُرْبِهِ وَالْأَوَّلَ فِي ضَمِيرِهِ وَحَذَفَهُ؛ لِأَنَّهُ فَضْلَةٌ فَمُرَادُهُ أَنَّ كَوْنَ النَّقْصِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ شَرْطٌ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ مِنْ إحْرَامِهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ.
وَالثَّانِي: كَوْنُهُ إنْ فَاتَهُ ذَلِكَ صَامَ أَيَّامَ مِنًى وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِصَامَ فَقَطْ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ وَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ مِنْ إحْرَامِهِ فَبَيَّنَ بِهِ الْمَبْدَأَ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ فَأَيْنَ الْغَايَةُ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى بِنَقْصٍ بِحَجٍّ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ.
وَيُرَجِّحُ هَذَا أَنَّ مَنْ نَقَصَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ مَا بَعْدَهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَصُومَ لَهُ قَبْلَهُ فَلَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِهِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ بِحَجٍّ يَكُونُ فِيهِ عَلَى هَذَا قَلَقٌ.
وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَمَا أَبَيْنَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ نَقْصٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْوُقُوفِ كَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْفَسَادِ وَالْفَوَاتِ وَتَعَدَّى الْمِيقَاتَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا إلَيْهِ فَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَانَ عَنْ نَقْصٍ بَعْدَ الْوُقُوفِ كَتَرْكِ مُزْدَلِفَةَ أَوْ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ مَبِيتِ مِنًى أَوْ وَطِئَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ أَوْ

إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَلَمْ تَجُزْ إنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ:

[منح الجليل]

الْحَلْقِ صَامَ مَتَى شَاءَ، وَكَذَلِكَ صِيَامُ وَهَدْيُ الْعُمْرَةِ كَذَلِكَ مَنْ مَشَى فِي نَذْرٍ إلَى مَكَّةَ فَعَجَزَ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَهُ فِيهَا وَإِنَّمَا يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ كَمَا ذَكَرْنَا الْمُتَمَتِّعَ وَالْقَارِنَ مَنْ تَعَدَّى مِيقَاتَهُ أَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
وَأَمَّا مَنْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِتَرْكِ جَمْرَةٍ أَوْ لِتَرْكِ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَلْيَصُمْ مَتَى شَاءَ.
وَكَذَلِكَ الَّذِي وَطِئَ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصُومُ إذَا اعْتَمَرَ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى.
وَمَنْ مَشَى فِي نَذْرٍ إلَى مَكَّةَ فَعَجَزَ فَلْيَصُمْ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي فِي غَيْرِ حَجٍّ فَكَيْفَ لَا يَصُومُ فِي غَيْرِ حَجٍّ.
أَبُو الْحَسَنِ أَيْ: يَقْضِي مَشْيَهُ أَمَاكِنِ رُكُوبِهِ فِي غَيْرِ إحْرَامٍ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ يَقْضِي مَشْيَهُ فِي عُمْرَةٍ إذَا أَبْهَمَ يَمِينَهُ أَوْ نَذْرَهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النَّذْرِ.
اهـ. وَمَا سَلَكَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إحْدَى طُرُقٍ ثَلَاثَةٍ وَقَدْ حَصَّلَهَا فِي التَّوْضِيحِ فَتَأَمَّلْهَا فِيهِ لَعَلَّك تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَا عَقَدَهُ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ.
(إنْ تَقَدَّمَ) النَّقْصُ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ كَتَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ وَتَعَدِّي مِيقَاتٍ وَتَرْكِ طَوَافِ قُدُومٍ (وَسَبْعَةٍ) مِنْ الْأَيَّامِ مَجْرُورٌ عَطْفٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيْ: عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ الدَّمِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ (إذَا رَجَعَ) وَلَوْ أَخَّرَ صَوْمَهَا عَنْ رُجُوعِهِ (مِنْ مِنًى) لَمْ يَقُلْ لِمَكَّةَ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ، وَلَوْ لَمْ يَقُمْ بِهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ شُمُولُهُ لِرُجُوعِهِ لَهَا يَوْمَ النَّحْرِ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَأَنَّهُ يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى الثَّلَاثَةَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبْعَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصُومُهَا إنْ كَانَ قَدْ صَامَ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ أَيَّامِ مِنًى، وَالْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ مِنْ مِنًى الْفَرَاغُ مِنْ الرَّمْيِ لِيَشْمَلَ أَهْلَ مِنًى وَمَنْ أَقَامَ بِهَا.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ النَّقْصَ إنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْوُقُوفِ كَتَرْكِ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ تَرْكِ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ كَانَ وَقْتُهُ كَهَدْيِ الْمَارِّ بِعَرَفَةَ النَّاوِي بِهِ الْوُقُوفَ، وَكَإِنْزَالٍ ابْتِدَاءً وَإِمْذَائِهِ حِينَ وُقُوفِهِ أَوْ أَخَّرَ الثَّلَاثَةَ حَتَّى فَاتَتْ أَيَّامُ مِنًى فَإِنَّهُ يَصُومُهَا مَعَ السَّبْعَةِ مَتَى شَاءَ.
(وَلَمْ تُجْزِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ لَا تَكْفِي السَّبْعَةُ (إنْ قُدِّمَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ: السَّبْعَةُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهَا (عَلَى وُقُوفِهِ) وَكَذَا الْمُقَدَّمُ مِنْهَا عَلَى رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى قَالَهُ سَنَدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ، أَوْ وَجَدَ مُسَلِّفًا لِمَالٍ بِبَلَدِهِ، وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ.

[منح الجليل]

﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] وَلَا يُحْتَسَبُ مِنْ السَّبْعَةِ الَّتِي صَامَهَا قَبْلَ وُقُوفِهِ بِثَلَاثَةٍ قَالَهُ تت مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ.
وَقَالَ عج فِيهِ خِلَافٌ فَإِنْ صَامَ الْعَشَرَةَ كُلَّهَا قَبْلَ وُقُوفِهِ فَقَالَ الْحَطّ الظَّاهِرُ اكْتِفَاؤُهُ بِثَلَاثَةٍ مِنْهَا، وَلَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ تت لِاخْتِلَافِ مَوْضُوعِهِمَا وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُ صَوْمِ السَّبْعَةِ إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى وَطَنِهِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] هَلْ الْمَعْنَى لِلْأَهْلِ قَالَهُ غَيْرُ مَالِكٍ، أَوْ لِمَكَّةَ قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. فَإِنْ اسْتَوْطَنَ مَكَّةَ صَامَ بِهَا اتِّفَاقًا.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ كَمَالِ يَوْمٍ فَلَا يُجْزِئُهُ فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ لِلدَّمِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِدَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَكْمِيلُ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي أَيْسَرَ فِيهِ (أَوْ وَجَدَ) مَنْ عَلَيْهِ الْهَدْيُ (مُسَلِّفًا لِمَالٍ) يَهْدِي بِهِ وَيُنْظِرُهُ بِالْقَضَاءِ مِنْ مَالٍ لَهُ (بِبَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُوسِرًا حُكْمًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ كَذَلِكَ فَيَصُومُ وَلَا يُؤَخِّرُ حَتَّى يَرْجِعَ لِبَلَدِهِ وَلَا لِمَالٍ يَرْجُوهُ بَعْدَ خُرُوجِ أَيَّامِ مِنًى؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالصَّوْمِ فِي الْحَجِّ (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (الرُّجُوعُ) مِنْ الصَّوْمِ (لَهُ) أَيْ: الدَّمِ إنْ أَيْسَرَ بِهِ (بَعْدَ) صَوْمِ (يَوْمَيْنِ) بِأَنْ أَيْسَرَ فِي لَيْلَةِ الثَّالِثِ، وَكَذَا إنْ أَيْسَرَ فِيهِ، وَكَذَا فِي لَيْلَةِ الثَّانِي أَوْ فِيهِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ مِنْ وُجُوبِ الرُّجُوعِ فِيهِمَا، فَاَلَّذِي يَجِبُ رُجُوعُهُ وَلَا يَكْفِيهِ صَوْمُهُ هُوَ الَّذِي أَيْسَرَ قَبْلَ إكْمَالِ يَوْمٍ، فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ يُنْدَبُ الرُّجُوعُ بَعْدَ إكْمَالِ يَوْمٍ وَقَبْلَ إكْمَالِ الثَّالِثِ، فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ إكْمَالِهِ فَلَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ قَسِيمَةُ السَّبْعَةِ فَكَأَنَّهَا نِصْفُ الْعَشَرَةِ أَفَادَهُ تت.
وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ الرُّجُوعِ لِلدَّمِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ.
وَفِي الْحَطّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ لَوْ وَجَدَ الْهَدْيَ بَعْدَ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اهـ عب.
طفي قَوْلُهُ وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَلِابْنِ شَاسٍ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِمَنْ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ، قَالَ وَهَذَا يَحْسُنُ فِيمَنْ قَدَّمَ الصَّوْمَ عَلَى

وَوُقُوفُهُ بِهِ الْمَوَاقِفَ كُلِّهَا، وَالنَّحْرُ بِمِنًى

[منح الجليل]

الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ اهـ. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهَا فِي كِتَابِ الظِّهَارِ وَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ثُمَّ وَجَدَ ثَمَنَ الْهَدْيِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلْيَمْضِ عَلَى صَوْمِهِ، وَإِنْ وَجَدَ ثَمَنَهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ فَإِنْ شَاءَ أَهْدَى أَوْ تَمَادَى عَلَى صَوْمِهِ فَأَمَرَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ بِالتَّمَادِي وَخَيَّرَهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ، وَكُلُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا اهـ الْبُنَانِيُّ.
قَدْ يُقَالُ يَصِحُّ حَمْلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَتْبُوعَاهُ عَلَى مَا فِيهَا بِأَنْ يُرَادَ بِاسْتِحْبَابِ الرُّجُوعِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَيْ: وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الثَّالِثِ كَمَا نَقَلَهُ تت عَنْ ابْنِ نَاجِي خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ، وَالْمُرَادُ بِالتَّخْيِيرِ الَّذِي فِيهَا عَدَمُ اللُّزُومِ فَلَا يُنَافِي الِاسْتِحْبَابَ وَبِمَا ذَكَرَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ ز بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ لِلْهَدْيِ قَبْلَ كَمَالِ الْيَوْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ.

(وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ) أَيْ: الْمُهْدَى (بِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ (الْمَوَاقِفَ) كُلَّهَا فَالنَّدْبُ مُنْصَبٌّ عَلَى الْمَجْمُوعِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ إيقَافَهُ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ شَرْطٌ، وَهَذَا فِيمَا يُنْحَرُ بِمِنًى.
وَأَمَّا مَا يُنْحَرُ بِمَكَّةَ فَشَرْطُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَيَكْفِي وُقُوفُهُ بِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْحِلِّ فِي أَيِّ وَقْتٍ.
وَأَرَادَ بِالْمَوَاقِفِ عَرَفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَمِنًى، وَعُدَّتْ مَوْقِفًا لِوُقُوفِهِ بِهَا عَقِبَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَمُزْدَلِفَةَ مَبِيتٌ لَا مَوْقِفٌ قَالَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ مُنْصَبٌّ عَلَى الْمَجْمُوعِ نَحْوُهُ فِي الْحَطّ وتت، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَاشِرٍ وطفي بِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَا يَحْتَاجُ لِتَأْوِيلٍ وَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَوْقِفٍ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ وُقُوفَهُ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِنَحْرِهِ بِمِنًى وَلَيْسَ شَرْطًا فِي نَفْسِ الْهَدْيِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ بَطَلَ كَوْنُهُ هَدْيًا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ نَدْبِ إيقَافِهِ بِعَرَفَةَ وَكَوْنِهِ شَرْطًا فِي نَحْرِهِ بِمِنًى، وَالنَّحْرُ بِمِنًى غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ إنْ شَاءَ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَنَحَرَهُ بِمِنًى، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ وَنَحَرَهُ بِمَكَّةَ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَ) نُدِبَ (النَّحْرُ) لِلْهَدْيِ وَمِنْهُ جَزَاءُ الصَّيْدِ (بِمِنًى) مَعَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ نَهَارًا فَلَا يُجْزِئُ لَيْلًا، وَالْفِدْيَةُ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ.
وَلَوْ عَبَّرَ بِذَكَاةٍ كَانَ أَشْمَلَ وَمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ نَدْبِهِ مَعَ الشُّرُوطِ نَحْوُهُ فِي الْحَطّ، فَإِنْ ذَكَّى بِمَكَّةَ مَعَهَا أَجْزَأَ وَخَالَفَ الْمَنْدُوبَ، قَالَ وَهُوَ الْآتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَشَهَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْسَكِهِ اهـ

إنْ كَانَ فِي حَجٍّ، وَوَقَفَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ: كَهُوَ بِأَيَّامِهَا، وَإِلَّا فَمَكَّةُ،

[منح الجليل]

وَجَعَلَهُ تت مَعَهَا وَاجِبًا وَنَحْوَهُ لِلشَّارِحِ أَيْضًا وَعَزَيَا عَنْ عِيَاضٍ الْوُجُوبَ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إجْزَائِهِ بِمَكَّةَ مَعَهَا أَفَادَهُ عب.
وَصَوَّبَ الرَّمَاصِيُّ الْوُجُوبَ لِتَصْرِيحِ عِيَاضٍ فِي إكْمَالِهِ بِهِ.
وَمَا قَالَهُ الْحَطّ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي قَوْلِهَا وَمَنْ وَقَفَ بِهَدْيٍ جَزَاءَ صَيْدٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ غَيْرِهِ بِعَرَفَةَ ثُمَّ قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَحَرَهُ بِهَا جَاهِلًا أَوْ تَرَكَ مِنًى مُتَعَمِّدًا أَجْزَأَهُ.
اهـ.؛ لِأَنَّ الْإِجْزَاءَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
وَذَكَرَ شُرُوطَ نَحْرِهِ بِمِنًى فَقَالَ (إنْ كَانَ) الْهَدْيُ سَبَقَ (فِي) إحْرَامِ (حَجٍّ) فَرْضٍ أَوْ مَنْذُورٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، وَشَمِلَ الْمَسْبُوقُ بِحَجٍّ مَا كَانَ عَنْ نَقْصٍ فِي عُمْرَةٍ (وَوَقَفَ بِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ (هُوَ) أَيْ: الْمُهْدِي، فَصَلَ بِهِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي وَقَفَ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: 35] (أَوْ نَائِبُهُ) أَيْ: الْمُهْدِي كَنَاحِرِهِ وَهُوَ ضَالٌّ مِنْ مُهْدِيهِ وُقُوفًا (كَهُوَ) أَيْ: كَوُقُوفِهِ الرُّكْنِيِّ فِي كَوْنِهِ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ، فَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ أَوْ نَائِبُهُ عَنْ وُقُوفِ التُّجَّارِ بِنَعَمِهِمْ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي مَنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِمِنًى؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنُوبُوا عَنْهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُمْ بِعَرَفَةَ وَيَتْرُكَهُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ مِنًى، وَبِقَوْلِهِ كَهُوَ عَنْ وَقَوْفِهِ بِهِ بِهَا نَهَارًا فَقَطْ وَنَحَرَ (بِأَيَّامِهَا) أَيْ: مِنًى هَذَا ظَاهِرُ سِيَاقِهِ وَقَرَّرَهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ وتت.
وَقَالَ عج وَأَحْمَدُ الْمُعْتَمَدُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ فَقَطْ إذْ الْيَوْمُ الرَّابِعُ لَيْسَ وَقْتًا لِنَحْرٍ وَلَا ذَبْحٍ فَتَجَوَّزَ فِي التَّعْبِيرِ، وَلَوْ قَالَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ لَكَانَ أَوْلَى.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ بِأَنْ انْتَفَتْ كُلُّهَا بِأَنْ سَاقَهُ فِي عُمْرَةٍ نَذْرًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ سَبَقَ أَوْ عُمْرَةٍ كَذَلِكَ أَوْ سَاقَهُ لَا فِي إحْرَامٍ كَذَلِكَ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا بِأَنْ فَاتَهُ وُقُوفُ عَرَفَةَ أَوْ خَرَجَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ (فَمَكَّةُ) مَحَلُّهُ وُجُوبًا وَلَا يُجْزِئُ بِمِنًى وَلَا بِغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] . ابْنُ عَطِيَّةَ ذُكِرَتْ الْكَعْبَةُ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ الْحَرَمِ وَأُسُّهُ.

وَأَجْزَأَ إنْ أُخْرِجَ لِحِلٍّ: كَأَنْ وَقَفَ بِهِ فَضَلَّ مُقَلَّدًا، وَنُحِرَ وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ

[منح الجليل]

وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ كُلِّ هَدْيٍ الْجَمْعُ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَكَانَ مَا يُذَكَّى بِمِنًى مَجْمُوعًا فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ إذْ شَرْطُهُ وُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ فِي الْمُذَكَّى بِمَكَّةَ الَّذِي مِنْ صُوَرِهِ مَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَقَالَ (وَأَجْزَأَ) كُلُّ هَدْيٍ يُذَكَّى بِمَكَّةَ (إنْ أُخْرِجَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (لِحِلٍّ) مِنْ أَيِّ جِهَةٍ وَلَوْ بِشِرَائِهِ مِنْهُ وَاسْتِصْحَابِهِ لِمَكَّةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرِجُ لَهُ حِلًّا أَوْ مُحْرِمًا، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهُ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ حِلًّا أَوْ مُحْرِمًا.
قَالَ سَنَدٌ: وَالْأَحْسَنُ إذَا كَانَ الْهَدْيُ مِمَّا يُقَلَّدُ وَيُشْعَرُ أَنْ يُؤَخَّرَ إلَى الْحِلِّ فَإِنْ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِالْحَرَمِ وَأَخْرَجَهُ أَجْزَأَهُ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يُحْرِمَ إذَا دَخَلَهُ، قَالَ فِيهَا: فَإِنْ دَخَلَ بِهِ حَلَالًا أَوْ أَرْسَلَهُ مَعَ حَلَالٍ أَجْزَأَهُ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ وَقَفَ) رَبُّ الْهَدْيِ (بِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ (فَضَلَّ) الْهَدْيُ مِنْ رَبِّهِ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُقَلَّدًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُشَدَّدَةً (وَنُحِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيُ، أَيْ نَحَرَهُ مَنْ وَجَدَهُ بِمِنًى فِي أَيَّامِ النَّحْرِ ثُمَّ وَجَدَهُ رَبُّهُ مَنْحُورًا فَقَدْ أَجْزَأَ رَبَّهُ.
ابْنُ غَازِيٍّ أَشَارَ بِهَذَا لِقَوْلِهِ فِيهَا وَمَنْ أَوْقَفَ هَدْيَهُ.
بِعَرَفَةَ ثُمَّ ضَلَّ مِنْهُ فَوَجَدَهُ رَجُلٌ فَنَحَرَهُ بِمِنًى؛ لِأَنَّهُ رَآهُ هَدْيًا فَوَجَدَهُ رَبُّهُ مَنْحُورًا أَجْزَأَهُ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ وَقَفَ بِهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ وَضَلَّ مُقَلَّدًا ثُمَّ وَجَدَهُ مُذَكًّى بِمِنًى لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَقِفَ بِهِ مَنْ وَجَدَهُ بِعَرَفَةَ، كَمَا إذَا ضَلَّ قَبْلَ الْجَمْعِ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَوَجَدَهُ مُذَكًّى بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فَإِنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ وَضَلَّ مُقَلَّدًا بَعْدَ جَمْعِهِ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ثُمَّ وَجَدَهُ مُذَكًّى بِمَكَّةَ فَيُجْزِئُ فِيهَا مَنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ وَأَشْعَرَهُ ثُمَّ ضَلَّ مِنْهُ فَأَصَابَ رَجُلٌ فَأَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ ثُمَّ وَجَدَهُ رَبُّهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ التَّوْقِيفُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ هَدْيًا.
اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ.
(وَ) الْهَدْيُ الْمَسُوقُ (فِي) إحْرَامِ (الْعُمْرَةِ) لِنَقْصٍ فِيهَا كَتَعَدِّي مِيقَاتٍ وَتَرْكِ تَلْبِيَةٍ أَوْ إصَابَةِ صَيْدٍ أَوْ فِي حَجٍّ سَابِقٍ أَوْ فِي عُمْرَةٍ سَابِقَةٍ أَوْ لِنَذْرٍ يُذَكِّي (بِمَكَّةَ) وَصَرَّحَ بِهَذَا مَعَ

بَعْدَ سَعْيِهَا ثُمَّ حَلَقَ.

إنْ أَخَّرَ إحْرَامَهُ حَتَّى يُتِمَّهَا لِقُرْبٍ وَقْتَ الْوُقُوفِ فَصَارَ قَارِنًا وَإِنْ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَوْ لِحَيْضٍ؛ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ لِقِرَانِهِ:

[منح الجليل]

دُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ سَابِقًا وَإِلَّا فَمَكَّةُ لِقَوْلِهِ (بَعْدَ سَعْيِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ فَلَا تُجْزِئُ تَذْكِيَتُهُ قَبْلَهُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْوُقُوفِ فِي هَدْيِ الْحَجِّ فِي أَنَّهُ لَا يُذَكِّي إلَّا بَعْدَهُ.
(ثُمَّ حَلَقَ) الْمُعْتَمِرُ رَأْسَهُ أَوْ قَصَّرَ وَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ.
الْأَبْهَرِيُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَ نَحْرَهُ أَيْ: عَنْ الْحَلْقِ فَأَتَى بِثُمَّ الْمُرَتِّبَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْحَلْقَ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ تَذْكِيَةِ الْهَدْيِ كَالْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] ، وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَكَذَا قَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَ نَحْرَهُ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ النَّحْرِ عَلَى الْحَلْقِ مَنْدُوبٌ.

(وَإِنْ) أَحْرَمَ شَخْصٌ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ هَدْيًا تَطَوُّعًا وَقَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ ثُمَّ (أَرْدَفَ) حَجًّا عَلَيْهَا (لِخَوْفِ فَوَاتِ) لِلْحَجِّ إنْ أَخَّرَ إحْرَامَهُ حَتَّى يُتِمَّهَا لِقُرْبِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَصَارَ قَارِنًا (أَوْ) أَرْدَفَتْ امْرَأَةٌ مُحْرِمَةٌ بِعُمْرَةِ الْحَجِّ عَلَيْهَا وَمَعَهَا هَدْيُ تَطَوُّعٍ (لِحَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ نَزَلَ بِهَا فَمَنَعَهَا مِنْ إتْمَامِ عُمْرَتِهَا وَخَافَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ إنْ أَخَّرَتْ إحْرَامَهُ إلَى إتْمَامِهَا بَعْدَ طُهْرِهَا لِقُرْبِ وَقْتِ وُقُوفِهِ فَصَارَتْ قَارِنَةً (أَجْزَأَ) الْهَدْيُ (التَّطَوُّعُ) أَيْ: الَّذِي لَمْ يُسَقْ لِشَيْءٍ وَجَبَ أَوْ يَجِبُ فِي الصُّورَتَيْنِ (لِقِرَانِهِ) أَيْ: الْمُرْدِفِ مِنْ الشَّخْصَيْنِ.
ابْنُ غَازِيٍّ أَشَارَ بِمَسْأَلَةِ الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي امْرَأَةٍ دَخَلَتْ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَمَعَهَا هَدْيٌ فَحَاضَتْ بَعْدَ دُخُولِهَا مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ أَنَّهُ لَا يُنْحَرُ هَدْيُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَطُوفَ وَتَسْعَى وَتَنْحَرَهُ وَتُقَصِّرَ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَخَافَتْ الْفَوَاتَ وَلَمْ تَسْتَطِعْ الطَّوَافَ بِحَيْضِهَا أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ وَسَاقَتْ هَدْيَهَا وَأَوْقَفَتْهُ بِعَرَفَةَ وَلَا تَنْحَرُهُ إلَّا بِمِنًى وَأَجْزَأَهَا لِقِرَانِهَا وَسَبِيلُهَا سَبِيلُ مَنْ قَرَنَ اهـ. قَالَ فِي الْمَعُونَةِ يُسْتَحَبُّ لِلْمُرْدِفَةِ لِحَيْضٍ أَنْ تَعْتَمِرَ بَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ الْقِرَانِ كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَمَفْهُومُ لِخَوْفِ فَوَاتٍ أَوْ لِحَيْضٍ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ فَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ الْهَدْيَ تَطَوَّعَ ثُمَّ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ أَجْزَأَهُ

كَأَنْ سَاقَهُ فِيهَا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِمَا إذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ، وَالْمَنْدُوبُ بِمَكَّةَ الْمَرْوَةُ،

[منح الجليل]

هَدْيُ التَّطَوُّعِ لِقِرَانِهِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ لِلْعُمْرَةِ قَبْلَ الْإِرْدَافِ وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ أَيْضًا خِلَافًا لِقَوْلِ الْبِسَاطِيِّ الْإِجْزَاءُ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يُقَلِّدْ وَيُشْعِرْ لِلْعُمْرَةِ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ) أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَ (سَاقَهُ) أَيْ: الْهَدْيَ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ تَطَوُّعًا (فِي) إحْرَامٍ (فِيهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ وَأَتَمَّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَتَحَلَّلَ مِنْهَا وَلَمْ يُذَكِّ الْهَدْيَ الَّذِي سَاقَهُ فِيهَا (ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ) وَصَارَ مُتَمَتِّعًا فَيُجْزِئُهُ الْهَدْيُ الَّذِي سَاقَهُ فِي الْعُمْرَةِ لِتَمَتُّعِهِ سَوَاءٌ سَاقَهُ لَهُ أَوْ لَا (وَتُؤُوِّلَتْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُشَدَّدَةً أَيْ فُهِمَتْ الْمُدَوَّنَةَ (أَيْضًا) أَيْ: كَمَا تُؤُوِّلَتْ بِإِجْزَائِهِ مُطْلَقًا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ أَمْ لَا (بِمَا إذَا سِيقَ) الْهَدْيُ فِي الْعُمْرَةِ (لِلتَّمَتُّعِ) أَيْ: لِيَجْعَلَهُ هَدْيًا عَنْ تَمَتُّعِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا سَاقَهُ وَقَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ سَمَّاهُ تَطَوُّعًا لِذَلِكَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ حُكْمًا، فَلِذَا أَجْزَأَهُ تَمَتُّعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ لَهُ فَلَا يُجْزِئُهُ لَهُ.
وَالْمَذْهَبُ تَأْوِيلُ الْإِطْلَاقِ كَمَا هُوَ فِي اصْطِلَاحِهِ فِي قَوْلِهِ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا، فَسَقَطَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَوْ قَالَ وَهَلْ يُجْزِئُ إنْ سَاقَهُ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَا إلَّا إذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ تَأْوِيلَانِ، كَأَنْ أَجْرَى عَلَى غَالِبِ عَادَتِهِ فِي ذِكْرِ التَّأْوِيلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ لِمَ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ الْمَحْضُ عَنْ الْقِرَانِ وَلَمْ يُجْزِ عَنْ التَّمَتُّعِ عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي إذَا لَمْ يُسَقْ لَهُ.
قُلْت الْقِرَانُ تَنْدَرِجُ الْعُمْرَةُ فِيهِ فِي الْحَجِّ فَتَعَلُّقُهَا بِهِ قَوِيٌّ صَارَ الْمَسُوقُ فِيهَا كَالْمَسُوقِ فِيهِ وَالتَّمَتُّعُ لَا تَنْدَرِجُ الْعُمْرَةُ فِيهِ فِي الْحَجِّ فَضَعُفَ تَعَلُّقُهَا بِهِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَسُوقُ فِيهَا كَالْمَسُوقِ فِيهِ (وَالْمَنْدُوبُ) فِيمَا يُنْحَرُ بِمِنًى الثَّابِتُ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ وَلَا يُجْزِئُ النَّحْرُ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مِنًى وَفِيمَا يُنْحَرُ (بِمَكَّةَ الْمَرْوَةُ) لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ بِمِنًى هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَفِي الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ» . وَالْمُرَادُ الْقَرْيَةُ نَفْسُهَا فَلَا يَجُوزُ النَّحْرُ فِي طُوَى بَلْ يَدْخُلُ دُورَ مَكَّةَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَدَلَّ قَوْلُهُ وَكُلُّ فِجَاجِ إلَخْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا الْمَنْحَرُ أَيْ: الْمَنْدُوبُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ

وَكُرِهَ نَحْرُ غَيْرِهِ كَالْأُضْحِيَّةِ.

وَإِنْ مَاتَ مُتَمَتِّعٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؛ إنْ رَمَى الْعَقَبَةَ.

[منح الجليل]

(وَكُرِهَ) بِضَمِّ الْكَافِ لِمَنْ لَهُ هَدْيٌ (نَحْرُ غَيْرِهِ) أَيْ: اسْتِنَابَةُ غَيْرِهِ فِي نَحْرِ هَدْيِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُنْحَرُ أَوْ ذَبْحِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُذْبَحُ إنْ كَانَ النَّائِبُ مُسْلِمًا وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ، وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ قَالَهُ فِيهَا، فَإِنْ ذَكَّاهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ اسْتِنَابَةٍ فَلَا تَتَعَلَّقُ الْكَرَاهَةُ بِرَبِّهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَالْأُضْحِيَّةِ) فَتُكْرَهُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى ذَكَاتِهَا فَالسُّنَّةُ تَوَلِّيهَا بِنَفْسِهِ تَوَاضُعًا فِي الْعِبَادَةِ وَاقْتِدَاءً بِسَيِّدِ الْعَالَمِينَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(وَإِنْ مَاتَ) شَخْصٌ (مُتَمَتِّعٌ) عَنْ غَيْرِ هَدْيٍ أَوْ عَنْ هَدْيٍ غَيْرِ مُقَلَّدٍ (فَالْهَدْيُ) لِتَمَتُّعِهِ وَاجِبٌ عَلَى وَارِثِهِ إخْرَاجُهُ (مِنْ رَأْسِ) أَيْ: جُمْلَةِ (مَالِهِ) أَيْ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي مَاتَ عَنْهُ وَلَوْ اسْتَغْرَقَهُ أَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ كَزَكَاةِ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ الَّتِي مَاتَ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْعَيْنِ لِاحْتِمَالِ إخْرَاجِهَا سِرًّا وَالْهَدْيُ يُقَلَّدُ وَيُشْعَرُ وَيُسَاقُ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ فَلَا يَخْفَى، لَكِنَّهُ مُؤَخَّرٌ عَنْ الدَّيْنِ لِآدَمِيٍّ (إنْ) مَاتَ الْمُتَمَتِّعُ بَعْدَ أَنْ (رَمَى الْعَقَبَةَ) يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ فَاتَ وَقْتُ أَدَاءِ رَمْيِهَا بِغُرُوبٍ يَوْمَ الْعِيدِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، أَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ رَمْيِهَا ثُمَّ مَاتَ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ رَمْيِهَا فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لِحُصُولِ مُعْظَمِ الْأَرْكَانِ مَعَ حُصُولِ أَحَدِ التَّحَلُّلَيْنِ، فَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْفَرَاغِ.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ قَلَّدَ هَدْيًا تَعَيَّنَتْ تَذْكِيَتُهُ وَلَوْ مَاتَ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ.
فَإِنْ انْتَفَتْ الثَّلَاثَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ رَأْسِ مَالٍ وَلَا مِنْ ثُلُثٍ، وَلَا يُعَارِضُ مَا هُنَا قَوْلُهُ الْمُتَقَدِّمُ وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْوُجُوبُ الْمُوَسَّعُ الْمُعَرِّضُ لِلسُّقُوطِ، وَإِنَّمَا يَتَحَتَّمُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كَمَا قَالَ هُنَا.
وَنَظِيرُهُ مَا يَأْتِي فِي الظِّهَارِ مِنْ وُجُوبِ كَفَّارَتِهِ بِالْعَوْدِ وَتَحَتُّمِهَا بِالْوَطْءِ.
وَمَفْهُومُ مُتَمَتِّعٌ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَارِنٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ حَيْثُ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ إرْدَافًا صَحِيحًا ثُمَّ مَاتَ تَقْرِيرُ.
اهـ. عب وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ شَرْطَ دَمِ الْقِرَانِ الْحَجُّ بِإِحْرَامِهِ وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوُقُوفِ لَمْ يَحُجَّ بِإِحْرَامِهِ، وَأَيْضًا لَمْ يَكْتَفُوا فِي تَحَتُّمِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ بِالْوُقُوفِ

وَسِنُّ الْجَمِيعِ وَعَيْبُهُ: كَالضَّحِيَّةِ وَالْمُعْتَبَرِ حِينَ وُجُوبِهِ وَتَقْلِيدِهِ، فَلَا يُجْزِئُ مُقَلَّدٌ بِعَيْبٍ وَلَوْ سَلِمَ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ

[منح الجليل]

فَكَيْفَ يُكْتَفَى فِي تَحَتُّمِ دَمِ الْقِرَانِ بِمُجَرَّدِ الْإِرْدَافِ، مَعَ أَنَّهُ مَقِيسٌ عَلَى دَمِ التَّمَتُّعِ وَأَيْضًا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ لَا دَمَ قِرَانٍ وَمُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ.

(وَسِنُّ) بِكَسْرِ السِّينِ وَشَدِّ النُّونِ أَيْ: عُمْرُ (الْجَمِيعِ) أَيْ: جَمِيعِ دِمَاءِ الْحَجِّ مِنْ هَدْيٍ وَجَزَاءٍ وَفِدْيَةٍ (وَعَيْبُهُ) أَيْ: الْجَمِيعِ الْمَانِعُ مِنْ إجْزَائِهِ أَوْ كَمَالِهِ (كَ) سِنِّ وَعَيْبِ (الضَّحِيَّةِ وَ) الْوَقْتُ (الْمُعْتَبَرُ) فِيهِ السِّنُّ وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْإِجْزَاءِ أَوْ الْكَمَالِ (حِينَ وُجُوبِهِ) أَيْ: تَعْيِينُ النَّعَمِ وَتَمْيِيزُهُ عَنْ غَيْرِهِ لِلْإِهْدَاءِ بِهِ إنْ كَانَ لَا يُقَلَّدُ كَالْغَنَمِ (وَ) حِينَ (تَقْلِيدِهِ) إنْ كَانَ مِمَّا يُقَلَّدُ كَبَدَنَةٍ وَبَقَرَةٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوُجُوبِهِ كَوْنَهُ وَاجِبًا، وَكَلَامُهُ فِي مَنَاسِكِهِ يُفِيدُ أَنَّ التَّعْيِينَ وَالتَّمْيِيزَ لِلْإِهْدَاءِ كَافٍ فِيمَا يُقَلَّدُ أَيْضًا.
الْبُنَانِيُّ مَا فِي الْمَنَاسِكِ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ عَقِبَ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ الَّتِي هِيَ كَعِبَارَتِهِ هُنَا مَا نَصُّهُ الْمُرَادُ بِالتَّقْلِيدِ هُنَا تَهْيِئَةُ الْهَدْيِ وَإِخْرَاجُهُ إلَى مَكَّةَ.
وَقَالَ سَنَدٌ الْهَدْيُ يَتَعَيَّنُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَبِسَوْقِهِ وَبِنَذْرِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَبْحُهُ.
وَفَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ وَالْمُعْتَبَرُ إلَخْ فَقَالَ (فَلَا يُجْزِئُ) هَدْيٌ وَاجِبٌ لِقِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ لِغَيْرِهِمَا أَوْ لِوَفَاءِ نَذْرٍ مَضْمُونٍ (مُقَلَّدٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامُ مُشَدَّدَةٌ حَالَ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا (بِعَيْبٍ) مَانِعٍ مِنْ الْإِجْزَاءِ كَشِدَّةِ عَرَجٍ أَوْ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ الْإِجْزَاءِ إنْ اسْتَمَرَّ مَعِيبًا أَوْ صَغِيرًا إلَى حِينِ تَذْكِيَتِهِ بَلْ (وَلَوْ سَلِمَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: بَرِئَ مِنْ الْعَيْبِ أَوْ بَلَغَ السِّنَّ الْمُجْزِئَ قَبْلَ تَذْكِيَتِهِ بِخِلَافِ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَخَفِيفِ مَرَضٍ، فَيُجْزِئُ مَعَهُ أَوْ يَمْنَعُهُ فِي مُتَطَوَّعٍ بِهِ أَوْ مَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ وَيَجِبُ إنْقَاذُ مَا قَلَّدَهُ مَعِيبًا أَوْ صَغِيرًا لِوُجُوبِهِ بِالتَّقْلِيدِ؛ وَإِنْ لَمْ يُجْزِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبُهُ مَانِعًا أَوْ لَا.
(بِخِلَافِ عَكْسِهِ) أَيْ: مُقَلَّدٍ بِعَيْبٍ سَلِمَ وَهُوَ مُقَلَّدٌ سَلِيمًا تَعَيَّبَ فَيُجْزِئُ إنْ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِيهِ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ قَالَهُ سَنَدٌ وَلَمْ يَمْنَعْ التَّعَيُّبُ بُلُوغَ الْمَحَلِّ فَلَوْ مَنَعَهُ كَمَوْتِهِ أَوْ سَرِقَتِهِ ضَمِنَ بَدَلَهُ فِي الْوَاجِبِ وَالنَّذْرِ الْمَضْمُونِ.

إنْ تَطَوَّعَ، وَأَرْشُهُ وَثَمَنُهُ فِي هَدْيٍ إنْ بَلَغَ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَفِي الْفَرْضِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَيْرٍ.

وَسُنَّ إشْعَارُ

[منح الجليل]

إنْ تَطَوَّعَ بِهِ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ إجْزَاؤُهُ فِي الْوَاجِبِ أَيْضًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَاتِبَ حَذَفَ وَاوًا قَبْلَ إنْ وَأَبْدَلَ فَاءً بِوَاوٍ فِي قَوْلِهِ وَأَرْشُهُ، وَالصَّوَابُ وَإِنْ تَطَوَّعَ بِهِ فَأَرْشُهُ إلَخْ، فَهُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَا شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ وَبِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ تَطَوَّعَ بِهِ قَدَّمَهُ الْكَاتِبُ عَنْ مَحَلِّهِ وَمَحَلُّهُ عَقِبَ قَوْلِهِ تَصَدَّقَ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى إجْزَاءِ التَّطَوُّعِ.
قِيلَ مَعْنَاهُ صِحَّتُهُ وَسُقُوطُ تَعَلُّقِ النَّدْبِ بِهِ (وَأَرْشُهُ) أَيْ عِوَضُ عَيْبِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَوْ مُنِعَ الْإِجْزَاءُ (وَثَمَنُهُ) إذَا اُسْتُحِقَّ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِ الْهَدْيِ يُجْعَلُ (فِي هَدْيٍ) آخَرَ بِهَدْيٍ بِهِ عِوَضًا عَنْ الْمَعِيبِ وَالْمُسْتَحَقِّ (إنْ بَلَغَ) الْأَرْشُ أَوْ الثَّمَنُ عَنْ هَدْيٍ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْأَرْشُ أَوْ الثَّمَنُ ثَمَنَ هَدْيٍ آخَرَ (تَصَدَّقَ بِهِ) أَيْ: الْأَرْشِ أَوْ الثَّمَنِ وُجُوبًا.
وَاسْتَشْكَلَ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ بِأَرْشٍ، أَوْ ثَمَنِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ بِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِمُعَيَّنٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَبِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَوَهَبَهُ فَاسْتُحِقَّ فَثَمَنُهُ لِوَاهِبِهِ.
وَأَجَابَ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّهُ هُنَا نَذَرَ الثَّمَنَ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ هَدْيًا وَلَوْ كَانَ تَطَوَّعَ بِالْهَدْيِ فَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ.
الْغِرْيَانِيُّ هَذَا ظَاهِرٌ فِقْهًا بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ.
(وَ) أَرْشُهُ وَثَمَنُهُ الْمَأْخُوذُ (فِي) عَيْبِ أَوْ عَيْنِ الْهَدْيِ (الْفَرْضِ) الْأَصْلِيِّ أَوْ الْمَنْذُورِ الْمَضْمُونِ (يَسْتَعِينُ بِهِ فِي) هَدْيِ (غَيْرٍ) إنْ كَانَ الْعَيْبُ مَانِعًا الْإِجْزَاءَ، وَإِلَّا فَيَجْعَلُهُ فِي هَدْيٍ إنْ بَلَغَ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَرْبَعُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ إمَّا تَطَوُّعٌ وَمِثْلُهُ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ، وَإِمَّا فَرْضٌ وَمِثْلُهُ الْمَنْذُورُ الْمَضْمُونُ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَمْنَعَ الْعَيْبُ الْإِجْزَاءَ أَوْ لَا، وَمَحَلُّ التَّفْصِيلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَيْبِ الْمَانِعِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى التَّقْلِيدِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَيْرٍ كَالْمُدَوَّنَةِ وُجُوبُهَا.
وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ يَسْتَعِينُ فِي الْهَدْيِ إنْ شَاءَ.

(وَسُنَّ) بِضَمِّ السِّينِ فِي الْبَدَنِ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ بَعْدُ لِمَنْ يَصِحُّ نَحْرُهُ (إشْعَارُ)

سَنَمِهَا مِنْ الْأَيْسَرِ لِلرَّقَبَةِ.

[منح الجليل]

أَيْ: شَقُّ (سَنَمَهَا) بِضَمِّ السِّينِ وَالنُّونِ جَمْعُ سَنَامٍ بِفَتْحِ السِّينِ إنْ كَانَ لَهَا سَنَامٌ، وَكَذَا مَا لَا سَنَامَ لَهَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ لَا تُشْعَرُ وَشَهَّرَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ شَدِيدٌ وَخَفِيفٌ فِي السَّنَامِ فَإِنْ أَشْعَرَ مَنْ لَا يَصِحُّ نَحْرُهُ لَمْ تَحْصُلْ السُّنَّةُ.
وَهَلْ يُعَادُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ شَدِيدٌ وَمَا لَهَا سَنَامَانِ تُشْعَرُ فِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَفَادَهُ عب.
ابْنُ عَرَفَةَ الْإِشْعَارُ شَقٌّ يُسِيلُ دِمَاءً وَالسُّنُمُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ سَنَامٍ كَقَذَالٍ وَقُذُلٍ فَلَا يَتَعَدَّى الْإِشْعَارُ السَّنَامَ مِنْ الْعَجْزِ لِجِهَةِ الرَّقَبَةِ وَذَلِكَ هُوَ الْعَرْضُ (مِنْ) الْجَنْبِ (الْأَيْسَرِ) . الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: 9] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ [فاطر: 40] . وَقَوْلِ ابْنِ غَازِيٍّ لِلْبَيَانِ بَعِيدٌ وَعَلَى أَنَّهَا لِلْبَيَانِ فَالْمَعْنَى سَنَمُهَا الَّذِي هُوَ أَيْسَرُ وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّ الْبَيَانَ بَعْضُ الْمَبِينِ بِالْفَتْحِ قَالَهُ عب (لِلرَّقَبَةِ) اللَّامُ بِمَعْنَى مِنْ عَلَى الْمُعْتَمَدُ هُنَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَشُقُّ فِي السَّنَامِ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ مُبْتَدِئًا مِنْ نَاحِيَةِ الرَّقَبَةِ إلَى جِهَةِ الْمُؤَخَّرِ فَلَا يَبْدَأُ مِنْ الْمُؤَخَّرِ إلَى الْمُقَدَّمِ وَلَا مِنْ الْمُقَدَّمِ إلَى جِهَةِ رُكْبَتَيْ الْبَعِيرِ، وَلَا بُدَّ فِي النَّدْبِ أَنْ يَسِيلَ مِنْهُ الدَّمُ وَلَوْ شَقَّ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ، كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَنَحْوُهُ فِي مَنْسَكِ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ بَعْدَهُ مَا نَصُّهُ، وَقُبِلَ قَدْرُ أُنْمُلَتَيْنِ، وَأَقْصَرَ تت عَلَيْهِ وَابْن الْحَطّ فِي مَنَاسِكِهِ.
قَالَ الْبَدْرُ وَانْظُرْهُ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَكَاهُ بِقِيلَ وَصَدَّرَ بِالْقَوْلِ بِالِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ الْإِسَالَةِ اهـ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ فِي مَنْسَكِ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ بَعْدَهُ إلَخْ تَحْرِيفٌ لِكَلَامِ الْمَنَاسِكِ وَلَفْظِهَا وَالْإِشْعَارُ أَنْ يَشُقَّ مِنْ سَنَمِهَا الْأَيْسَرِ، وَقِيلَ الْأَيْمَنِ مِنْ نَحْوِ الرَّقَبَةِ إلَى الْمُؤَخَّرِ، وَقِيلَ طُولًا قَدْرَ أُنْمُلَتَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ اهـ، فَلَيْسَ فِيهَا قَدْرُ أُنْمُلَةٍ وَلَيْسَ فِيهَا قَدْرُ أُنْمُلَتَيْنِ مُقَابِلًا لِمَا قَبْلَهُ كَمَا زَعَمَهُ ز فِيهِمَا، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ وَقِيلَ دَاخِلٌ عَلَى قَوْلِهِ طُولًا مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ إلَى الْمُؤَخَّرِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَدْرِ قُصُورٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّوَابُ مَا لابن الْحَطّ وتت.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي أَوْلَوِيَّتِهِ أَيْ الْإِشْعَارِ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ.
ثَالِثُهَا: أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَيْسَرِ.
وَرَابِعُهَا: هُمَا سَوَاءٌ وَفِي النُّكَتِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ إنَّمَا كَانَ الْإِشْعَارُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ؛ لِأَنَّهُ

مُسَمِّيًا.

وَتَقْلِيدٌ،

[منح الجليل]

يَجِبُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ ثُمَّ يُشْعِرَهَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ وَجْهُهُ مَتَى أَشْعَرَهَا فِي شِقِّهَا الْأَيْسَرِ إلَى الْقِبْلَةِ، وَإِذَا أَشْعَرَهَا فِي الْأَيْمَنِ لَمْ يَكُنْ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ اهـ. وَلَعَلَّ ابْنَ عَرَفَةَ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ إذْ عَزَاهُ لِمَنْ دُونَ الْأَبْهَرِيِّ فَقَالَ وَجَّهَ الْبَاجِيَّ كَوْنَهُ فِي الْأَيْسَرِ بِأَنَّهَا تُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ وَمَشْعَرَهَا كَذَلِكَ فَلَا يَلِيهِ مِنْهَا إلَّا الْأَيْسَرُ.
وَابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ السُّنَّةَ كَوْنُ الْمُشْعِرِ مُسْتَقْبِلًا يُشْعِرُ بِيَمِينِهِ وَخِطَامُهَا بِشِمَالِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَعَ فِي الْأَيْسَرِ، وَلَا يَكُونُ فِي الْأَيْمَنِ إلَّا أَنْ يَسْتَدِيرَ الْقِبْلَةَ أَوْ يُشْعِرَ بِشِمَالِهِ أَوْ يَمْسِكَ لَهُ غَيْرُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ إنَّمَا يَصِحُّ مَا قَالَا إنْ أَرَادَا تَوَجُّهَهَا لِلْقِبْلَةِ كَالذَّبْحِ لَا رَأْسِهَا لِلْقِبْلَةِ.
اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ آخِذًا زِمَامَهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى.
(مُسَمِّيًا) نَدْبًا كَذَا بِطُرَّةٍ عَنْ سَيِّدِي أَحْمَدَ بَابَا عَازِيًا لَهُ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْ: قَائِلًا بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.
اللَّخْمِيُّ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَرْضًا وَابْنُ حَبِيبٍ طُولًا.
ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَجِدْ لُغَوِيًّا إلَّا فَسَّرَ الطُّولَ بِضِدِّ الْعَرْضِ وَلَا الْعَرْضَ إلَّا بِضِدِّ الطُّولِ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَلَامِيِّ الطُّولُ الْبَعْضُ الْمَفْرُوضُ أَوَّلًا قِيلَ أَطْوَلُ الِامْتِدَادَيْنِ الْمُتَقَاطِعَيْنِ فِي السَّطْحِ وَالْأَخْذُ مِنْ رَأْسِ الْإِنْسَانِ لِقَدَمِهِ وَمِنْ ظَهْرِ ذَاتِ الْأَرْبَعِ لِأَسْفَلِهَا، وَالْعَرْضُ الْمَفْرُوضُ ثَانِيًا، وَالِامْتِدَادُ الْأَقْصَرُ، وَالْأَخْذُ مِنْ يَمِينِ الْإِنْسَانِ لِيَسَارِهِ، وَمِنْ رَأْسِ الْحَيَوَانِ لِذَنَبِهِ، وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ كَمِّيَّتَانِ مَأْخُوذَتَانِ مَعَ إضَافَتَيْنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَلَعَلَّ الْعَرْضَ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَنَقْلِ الْبَيْضَاوِيِّ وَهُوَ الطُّولُ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ فَيَتَّفِقَانِ.

(وَ) سُنَّ (تَقْلِيدٌ) أَيْ: جَعْلُ قِلَادَةٍ فِي رَقَبَةِ الْهَدْيِ وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْإِشْعَارِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ فِي الْفِعْلِ خَوْفًا مِنْ نِفَارِهَا بِالْإِشْعَارِ لِإِيلَامِهَا فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَقْلِيدِهَا.
وَلَعَلَّهُ اتَّكَلَ عَلَى قَوْلِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَتَقْلِيدِ هَدْيٍ ثُمَّ إشْعَارِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا تَقَدَّمَ لِإِجْمَالِهِ وَزَمَنُهُمَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ إنْ سَبَقَ الْهَدْيُ عِنْدَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ عِيَاضٌ وَابْنُ رُشْدٍ يُسْتَحَبُّ لِسَائِقِهِ فِعْلُهُمَا مِنْ مِيقَاتِهِ وَلِبَاعِثِهِ مِنْ حَيْثُ بَعْثُهُ، وَفِي كَرَاهَةِ فِعْلِهِمَا بِذِي الْحُلَيْفَةِ مُؤَخَّرًا

وَنُدِبَ نَعْلَانِ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ، وَتَجْلِيلُهَا وَشَقُّهَا إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ وَقُلِّدَتْ الْبَقَرُ فَقَطْ؛ إلَّا

[منح الجليل]

إحْرَامُهُ لِلْجُحْفَةِ نَقْلًا لِلْبَاجِيِّ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ، وَرِوَايَةُ دَاوُد بْنِ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِعْلُهُمَا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ إلَيَّ.
(وَنُدِبَ) فِي الْمُقَلَّدِ بِهِ (نَعْلَانِ) وَيَكْفِي وَاحِدٌ (بِنَبَاتِ الْأَرْضِ) فَلَا يُجْعَلُ مِنْ وَتَرٍ وَلَا شَعْرٍ وَنَحْوِهِمَا مَخَافَةَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِغُصْنٍ أَوْ جَبَلٍ فَيَخْنُقُهَا، وَنَبَاتُ الْأَرْضِ يَسْهُلُ قُطْعُهُ.
وَحِكْمَةُ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ إعْلَامُ الْمَسَاكِينِ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَتَّبِعُونَهُ وَوَاجِدُهُ ضَالًّا فَيَرُدُّهُ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ الزَّوَالِ.
(وَ) نُدِبَ (تَجْلِيلُهَا) أَيْ: الْبُدْنِ فَقَطْ قَالَهُ تت وَالْحَطّ بِأَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ وَأَفْضَلُهَا الْأَبْيَضُ وَنَحْوُ مَا لِلْمُصَنِّفِ فِي الْبَيَانِ، وَفِيهَا تُجَلِّلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ (وَ) نُدِبَ (شَقُّهَا) أَيْ: الْجِلَالِ عَنْ الْأَسْنِمَةِ لِيَظْهَرَ الْإِشْعَارُ وَتُمْسَكُ بِالسَّنَامِ فَلَا تَسْقُطُ (إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ) قِيمَتُهَا بِأَنْ كَانَتْ دِرْهَمَيْنِ، فَإِنْ ارْتَفَعَتْ بِأَنْ زَادَتْ عَلَيْهِمَا اُسْتُحِبَّ عَدَمُ شَقِّهَا؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي الْبَيَانِ، وَيُؤَخَّرُ تَجْلِيلُهَا حِينَئِذٍ إلَى حِينِ الْغُدُوِّ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ.
قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ أَمَرَ النَّاسِ أَنْ يُشَقَّ الْجِلَالُ عَنْ أَسْنِمَتِهَا وَذَلِكَ يَحْبِسُهُ عَنْ أَنْ يَسْقُطَ، وَمَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا كَانَ يَدَعُ ذَلِكَ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشُقُّ وَلَمْ يَكُنْ يُجَلِّلُ حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَاتٍ فَيُجَلِّلُهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُجَلِّلُ الْجِلَالَ الْمُرْتَفِعَةَ وَالْأَنْمَاطَ الْمُرْتَفِعَةَ، قَبْلُ أَوْ إنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِبْقَاءً لِلثِّيَابِ، قَالَ: نَعَمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا كَانَتْ الْجِلَالُ مُرْتَفِعَةً أَنْ لَا يَشُقَّ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابًا دُونًا فَشَقُّهَا أَحَبُّ إلَيَّ.
ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحَبُّ إلَيْنَا شَقُّ الْجِلَالِ عَنْ الْأَسْنِمَةِ إنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الثَّمَنِ كَدِرْهَمَيْنِ وَأَنْ لَا يَشُقَّ الْمُرْتَفِعَةَ اسْتِبْقَاءً لَهَا.
(وَقُلِّدَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (الْبَقَرُ فَقَطْ) أَيْ: بِدُونِ إشْعَارٍ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا)

بِأَسْنِمَةٍ لَا الْغَنَمُ.

وَلَمْ يُؤْكَلْ مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ عُيِّنَ مُطْلَقًا عَكْسُ الْجَمِيعِ فَلَهُ إطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ وَكُرِهَ لِذِمِّيٍّ

[منح الجليل]

حَالَ كَوْنِهَا (بِأَسْنِمَةٍ) فَتُشْعَرُ أَيْضًا وَفِيهَا تُقَلَّدُ الْبَقَرُ وَلَا تُشْعَرُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهَا أَسْنِمَةٌ فَتُشْعَرُ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهَا لَا تُجَلِّلُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ تُجَلِّلُ فَهُمَا قَوْلَانِ (لَا) تُقَلَّدُ وَلَا تُشْعَرُ (الْغَنَمُ) وَإِشْعَارُهَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ بِالتَّرْخِيصِ، وَتَقْلِيدَهَا مَكْرُوهٌ.

(وَلَمْ يُؤْكَلْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْكَافِ أَيْ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُهْدِي أَنْ يَأْكُلَ (مِنْ نَذَرَ) أَيْ: مَنْذُورٍ لِ (مَسَاكِينِ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لَهُمْ بِاللَّفْظِ كَهَذَا نَذْرٌ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ بِالنِّيَّةِ كَهَذَا نَذْرٌ نَاوِيًا لِلْمَسَاكِينِ فَيُمْنَعُ الْأَكْلُ مِنْهُ (مُطْلَقًا) بَلَغَ مَحَلَّهُ وَهُوَ مِنًى بِشُرُوطِهَا أَوْ مَكَّةَ عِنْدَ انْتِفَائِهَا أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ مُعَيَّنِينَ أَمْ لَا.
أَمَّا عَدَمُ أَكْلِهِ مِنْهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ فَيُتَّهَمُ بِتَعْطِيبِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الْمَحَلِّ فَلِأَنَّهُ قَدْ عَيَّنَ أَكْلَهُ وَهُمْ الْمَسَاكِينُ (عَكْسُ) أَيْ: خِلَافُ حُكْمِ (الْجَمِيعِ) أَيْ: جَمِيعِ الْهَدَايَا مُتَطَوِّعًا بِهَا أَوْ وَاجِبَةً مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ وَاجِبٍ لِنَقْصٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ فَوَاتٍ أَوْ تَعَدِّي مِيقَاتٍ أَوْ تَرْكِ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ نَهَارًا أَوْ نُزُولٍ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلًا أَوْ مَبِيتٍ بِمِنًى أَوْ رَمْيِ جِمَارٍ أَوْ طَوَافِ قُدُومٍ أَوْ تَأْخِيرِ حَلْقٍ، وَكَهَدْيِ فَسَادٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ كَنَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا مُطْلَقًا بَلَغَتْ مَحَلَّهَا أَمْ لَا، وَيَتَزَوَّدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] ، فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْقَانِعَ بِالسَّائِلِ لِعَطْفِ الْمُعْتَرِّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ يُعَرِّضُ بِالسُّؤَالِ وَلَا يَسْأَلُ.
وَإِذَا جَازَ لَهُ الْأَكْلُ فِي الْجَمِيعِ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُهْدِي (إطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ) وَإِنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ وَلَهُ التَّصَدُّقُ بِالْكُلِّ وَالْبَعْضِ بِلَا حَدٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَهُ سَنَدٌ (وَكَرِهَ) لَهُ الْإِطْعَامُ مِنْهَا (لِذِمِّيٍّ) أَوْ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَاسْتَثْنَى مِنْ الْجَمِيعِ مَا يُؤْكَلُ فِي حَالٍ دُونَ آخَرَ وَتَحْتَهُ نَوْعَانِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ لَا بَعْدَهُ وَعَكْسُهُ.

إلَّا نَذْرًا لَمْ يُعَيَّنْ، وَالْفِدْيَةَ وَالْجَزَاءَ بَعْدَ الْمَحَلِّ، وَهَدْيَ تَطَوُّعٍ إنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَتُلْقَى قِلَادَتُهُ بِدَمِهِ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ:

[منح الجليل]

وَأَشَارَ لِأَوَّلِهِمَا بِقَوْلِهِ (إلَّا نَذْرًا) لِلْمَسَاكِينِ (لَمْ يُعَيَّنْ) كَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ أَوْ بَدَنَةٌ نَاوِيًا لِلْمَسَاكِينِ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُمْ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ مُطْلَقًا قَبْلَ الْمَحَلِّ وَبَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إلَّا (الْفِدْيَةَ) الَّتِي جُعِلَتْ هَدْيًا وَإِلَّا فَيُمْنَعُ الْأَكْلَ مِنْهَا مُطْلَقًا (وَ) إلَّا (الْجَزَاءَ) لِصَيْدٍ فَلَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (بَعْدَ) بُلُوغِ (الْمَحَلِّ) وَهِيَ مِنًى مَعَ الشُّرُوطِ وَمَكَّةُ مَعَ عَدَمِهَا.
وَامْتَنَعَ الْأَكْلُ مِنْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لِوُصُولِهِ لَهُمْ، وَمِنْ الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ التَّرَفُّهِ أَوْ إزَالَةِ الْأَذَى، وَمِنْ الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ الصَّيْدِ وَمَفْهُومُ بَعْدَ الْمَحَلِّ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْهَا إذَا عَطِبَتْ قَبْلَ مَحَلِّهَا لِوُجُوبِ بَدَلِهَا عَلَيْهِ وَبَعْثِهِ إلَى الْمَحَلِّ، فَلَا يَلْزَمُ الْأَكْلُ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَأَشَارَ لِثَانِيهِمَا بِقَوْلِهِ (وَ) إلَّا (هَدْيَ تَطَوُّعٍ) لَمْ يَجِبْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِلْمَسَاكِينِ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ (إنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ عِوَضُهُ إلَّا أَنْ يُمْكِنَهُ تَذْكِيَتُهُ وَيَتْرُكَهَا حَتَّى مَاتَ فَيَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا وَمُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ قَالَهُ سَنَدٌ.
وَمَنَعَ أَكْلَهُ مِنْهُ قَبْلَهُ لِإِتْهَامِهِ عَلَى تَعْطِيبِهِ.
وَقِيلَ الْمَنْعُ تَعَبُّدٌ فَإِنْ سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ (فَتُلْقَى) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْقَافِ أَيْ: تُطْرَحُ (قِلَادَتُهُ بِدَمِهِ) بَعْدَ نَحْرِهِ عَلَامَةُ كَوْنِهِ هَدْيًا فَلَا يُؤْكَلُ وَلَا يُبَاعُ (وَيُخَلَّى) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا أَيْ: يُتْرَكُ (لِلنَّاسِ) مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ فَقِيرِهِمْ وَغَنِيِّهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ وَنَحْوِهَا.
قَوْلُهَا وَيُخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُوَضَّحُ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ مِنْ أَنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ مُخْتَصٌّ بِالْفَقِيرِ، وَنَقَلَهُ بِالْفَقِيرِ، وَنَقَلَهُ الْحَطّ، وَأَفَادَ قَوْلُهُ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ أَمْرَيْنِ إجْزَاءَهُ مَعَ تَوَهُّمِ طَلَبٍ بِبَدَلِهِ وَمَنْعَ أَكْلِهِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَالْمُبَالَغَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ جَوَازُ أَكْلِهِ مِنْهُ بَعْدَهُ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ الْهَدَايَا ثَمَانِيَةٌ وَهِيَ أَقْسَامُ النَّذْرِ الْأَرْبَعَةِ الْمُعَيَّنِ وَالْمَضْمُونِ وَكُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يُجْعَلَ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ لَا، وَهَدْيُ النَّقْصِ وَالْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ

كَرَسُولِهِ، وَضَمِنَ فِي غَيْرِ الرَّسُولِ بِأَمْرِهِ، بِأَخْذِ شَيْءٍ: كَأَكْلِهِ مِنْ مَمْنُوعٍ بَدَلَهُ،

[منح الجليل]

وَهِيَ بِاعْتِبَارِ الْأَكْلِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مَا يُمْنَعُ أَكْلُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَمَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَمَا يُمْنَعُ أَكْلُهُ مِنْهُ بَعْدَ مَحَلِّهِ وَيَجُوزُ قَبْلَهُ وَعَكْسُهُ كَمَا أَفَادَهَا الْمُصَنِّفُ، وَنَظَمَهَا ابْنُ غَازِيٍّ بِإِحْكَامِهَا فِي نَظَائِرِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ: كُلُّ هَدْيٍ نَقْصٌ وَاَلَّذِي ضَمِنْتَا ... إنْ لَمْ تَكُنْ سَمَّيْت أَوْ قَصَدْتَا وَدَعْ مُعَيَّنًا إذَا فَعَلْتَا ... وَقَبْلَ كُلِّ جَزَاءِ صَيْدٍ نِلْتَا وَهَدْيِ فِدْيَةِ الْأَذَى إنْ شِئْتَا ... وَمَا ضَمِنْت قَصْدًا وَصَرَّحْتَا وَبَعْدَ كُلٍّ طَوْعًا وَمَا عَيَّنْتَا ... إنْ لَمْ تَكُنْ سَمَّيْت أَوْ أَضْمَرْتَا وَشَبَّهَ فِي تَذْكِيَةِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَإِلْقَاءِ قِلَادَتِهِ بِدَمِهِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ (كَرَسُولِهِ) أَيْ: رَبِّ الْهَدْيِ الَّذِي أَرْسَلَهُ بِهَدْيِ تَطَوُّعٍ فَعَطِبَ مِنْهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَيُذَكِّيهِ وَيُلْقِي قِلَادَتَهُ بِدَمِهِ وَيُخَلِّيهِ لِلنَّاسِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ.
قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْأَفْعَالِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِيهَا وَالْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْهَدْيُ يَأْكُلُ مِنْهُ إلَّا مِنْ الْجَزَاءِ أَوْ الْفِدْيَةِ أَوْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِسْكَيْنَا فَجَائِزٌ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ.
وَقَالَ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَإِنْ بَعَثَ بِهِمَا مَعَ رَجُلٍ فَعَطِبَتْ فَسَبِيلُ الرَّسُولِ سَبِيلُ صَاحِبِهَا لَوْ كَانَ مَعَهَا وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا الرَّسُولُ.
(وَضَمِنَ) رَبُّ الْهَدْيِ (فِي غَيْرِ) مَسْأَلَةِ (الرَّسُولِ بِ) سَبَبِ (أَمْرِهِ) أَيْ: رَبِّ الْهَدْيِ شَخْصًا (بِأَخْذِ شَيْءٍ) مِنْ هَدْيٍ مَمْنُوعٍ أَكْلُهُ مِنْهُ.
وَشَبَّهَ فِي الضَّمَانِ فَقَالَ (كَأَكْلِهِ) أَيْ: رَبِّهِ (مِنْ) هَدْيٍ (مَمْنُوعٍ) أَكْلُهُ مِنْهُ وَمَفْعُولُ ضَمِنَ قَوْلُهُ (بَدَلَهُ) أَيْ الْهَدْيِ هَدْيًا كَامِلًا لَا قَدْرَ أَكْلِهِ أَوْ مَا أَخَذَهُ مَأْمُورُهُ فَقَطْ، سَوَاءٌ أَمَرَ مُسْتَحِقًّا أَوْ غَيْرَهُ إنْ كَانَ الْهَدْيُ تَطَوُّعًا كَغَيْرِهِ إنْ أَمَرَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الرَّسُولُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُهْدِي إنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ تَعَدَّى، وَلَا عَلَى الرَّسُولِ إنْ أَكَلَ أَوْ أَمَرَ مَنْ يَأْكُلُ أَوْ يَأْخُذُ شَيْئًا إنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا وَمَأْمُورُهُ مُسْتَحِقٌّ، وَإِلَّا ضَمِنَ قَدْرَ أَكْلِهِ وَقَدْرَ مَأْخُوذِهِ.

وَهَلْ إلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ، فَقَدْ أَكَلَهُ؟ خِلَافٌ، وَالْخِطَامُ وَالْجَلَالُ: كَاللَّحْمِ.

وَإِنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَبْحِهِ؛ أَجْزَأَ؛

[منح الجليل]

وَإِنْ أَبْدَلَهُ رَبُّ الْهَدْيِ صَارَ كَحُكْمِ مُبْدَلِهِ فِي مَنْعِ الْأَكْلِ مِنْهُ وَضَمَانِ الْبَدَلِ إنْ أَكَلَ مِنْهُ.
(وَهَلْ) عَلَى رَبِّهِ الْبَدَلُ كَامِلًا فِي كُلِّ مَمْنُوعٍ كَالْأَرْبَعِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا.
وَشَهَّرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي أَوْ (إلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ فَقَدْرُ أَكْلِهِ) لَحْمًا إنْ عَرَفَ وَزْنَهُ وَقِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْغَاصِبِ وَشَهَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (خِلَافٌ) فِي التَّشْهِيرِ وَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا.
وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ قَدْرَ أَكْلِهِ أَنَّ الْخِلَافَ غَيْرُ جَارٍ فِيمَا أَمَرَ بِأَخْذِهِ مِنْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنِ فَلَا يَضْمَنُ هَدْيًا كَامِلًا بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ عج.
قَالَ الْبُنَانِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَضْمَنُ هَدْيًا كَامِلًا لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ ز هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْفِقْهِ (وَالْخِطَامُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: الزِّمَامُ لِلْهَدَايَا سُمِّيَ بِهِ لِوُقُوعِهِ عَلَى مِخْطَمِهِ أَيْ: أَنْفِهِ (وَالْجِلَالُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جُلٍّ بِضَمِّهَا (كَاللَّحْمِ) فِي الْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ غَيْرُ تَامٍّ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ هَذَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ أَمَرَ بِأَخْذِهَا وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا ضَمِنَ قِيمَةَ مَا أَخَذَ فَقَطْ لِلْفُقَرَاءِ إنْ فَاتَتْ وَإِلَّا رَدَّهُ.
فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَطْلُوبُ أَنْ لَا يُعْطِيَ الْهَدْيَ إلَّا بَعْدَ نَحْرِهِ فَإِنْ دَفَعَهُ حَيًّا لِلْمَسَاكِينِ وَنَحَرُوهُ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ وَلَوْ تَطَوُّعًا.
أَمَّا الْوَاجِبُ فَظَاهِرٌ لِعَدَمِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَقَدْ أَفْسَدَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ.

(وَإِنْ سُرِقَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيُ الْوَاجِبُ كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ وَنَذْرٍ مَضْمُونٍ لِمَسَاكِين وَمَا وَجَبَ لِقِرَانٍ وَنَحْوَهُ مِنْ صَاحِبِهِ (بَعْدَ ذَبْحِهِ) أَوْ نَحْرِهِ (أَجْزَأَ) فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ مَحَلَّهُ وَوَقَعَ التَّعَدِّي عَلَى مَحْضِ حَقِّ الْمَسَاكِينِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ

لَا قَبْلَهُ، وَحُمِلَ الْوَلَدُ عَلَى غَيْرٍ ثُمَّ عَلَيْهَا وَإِلَّا

[منح الجليل]

وَصَرْفُهَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ كَالثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَأَمَّا مَا لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا وَيَفْعَلُ بِهَا مَا يَشَاءُ قَالَهُ سَنَدٌ.
(لَا) يُجْزِئُهُ إنْ سُرِقَ (قَبْلَهُ) أَيْ: الذَّبْحِ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إذَا سُرِقَ قَبْلَهُ.
الْبِسَاطِيُّ لَفْظُ أَجْزَأَ يَدُلُّ عَلَى كَلَامِهِ فِي الْوَاجِبِ وَمِثْلُ السَّرِقَةِ الضَّلَالُ وَالْمَوْتُ قَبْلَ نَحْرِهِ كَمَا فِيهَا، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يُجْزِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا أَجْزَأَ.
(وَحُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (الْوَلَدُ) الْحَاصِلُ بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ لِلْهَدْيِ وُجُوبًا إلَى مَكَّةَ وَحَمَلَهُ (عَلَى غَيْرٍ) أَيْ: غَيْرِ أُمِّهِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ سَوْقُهُ كَمَا يُحْمَلُ رَحْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَيْهَا، فَلَا يُخَالِفُ قَوْلُهُ وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلَا عُذْرٍ وَأَمَّا الْمَوْلُودُ قَبْلَ التَّقْلِيدِ فَيُنْدَبُ ذَبْحُهُ وَلَا يَجِبُ حَمْلُهُ، وَهَلْ يُنْدَبُ وَيَكُونُ عَلَى غَيْرِ الْأُمِّ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَنَصُّهَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَنْحَرَهُ مَعَهَا إنْ نَوَى ذَلِكَ، قَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي نَوَى بِأُمِّهِ الْهَدْيَ (ثُمَّ) حَمَلَ (عَلَيْهَا) أَيْ الْأُمِّ إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا وَلَهَا قُوَّةٌ عَلَى حَمْلِهِ وَإِنْ نَحَرَهُ دُونَ الْبَيْتِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَبْلِيغِهِ بِوَجْهٍ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ هَدْيٌ كَبِيرٌ تَامٌّ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى أُمِّهِ لِضَعْفِهَا أَوْ خَوْفِ هَلَاكِهَا وَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهَا بِأُجْرَةٍ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ.

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ لِيَشْتَدَّ فَكَالتَّطَوُّعِ.

وَلَا يَشْرَبُ مِنْ اللَّبَنِ وَإِنْ فَضَلَ

[منح الجليل]

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ) لِكَوْنِهِ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ بِهَا ثِقَةٌ عِنْدَ ثِقَةٍ (لِيَشْتَدَّ) ثُمَّ يُرْسَلَ إلَى مَحَلِّهِ (فَكَ) هَدْيِ (التَّطَوُّعِ) الَّذِي عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مُسْتَعْتَبٍ أَيْ: أَمِنَ نَحْرَهُ بِمَحَلِّهِ وَخَلَّاهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَأْكُلُ شَيْئًا مِنْهُ كَانَتْ أُمُّهُ مُتَطَوَّعًا بِهَا أَوْ عَنْ وَاجِبٍ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَكَذَا إنْ أَمَرَ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مُسْتَعْتَبٍ كَطَرِيقٍ فَيُبَدِّلُهُ بِهَدْيٍ كَبِيرٍ وَلَا يُجْزِيهِ بَقَرَةٌ فِي نِتَاجِ بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بَدَلُهُ ذَكَّاهُ وَتَرَكَهُ قَالَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ وَلَا مَعْنَى لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّطَوُّعِ الَّذِي عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ أَنَّهُ يُنْحَرُ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ وَلَمْ يُفَصِّلُوا فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلَ.

(وَلَا يُشْرِبُ) الْمُهْدِي بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ لِهَدْيٍ يُمْنَعُ الْأَكْلَ مِنْهُ (مِنْ اللَّبَنِ) إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا بَلْ (وَإِنْ فَضَلَ) اللَّبَنُ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا أَيْ يُكْرَهُ إنْ فَضَلَ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا وَلَمْ يَضُرَّ شُرْبُهُ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلْيَتَصَدَّقْ بِالْفَاضِلِ

وَغَرِمَ إنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ مُوجِبَ فِعْلِهِ وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلَا عُذْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ وَنَحْرِهَا قَائِمَةً أَوْ مَعْقُولَةً.

[منح الجليل]

عَنْ فَصِيلِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ أَوْ أَضَرَّ أَحَدَهُمَا مُنِعَ.
وَأَمَّا الْجَائِزُ أَكْلُهُ فَيَجُوزُ شُرْبُ لَبَنِهِ أَفَادَهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ أَيْضًا أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ هَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةُ وَغَيْرُهَا، وَتَعْلِيلُهُمْ النَّهْيَ بِخُرُوجِ الْهَدْيِ عَنْ مِلْكِهِ بِتَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ وَبِخُرُوجِهِ خَرَجَتْ مَنَافِعُهُ فَشُرْبُهُ نَوْعٌ مِنْ الْعَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُهَا وَيُضْعِفُ وَلَدَهَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ قَالَهُ طفي.
(وَ) لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الشُّرْبِ الْمَمْنُوعِ أَوْ الْمَكْرُوهِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ ضَرَرٌ، فَإِنْ حَصَلَ (غَرِمَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (إنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ) أَوْ حَلْبِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْهُ أَوْ بَقَائِهِ بِضَرْعِهَا (الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ) وَمَفْعُولُ غَرِمَ قَوْلُهُ (مُوجَبَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: مُسَبَّبِ بِفَتْحِ الْبَاءِ (فِعْلِهِ) أَيْ شُرْبِهِ أَوْ حَلْبِهِ أَوْ إبْقَائِهِ مِنْ نَقْصٍ فَيَغْرَمُ الْأَرْشَ أَوْ تَلِفَ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ (وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا) أَيْ: الْبَدَنَةِ وَعَدَمُ الْحَمْلِ عَلَيْهَا (بِلَا عُذْرٍ) فَيُكْرَهُ كَمَا فِي النَّقْلِ وَإِنْ احْتَمَلَ كَلَامُهُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا يُكْرَهُ وَإِنْ رَكِبَهَا لِعُذْرٍ (فَلَا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ) وَيُنْدَبُ وَإِنْ نَزَلَ فَلَا يَرْكَبُهَا ثَانِيًا إلَّا لِعُذْرٍ كَالْأَوَّلِ وَإِنْ رَكِبَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا.
وَإِنْ رَكِبَهَا لِعُذْرٍ وَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا إلَّا إنْ تَعَدَّى فِي هَيْئَةِ رُكُوبِهَا قَالَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِ سَنَدٍ هَذَا مُقَيَّدٌ بِسَلَامَتِهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَهَا.
(وَ) نُدِبَ (نَحْرُهَا) أَيْ الْبَدَنَةِ حَالَ كَوْنِهَا (قَائِمَةً) عَلَى قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ مُقَيَّدَةً أَيْ مَقْرُونَةَ الْيَدَيْنِ بِقَيْدٍ بِلَا عَقْلٍ (أَوْ) قَائِمَةً (مَعْقُولَةً) أَيْ: مَثْنِيَّةً ذِرَاعُهَا الْيُسْرَى إلَى عَضُدِهَا فَتَبْقَى قَائِمَةً عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ، وَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ.
وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ النَّصَّ نَحْرُهَا قَائِمَةً مُقَيَّدَةً إلَّا أَنْ يَخَافَ ضَعْفَهُ عَنْهَا وَعَدَمَ صَبْرِهَا فَيَعْقِلُهَا، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَيُفِيدُ الثَّانِي بِالْعُذْرِ.
وَالْأَصْلُ فِي الصِّفَتَيْنِ الْقِرَاءَتَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36]

وَأَجْزَأَ إنْ ذَبَحَ غَيْرُهُ مُقَلَّدًا، وَلَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ إنْ غَلِطَ، وَلَا يَشْتَرِكُ فِي هَدْيٍ، وَإِنْ وُجِدَ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ، إنْ قُلِّدَ وَقَبْلَ نَحْرِهِ نُحِرَ مَعًا، وَإِنْ قُلِّدَ وَإِلَّا بِيعَ وَاحِدٌ.

[منح الجليل]

الْحَجَّ، وَقُرِئَ صَوَافِنْ.
ابْنُ حَبِيبٍ مَعْنَى صَوَافَّ صَفُّ يَدَيْهَا بِقَيْدٍ حِينَ نَحْرِهَا.
ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - صَوَافِنْ مَعْقُولَةٌ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ يَدٌ وَاحِدَةٌ فَتَقِفُ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ.
سَنَدٌ تُنْحَرُ الْبَقَرُ قَائِمَةً أَيْضًا.

(وَأَجْزَأَ) الْهَدْيُ الْمُقَلَّدُ أَوْ الْمُشْعَرُ (إنْ ذَبَحَ) شَخْصٌ مُسْلِمٌ (غَيْرُهُ) أَيْ: الْمُهْدَى (عَنْهُ) أَيْ الْمُهْدِي صِلَةً أَجْزَأَ لَا كَافِرٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ وَعَلَى صَاحِبِهِ بَدَلُهُ، وَقَوْلُهُ أَجْزَأَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَمَفْعُولُ ذَبَحَ قَوْلُهُ (مُقَلَّدًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلًا أَنَابَهُ أَمْ لَا إنْ نَوَى الذَّابِحُ عَنْ رَبِّهِ بَلْ (وَلَوْ نَوَى) الذَّابِحُ الْهَدْيَ (عَنْ نَفْسِهِ إنْ غَلِطَ) الذَّابِحُ فِي هَدْيِ غَيْرِهِ وَظَنَّهُ هَدْيَهُ، فَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يُجْزِ عَنْ الْمَالِكِ أَنَابَهُ أَمْ لَا وَلَا عَنْ الذَّابِحِ أَيْضًا وَلِرَبِّهِ أَخْذُ قِيمَتِهِ مِنْهُ قَالَهُ سَنَدٌ بِخِلَافِ الضَّحِيَّةِ فَتُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا وَلَوْ ذَبَحَهَا النَّائِبُ عَنْ نَفْسِهِ عَمْدًا بِشَرْطِ إنَابَةِ رَبِّهَا لَهُ فَتُخَالِفُ الْهَدْيَ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.
(وَلَا يُشْتَرَكُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ (فِي هَدْيِ) تَطَوُّعٍ أَوْ وَاجِبٍ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَالْأَجَانِبُ سَوَاءٌ كَمَا فِيهَا.
وَلَوْ قَالَ دَمٌ لَشَمِلَ الْفِدْيَةَ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي أَجْرِهِ كَظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَوَاهِرِ فَهُوَ مُخَالِفٌ فِي هَذَا أَيْضًا لِلضَّحِيَّةِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي هَدْيٍ لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ) ضَلَّ أَوْ سُرِقَ هَدْيٌ وَأُبْدِلَ ثُمَّ (وُجِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيُ الضَّالُّ أَوْ الْمَسْرُوقُ (بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْهَدْيُ الَّذِي وُجِدَ بَعْدَ ضَلَالِهِ أَوْ سَرِقَتِهِ (إنْ) كَانَ (قُلِّدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لِتَعَيُّنِهِ هَدْيًا بِتَقْلِيدِهِ (وَ) إنْ وُجِدَ (قَبْلَ نَحْرِهِ) أَيْ: الْبَدَلِ (نُحِرَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيَانِ الْأَصْلُ وَالْبَدَلُ مَعًا (إنْ) كَانَا (قُلِّدَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لِتَعَيُّنِهِمَا لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقَلَّدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِيعَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (وَاحِدٌ مِنْهُمَا) أَيْ: الْهَدْيَيْنِ غَيْرِ الْمُقَلَّدَيْنِ الَّذِي وُجِدَ أَوْ بَدَلُهُ إنْ شَاءَ الْمُهْدِي، وَإِنْ

(فَصْلٌ) وَإِنْ مَنَعَهُ: عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ: لَا بِحَقٍّ: بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛

[منح الجليل]

شَاءَ نَحَرَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ أَحَدَهُمَا وَأَبْقَى الْآخَرَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ غَيْرَهُمَا وَأَبْقَاهُمَا وَإِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ نَحْرُهُ لِتَعَيُّنِهِ لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِ.

[فَصْلٌ فِي مَوَانِع الْحَجّ وَالْعُمْرَة]

(فَصْلٌ) فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الطَّارِئَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَيُقَال لِلْمَمْنُوعِ مُحْصَرٌ وَالْحَصْرُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: حَصْرٌ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا، وَحَصْرٌ عَنْ الْبَيْتِ فَقَطْ، وَحَصْرٌ عَنْ عَرَفَةَ فَقَطْ وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ (وَإِنْ مَنَعَهُ) أَيْ الْمُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (عَدُوٌّ) أَيْ: كَافِرٌ (أَوْ فِتْنَةٌ) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ حَبْسٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مَصْدَرٌ عُطِفَ عَلَى عَدُوٍّ أَوْ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَاضٍ مَجْهُولٍ عُطِفَ عَلَى مَنَعَهُ نَائِبُهُ ضَمِيرُ الْمُحْرِمِ (لَا بِحَقٍّ) بَلْ ظُلْمًا كَحَبْسِ مَدِينٍ ثَابِتِ الْعُسْرِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ حُبِسَ بِحَقٍّ لَا يَتَحَلَّلُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ بِدَفْعِ الْحَقِّ وَالْخُرُوجِ لِتَكْمِيلِ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي كَوْنِ الْحَبْسِ بِحَقٍّ ظَاهِرُ الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَتَّى إنَّهُ إنْ حُبِسَ بِتُهْمَةٍ ظَاهِرَةٍ فَلَا يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ عَلِمَ بَرَاءَةَ نَفْسِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحَالَ الْمَرْءُ عَلَى مَا عَلِمَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ وَالْإِحْرَامَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَظَاهِرُ الطِّرَازِ يُوَافِقُهُ وَتَنَازَعَ مَنَعَ وَحَبَسَ (بِحَجٍّ) أَيْ: فِيهِ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا (أَوْ عُمْرَةٍ) أَيْ: فِيهَا عَنْ الْبَيْتِ.
وَجَوَابُ إنْ مَنَعَهُ عَدُوٌّ أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ لَا بِحَقٍّ (فَلَهُ) أَيْ: الْمَمْنُوعُ بِمَا تَقَدَّمَ (التَّحَلُّلُ) بَلْ هُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ مِنْ بَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ وَلَوْ دَخَلَ مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ

إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ، وَلَا دَم

[منح الجليل]

وَأَفَادَ شَرْطَ التَّحَلُّلِ فَقَالَ (إنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمُحْرِمُ حِينَ أَنْشَأَ إحْرَامَهُ (بِهِ) أَيْ الْمَانِعِ مِنْ عَدُوٍّ وَفِتْنَةٍ أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلِمَهُ حِينَهُ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ إلَّا أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فَمَنَعَهُ فَلَهُ التَّحَلُّلُ كَمَا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «أَحْرَمَ عَالِمًا بِالْعَدُوِّ بِمَكَّةَ ظَانًّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فَمَنَعَهُ فَلَمَّا مَنَعَهُ تَحَلَّلَ» فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ.
وَعَطَفَ عَلَى لَمْ يَعْلَمْ فَقَالَ (وَأَيِسَ) الْمَمْنُوعُ حِينَ الْمَنْعِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا قَوِيًّا (مِنْ زَوَالِهِ) أَيْ: الْمَنْعِ (قَبْلَ فَوْتِهِ) أَيْ: الْحَجِّ.
وَأَشْعَرَ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِوَقْتٍ يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ لَوْلَا الْمَانِعُ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِوَقْتٍ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ فَلَا يَتَحَلَّلُ لِدُخُولِهِ عَلَى بَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ لِلْعَامِ الْقَابِلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ قَبْلَ فَوْتِهِ بِالتَّحَلُّلِ رَدًّا لِقَوْلِ أَشْهَبَ إنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بَعْدَ فَوْتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَحْتَمِلُ تَعَلُّقَهُ بِزَوَالِهِ وَعَلَيْهِمَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا أَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ أَدْرَكَ الْحَجَّ.
وَهُوَ ظَاهِرُ أَوَّلِ كَلَامِهَا وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ وَسَنَدٌ مَا فِي آخِرِ كَلَامِهَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَبْقَى زَمَنٌ يَخْشَى فِيهِ فَوَاتَ الْحَجِّ، وَقَالَا إنَّ كَلَامَهَا الثَّانِيَ يُفَسِّرُ الْأَوَّلَ.
الْحَطَّابُ إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ فَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، فَمَعْنَى وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ إلَخْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَيْلَةِ النَّحْرِ زَمَانُ يُمَكِّنُهُ السَّيْرُ فِيهِ إلَى عَرَفَةَ لَوْ زَالَ الْمَانِعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ إلَخْ خَاصٌّ بِالْحَجِّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ لِلْعُمْرَةِ حَدٌّ وَإِنْ لَمْ يُخْشَ الْفَوْتُ لِقَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُقِيمُ مَا رَجَا إدْرَاكَهَا مَا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ.
(وَ) إنْ تَحَلَّلَ فَ (لَا دَمَ) عَلَيْهِ لِفَوَاتِ الْحَجِّ بِحَصْرِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِ أَشْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ وَرَدَّهُ اللَّخْمِيُّ بِنُزُولِ الْآيَةِ فِي قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ حَصْرُهَا بِعَدُوٍّ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: 196] ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ عَدُوٍّ

بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ،

[منح الجليل]

وَأَجَابَ التُّونُسِيُّ وَابْنُ يُونُسَ بِأَنَّ الْهَدْيَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ وَإِنَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ سَاقَهُ تَطَوُّعًا فَأُمِرُوا بِتَذْكِيَتِهِ وَاسْتُضْعِفَ قَوْلُ أَشْهَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] ، وَالْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ يَحْلِقُ أَيْنَ كَانَ كَذَا قَالُوا، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الرَّدِّ بِالْآيَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى أَشْهَبَ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ أَشْهَبَ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ بِآيَةِ (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) . وَأُجِيبَ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلتُّونُسِيِّ وَابْنِ يُونُسَ أَنَّ الْهَدْيَ فِي الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ إنَّمَا سَاقَهُ بَعْضُهُمْ تَطَوُّعًا فَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ.
الثَّانِي أَنَّ الْإِحْصَارَ فِي الْآيَةِ بِالْمَرَضِ لَا بِالْعَدُوِّ وَهَذَا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَزَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لِعَلْقَمَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ أُحْصِرَ بِالْمَرَضِ وَحُصِرَ بِالْعَدُوِّ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: 196] قَالَ عَلْقَمَةُ وَغَيْرُهُ الْمَعْنَى فَإِذَا بَرِئْتُمْ مِنْ مَرَضِكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا إذَا أَمِنْتُمْ مِنْ خَوْفِكُمْ مِنْ الْعَدُوِّ.
اهـ. وَكَوْنُ الْآيَةِ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَا يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ، بَلْ يَقْوَى تَأْوِيلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196] . وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الرَّدِّ بِالْآيَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى أَشْهَبَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الرَّدُّ بِهَا عَلَيْهِ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ.
وَالتَّحَلُّلُ يَكُونُ (بِنَحْرِ هَدْيِهِ) إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ سَاقَهُ عَنْ سَبَبٍ مَضَى أَوْ تَطَوُّعًا حَيْثُ كَانَ إنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ إرْسَالُهُ لِمَكَّةَ غَيْرَ مَضْمُونٍ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا جَرَى عَلَى حُكْمِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا يَسْقُطُ الْهَدْيُ أَيْضًا (وَحَلْقِهِ) رَأْسَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ بَلْ هِيَ كَافِيَةٌ، فَفِي الشَّامِلِ وَكَفَتْ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ نَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَنْوِ التَّحَلُّلَ فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ يَنْحَرُ إلَخْ بِمَعْنَى مَعَ، فَيُفِيدُ كَلَامُهُ أَنَّ التَّحَلُّلَ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الأكملية لَا الشَّرْطِيَّةِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ فِي الطِّرَازِ أَيْضًا وَمِثْلُ مَنْ حُصِرَ عَنْهُمَا مَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ وَهُوَ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ فِي التَّحَلُّلِ بِالنِّيَّةِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ.
ابْنُ عَرَفَةَ إنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ فَقَطْ وَبَعُدَ عَنْ مَكَّةَ فَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ حَلَّ مَكَانَهُ صَوَابٌ

وَلَا دَمَ إنْ أَخَّرَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَرِيقٌ مَخُوفٌ وَكُرِهَ إبْقَاءُ، إحْرَامِهِ، وَإِنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا.

وَلَا يَتَحَلَّلُ، إنْ دَخَلَ وَقْتُهُ،

[منح الجليل]

وَلَا دَمَ) عَلَى الْمُحْصَرِ عَنْهُمَا (إنْ أَخَّرَهُ) أَيْ التَّحَلُّلَ أَوْ الْحَلْقَ لِبَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا بَلْ تَحَلُّلٌ فَقَطْ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُحْصَرَ مُطْلَقًا (طَرِيقٌ مَخُوفٌ) عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ كَثِيرٍ أَوْ يَسِيرٍ يَمْكُثُ آخِذُهُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْحَجَّ لَوْلَا الْمَخُوفُ فَلَيْسَ خَاصًّا بِالْمُحْصَرِ عَنْهُمَا مَعًا الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَمَفْهُومُ مَخُوفٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ سُلُوكُ طَرِيقٍ مَأْمُونٍ وَإِنْ بَعُدَ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِإِدْرَاكِ الْحَجِّ وَلَمْ تَعْظُمْ مَشَقَّتُهَا، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ لَا يَلْزَمُهُ أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ، وَيَنْبَغِي الْحُرْمَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] . وَقَوْلُهُ مَخُوفٌ كَذَا فِي نُسَخٍ أَيْ: طَرِيقٌ يَحْصُلُ فِيهِ الْخَوْفُ، وَأَمَّا الَّذِي يُخِيفُ مِنْ نَظَرِهِ فَيُقَالُ لَهُ مُخِيفٌ فِيمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ مُخِيفٍ يَصِحُّ بِارْتِكَابِ مَجَازٍ فِي الْإِسْنَادِ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلْحَالِّ لِلْمَحَلِّ.
(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ لِمَنْ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَدُوِّ وَالْفِتْنَةِ وَحَبَسَهُ ظُلْمًا وَنَائِبُ فَاعِلِ كُرِهَ (إبْقَاءُ إحْرَامِهِ) بِالْحَجِّ لِعَامٍ قَابِلٍ بِلَا تَحَلُّلٍ بِعُمْرَةٍ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ فِيهِ (إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مُقَارَبَةِ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ فَتَحَلُّلُهُ أَسْلَمُ فَالْمُنَاسِبُ تَأْخِيرُ هَذَا عَنْ قَوْلِهِ أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ.
وَأَمَّا مَنْ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَهُوَ الْمُحْصَرُ عَنْهُمَا الَّذِي كَلَامُهُ الْآنَ فِيهِ فَتَحَلُّلُهُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا وَلَوْ بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ.
ابْنُ غَازِيٍّ زَادَ أَوْ دَخَلَهَا وَإِنْ كَانَ أَحْرَى لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ تَحْرِيمُ إبْقَائِهِ إنْ دَخَلَهَا.

(وَلَا يَتَحَلَّلُ) مَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ بِعُمْرَةٍ (إنْ) بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى (دَخَلَ وَقْتُهُ) أَيْ الْحَجِّ مِنْ الْعَامِ الثَّانِي لِيَسَارِهِ الْبَاقِي مِنْ الزَّمَانِ أَيْ: يُكْرَهُ تَحَلُّلُهُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْقَوْلِ الَّذِي اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ مِنْ مُضِيِّ تَحَلُّلِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مُتَمَتِّعًا، وَلِلْقَوْلِ بِمُضِيِّهِ وَلَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا وَالْمُنَاسِبُ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ مُضِيِّ تَحَلُّلِهِ مَنْعُهُ فَهَذَا أَيْضًا فِيمَنْ يَتَحَلَّلُ

وَإِلَّا فَثَالِثُهَا يَمْضِي وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ.

وَلَمْ يَفْسُدْ بِوَطْءٍ، إنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ.

[منح الجليل]

بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَدُوِّ وَالْفِتْنَةِ وَحَبْسِهِ ظُلْمًا.
وَأَمَّا مَنْ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِحَبْسِهِ ظُلْمًا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ خَالَفَ وَتَحَلَّلَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ بِعُمْرَةٍ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ (فَ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَحَدُهَا: يَمْضِي تَحَلُّلُهُ وَلَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَهَذَا تَمَتَّعَ مِنْ حَجٍّ إلَى حَجٍّ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ كَلَا عُمْرَةٍ لِعَدَمِ إنْشَائِهِ إحْرَامَهَا، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ، ثَانِيهَا: لَا يُمْضِي تَحَلُّلَهُ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ.
(ثَالِثُهَا) أَيْ: الْأَقْوَالِ (يَمْضِي) تَحَلُّلُهُ (وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ) فَعَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّمَتُّعِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِيهَا ثَلَاثًا فِي مَسْأَلَةٍ إلَّا فِي هَذِهِ (وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ) أَيْ: الْمَمْنُوعِ مِنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ وَالْهَدْيِ وَالْحَلْقِ، وَكَذَا الْمَمْنُوعُ مِنْ عَرَفَةَ فَقَطْ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ (الْفَرْضُ) الْمُتَعَلِّقُ بِذِمَّتِهِ مِنْ حِجَّةِ إسْلَامٍ أَوْ نَذْرٍ مَضْمُونٍ وَلَا عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَأَمَّا التَّطَوُّعُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ وَمِثْلُهُ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِفَوَاتِ وَقْتِهِ، وَسُمِّيَتْ عُمْرَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي بَعْدَ عُمْرَةِ الصَّدِّ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَاضَى قُرَيْشًا فِيهَا لَا أَنَّهَا قَضَاءٌ عَنْ عُمْرَةِ الْحَصْرِ الْمَاضِيَةِ.
قَالَ بَعْضٌ وَلَوْ قُلْنَا بِهِ لَا يَلْزَمُنَا مَحْظُورٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ دَلَّ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ لَا عَلَى وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ صُدُّوا مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَلَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَ الْبَاقِينَ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ وَجَبَ لَبَيَّنَهُ لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِهِ قَالَهُ سَنَدٌ.

(وَ) مَنْ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِالنِّيَّةِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ لِصَدِّهِ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا (لَمْ يَفْسُدْ) حَجُّهُ (بِوَطْءٍ) قَبْلَ تَحَلُّلِهِ (إنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ) عَلَى إحْرَامِهِ لِعَامٍ قَابِلٍ بِأَنْ نَوَى التَّحَلُّلَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا هَذَا ظَاهِرُهُ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَمَنْ نَوَى الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ فَالْمُنَاسِبُ إنْ نَوَى التَّحَلُّلَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ نَوَى الْبَقَاءَ فَسَدَ حَجُّهُ

وَإِنْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ، فَحَجُّهُ تَمَّ وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْإِفَاضَةِ.

وَعَلَيْهِ لِلرَّمْيِ وَمَبِيتُ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ: هَدْيٌ: كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ

[منح الجليل]

وَإِنْ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ (وَحُصِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَنْ الْبَيْتِ) بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ (فَحَجُّهُ تَمَّ) أَيْ: أَمِنَ مِنْ فَوَاتِهِ لِإِدْرَاكِهِ الرُّكْنَ الَّذِي يُدْرَكُ بِهِ فَلَيْسَ مُرَادُهُ حَقِيقَةَ التَّمَامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ وَقَوْلُهُ (وَلَا يَحِلُّ) مِنْ إحْرَامِهِ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ الَّذِي تَحِلُّ بِهِ النِّسَاءُ وَالصَّيْدُ وَالطِّيبُ (إلَّا بِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) فَيَبْقَى مُحْرِمًا وَلَوْ أَخَّرَهُ سِنِينَ.
قَالَ أَحْمَدُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ، وَيُؤَيِّدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَيُجْزِئُهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ.

(وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْصَرِ عَنْ الْبَيْتِ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ (لِ) تَرْكٍ ا (لِرَمْيٍ) لِلْجَمَرَاتِ الْمُحْصَرُ عَنْهُ (وَ) لِتَرْكِ (مَبِيتِ) لَيَالِيِ (مِنًى وَ) نُزُولِ (مُزْدَلِفَةَ هَدْيٌ) وَاحِدٌ.
وَشَبَّهَ فِي اتِّحَادِ الْهَدْيِ فَقَالَ (كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ) مِمَّا تَقَدَّمَ وَكَذَا لَا يَتَعَدَّدُ إنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الْجَمِيعِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنَّ هَذَا إثْمٌ.
وَأَوْرَدَ أَنَّ قَوْلَهُ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُحْصَرْ عَمَّا بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ لِلرَّمْيِ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حُصِرَ عَمَّا بَعْدَهُ أَيْضًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ مُرَادُهُ بِهِ سَوَاءٌ حُصِرَ عَمَّا قَبْلَهُ أَيْضًا مِمَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ كَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ لَا، وَقَوْلُهُ لِلرَّمْيِ إلَخْ مَعْنَاهُ حَيْثُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا.
ابْنُ غَازِيٍّ كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ كَذَا اخْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمُدَوَّنَةَ وَسَلَّمَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَ عَقِبَهُ قَوْلَ ابْنِ رَاشِدٍ، وَلَوْ قِيلَ: إذَا أُنْسِيَ الرَّمْيَ وَالنُّزُولَ بِمُزْدَلِفَةَ بِالتَّعَدُّدِ مَا بَعُدَ لِتَعَدُّدِ الْمُوجِبَاتِ كَمَا فِي الْعَمْدِ وَكَأَنَّهُمْ لَاحَظُوا أَنَّ الْمُوجِبَ وَاحِدٌ لَا سِيَّمَا وَهُوَ مَعْذُورٌ وَاخْتَصَرَهَا أَبُو سَعِيدٍ كَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا نَاسِيًا حَتَّى زَالَتْ أَيَّامُ مِنًى، وَاخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ وَعَلَيْهِ لِجَمِيعِ مَا فَاتَهُ مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ وَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَمِنًى هَدْيٌ كَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ نَاسِيًا حَتَّى زَالَتْ أَيَّامُ مِنًى

وَإِنْ حُصِرَ عَنْ الْإِفَاضَةِ، أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ: كَعَرْضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ، أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ بِلَا إحْرَامٍ وَلَا يَكْفِي قُدُومُهُ.

وَحُبِسَ هَدْيُهُ مَعَهُ، إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجْزِهِ

[منح الجليل]

وَإِنْ) تَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَ (حُصِرَ) بِمَا سَبَقَ مِنْ أَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ (عَنْ الْإِفَاضَةِ) أَيْ: عَرَفَةَ وَسَمَّاهَا إفَاضَةً قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] قَالَهُ تت أَيْ: فَلَمَّا كَانَتْ مَبْدَأَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا بَعْدَ عَرَفَةَ سُمِّيَتْ عَرَفَةُ إفَاضَةً مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ تَسَبَّبَ عَنْ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ (أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ) بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ (بِغَيْرٍ) أَيْ غَيْرِ عَدُوٍّ وَفِتْنَةٍ وَحَبْسٍ لَا بِحَقٍّ (كَمَرَضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ) وَلَوْ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْسِمِ بِعَاشِرٍ أَوْ خَفَاءِ هِلَالٍ لِغَيْرِ الْجَمِّ بِعَاشِرٍ (أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ) وَمِنْهُ حَبْسُ مَدِينٍ لَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ (لَمْ يَحِلَّ) فِي ذَلِكَ كُلُّهُ إنْ شَاءَ التَّحَلُّلَ (إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ بِلَا إحْرَامٍ) بِالْكَيْفِيَّةِ السَّابِقَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ بِهَا، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَأْتِيَ هُنَا بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَكُرِهَ إبْقَاءُ إحْرَامِهِ إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا فَإِنَّ هَذَا مَحَلُّهُ.
(وَلَا يَكْفِي قُدُومُهُ) وَسَعْيُهُ عَقِبَهُ الَّذِي فَعَلَهُ يَوْمَ دُخُولِهِ مَكَّةَ عَنْ طَوَافِهِ الْعُمْرَةَ وَسَعْيَهَا الْمَطْلُوبَيْنِ لِلتَّحِلَّةِ بَعْدَ الْفَوَاتِ، وَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إحْرَامَهُ لَا يَنْقَلِبُ عُمْرَةً مِنْ أَصْلِهِ بَلْ مِنْ وَقْتِ نِيَّةِ فِعْلِ الْعُمْرَةِ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ.

(وَحُبِسَ) الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ (هَدْيُهُ مَعَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْهَدْيِ الْعَطَبَ، وَأَمَّا الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ فَإِنْ أَمْكَنَهُ إرْسَالَهُ أَرْسَلَهُ وَإِلَّا ذَكَّاهُ بِأَيِّ مَحَلٍّ كَانَ، وَمَفْهُومُ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ خَافَ عَلَيْهِ أَرْسَلَهُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا ذَكَّاهُ بِمَوْضِعِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: حَبْسُ الْوَاجِبِ مَعَهُ وَاجِبٌ وَالتَّطَوُّعُ مَنْدُوبٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ حَبْسُ التَّطَوُّعِ وَاجِبٌ أَيْضًا (وَلَمْ يُجْزِهِ) أَيْ: هَذَا الْهَدْيَ الْمُحْصَرَ الَّذِي قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ قَبْلَ

فصول الكتاب · 2 فصل · 721 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منح الجليل شرح مختصر خليل · 721 صفحة
المقدمة
فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:
جارٍ التحميل