. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
قُلْت: يُصَوَّرُ بِإِخْرَاجِهَا مَعَ تَرَدُّدِهِ فِي الْحِنْثِ وَعَدَمِهِ، ثُمَّ يَجْزِمُ بِهِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ قَالَهُ عج.
وَأَمَّا إنْ عَيَّنَ زَمَنَ الصَّوْمِ أَوْ الْمَشْيِ فِي أَيَّامٍ وَمَضَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ كَعَلَيْهِ صَوْمُ الْعَشْرِ الْأَخِيرَةِ مِنْ رَجَبٍ أَوْ الْمَشْيِ لِمَكَّةَ فِيهِ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا أَوْ كَلَّمَهُ فِي شَعْبَانَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَلَّمَهُ قَبْلَ مَجِيئِهَا لَزِمَهُ صَوْمُهَا وَصُورَةُ الطَّلَاقِ الْبَالِغِ الْغَايَةِ قَوْلُهُ إنْ دَخَلَ الدَّارَ فَزَوْجَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ تَمَّمَهَا ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ ثُمَّ دَخَلَهَا وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِطْلَاقُ التَّكْفِيرِ عَلَى هَذَا مَجَازٌ بِمَعْنَى أَنْ لَا تَعُودَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الْعِصْمَةِ الْجَدِيدَةِ.
بِخِلَافِ طَلَاقِهَا دُونَ الْغَايَةِ وَعَادَتْ إلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ فَتَعُودُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَإِنْ دَخَلَ الدَّارَ حَنِثَ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَمِينُ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ إلَخْ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ مُقَيَّدٌ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ بِأَنْ لَا تَكُونَ بِصِيغَةِ حِنْثٍ مُقَيَّدَةٍ بِأَجَلٍ وَإِلَّا فَلَا تُجْزِئُهُ الْكَفَّارَةُ إلَّا بَعْدَ الْأَجَلِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهَا وَمَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنْ ضَرَبَ أَجَلًا فَلَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ.
وَوَجَبَتْ بِهِ
[منح الجليل]
وَقَوْلُهُ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُخْرِجُهَا إلَخْ الْمُرَادُ هُنَا بِالْحِنْثِ الَّذِي يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَهُ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ هُوَ فَوْتُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْعَزْمُ عَلَى الضِّدِّ فَلَا بُدَّ مِنْهُ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُمْ، قَالَ فِيهَا فِي كِتَابِ النُّذُورِ وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلْيُطَلِّقْهَا وَاحِدَةً ثُمَّ يُرْجِعْهَا فَتَزُولَ يَمِينُهُ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَرْثٍ اتَّفَقُوا فِي ذَاتِ الْحِنْثِ عَلَى جَوَازِهَا قَبْلَهُ إنْ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ الْبِرِّ.
اهـ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ سُقُوطَ مَا ذَكَرَهُ عب عَنْ عج مِنْ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ.
(وَوَجَبَتْ) الْكَفَّارَةُ (بِهِ) أَيْ الْحِنْثِ عَلَى الْفَوْرِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُوجِبَهَا الْحِنْثُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ أَنَّ مُوجِبَهَا الْيَمِينُ فَلْيُحَرَّرْ النَّقْلُ فِي ذَلِكَ قَالَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ إلَخْ فَتُصَوَّرُ لِأَنَّ كَوْنَهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالْحِنْثِ طَوْعًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَإِجْزَاؤُهَا قَبْلَهُ إنَّمَا هُوَ لِتَقَدُّمِ سَبَبِهَا وَهِيَ
إنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ
[منح الجليل]
الْيَمِينَ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَوَّاقُ وتت كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ قَبْلَ الْمَوْتِ لِتَقَدُّمِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْجُرْحُ، وَلَهَا نَظَائِرُ.
وَوُجُوبُهَا بِالْحِنْثِ (إنْ لَمْ يُكْرَهْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْحَالِفُ عَلَى الْحِنْثِ (بِ) يَمِينِ (بِرٍّ) بِأَنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى حِنْثٍ وَحِنْثٍ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ عَلَى بِرٍّ وَحِنْثٍ طَائِعًا فَتَجِبُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ مَنْطُوقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ أُكْرِهَ عَلَى الْحِنْثِ فِي صِيغَةِ بِرٍّ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِعَدَمِ حِنْثِهِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْإِكْرَاهُ مِنْ غَيْرِ عَاقِلٍ كَدَابَّةٍ جَمَحَتْ بِرَاكِبِهَا حَتَّى أَدْخَلَتْهُ الدَّارَ الْمَحْلُوفَ عَلَى عَدَمِ دُخُولِهَا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى رَدِّهَا وَلَا عَنْ النُّزُولِ عَنْهَا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِسِتَّةِ قُيُودٍ أَنْ لَا يَعْلَمَ حَالَ الْيَمِينِ أَنَّهُ يُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ وَأَنْ لَا يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِإِكْرَاهِهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ الْإِكْرَاهُ شَرْعِيًّا، وَأَنْ لَا تَكُونَ يَمِينُهُ لَا أَفْعَلهُ طَائِعًا وَلَا مُكْرَهًا، وَأَنْ لَا يَفْعَلَهُ بَعْدَ زَوَالِ إكْرَاهِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْحَالِفُ عَلَى شَخْصٍ هُوَ الْمُكْرِهَ لَهُ وَإِلَّا حَنِثَ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ عَدَمِ الْحِنْثِ بِالْإِكْرَاهِ فِي يَمِينِ الْبِرِّ وَبَيْنَ الْحِنْثِ بِالْإِكْرَاهِ فِي يَمِينِ الْحِنْثِ أَنَّ حِنْثَهُ فِيهَا بِالتَّرْكِ وَالْبِرِّ حِنْثُهُ فِيهَا بِالْفِعْلِ، وَأَسْبَابُ التَّرْكِ كَثِيرَةٌ فَضَيَّقَ فِيهِ، وَأَسْبَابُ الْفِعْلِ قَلِيلَةٌ ضَعِيفَةٌ فَوَسَّعَ فِيهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى نَقِيضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَلَا يَبَرُّ بِهِ إلَّا إنْ كَانَ نَوَى فِعْلَهُ وَلَوْ مُكْرَهًا فَيُصَدَّقُ فِي الْفَتْوَى فَقَطْ، وَكَذَا الْحَالِفُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ كَلَيَقُومَنَّ زَيْدٌ وَأَكْرَهَهُ الْحَالِفُ عَلَى الْقِيَامِ فَلَا يَبَرُّ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ لَيُوجَدَنَّ مِنْهُ الْقِيَامُ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا فَيُصَدَّقُ فِي الْفَتْوَى فَقَطْ.
(الثَّانِي) مِنْ الْإِكْرَاهِ يَبَرُّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِيمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِهِ لَا خَرَجَتْ امْرَأَتُهُ مِنْ الدَّارِ فَأَتَاهَا سَيْلٌ أَوْ هَدْمٌ أَوْ أَمْرٌ لَا قَرَارَ لَهَا مَعَهُ أَوْ أَخْرَجَهَا أَهْلُ الدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ مُدَّةً انْقَضَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي خُرُوجِهَا وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ فِي الدَّارِ الَّتِي انْتَقَلَتْ إلَيْهَا.
(الثَّالِثُ) يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ حُكْمُ نَازِلَةٍ وَهِيَ: مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى زَوْجَتِهِ لَا خَرَجَتْ
وَفِي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ: بَتِّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ، وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، وَمَشْيٌ بِحَجٍّ، وَكَفَّارَةٌ
[منح الجليل]
إلَّا بِإِذْنِي وَسَافَرَ وَنُودِيَ بِفَتْحِ كَنِيفٍ وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ مُرْضِعٍ فَخَرَجَتْ لِخَوْفِهَا عَلَى جَنِينِهَا أَوْ وَلَدِهَا أَنَّهُ لَا بِحِنْثِ لِأَنَّهُ لِأَمْرٍ لَا قَرَارَ لَهَا مَعَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الِالْتِزَامِ فَقَالَ (وَ) اللَّازِمُ (فِي) قَوْلِ شَخْصٍ (عَلَيَّ) بِشَدِّ الْيَاءِ (أَشَدُّ) أَيْ أَصْعَبُ وَأَغْلَظُ (مَا) أَيْ يَمِينٌ (أَخَذَ) هَا (أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) لَا فَعَلْت كَذَا وَفَعَلَهُ مُخْتَارًا أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ وَتَرَكَهُ (بَتُّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ: قَطْعُ عِصْمَةٍ (مَنْ) أَيْ زَوْجَةٍ (يَمْلِكُ) هَا الْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ (وَعِتْقُهُ) أَيْ مَنْ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ حِينَ الْيَمِينِ فِيهِمَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا أَوْ الَّذِي يَمْلِكُهُ بَعْدَ الْيَمِينِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ.
ابْنُ غَازِيٍّ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ رَقِيقٌ فَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ خِلَافُ قَوْلِ الْبَاجِيَّ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَقِيقٌ يَلْزَمُهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ لِقَوْلِ ابْنِ زَرْقُونٍ هُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَقَبِلَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَ ابْنِ زَرْقُونٍ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَقِيقٌ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِ) مَالِ (هـ) أَيْ الْقَائِلِ عَلَيْهِ أَشَدُّ إلَخْ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فِيمَا بَقِيَ (وَمَشْيٌ بِحَجٍّ) لَا عُمْرَةٍ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَلْزَمُهُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْأَيْمَانِ أَوْ عَبُهَا؛ وَلِذَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْحَجَّ مَاشِيًا دُونَ الْعُمْرَةِ، وَالطَّلَاقَ ثَلَاثًا دُونَ الْوَاحِدَةِ، وَنَقَلَ فِي الْبَيَانِ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ الشُّيُوخِ الْمَشْيَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (وَكَفَّارَةٍ) لِيَمِينٍ ابْنُ عَرَفَةَ مَا لَمْ يُخْرِجْ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ، فَإِنْ أَخْرَجَهُمَا وَلَوْ بِالنِّيَّةِ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَيُصَدَّقُ فِي إخْرَاجِهِمَا وَلَوْ فِي الْقَضَاءِ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ إلَّا لِمُرَافَعَةٍ إلَخْ، إذْ فَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِ الْيَمِينِ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ وَيُخَصِّصُ مُتَعَلِّقَهَا وَبَيْنَ كَوْنِهَا تَشْمَلُ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ الْمُعَيَّنِ وَتُخَصِّصُ بِغَيْرِهِمَا، وَمَا هُنَا مِنْ الثَّانِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ صَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ وَلَا مَشْيٌ بِحَجٍّ أَيْضًا، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ لُزُومِهِمَا لِلْحَالِفِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنِ.
وَأَشْعَرَ اقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ وَلَا صَوْمُ سَنَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ وَحَكَى عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الِاتِّفَاقَ.
وَزِيدَ فِي الْأَيْمَانِ: يَلْزَمنِي صَوْمُ سَنَةٍ إنْ اُعْتِيدَ حِلْفٌ بِهِ، وَفِي لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ:
[منح الجليل]
وَزِيدَ) بِكَسْرِ الزَّايِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَتِّ وَالْعِتْقِ إلَخْ (فِي) قَوْلِهِ (الْأَيْمَانُ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ جَمْعُ يَمِينٍ (تَلْزَمُنِي) أَوْ الْأَيْمَانُ اللَّازِمَةُ أَوْ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُنِي إنْ فَعَلْت كَذَا وَفَعَلَهُ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا نِيَّةَ لَهُ وَنَائِبُ فَاعِلِ زِيدَ (صَوْمُ سَنَةٍ إنْ اُعْتِيدَ) أَيْ غَلَبَ (حَلِفٌ بِهِ) أَيْ صَوْمِ السَّنَةِ كَأَهْلِ الْمَغْرِبِ.
ابْنُ غَازِيٍّ قَوْلُهُ اُعْتِيدَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَادَةُ بِلَادِ الْحَالِفِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا عَادَةُ الْحَالِفِ فَقَطْ كَمَا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَأَتْبَاعُهُ وَإِلَّا وَجَبَ طَرْدُهُ فِي بَقِيَّتِهَا.
وَنَصَّ ابْنُ بَشِيرٍ وَمَنْ اعْتَادَ الْحَلِفَ بِصَوْمِ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ.
اهـ. وَهَذَا شَرْطٌ فِيمَا يَلْزَمُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ بِتَمَامِهِ لَا فِي صَوْمِ سَنَةٍ فَقَطْ كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ مَا قَبْلَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِالْعُرْفِ مَعَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ بِحَلِفٍ بِعِتْقٍ كَمَا بَعْضِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَرِيفِ مِصْرَ وَكَالْحَلِفِ بِمَشْيٍ وَصَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْتَدْ بِمِصْرَ فَلَا يَلْزَمُ الْحَالِفَ غَيْرُ الْمُعْتَادِ وَبَنَى اُعْتِيدَ لِلْمَجْهُولِ لِيَشْمَلَ اعْتِيَادَ الْحَالِفِ وَأَهْلِ بَلَدِهِ وَاعْتِيَادِهِمْ دُونَهُ، سَوَاءٌ اعْتَادَ خِلَافَهُمْ أَوْ لَمْ يَعْتَدْ شَيْئًا، وَاعْتِيَادُهُ هُوَ الْحَلِفُ بِهِ دُونَهُمْ وَلَا عَادَةَ لَهُمْ بِشَيْءٍ أَصْلًا فَيَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعَةِ.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ بِهِ عَادَةٌ لَهُ وَلَا لِأَهْلِ بَلَدِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَكُلُّ هَذَا إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَإِلَّا عَمِلَ عَلَيْهَا وَلَوْ فِي الْقَضَاءِ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ إلَخْ، وَفِي قَوْلِهِ وَإِنْ قَصَدَهُ بِكَاسْقِنِي الْمَاءَ أَوْ بِكُلِّ كَلَامٍ لَزِمَ، فَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِهَذِهِ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ وَبِالْمَشْيِ وَلَمْ أُرِدْ بِهَا طَلَاقًا وَعِتْقًا قُبِلَ قَوْلُهُ وَلَوْ عِنْدَ الْمُرَافَعَةِ وَلَا يُخَالِفُهُ مَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ عِنْدَ الْمُرَافَعَةِ لِأَنَّ الْآتِيَ تَلَفَّظَ فِيهِ بِالطَّلَاقِ وَادَّعَى التَّخْصِيصَ فِي مُتَعَلِّقِهِ أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عُمُومُهُ عِنْدَهَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ عُمُومَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَمَا هُنَا لَمْ يَلْفِظْ بِهِ وَإِنَّمَا لَفَظَ بِمَا يُشِيرُ لَهُ شَرْعًا فَقُبِلَ قَوْلُهُ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِّ كَالْمُحَاشَاةِ (وَفِي لُزُومِ) صَوْمِ (شَهْرَيْ ظِهَارٍ) لِأَنَّ مَا حَلَفَ بِهِ يُشْبِهُ الْمُنْكَرَ مِنْ الْقَوْلِ، وَيَلْزَمُ
تَرَدُّدٌ
وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ: لَغْوٌ
تَكَرَّرَتْ إنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ،
[منح الجليل]
إذَنْ أَنْ يَعْتَزِلَ الزَّوْجَةَ وَأَنْ لَا يُكَفِّرَ حَتَّى يَعْزِمَ، وَهُوَ رَأْيُ الْبَاجِيَّ، وَعَدَمُ لُزُومِهِ وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ زَرْقُونٍ وَابْنِ عَاتٍ وَابْنِ رَاشِدٍ قَائِلًا: إنَّمَا لَزِمَ فِي الظِّهَارِ لِأَنَّهُ أَتَى بِمُنْكَرٍ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٍ وَهُوَ هُنَا لَمْ يَنْطِقْ بِذَلِكَ (تَرَدُّدٌ) لِهَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ مَحَلَّهُ حَيْثُ كَانَ مُعْتَادًا وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ بِالْأَوْلَى مِمَّا قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الطُّرْطُوشِيُّ لَيْسَ لِمَالِكٍ " رَضٍ " فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ كَلَامٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يَلْزَمُهُ الِاسْتِغْفَارُ فَقَطْ، وَقِيلَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَقِيلَ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ مَا لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا وَإِلَّا لَزِمَهُ.
وَقِيلَ: بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِ مَالِهِ وَمَشْيٌ بِحَجٍّ وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ وَصَوْمُ سَنَةٍ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ كَذَا فِي الْبَدْرِ وَالْمَوَّاقِ.
(وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ) كَقَوْلِهِ إنْ فَعَلَ كَذَا فَالْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَوْ فَالشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ عَلَيْهِ حَرَامٌ (فِي) كُلِّ شَيْءٍ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ لِبَاسٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَفْرَدَ أَوْ جَمَعَ وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59] ، وَقَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87] ، (غَيْرَ الزَّوْجَةِ وَ) فِي (الْأَمَةِ لَغْوٌ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا يَحْرُمُ بِهِ شَيْءٌ عَلَيْهِ مِنْ أَمَةٍ وَلَا غَيْرِهَا لِأَنَّ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحْرِمَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِأَنَّ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعَبْدِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِيهِ تَصَرُّفًا تَحْرِيمُهُ لَغْوٌ، بِخِلَافِ مَا جُعِلَ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّفُ كَالزَّوْجَةِ فَلَا يَكُونُ تَحْرِيمُهَا لَغْوًا بَلْ طَلَاقًا ثَلَاثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَغَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يُحَاشِهَا، فَإِنْ حَاشَاهَا بِأَنْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ يَمِينِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وَالْأَمَةُ إنْ قَصَدَ بِتَحْرِيمِهَا عِتْقَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا وَكَلَامُهُ يُوهِمُ حُرْمَتَهَا عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَهَذَا عَلَى عَطْفِهَا عَلَى الزَّوْجَةِ وَيَصِحُّ عَطْفُهَا عَلَى غَيْرِ كَمَا قَرَّرْنَا أَيْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ فِي الْأَمَةِ لَغْوٌ، وَيُقَيَّدُ حِينَئِذٍ بِعَدَمِ قَصْدِ عِتْقِهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَغْوًا.
(وَتَكَرَّرَتْ) الْكَفَّارَةُ (إنْ قَصَدَ) الْحَالِفُ (تَكَرُّرَ الْحِنْثِ) بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ
أَوْ كَانَ الْعُرْفُ: كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ، أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ، أَوْ قَالَ لَا وَلَا،
[منح الجليل]
لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا وَنَوَى أَنَّهُ كُلَّمَا كَلَّمَهُ يَحْنَثُ فَتَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ بِتَكَرُّرِ كَلَامِهِ، وَقَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي فَخَرَجَتْ مَرَّةً بِغَيْرِ إذْنِهِ وَطَلُقَتْ وَاحِدَةً وَرَاجَعَهَا وَخَرَجَتْ ثَانِيًا بِغَيْرِ إذْنِهِ طَلُقَتْ أَيْضًا وَاحِدَةً، فَإِنْ رَاجَعَهَا وَخَرَجَتْ بِلَا إذْنِهِ طَلُقَتْ أَيْضًا إنْ كَانَ نَوَى كُلَّمَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِي إلَى تَمَامِ الْعِصْمَةِ الْمُعَلَّقِ فِيهَا، وَإِلَّا فَلَا تَلْزَمُهُ غَيْرُ الْأُولَى، قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَكَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا عَشْرَةَ أَيَّامٍ نَاوِيًا تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، وَكَلَّمَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَتَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِعَدَدِ التَّكْلِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَلَا تَتَعَدَّدُ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(أَوْ كَانَ) تَكَرُّرُ الْحِنْثِ (الْعُرْفَ) أَيْ كَانَتْ دَلَالَةُ يَمِينِهِ عَلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ مُسْتَفَادَةً مِنْ الْعُرْفِ لَا مِنْ اللَّفْظِ وَلَا مِنْ النِّيَّةِ أَيْ أَنَّ الْعُرْفَ فِي مِثْلِهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُرِيدَ قَصْرَ الْحِنْثِ عَلَى مَرَّةٍ (كَ) عَلَّقَهُ عَلَى (عَدَمِ تَرْكِ) شَيْءٍ مُتَكَرِّرٍ كَ (الْوِتْرِ) وَالْفَجْرِ وَالضُّحَى وَدَرْسِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ حِينَ عِتَابِهِ عَلَى تَرْكِهِ فَكُلَّمَا يَتْرُكُهُ مَرَّةً تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ (أَوْ) كَرَّرَ الْيَمِينَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَتِهِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا مِمَّا فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَ (نَوَى كَفَّارَاتٍ) بِعَدَدِ الْأَيْمَانِ الَّتِي كَرَّرَهَا وَحَنِثَ فَتَلْزَمُهُ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِهَا.
(أَوْ قَالَ) الْحَالِفُ: وَاَللَّهِ (لَا) بَاعَ سِلْعَتَهُ مِنْ فُلَانٍ مَثَلًا فَقَالَ آخَرُ: وَأَنَا فَقَالَ مُكَرَّرَ الْقَسَمِ وَاَللَّهِ (وَلَا) أَنْتَ ثُمَّ بَاعَهَا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا ثُمَّ أَقَالَهُ وَبَاعَهَا لِلْآخَرِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، فَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَبِيعُهَا مِنْ فُلَانٍ وَلَا مِنْ فُلَانٍ فَبَاعَهَا لَهُمَا فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ السُّؤَالَ لَمَّا وَقَعَ وَسَطًا وَتَعَدَّدَ الْمَحْلُوفُ بِهِ كَانَتَا يَمِينَيْنِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ شُمُولَهَا، وَكَذَا إنْ سَأَلَهُ الثَّانِي وَلَمْ يُكَرِّرْ الْيَمِينَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَحْنَثُ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِهِ فِي جَوَابٍ وَعَدَمِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ وُقُوعَهُ فِيهِ فَرْضُ مَسْأَلَةٍ وَالْمَدَارُ عَلَى تَكَرُّرِ الْقَسَمِ، وَاخْتِلَافِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَفِيهَا مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَلَا أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَلَا أَضْرِبُ فُلَانًا وَفَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ،
أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحْنَثَ، أَوْ بِالْقُرْآنِ، وَالْمُصْحَفِ، وَالْكِتَابِ، أَوْ دَلَّ، لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا، أَوْ مَهْمَا، لَا مَتَى مَا،
[منح الجليل]
وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ فُلَانًا فَعَلَيْهِ هَا هُنَا لِكُلِّ صِنْفٍ فَعَلَهُ كَفَّارَةٌ لِأَنَّ هَذِهِ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٌ بِاَللَّهِ عَلَى أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَوْ قَالَ لَا وَاَللَّهِ وَلَا، وَأَمَّا لَا وَلَا فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
(أَوْ) حَلَفَ لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَ (حَلَفَ أَنْ لَا يَحْنَثَ) وَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ كَفَّارَةٌ لِلْيَمِينِ الْأُولَى وَكَفَّارَةٌ لِلْيَمِينِ الثَّانِيَةِ (أَوْ) حَلَفَ (بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ) لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَحَنِثَ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ إنْ لَمْ يَنْوِ التَّأْكِيدَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً لِاتِّحَادِ مَدْلُولِ الثَّلَاثَةِ كَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى فَإِنْ حَلَفَ بِهَا كُلِّهَا عَلَى شَيْءٍ وَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ قَصَدَ التَّوْكِيدَ أَوْ التَّأْسِيسَ، وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مِنْهُمَا مَا لَمْ يَقْصِدْ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ أَوْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ.
(أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ) أَيْ الْحَالِفِ عَلَى تَكْرَارِ الْكَفَّارَةِ (بِ) سَبَبِ (جَمْعٍ) لِلْمَحْلُوفِ بِهِ كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَعَلَيَّ أَيْمَانٌ أَوْ كَفَّارَاتٌ أَوْ نُذُورٌ وَحَنِثَ فَتَلْزَمُهُ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ نَوَيْت بِهَا وَاحِدَةً لِأَنَّ الْجَمْعَ نَصٌّ فِي الْمُتَعَدِّدِ فَلَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِالْوَاحِدِ (أَوْ) دَلَّ لَفْظُهُ عَلَى التَّكَرُّرِ (بِ) سَبَبِ إتْيَانِهِ فِي الْيَمِينِ بِصِيغَةٍ مَوْضُوعَةٍ لِلتَّكَرُّرِ كَقَوْلِهِ (كُلَّمَا أَوْ مَهْمَا) فَعَلْت كَذَا أَوْ لَمْ أَفْعَلْهُ فَعَلَيَّ كَفَّارَةٌ أَوْ يَمِينٌ أَوْ نَذْرٌ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ فِعْلٍ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (لَا) تَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ إنْ عَلَّقَ بِأَدَاةٍ لَمْ تُوضَعْ لَهُ كَإِنْ وَإِذَا وَمَتَى (مَتَى مَا) وَحَنِثَ فَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِالْفِعْلِ الْأَوَّلِ وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ بِهَا مَعْنَى كُلَّمَا.
إنْ قِيلَ مَا وَجْهُ اقْتِصَارِهِ عَلَى مَتَى مَا مَعَ أَنَّهُ إنْ نَوَى تَكَرُّرَ الْكَفَّارَةِ تَكَرَّرَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَدَاةُ " إنْ " أَوْ " إذَا " أَوْ " مَتَى مَا " أَوْ " مَتَى " وَإِلَّا فَلَا قِيلَ وَجْهُهُ أَنَّ مَتَى مَا قَرِيبَةٌ مِنْ كُلَّمَا فَإِذَا
وَوَاَللَّهِ، ثُمَّ وَاَللَّهِ وَإِنْ قَصَدَهُ، وَالْقُرْآنِ، وَالتَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ،
[منح الجليل]
قَصَدَ بِمَتَى مَا مَعْنَى كُلَّمَا تَكَرَّرَتْ، وَلَيْسَ غَيْرَهَا كَذَلِكَ وَهَذَا غَيْرُ نِيَّةِ التَّكْرَارِ أَشَارَ لَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(وَ) لَا تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ إنْ قَالَ (وَلِلَّهِ) لَا أَفْعَلُ كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ (ثُمَّ) قَالَ وَلَوْ بِمَجْلِسٍ آخَرَ (وَاَللَّهِ) لَا أَفْعَلُهُ أَوْ لَا أَفْعَلَنَّهُ وَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ قَصَدَ تَأْكِيدَ الْيَمِينِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا بَلْ (وَإِنْ) لَمْ يَقْصِدْهُ وَ (قَصَدَهُ) أَيْ تَكْرِيرَ الْيَمِينِ وَإِنْشَاءَ يَمِينٍ ثَانِيَةٍ دُونَ نِيَّةِ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ قَصْدَ إنْشَائِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ إذْ قَدْ يَقْصِدُ بِهِ تَأْكِيدَ الْأُولَى، بِخِلَافِ قَصْدِ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ فَيَسْتَلْزِمُ قَصْدَ الْإِنْشَاءِ فَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ سَابِقًا: أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ.
وَمِثْلُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ الظِّهَارُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ إذَا كَرَّرَهُ ثَلَاثًا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْسِيسِ حَتَّى يَنْوِيَ التَّأْكِيدَ.
أَبُو الْحَسَنِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ بِهِ فِي اللَّهِ وَالظِّهَارِ أَوَّلًا هُوَ الْمَحْلُوفُ بِهِ ثَانِيًا، وَالطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ وَاحِدًا مَعْنَاهُ مُتَعَدِّدٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُضَيِّقُ الْعِصْمَةَ وَالثَّانِي يَزِيدُهَا ضِيقًا وَالثَّالِثُ يُتِمُّهَا.
(أَوْ) حَلَفَ بِ (الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَحَنِثَ فَعَلَيْهِ
وَلَا كَلَّمَهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا
[منح الجليل]
كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ سَحْنُونٍ.
ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهَا كُلَّهَا أَسْمَاءٌ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَأَنَّهُ كَرَّرَ الْحَلِفَ بِهَا، وَبِهِ عُلِمَ ضَعْفُ مَا سَبَقَ لَهُ فِي الْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ مِنْ تَعَدُّدِهَا.
ابْنُ غَازِيٍّ قَوْلُهُ أَوْ بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ قَطَعَ هُنَا بِتَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، قَالَ لِاخْتِلَافِ التَّسْمِيَاتِ وَإِنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ بِهِ وَاحِدًا وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِجَمِيعِهَا.
قَوْلُهُ وَالْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ قَطَعَ هُنَا بِعَدَمِ التَّعَدُّدِ، وَكَذَا قَالَ سَحْنُونٌ فِي نَوَازِلِهِ وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ سَمَاعِ عِيسَى الَّذِي فَوْقَهُ، وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ فِي الْفَرْعَيْنِ إلَّا كَفَّارَةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ آخِرَ كَلَامِهِ: لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، فَكَأَنَّهُ حَلَفَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِاتِّفَاقٍ.
فَإِنْ قُلْت: فَمَا وَجْهُ تَفْرِيقِ الْمُصَنِّفِ.
قُلْت: كَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى الْمَنْصُوصَ فِي الثَّانِيَةِ الِاتِّحَادَ لَمْ يُمْكِنْهُ الْعُدُولُ عَنْهُ، وَعَوَّلَ فِي الْأُولَى عَنْ ظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ خَالَفَ نَصَّ غَيْرِهِ لِتَقْدِيمِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ مَدْرَكَ الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا التَّبَقِّي لِلْفُرُوعِ مَعْرُوضَةٌ لِلنَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) لَا تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ إنْ كَانَ مُتَعَلِّقُ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ جُزْءَ مُتَعَلِّقِ الْيَمِينِ الْأُولَى كَحَلِفِهِ بِاَللَّهِ (لَا كَلَّمَهُ) أَيْ الْحَلِفُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (غَدًا وَبَعْدَهُ) أَيْ الْغَدِ (ثُمَّ) حَلَفَهُ ثَانِيًا لَا كَلَّمَهُ (غَدًا) ثُمَّ كَلَّمَهُ غَدًا فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ كَلَّمَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ، أَوْ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي أَوْ عَكْسِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِ الْآخَرِ حَيْثُ يَقْصِدُ تَعَدُّدَهَا، وَأَمَّا عَكْسُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ حَلِفُهُ لَا كَلَّمَهُ غَدًا ثُمَّ حَلِفُهُ لَا أُكَلِّمُهُ غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍ، فَإِنْ كَلَّمَهُ غَدًا فَكَفَّارَتَانِ ثُمَّ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ غَدٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَلَّمَهُ ابْتِدَاءً بَعْدَ غَدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ نَقَلَهُ تت عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَلُزُومُ كَفَّارَتَيْنِ فِي غَدٍ فِي هَذِهِ لِوُقُوعِهِ ثَانِيًا مَعَ غَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَمَسْأَلَةُ
وَخُصِّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ،
[منح الجليل]
الْمُصَنِّفِ وَقَعَ فِيهَا الْغَدُ ثَانِيًا وَحْدَهُ فَكَانَ كَالتَّأْكِيدِ لِلْأَوَّلِ.
(وَخَصَّصَتْ) أَيْ قَصَرَتْ (نِيَّةُ) الشَّخْصِ (الْحَالِفِ) لَفْظَهُ الْعَامَّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَهُوَ لَفْظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ بِلَا حَصْرٍ، أَيْ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ هُوَ لَهُ دَفْعَةً وَبِهَذَا خَرَجَ الْأَعْلَامُ وَمِنْهَا أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُطْلَقُ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ كَأَسَدٍ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِلَا حَصْرِ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ فَإِنَّهَا تَسْتَغْرِقُ مَا تَصْلُحُ لَهُ دَفْعَةً مَعَ حَصْرِهِ فَهِيَ نَصٌّ فِي مَعْنَاهَا فَلَا تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِالنِّيَّةِ وَنَحْوِهَا، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَةً وَقَالَ نَوَيْت تِسْعَةً مَثَلًا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ، وَتَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِالِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ عَشْرَةٍ إلَّا تِسْعَةً مَثَلًا وَطَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ فَمَعْنَى تَخْصِيصِ النِّيَّةِ الْعَامَّ قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا أَوْ صِفَةً، كَلَا أُكَلِّمُ زَيْدًا نَاوِيًا فِي اللَّيْلِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ حَالَ كَوْنِهِ جَاهِلًا.
وَلِلْعَامِّ صِيَغٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا الْمَوْصُولَاتُ وَأَسْمَاءُ الشُّرُوطِ وَالِاسْتِفْهَامُ وَالْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِأَلْ وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَالْمُفْرَدُ الْمُضَافُ لِمَعْرِفَةٍ.
ابْنِ أَبِي شَرِيفٍ قَيْدٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ يُغْنِي عَنْ قَيْدٍ بِلَا حَصْرٍ، لِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ الْمَعْرُوفِ دَلَالَةُ الْكُلِّيِّ عَلَى جُزْئِيَّاتِ مَعْنَاهُ وَدَلَالَةُ اسْمِ الْعَدَدِ عَلَى آحَادِهِ الَّتِي تَأَلَّفَ، هُوَ مِنْهَا دَلَالَةَ كُلٍّ عَلَى أَجْزَائِهِ.
الْقَرَافِيُّ: الْأَلْفَاظُ قِسْمَانِ نُصُوصٌ وَظَوَاهِرُ، فَالنُّصُوصُ لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ وَلَا التَّخْصِيصَ، وَالظَّوَاهِرُ تَقْبَلُهُمَا، وَالنُّصُوصُ قِسْمَانِ: أَسْمَاءُ الْأَعْدَادِ كَالْعَشَرَةِ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهَا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ وَلَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْدَادِ، فَهَذَا هُوَ الْمَجَازُ.
وَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ
وَقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ
[منح الجليل]
رَأَيْت عَشْرَةً ثُمَّ تُبَيِّنُ أَنَّك أَرَدْت خَمْسَةً، وَالتَّخْصِيصُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى الْعَامِّ وَهُوَ مِنْ الْمَجَازِ فَالْمَجَازُ أَعَمُّ إذْ قَدْ لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمُسَمَّى كَرَأَيْت بَحْرًا فِي الْجَامِعِ، فَإِذَا قُلْت رَأَيْت إخْوَتَك مُرِيدًا نِصْفَهُمْ فَهُوَ تَخْصِيصٌ وَمَجَازٌ، وَإِنْ أَرَدْت مَسَاكِنَهُمْ فَهُوَ مَجَازٌ لَا تَخْصِيصٌ.
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ النَّصِّ الْأَلْفَاظُ الْمُخْتَصَّةُ بِاَللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَلَفْظِ الرَّحْمَنِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ اللَّهِ إجْمَاعًا.
(وَقَيَّدَتْ) أَيْ صَرَفَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ لَفْظَهُ الْمُطْلَقَ إلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ الَّتِي يَحْتَمِلُهَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَشْمَلُ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدِ وُجُودِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ وَهُوَ اسْمُ الْجِنْسِ كَأَسَدٍ، وَالنَّكِرَةُ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهَا بِقَيْدِ وُجُودِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ كَرَجُلٍ، فَاللَّفْظُ فِي الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ وَاحِدٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ سُمِّيَ مُطْلَقًا وَاسْمَ جِنْسٍ، وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ مَعَ قَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ سُمِّيَ نَكِرَةً وَعَدَّ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيُّ الْمُطْلَقَ وَالنَّكِرَةَ وَاحِدًا.
ابْنُ السُّبْكِيّ وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا الْمَنَاطِقَةُ وَالْأُصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ كَانَ حَمْلُك ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَكَانَ ذَكَرَيْنِ فَقِيلَ: لَا تَطْلُقُ نَظَرًا لِلتَّنْكِيرِ الْمُشْعِرِ بِالْوَحْدَةِ.
وَقِيلَ تَطْلُقُ حَمْلًا عَلَى الْجِنْسِ وَالْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ كَعَائِشَةَ طَالِقٌ وَلَهُ زَوْجَتَانِ مِسْمَاتَانِ بِعَائِشَةَ وَكَحَلِفِهِ لَا يَنْظُرُ لِعَيْنٍ مُرِيدًا أَحَدَ مَعَانِيهَا (إنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ) .
ابْنُ غَازِيٍّ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ قَلَقٌ لِأَنَّ النِّيَّةَ الَّتِي تُنِيفُ أَيْ تَزِيدُ وَاَلَّتِي تُسَاوِي أَيْ تُطَابِقُ لَيْسَتْ مُخَصِّصَةً وَلَا مُقَيِّدَةً وَإِنَّمَا الْمُخَصِّصَةُ وَالْمُقَيِّدَةُ الَّتِي تَنْقُصُ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: وَاعْتُبِرَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ إنْ نَافَتْ أَوْ سَاوَتْ وَإِلَّا خُصِّصَتْ وَقُيِّدَتْ كَمَا قَالَ الْقَاضِي فِي تَلْقِينِهِ بِعَمَلٍ عَلَى النِّيَّةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
إذَا كَانَتْ مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ مِنْ اللَّفْظِ بِأَنْ كَانَتْ مُطَابِقَةً لَهُ أَوْ زَائِدَةً فِيهِ أَوْ نَاقِصَةً عَنْهُ بِتَقْيِيدِ مُطْلَقِهِ أَوْ تَخْصِيصِ عَامِّهِ، ثُمَّ قَالَ وَذَلِكَ كَالْحَالِفِ لَا آكُلُ رُءُوسًا أَوْ بَيْضًا أَوْ لَا أَسْبَحُ فِي نَهْرٍ أَوْ غَدِيرٍ، فَإِنْ قَصَدَ مَعْنًى عَامًّا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ أَوْ مَعْنًى خَاصًّا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ عَامٍّ حُكِمَ بِنِيَّتِهِ إذَا قَارَنَهَا عُرْفُ التَّخَاطُبِ كَالْحَالِفِ لَا أَشْرَبُ لِفُلَانٍ مَاءً يَقْصِدُ قَطْعَ الْمَنِّ مِنْهُ فَيَحْنَثُ بِكُلِّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ مَالِهِ، وَكَذَا لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ زَوْجَتِهِ بِقَصْدِ قَطْعِ الْمَنِّ دُونَ عَيْنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلِحُسْنِ عِبَارَةِ التَّلْقِينِ انْتَحَلَهَا صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ إعْجَابًا بِهَا وَحَوْلَ دَنِّهَا دَنْدَنَ.
ابْنُ عَرَفَةَ إذْ قَالَ: وَالنِّيَّةُ إنْ وَافَقَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَوْ خَالَفَتْهُ بِأَشَدَّ اُعْتُبِرَتْ وَإِلَّا فَطُرُقٌ إلَخْ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ وَقَيَّدَتْ كَأَنْ نَافَتْ أَوْ سَاوَتْ بِزِيَادَةِ الْكَافِ وَالْعَطْفِ بِأَوْ لَكَانَ أَمْثَلَ.
فَإِنْ قُلْت: لَعَلَّ نَافَتْ مِنْ بَابِ الْمُنَافَاةِ مُفَاعَلَةٌ مِنْ النَّفْيِ فَيَرْجِعُ لِمَعْنَى النَّقْصِ وَتَكُونُ الزَّائِدَةُ وَالْمُطَابَقَةُ أَحْرَى بِالِاعْتِبَارِ وَالْمُسَاوَاةِ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْمُعَادَلَةِ فِي الِاحْتِمَالِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، أَيْ أَمْكَنَ أَنْ يَقْصِدَ بِاللَّفْظِ الصَّادِرِ عَنْهُ مَا ادَّعَى أَنَّهُ نَوَاهُ وَأَمْكَنَ أَنْ لَا يَقْصِدَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ وَيَشْفَعُ لَهُ مُحَاذَاةُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا قُبِلَتْ، وَيُنْعِشُهُ عَطْفُ سَاوَتْ بِالْوَاوِ دُونَ أَوْ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ كَأَنْ خَالَفَتْ كَأَنْ لَمْ تُسَاوِ.
قُلْت لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا مِنْ التَّكَلُّفِ إلَّا اسْتِعْمَالُ نَافٍ فِي الْمُنَافَاةِ الَّتِي هِيَ الْمُضَادَّةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ كَافِيًا فِي عَدَمِ صِحَّتِهِ، وَلَوْلَا خَشْيَةُ السَّآمَةِ لَطَرَقْنَا فِيهِ احْتِمَالًا آخَرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
اهـ. كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ.
عب إنْ نَافَتْ رَاجِعٌ لَخَصَّصَتْ مِنْ الْمُنَافَاةِ أَيْ خَالَفَتْ نِيَّتُهُ ظَاهِرَ لَفْظِهِ، وَأَصْلُهُ نَافَيَتْ تَحَرَّكَتْ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلْفًا ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ قَالَهُ الْحَطّ، أَيْ شَرْطُ الْمُخَصِّصِ كَوْنُهُ مُنَافِيًا لِلْعَامِّ فَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا وَنَوَى سَمْنَ ضَأْنٍ فَإِنَّ نِيَّتَهُ لَا تُخَصِّصُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُنَافِيَةً لِلْعَامِّ خِلَافًا لِابْنِ يُونُسَ، وَإِنْ نَوَى إخْرَاجَ سَمْنِ غَيْرِ الضَّأْنِ لِيَأْكُلَهُ نَافَتْ نِيَّتُهُ الْعَامَّ فَخَصَّصَتْهُ، وَعَلَى هَذَا الْقَرَافِيُّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَالْمُقْرِي وَابْنُ رَاشِدٍ وَغَيْرُهُمْ، وَهَلْ بِيَمِينٍ أَمْ لَا، وَالْأَقْرَبُ تَوَجُّهُهَا احْتِيَاطًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
فَإِنْ قُلْت: الْحَالِفُ فِي الْحَالَتَيْنِ قَصْدُهُ عَدَمُ أَكْلِ سَمْنِ الضَّأْنِ وَأَكْلِ غَيْرِهِ فَلِمَ افْتَرَقَتْ نِيَّةُ سَمْنِ الضَّأْنِ مِنْ نِيَّةِ إخْرَاجِ سَمْنِ غَيْرِهِ.
قُلْت أَشَارَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِلْفَرْقِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ نِيَّةَ إخْرَاجِ سَمْنِ غَيْرِ الضَّأْنِ نِيَّةٌ مُنَافِيَةٌ وَنِيَّةَ سَمْنِ الضَّأْنِ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ.
وَشَرْطُ الْمُخَصِّصِ الْمُنَافَاةُ.
الْبُنَانِيُّ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ ز كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَصْلُهُ لِلْقَرَافِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ قَاسُوا التَّخْصِيصَ بِالنِّيَّةِ عَلَى التَّخْصِيصِ بِاللَّفْظِ فِي شَرْطِ الْمُنَافَاةِ، قَالَ الْأُصُولِيُّونَ لَا يُخَصِّصُ كَلَامٌ كَلَامًا إلَّا إذَا كَانَ مُنَافِيًا لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] .
فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنَافٍ لَهُ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ، مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ «هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ» فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُخَصِّصُهُ بِجِلْدِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَلِذَا قَالُوا ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ لَا يُخَصِّصُهُ فَبَنَى الْقَرَافِيُّ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ جَاعِلًا النِّيَّةَ كَاللَّفْظِ فِي تَفْصِيلِهِ زَاعِمًا أَنَّ أَكْثَرَ مُفْتِي عَصْرِهِ جَهِلُوهُ فِيمَنْ قَالَ لَا آكُلُ بَيْضًا وَنَوَى بَيْضَ الدَّجَاجِ، فَإِنْ نَوَى إخْرَاجَ بَيْضِ غَيْرِهِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِبَيْضِ الدَّجَاجِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إخْرَاجَهُ وَنَوَى بِالْبَيْضِ بَيْضَ الدَّجَاجِ حَنِثَ بِالْجَمِيعِ وَهُمْ قَالُوا: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِبَيْضِ الدَّجَاجِ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ كَابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ يُونُسَ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمْ، فَفِي التَّلْقِينِ فَإِنْ قَصَدَ مَعْنًى عَامًّا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ أَوْ مَعْنًى خَاصًّا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ عَامٍّ حُكِمَ بِنِيَّتِهِ اهـ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْحَقُّ وَقَدْ رَدَّ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ مُبَارَكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ قِيَاسَ النِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ لَا يَصِحُّ لِظُهُورِ الْفَارِقِ وَهُوَ أَنَّ الْمُخَصَّصَ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ لَفْظِيٌّ لَمْ يُقَارِنْ مُخَصِّصَهُ فِي الزَّمَانِ لِاسْتِحَالَةِ النُّطْقِ بِهِمَا دَفْعَةً، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ فَبَقِيَ ذَلِكَ الْعَامُّ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى خَصَّصَهُ الْمُخَصِّصُ بِخِلَافِ الْمَقِيسِ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْمُخَصِّصَ فِيهِ هِيَ النِّيَّةُ وَمُقَارَنَتُهَا مُمْكِنَةٌ بَلْ وَاجِبَةٌ إذْ لَوْ تَأَخَّرَتْ مَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
أَفَادَتْ، وَإِذَا قَارَنَتْ أَوْ تَقَدَّمَتْ لَمْ يَبْقَ الْعَامُّ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يُخَصَّصَ بِهَا فَلَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا الْمَنْوِيَّ فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ فَبَطَلَ قَوْلُهُ النِّيَّةُ هُنَا مُؤَكِّدَةٌ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَلَا تَنْفِي الْحُكْمَ عَنْ غَيْرِهِ اهـ.
وَرَدَّ أَيْضًا بِأَنَّ النِّيَّةَ أَوَّلٌ مُعْتَبَرٌ فِي الْيَمِينِ ثُمَّ السَّبَبُ وَالْبِسَاطُ، فَإِذَا اقْتَضَى السَّبَبُ أَوْ الْبِسَاطُ تَقْيِيدَهَا أَوْ تَخْصِيصَهَا لِدَلَالَتِهِمَا عَلَى قَصْدِ التَّخْصِيصِ أَوْ التَّقْيِيدِ، فَاعْتِبَارُ التَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ الْمَنْوِيَّانِ أَوْلَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ الْفَاسِيُّ وَالصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ أَنَّ النِّيَّةَ تُخَصِّصُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُنَافِيَةً لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَنْ لَا تُرَتَّبَ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ إلَّا عَلَى النِّيَّاتِ، وَالْمَقْصُودُ وَمَا لَيْسَ مَنْوِيَّا وَلَا مَقْصُودًا فَلَا يُعْتَبَرُ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَكَادُ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ.
ابْنُ الشَّاطِّ لَمْ يَحْمِلْ شِهَابُ الدِّينِ فِيمَا قَالَهُ فِي هَذَا إلَّا تَوَهُّمَهُ أَنَّ حُكْمَ النِّيَّاتِ كَحُكْمِ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَدْلُولَاتِ وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ السَّبْتِيُّ فِي اخْتِصَارِ الْفُرُوقِ يَرِدُ عَلَى الْقَرَافِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ وَاَللَّهِ لَا أَلْبَسُ نَاوِيًا لَكَانَ غَافِلًا عَنْ غَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا كَتَّانًا غَافِلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يَحْنَثُ فِيهِ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ.
ابْنُ مَرْزُوقٍ رَدَّ عَلَى الْقَرَافِيِّ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ أَلَّفَ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُمْ مِنْهُمْ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ أَبُو مُوسَى الْإِمَامُ بِمَا يَطُولُ جَلْبُهُ وَتَأَمَّلْ كَثْرَةَ مَا وَقَعَ مِنْ مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ مَا نَوَى وَلَمْ يُقَيِّدُوهَا بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ بِأَنْ يَتَعَرَّضَ عِنْدَ نِيَّةِ مَا نَوَى مِنْ الْأَفْرَادِ إلَى إخْرَاجِ غَيْرِهِ، فَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ صَحِيحًا لَنَبَّهُوا عَلَيْهِ، وَيُقَالُ نِيَّةُ الْحَالِفِ بَعْضَ الْأَفْرَادِ عِنْدَ الْيَمِينِ تَسْتَلْزِمُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
إخْرَاجَ غَيْرِهِ، كَمَنْ حَلَفَ لَا دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ وَنَوَى شَهْرًا أَوْ لَا أَكَلَتْ سَمْنًا وَنَوَى سَمْنَ بَقَرٍ اهـ. فَتَبَيَّنَ ضَعْفُ طَرِيقَةِ الْقَرَافِيِّ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ الْحَطّ وز، وَلَا سِيَّمَا الْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهَا وَإِنَّمَا يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى فَيُفَسِّرُ نَافَتْ بِخَالَفَتْ، وَهِيَ إشَارَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ تَخْصِيصُ الْعَامِّ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِصُورَةٍ أَوْ صُوَرٍ وَالنِّيَّةُ الْمُخَصِّصَةُ تَنْفِيهِ عَنْهَا.
اهـ. فَالْقَيْدُ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ بَلْ كَاشِفٌ لِصُورَةِ التَّخْصِيصِ إذْ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهَا ذَلِكَ فَالشَّرْطُ لَيْسَ فِي مَحِلِّهِ وَهَذَا الْحَمْلُ هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ أَبُو زَيْدٍ وَبَابَا وطفي وَغَيْرُهُمْ.
طفي هَذَا أَمْثَلُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ فِيهِ قُبْحُ اسْتِعْمَالِ الْمُنَافَاةِ وَهِيَ الْمُضَادَّةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى لِقَوْلِ الْحَطّ لَا قُبْحَ فِيهِ لِوُقُوعِهِ فِي عِبَارَةِ الْقَرَافِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِمَا.
قُلْت وَفِي اعْتِرَاضِ الْحَطّ عَلَى ابْنِ غَازِيٍّ نَظَرٌ لِأَنَّ الْقَرَافِيَّ اسْتَعْمَلَ الْمُنَافَاةَ فِي الْمُضَادَّةِ فِي الْحُكْمِ وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَشْتَرِطْ إلَّا الْمُخَالَفَةَ الصَّادِقَةَ بِمَا بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ مَعَ فَقْدِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْمُجَارَاةِ وَإِلَّا فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَيْدًا كَاشِفًا فَهِيَ بِمَعْنَى الْمُضَادَّةِ لِأَنَّهَا حَيْثُ كَانَتْ مُخَصِّصَةً لَزِمَهَا نَفْيُ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَا الْمَنْوِيِّ، وَهَذَا مُضَادٌّ لِحُكْمِ الْعَامِّ فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ ابْنِ غَازِيٍّ وَمَا انْبَنَى عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
عب وَسَاوَتْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَقَيَّدَتْ أَيْ مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُقَيِّدَةِ لِلْمُطْلَقِ أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً بِأَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحَالِفِ يَحْتَمِلُ مَا نَوَاهُ وَغَيْرَهُ عَلَى السَّوَاءِ، فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ مُطْلَقًا فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ كَأَحَدِ عَبِيدِي حُرٌّ، وَيُرِيدُ نَاصِحًا مَثَلًا، وَفِي تَعْيِينِ أَحَدِ مَحَامِلِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ كَعَائِشَةَ طَالِقٌ وَلَهُ زَوْجَتَانِ كِلْتَاهُمَا اسْمُهَا عَائِشَةُ، وَقَالَ أَرَدْت بِنْتَ فُلَانٍ وَكَلَا نَظَرْت عَيْنًا وَأَرَادَ الذَّهَبَ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَقَيَّدَتْ إلَخْ هَذَا ظَاهِرُ التَّوْضِيحِ، وَعَلَيْهِ جَرَى الشَّارِحُ وَالتَّحْقِيقُ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ وَأَحْمَدُ، أَصْلُهُ لِابْنِ غَازِيٍّ وَالْحَطّ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُعْتَبَرَةٌ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ مَعًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ إلَخْ وَالْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ بَيْنَ الْمَنْوِيِّ وَظَاهِرِ اللَّفْظِ إمَّا بِرُجْحَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارَيْ اللُّغَةِ
فِي لِلَّهِ غَيْرِهَا: كَطَلَاقٍ: كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي لَا يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ:
[منح الجليل]
وَالْعُرْفِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَكَوْنِهَا مَعَهُ، وَإِمَّا فِي الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ كَمَا فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَتَبْيِينِ الْمُشْتَرَكِ.
وَتَنَازَعَ خَصَّصَتْ وَقَيَّدَتْ (فِي) الْيَمِينِ بِ (اللَّهِ وَغَيْرِهَا) وَمَثَّلَ لِلْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ (كَطَلَاقٍ) وَعِتْقٍ وَمَشْيٍ لِمَكَّةَ وَصَوْمِ سَنَةٍ، وَمَثَّلَ لِتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالنِّيَّةِ الْمُسَاوِيَةِ فَقَالَ (كَ) نِيَّةِ (كَوْنِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ الْمَحْلُوفِ لَهَا (مَعَهُ) أَيْ الْحَالِفِ فِي عِصْمَتِهِ (فِي) حَلِفِهِ بِاَللَّهِ أَوْ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ مَشْيٍ لِمَكَّةَ أَوْ صَدَقَةٍ بِثُلُثِ مَالِهِ (لَا يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا) أَيْ زَوْجَتَهُ الْمَحْلُوفَ لَهَا ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ وَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا وَقَالَ نَوَيْت حَيَاتَهَا مَعِي فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ مَعَ بَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَكَوْنُ الْمَحْلُوفِ بِهِ طَلَاقُ مَنْ تَزَوَّجَهَا أَوْ عِتْقُ رَقِيقٍ مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا زَوْجَةُ غَيْرِ الْحَالِفِ الَّتِي حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا إذَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا وَتَزَوَّجَ الْحَالِفُ وَقَالَ نَوَيْت مَا دَامَتْ مَعَ زَوْجِهَا فَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ إنْ كَانَ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ، وَرُفِعَ لِلْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ قَالَهُ الْحَطّ أَيْ وَتَعَذَّرَ تَسَرِّيهِ.
الْبُنَانِيُّ النِّيَّةُ الْمُخَصِّصَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ الْعَامِّ لَكِنْ إنْ عَضَّدَهَا عُرْفٌ كَانَتْ الصِّيغَةُ مِنْ الْمُجْمَلِ الَّذِي اسْتَوَى مَحْمِلَاهُ مَثَلًا لِأَنَّهَا دَائِرَةٌ حِينَئِذٍ بَيْنَ مَجَازِ الرَّاجِحِ وَالْحَقِيقَةِ الْمَرْجُوحَةِ بِسَبَبِ الْعُرْفِ وَالْمُخْتَارُ فِيهِ أَنَّهُ مُجْمَلٌ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَنَصُّهُ، وَفِي تَعَارُضِ الْمَجَازِ الرَّاجِحِ وَالْحَقِيقَةِ الْمَرْجُوحَةِ.
ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ مُجْمَلٌ.
اهـ. لِرُجْحَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِوَجْهٍ فَتُقْبَلُ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِي الْقَضَاءِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ كَكَوْنِهَا مَعَهُ إلَخْ.
وَشَبَّهَ فِي قَبُولِ التَّخْصِيصِ فَقَالَ (كَأَنْ خَالَفَتْ) نِيَّةُ الْحَالِفِ أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي نَوَاهُ بِالْعَامِّ (ظَاهِرَ لَفْظِهِ) أَيْ الْحَالِفُ الْعَامُّ أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ الْعَامُّ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ بِالْمُخَالَفَةِ بَعْدَ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَنْوِيِّ مِنْ الْعَامِّ فَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ وَسَاوَتْ.
وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ النِّيَّةَ الْمُخَالِفَةَ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ قِسْمَانِ: بَعِيدَةٌ عَنْ الْعُرْفِ، وَلَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا كَمَا سَيَقُولُ لَا إرَادَةً مُعَيَّنَةً إلَخْ وَقَرِيبَةٌ، أَمَّا مُوَافِقَةٌ لِلْعُرْفِ فَتُقْبَلُ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي لَا يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا.
وَأَمَّا مُخَالِفَةٌ لَهُ قَرِيبَةٌ فَتُقْبَلُ فِي الْفَتْوَى مُطْلَقًا،
كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي: لَا آكُلُ سَمْنًا، أَوْ لَا أُكَلِّمُهُ، وَكَتَوْكِيلِهِ فِي: لَا يَبِيعُهُ، أَوْ لَا يَضْرِبُهُ، إلَّا لِمُرَافَعَةٍ وَبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ فَقَطْ،
[منح الجليل]
وَفِي الْقَضَاءِ إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا هُنَا.
وَمَثَّلَ لَهَا بِقَوْلِهِ (كَ) نِيَّةِ (سَمْنِ ضَأْنٍ فِي) حَلِفِهِ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ أَوْ غَيْرِهَا (لَا آكُلُ) بِضَمِّ الْكَافِ عَقِبَ الْهَمْزِ الْمَمْدُودِ (سَمْنًا) فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ وَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ سَمْنِ الضَّأْنِ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ يُونُسَ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا تَقَدَّمَ.
عج إذَا حُمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْمُنَافَاةِ فِي قَوْلِهِ إنْ نَافَتْ مَا يَشْمَلُ الْمُخَالَفَةَ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ لَكِنْ يَكُونُ شَرْطُ الْمُنَافَاةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، أَيْ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ فَرْضِ أَنَّهَا مُخَصِّصَةٌ يَصِيرُ التَّخَالُفُ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ضَرُورِيًّا (أَوْ لَا أُكَلِّمُهُ) أَيْ الْحَالِفُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَقَالَ نَوَيْت شَهْرًا مَثَلًا أَوْ حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ فَظَاهِرُ يَمِينِهِ الْعُمُومُ وَادَّعَى مَا يُخَصِّصُهَا فَيُصَدَّقُ فِي الْفَتْوَى مُطْلَقًا وَالْقَضَاءِ إلَّا فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ.
(وَكَتَوْكِيلِهِ) أَيْ الْحَالِفِ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ الضَّرْبِ (فِي) حَلِفِهِ بِاَللَّهِ أَوْ الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ أَوْ غَيْرِهَا (لَا يَبِيعُهُ) أَيْ الْحَالِفُ الشَّيْءَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَشْتَرِيهِ (أَوْ لَا يَضْرِبُهُ) أَيْ الْحَالِفُ الْعَبْدَ مَثَلًا ثُمَّ وَكَّلَ مَنْ بَاعَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ أَوْ ضَرَبَهُ، وَقَالَ نَوَيْت لَا أُبَاشِرُ ذَلِكَ بِنَفْسِي فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا مُطْلَقًا وَفِي الْقَضَاءِ (إلَّا لِمُرَافَعَةٍ) أَيْ رَفْعٍ مِنْ غَيْرِ الْحَالِفِ لِلْقَاضِي فَإِنْ ذَهَبَ الْحَالِفُ لِلْقَاضِي بِدُونِ رَفْعِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَهِيَ فَتْوَى كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَوَّاقِ.
(وَبَيِّنَةٌ) شَهِدَتْ عَلَى الْحَالِفِ بِحَلِفِهِ وَحِنْثِهِ فِيهِ أَيْ مَعَهَا إنْ أَنْكَرَ الْحَلِفَ (أَوْ إقْرَارٌ) بِالْحَلِفِ وَادَّعَى أَنَّهُ نَوَى الْمُبَاشَرَةَ بِنَفْسِهِ فَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ الْمُخَالِفَةُ لِظَاهِرِ لَفْظِهِ (فِي) حَلِفِهِ بِ (طَلَاقٍ وَعِتْقٍ) مُعَيَّنٍ (فَقَطْ) وَأَمَّا الْعِتْقُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَتُقْبَلُ فِيهِ نِيَّتُهُ الْمَذْكُورَةِ مَعَ الرَّفْعِ، وَدَخَلَ بِالْكَافِ حَلِفُهُ بِاَللَّهِ لَيَعْتِقَنَّ عَبِيدَهُ وَقَالَ أَرَدْت بَعْضَهُمْ أَوْ أَرَدْت بِعَبِيدِي دَوَابِّي، أَوْ أَرَدْت بِالْعِتْقِ الْبَيْعَ، وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ الْمِلْكُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ الْإِخْرَاجُ
أَوْ اسْتَحْلَفَ مُطْلَقًا فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ، لَا إرَادَةِ مَيِّتَةٍ، أَوْ كَذِبٍ فِي:
[منح الجليل]
عَنْهُ وَحَلِفُهُ بِاَللَّهِ لَيَعْتِقَنَّ مِنْ عَبِيدِهِ ثَلَاثَةً، وَقَالَ أَرَدْت بَيْعَ ثَلَاثِ دَوَابَّ مِنْ دَوَابِّي وَقَوْلُهُ لِزَوْجَتِهِ هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَالَ أَرَدْت طَلَاقَهَا لِلْوِلَادَةِ وَقَوْلُهُ نِسَاؤُهُ طَوَالِقُ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَقَالَ أَرَدْت ثَلَاثًا مُعَيَّنَةً، فَيَنْوِي فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فِي الْفُتْيَا لَا فِي مُرَافَعَةٍ وَبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَلَوْ قَالَ جَمِيعُ نِسَائِهِ طَوَالِقُ ثُمَّ قَالَ اسْتَثْنَيْت أَوْ حَاشَيْت فُلَانَةَ نَفَعَهُ فِي الْفَتْوَى لَا إنْ قَالَ نَوَيْت مَا عَدَا فُلَانَةَ، وَلَوْ قَالَ لِرَجْعِيَّةٍ هِيَ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ إنْ رَاجَعْتهَا ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَهَا بَعْدَ تَمَامِ عِدَّتِهَا وَقَالَ نَوَيْت مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ صُدِّقَ فِي الْفَتْوَى، وَلَوْ قَالَ حَلِيمَةُ طَالِقٌ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَأَمَةٌ تُسَمَّيَانِ بِهِ وَقَالَ نَوَيْت أَمَتِي صُدِّقَ مُسْتَفْتِيًا، وَأَكْثَرُ هَذِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(أَوْ اُسْتُحْلِفَ) حَلِفًا (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ غَيْرِهِ أَوْ فِي الْقَضَاءِ، أَوْ كَوْنِ الطَّلَاقِ مُنْجَزًا وَكَذَا الْعِتْقُ وَسَوَاءٌ كَانَ كَامِلًا أَوْ مُبَعَّضًا أَوْ آيِلًا إلَيْهِ كَالتَّدْبِيرِ إذَا كَانَ فِي رَقَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَصِلَةُ اُسْتُحْلِفَ (فِي وَثِيقَةٍ) أَيْ تَوَثَّقَ فِي (حَقٍّ) وَلَوْ بِغَيْرِ كِتَابَةٍ عَطْفٌ عَلَى مَعْنَى إلَّا لِمُرَافَعَةٍ، أَيْ إلَّا إنْ رُفِعَ أَوْ اُسْتُحْلِفَ فِي حَقٍّ فَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عِنْدَ غَيْرِ حَاكِمٍ، وَلَوْ حَذَفَ السِّينَ وَالتَّاءَ وَوَثِيقَةً بِأَنْ قَالَ أَوْ حَلَفَ مُطْلَقًا فِي حَقٍّ لَوَافَقَ الرَّاجِحَ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ طَلَبِ حَلِفِهِ أَوْ طَلَبِ سَبَبِ حَلِفِهِ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي عِنْدَهُ، فَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ حَقٌّ وَمِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بِوَثِيقَةِ حَقٍّ أَمْ لَا وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ وَأَنْكَرَهَا، وَحَلَفَ لَيْسَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَنَوَى حَاضِرَةً، وَنَوَى رَبُّهَا الْإِطْلَاقَ وَحَلِفُهُ لِرَبِّ الْحَقِّ بِالْحَلَالِ عَلَيْهِ حَرَامٌ مُحَاشِيًا الزَّوْجَةَ الْمَدْخُولَ بِهَا وَلَمْ يُحَاشِهَا رَبُّ الْحَقِّ، وَعَقْدُ نِكَاحٍ عَلَى أَنْ لَا يَتَسَرَّى ثُمَّ تَسَرَّى حَبَشِيَّةً وَقَالَ نَوَيْت مِنْ غَيْرِ الْحَبَشِ فَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمُعْتَبِرُ نِيَّةُ الْمَحْلُوفِ لَهُ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ.
(لَا) تُقْبَلُ (إرَادَةُ) أَيْ نِيَّةُ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ (مَيِّتَةٍ) أَوْ مُطَلَّقَةٍ وَمُعْتَقَةٍ (أَوْ) إرَادَةُ (كَذِبٍ) ضِدِّ الصِّدْقِ أَيْ إخْبَارٌ بِخِلَافِ مَا عَلِمَهُ الْمُتَكَلِّمُ (فِي) قَوْلِهِ إنْ فَعَلْت أَوْ إنْ لَمْ
طَالِقٌ وَحُرَّةٌ، أَوْ حَرَامٌ، وَإِنْ بِفَتْوَى
ثُمَّ بِسَاطُ يَمِينِهِ،
[منح الجليل]
أَفْعَلْ كَذَا فَفُلَانَةٌ (طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ أَوْ حَرَامٌ) وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَوْ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهِ فِي الْحِنْثِ أَوْ أَجَّلَهُ بِزَمَنٍ انْقَضَى بِلَا فِعْلٍ فِيهِ وَقَالَ أَرَدْت فُلَانَةَ الْمَيِّتَةَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، أَوْ الْمُطَلَّقَةَ فِي الْأَوَّلِ وَالْمُعْتَقَةَ فِي الثَّانِي وَكَذَّبَهَا فِي حَرَامٍ فَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ إنْ رُفِعَ لِلْقَاضِي فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ.
بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (بِفَتْوَى) حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تُصَدِّقُهُ فِي دَعْوَاهُ إرَادَةَ مَا ذَكَرَ وَإِلَّا عُمِلَ بِهَا كَكَوْنِهَا حَيَّةً حِينَ يَمِينِهِ ثُمَّ مَاتَتْ وَادَّعَى أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ بِهَا.
(تَكْمِيلٌ)
كَمَا تُخَصِّصُ النِّيَّةُ الْعَامَّ وَتُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ تُعَمِّمُ الْخَاصَّ وَالْمُطْلَقَ مِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ الْآتِي وَبِمَا أَنْبَتَتْ الْحِنْطَةُ إنْ نَوَى الْمَنَّ وَمِنْ الثَّانِي وَاَللَّهِ لَأُكْرِمَنَّ أَخَاكَ نَاوِيًا بِهِ جَمِيعَ إخْوَتِكَ (ثُمَّ) إنْ عُدِمَتْ النِّيَّةُ أَوْ ضَبَطَهَا خَصَّصَ الْعَامَّ أَوْ قَيَّدَ الْمُطْلَقَ (بِسَاطٌ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ مَقَامُ الْيَمِينِ سَوَاءٌ كَانَ سَبَبًا فِيهَا أَوْ لَا فَيُخَصَّصُ الْعَامُّ مَثَلًا إذَا قِيلَ لِشَخْصٍ: لَحْمُ الْبَقَرِ دَاءٌ كَمَا وَرَدَ فَلَا تَأْكُلْهُ يُؤْذِك فَحَلَفَ لَا آكُلُ لَحْمًا وَلَمْ يَقْصِدْ تَعْمِيمًا وَلَا تَخْصِيصًا، فَيُخَصَّصُ اللَّحْمُ فِي يَمِينِهِ بِلَحْمِ الْبَقَرِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ فَلَا يَحْنَثُ بِلَحْمِ غَيْرِهِ.
وَكَمَنْ قِيلَ لَهُ: أَنْتَ تُزَكِّي الشُّهُودَ بِشَيْءٍ تَأْخُذُهُ مِنْهُمْ فَحَلَفَ لَا يُزَكِّي وَلَا يَنْقُلُهُ فَتُخَصَّصُ الزَّكَاةُ فِي يَمِينِهِ بِتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ فَلَا يَحْنَثُ فِيهَا بِتَزْكِيَةِ الْمَالِ.
ابْنُ رُشْدٍ فِيمَنْ يَبْتَاعُ لِأَهْلِهِ لَحْمًا فَوَجَدَ زِحَامًا عَلَى الْجَزَّارِ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلْبَتَّةَ إنْ اشْتَرَاهُ لَهُمْ فَرَجَعَ إلَيْهِمْ فَعَاتَبُوهُ فَخَرَجَ فَاشْتَرَى كَبْشًا فَذَبَحَهُ وَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهِ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَا أَرَاهُ إلَّا وَقَدْ حَنِثَ وَأَرَى هَذَا لَحْمًا.
ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا إذَا كَانَتْ كَرَاهِيَتُهُ لِلزِّحَامِ عَلَى الْمَجْزَرَةِ وَوَجَدَ لَحْمًا أَوْ كَبْشًا فِي غَيْرِهَا فَاشْتَرَاهُ فَأَرَى أَنْ يَنْوِيَ فِيهِ.
ابْنُ رُشْدٍ لَمْ يُرَاعِ الْإِمَامُ الْبِسَاطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَرَاعَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ حَمْلِ الْيَمِينِ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ إلَّا عِنْدَ الْبِسَاطِ.
وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَرَى أَنْ يَنْوِيَ فِيهِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ كَرَاهِيَةً لِلزِّحَامِ وَلَا يَمِيزُ عَلَيْهِ إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِهِ أَوْ اسْتَفْتَى، وَلَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ لَهُمْ لَحْمًا ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَقَالَ كُنْت
ثُمَّ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ ثُمَّ مَقْصِدٌ لُغَوِيٌّ،
[منح الجليل]
حَلَفْت لِلزِّحَامِ وَلَمْ تَعْلَمْهُ الْبَيِّنَةُ طُلِّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ اهـ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اعْتِبَارُهُ وَلَوْ مَعَ مُرَافَعَةٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ لَكِنْ بِشَرْطِ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْبِسَاطِ يُخَصِّصُ الْعَامَّ وَيُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ (عُرْفٌ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ اصْطِلَاحٌ (قَوْلِيٌّ) أَيْ عَادَةُ عَامَّةِ النَّاسِ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْعَامِّ أَوْ الْمُطْلَقِ، فَيُحْمَلُ الْعَامُّ أَوْ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي جَرَى عُرْفُهُمْ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْحَالِفِ غَالِبًا.
وَلِأَنَّ كُلَّ مُتَكَلِّمٍ بِلُغَةٍ يَجِبُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَعْمِلُ أَهْلُ تِلْكَ اللُّغَةِ فِيهِ ذَلِكَ اللَّفْظَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، كَاخْتِصَاصِ الدَّابَّةِ بِالْحِمَارِ بِمِصْرَ وَبِأُنْثَاهُ فِي قَنْصَةَ وَبِالْفَرَسِ فِي الْعِرَاقِ قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحِمَارُ مِنْ مَرَاكِبِهِ إذْ الْفَرْضُ عَدَمُ النِّيَّةِ دُونَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَاخْتِصَاصُ الْمَمْلُوكِ بِالْأَبْيَضِ وَالدِّرْهَمِ بِفَلْسِ النُّحَاسِ، وَقُدِّمَ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ عَلَى الْمَقْصِدِ اللُّغَوِيِّ لِأَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِخِ اللُّغَوِيِّ وَالنَّاسِخُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَنْسُوخِ.
وَاحْتَرَزَ بِالْقَوْلِيِّ عَنْ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَتَجَاوَزْ مَعْنَاهُ إلَى فِعْلِهِمْ عِنْدَهُمْ كَحَلِفِهِ لَا آكُلُ خُبْزًا وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَخْبُوزٍ فِي عُرْفِهِمْ، فَإِذَا كَانَ أَهْلُ بَلَدِهِ لَا يَصْنَعُونَ الْخُبْزَ إلَّا مِنْ الْقَمْحِ فَلَا يُخَصِّصُ عُرْفُهُمْ الْخُبْزَ فِي الْيَمِينِ بِخُبْزِ الْقَمْحِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مِنْ كُلِّ مَخْبُوزٍ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ، وَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ هُنَا.
وَفِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ ظَاهِرَ مَسَائِلِ الْفُقَهَاءِ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ وَإِنْ كَانَ فِعْلِيًّا، وَنَقَلَ الْوَانُّوغِيُّ عَنْ الْبَاجِيَّ أَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْعُرْفَ الْفِعْلِيَّ يُعْتَبَرُ مُخَصِّصًا وَمُقَيِّدًا؛ قَالَ وَبِهِ يُرَدُّ مَا زَعَمَهُ الْقَرَافِيُّ وَقَدْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا بِاعْتِبَارِهِ.
وَفِي الْقَلْشَانِيِّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ فِي ظَاهِرِ مَسَائِلِ الْفُقَهَاءِ.
وَقِيلَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا الْقَوْلِيُّ.
(ثُمَّ) إنْ عُدِمَ مَا ذَكَرَ يُخَصِّصُ الْعَامَّ وَيُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ (مَقْصَدٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ قَالَهُ أَحْمَدُ وَنَحْوُهُ فِي الْمِصْبَاحِ أَيْ مَقْصُودٌ (لُغَوِيٌّ) أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَعْمَلَتْ الْعَرَبُ اللَّفْظَ فِيهِ كَحَلِفِهِ لَا رَكِبَ دَابَّةً، وَلَيْسَ لِأَهْلِ بَلَدِهِ عُرْفٌ بِإِطْلَاقِهَا عَلَى شَيْءٍ خَاصٍّ فَتُحْمَلُ عَلَى
ثُمَّ شَرْعِيٌّ
وَحَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.
وَلَا بِسَاطٌ
[منح الجليل]
مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَهُوَ كُلُّ مَا دَبَّ أَيْ مَشَى فَيَحْنَثُ بِرُكُوبِ الْآدَمِيِّ وَالطَّيْرِ وَالتِّمْسَاحِ وَكُلِّ مَا دَبَّ، وَكَحَلِفِهِ لَا يُصَلِّي وَلَا عُرْفَ لَهُمْ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَيَحْنَثُ بِالدُّعَاءِ.
فَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ لِلَّفْظِ كَالْمُشْتَرَكِ حُمِلَ عَلَى أَظْهَرِ مَعَانِيهِ، فَإِنْ اسْتَوَتْ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي مُجْتَهِدٍ تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ أَدِلَّةٌ بِلَا تَرْجِيحٍ، فَقِيلَ يَأْخُذُ بِالْأَثْقَلِ وَقِيلَ بِالْأَخَفِّ، وَقِيلَ بِمَا شَاءَ، فَالْمُرَادُ بِالتَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ هُنَا مُطْلَقُ الْحَمْلِ لَا الْمَعْنَيَانِ السَّابِقَانِ لِانْتِفَائِهِمَا هُنَا.
(ثُمَّ) إنْ عُدِمَ مَا ذَكَرَ خَصَّصَ الْعَامَّ وَقَيَّدَ الْمُطْلَقَ مَقْصَدٌ (شَرْعِيٌّ) ابْنُ فَرْحُونٍ إنْ كَانَ الْحَالِفُ صَاحِبَ شَرْعٍ أَوْ الْحَلِفُ عَلَى شَيْءٍ شَرْعِيٍّ كَحَلِفِهِ لَيُصَلِّيَنَّ أَوْ لِيَتَوَضَّأَنَّ وَكَحَلِفِهِ لَا أُكَلِّمُ رَجُلًا فَلَا يَحْنَثُ بِكَلَامِ صَبِيٍّ، وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ تَقْدِيمُ الْمَقْصَدِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْمَقْصَدِ اللُّغَوِيِّ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَسَافَرَ الْقَصْرَ فِي لَأُسَافِرَنَّ، بَلْ وَعَلَى الْمَقْصَدِ الْعُرْفِيِّ كَمَا فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ الَّذِي نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ.
وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ نَاسِخٌ لَهُ، وَاسْتَشْكَلَ مَا هُنَا بِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ مَعْنًى شَرْعِيٍّ بِدُونِ مَعْنًى لُغَوِيٍّ إذْ الشَّرْعِيُّ فَرْدُ اللُّغَوِيِّ غَالِبًا أَوْ مُسَاوٍ لَهُ كَالظُّلْمِ فَإِنَّهُ تَجَاوُزُ الْحَدِّ لُغَةً وَشَرْعًا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُعَرَّبَ وَهُوَ لَفْظٌ غَيْرُ عَلَمٍ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِيمَا وُضِعَ هُوَ لَهُ فِي غَيْرِ لُغَتِهِمْ عَلَى الْقَوْلِ بِوُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ لَهُ مَدْلُولٌ شَرْعِيٌّ لَيْسَ لَهُ مَدْلُولٌ لُغَوِيٌّ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْعِيِّ مَا اسْتَعْمَلَهُ الشَّارِعُ لَا مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الشَّرْعِ فَإِذَا حَلَفَ لَا وَزْنَ بِالْقِسْطَاسِ حَنِثَ بِوَزْنِ الْمِيزَانِ إذْ هُوَ مَعْنَى الْقِسْطَاسِ شَرْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ لُغَةً لَا يُقَالُ الْمَدْلُولُ الشَّرْعِيُّ مَدْلُولٌ عُرْفِيٌّ فَيَتَكَرَّرُ مَعَهُ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَدْلُولُ الْعُرْفِيُّ يُطْلَقُ عَلَى الْعُرْفِ الْخَاصِّ كَالشَّرْعِيِّ وَالنَّحْوِيِّ وَعَلَى الْعُرْفِ الْعَامِّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الثَّانِي.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ مِنْ النِّيَّةِ وَمَا بَعْدَهَا شَرَعَ فِي فُرُوعٍ تَنْبَنِي عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ وَهِيَ فِي نَفْسِهَا أُصُولٌ أَيْضًا، وَقَاعِدَتُهُ غَالِبًا الْإِتْيَانُ بِالْبَاءِ لِلْحِنْثِ وَبِ لَا لِعَدَمِهِ فَقَالَ (وَحَنِثَ) الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ غَيْرِهِ (إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ) أَيْ الْحَالِفِ (نِيَّةٌ) تُخَصِّصُ لَفْظَهُ الْعَامَّ وَتُقَيِّدُ لَفْظَهُ الْمُطْلَقَ (وَلَا) لِيَمِينِهِ (بِسَاطٌ) أَيْ قَرِينَةٌ مُخَصِّصَةٌ
بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ سَرِقَةٍ، لَا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ فِي لَيَذْبَحَنَّهُ
[منح الجليل]
أَوْ مُقَيِّدَةٌ.
وَصِلَةُ حَنِثَ (بِ) سَبَبِ (فَوْتِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ مَصْدَرِ فَاتَ أَيْ انْتِفَاءِ (مَا) أَيْ الْفِعْلِ الَّذِي (حَلَفَ) الْمُكَلَّفُ (عَلَيْهِ) لِغَيْرِ مَانِعٍ بَلْ (وَلَوْ) فَاتَ (لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ) كَحَيْضٍ فِي حَلِفِهِ لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا فَيَحْنَثُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْبَغَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَحُمِلَ مِنْهُ فِي لَيَبِيعَنَّ الْأَمَةَ.
(أَوْ) فَاتَ لِمَانِعٍ عَادِيٍّ كَ (سَرِقَةِ) حَمَامٍ فِي حَلِفِهِ لَيَذْبَحَنَّهُ (لَا) يَحْنَثُ إنْ فَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِمَانِعٍ عَقْلِيٍّ (كَمَوْتِ حَمَامٍ) فِي حَلِفِهِ (لَيَذْبَحَنَّهُ) إنْ أَقَّتَ أَوْ بَادَرَ فَإِنْ فَرَّطَ حَتَّى حَصَلَ فَيَحْنَثُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَانِعِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْيَمِينِ، وَأَمَّا إنْ تَقَدَّمَ فَإِنْ كَانَ شَرْعِيًّا حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا، فَأَقْسَامُ الْمَانِعِ ثَلَاثَةٌ قِسْمٌ يَحْنَثُ بِهِ مُطْلَقًا تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ وَقَّتَ أَوْ لَا فَرَّطَ أَوْ لَا وَهُوَ الشَّرْعِيُّ، وَقِسْمٌ لَا يَحْنَثُ بِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْعَقْلِيُّ وَالْعَادِيُّ الْمُتَقَدِّمَانِ عَلَى الْيَمِينِ وَقَّتَ أَوْ لَا فَرَّطَ أَوْ لَا وَقِسْمٌ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ الْعَقْلِيُّ وَالْعَادِيُّ الْمُتَأَخِّرَانِ عَنْهَا فَالْعَادِيُّ يَحْنَثُ بِهِ مُطْلَقًا وَقَّتّ أَوْ لَا فَرَّطَ أَوْ لَا، وَالْعَقْلِيُّ يَحْنَثُ بِهِ إنْ لَمْ يُوَقِّتْ وَفَرَّطَ لَا إنْ وَقَّتَ أَوْ بَادَرَ، وَنَظَمَ هَذَا عج فَقَالَ:
إذَا فَاتَ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ لِمَانِعٍ ... فَإِنْ كَانَ شَرْعِيًّا فَحِنْثُهُ مُطْلَقَا
كَعَقْلِيِّ أَوْ عَادِيِّ إنْ يَتَأَخَّرَا ... وَفَرَّطَ حَتَّى فَاتَ دَامَ لَكَ الْبَقَا
وَإِنْ أَقَّتَ أَوْ قَدْ كَانَ مِنْهُ تَبَادُرٌ ... فَحِنْثُهُ بِالْعَادِيِّ لَا غَيْرُ مُطْلَقَا
وَإِنْ كَانَ كُلٌّ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُمَا ... فَلَا حِنْثَ فِي حَالٍ فَخُذْهُ مُحَقَّقَا
وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَيْضِ وَسَحْنُونٌ بِعَدَمِهِ فِي حَمْلِ الْأَمَةِ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ عَدَمَهُ فِي الْعَادِيِّ الْمُتَأَخِّرِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَيْضِ إذَا قَيَّدَ بِاللَّيْلَةِ مَثَلًا فَاسْتَغْرَقَهَا الْحَيْضُ، قَالَ طفي لَمْ يَذْكُرُوا الْحَيْضَ إلَّا فِي الْمُوَقَّتَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ غَيْرُ الْمُوَقَّتَةِ لَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ فِيهَا بِطُرُوئِهِ فِي قَوْلِهِ لَأَطَأَنَّهَا، وَيَنْتَظِرُ رَفْعَهُ إذْ لَا تَعَذُّرَ فَافْهَمْ، وَحَنِثَ بِالشَّرْعِيِّ وَإِنْ تَقَدَّمَ لِإِمْكَانِ الْفِعْلِ مَعَهُ بِخِلَافِهِمَا وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَبَرُّ بِفِعْلِهِ مَعَهُ.
وَبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ
[منح الجليل]
وَ) حَنِثَ (بِعَزْمِهِ) أَيْ الْحَالِفِ (عَلَى ضِدِّهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي يَمِينِ الْحِنْثِ لَا فِي يَمِينِ الْبِرِّ خِلَافًا للِشَّارِحِ قَالَهُ عب.
طفي لَمْ أَرَ هَذَا الْفَرْعَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلِذَا كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ شُرَّاحِهِ إنَّمَا فَسَّرُوهُ بِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ كَالشَّارِحِ وَابْنِ غَازِيٍّ وَالْمَوَّاقِ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ قَالَ فِي مَدَارِكِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ.
السَّادِسُ الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ، وَهِيَ عَلَى حِنْثٍ.
اهـ. وَجَرَى عَلَى هَذَا فِي كِفَايَةِ اللَّبِيبِ فِي كَشْفِ غَوَامِضِ التَّهْذِيبِ، فَاسْتَشْكَلَ قَوْلَهُ فِي كِتَابِ النُّذُورِ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَلْقَةً ثُمَّ يَرْتَجِعْهَا فَتَزُولُ يَمِينُهُ.
وَلَوْ ضَرَبَ أَجَلًا كَانَ عَلَى بِرٍّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا مَضَى الْأَجَلُ، وَلَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ اهـ. قَوْلَهُ فَأَرَادَ إلَخْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَلْزَمُ بِعَدَمِ التَّزْوِيجِ فَالطَّلَاقُ الْمُعَجَّلُ لَا يَحِلَّ الْيَمِينَ، وَإِنَّمَا مَبْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ الزَّوَاجِ فَعَزْمُهُ هَذَا هُوَ حِنْثُهُ فَيَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ بِحِنْثِهِ لَا أَنَّهُ يُنْشِيهَا، وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ كَعَدَمِ الْفِعْلِ.
فَفِي الْجَوَاهِرِ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَكُونُ مُظَاهِرًا عِنْدَ الْيَأْسِ، أَوْ الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ التَّزْوِيجِ، فَجَعَلَ الْعَزْمَ يَقُومُ مَقَامَ تَعَذُّرِ الْفِعْلِ، فَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ طَلَّقَهَا مَعْنَاهُ تَسَبَّبَ فِي طَلَاقِهَا لِعَزْمِهِ.
اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَا مُعْتَمَدَ لَهُ سِوَى كَلَامِ الْجَوَاهِرِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ لَا أَعْرِفُهُ، وَقَدْ تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ صَاحِبَ الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الظِّهَارِ، وَأَبْقَى ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَجَمِيعُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا أَوْ نَقَلَ كَلَامَهَا عَلَى ظَاهِرِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَزْمَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يُوجِبُ حِنْثًا، وَلَوْ كَانَ يُوجِبُهُ مَا احْتَاجُوا إلَى تَحْنِيثِهِ بِتَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ فِي حَلِفِهِ بِطَلَاقِهَا لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَيْهَا، وَعِبَارَاتُهُمْ كُلُّهُمْ: لَهُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ وَيُطَلِّقَهَا فَيَلْزَمُ الْقَرَافِيُّ أَنْ يَسْتَشْكِلَ جَمِيعُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَاهُ قَوْلُ الْقَلْشَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَفْعَلُ كَذَا ثُمَّ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحِنْثُ بِعَزْمِهِ أَوْ لَا عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ أَوْ لَا، نَقَلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ حِنْثَهُ بِعَزْمِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ فَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةً مَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ مَا نَصُّهُ حَيْثُ كَانَتْ عِبَارَاتُهُمْ مَا ذُكِرَ فَذَاكَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِهِمْ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَحْنِيثِهِ نَفْسَهُ إلَّا عَزْمَهُ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ، فَالْعَزْمُ حِنْثٌ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْمَوَّازِ بِمِثْلِ مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ ابْنِ حَارِثٍ اتَّفَقُوا فِي ذَاتِ الْحِنْثِ عَلَى جَوَازِهَا قَبْلَهُ إنْ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ الْبِرِّ، وَفِي ذَاتِ الْبِرِّ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهَا عَنْهُ.
مُحَمَّدٌ مَعْنَى إجْزَائِهَا قَبْلَهُ أَنَّهُ حِنْثٌ بِعَزْمٍ اهـ طفي.
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّكْفِيرَ قَبْلَ الْحِنْثِ يَجُوزُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ مُطْلَقًا كَانَتْ عَلَى بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ، وَفِي غَيْرِهَا إنْ كَانَتْ عَلَى حِنْثٍ لَا إنْ كَانَتْ عَلَى بِرٍّ إلَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ آخِرَ الثَّلَاثِ أَوْ الْعِتْقُ فِي مُعَيَّنٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ قَالَ فِيهَا مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك فَأَرَادَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا فَتَزُولُ يَمِينُهُ، وَلَوْ ضَرَبَ أَجَلًا كَانَ عَلَى بِرٍّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا مَضَى وَلَمْ يَفْعَلْ.
اهـ. فَأَنْتَ تَرَى مَذْهَبَهَا فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ جَوَازَ التَّحْنِيثِ قَبْلَ الْفِعْلِ إذَا لَمْ يُؤَجِّلْ وَإِلَّا فَلَا كَصِيغَةِ الْبِرِّ، هَذَا فِي غَيْرِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَأَمَّا هِيَ فَلَهُ التَّكْفِيرُ فِي الْبِرِّ قَبْلَ الْحِنْثِ وَالْأَوْلَى بَعْدَهُ، وَفِي الْحِنْثِ إنْ لَمْ يُؤَجِّلْ وَإِلَّا فَلَا.
وَلَمَّا نَقَلَ الْمَوَّاقُ كَلَامَ التَّهْذِيبِ الْمُتَقَدِّمَ وَنَقَلَ أَيْضًا قَوْلَهُ مَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَإِنْ ضَرَبَ أَجَلًا فَلَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ اهـ. وَقَالَ قَبْلَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ فَأَرَادَ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ فَأَمَّا فِي يَمِينِهِ لَا أَفْعَلُ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُكَفِّرَ بَعْدَ الْحِنْثِ، فَإِنْ كَفَّرَ قَبْلَهُ أَجْزَأَهُ وَكَذَا فِي يَمِينِهِ لَأَفْعَلَنَّ كَقَوْلِهِ لَأَضْرِبَنَّهُ أَوْ لَأُكَلِّمَنَّهُ وَلَمْ يُؤَجِّلْ فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلَ، وَإِنْ أَجَّلَ فَلَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ اهـ. قَالَ فَحَصَلَ أَنَّ مَذْهَبَهَا أَنَّ الْحَالِفَ بِاَللَّهِ إنْ كَانَ عَلَى بِرٍّ فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ حِنْثِهِ وَالْأَوْلَى بَعْدَهُ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَإِنْ كَانَ عَلَى حِنْثٍ فَإِنْ لَمْ يُؤَجِّلْ فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلَ، وَإِنْ أَجَّلَ فَلَا حَتَّى يَمْضِيَ.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهَا وَأَبْقَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَكَذَا أَبُو الْحَسَنِ قَائِلًا فِي قَوْلِهَا مَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَإِنْ أَجَّلَ فَلَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ.
اهـ. الْمَشْهُورُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَقِيلَ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ.
اهـ. فَعَلَى هَذَا يُقَيَّدُ الْمَشْهُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ بِكَلَامِهَا فَتُوَافِقُهُ، وَإِنْ أَطْلَقَهُ النَّاقِلُونَ.
وَقَدْ لَخَّصَ الْحَطّ مَسَائِلَ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَنَظَّمَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْصِيلَهَا وَلَا أَشَارَ إلَيْهِ بِحَالٍ وَقَدْ حَقَّقْنَا لَك الْمَسْأَلَةَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَيَّدَ الْحَطّ وَسَالِمٌ وَعِجْ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ بِصِيغَةِ الْحِنْثِ وَأَبْقَوْهُ عَلَى ظَاهِرِهِ تَقْلِيدًا مِنْهُمْ لِلْقَرَافِيِّ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ فَلَا تَغْتَرَّ بِمَا قَالُوهُ وَكُنْ مِمَّنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ بِنَفْسِهِ لَا بِتَقْلِيدِ الرِّجَالِ، وَقَدْ تَوَرَّكَ الزَّرْقَانِيُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ وَاَلَّذِي فِيهَا وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَخْ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ.
بَعْضُ شُيُوخِنَا وَإِذَا لَمْ يَحْنَثْ بِالْعَزْمِ فِي الطَّلَاقِ فَأَوْلَى الْيَمِينُ بِاَللَّهِ اهـ. الْبُنَانِيُّ نَعَمْ الْمَذْهَبُ عَدَمُ الْحِنْثِ بِالْعَزْمِ لِمَا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ هُنَا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَنَصُّهُ: اُنْظُرْ لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَالْمَشْيِ وَالصَّدَقَةِ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَيْهَا.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ أَرَادَ إذَا حَلَفَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ فِي الطَّلَاقِ فَقَطْ فَيُطَلِّقَ وَاحِدَةً لِيَرْتَجِعَ وَيَطَأَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ بَرَّ بِالتَّزْوِيجِ قَبْلَ الْمَوْتِ سَقَطَ عَنْهُ الْمَشْيُ وَالصَّدَقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَبَرَّ حَتَّى مَاتَ فَالصَّدَقَةُ فِي ثُلُثِهِ لِأَنَّ حِنْثَهُ إنَّمَا وَجَبَ بِمَوْتِهِ اهـ.
وَلِمَا فِي آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الظِّهَارِ حَيْثُ قَالَ فِيمَنْ قَالَ: إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُكَفِّرَ لِيُحِلَّ الْيَمِينَ فَابْتَدَأَ الْكَفَّارَةَ، فَلَمَّا صَامَ أَيَّامًا أَرَادَ أَنْ يَبَرَّ بِالتَّزْوِيجِ عَلَيْهَا قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا سَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ، هَذَا كَلَامُ السَّمَاعِ وَمِثْلُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْعَزْمِ إذْ لَوْ حَنِثَ بِهِ مَا سَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ بِالتَّزْوِيجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِالنِّسْيَانِ إنْ أَطْلَقَ، وَبِالْبَعْضِ عَكْسُ الْبِرِّ،
[منح الجليل]
وَ) إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا وَفَعَلَهُ نَاسِيًا حَنِثَ (بِالنِّسْيَانِ) أَيْ يَفْعَلُهُ نَاسِيًا (إنْ أَطْلَقَ) الْحَالِفُ يَمِينَهُ أَيْ لَمْ يُقَيِّدْهَا بِعَدَمِ النِّسْيَانِ، فَإِنْ قَيَّدَ بِعَدَمِ النِّسْيَانِ بِأَنْ قَالَ: مَا لَمْ أَنْسَ أَوْ إلَّا نَاسِيًا فَلَا يَحْنَثُ بِالنِّسْيَانِ، وَمِثْلُ النِّسْيَانِ الْخَطَأُ وَالْجَهْلُ مِثَالُ الْخَطَأِ فِي الْفِعْلِ حَلِفُهُ لَا دَخَلَ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا غَيْرُهَا فَيَحْنَثُ.
وَفِي الْقَوْلِ حَلَفَ لَا يَذْكُرُ فُلَانًا فَذَكَرَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ اسْمُ غَيْرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ لَا كَلَّمْت فُلَانًا فَكَلَّمَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ فَيَحْنَثُ.
وَمِثَالُ الْجَهْلِ أَنْ يَعْتَقِدَ مَنْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ وَقْتَ كَذَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ فِيهِ فَلَا يَدْخُلُهَا حَتَّى يَمْضِيَ الْوَقْتُ.
(وَ) إنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ ذِي أَجْزَاءٍ حَنِثَ (بِ) فِعْلِ (الْبَعْضِ) مِنْهُ كَحَلِفِهِ لَا آكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ فَأَكَلَ لُقْمَةً مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَالَ كُلَّهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَأَيَّدَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِشُهْرَةِ اسْتِعْمَالِ كُلٍّ بِمَعْنَى الْكُلِّيَّةِ فَتَتَعَلَّقُ يَمِينُهُ بِالْأَجْزَاءِ وَهَذَا حَيْثُ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ شَرْطَ إفَادَةِ كُلٍّ الْكُلِّيَّةَ أَنْ لَا تَكُونَ فِي حَيِّزِ نَفْيٍ وَإِلَّا فَلَا تَسْتَغْرِقُ غَالِبًا كَقَوْلِهِ:
مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ ... تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ
وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 23] ، إلَّا أَنْ يُقَالَ رُوعِيَ فِي الْمَشْهُورِ الْوَجْهُ الْقَلِيلُ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ لِأَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَدْنَى الْوُجُوهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَرَادَ بِالْبَعْضِ جُزْءَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ جُزْءَ شَرْطٍ فَفِيهَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ دَخَلْت هَذَيْنِ الدَّارَيْنِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَدَخَلَتْ إحْدَاهُمَا عَتَقَتْ، وَفِيهَا أَيْضًا مَا يُنَاقِضُ هَذَا وَهُوَ إذَا قَالَ لِأَمَتَيْهِ أَوْ زَوْجَتَيْهِ إنْ دَخَلْتُمَا هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتُمَا حُرَّتَانِ أَوْ طَالِقَتَانِ فَدَخَلَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ تَعْتِقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا.
اهـ. وَقَدْ حَصَلَ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْهُمَا فِعْلُ جُزْءِ الشَّرْطِ، وَحُمِلَ هَذَا عَلَى كَرَاهَةِ اجْتِمَاعِهِمَا فِيهَا لِمَا يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا مِنْ الشَّرِّ.
وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عِتْقَهُمَا مَعًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا تَعْتِقُ الدَّاخِلَةُ وَحْدَهَا وَقَالَهُ أَشْهَبُ.
(عَكْسٌ) أَيْ خِلَافُ (الْبِرِّ) فِي يَمِينِ الْحِنْثِ فَلَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَى
وَبِسَوِيقٍ أَوْ لَبَنٍ فِي لَا آكُلُ، لَا مَاءٍ
وَلَا بِتَسَحُّرٍ فِي لَا أَتَعَشَّى، وَذَوَاقٍ لَمْ يَصِلْ جَوْفَهُ، وَبِوُجُودِ أَكْثَرَ فِي لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ لِمُتَسَلِّفٍ لَا أَقَلَّ
[منح الجليل]
فِعْلِهِ كَحَلِفِهِ لَآكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ فَلَا يَبَرُّ بِأَكْلِ بَعْضِهِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ كُلَّهُ (وَ) حَنِثَ (بِ) شُرْبِ (سَوِيقٍ أَوْ لَبَنٍ فِي) حَلِفِهِ (لَا آكُلُ) إنْ قَصَدَ التَّضْيِيقَ عَلَى نَفْسِهِ بِتَجْوِيعِهَا لِأَنَّهُمَا يُشْبِعَانِ، فَإِنْ قَصَدَ خُصُوصَ الْأَكْلِ فَلَا يَحْنَثُ.
وَعِبَارَةُ الْجَوَاهِرِ وَلَوْ حَلَفَ لَا آكُلُ فَشَرِبَ سَوِيقًا أَوْ لَبَنًا حَنِثَ إذَا قَصَدَ التَّضْيِيقَ عَلَى نَفْسِهِ بِتَرْكِ الْغِذَاءِ وَلَوْ كَانَ قَصْدُهُ الْأَكْلَ دُونَ الشُّرْبِ لَمْ يَحْنَثْ اهـ. وَقَصْدُ التَّضْيِيقِ نِيَّةٌ مُعَمِّمَةٌ وَقَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ اعْتِبَارَهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ الْمَذْكُورَةَ إلَى آخِرِ الْبَابِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا مَا تَقَدَّمَ.
وَذِكْرُ بَعْضِ الْقُيُودِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي بَعْضِهَا تَبَرُّعٌ وَزِيَادَةُ إيضَاحٍ وَتَذْكِيرٌ بِهَا؛ لِأَنَّ فِي تَنْزِيلِ الْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ نَوْعَ خَفَاءٍ وَمَظِنَّةَ نِزَاعٍ (لَا) يَحْنَثُ بِشُرْبِ (مَاءٍ) وَلَوْ مَاءَ زَمْزَمَ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَكْلًا شَرْعًا وَلَا عُرْفًا، وَإِنْ قَامَ مَقَامَهُ بِالنِّيَّةِ فَإِنْ قَصَدَ التَّضْيِيقَ وَشَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ بِنِيَّةِ الشِّبَعِ حَنِثَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَا) يَحْنَثُ (بِتَسَحُّرٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ أَكْلٍ آخِرَ اللَّيْلِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَتَعَشَّى) مَا لَمْ يَقْصِدْ التَّضْيِيقَ بِتَرْكِ الْأَكْلِ فِي لَيْلَتِهِ فَيَحْنَثُ بِهِ (وَ) لَا يَحْنَثُ بِ (ذَوَاقٍ) لِطَعَامٍ أَوْ مَاءٍ بِلِسَانِهِ وَ (لَمْ يَصِلْ) الْمَذُوقُ (جَوْفَهُ) أَيْ الذَّائِقِ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ أَوْ لَا أَشْرَبُ كَذَا، وَمَفْهُومُهُ حِنْثُهُ إنْ وَصَلَ جَوْفَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَدْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ وَبِالْبَعْضِ.
(وَ) حَنِثَ (بِ) سَبَبِ (وُجُودِ) عَدَدٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ مَثَلًا فِي جَيْبِهِ أَوْ كِيسِهِ مَثَلًا (أَكْثَرَ) مِنْ عَدَدٍ ذَكَرَهُ فِي يَمِينِهِ (فِي) حَلِفِهِ بِمَا لَا لَغْوَ فِيهِ كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ عَلَى أَنَّهُ (لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ) أَيْ الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرَهُ الطَّالِبُ (لِ) شَخْصٍ (مُتَسَلِّفٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ سَائِلٍ أَوْ مُقْتَضٍ لِحَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ حَلِفُهُ بِمَا يُفِيدُ فِيهِ اللَّغْوُ كَاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ وَالْيَمِينِ وَالْكَفَّارَةِ لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ حَلَفَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْيَقِينِ قَرِيبًا (لَا) يَحْنَثْ بِوُجُودِ عَدَدٍ
وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ وَلُبْسِهِ فِي: لَا أَرْكَبُ وَأَلْبَسُ، لَا فِي كَدُخُولِهِ، وَبِدَابَّةِ عَبْدِهِ فِي دَابَّتِهِ
[منح الجليل]
أَقَلَّ) مِنْ الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي يَمِينِهِ وَلَوْ فِيمَا لَا يُفِيدُ فِيهِ اللَّغْوُ لِتَخْصِيصِ الْبِسَاطِ غَيْرَهُ بِالْأَكْثَرِ.
(وَ) حَنِثَ (بِدَوَامِ) أَيْ إدَامَةِ (رُكُوبِهِ) دَابَّةً (وَ) إدَامَةِ (لُبْسِهِ) ثَوْبًا وَإِدَامَةِ سُكْنَاهُ دَارًا مَعَ إمْكَانِ تَرْكِهِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَرْكَبُ) هَذِهِ الدَّابَّةَ (وَ) لَا (أَلْبَسُ) هَذَا الثَّوْبَ وَلَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ رَاكِبٌ أَوْ لَابِسٌ أَوْ سَاكِنٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ وَيَبَرُّ بِهِ فِي الْحِنْثِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فِي كُلِّ زَمَنٍ بَلْ بِحَسَبِ الْعُرْفِ فَلَا يَحْنَثُ بِنُزُولِهِ لَيْلًا مَثَلًا وَلَا فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَلَا بِنَزْعِ الثَّوْبِ لَيْلًا أَوْ فِي قَائِلَةٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ (لَا) يَحْنَثُ بِدَوَامِ مُكْثِهِ فِي دَارٍ مَثَلًا (فِي) حَلِفِهِ عَلَى عَدَمٍ (كَدُخُولِهِ) أَيْ الْحَالِفِ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا، فَإِنْ حَلَفَ حَالَ دُخُولِهَا عَلَى عَدَمِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَالسَّفِينَةُ كَالدَّابَّةِ إذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُهَا، وَكَالدَّارِ إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا.
وَدَخَلَ بِالْكَافِ الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ وَالْحَمْلُ وَالنَّوْمُ فَلَا يَحْنَثُ بِدَوَامِهِ فِي حَلِفِهِ عَلَى حَائِضٍ أَوْ طَاهِرٍ أَوْ حَامِلٍ أَوْ نَائِمَةٍ بِقَوْلِهِ إنْ حِضْت أَوْ طَهُرْت أَوْ حَمَلْت أَوْ نِمْت فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ بِدِينَارٍ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَلَا يَحْنَثُ بِاسْتِمْرَارِهَا عَلَى حَالِهَا، فَلَا يُعَدُّ دَوَامُهُ كَابْتِدَائِهِ بَلْ بِمُسْتَأْنَفٍ مِنْ أَحَدِهَا بِخِلَافِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيُنْجَزُ قَالَهُ تت.
وَفِي الْمَوَّاقِ وَتَبِعَهُ جَدّ عج لَا يُنْجَزُ وَذَكَرَ الْحَطّ فِيهَا قَوْلَيْنِ.
(وَ) حَنِثَ بِانْتِفَاعِهِ (بِدَابَّةِ عَبْدِهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْحَالِفَ أَوْ غَيْرَهُ (فِي) حَلِفِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِ (دَابَّتِهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْحَالِفَ أَوْ غَيْرَهُ فَضَمِيرُ عَبْدِهِ يَحْتَمِلُ رُجُوعَهُ لِلْحَالِفِ وَلَهُ حِينَئِذٍ صُورَتَانِ: حَلِفُهُ لَا أَرْكَبُ دَابَّتِي أَوْ لَا يَرْكَبُهَا فُلَانٌ فَيَرْكَبُ هُوَ أَوْ فُلَانٌ دَابَّةَ عَبْدِ الْحَالِفِ فَيَحْنَثُ فِيهِمَا لِأَنَّ لِسَيِّدِهِ انْتِزَاعَ مَالِهِ وَيَحْتَمِلُ رُجُوعَهُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَيْ حَلَفَ لَا أَرْكَبُ دَابَّةَ زَيْدٍ فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِ زَيْدٍ فَيَحْنَثُ لِأَنَّ مَا بِيَدِهِ لِسَيِّدِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ لَعَتَقَ عَلَيْهِ كَمَا فِيهَا وَلِأَنَّ الْمِنَّةَ
وَبِجَمْعِ الْأَسْوَاطِ فِي لَأَضْرِبَنهُ كَذَا، وَبِلَحْمِ الْحُوتِ، وَبَيْضِهِ، وَعَسَلِ الرُّطَبِ فِي مُطْلَقِهَا وَبِكَعْكٍ، وَخُشْكَنَانٍ،
[منح الجليل]
تَلْحَقُهُ بِرُكُوبِ دَابَّةِ عَبْدِهِ كَمَا تَلْحَقُهُ بِرُكُوبِ دَابَّةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْحِنْثُ يَقَعُ بِأَقَلِّ الْأَشْيَاءِ، وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فَالْمُكَاتَبُ كَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا عَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ فَلَا يَحْنَثُ بِرُكُوبِ دَابَّةِ مُكَاتَبِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَشْيَاخُ عج مُرَاعَاةُ كُلٍّ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ فَيَحْنَثُ بِدَابَّةِ مُكَاتَبِهِ مُرَاعَاةً لِلثَّانِيَةِ وَمُرَاعَاتُهَا كَافِيَةٌ فِي الْمُكَاتَبِ وَغَيْرِهِ.
وَمَفْهُومُ عَبْدِهِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِرُكُوبِ دَابَّةِ وَلَدِهِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لِلْوَالِدِ اعْتِصَارُهَا أَفَادَهُ عج، وَقَالَ سَالِمٌ تَخْصِيصُ عَدَمِ الْحِنْثِ بِأَشْهَبَ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ وَأَنَّ الْمَذْهَبَ حِنْثُهُ بِدَابَّةِ وَلَدِهِ أَيْ إنْ كَانَ لِوَالِدِهِ اعْتِصَارُهَا.
(وَ) لَا يَبَرُّ مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مَثَلًا مِائَةَ سَوْطٍ (بِجَمْعِ الْأَسْوَاطِ) الْمِائَةِ وَضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً (فِي) حَلِفِهِ (لَأَضْرِبَنَّهُ) أَيْ الْعَبْدَ مَثَلًا (كَذَا) أَيْ مِائَةً مَثَلًا وَلَا يُحْتَسَبُ بِالضَّرْبَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْهَا إنْ لَمْ تُؤْلِمْ كَإِيلَامِ الْمُنْفَرِدِ وَإِلَّا حُسِبَتْ وَاحِدَةً وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ عَدَمِ بِرِّهِ بِجَمْعِهَا بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ كُلُّ سَوْطٍ مُنْفَرِدًا عَنْ الْآخَرِ فِيمَا عَدَا مَحَلَّ مَسْكِهِ، وَيُؤْلِمُ إيلَامَ الْمُنْفَرِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَإِلَّا فَيَبَرُّ بِجَمْعِهَا، وَمِثْلُ جَمْعِهَا فِي عَدَمِ الْبِرِّ بِهِ ضَرْبُهُ الْعَدَدَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِخِفَّةٍ، وَكَذَا ضَرْبُهُ نِصْفَ الْعَدَدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِسَوْطٍ لَهُ رَأْسَانِ لَكِنَّهُ يُبْنَى عَلَيْهِ قَالَهُ التُّونُسِيُّ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) حَنِثَ (بِ) أَكْلِ (لَحْمِ الْحُوتِ) وَالطَّيْرِ لِأَنَّ اسْمَ اللَّحْمِ يَشْمَلُهُمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ [الواقعة: 21] إلَّا لِنِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ (وَ) حَنِثَ بِأَكْلِ (بَيْضِهِ) أَيْ الْحُوتِ كَتُرْسٍ وَتِمْسَاحٍ (وَ) حَنِثَ بِأَكْلِ (عَسَلِ الرُّطَبِ فِي) حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ أَكْلِ (مُطْلَقِهَا) أَيْ اللَّحْمِ وَالْبَيْضِ وَالْعَسَلِ الْمُطْلَقَةِ عَنْ تَقْيِيدِهَا بِكَوْنِهَا لِنَعَمٍ وَدَجَاجٍ وَنَحْلٍ وَقَصَبٍ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ، فَإِنْ قُيِّدَتْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) حَنِثَ (بِ) أَكْلِ (كَعْكٍ وَخُشْكَنَانٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الشِّينِ
وَهَرِيسَةٍ وَإِطْرِيَةٍ فِي خُبْزٍ، لَا عَكْسِهِ، وَبِضَأْنٍ وَمَعْزٍ وَدِيَكَةٍ، وَدَجَاجَةٍ فِي غَنَمٍ، وَدَجَاجٍ، لَا بِأَحَدِهِمَا، فِي آخَرَ، وَبِسَمْنٍ اُسْتُهْلِكَ فِي سَوِيقٍ، وَبِزَعْفَرَانٍ فِي طَعَامٍ لَا بِكَخَلٍّ طُبِخَ،
[منح الجليل]
الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مَعْنَاهُ كَعْكٌ مَحْشُوٌّ بِسُكَّرٍ (وَهَرِيسَةٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ طَعَامٌ مُتَّخَذٌ مِنْ قَمْحٍ وَلَحْمٍ بِطَبْخِهِمَا حَتَّى يَمْتَزِجَا ثُمَّ يَعْرُكُونَهُمَا بِعَصًا غَلِيظَةِ الرَّأْسِ حَتَّى يَصِيرَا كَالْعَصِيدَةِ وَيَأْكُلُونَهَا بِالسَّمْنِ وَمَنْ شَبِعَ مِنْهَا يَبْقَى يَوْمًا وَلَيْلَةً لَا يَشْتَهِي طَعَامًا (وَإِطْرِيَةٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ تَلِيهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ طَعَامٌ كَالْخُيُوطِ مِنْ دَقِيقٍ قِيلَ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى فِي زَمَنِنَا بِالشَّعِيرِيَّةِ وَقِيلَ بِالرِّشْتَةِ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ أَكْلِ (خُبْزٍ) وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْحِنْثِ بِلَحْمِ الْحُوتِ وَمَا بَعْدَهُ لَا يَجْرِي عَلَى عُرْفِنَا الْآنَ وَالْجَارِي عَلَيْهِ عَدَمُ حِنْثِهِ بِمَا ذُكِرَ (لَا) يَحْنَثُ فِي (عَكْسِهِ) وَهُوَ حَلِفُهُ عَلَى عَدَمِ أَكْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْخَاصَّةِ وَيَأْكُلُ الْخُبْزَ.
(وَ) حَنِثَ (بِ) أَكْلِ لَحْمِ (ضَأْنٍ وَ) لَحْمِ (مَعْزٍ وَ) لَحْمِ (دِيَكَةٍ) بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ جَمْعُ دِيكٍ ذَكَرُ الدَّجَاجِ (وَ) لَحْمِ (دَجَاجَةٍ) أُنْثَى (فِي) حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ أَكْلِ لَحْمِ (غَنَمٍ) رَاجِعٌ لِضَأْنٍ وَمَعْزٍ (وَ) حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ أَكْلِ لَحْمِ (دَجَاجٍ) رَاجِعٌ لِدِيَكَةٍ وَدَجَاجٍ (لَا) يَحْنَثُ (بِ) أَكْلِ لَحْمِ (أَحَدِهِمَا) أَيْ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ أَوْ الدِّيَكَةِ وَالدَّجَاجَةِ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ أَكْلِ (الْآخَرِ وَ) حَنِثَ (بِ) أَكْلِ (سَمْنٍ اُسْتُهْلِكَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ (فِي سَوِيقٍ) أَيْ دَقِيقِ حَبٍّ مَقْلِيٍّ لُتَّ بِهِ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ سَمْنًا فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَ سَوِيقًا لُتَّ بِسَمْنٍ حَنِثَ وَجَدَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ أَمْ لَا اهـ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَلِابْنِ مُيَسِّرٍ لَا يَحْنَثُ إنْ لَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ.
(وَ) حَنِثَ (بِ) أَكْلِ (زَعْفَرَانٍ) اُسْتُهْلِكَ (فِي طَعَامٍ) فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ زَعْفَرَانًا لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا كَذَلِكَ (لَا) يَحْنَثُ (بِ) أَكْلِ (كَخَلٍّ) وَلَامُونٍ وَنَارِنْجٍ (طُبِخَ)
وَبِاسْتِرْخَاءٍ لَهَا فِي لَا قَبَّلْتُك أَوْ قَبَّلْتنِي، وَبِفِرَارِ غَرِيمِهِ فِي لَا فَارَقْتُك، أَوْ فَارَقْتنِي إلَّا بِحَقِّي، وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَإِنْ أَحَالَهُ، وَبِالشَّحْمِ فِي اللَّحْمِ لَا الْعَكْسِ
[منح الجليل]
بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فِي طَعَامٍ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ خَلًّا أَوْ لَامُونًا أَوْ نَارِنْجًا فَإِنْ كَانَ قَالَ هَذَا الْخَلَّ مَثَلًا حَنِثَ بِأَكْلِهِ مُسْتَهْلَكًا فِي طَعَامٍ (وَ) حَنِثَ الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ (بِاسْتِرْخَاءٍ) أَيْ تَمْكِينٍ (لَهَا) أَيْ حَلِيلَتِهِ الْمَحْلُوفِ عَلَى عَدَمِ تَقْبِيلِهَا مِنْ تَقْبِيلِهَا لَهُ (فِي) حَلِفِهِ (لَا قَبَّلْتُكِ) وَقَبَّلَتْهُ عَلَى فَمِهِ فَقَطْ فَإِنْ قَبَّلَتْهُ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ، فَإِنْ قَبَّلَهَا حَنِثَ سَوَاءٌ قَبَّلَهَا عَلَى فَمِهَا أَوْ غَيْرِهِ إلَّا لِنِيَّةِ الْفَمِ (أَوْ) حَلِفِهِ (لَا قَبَّلْتِنِي) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ حِنْثُهُ بِتَقْبِيلِهَا لَهُ فِي هَذِهِ سَوَاءٌ اسْتَرْخَى لَهَا أَمْ لَا قَبَّلَتْهُ عَلَى فَمِهِ أَوْ غَيْرِهِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ بِاسْتِرْخَاءٍ تَفْصِيلًا وَهُوَ عَدَمُ حِنْثِهِ لَا فِي قَبَّلْتُك وَحِنْثُهُ فِي لَا قَبَّلْتِنِي.
(وَ) حَنِثَ (بِفِرَارِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ هُرُوبِ (غَرِيمِهِ) أَيْ مَدِينِ الْحَالِفِ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِ حَقِّهِ مِنْهُ (فِي) حَلِفِهِ (لَا فَارَقْتُك أَوْ) لَا (فَارَقْتنِي إلَّا بِ) دَفْعِ (حَقِّي) أَوْ قَبْضِهِ أَوْ اسْتِيفَائِهِ مِنْك إنْ فَرَّطَ الْحَالِفُ حَتَّى فَرَّ غَرِيمُهُ بَلْ (وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) الْحَالِفُ وَيَحْنَثُ بِفِرَارِهِ إنْ لَمْ يُحِلْهُ بَلْ (وَإِنْ أَحَالَهُ) أَيْ الْغَرِيمَ الْحَالِفُ بِحَقِّهِ عَلَى مَدِينٍ لِلْغَرِيمِ بِمِثْلِ حَقِّ الْحَالِفِ فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ قَبُولِ الْحَوَالَةِ، وَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ مُفَارَقَةٌ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَتِهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبَضَ حَقَّهُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الْمُحِيلِ لِأَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ إلَّا بِأَخْذِ حَقِّي مِنْك، لَكِنَّ هَذَا خِلَافُ عُرْفِ أَهْلِ مِصْرَ الْآنَ.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَا فَارَقْتُك أَوْ فَارَقْتنِي وَلِي عَلَيْك حَقٌّ أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَك مُعَامَلَةٌ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ بِالْحَوَالَةِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ بِحَضْرَتِهِ دُونَ الرَّهْنِ لَا يُقَالُ فِرَارُ إكْرَاهٍ وَهَذِهِ صِيغَةُ بِرٍّ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفِرَارَ إكْرَاهٌ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا صِيغَةُ بِرٍّ بَلْ صِيغَةُ حِنْثٍ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَأَلْزَمَنَّكَ.
(وَ) حَنِثَ (بِ) أَكْلِ (الشَّحْمِ) فِي حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ أَكْلِ (اللَّحْمِ) ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ اللَّحْمِ وَكَالْفَرْعِ لَهُ وَلِدُخُولِ تَحْرِيمِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ فِي تَحْرِيمِ لَحْمِهِ (لَا) يَحْنَثُ بِ (الْعَكْسِ)
وَبِفَرْعٍ فِي، لَا آكُلُ مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ، أَوْ هَذَا الطَّلْعَ،
[منح الجليل]
بِأَنْ حَلَفَ لَا آكُلُ شَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمًا؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَيْسَ جُزْءَ الشَّحْمِ بَلْ أَصْلَهُ الَّذِي انْقَلَبَ إلَيْهِ حَتَّى صَارَ شَحْمًا وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ شَحْمًا وَلَمْ يُحَرِّمْ لَحْمًا.
(وَ) حَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ (بِ) أَكْلِ (فَرْعٍ) مُتَأَخِّرٍ عَنْ الْيَمِينِ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ أَكْلِ أَصْلِهِ إنْ أَتَى فِي يَمِينِهِ بِمِنْ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ كَحَلِفِهِ (لَا آكُلُ مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَوَّلُ أَطْوَارِ ثَمَرِ النَّخْلِ فَيَحْنَثُ بِكُلِّ فَرْعٍ نَشَأَ مِنْهُ كَبُسْرِهِ وَرُطَبِهِ وَتَمْرِهِ وَعَجْوَتِهِ وَعَسَلِهِ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْقَمْحَ وَاللَّبَنَ وَنَحْوَهُمَا مِنْ كُلِّ أَصْلٍ، فَإِنْ قَالَ لَا آكُلُ مِنْ هَذَا الْقَمْحِ فَيَحْنَثُ بِدَقِيقِهِ وَسَوِيقِهِ وَخُبْزِهِ وَكَعْكِهِ وَأَطْرَيْته وَخَشْكِنَانِهِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ مَا تَفَرَّعَ عَنْهُ.
وَإِنْ قَالَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ حَنِثَ بِزُبْدِهِ وَسَمْنِهِ وَجُبْنِهِ وَأَقْطِهِ وَنَحْوِهَا مِنْ فُرُوعِهِ.
فَإِنْ قَالَ مِنْ طَلْعِ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَوْ لَبَنِ هَذِهِ الشَّاةِ حَنِثَ كُلُّ فَرْعٍ لَهَا مُتَقَدِّمٌ أَوْ مُتَأَخِّرٌ.
(أَوْ) حَلِفِهِ لَا آكُلُ كَ (هَذَا الطَّلْعَ) بِإِسْقَاطِ مِنْ وَالْإِتْيَانِ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ فَيَحْنَثُ بِكُلِّ فَرْعٍ لَهُ كَإِتْيَانِهِ بِمِنْ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ مَعًا قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْفَرْعِ إلَّا فِي صُورَةِ الْإِتْيَانِ بِهِمَا مَعًا.
وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ اعْتَرَضَ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِمَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَتَبِعَهُ هُنَا، وَنَصَّهُ عَقِبَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَوْ قَالَ هَذَا الطَّلْعَ وَهَذَا الرُّطَبَ وَهَذَا اللَّحْمَ حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ مَا شَهَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَمْ أَرَ مَنْ شَهَّرَهُ غَيْرَ ابْنِ بَشِيرٍ ذَكَرَ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ مَعْزُوٌّ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَاَلَّذِي لِأَبِي الْحَسَنِ خِلَافُهُ، لَكِنْ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ هُوَ أَقْيَسُ مِمَّا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ،
وَحَاصِلُ تَحْصِيلِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْحِنْثُ فِي مِنْ هَذَا فَقَطْ لَا فِي هَذَا بِدُونِ مِنْ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ فَمَا ذَكَرَهُ هُنَا اعْتَمَدَ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَلَمْ يَعْتَمِدْ بَحْثَهُ لَكِنْ ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ بَشِيرٍ قَالَ بِالْحِنْثِ مُطْلَقًا مِثْلَ مَا فِيهِ مِنْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إنَّمَا قَالَ بِالْحِنْثِ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْأَصْلِ جِدًّا إلَّا فِيمَا بَعُدَ اُنْظُرْ كَلَامَهُ فِي الْمَوَّاقِ.
أَوْ طَلْعًا إلَّا نَبِيذَ زَبِيبٍ، وَمَرَقَةَ لَحْمٍ، أَوْ شَحْمَهُ، وَخُبْزَ قَمْحٍ وَعَصِيرَ عِنَبٍ وَبِمَا أَنْبَتَتْ الْحِنْطَةُ إنْ نَوَى الْمَنَّ، لَا لِرَدَاءَةٍ أَوْ لِسُوءِ صَنْعَةِ طَعَامٍ
[منح الجليل]
لَا) يَحْنَثُ بِالْفَرْعِ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ (الطَّلْعَ) بِإِسْقَاطِ مِنْ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ مَعَ التَّعْرِيفِ (وَ) حَلِفِهِ لَا آكُلُ (طَلْعًا) بِحَذْفِهِمَا مَعَ التَّنْكِيرِ، وَكَذَا مِنْ الطَّلْعِ أَوْ مِنْ طَلْعٍ بِالْإِتْيَانِ بِمِنْ وَإِسْقَاطِ اسْمِ الْإِشَارَةِ مُعَرَّفًا وَمُنَكَّرًا، وَأَمَّا حِنْثُهُ فِي هَذِهِ الْخَمْسِ بِنَفْسِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَظَاهِرٌ، وَاسْتَثْنَى خَمْسَ مَسَائِلَ يَحْنَثُ فِيهَا بِمَا تَوَلَّدَ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مَعَ حَذْفِ مِنْ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ لِقُرْبِهَا مِنْ أَصْلِهَا قُرْبًا قَوِيًّا فَقَالَ (إلَّا نَبِيذَ زَبِيبٍ) فَيَحْنَثُ بِشُرْبِهِ فِي لَا آكُلُ الزَّبِيبَ أَوْ زَبِيبًا (وَمَرَقَةَ لَحْمٍ) فَيَحْنَثُ بِشُرْبِهَا فِي لَا آكُلُ اللَّحْمَ أَوْ لَحْمًا (أَوْ شَحْمَهُ) فِي لَا آكُلُ اللَّحْمَ أَوْ لَحْمًا فَيَحْنَثُ بِهِ وَأَعَادَ هَذِهِ لِجَمْعِ النَّظَائِرِ (وَ) إلَّا (خُبْزَ قَمْحٍ) فِي لَا آكُلُ الْقَمْحَ أَوْ قَمْحًا (وَ) إلَّا (عَصِيرَ عِنَبٍ) فِي لَا آكُلُ الْعِنَبَ أَوْ عِنَبًا وَهَذِهِ تُفْهَمُ مِنْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ عَصِيرَ الْعِنَبِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ قُرْبِ النَّبِيذِ إلَى زَبِيبِهِ.
(وَ) حَنِثَ (بِ) أَكْلِ (مَا) أَيْ الْقَمْحِ الَّذِي (أَنْبَتَتْ) هـ (الْحِنْطَةُ) الْمَحْلُوفُ عَلَى عَدَمِ أَكْلِهَا سَوَاءٌ أَتَى بِمِنْ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ مَعًا أَوْ أَسْقَطَهُمَا مَعًا، أَوْ أَتَى بِأَحَدِهِمَا وَأَسْقَطَ الْآخَرَ عَرَّفَ أَوْ نَكَّرَ، وَكَذَا مَا اشْتَرَى بِثَمَنِهَا (إنْ نَوَى) بِيَمِينِهِ أَنْ يَقْطَعَ (الْمَنَّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَشَدِّ النُّونِ عَنْهُ بِذَلِكَ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ لَوْلَا أَنَا أُطْعِمُك مَا عِشْت (لَا) يَحْنَثُ بِمَا أَنْبَتَتْ الْحِنْطَةُ أَوْ اشْتَرَى بِثَمَنِهَا فِي حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ أَكْلِهَا (لِرَدَاءَةٍ) فِيهَا (أَوْ) حَلَفَ عَلَى عَدَمِ أَكْلِهَا (لِسُوءِ صَنْعَةِ طَعَامٍ) فَجُوِّدَ لَهُ فَأَكَلَهُ فَلَا يَحْنَثُ، وَكَحَلِفِهِ لِلرَّدَاءَةِ أَوْ سُوءِ الصَّنْعَةِ حَلِفُهُ بِلَا نِيَّةٍ.
وَشَمِلَ الثَّلَاثَةَ مَفْهُومُ إنْ نَوَى الْمَنَّ فَلَا يَحْنَثُ فِيهَا بِالنَّابِتِ، وَلَوْ أَتَى بِمِنْ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ مَعًا لِأَنَّ النَّابِتَ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِذَهَابِهِ فِي الْأَرْضِ، وَيَدُلُّ قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: 261] ، فَفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ وَبِفَرْعٍ إلَخْ.
وَبِالْحَمَّامِ فِي الْبَيْت، أَوْ دَارِ جَارِهِ، أَوْ بَيْتِ شَعَرٍ، كَحَبْسٍ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ،
[منح الجليل]
وَ) حَنِثَ (بِ) دُخُولِ (الْحَمَّامِ) بِشَدِّ الْمِيمِ أَيْ الْبَيْتِ الْمُعَدِّ لِلْحُمُومِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ (الْبَيْتِ) أَوْ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْحَمَّامَ لِخَبَرِ «اتَّقُوا بَيْتًا يُقَالُ لَهُ الْحَمَّامُ» . وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ بَيْتُ الْقَهْوَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْحَانُوتِ وَالْفُرْنِ وَالْمَعْصَرَةِ وَالْمَجْبَسَةِ إذَا لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِتَخْصِيصِ الْبَيْتِ بِمَوْضِعِ السُّكْنَى بِالزَّوْجَاتِ، وَهَذَا عُرْفُ أَهْلِ مِصْرَ الْآنَ.
(أَوْ) بِدُخُولِ الْحَالِفِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي (دَارِ جَارِهِ) أَيْ الْحَالِفِ فِي حَلِفِهِ لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتًا، وَنَصُّ الْأُمَّهَاتُ قَالَ سَحْنُونٌ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ الْحَالِفُ عَلَى جَارٍ لَهُ بَيْتَهُ فَإِذَا فُلَانٌ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِ جَارِهِ ذَلِكَ أَيَحْنَثُ أَمْ لَا؟ قَالَ نَعَمْ يَحْنَثُ.
اهـ. وَالْجَارُ فَرْضُ مَسْأَلَةٍ إذْ يَحْنَثُ بِاجْتِمَاعِهِ مَعَهُ فِي ظِلِّ جِدَارٍ أَوْ شَجَرَةٍ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بُغْضًا لَهُ أَوْ لِسُوءِ عِشْرَتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
ابْنُ حَبِيبٍ وَبِوُقُوفِهِ مَعَهُ فِي صَحْرَاءَ إذَا كَانَتْ تِلْكَ نِيَّتَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.
قِيلَ وَلَا يَنْبَغِي عَدُّهُ خِلَافًا فِيمَنْ نَوَى ذَلِكَ وَيَحْنَثُ إذَا حَلَفَ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتَهُ فَدَخَلَ دَارَ جَارِهِ فَوَجَدَهُ عِنْدَهُ لِأَنَّ لِلْجَارِ عَلَى جَارِهِ مِنْ الْحُقُوقِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ بَيْتُهُ بَيْتَهُ وَلِأَنَّ الْجَارَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ دَارِ جَارِهِ غَالِبًا.
(أَوْ) بِدُخُولٍ أَوْ سُكْنَى (بَيْتِ شَعْرٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ فِي حَلِفِهِ لَا دَخَلَ أَوْ سَكَنَ بَيْتًا، بَدْوِيًّا كَانَ الْحَالِفُ أَوْ حَضَرِيًّا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ حَلِفِهِ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ بَيْتَ شَعْرٍ فَيَحْنَثُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: 80] إلَّا لِنِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ يَخُصُّهُ بِبَيْتِ الْبِنَاءِ كَسَمَاعِهِ بِانْهِدَامِ بَيْتٍ عَلَى قَوْمٍ فَقَتَلَهُمْ لَا يَحْنَثُ بِبَيْتِ الشَّعْرِ.
وَشَبَّهَ فِي الْحِنْثِ فَقَالَ (كَ) دُخُولِهِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي (حَبْسٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ مَوْضِعٍ مُعَدٍّ لِلسَّجْنِ (أُكْرِهَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ الْحَالِفُ (عَلَى) دُخُولِ (هـ بِحَقٍّ)
لَا بِمَسْجِدٍ، وَبِدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَيِّتًا فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ، لَا بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَنْوِ الْمُجَامَعَةَ، وَبِتَكْفِينِهِ فِي لَا نَفَعَهُ حَيَاتَهُ
[منح الجليل]
عَلَيْهِ امْتَنَعَ مِنْ تَوْفِيَتِهِ فَيَحْنَثُ بِهِ فِي حَلِفِهِ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا لِأَنَّ إكْرَاهَ الشَّرْعِ طَوْعٌ، وَكَذَا إنْ حَلَفَ لَا أَدْخُلُ بَيْتًا فَأُكْرِهَ عَلَى دُخُولِ حَبْسٍ بِحَقٍّ (لَا) يَحْنَثُ (بِ) دُخُولِ (مَسْجِدٍ) عَامٍّ فِي حَلِفِهِ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، أَوْ لَا أَدْخُلُ بَيْتًا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَطْلُوبًا بِدُخُولِهِ شَرْعًا صَارَ كَأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِلْحَالِفِ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَحْجُورًا حَنِثَ بِدُخُولِهِ.
(وَ) حَنِثَ (بِدُخُولِهِ) أَيْ الْحَالِفِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ (مَيِّتًا) قَبْلَ دَفْنِهِ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ دُخُولِهِ عَلَيْهِ فِي (بَيْتٍ يَمْلِكُهُ) ذَاتًا أَوْ مَنْفَعَةً، أَوْ حَلِفِهِ لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتًا حَيَاتَهُ أَوْ أَبَدًا أَوْ مَا عَاشَ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا يَجْرِي مَجْرَى الْمِلْكِ وَهُوَ تَجْهِيزُهُ بِهِ إلَّا لِنِيَّةِ الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَإِنْ دُفِنَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ.
(لَا) يَحْنَثُ الْحَالِفُ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ (بِدُخُولِ) شَخْصٍ (مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ) عَلَى الْحَالِفِ وَلَوْ اسْتَمَرَّ الْحَالِفُ جَالِسًا مَعَهُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ دُخُولًا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ لَا فِي كَدُخُولٍ خِلَافًا لِابْنِ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ: يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا يَجْلِسَ بَعْدَ دُخُولِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَلَسَ وَتَرَاخَى حَنِثَ، وَصَارَ كَابْتِدَاءِ دُخُولِهِ وَهُوَ عَلَيْهِ قِيَاسٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْذَنُ لِزَوْجَتِهِ فِي الْخُرُوجِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَعَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهَا فَجَعَلَ عِلْمَهُ وَتَرَكَهَا إذْنًا مِنْهُ.
الْحَطّ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِاسْتِمْرَارِهِ فِي الدَّارِ إذَا حَلَفَ لَا أَدْخُلُهَا وَكَذَلِكَ هُنَا إنَّمَا حَلَفَ عَلَى الدُّخُولِ (إنْ لَمْ يَنْوِ) الْحَالِفُ أَنْ يَقْطَعَ (الْمُجَامَعَةَ) أَيْ الِاجْتِمَاعَ مَعَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي مَحَلٍّ، وَإِلَّا حَنِثَ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْحَالِفِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ عَقِبَ دُخُولِهِ عَلَيْهِ.
(وَ) حَنِثَ (بِتَكْفِينِهِ) أَيْ إدْرَاجِ الْحَالِفِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي كَفَنِهِ وَأَوْلَى بِإِتْيَانِهِ لَهُ بِكَفَنٍ مِنْ مَالِهِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا نَفَعَهُ) أَيْ الْحَالِفُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (حَيَاتَهُ) أَيْ الْمَحْلُوفِ
وَبِأَكْلٍ مِنْ تَرِكَتِهِ قَبْلَ قَسْمِهَا؛ فِي لَا أَكَلْت طَعَامَهُ إنْ أَوْصَى، أَوْ كَانَ مَدِينًا،
[منح الجليل]
عَلَيْهِ أَوْ مَا عَاشَ أَوْ أَبَدًا أَوْ لَا أَدَّى إلَيْهِ حَقًّا مَا عَاشَ.
وَمِثْلُ تَكْفِينِهِ تَغْسِيلُهُ وَتَخْلِيصُهُ مِمَّنْ يَشْتُمُهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ فِي خُطْبَةِ نِكَاحٍ أَرَادَ نَفْعَهُ بِهِ، لَا إنْ قَصَدَ إيقَاعَهُ فِيهِ لِضَرَرٍ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ وَلَا يَحْنَثُ بِبَقِيَّةِ مُؤَنِ تَجْهِيزِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرَ وَلَا بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ نَفْعِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَعَلُّقَاتِ الْآخِرَةِ.
فَإِنْ حَلَفَ لَا نَفَعَهُ وَلَمْ يَقُلْ حَيَاتَهُ حَنِثَ بِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ مُؤَنِ تَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ فِيمَا يَظْهَرُ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لَا يَحْنَثُ بِبَقِيَّةِ مُؤَنِ تَجْهِيزِهِ فِيهِ نَظَرٌ، قَالَ الْمِسْنَاوِيُّ بَلْ الظَّاهِرُ حِنْثُهُ بِهَا وَأَنَّ جَمِيعَهَا مِنْ تَوَابِعِ الْحَيَاةِ، وَقَوْلُهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَيْ حَيْثُ مَثَّلُوا بِالتَّغْسِيلِ وَالتَّكْفِينِ وَسَكَتُوا عَمَّا عَدَاهُمَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُتَمَسَّكُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ.
اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ حِنْثِهِ بِتَخْلِيصِهِ مِمَّنْ شَتَمَهُ صَوَابُهُ مِمَّنْ تَشَبَّثَ بِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ.
ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَوْ نَهَى عَنْهُ شَاتِمَهُ لَمْ يَحْنَثْ وَيَحْنَثُ بِتَخْلِيصِهِ مِمَّنْ وَجَدَهُ مُتَشَبِّثًا بِهِ.
(وَ) حَنِثَ (بِأَكْلٍ مِنْ تَرِكَتِهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (قَبْلَ قَسْمِهَا) بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهَا (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَكَلَتْ طَعَامَهُ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (إنْ) كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (أَوْصَى) بِمَعْلُومٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ يَحْتَاجُ فِي إخْرَاجِهِ لِبَيْعِ تَرِكَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (أَوْ كَانَ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (مَدِينًا) لِوُجُوبِ وَقْفِهَا لِلدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَ أَوْصَى بِمُعَيَّنٍ كَعَبْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ شَائِعٍ كَرُبُعٍ أَوْ ثُلُثٍ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ لِبَيْعٍ أَوْ أَكَلَ الْحَالِفُ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَقَبْلَ قَسْمِ بَاقِيهَا فَلَا يَحْنَثُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ فِي الشَّائِعِ لَمْ يَأْكُلْ مِمَّا عَلَى ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، بَلْ مِنْ شَائِعٍ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَالْوَرَثَةِ وَهُمَا حَيَّانِ، وَبَعْدَ تَوْفِيَةِ الدَّيْنِ لَمْ يَبْقَ لِلْمَيِّتِ تَعَلُّقٌ بِالتَّرِكَةِ وَمَحِلُّ تَفْصِيلِ الْمُصَنِّفِ فِي حَلِفِهِ لِغَيْرِ قِطَاعِ مِنْ فَإِنْ كَانَ لِقَطْعِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ وَإِنْ كَانَ لِخُبْثِ مَالِهِ حَنِثَ إنْ كَانَ مَنْصُوبًا مُعَيَّنًا إذْ لَا يَحِلُّهُ إرْثُهُ، فَإِنْ أَحَلَّهُ كَمَا لَوْ نَشَأَ عَنْ مُعَامَلَاتٍ فَاسِدَةٍ فَقَدْ زَالَ عَنْ الْمَالِ خُبْثُهُ بِإِرْثِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مِنْهُ حِينَئِذٍ أَفَادَهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ.
وَبِكِتَابٍ إنْ وَصَلَ أَوْ رَسُولٍ، فِي لَا كَلَّمَهُ، وَلَمْ يَنْوِ فِي الْكِتَابِ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ،
[منح الجليل]
وَ) حَنِثَ (بِكِتَابٍ) كَتَبَهُ الْحَالِفُ أَوْ أَمْلَاهُ أَوْ أَمَرَ بِكَتْبِهِ ثُمَّ قُرِئَ عَلَيْهِ بِعَرَبِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِمَنْ شَأْنُهُ فَهْمُهُ (إنْ وَصَلَ) لِلْكِتَابِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْحَالِفِ وَلَوْ حُكْمًا كَعِلْمِهِ بِذَهَابِهِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَسُكُوتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ وَلَوْ كَتَبَهُ عَازِمًا عَلَى إرْسَالِهِ لَهُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَيَقَعُ بِمُجَرَّدِ كِتَابَةِ صِيغَتِهِ عَازِمًا عَلَيْهِ لِاسْتِقْلَالِ الزَّوْجِ بِهِ بِخِلَافِ الْمُكَالَمَةِ، وَكَذَا إنْ وَصَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
ابْنُ حَبِيبٍ لَوْ قَالَ الْحَالِفُ لِلرَّسُولِ: قَطِّعْ كِتَابِي أَوْ رُدَّهُ إلَيَّ فَعَصَاهُ وَأَعْطَاهُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَقَرَأَهُ لَمْ يَحْنَثْ كَمَا لَوْ رَمَاهُ رَاجِعًا عَنْهُ بَعْدَ أَنْ كَتَبَهُ فَقَرَأَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَحَيْثُ وَصَلَ بِإِذْنِهِ وَلَوْ حُكْمًا حَنِثَ، وَلَوْ لَمْ يَفْتَحْهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَقْرَأْهُ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ الْمُذْهَبِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُصَنِّفِ، وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْمُذْهَبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَتِهِ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا بِاللَّفْظِ قَوْلَانِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ عِلْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ الْحَالِفِ أَمْ لَا.
(أَوْ) بِإِرْسَالِ (رَسُولٍ) بِكَلَامٍ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا كَلَّمَهُ) أَيْ الْحَالِفُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَبَلَّغَ الرَّسُولُ الْكَلَامَ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكِتَابَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ وَلَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ بِخِلَافِ الرَّسُولِ.
أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فَلَوْ لَمْ يُبَلِّغْهُ الرَّسُولُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ حِينَ أَمَرَهُ فَيَحْنَثُ (وَلَمْ يُنَوَّ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ النُّونِ، وَالْوَاوُ مُشَدَّدَةٌ أَيْ لَا تَقْبَلُ نِيَّةُ الْحَالِفِ الْمُشَافَهَةَ بِقَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُهُ (فِي) صُورَةِ إرْسَالِ (الْكِتَابِ) لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ كَلَامِهِ بِ (الْعِتْقِ) لِرَقِيقٍ مُعَيَّنٍ (وَ) حَلِفِهِ بِ (الطَّلَاقِ) مَعَ رَفْعِهِ لِلْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ لِمُخَالَفَةِ نِيَّتِهِ ظَاهِرَ لَفْظِهِ مِنْ شُمُولِ كَلَامِهِ لِلْمُشَافَهَةِ وَالْكِتَابَةِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ كَلَامِهِ مُجَانَبَتُهُ وَالْكِتَابَةُ تُنَافِيهَا.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ وَالطَّلَاقِ فَيُنَوَّى فِي الْقَضَاءِ وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى فَيُنْوَى فِي الْجَمِيعِ.
وَمَفْهُومٌ
وَبِالْإِشَارَةِ لَهُ، بِكَلَامِهِ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ، لَا قِرَاءَتِهِ بِقَلْبِهِ،
[منح الجليل]
فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يَنْوِي فِي الرَّسُولِ وَلَوْ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ مَعَ الرَّفْعِ وَالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ لِمُوَافَقَةِ نِيَّتِهِ ظَاهِرَ لَفْظِهِ، وَيَحْلِفُ فِي مَسْأَلَةِ الرَّسُولِ لِحَقِّ الزَّوْجَةِ وَالرِّقِّ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ فَإِنْ طَالَ دُيِّنَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ وَلَوْ حَلَفَ لَيُكَلِّمَنَّهُ فَلَا يَبَرُّ بِرَسُولٍ وَلَا كِتَابٍ احْتِيَاطًا لِلْبِرِّ وَالْحِنْثُ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ.
(وَ) حَنِثَ (بِالْإِشَارَةِ) مِنْ الْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ ثُمَّ أَشَارَ الْحَالِفُ (لَهُ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مَعَ اعْتِقَادِهِ كَوْنَهُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَهُ، فَظَهَرَ أَنَّهُ هُوَ سَوَاءٌ فَهِمَ الْمُشَارُ إلَيْهِ الْإِشَارَةَ أَمْ لَا، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ لَهُ أَنَّهُ إنْ أَشَارَ إلَى غَيْرِهِ فَقَطْ فَلَا يَحْنَثُ وَلَوْ اعْتَقَدَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُشَارُ لَهُ سَمِيعًا أَوْ أَصَمَّ وَشَمِلَ الْإِشَارَةَ لَهُ، وَلِغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ وَلَا حِنْثَ بِالْإِشَارَةِ لِأَعْمَى حَلَفَ لَا أُكَلِّمُهُ.
وَاَلَّذِي فِي الْحَطّ أَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ الْحِنْثِ بِالْإِشَارَةِ إذْ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَعَزَاهُ لِظَاهِرِ إيلَائِهَا.
وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي حِنْثِهِ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ.
ثَالِثُهَا بِاَلَّتِي يُفْهَمُ بِهَا عَنْهُ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ أَصْبَغَ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلِسَمَاعِ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَعَ سَمَاعِهِ وَابْنُ رُشْدٍ عَنْ ظَاهِرِ إيلَائِهَا وَلِابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَ) حَنِثَ (بِكَلَامِهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ يَسْمَعُهُ عَادَةً وَسَمِعَهُ بَلْ (وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ) أَيْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ كَلَامَ الْحَالِفِ لِمَانِعٍ كَنَوْمٍ أَوْ صَمَمٍ، فَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُهُ عَادَةً لِبُعْدِهِ فَلَا يَحْنَثُ (لَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ أَوْ لَا يَقْرَأُ كِتَابًا أَوْ هَذَا الْكِتَابَ بِ (قِرَاءَتِهِ) أَيْ الْحَالِفِ (بِقَلْبِهِ) فَلَيْسَ لِهَذِهِ تَعَلُّقٌ بِمَنْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُهُ إذْ الْحِنْثُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ وُصُولِ الْكِتَابِ.
اهـ. عب.
الْبُنَانِيُّ مَعْنَاهُ الْمُطَابِقُ لِسِيَاقِ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا فَلَا يَحْنَثُ بِكِتَابٍ وَصَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَقَرَأَ بِقَلْبِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْمُذْهَبِ لَكِنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ السَّابِقَ، وَبِكِتَابٍ إنْ وَصَلَ إذْ ظَاهِرُهُ الْحِنْثُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَلِذَا عَدَلَ الزَّرْقَانِيُّ عَنْهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا أَقْرَأُ كِتَابًا إلَخْ مَعَ بُعْدِهِ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ وَذَكَرَ غ وح أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِيمَا
أَوْ قِرَاءَةِ أَحَدٍ عَلَيْهِ بِلَا إذْنٍ، وَلَا بِسَلَامِهِ عَلَيْهِ بِصَلَاةٍ، وَلَا كِتَابِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ قَرَأَ عَلَى الْأَصْوَبِ وَالْمُخْتَارِ، وَبِسَلَامِهِ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ،
[منح الجليل]
تَقَدَّمَ وَبِكِتَابٍ إنْ وَصَلَ وَقَرَأَ وَهُوَ يُوَافِقُ ظَاهِرَ مَا هُنَا، لَكِنْ يَكُونُ عَلَى خِلَافِ الرَّاجِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ قِرَاءَةُ أَحَدٍ) كِتَابَ الْحَالِفِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِ كَلَامِهِ وَوَصَلَهُ كِتَابُ الْحَالِفِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْحَالِفِ فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ وَلَوْ قَرَأَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ ز مِثْلُهُ فِي غ وَهُوَ صَوَابٌ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْأَحْرَى مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِكِتَابٍ إنْ وَصَلَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا نَصُّهُ الشَّيْخُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ أَمَرَ عَبْدَهُ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَلَوْ قَرَأَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَلَمْ يَقِفْ غ عَلَى هَذَا.
(وَلَا) يَحْنَثُ الْحَالِفُ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا (بِسَلَامِهِ) أَيْ الْحَالِفِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (بِصَلَاةٍ) إنْ طَلَبَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ عَلَى يَسَارِهِ، وَإِلَّا حَنِثَ، وَظَاهِرُهُ كَالْمُدَوَّنَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا يُسَلِّمُ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَسْمَعَهُ أَوْ لَمْ يُسْمِعْهُ.
وَلَا يَخْلُو مِنْ نِزَاعٍ فِي بَعْضِهَا.
عج ظَاهِرُهُ يَشْمَلُ السَّلَامَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَائِهَا مُعْتَقِدًا إتْمَامَهَا، فَإِنْ قَصَدَ خِطَابَهُ حَاضِرًا حَنِثَ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَفَادَهُ عب.
(وَلَا) يَحْنَثُ الْحَالِفُ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا بِوُصُولِ (كِتَابِهِ) أَيْ مَكْتُوبِ (الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) إلَى الْحَالِفِ إنْ لَمْ يَقْرَأْهُ بَلْ (وَلَوْ قَرَأَ) الْحَالِفُ كِتَابَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (عَلَى الْأَصْوَبِ) عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ (وَالْمُخْتَارُ) لِلَّخْمِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْنَثُ.
(وَ) حَنِثَ (بِسَلَامِهِ) أَيْ الْحَالِفِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِ الْحَالِفِ (مُعْتَقِدًا) أَيْ جَازِمًا (أَنَّهُ) أَيْ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْفَتْحِ (غَيْرُهُ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ وَأَوْلَى ظَانًّا أَوْ شَاكًّا أَوْ مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ غَيْرُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ اللَّغْوِ