وَإِلَّا فَلَا.
وَصِيَامُ الْجُمُعَةِ إنْ نَسِيَ الْيَوْمَ عَلَى الْمُخْتَارِ
[منح الجليل]
وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ لَيْلَةِ غَيْرِ عِيدٍ فَقَالَ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْدَمْ لَيْلَةَ غَيْرِ عِيدٍ بِأَنْ قَدِمَ نَهَارًا أَوْ قَدِمَ لَيْلَةَ عِيدٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ رَمَضَانَ (فَلَا) يَلْزَمُ النَّاذِرَ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ أَبَدًا إنْ قَدِمَ لَيْلَةَ عِيدٍ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ صَوْمَهُ، وَإِنْ قَدِمَ لَيْلَةَ حَيْضٍ أَوْ رَمَضَانَ، فَإِنْ قَالَ أَبَدًا لَزِمَهُ مُمَاثَلَةً.
وَكَذَا إنْ قَدِمَ نَهَارًا؛ لِأَنَّ عَدَمَ صَوْمِهِ لِمَانِعِ عَدَمِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ فِي قُدُومِهِ نَهَارًا وَلِمَانِعِ الْحَيْضِ وَرَمَضَانَ فِي قُدُومِهِ لَيْلَةَ أَحَدِهِمَا فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ مَتَى قَدِمَ لَيْلَةً يُصَامُ يَوْمُهَا تَطَوُّعًا لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمِهَا فَقَطْ إنْ لَمْ يَقُلْ أَبَدًا وَإِلَّا صَامَهُ وَمُمَاثِلَهُ أَبَدًا، وَمَتَى قَدِمَ نَهَارًا غَيْرَ عِيدٍ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ وَلَزِمَهُ مُمَاثِلُهُ إنْ قَالَ أَبَدًا، وَمَحَلُّ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا إذَا لَمْ يَنْوِ بِيَوْمِ الْقُدُومِ مُطْلَقَ الزَّمَنِ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ صَوْمُ يَوْمٍ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ هَلْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمِهِ احْتِيَاطًا أَفَادَهُ عبق.
الْبُنَانِيُّ تَفْرِيقُهُ بَيْنَ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَلَيْلَةِ الْحَيْضِ أَصْلُهُ لعج مُسْتَظْهِرًا عَلَيْهِ بِظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ عَنْ سَنَدٍ، مَعَ إنَّك إذَا تَأَمَّلْته وَجَدْته لَا يُفِيدُهُ، وَلَمْ أَجِدْ نِصَابًا يُسَاعِدُهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِيدِ وَغَيْرِهِ فِي لُزُومِ صَوْمِ مُمَاثِلِهِ مِنْ الْأُسْبُوعِ إنْ قَالَ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الِاسْمِ كَالْخَمِيسِ لَا فِي الصِّفَةِ كَكَوْنِهِ عِيدًا وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ فِي الصِّفَةِ لَسَقَطَ مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْخَرَشِيُّ، فَسَوَّى بَيْنَ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَغَيْرِهِ كَالْحَيْضِ فِي عَدَمِ لُزُومِ الْمُمَاثِلِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَ) وَجَبَ (صِيَامُ الْجُمُعَةِ) أَيْ: الْأُسْبُوعِ بِتَمَامِهِ (إنْ) نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَ (نَسِيَ الْيَوْمَ) الْمُعَيَّنَ الَّذِي نَذَرَ صَوْمَهُ كَصَلَاةِ مَنْ نَسِيَ إحْدَى الْخَمْسِ خَمْسًا (عَلَى الْمُخْتَارِ) لِلَّخْمِيِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِسَحْنُونٍ.
وَنَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ نَذَرَ يَوْمًا بِعَيْنِهِ وَنَسِيَهُ فَثَلَاثَةٌ التَّخْيِيرُ وَجَمِيعُهَا وَآخِرُهَا ضَيْح، نُقِلَتْ كُلُّهَا عَنْ سَحْنُونٍ وَآخِرُ أَقْوَالِهِ أَنْ يَصُومَهَا جَمِيعَهَا وَاسْتَظْهَرَ لِلِاحْتِيَاطِ، وَفِي الْمَوَّاقِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَنَسِيَهُ أَنَّهُ يَصُومُ الْجُمُعَةَ كُلَّهَا وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ قَوْلٌ لِسَحْنُونٍ لَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ.
وَرَابِعُ النَّحْرِ لِنَاذِرِهِ، وَإِنْ تَعْيِينًا لَا سَابِقَيْهِ، إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ
[منح الجليل]
(وَ) وَجَبَ أَنْ يُصَامَ (رَابِعُ) يَوْمِ (النَّحْرِ لِنَاذِرِ) صَوْمِ (هـ) بِدُونِ تَعْيِينٍ كَنَذْرِ صَوْمِ كُلِّ خَمِيسٍ أَوْ شَهْرِ الْحِجَّةِ بَلْ (وَإِنْ) نَذَرَ صَوْمَهُ (تَعْيِينًا) أَيْ مُعَيَّنًا لَهُ كَلِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ رَابِعِ النَّحْرِ فِي التَّوْضِيحِ اُنْظُرْ لِمَ لَزِمَ بِالنَّذْرِ وَصَوْمُهُ مَكْرُوهٌ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ لَهُ جِهَتَيْنِ جِهَةٌ تُضْعِفُ كَوْنَهُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الْمَنْهِيِّ عَنْ صِيَامِهَا، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُنْحَرُ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَا يَرْمِي فِيهِ الْمُتَعَجِّلُ، وَجِهَةٌ تُقَوِّي كَوْنَهُ مِنْهَا وَهِيَ أَنَّهُ يَوْمُ نَحْرٍ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ وَيَرْمِي غَيْرُ الْمُتَعَجِّلِ فِيهِ وَشُمُولُهُ اسْمَ التَّشْرِيقِ فَشَمِلَهُ النَّهْيُ، فَغَلَبَتْ الْجِهَةُ الْأُولَى لِمَا اقْتَضَاهُ النَّذْرُ مِنْ الْوُجُوبِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
وَلَمَّا لَمْ يُعَارِضْ الْكَرَاهَةَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ بِقَوْلِنَا لَا يُصَامُ تَطَوُّعًا إعْمَالًا لِلْجِهَتَيْنِ، وَلَا يُقَالُ اعْتِبَارًا لِجِهَتَيْنِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ حَدِيثُ زَمْعَةَ دَلِيلُ صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهِ فِي الْمُوَطَّإِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا نَصُّهُ «الْقَضَاءُ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ» :
مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إلَيْكَ قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ وَقَالَ: ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ ثُمَّ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ احْتَجِبِي مِنْهُ لَمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَتْ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» .
(لَا) يَجِبُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ صَوْمِ (سَابِقَيْهِ) أَيْ: الرَّابِعِ وَهُمَا ثَانِي يَوْمِ الْعِيدِ وَثَالِثُهُ لِحُرْمَتِهِ، وَالنَّذْرُ إنَّمَا يَجِبُ بِهِ الْمَنْدُوبُ (إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ) أَوْ قَارِنٍ أَوْ مَنْ لَزِمَهُ هَدْيٌ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ وَعَجْزٍ عَنْ الدَّمِ وَلَزِمَهُ صِيَامُ ثَلَاثَةٍ فِي الْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَلَمْ يَصُمْهَا فَيَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةَ عَقِبَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَكَذَا مَنْ فَاتَهُ صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْهَا قَبْلَ عَرَفَةَ فَيَصُومُهُ فِي أَيَّامِ
لَا تَتَابُعُ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ أَيَّامٍ.
وَإِنْ نَوَى بِرَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ غَيْرَهُ، أَوْ قَضَاءَ الْخَارِجِ أَوْ نَوَاهُ، وَنَذْرًا لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
[منح الجليل]
التَّشْرِيقِ، وَمِثْلُ الْهَدْيِ الْفِدْيَةُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهَا.
وَسَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ فِيهَا أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى.
وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُبْهَمَةٍ أَوْ شَهْرٍ كَذَلِكَ أَوْ أَيَّامٍ كَذَلِكَ فَ (لَا) يَجِبُ عَلَيْهِ (تَتَابُعُ) صَوْمِ (سَنَةٍ أَوْ) تَتَابُعُ صَوْمِ (شَهْرٍ وَ) تَتَابُعُ صَوْمِ (أَيَّامٍ) إنْ لَمْ يَنْوِ التَّتَابُعَ فَإِنْ نَوَاهُ لَزِمَهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ تت.
طفي هَذَا صَوَابٌ وَنِسْبَتُهُ لَهَا صَحِيحَةٌ، فَقَوْلُ عج وَمَنْ تَبِعَهُ لَا يَلْزَمُ التَّتَابُعُ وَلَوْ نَوَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ وَلَوْ نَذَرَ سَنَةً مُبْهَمَةً فَفِي وُجُوبِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا غَيْرِ رَمَضَانَ مُطْلَقًا أَوْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُتَابَعَتَهَا فَكَمُعَيَّنَةٍ قَوْلَا الْمَشْهُورِ واللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ انْتَهَى؛ لِأَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَرَفَةَ هَلْ بِنِيَّةِ تَتَابُعِهَا تَصِيرُ كَمُعَيَّنَةٍ فِي عَدَمِ قَضَاءِ مَا لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ أَمَّا التَّتَابُعُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَ نِيَّتِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ.
قُلْت كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ وُجُوبُ التَّتَابُعِ وَلَا عَدَمُهُ، لَكِنْ يُؤَيِّدُ تت أَنَّ التَّتَابُعَ مَنْدُوبٌ وَأَنَّ النَّذْرَ يُوجِبُ الْمَنْدُوبَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَإِنْ) سَافَرَ فِي رَمَضَانَ سَفَرًا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِيهِ فَصَامَهُ وَ (نَوَى بِ) صِيَامِ (رَمَضَانَ فِي سَفَرٍ) يُبَاحُ الْفِطْرُ فِيهِ صَوْمًا (غَيْرَهُ) أَيْ: أَدَاء رَمَضَانَ بِأَنْ نَوَاهُ تَطَوُّعًا أَوْ وَفَاءً نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَوْ) نَوَى الْمُسَافِرُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ الَّذِي هُوَ فِيهِ (قَضَاءَ) رَمَضَانَ (الْخَارِجِ) وَقْتُهُ لَمْ يُجْزِهِ أَيْضًا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَلَيْهِ لِلْخَارِجِ إطْعَامٌ لِلتَّفْرِيطِ حَيْثُ فَرَّطَ، وَلَا كَفَّارَةَ كُبْرَى لِرَمَضَانَ الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرَ قَصْرٍ (أَوْ نَوَاهُ) أَيْ: رَمَضَانَ عَامَهُ (وَنَذْرًا) أَوْ وَتَطَوُّعًا أَوْ وَكَفَّارَةً أَوْ وَقَضَاءَ الْخَارِجِ أَيْ شَرِكَهُمَا فِي نِيَّتِهِ.
(لَمْ يُجْزِهِ) صَوْمُهُ (عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ: رَمَضَانَ الْحَاضِرِ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ.
وَلِعَدَمِ صِحَّةِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، وَلَا غَيْرِهِ لِتَعَيُّنٍ لِزَمَنٍ لِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ فَلَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ وَقَوْلِي أَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ إلَخْ احْتِرَازًا إذَا نَوَى الْحَاضِرُ بِرَمَضَانَ قَضَاءَ.
وَلَيْسَ لِمَرْأَةٍ يَحْتَاجُ لَهَا زَوْجٌ تَطَوُّعٌ بِلَا إذْنٍ.
[منح الجليل]
رَمَضَانَ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَهُ، فَيَجْزِيهِ عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ عَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَصَوَّبَهُ فِي النُّكَتِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ لَمْ يُجْزِ عَنْ غَيْرِهِ، وَكَانَتْ نِيَّتُهُ فِيهِ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ وَحُمِلَتْ عَلَى أَنَّهَا لَهُ فَلَمْ يُرَاعَ رَفْعُهَا، وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِأَنَّ الصُّورَةَ إذَا نَوَى بِحِجَّةِ النَّفْلِ فَإِنَّ نِيَّتَهُ تُعْرَفُ لِلْفَرْضِ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ.
وَلَا يَجْرِي هَذَا التَّوْجِيهُ فِي نِيَّةِ الْمُسَافِرِ بِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ قَضَاءَ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَ لَهُ الشَّارِعُ الْفِطْرَ فِيهِ كَمَا مَرَّ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجْزِيهِ عَنْ الْحَاضِرِ أَيْضًا لِرَفْعِهِ النِّيَّةَ فِيهِ، وَعَلَيْهِ فَاخْتُلِفَ هَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ كُبْرَى إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ أَوْ لَا قَالَهُ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّهُ صَامَهُ وَصَوَّبَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَهُ عبق.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ يَجْزِيهِ عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ خِلَافُ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِذَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ خَصَّ الْمُصَنِّفُ السَّفَرَ؛ لِأَنَّ الْحَضَرَ أَحْرَى، وَقَدْ جَرَى ز عَلَى الصَّوَابِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَيْسَ لِمَرْأَةٍ) أَيْ: زَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ (يَحْتَاجُ لَ) وَطْءُ (هَا زَوْجٌ) لَهَا أَوْ سَيِّدٌ (تَطَوُّعٌ) بِالصَّوْمِ أَوْ غَيْرِهِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا بِأَنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْهُ أَوْ اسْتَأْذَنَتْهُ فَمَنَعَ أَوْ سَكَتَ وَمِثْلُهُ مَا أَوْجَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا بِنَذْرٍ أَوْ حِنْثٍ فِي يَمِينٍ أَوْ فِعْلِ مَا يَتَرَفَّهُ بِهِ أَوْ يُزِيلُ أَذًى فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قَتْلِ صَيْدٍ فِي إحْرَامٍ أَوْ حَرَمٍ الشَّارِحُ لَمْ يُقَيِّدْ التَّطَوُّعَ بِالصَّوْمِ فَشَمِلَ نَافِلَةَ الصَّلَاةِ.
وَمِثْلُ التَّطَوُّعِ الْفَرِيضَةُ الْمُتَّسَعُ وَقْتُهَا فَإِنْ أَحْرَمَتْ بِهَا فَلَهُ قَطْعُهَا بِجِمَاعِهَا وَنَظَرَ فِيهِ الْبَاجِيَّ بِإِرَادَتِهَا بَرَاءَةَ ذِمَّتِهَا بِمَا زَمَنُهُ يَسِيرٌ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ يَحْتَاجُ لَهَا بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَهَا بِالْأَكْلِ.
وَلَوْ طَالَبَهَا فَقَالَتْ صَائِمَةٌ تَطَوُّعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ إفْطَارَهَا، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ نَاجِي وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ أَنَّ لَهُ التَّحْلِيلَ فِي تَطَوُّعِ الْحَجِّ، وَمَفْهُومُ يَحْتَاجُ أَنَّهَا لَوْ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لَهَا فَلَهَا التَّطَوُّعُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ جَهِلَتْ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَقْرَبُ الْجَوَازُ،؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
وَمَفْهُومُ تَطَوُّعٌ أَنَّهَا لَا تَسْتَأْذِنُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ زَوْجًا وَلَا سَيِّدًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ جَبْرُهَا عَلَى تَأْخِيرِهِ لِشَعْبَانَ.
بَابٌ) الِاعْتِكَافُ نَافِلَةٌ،
[منح الجليل]
[بَابٌ الِاعْتِكَافُ]
بَابٌ) فِي الِاعْتِكَافِ
(الِاعْتِكَافُ) أَيْ: لُزُومُ شَخْصٍ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ مَسْجِدًا مُبَاحًا بِصَوْمِ لَيْلَةٍ وَيَوْمًا لِعِبَادَةٍ قَاصِرَةٍ بِنِيَّةٍ كَافًّا عَنْ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ إلَّا وَقْتَ خُرُوجِهِ لِحَاجَتِهِ الْمَمْنُوعَةِ فِيهِ، وَخَبَرُ الِاعْتِكَافِ (نَافِلَةٌ) أَيْ: مُؤَكَّدٌ، نَدَبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَاضِي هُوَ قُرْبَةٌ الشَّيْخُ نَفْلٌ الْكَافِي فِي رَمَضَانَ سُنَّةٌ، وَفِي غَيْرِهِ جَائِزٌ لِعَارِضَةِ سُنَّةٍ لَا يُقَالُ فِيهَا مُبَاحٌ.
وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِهِمْ جَائِزٌ جَهْلٌ الْآبِي يُرِيدُ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ السُّنَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ وَأَظْهَرَ، فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ» ، وَلَفْظُ التَّوْضِيحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ؛ إذْ لَوْ كَانَ سُنَّةً لَمْ يُوَاظِبْ السَّلَفُ عَلَى تَرْكِهِ.
رَوَى «ابْنُ نَافِعٍ مَا رَأَيْت صَحَابِيًّا اعْتَكَفَ وَقَدْ اعْتَكَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قُبِضَ» وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا، فَلَمْ أَزَلْ أُفَكِّرُ حَتَّى أَخَذَ بِنَفْسِي أَنَّهُ لِشِدَّتِهِ، نَهَارُهُ وَلَيْلُهُ سَوَاءٌ كَالْوِصَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعَ وِصَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ مِنْهُ ابْنُ رُشْدٍ كَرَاهَتَهُ اهـ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ.
مَشْرُوطَةٌ بِكَوْنِهِ وَصِحَّتُهُ لِمُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ بِمُطْلَقِ صَوْمٍ، وَلَوْ نَذْرًا وَمَسْجِدٍ إلَّا لِمَنْ فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ، وَتَجِبُ بِهِ، فَالْجَامِعُ مِمَّا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ
[منح الجليل]
(وَصِحَّتُهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافِ مَشْرُوطَةٌ بِكَوْنِهِ (لِمُسْلِمٍ) أَيْ: وَاقِعًا مِنْهُ (مُمَيِّزٍ) يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَلَا مِنْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَصِحَّتُهُ مَشْرُوطَةٌ أَيْضًا (بِمُطْلَقِ صَوْمٍ) سَوَاءٌ قُيِّدَ بِزَمَنٍ كَرَمَضَانَ أَوْ سَبَبٍ كَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ أَوْ لَا وَلَا كَتَطَوُّعٍ.
وَلَوْ قَالَ بِصَوْمٍ مُطْلَقٍ لَمْ يَشْمَلْ الْأَوَّلَيْنِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فَلَا يَصِحُّ مِنْ مُفْطِرٍ وَلَوْ لِعُذْرٍ، وَلَا مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ لِهَرَمٍ أَوْ ضَعْفٍ بِنِيَّةٍ.
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ يَصِحُّ بِلَا صَوْمٍ.
(وَلَوْ نُذِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الِاعْتِكَافُ فَيَصِحُّ فِي رَمَضَانَ وَصَوْمُ الْكَفَّارَةِ وَالْهَدْيُ وَالْفِدْيَةُ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ وَالتَّطَوُّعُ وَالنَّذْرُ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٍ لَا بُدَّ لِلِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ مِنْ صَوْمٍ يَخُصُّهُ بِنَذْرِهِ أَيْضًا فَلَا يُجْزِيهِ فِي رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ، أَيْ:؛ لِأَنَّ نَذْرَ الِاعْتِكَافِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمَ؛ لِأَنَّهُ رُكْنُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَشَرْطُهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
فَالْخِلَافُ فِي احْتِيَاجِ الْمَنْذُورِ لِصَوْمٍ خَاصٍّ، وَعَدَمُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الصَّوْمَ رُكْنُهُ أَوْ شَرْطُهُ، وَعَزْوُ الْأَوَّلِ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لِلْبَاجِيِّ، وَتَبِعَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَزْوُ الْبَاجِيَّ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْأَوَّلَ تَعَقَّبَهُ ابْنُ زَرْقُونٍ بِعَدَمِ وُجُودِهِ لَهُ، وَلَمْ يَحْكِ اللَّخْمِيُّ غَيْرَ الثَّانِي.
(وَ) صِحَّتُهُ (بِ) مُطْلَقِ (مَسْجِدٍ) مُبَاحٌ لِعُمُومِ النَّاسِ كَأَنْ تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ أَمْ لَا بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَلَا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ بَيْتٍ وَلَوْ لِامْرَأَةٍ وَلَا فِي الْكَعْبَةِ وَإِنْ جَازَ لَهُ دُخُولُهَا (إلَّا لِمَنْ فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ) وَهُوَ الذَّكَرُ الْبَالِغُ الْحُرُّ الْمُقِيمُ (وَ) هِيَ (تَجِبُ بِهِ) أَيْ: فِي زَمَنِ اعْتِكَافِهِ الَّذِي نَوَاهُ ابْتِدَاءً، كَنِيَّةِ اعْتِكَافِ عَشْرَةِ أَيَّامٍ أَوْ انْتِهَاءً كَنَذْرِ اعْتِكَافِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا السَّبْتُ فَمَرِضَ عَقِبَ يَوْمَيْنِ وَبَرِئَ يَوْمَ الْخَمِيسِ (فَالْجَامِعُ) أَيْ: الْمَسْجِدُ الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ يَجِبُ اعْتِكَافُهُ فِيهِ ابْتِدَاءً أَوْ انْتِهَاءً فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْهُ (مِمَّا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ) فَلَا يَصِحُّ فِي رَحْبَتِهِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ وَلَا فِي طُرُقِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَلَا فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ مِنْهُ، كَبَيْتِ قَنَادِيلِهِ وَمِثْلُهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي لَا تُصَلَّى الْجُمُعَةُ فِيهِ عَلَى تَقْدِيرِ صَلَاتِهَا فِيهِ.
وَإِلَّا خَرَجَ.
وَبَطَلَ: كَمَرَضِ أَبَوَيْهِ.
لَا جِنَازَتُهُمَا مَعًا وَكَشَهَادَةٍ وَإِنْ وَجَبَتْ، وَلْتُؤَدَّ بِالْمَسْجِدِ، أَوْ تُنْقَلُ عَنْهُ
[منح الجليل]
وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَعْتَكِفْ فِي الْجَامِعِ وَالْحَالُ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَجِبُ فِيهِ (خَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي اعْتَكَفَ بِهِ وُجُوبًا وَقْتَ وُجُوبِ السَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ.
(وَبَطَلَ) اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ بِرِجْلَيْهِ مَعًا لَا بِإِحْدَاهُمَا إلَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، فَيُعْذَرُ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَثِمَ وَلَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ عَلَى الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا مَرَّةً صَغِيرَةً هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَرَوَى ابْنُ الْجَهْمِ يَخْرُجُ لِلْجُمُعَةِ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ نَذَرَ أَيَّامًا فِيهَا جُمُعَةٌ وَاعْتَكَفَ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ خَرَجَ وَبَطَلَ.
وَإِنْ كَانَتْ لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ فِيهَا وَمَرِضَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهِ فَخَرَجَ وَرَجَعَ عَقِبَ صِحَّتِهِ فَصَادَفَ الْجُمُعَةَ فَيَخْرُجُ لَهَا وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ.
وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْخُرُوجِ وَالْبُطْلَانِ بِهِ فَقَالَ (كَ) خُرُوجِهِ لِ (مَرَضِ) أَحَدِ (أَبَوَيْهِ) مُبَاشَرَةً فَيَجِبُ وَيَبْطُلُ بِهِ الِاعْتِكَافُ وَلَوْ كَافِرَيْنِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ مَنْذُورًا وَالْمَرَضُ خَفِيفًا فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَهُوَ عَاقٌّ وَفِي بُطْلَانٍ التَّأْوِيلَانِ الْآتِيَانِ.
سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَخْرُجُ لِمَرَضِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَيَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ وَبِرُّهُمَا يَفُوتُ (لَا) يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِحُضُورِ (جِنَازَتِهِمَا) أَيْ الْأَبَوَيْنِ (مَعًا) أَوْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ فَإِنْ خَرَجَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَيَخْرُجُ لِجِنَازَةِ أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ حَيٌّ وُجُوبًا خَوْفًا مِنْ عُقُوقِ الْحَيِّ.
وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: يَجِبُ الْخُرُوجُ لِجِنَازَتِهِمَا مَعًا كَوُجُوبِهِ لِعِيَادَتِهِمَا إذَا مَرِضَا وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ وَبُطْلَانِ الِاعْتِكَافِ بِهِ فَقَالَ (كَ) تَحَمُّلِ أَوْ أَدَاءِ (شَهَادَةٍ) فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ لَهُ وَإِنْ خَرَجَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَفِي نُسَخٍ بِالْوَاوِ وَالْأَوْلَى حَذْفُهَا إنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ بَلْ (وَإِنْ وَجَبَ) أَيْ: تَعَيَّنَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ، بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ أَوْ لَمْ يَتِمَّ النِّصَابُ إلَّا بِهِ فَلَا يَخْرُجُ (وَلِتُؤَدَّ) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ مُثَقَّلًا الشَّهَادَةُ (بِالْمَسْجِدِ) الَّذِي فِيهِ لِلْمُعْتَكِفِ بِأَنْ يَأْتِيَهُ الْقَاضِي لِسَمَاعِهَا مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ.
(أَوْ تُنْقَلْ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ الشَّهَادَةُ (عَنْهُ) أَيْ: الْمُعْتَكِفُ بِأَنْ يُخْبِرَ بِهَا عَدْلَيْنِ
وَكَرِدَّةٍ، وَكَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ
[منح الجليل]
وَيَقُولَ لَهُمَا: اشْهَدَا عَلَى شَهَادَتِي، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ نَقْلِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَوْتُ الشَّاهِدِ أَوْ مَرَضُهُ أَوْ بَعْدَ غَيْبَتِهِ لِلضَّرُورَةِ.
رَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَا يَخْرُجُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَلِيُؤَدِّهَا بِمَسْجِدِهِ.
اللَّخْمِيُّ رَوَى الْعُتْبِيُّ يُؤَدِّيهَا بِهِ وَتُنْقَلُ عَنْهُ.
ابْنُ مُحْرِزٍ كَذِي عُذْرِ الْمَرَضِ وَغَيْرِهِ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ كَغَائِبٍ وَبَقِيَّةُ اعْتِكَافِهِ كَمَسَافَةِ الْغَيْبَةِ.
وَعَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ كَمَرَضِ أَبَوَيْهِ مُشَبِّهًا فِي وُجُوبِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَبُطْلَانِ الِاعْتِكَافِ بِهِ، فَقَالَ (وَكَرِدَّةٍ) عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُعْتَكِفِ فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَيَجِبُ خُرُوجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِحُرْمَتِهِ عَلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ الْإِسْلَامُ.
وَلِأَنَّهَا مُحْبِطَةُ الْعَمَلِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهُ إذَا تَابَ خِلَافًا لِلْبِسَاطِيِّ.
وَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُ الِاعْتِكَافِ مُعَيَّنَةً وَرَجَعَ لِلْإِسْلَامِ قَبْلَ تَمَامِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ نَصَّ فِي الْجَوَاهِرِ عَلَى وُجُوبِ اسْتِئْنَافِهِ نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ اهـ. وَمَا قَالَهُ عب أَلْيَقُ بِالْقَاعِدَةِ.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَكَفَّارَتُهُ إذَا ارْتَدَّ فِيهِ وَتَابَ.
وَعَطَفَ عَلَى كَمَرَضِ أَبَوَيْهِ مُشَبِّهًا فِي الْإِبْطَالِ وَوُجُوبِ الِاسْتِئْنَافِ فَقَالَ (وَكَ) شَخْصٍ مُعْتَكِفٍ (مُبْطِلٍ) بِالتَّنْوِينِ (صَوْمَهُ) بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ فَيَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَيَسْتَأْنِفُهُ، فَإِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ وَيَقْضِي الْيَوْمَ مُتَّصِلًا بِاعْتِكَافِهِ.
وَكَذَا مَنْ أَفْطَرَ بِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ وَمَحَلُّ الْقَضَاءِ إذَا كَانَ الصَّوْمُ فَرْضًا وَلَوْ بِالنَّذْرِ وَلَوْ مُعَيَّنًا أَوْ تَطَوُّعًا وَأَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا وَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ لِتَقَوِّيهِ بِالِاعْتِكَافِ بِشَرْطِيَّتِهِ فِيهِ.
وَإِنْ أَفْطَرَ فِيهِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ فَلَا يَقْضِيهِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَبَنَى بِزَوَالِ إغْمَاءٍ إلَخْ.
وَأَمَّا الْوَطْءُ وَمُقَدَّمَاتُهُ فَعَمْدُهَا وَسَهْوُهَا سَوَاءٌ فِي الْإِفْسَادِ كَمَا يَأْتِي، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَكْلِ أَنَّهَا مَحْظُورَاتُ الِاعْتِكَافِ بِخِلَافِهِ، وَلِهَذَا يَأْكُلُ فِي اللَّيْلِ وَلَوْ قُرِئَ مُبْطِلُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ لَدَخَلَ فِيهِ الْحَائِضُ وَالْمَرِيضُ وَالْمُفْطِرُ نَاسِيًا وَهُوَ فَاسِدٌ اهـ. عبق الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ " وَمَحَلُّ الْقَضَاءِ إذَا كَانَ الصَّوْمُ فَرْضًا إلَخْ " فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي التَّطَوُّعِ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَفْطَرَ فِيهِ أَيْ: لِلنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ غَيْرِ صَحِيحٍ بَلْ يَقْضِيهِ مُطْلَقًا.
أَقُولُ قَوْلُهُ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي التَّطَوُّعِ أَيْضًا إنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ بِالْفِطْرِ نَاسِيًا
وَكَسُكْرِهِ لَيْلًا، وَفِي إلْحَاقِ الْكَبَائِرِ بِهِ: تَأْوِيلَانِ؛ وَبِعَدَمِ وَطْءٍ،
[منح الجليل]
فَهُوَ مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ عَيْنُ كَلَامٍ.
عبق فَالتَّنْظِيرُ بِهِ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ بِالْفِطْرِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا يَأْتِي عَنْ التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِيهِ لِأَحَدِهِمَا لَا يَقْضِي كَمَا فِي عبق فَالتَّنْظِيرُ بِهِ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَفْطَرَ فِيهِ أَيْ: النَّذْرِ الْمُعَيِّنِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ فَلَا يَقْضِيهِ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ يَقْضِيهِ مُطْلَقًا سَهْوٌ وَسَبْقُ قَلَمٍ فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي فِيهِ لِلنَّفْلِ لَا لِلنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَحُكْمُهُ عَدَمُ الْقَضَاءِ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي عَنْ التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَا مَرِضَ فِيهِ مِنْ نَذْرٍ مُبْهَمٍ أَوْ مُعَيَّنٍ مِنْ رَمَضَانَ قَضَاءٌ وَمِنْ غَيْرِهِ فِي قَضَائِهِ ثَالِثُهَا إنْ مَرِضَ بَعْدَ دُخُولِهِ، الْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِيهَا، وَالثَّانِي لِسَحْنُونٍ، وَالثَّالِثُ لِتَأْوِيلِ ابْنِ عَبْدُوسٍ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الْوَطْءُ وَمُقَدِّمَاتُهُ إلَخْ أَيْ: فَلَا تَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ هُنَا بَلْ سَيَذْكُرُهَا وَكَلَامُهُ هُنَا خَاصٌّ بِتَعَمُّدِ الْغِذَاءِ وَالشُّرْبِ، وَعَطَفَ عَلَى كَمَرَضِ أَبَوَيْهِ مُشَبِّهًا فِي الْإِبْطَالِ وَوُجُوبِ الِابْتِدَاءِ فَقَالَ (وَكَسُكْرِهِ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ سُكْرًا حَرَامًا (لَيْلًا) فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاؤُهُ، وَإِنْ أَفَاقَ مِنْهُ قَبْلَ الْفَجْرِ لَا فِيهِ بِحَلَالٍ، وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُ يَوْمِهِ بِحُصُولِهِ فِيهِ (وَفِي إلْحَاقِ الْكَبَائِرِ) غَيْرِ الْمُفْسِدَةِ لِلصَّوْمِ كَقَذْفٍ وَغِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ وَغَصْبٍ وَسَرِقَةٍ (بِهِ) أَيْ السُّكْرِ الْحَرَامِ فِي إبْطَالِ الِاعْتِكَافِ بِجَامِعٍ كَبُرَ الذَّنْبُ وَعَدَمِ إلْحَاقِهَا بِهِ فِيهِ لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهَا بِتَعْطِيلِ الزَّمَنِ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ: فَهْمَانِ لِشَارِحَيْهَا فِيهَا إنْ سَكِرَ لَيْلًا وَصَحَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ؛ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَقَالَ الْمَغَارِبَةُ لِتَعْطِيلِ عَمَلِهِ وَلَهُمَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّأْوِيلَيْنِ، وَمَفْهُومُ الْكَبَائِرِ أَنَّ الصَّغَائِرَ لَا تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ اتِّفَاقًا وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وَ) صِحَّتُهُ (بِعَدَمِ وَطْءٍ) مُبَاحٍ لَيْلًا وَغَيْرُ الْمُبَاحِ دَخَلَ فِي الْكَبَائِرِ وَاَلَّذِي فِي النَّهَارِ دَخَلَ فِي مُبْطِلِ الصَّوْمِ فَإِنْ وَطِئَ حَلِيلَتَهُ لَيْلًا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ أَفَادَهُ عبق.
الْبُنَانِيُّ غَيْرُ
وَقُبْلَةِ شَهْوَةٍ، وَلَمْسٍ، وَمُبَاشَرَةٍ وَإِنْ لِحَائِضٍ نَاسِيَةٍ، وَإِنْ أَذِنَ لِعَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ فِي نَذْرٍ: فَلَا مَنْعَ كَغَيْرِهِ؛ إنْ دَخَلَا
[منح الجليل]
صَوَابٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ وَكَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ خَاصٌّ بِعَمْدِ الْغِذَاءِ؛ إذْ الْوَطْءُ وَمُقَدِّمَاتُهُ مُبْطِلٌ وَلَوْ سَهْوًا فَيَجِبُ التَّعْمِيمُ هُنَا (وَ) صِحَّتُهُ بِعَدَمِ (قُبْلَةِ شَهْوَةٍ) فَتُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إنْ خَلَتْ عَنْ الشَّهْوَةِ لَا تُفْسِدُهُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى فَمٍ وَهُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ عُمُومُ النَّقْلِ خِلَافًا لِبَحْثِ أَنَّهَا عَلَى الْفَمِ تُفْسِدُ مُطْلَقًا أَفَادَهُ عبق.
الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ مَا بَحَثَهُ أَحْمَدُ هُوَ الظَّاهِرُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُبْطِلُهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ مَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ.
(وَ) صِحَّتُهُ بِعَدَمِ (لَمْسٍ) شَهْوَةٍ (وَمُبَاشَرَةٍ) شَهْوَةٍ فَإِنْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بَاشَرَ بِهَا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَائِضًا بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ قُبْلَةُ الشَّهْوَةِ أَوْ لَمْسُهَا أَوْ مُبَاشَرَتُهَا (لِحَائِضٍ) أَيْ: مِنْهَا حَالَ خُرُوجِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَتْ عَالِمَةً بِاعْتِكَافِهَا بَلْ وَلَوْ كَانَتْ (نَاسِيَةً) اعْتِكَافَهَا فَقَدْ فَسَدَ، وَكَذَا مَرِيضٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَعْذُورِينَ الْمَمْنُوعِينَ مِنْ الصَّوْمِ أَوْ الِاعْتِكَافِ.
(وَإِنْ أَذِنَ) سَيِّدٌ أَوْ زَوْجٌ (لِعَبْدٍ) تُنْقِصُ عِبَادَتُهُ خِدْمَةَ السَّيِّدِ (أَوْ امْرَأَةٍ) يَحْتَاجُ إلَيْهَا زَوْجُهَا، وَصِلَةُ أَذِنَ (فِي نَذْرٍ) أَيْ: الْتِزَامٍ لِعِبَادَةٍ مَنْدُوبَةٍ مِنْ اعْتِكَافٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ إحْرَامِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ فَنَذَرَاهَا (فَلَا مَنْعَ) لِسَيِّدِ الْعَبْدِ وَزَوْجِ الْمَرْأَةِ مِنْ وَفَائِهِمَا بِمَ نَذَرَاهُ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ النَّذْرُ مُبْهَمَ الزَّمَنِ فَلَهُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْمَنْعِ فَقَالَ (كَ) إذْنِ سَيِّدٍ أَوْ زَوْجٍ لِعَبْدٍ أَوْ زَوْجَةٍ فِي فِعْلٍ (غَيْرِهِ) أَيْ: النَّذْرِ أَوْ فِي وَفَاءِ النَّذْرِ الْمُبْهَمِ (إنْ دَخَلَا) أَيْ: الْعَبْدُ وَالزَّوْجَةُ فِي النَّذْرِ فِي الْأَوْلَى بِأَنْ نَذَرَا مَا أَذِنَ لَهُمَا فِي نَذْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُمَا مِنْ وَفَائِهِ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ، وَفِي فِعْلِ مَا أَذِنَ لَهُمَا فِي فِعْلِهِ
وَأَتَمَّتْ مَا سَبَقَ مِنْهُ، أَوْ عِدَّةٌ، إلَّا أَنْ تُحْرِمَ، وَإِنْ بِعِدَّةِ مَوْتٍ فَيَنْفُذُ، وَتَبْطُلُ
[منح الجليل]
فِي الثَّانِيَةِ مِنْ تَطَوُّعٍ أَوْ وَفَاءِ نَذْرٍ مُبْهَمٍ فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ عَلَيْهِمَا فَالشَّرْطُ رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ الْكَافِ أَيْضًا (وَ) إنْ اجْتَمَعَ عَلَى امْرَأَةٍ عِبَادَاتٌ مُتَضَادَّةُ الْأَمْكِنَةِ كَعِدَّةٍ وَإِحْرَامٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَاعْتِكَافٍ (أَتَمَّتْ مَا سَبَقَ مِنْهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافِ عَلَى عِدَّةٍ، وَكَذَا الْإِحْرَامُ السَّابِقُ عَلَيْهَا كَأَنْ تَطْلُقَ أَوْ يُتَوَفَّى عَنْهَا وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ أَوْ مُحْرِمَةٌ فَتَتَمَادَى فِي اعْتِكَافِهَا أَوْ سَفَرِهَا لِلنُّسُكِ وَلَا تُقِيمُ فِي مَنْزِلِهَا إلَى تَمَامِ عِدَّتِهَا (أَوْ) مَا سَبَقَ مِنْ (عِدَّةٍ) عَلَى اعْتِكَافٍ بِأَنْ طَلُقَتْ أَوْ تُوُفِّيَ عَنْهَا ثُمَّ نَذَرَتْ اعْتِكَافًا فَتُقِيمُ فِي مَسْكَنِهَا إلَى تَمَامِ عِدَّتِهَا ثُمَّ تَعْتَكِفُ إنْ كَانَ مَضْمُونًا أَوْ الْبَاقِي مِنْهُ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَبَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنْ فَاتَ فَلَا تَقْضِيهِ.
وَلَمَّا شَمِلَ قَوْلُهُ أَوْ عِدَّةٌ سَبَقَهَا الْإِحْرَامُ أَيْضًا وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مُخَالِفًا لِلْحُكْمِ فِي سَبْقِهَا الِاعْتِكَافَ اسْتِثْنَاءٌ بِقَوْلِهِ (وَإِلَّا أَنْ تُحْرِمَ) الْمَرْأَةُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَهِيَ بِعِدَّةِ طَلَاقٍ بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ مُتَلَبِّسَةً (بِعِدَّةِ مَوْتٍ) بَالَغَ عَلَيْهَا لِشِدَّتِهَا عَنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ بِالْإِحْدَادِ (فَيَنْفُذُ) إحْرَامُهَا مَعَ عِصْيَانِهَا بِهِ (وَيَبْطُلُ) أَيْ: يَسْقُطُ وُجُوبُ مَبِيتِهَا فِي مَسْكَنِهَا هَذَا عَلَى نُسْخَةٍ يَبْطُلُ بِالتَّحْتِيَّةِ، وَعَلَى نُسْخَةٍ تَبْطُلُ بِالْفَوْقِيَّةِ فَضَمِيرُهُ لِلْعِدَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ: مَبِيتُهَا لَا أَصْلُهَا فَتُسَافِرُ لِتَمَامِ النُّسُكِ الَّذِي أَحْرَمَتْ بِهِ وَهِيَ عَلَى عِدَّتِهَا، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ وَبَقِيَ صُورَتَانِ: طُرُوءُ اعْتِكَافٍ عَلَى إحْرَامٍ وَعَكْسُهُ، فَتَتِمُّ السَّابِقُ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يُخْشَى فِي الثَّانِيَةِ فَوَاتَ الْحَجِّ فَيُقَدَّمَ إنْ كَانَا فَرْضَيْنِ أَوْ نَفَلَيْنِ أَوْ الْحَجُّ فَرْضًا وَالِاعْتِكَافُ نَفْلًا.
فَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ قُدِّمَ الِاعْتِكَافُ فَالصُّوَرُ سِتٌّ: طُرُوءُ عِدَّةٍ عَلَى إحْرَامٍ أَوْ اعْتِكَافٍ، وَطُرُوءُ أَحَدِهِمَا عَلَيْهَا، وَطُرُوءُ اعْتِكَافٍ مِنْ إحْرَامٍ وَعَكْسُهُ فَتَتِمُّ السَّابِقُ فِي أَرْبَعٍ وَتَمْضِي عَلَى الطَّارِئِ فِي إحْرَامٍ وَلَوْ بِنَفْلٍ عَلَى عِدَّةٍ وَعَلَى اعْتِكَافِ نَفْلٍ أَوْ فَرْضٍ إنْ خُشِيَ فَوَاتُ فَرْضِ حَجٍّ لَا إنْ كَانَ نَفْلًا وَالِاعْتِكَافُ فَرْضٌ فَتُتِمُّ الِاعْتِكَافَ.
وَفُهِمَ مِنْ تَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ النُّفُوذَ فِي الْإِحْرَامِ الطَّارِئِ بِالْمُعْتَدَّةِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَةَ لَا يَنْفُذُ إحْرَامُهَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ نُفُوذَ إحْرَامِ الْمُعْتَدَّةِ إنَّمَا يُخِلُّ بِمَبِيتِهَا لَا بِأَصْلِ عِدَّتِهَا وَنُفُوذِ إحْرَامِ
وَإِنْ مَنَعَ عَبْدَهُ نَذْرًا، فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ وَلَا يُمْنَعُ مُكَاتَبٌ يَسِيرَهُ،
[منح الجليل]
الْمُعْتَكِفَةِ يُخِلُّ بِالِاعْتِكَافِ رَأْسًا؛ لِأَنَّ الْمُكْثَ فِي الْمَسْجِدِ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ فِيهِ وَمَبِيتُ الْمُعْتَدَّةِ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا بَلْ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ فَتُعْصَى بِتَرْكِهِ وَتَحْتَسِبُ بِأَيَّامِ سَفَرِ الْإِحْرَامِ مِنْ عِدَّتِهَا وَتَتِمُّ بَقِيَّتُهَا عَقِبَ رُجُوعِهَا مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ مَا سَبَقَ مِنْهُ أَيْ: فِعْلًا لَا نَذْرًا فَإِنْ نَذَرَتْ اعْتِكَافَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ وَطَلُقَتْ أَوْ مَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَ إتْيَانِهِ فَتُتِمُّ عِدَّتَهَا.
وَلَوْ اسْتَهَلَّ الشَّهْرُ الْمُعَيَّنُ فِيهَا وَلَكِنْ تَصُومُهُ فِي بَيْتِهَا وَلَا يَقْضِي اعْتِكَافَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ فِي الْفِعْلِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْحَطّ أَنَّ هَذَا أَرْجَحُ مِنْ مُقَابِلِهِ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَهُ عبق.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ تَخْشَى فِي الثَّانِيَةِ فَوَاتَ الْحَجِّ أَصْلُهُ لعج، وَاعْتَرَضَهُ طفي بِأَنَّ إطْلَاقَ أَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي عِمْرَانَ يُنَافِيهِ أَيْ فِي قَوْلِهِمَا الْمُعْتَكِفَةُ إذَا أَحْرَمَتْ يَنْفُذُ إحْرَامُهَا وَلَا تَخْرُجُ لَهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ اعْتِكَافُهَا.
وَقَوْلُهُ يُفْهَمُ مِنْ الْحَطّ أَنَّ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَرْجَحِيَّتِهِ اقْتِصَارُ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهِ وَتَصْحِيحُهُ إيَّاهُ.
وَنَصُّهُ الِاعْتِكَافُ إذَا سَبَقَ الْعِدَّةَ فَلَا تَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ اعْتِكَافُهَا كَمَا أَنَّ الْعِدَّةَ إذَا سَبَقَتْهُ فَلَا تَخْرُجُ مِنْهَا إلَى الِاعْتِكَافِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا إنْ كَانَ اعْتِكَافًا وَاجِبًا عَلَيْهَا فِي أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا قَدْ كَانَتْ نَذَرَتْ اعْتِكَافَهَا قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ الْقَرَوِيِّينَ وَهُوَ صَحِيحٌ، فَقِفْ عَلَيْهِ اهـ، وَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ.
(وَإِنْ) نَذَرَ عَبْدٌ اعْتِكَافًا بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ وَأَرَادَ وَفَاءَهُ فَ (مَنَعَ) السَّيِّدُ (عَبْدَهُ) أَنْ يُوفِيَ (نَذْرًا فَعَلَيْهِ) أَيْ الْعَبْدِ وَفَاؤُهُ (إنْ عَتَقَ) الْعَبْدُ إنْ كَانَ مَضْمُونًا أَوْ مُعَيَّنًا بَقِيَ وَقْتُهُ.
فَإِنْ فَاتَ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
فَإِنْ مَنَعَهُ وَفَاءُ مَا نَذَرَهُ بِإِذْنِهِ فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ وَلَوْ مُعَيَّنًا فَاتَ وَقْتُهُ وَإِنْ مَنَعَهُ مِنْ نَذْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِي نَذْرِهِ أَوْ مِنْ فِعْلِ مَا يَتَطَوَّعُ بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَهُ عبق.
قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ظَاهِرُ التَّوْضِيحِ أَنَّ قَوْلَ سَحْنُونٌ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَلَا يُمْنَعُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ (مُكَاتَبٌ) أَيْ: مُعْتَقٌ عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ (يَسِيرَهُ) أَيْ:
وَلَزِمَ يَوْمٌ إنْ نَذَرَ لَيْلَةً، لَا بَعْضَ يَوْمٍ وَتَتَابُعُهُ فِي مُطْلَقِهِ، وَمَنْوِيُّهُ حِينَ دُخُولِهِ: كَمُطْلَقِ الْجِوَارِ،
[منح الجليل]
الِاعْتِكَافَ وَهُوَ مَا لَا يَحْصُلُ بِهِ عَجْزٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ الصَّوْمَ وَبَقِيَّةَ الْعِبَادَاتِ كَذَلِكَ.
وَيُمْنَعُ مِنْ كَثِيرٍ يُؤَدِّي لِعَجْزِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا وَالْمُبَعِّضُ فِي يَوْمٍ نَفْسُهُ كَالْحُرِّ.
(وَلَزِمَ يَوْمٌ) أَيْ اعْتِكَافُهُ (إنْ نَذَرَ) أَنْ يَعْتَكِفَ (لَيْلَةً) وَعَكْسُهُ أَوْلَى.
وَنَصَّ عَلَى الْأَصْلِيِّ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِنَذْرِهِ مَا لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ (لَا) يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ (بَعْضَ يَوْمٍ) . الْقَرَافِيُّ لَوْ نَذَرَ عُكُوفَ بَعْضِ يَوْمٍ فَلَا يَصِحُّ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَمَا ذَكَرَ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ شَيْءٍ اتَّفَقَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِيمَنْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَةٍ أَوْ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَلْزَمُهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ وَصَوْمُ يَوْمٍ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَالْفَرْقُ ضَعْفُ الِاعْتِكَافِ وَقُوَّةُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِكَوْنِهِمَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ.
(وَ) لَزِمَ (تَتَابُعُهُ) أَيْ الِاعْتِكَافِ (فِي) نَذْرِ (مُطْلَقِهِ) أَيْ: اعْتِكَافٍ مُطْلَقٍ عَنْ التَّقْيِيدِ بِتَتَابُعٍ أَوْ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّتُهُ وَأَوْلَى إنْ قَيَّدَهُ بِالتَّتَابُعِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً، فَإِنْ قَيَّدَهُ بِالتَّفْرِيقِ فَلَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْدُوبًا فَلَهُ تَتَابُعُهُ وَتَفْرِيقُهُ (وَ) لَزِمَ (مَنْوِيُّهُ) أَيْ مَا نَوَاهُ مِنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ أَوْ التَّتَابُعِ (حِينَ دُخُولِهِ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ الْمَسْجِدَ لِاعْتِكَافٍ مُتَطَوِّعٍ بِهِ، فَإِنْ نَوَى حِينَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَزِمَتْهُ، وَإِنْ نَوَى تَتَابُعَهَا حِينَهُ لَزِمَهُ.
وَكَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَإِنْ نَوَى التَّفْرِيقَ فَلَا يَلْزَمُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَنَذْرِ صَوْمِ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ أَيَّامِ اسْتِغْرَاقِ الِاعْتِكَافِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، فَشَأْنُهُ التَّتَابُعُ كَأَجَلِ الْإِجَارَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْيَمِينِ وَالدَّيْنِ وَاعْتِيَادِهِ فِيهِ وَالصَّوْمُ قَاصِرٌ عَلَى الْيَوْمِ، فَكَيْفَمَا فَعَلَهُ مُتَتَابِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا وَأَوْفَى الْعِدَّةَ فَقَدْ جَاءَ بِنَذْرِهِ.
وَشَبَّهَ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحْكَامِ الِاعْتِكَافِ فَقَالَ (كَ) نَذْرٍ (مُطْلَقِ الْجِوَارِ) بِمَسْجِدٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا أَيْ: الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِنَهَارٍ وَلَا لَيْلٍ، فَيَلْزَمُ تَتَابُعُهُ إنْ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَإِنْ نَوَى عَدَمَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَيَلْزَمُ صَوْمُهُ فِيهِ وَيَمْنَعُ فِيهِ مَا يَمْنَعُ فِي الِاعْتِكَافِ وَيُبْطِلُهُ
لَا النَّهَارِ فَقَطْ فَبِاللَّفْظِ وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ حِينَئِذٍ: صَوْمٌ، وَفِي يَوْمِ دُخُولِهِ: تَأْوِيلَانِ، وَإِتْيَانُ سَاحِلٍ لِنَاذِرِ صَوْمٍ بِهِ مُطْلَقًا،.
[منح الجليل]
مَا يُبْطِلُهُ، سَوَاءٌ نَذَرَهُ أَوْ نَوَاهُ حِينَ دُخُولِهِ.
فَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُجَاوِرَ الْمَسْجِدَ يَوْمًا مَثَلًا فَهُوَ نَذْرُ اعْتِكَافٍ بِلَفْظِ جِوَارٍ فَلَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ قَوْلِهِ أَعْتَكِفُ مُدَّةَ كَذَا أَوْ أُجَاوِرُهَا وَاللَّفْظُ لَا يُرَادُ لِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا لِمَعْنَاهُ.
الرَّمَاصِيُّ الْمُنَاسِبُ كَالْجِوَارِ الْمُطْلَقِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ فَإِنْ قَيَّدَهُ بِالْفِطْرِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِاللَّفْظِ:
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (لَا) يَلْزَمُ الْجِوَارُ الْمُقَيَّدُ بِ (النَّهَارِ) أَوْ اللَّيْلِ (فَقَطْ) أَوْ الْفِطْرِ بِنِيَّتِهِ حِينَ دُخُولِهِ (فَ) إنْ نَذَرَهُ (بِاللَّفْظِ) بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُجَاوِرَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ كَذَا فَقَطْ أَوْ لَيْلَةَ كَذَا فَقَطْ أَوْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مُفْطِرًا لَزِمَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى النَّهَارِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ) فِيهِ (حِينَئِذٍ) أَيْ: حِينَ تَقْيِيدِهِ بِالنَّهَارِ (صَوْمٌ) وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ بِاللَّيْلِ أَوْ الْفِطْرِ فَلَا يُتَوَهَّمُ لُزُومُ الصَّوْمِ فِيهِ حَتَّى يَحْتَاجَ لِنَفْيِهِ، أَيْ: وَلَا يَلْزَمُ الْمُجَاوِرُ حِينَ تَقْيِيدِهِ بِالنَّهَارِ فِي حَالِ نَذْرِهِ صَوْمٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ لَوَازِمِ الِاعْتِكَافِ، لَكِنْ لَا يَخْرُجُ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي نَذْرَهُ الْمُجَاوَرَةَ فِي الْمَسْجِدِ نَهَارَهُ.
وَيَخْرُجُ لِمَا يَخْرُجُ لَهُ الْمُعْتَكِفُ لَا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ نَوَى جِوَارًا مُقَيَّدًا بِفِطْرِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ فَلَا يَلْزَمُهُ بِدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ مَا بَعْدَ يَوْمِ دُخُولِهِ.
(وَفِي) لُزُومِهِ إكْمَالُ (يَوْمِ دُخُولِهِ) وَعَدَمِ لُزُومِهِ وَهُوَ الْأَرْجَحُ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ: فَهْمَانِ لِشَارِحَيْهَا فَإِنْ نَوَى يَوْمًا فَقَطْ لَا يَلْزَمُهُ إكْمَالُهُ اتِّفَاقًا خِلَافَ مَا أَفَادَهُ الْحَطّ وَبَعْضُ الشُّرَّاحِ كَمَنْ نَوَى جِوَارَ مَسْجِدٍ مَا دَامَ فِيهِ أَوْ وَقْتًا مُعَيَّنًا فَلَا يَلْزَمُهُ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ مَا فِي الْمَوَّاقِ إنَّمَا هُوَ فَرْضُ مَسْأَلَةٍ وَمَا فِي الْحَطّ صَرِيحٌ وَمِثْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ وَاعْتَمَدَهُ اللَّقَانِيُّ (وَ) لَزِمَ (إتْيَانُ سَاحِلٍ) أَيْ مَحَلُّ رِبَاطٍ وَحِرَاسَةٍ مِنْ عَدُوٍّ كِدِمْيَاطَ وَجُدَّةَ وَإِسْكَنْدَرِيَّة وَعَسْقَلَانَ وَطَرَابُلْسَ (لِنَاذِرِ صَوْمٍ) أَوْ صَلَاةٍ (بِهِ) أَيْ: فِي السَّاحِلِ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ لَيْسَ بِمَحَلٍّ أَفْضَلَ مِنْ السَّاحِلِ كَأَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَأَوْلَى إتْيَانُ أَحَدِهَا لِنَاذِرِ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ بِهِ وَصَرَّحَ بِهِ فِيهَا.
وَالْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ فَقَطْ لِنَاذِرِ عُكُوفٍ بِهَا، وَإِلَّا فَبِمَوْضِعِهِ.
وَكُرِهَ: أَكْلُهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَاعْتِكَافُهُ غَيْرُ مَكْفِيٍّ،
[منح الجليل]
وَ) لَزِمَ إتْيَانُ أَحَدِ (الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ السَّاحِلِ وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ (لِنَاذِرِ عُكُوفٍ) أَيْ: اعْتِكَافٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ كَفَّارَةٍ (بِهَا) أَيْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ بِأَفْضَلَ مِمَّا نَذَرَ الْإِتْيَانَ إلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ الشَّارِحُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْتِيَ مِنْ الْفَاضِلِ إلَى الْمَفْضُولِ كَقَوْلِهِمْ فِي نَاذِرِ الصَّلَاةِ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُنْذَرْ الْعُكُوفَ بِأَحَدِهَا بِأَنْ نَذَرَ بِسَاحِلٍ أَوْ مَسْجِدِ غَيْرِهَا أَوْ نَذَرَ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً بِمَسْجِدِ غَيْرِهَا (فَ) يَفْعَلُهُ (بِمَوْضِعِهِ) الَّذِي هُوَ فِيهِ إنْ بَعُدَ مَا نَذَرَ الْفِعْلَ فِيهِ، فَإِنْ قَرُبَ جِدًّا فَهَلْ كَذَلِكَ أَوْ يَذْهَبُ لَهُ وَيَفْعَلُ الْمَنْذُورَ بِهِ قَوْلَانِ: ابْنُ يُونُسَ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا بِسَاحِلٍ فَلْيَعْتَكِفْ بِمَوْضِعِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْجِهَادِ وَالِاعْتِكَافُ يَمْنَعُهُ فَهُوَ بِمَوْضِعِهِ أَفْضَلُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ اعْتِكَافًا بِأَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَزِمَهُ الذَّهَابُ إلَيْهِ كَسَاحِلٍ فِي نَذْرِ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ لَا اعْتِكَافٍ فَبِمَوْضِعِهِ كَنَذْرِهِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ إنْ بَعُدَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ.
(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (أَكْلُهُ) أَيْ الْمُعْتَكِفِ (خَارِجَ الْمَسْجِدِ) بِفِنَائِهِ أَوْ رَحْبَتِهِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ وَإِلَّا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ.
وَأَمَّا رَحْبَتُهُ الَّتِي هِيَ صَحْنُهُ وَمَا كَانَ دَاخِلًا فِيهِ فَلَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ بِهِ فَفِيهَا وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَرِحَابِهِ.
وَكُرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ فَيَأْكُلَ بَيْنَ يَدَيْ بَابِهِ وَظَاهِرُهُ كَالْمُصَنِّفِ.
وَلَوْ خَفَّ الْأَكْلُ وَقَرُبَ الْخَارِجُ جِدًّا وَعَدَمُ كَرَاهَةِ الشُّرْبِ.
(وَ) كُرِهَ (اعْتِكَافُهُ غَيْرُ مَكْفِيٍّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ وَشَدُّ الْمُثَنَّاةِ اسْمُ مَفْعُولِ كَفَى أَصْلُهُ بِوَزْنِ مَفْعُولٍ، فَأُبْدِلَتْ وَاوُهُ يَاءً لِاجْتِمَاعِهَا سَاكِنَةً مَعَ يَاءٍ وَأُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ وَأُبْدِلَتْ الضَّمَّةُ كَسْرَةً أَيْ: لَيْسَ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ أَوْ مَجَّانًا وَفِيهَا مَا لَمْ يَجِدْ كَافِيًا وَلَهُ الْخُرُوجُ لِشِرَاءِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَقِفُ مَعَ أَحَدٍ لِحَدِيثٍ وَلَا لِقَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ اقْتِضَائِهِ وَلَا بِمُكْثٍ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ زَمَنًا
وَدُخُولُهُ مَنْزِلَهُ وَإِنْ لِغَائِطٍ، وَاشْتِغَالُهُ بِعِلْمٍ وَكِتَابَتُهُ وَإِنْ مُصْحَفًا إنْ كَثُرَ
[منح الجليل]
؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ عَمَلِ الِاعْتِكَافِ وَحُرْمَتُهُ كَالصَّلَاةِ عِنْدَ خُرُوجِ رَاعِفٍ فِيهَا لِغَسْلِ دَمِهِ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُنْدَبُ شِرَاؤُهُ مِنْ أَقْرَبِ الْأَسْوَاقِ إلَى الْمَسْجِدِ.
(وَ) كُرِهَ (دُخُولُهُ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (مَنْزِلَهُ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ الَّذِي بِهِ زَوْجَتُهُ أَوْ سُرِّيَّتُهُ الْقَرِيبُ إنْ دَخَلَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ بَلْ (وَإِنْ) دَخَلَهُ (لِغَائِطٍ) فَإِنْ بَعُدَ مُنِعَ دُخُولُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَهْلُهُ فَلَا يُكْرَهُ كَدُخُولِهِ أَسْفَلَهُ وَأَهْلَهُ أَعْلَاهُ.
وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ مَجِيءِ زَوْجَتِهِ إلَيْهِ وَأَكْلِهَا مَعَهُ وَحَدِيثِهَا لَهُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُمَا فِي الْمَنْزِلِ (وَ) كُرِهَ (اشْتِغَالُهُ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (بِ) تَعَلُّمِ (عِلْمٍ) أَوْ تَعْلِيمِهِ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ.
فَإِنْ قِيلَ وَرَدَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّفْلِ فَلِمَ كُرِهَ هُنَا.
قُلْت حِكْمَةُ الِاعْتِكَافِ رِيَاضَةُ النَّفْسِ وَتَصْفِيَتُهَا مِنْ صِفَاتِهَا الْمَذْمُومَةِ وَهِيَ لَا تَحْصُلُ بِالْعِلْمِ.
الْبُنَانِيُّ تَقْيِيدُ الْكَرَاهَةِ بِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْعِلْمِ خِلَافُ ظَاهِرِ إطْلَاقِهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا.
شَيْخُ مَشَايِخِنَا الدُّسُوقِيُّ قَدْ يُقَالُ الْعَيْنِيُّ لَا تَرْخِيصَ فِي تَرْكِهِ فَلَا تَصِحُّ كَرَاهَتُهُ فَالنَّصُّ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِغَيْرِهِ.
(وَ) كُرِهَ (كِتَابَتُهُ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ يَنْبَغِي مَا لَمْ تَكُنْ لِقُوَّتِهِ إنْ كَتَبَ غَيْرَ مُصْحَفٍ بَلْ (وَإِنْ) كَتَبَ (مُصْحَفًا) الْمَوَّاقُ لَمْ أَجِدْهُ مَنْصُوصًا (إنْ كَثُرَ) أَيْ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ وَالْكِتَابَةِ فَإِنْ قَلَّ فَلَا يُكْرَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مِنْ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَخْتَصُّ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ.
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ وَهْبٍ الْمُبِيحِ لِلْمُعْتَكِفِ جَمِيعَ أَعْمَالِ الْبِرِّ الْمُخْتَصَّةِ بِالْآخِرَةِ فَيَجُوزُ لَهُ مُدَارَسَةُ الْعِلْمِ وَعِيَادَةُ الْمَرْضَى الَّذِينَ مَعَهُ فِي مُعْتَكَفِهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ إذَا انْتَهَى إلَيْهِ زِحَامُ النَّاسِ.
وَيَجُوزُ لَهُ كَتْبُ الْمَصَاحِفِ لِلثَّوَابِ لَا لِيَتَمَوَّنَهَا وَلَا عَلَى أُجْرَةٍ يَأْخُذُهَا بَلْ لِيَقْرَأَ
وَفِعْلُ غَيْرِ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ: كَعِيَادَةٍ وَجِنَازَةٍ، وَلَوْ لَاصَقَتْ وَصُعُودُهُ لِتَأْذِينٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ، وَتَرَتُّبُهُ لِلْإِمَامَةِ
[منح الجليل]
فِيهَا وَيَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ احْتَاجَ إلَيْهَا انْتَهَى.
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَتْبَ الْمُصْحَفِ لَا يُبَاحُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَ) كُرِهَ (فِعْلُ غَيْرِ ذِكْرٍ) مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ وَدُعَاءٍ وَتَفَكُّرٍ فِي آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهَذِهِ عِبَادَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (وَ) غَيْرِ (صَلَاةٍ) وَفِي مَعْنَاهَا الطَّوَافُ وَدُخُولُ الْكَعْبَةِ.
(وَ) غَيْرِ (تِلَاوَةٍ) لِلْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَحُكْمُهُ بِكَرَاهَةِ فِعْلِ غَيْرِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهَا لَيْسَ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ إذْ لَوْ وَجَبَ لَحَرُمَ فِعْلُ غَيْرِهَا وَقَدْ حَكَمَ بِكَرَاهَتِهِ، وَلَوْ أُبِيحَ لَأُبِيحَ فِعْلُ غَيْرِهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّدْبُ فَقَوْلُ تت لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَيْنُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفْيُ الْكَرَاهَةِ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ قَالَهُ عج.
عبق قَوْلُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّدْبُ قَدْ تَمْنَعُ الْمُلَازَمَةَ بِأَنْ يُقَالَ اللَّازِمُ أَنْ لَوْ جَازَ فِعْلُهَا جَوَازُ تَرْكِهَا وَهُوَ صَادِقٌ بِكَوْنِهِ خِلَافَ الْأَوْلَى، فَلَا يَثْبُتُ نَدْبُ الثَّلَاثَةِ كَمَا قَالَ تت.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لَوْ جَازَ فِعْلُهَا لَجَازَ مُقَابِلُهُ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ قَدْ قَالَ: يَجُوزُ فِعْلُهَا وَالْكَفُّ عَنْهَا وَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ فِعْلِ غَيْرِهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَنْفِيَ الْجَوَازَ فِيهَا لِمَا عَلِمَ أَنَّ الذِّكْرَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ.
وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَعِيَادَةٍ) بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ أَيْ: زِيَارَةٍ لِمَرِيضٍ بِالْمَسْجِدِ بَعِيدٍ عَنْهُ كَانَ خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِدِ مَنَعَتْ وَأَبْطَلَتْ الِاعْتِكَافَ، وَإِنْ قَرُبَ مِنْهُ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ جَازَتْ (وَ) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ جَارًا أَوْ صَالِحًا فَيَخُصُّ مَا سَبَقَ بِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ إنْ بَعُدَتْ بَلْ (وَلَوْ لَاصَقَتْ) الْجِنَازَةُ الْمُعْتَكِفَ بِأَنْ وُضِعَتْ بِقُرْبِهِ أَوْ انْتَهَى زِحَامُهَا إلَيْهِ.
(وَصُعُودُهُ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (لِتَأْذِينٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ) لِلْمَسْجِدِ وَمَفْهُومُهُ جَوَازُ تَأْذِينِهِ بِمَكَانِهِ أَوْ صَحْنِ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ يَرْصُدُ الْأَوْقَاتَ وَإِلَّا كُرِهَ.
ابْنُ عَرَفَةَ عِيَاضٌ إنْ كَانَ يَرْصُدُ الْأَوْقَاتَ أَوْ يُؤَذِّنُ بِغَيْرِ مُعْتَكَفِهِ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ فَيَخْرُجُ إلَى بَابِهِ كُرِهَ وَإِلَّا فَظَاهِرُهَا جَوَازُهُ وَنَحْوُهُ لِلتَّوْضِيحِ عَنْ اللَّخْمِيِّ (وَتَرَتُّبُهُ لِلْإِقَامَةِ) وَكَذَا تُكْرَهُ
وَإِخْرَاجُهُ لِحُكُومَةٍ إنْ لَمْ يَلَدَّ بِهِ، وَجَازَ: إقْرَاءُ قُرْآنٍ،
[منح الجليل]
إنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ لَهَا الْمُشْبِهُ لِلْإِمَامِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَذَانَهُ بِصَحْنِ الْمَسْجِدِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِلْإِمَامَةِ بِمُعَيَّنٍ بَدَلَ الْإِقَامَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ الْمَشْهُورُ جَوَازُهُ قَالَهُ ابْنُ نَاجِي بَلْ نَدَبَهَا.
(وَ) كُرِهَ (إخْرَاجُهُ) أَيْ الْمُعْتَكِفِ مِنْ الْمَسْجِدِ (لِحُكُومَةٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ (إنْ لَمْ يَلَدَّ) الْمُعْتَكِفُ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ لَدَّ وَبِضَمِّهَا مِنْ أَلَدَّ أَيْ لَمْ يَقْصِدْ الْفِرَارَ مِنْ الْحَقِّ (بِهِ) أَيْ: الِاعْتِكَافِ وَبَقِيَ مِنْ اعْتِكَافِ زَمَنٍ يَسِيرٍ لَا يَحْصُلُ لِخَصْمِهِ ضَرَرٌ بِصَبْرِهِ إلَى انْتِهَائِهِ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ إخْرَاجُهُ لَهَا وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ أَلَدَّ بِهِ فَلَا يُكْرَهُ إخْرَاجُهُ إلَّا أَنْ يَبْقَى زَمَنٌ يَسِيرٌ فَيُكْرَهُ إخْرَاجُهُ لَهَا إنْ لَمْ يَخْشَ هُرُوبَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِحَمِيلٍ، فَكُلٌّ مِنْ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ مُقَيَّدٌ لَكِنَّ الْمَنْطُوقَ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الطُّولِ، وَالْمَفْهُومُ مُقَيَّدٌ بِالطُّولِ فِيهَا إنْ خَرَجَ يَطْلُبُ حَدًّا لَهُ أَوْ دَيْنًا أَوْ أَخْرَجَ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ دَيْنٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إنْ أَخْرَجَهُ قَاضٍ لِخُصُومَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَارِهًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ اعْتِكَافَهُ وَإِنْ بَنَى أَجْزَأَهُ انْتَهَى.
طفي ظَاهِرُ إطْلَاقِهَا أَلَدَّ بِاعْتِكَافِهِ أَوْ لَا.
وَقَالَ الْقَلْشَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ إنْ أَخْرَجَ كُرْهًا، وَكَانَ اعْتِكَافُهُ هَرَبًا مِنْ الْحَقِّ فَخُرُوجُهُ يُبْطِلُ اعْتِكَافَهُ اتِّفَاقًا وَنَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ فَيُقَيَّدُ كَلَامُهَا بِهَذَا.
(وَجَازَ) لِلْمُعْتَكِفِ (إقْرَاءُ قُرْآنٍ) أَيْ: إسْمَاعُهُ لِغَيْرِهِ أَوْ سَمَاعُهُ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ هَذَا مَا فِي الْحَطّ عَنْ سَنَدٍ.
وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ كَلَامَ الْجَلَّابِ لِاقْتِصَارِهِ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ كَابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ غَازِيٍّ وَالْمَوَّاقِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، لَكِنْ قَيَّدَهُ شَارِحُهُ
وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ وَتَطَيُّبُهُ، وَأَنْ يَنْكِحَ وَيُنْكِحَ بِمَجْلِسِهِ، وَأَخْذُهُ إذَا خَرَجَ لِكَغُسْلِ جُمُعَةٍ ظُفْرًا، أَوْ شَارِبًا،
[منح الجليل]
الشَّارْمَسَاحِيُّ وَنَصَّهُ وَأَمَّا إقْرَاءُ الْقُرْآنِ فَيَجُوزُ وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِلتَّعْلِيمِ فَيُمْنَعُ كَثِيرُهُ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ كَلَامِ سَنَدٍ وَالْجَلَّابِ.
(وَ) جَازَ (سَلَامُهُ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (عَلَى مَنْ) كَانَ (بِقُرْبِهِ) صَحِيحٌ أَوْ مَرِيضٌ بِدُونِ انْتِقَالٍ وَلَا قِيَامٍ مِنْ مَجْلِسِهِ وَإِلَّا كُرِهَ أَيْ سُؤَالُهُ عَنْ حَالِهِ لَا مُجَرَّدُ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ لِدُخُولِهِ فِي الذِّكْرِ (وَ) جَازَ (تَطَيُّبُهُ) أَيْ الْمُعْتَكِفِ نَهَارًا وَأَوْلَى لَيْلًا لِبُعْدِهِ مِنْ النِّسَاءِ وَمَانِعِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَإِنْ كُرِهَ لِلصَّائِمِ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ نَهَارًا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ حَمْدِيسٌ يُكْرَهُ تَطَيُّبُ الْمُعْتَكِفِ.
(وَ) جَازَ (أَنْ يَنْكِحَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ: يَتَزَوَّجَ الْمُعْتَكِفُ (وَيُنْكِحَ) بِضَمِّهَا أَيْ: يُزَوِّجَ الْمُعْتَكِفُ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ بِقَرَابَةٍ أَوْ مِلْكٍ أَوْ إيصَاءٍ أَوْ تَقْوِيمٍ أَوْ تَوْكِيلٍ وَتَنَازُعٍ يَنْكِحُ وَيُنْكِحُ فِي قَوْلِهِ (بِمَجْلِسِهِ) أَيْ الْمُعْتَكِفِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ وَإِلَّا كُرِهَ مَا دَامَ بِالْمَسْجِدِ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحْرِمِ بِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُهُ لَهُمَا، وَخَرَجَ الْمُحْرِمُ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَبَقِيَ لِمُعْتَكِفٍ عَلَى الْأَصْلِ وَبِأَنَّ الْمُحْرِمَ بَعِيدٌ عَنْ أَهْلِهِ بِالسَّفَرِ غَالِبًا وَفَسَادُ إحْرَامِهِ أَشَدُّ مِنْ فَسَادِ الِاعْتِكَافِ، وَلَا مَانِعَ لَهُ مِنْ الْوَطْءِ بِخِلَافِ الْمُعْتَكِفِ (وَأَخْذُهُ) أَيْ: قَصُّ وَإِزَالَةُ الْمُعْتَكِفِ (إذَا خَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ (لِكَغُسْلِ جُمُعَةٍ) أَوْ عَبْدٍ أَوْ لِحُرٍّ أَصَابَهُ أَوْ جِنَايَةٌ وَيَجِبُ خُرُوجُهُ لَهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَيَمَّمَ وَمَكَثَ وَمَفْعُولُ أَخَذَهُ (ظُفْرًا أَوْ شَارِبًا) أَوْ إبْطًا أَوْ عَانَةً.
وَيُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ جُمُعَةً فِي ثَوْبٍ كَاسْتِيَاكِهِ بِهِ وَتَحْرُمُ حِجَامَتُهُ وَفَصَادَتُهُ بِهِ كَبَوْلِهِ وَتَغَوُّطِهِ بِهِ فَإِنْ اضْطَرَّ لِشَيْءٍ مِنْهَا خَرَجَ لَهُ فَإِنْ فَعَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَمَنْ أَبْطَلَ الِاعْتِكَافَ بِكُلِّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَبْطَلَهُ هُنَا، وَمَنْ خَصَّ الْإِبْطَالَ بِالْكَبِيرَةِ فَلَا قَالَهُ سَنَدٌ.
وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ إذَا خَرَجَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِمُجَرَّدِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَ يَدَهُ أَوْ رَأْسَهُ لِمَنْ هُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ لِيَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا يَخْرُجُ لِلْحَمَّامِ إذَا احْتَلَمَ إلَّا أَنْ لَا يَسْتَطِيعَ الْمَاءَ الْبَارِدَ وَلَا يُمْكِنَهُ الطُّهْرُ فِي بَيْتِهِ فَلْيَذْهَبْ إلَيْهِ وَأَفْهَمَ عَدَمَ جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ إذَا خَرَجَ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ
وَانْتِظَارُ غَسْلِ ثَوْبِهِ أَوْ تَجْفِيفِهِ.
وَنُدِبَ إعْدَادُ ثَوْبٍ، وَمُكْثُهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ، وَدُخُولُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ.
[منح الجليل]
أَبُو الْحَسَنِ لِطُولِ زَمَنِهِ، فَيَجُوزُ إخْرَاجُ رَأْسِهِ لِمَنْ يَحْلِقُهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ «لِتَرْجِيلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - رَأْسَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ» وَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ إخْرَاجِ الْعُضْوِ الْمَقْصُودِ أَوْ الْمَحْجُومِ حَيْثُ لَمْ يَضْطَرَّ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ تَلْوِيثِ الدَّمِ الْمَسْجِدَ قَالَهُ عج.
(وَ) جَازَ (انْتِظَارُ غَسْلِ ثَوْبِهِ) عِنْدَ مَنْ يَغْسِلُهُ لَهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ (وَ) انْتِظَارُ (تَجْفِيفِهِ) أَيْ: الثَّوْبِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبٌ غَيْرَهُ وَلَمْ يَجِدْ نَائِبًا عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَالَهُ سَنَدٌ وَإِلَّا كُرِهَ كَمَا فِيهَا فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِحَمْلِ مَا فِيهَا عَلَى مَنْ لَهُ غَيْرُهُ، وَكَذَا غَسْلُهُ بِنَفْسِهِ وَتَجْفِيفُهُ.
(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ لِلْمُعْتَكِفِ (إعْدَادُ ثَوْبٍ) آخَرَ غَيْرِ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ يَلْبَسُهُ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ مِنْ احْتِلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ إعْدَادَ ثَوْبٍ لِلِاعْتِكَافِ كَثَوْبِ صَلَاةٍ نَحْوِ الْمُرْضَعِ فِيهَا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِدَّ ثَوْبًا آخَرَ يَأْخُذُهُ إذَا أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ انْتَهَى.
(وَ) نُدِبَ (مُكْثُهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: إقَامَةُ الْمُعْتَكِفِ فِي الْمَسْجِدِ (لَيْلَةَ الْعِيدِ) إنْ كَانَتْ عَقِبَ اعْتِكَافِهِ.
فَإِنْ كَانَتْ أَثْنَاءَهُ فَظَاهِرُهَا وُجُوبُهُ وَيُحْتَمَلُ نَدْبُهُ أَيْضًا لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِ صَبِيحَتِهَا، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ أَنَّهُ إنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ أَوْ الْوُسْطَى مِنْ رَمَضَانَ مَثَلًا فَلَا يُنْدَبُ لَهُ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِي اعْتِكَافَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَيَخْرُجُ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، آخِرَ يَوْمٍ إنْ شَاءَ.
وَشَمِلَ الْعِيدُ الْفِطْرَ وَالْأَضْحَى، وَهُوَ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِمُضِيِّهِ مِنْ الْمُعْتَكَفِ لِلْمُصَلَّى مُتَزَيِّنًا بِالثِّيَابِ الَّتِي تَأْتِيهِ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَذْهَبُ مِنْ الْمُصَلَّى لِأَهْلِهِ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ قَصْرُ النَّدْبِ عَلَى عِيدِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ يَعْتَكِفْ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ.
(وَ) نُدِبَ (دُخُولُهُ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ الْمَسْجِدَ الَّذِي أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِيهِ (قَبْلَ الْغُرُوبِ) لِلَّيْلَةِ الَّتِي أَرَادَ ابْتِدَاءَ اعْتِكَافِهِ مِنْهَا إذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ مَنْوِيًّا وَلَوْ يَوْمًا فَقَطْ أَوْ لَيْلَةً فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ مَنْذُورًا وَجَبَ دُخُولُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ مَعَهُ أَوْ عَقِبَهُ لِلُزُومِ اعْتِكَافِهِ اللَّيْلَ كُلَّهُ قَالَهُ جَدّ عج وَتَبِعَهُ أَحْمَدُ.
وَصَحَّ إنْ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَاعْتِكَافُ عَشْرَةٍ،
[منح الجليل]
وَصَحَّ) الِاعْتِكَافُ (إنْ دَخَلَ) الْمُعْتَكِفُ الْمَسْجِدَ (قَبْلَ الْفَجْرِ) مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي ابْتَدَأَ اعْتِكَافَهُ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَ اعْتِكَافُهُ مَنْوِيًّا أَوْ مَنْذُورًا مَعَ مُخَالَفَةِ الْمَنْدُوبِ فِي الْأَوَّلِ وَالْوَاجِبِ فِي الثَّانِي.
ابْنُ الْحَاجِبِ مَنْ دَخَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ اعْتَدَّ بِيَوْمِهِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ لَا يَعْتَدُّ بِهِ وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ: التَّوْضِيحُ اخْتَلَفَ إذَا دَخَلَ بَيْنَهُمَا وَالْمَشْهُورُ الِاعْتِدَادُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَعْتَدُّ، وَحَمَلَ قَوْلَهُ سَحْنُونٌ عَلَى التَّطَوُّعِ وَالْمَشْهُورُ عَلَى الْمَنْذُورِ.
ابْنُ رُشْدٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافُ ابْنِ هَارُونَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ دَخَلَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ فِيمَنْ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ انْتَهَى.
وَفِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَكْسُ الْحَمْلِ الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ ابْنُ رُشْدٍ وَحَمْلُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ وَالْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْخِلَافِ أَظْهَرُ مِنْ حَمْلِ بَعْضِهِمْ الْأَوَّلَ عَلَى النَّذْرِ وَالثَّانِيَ عَلَى النَّفْلِ انْتَهَى.
فَمَا فِي التَّوْضِيحِ سَبْقُ قَلَمٍ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ ابْنُ فَرْحُونٍ قَالَهُ طفي، فَالصَّوَابُ إبْقَاءُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى إطْلَاقِهِ لِاسْتِظْهَارِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ خِلَافًا.
وَقَوْلِ التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورِ الِاعْتِدَادُ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمَعُونَةِ، وَرِوَايَةُ الْمَبْسُوطِ وَهُوَ عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَا يَلْزَمُهُ لَيْلَةٌ لَكِنَّهُ خِلَافُ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ لُزُومِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَلَيْهِ مِنْ الدُّخُولِ قَبْلَ الْغَرْبِ كَمَا صَرَّحْت بِهِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.
وَدَرَجَ هُنَا عَلَى الصِّحَّةِ لِقَوْلِ التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ إعَادَتَهُ اتِّبَاعُ الْمَشْهُورِ حَيْثُ وَجَدَهُ وَلَمْ يَتَنَبَّهْ إلَى أَنَّهُ خِلَافُ مَا قَدَّمَهُ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ طفي.
(وَ) نُدِبَ (اعْتِكَافُ عَشْرَةٍ) مِنْ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْقُصْ عَنْهَا وَهُوَ أَوَّلُ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَنِهَايَتُهُ شَهْرٌ، وَيُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَيْهِ كَمَا نَقَصَ عَنْ الْعَشَرَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كَوْنِ أَقَلِّ مُسْتَحَبِّهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ عَشْرَةً قَوْلَا ابْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِ.
ابْنُ حَبِيبٍ وَأَعْلَاهُ عَشْرَةٌ ابْنُ رُشْدٍ وَعَلَى أَنَّهَا أَيْ: الْعَشَرَةَ أَقَلُّهُ أَكْثَرُهُ شَهْرٌ.
وَيُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ مَا دُونَ الْعَشْرِ كَرِهَهُ فِيهَا.
وَقَالَ فِي غَيْرِهَا لَا بَأْسَ بِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي أَقَلِّ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الِاعْتِكَافُ فَقِيلَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَقِيلَ يَوْمٌ فَقَطْ.
وَبِآخِرِ الْمَسْجِدِ وَبِرَمَضَانَ، وَبِالْعَشْرِ الْأَخِيرِ لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ الْغَالِبَةِ بِهِ، وَفِي كَوْنِهَا بِالْعَامِ أَوْ بِرَمَضَانَ
[منح الجليل]
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي أَقَلِّهِ كَمَالًا بِحَيْثُ يُكْرَهُ نَقْصٌ عَنْهُ أَوْ يُخَالِفُ الْأَوْلَى فَقِيلَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ كَمَالًا بِحَيْثُ يُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَيْهِ عَشْرَةٌ.
وَقِيلَ: أَقَلُّهُ كَمَالًا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْمَلُهُ عَشْرَةٌ.
وَقِيلَ أَقَلُّهُ كَمَالًا بِحَيْثُ يُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَيْهِ عَشْرَةٌ.
وَقِيلَ أَقَلُّهُ كَمَالًا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْمَلُهُ عَشْرَةٌ.
وَقِيلَ أَقَلُّهُ كَمَالًا عَشْرَةٌ وَأَكْثَرُهُ شَهْرٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ.
فَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا وَدَخَلَ فِيهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ قَدْرَهُ لَزِمَهُ أَقَلُّ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَيَوْمٌ فَقَطْ عَلَى مُقَابِلِهِ وَمَنْ نَذَرَ أَقَلَّهُ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ أَقَلُّهُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ.
(وَ) نُدِبَ كَوْنُ الِاعْتِكَافِ (بِآخِرِ الْمَسْجِدِ) لِقِلَّةِ النَّاسِ بِهِ فَإِنْ كَثُرَ النَّاسُ بِهِ وَقَلُّوا بِصَدْرِهِ نُدِبَ بِصَدْرِهِ، وَأَجَازَ فِيهَا ضَرْبُ خِبَاءٍ لِلْمُعْتَكِفِ فِي رِحَابِهِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ الَّتِي يَعْتَكِفُ فِيهَا أَيْ: لَا لِغَيْرِ مُعْتَكِفٍ وَلَا لَهُ دَاخِلًا عَنْ رِحَابِهِ (وَ) نُدِبَ الِاعْتِكَافُ (بِرَمَضَانَ) لِكَوْنِهِ سَيِّدَ الشُّهُورِ (وَ) تَأَكَّدَ (بِالْعَشْرِ الْأَخِيرِ) مِنْهُ رَجَاءَ مُصَادَفَةٍ (لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ الْغَالِبَةِ) الْوُجُودِ (بِهِ) أَيْ: الْعَشْرِ الْأَخِيرِ وَلِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى اعْتِكَافِهِ لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَدْ جَاءَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ إنَّ الَّذِي تُرِيدُ أَوْ تَطْلُبُ أَمَامَك فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: إنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَك فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» .
(وَفِي كَوْنِهَا) أَيْ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ (دَائِرَةً بِ) لَيَالِي (الْعَامِ) كُلِّهِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَصَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ (أَوْ) دَائِرَةً (بِ) لَيَالِي (رَمَضَانَ) كُلِّهِ خَاصَّةً وَشَهَّرَهُ ابْنُ غَلَّابٍ وَشَهَرَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، وَقَالَ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِنَّهَا تَدُورُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ صَحِيحَةٌ،
خِلَافٌ، وَانْتَقَلَتْ،
[منح الجليل]
وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا إلَّا عَلَى ذَلِكَ (خِلَافٌ) فِي التَّشْهِيرِ (وَانْتَقَلَتْ) فِي لَيَالِي الْعَامِ عَلَى الْأَوَّلِ وَفِي لَيَالِي رَمَضَانَ كُلِّهِ عَلَى الثَّانِي.
وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا فَانْظُرْهُ.
وَالْمُرَادُ بِكَسَابِعَةٍ مَا بَقِيَ،
[منح الجليل]
وَالْمُرَادُ بِكَسَابِعَةٍ) أُدْخِلَتْ الْكَافُ الْخَامِسَةُ وَالتَّاسِعَةُ فِي حَدِيثِ الْتَمِسُوهَا أَيْ: لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي التَّاسِعَةِ أَوْ السَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ وَخَبَرُ الْمُرَادِ (مَا) أَيْ: الْعَدَدُ الَّذِي (بَقِيَ) مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ لَا مَا مَضَى مِنْهُ، بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي فِيهِ لِتَاسِعَةٍ تَبْقَى وَلِسَابِعَةٍ تَبْقَى وَلِخَامِسَةٍ تَبْقَى، فَحَمَلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْحَدِيثَ الَّذِي أَطْلَقَ فِيهِ التَّاسِعَةَ وَالسَّابِعَةَ وَالْخَامِسَةَ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي قَيَّدَهَا فِيهِ بِاَلَّتِي تَبْقَى.
وَخَيْرُ مَا فَسَّرْته بِالْوَارِدِ.
وَلَوْ قَالَ بِكَالسَّابِعَةِ بِالتَّعْرِيفِ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا وَقَعَ فِيمَا فِيهِ التَّعْرِيفُ وَالْمُفَسِّرُ لَهُ مَا لَا تَعْرِيفَ فِيهِ.
وَهَلْ يُعْتَبَرُ الشَّهْرُ نَاقِصًا وَهُوَ مَا عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ كَوْنُهُ مِنْهُ وَلِمُوَافَقَتِهِ لِخَبَرِ طَلَبِ الْتِمَاسِهَا فِي الْأَفْرَادِ أَوْ كَامِلًا وَعَلَيْهِ الشَّاذِلِيُّ عَلَى الرِّسَالَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ الرَّاجِحُ وَعَلَيْهِ الْأَنْصَارُ؛ إذْ قَالُوا مَعْنَى قَوْلِهِ اُطْلُبُوهَا فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى هِيَ لَيْلَةُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنْكُمْ أَيْ: فَتَكُونُ فِي الْأَشْفَاعِ،؛ لِأَنَّهُ إذَا اعْتَبَرَ الشَّهْرَ مِنْ آخِرِهِ كَانَتْ أَشْفَاعُهُ أَوْتَارًا وَأَوْتَارُهُ أَشْفَاعًا انْتَهَى.
عب الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ كَوْنُهُ نَاقِصًا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ إذْ قَالَ: أَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ التَّاسِعَةَ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ.
فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ مَالِكٍ يَأْتِي عَلَى أَنَّ الشَّهْرَ نَاقِصٌ وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْمُحَقَّقَ وَأَلْغَى الْمَشْكُوكَ الثَّعَالِبِيُّ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَاَلَّذِي أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي زَمَنِنَا هَذَا الْعَمَلُ عَلَى لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَهُوَ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَنَصُّهُ عَنْ «أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ قِيلَ لَهُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَالَ أُبَيٌّ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِيَامِهَا هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمٍ بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا» . أَسْنَدَ هَذِهِ الْأَمَارَةَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَبَنَى بِزَوَالِ إغْمَاءٍ، أَوْ جُنُونٍ: كَأَنْ مُنِعَ مِنْ الصَّوْمِ: لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ أَوْ عِيدٍ وَخَرَجَ
[منح الجليل]
وَ) إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مُعَيَّنَةٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَشَرَعَ فِيهِ فَاعْتَذَرَ فِي أَثْنَائِهِ وَزَالَ (بَنَى) الْمُعْتَكِفُ عَلَى مَا اعْتَكَفَهُ قَبْلَ طُرُوءِ الْعُذْرِ بِنَاءً مُتَّصِلًا (بِزَوَالِ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ) أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ شَدِيدٍ لَا يَجُوزُ مَعَهُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ تَكْمِيلُ مَا نَذَرَهُ سَوَاءٌ كَانَ قَضَاءً عَمَّا فَاتَهُ اعْتِكَافُهُ كَمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَنِهِ الْمُعَيَّنِ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَضَاءً كَمَا يُكَمِّلُ بِهِ نَذْرًا مُبْهَمًا.
فَإِنْ حَصَلَتْ هَذِهِ الْأَعْذَارُ فِي التَّطَوُّعِ فَلَا يَقْضِي، وَإِنْ حَصَلَتْ قَبْلَ دُخُولِهِ أَوْ قَارَنَتْهُ بَنَى فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ مِنْ رَمَضَانَ لَا فِي مُعَيَّنٍ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا فِي تَطَوُّعٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَا مَرِضَ فِيهِ مِنْ نَذْرٍ مُبْهَمٍ أَوْ مُعَيَّنٍ مِنْ رَمَضَانَ قَضَاءً وَمِنْ غَيْرِهِ فَفِي قَضَائِهِ ثَالِثُهَا إنْ مَرِضَ بَعْدَ دُخُولِهِ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ إنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ تَطَوُّعًا وَأَفْطَرَ فِيهِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ انْتَهَى، لَكِنْ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَنْوِيِّ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ بَنَى قَالَهُ ابْنُ عَاشِرٍ.
وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْبِنَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ مُنِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْمُعْتَكِفُ (مِنْ الصَّوْمِ) دُونَ الْمَسْجِدِ (لِمَرَضٍ) خَفِيفٍ (أَوْ) زَوَالِ (حَيْضٍ) نَهَارًا (أَوْ) دُخُولِ يَوْمِ (عِيدٍ) أَوْ فِطْرٍ نِسْيَانًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ عَلَى مَا فَعَلَهُ سَابِقًا وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ إذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ خَرَجَ فَإِذَا صَحَّ بَنَى.
ثُمَّ قَالَ فِيهَا وَلَا يَلْبَثُ يَوْمَ الْفِطْرِ فِي مُعْتَكَفِهِ؛ إذْ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ لَا يُصَامُ فَإِذَا مَضَى يَوْمَ الْفِطْرِ عَادَ لِمُعْتَكَفِهِ فَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى انْتَهَى.
وَنَاقَضَ عِيَاضٌ وَالتُّونُسِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَسْأَلَتَيْ الْمَرِيضِ يَصِحُّ وَالْحَائِضُ تَطْهُرُ نَهَارًا فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الرُّجُوعُ عَلَى الْمَشْهُورِ مَعَ تَعَذُّرِ الصَّوْمِ مِنْهُمَا أَيْضًا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي طَهُرَتْ فِيهِ الْحَائِضُ وَصَحَّ فِيهِ الْمَرِيضُ يَصِحُّ صَوْمُهُ لِغَيْرِهِمَا بِخِلَافِ يَوْمِ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ لِأَحَدٍ.
(وَخَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ وُجُوبًا مُعْتَكِفٌ طَرَأَ عَلَيْهِ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الْمَسْجِدِ وَالصَّوْمِ كَحَيْضٍ
وَعَلَيْهِ حُرْمَتُهُ وَإِنْ أَخَّرَهُ: بَطَلَ، إلَّا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ،
[منح الجليل]
وَمَرَضٍ شَدِيدٍ أَوْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَطْ كَسَلَسٍ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُعْتَكِفِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِمَانِعٍ مِنْهُ سَوَاءٌ مَنَعَ الصَّوْمَ أَيْضًا أَمْ لَا (حُرْمَتُهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافِ فَلَا يَفْعَلُ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ، فَإِنْ زَالَ عُذْرُهُ رَجَعَ فَوْرًا لِلْبِنَاءِ.
(وَإِنْ أَخَّرَهُ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ: الرُّجُوعَ وَلَوْ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا (بَطَلَ) اعْتِكَافُهُ وَاسْتَأْنَفَهُ وُجُوبًا (إلَّا) تَأْخِيرُهُ الرُّجُوعَ (لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ) فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ بِخِلَافِ يَوْمِ الصِّحَّةِ مِنْ الْمَرَضِ وَالطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضِ فَتَأْخِيرُ الرُّجُوعِ فِيهِ يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ لِصِحَّةِ صَوْمِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَمَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ مَانِعٌ مِنْ الصَّوْمِ دُونَ الْمَسْجِدِ فِيهِ قَوْلَانِ، رَوَى فِي الْمَجْمُوعَةِ يَخْرُجُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ لَا يَخْرُجُ حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمَا.
فِي التَّوْضِيحِ وَالْخُرُوجُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لَهَا أَيْضًا.
وَلَفْظُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ طَرَأَ مَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ فَقَطْ دُونَ الْمَسْجِدِ كَالْمَرِيضِ إنْ قَدَرَ وَالْحَائِضُ تَخْرُجُ ثُمَّ تَطْهُرُ، فَفِي لُزُومِ الْمَسْجِدِ ثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ يَخْرُجَانِ فَإِذَا صَحَّ وَطَهُرَتْ رَجَعَا تِلْكَ السَّاعَةَ وَإِلَّا ابْتِدَاءً.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا مُشْكِلُ غَايَةٍ لِإِيهَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي لُزُومِ الْحَائِضِ الْمَسْجِدَ كَالْمَرِيضِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي لُزُومِ الْمَرِيضِ الْمَسْجِدَ وَعَوْدِ الْحَائِضِ لِلْمَسْجِدِ لَا لُزُومِهَا لَهُ وَإِطْلَاقُ اللُّزُومِ عَلَى الْعَوْدِ مَجَازٌ بَعِيدٌ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ.
وَمَجَازُهُ وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِنَفْيِ الْبُعْدِ وَلُزُومِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهَا لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُعْتَكِفِ عَلَيْهَا وَهِيَ خَارِجَةٌ مُلَازِمَةٌ لَهُ حُكْمًا وَبِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ وُضُوحُ تَصَوُّرِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ ارْتِكَابِ مَا ذُكِرَ وَلَا يَتَّضِحُ فَإِنَّ الثَّالِثَ هُوَ الْأَوَّلُ.
وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِاعْتِبَارِ تَعْمِيمِ قَوْلِهِ مَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ فَقَطْ فِي خَفِيفِ الْمَرَضِ ابْتِدَاءً وَمَا خَفَّ بَعْدَ شِدَّتِهِ وَمَنْعِهِ لِمَسْجِدٍ، وَتَقْرِيرُهَا الْأَوَّلَ بَقَاءُ ذِي الْخَفِيفِ ابْتِدَاءً وَرُجُوعُ ذِي الْخَفِيفِ بَعْدَ شِدَّتِهِ وَالْحَائِضُ لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي مَنْعِ مُفَارَقَةِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مَعْنَى
وَإِنْ اشْتَرَطَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لَمْ يُعِدْهُ.
.
[منح الجليل]
اللُّزُومِ.
وَالثَّانِي: خُرُوجُ الْأَوَّلِ وَعَدَمُ رُجُوعِ الْأَخِيرَيْنِ.
الثَّالِثُ: خُرُوجُ الْأَوَّلِ وَرُجُوعُ الْأَخِيرَيْنِ.
(وَإِنْ اشْتَرَطَ) الْمُعْتَكِفُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ أَوْ حَالَهُ (سُقُوطَ الْقَضَاءِ) عَنْهُ إنْ حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ مُبْطِلٌ لِاعْتِكَافِهِ (لَمْ يُعِدْهُ) شَرْطُهُ وَاعْتِكَافُهُ صَحِيحٌ وَيَلْزَمُهُ إتْمَامُهُ وَالْعَمَلُ عَلَى مُقْتَضَى الْمَشْرُوعِ.
وَكَذَا اشْتِرَاطُهُ عَدَمَ الصَّوْمِ أَوْ اعْتِكَافَ النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ أَوْ مُبَاشَرَةَ النِّسَاءِ، فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ وَتَلْزَمُهُ شُرُوطُهُ الشَّرْعِيَّةُ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَلَا شَرْطَ فِي الِاعْتِكَافِ أَيْ: مُخَالِفٌ لِمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ مُنَافِيهِ لَغْوٌ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ لَوْ نَذَرَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا بِدُخُولِهِ فَيَبْطُلُ شَرْطُهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
بَابٌ) فَرْضُ الْحَجِّ، وَسُنَّتْ الْعُمْرَةُ مَرَّةً، وَفِي فَوْرِيَّتِهِ
[منح الجليل]
[بَابٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةُ]
بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَوْ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (الْحَجُّ) أَيْ: الْعِبَادَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى إحْرَامٍ وَحُضُورٍ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَطَوَافٍ بِالْبَيْتِ وَسَعْيٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَيْنًا (وَسُنَّتْ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ النُّونِ مُشَدَّدَةً وَسُكُونِ التَّاءِ مَفْتُوحَةً أَوْ رَفْعِهَا مَرْبُوطَةً (الْعُمْرَةُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، أَيْ: الْعِبَادَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى إحْرَامٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ فَقَطْ عَيْنًا.
فِي النَّوَادِرِ مَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ كَالْوِتْرِ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا.
(مَرَّةً) مَنْصُوبٌ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِلْعُمْرَةِ، وَيُقَدَّرُ مِثْلُهُ لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ مَصْدَرَانِ يَنْحَلَّانِ إلَى أَنْ وَالْفِعْلِ أَيْ: أَنْ يَحُجَّ مَرَّةً وَيَعْتَمِرَ مَرَّةً وَلَيْسَا مَنْصُوبَيْنِ بِفَرْضٍ وَسُنَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْفَرْضَ وَالسُّنَّةَ وَقَعَا مِنْ الشَّارِعِ مَرَّةً وَلَيْسَ بِمُرَادٍ أَوْ تَمْيِيزٍ مُحَوَّلٍ عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ أَوْ مَرْفُوعِ خَبَرٍ عَنْ فَرْضٍ وَسُنَّةٍ عَلَى الضَّبْطِ.
الثَّانِي مَصْدَرَانِ مُبْتَدَآنِ مُؤَوَّلَانِ بِاسْمِ مَفْعُولٍ، أَيْ: الْمَفْرُوضُ مِنْ الْحَجِّ مَرَّةً وَالْمَسْنُونُ مِنْ الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَالزَّائِدُ عَلَيْهَا مِنْهُمَا مَنْدُوبٌ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ إقَامَةَ الْمَوْسِمِ لِيَقَعَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الْحَجِّ وَسُنَّةُ كِفَايَةٍ فِي الْعُمْرَةِ.
(وَفِي فَوْرِيَّتِهِ) يَاؤُهُ لِلْمَصْدَرِيَّةِ أَيْ: كَوْنُ الْحَجِّ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ فِي أَوَّلِ عَامٍ مِنْ أَعْوَامِ الْقُدْرَةِ.
فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ أَثِمَ وَلَوْ لَمْ يَخَفْ الْفَوَاتَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ وَالْعِرَاقِيُّونَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَشَهَّرَهُ صَاحِبَا الذَّخِيرَةِ وَالْعُمْدَةِ
وَتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ: خِلَافٌ.
وَصِحَّتُهُمَا بِالْإِسْلَامِ فَيُحْرِمُ وَلِيٌّ
[منح الجليل]
وَابْنُ بَزِيزَةَ.
وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدُ فَهُوَ أَدَاءٌ وَحَكَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ قَضَاءٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى فَوْرِهِ فِي كَوْنِهِ بَعْدَ أَوَّلِ عَامٍ مُسْتَطِيعُهُ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً قَوْلَا ابْنِ الْقَصَّارِ وَغَيْرِهِ.
(وَتَرَاخِيهِ) أَيْ: كَوْنُ الْحَجِّ وَاجِبًا عَلَى التَّرَاخِي (لِ) عَامِ (خَوْفِ الْفَوَاتِ) أَيْ: تَعَذُّرِ الْحَجِّ بِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ فَيَتَّفِقُ عَلَى فَوْرِيَّتِهِ وَيَخْتَلِفُ خَوْفَ الْفَوَاتِ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ قُوَّةً وَضَعْفًا وَشُبُوبِيَّةً وَكُهُولِيَّةً، وَكَثْرَةَ مَرَضٍ وَقِلَّتَهُ، وَأَمْنَ طَرِيقٍ وَخَوْفَهُ، وَوُجُودَ مَالٍ وَعَدَمَهُ، وَقُرْبَ بَلَدٍ وَبُعْدَهُ.
وَلَمْ يُرْوَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ مَسَائِلَ وَلَيْسَ أَخْذُهُ مِنْهَا بِالْقَوِيِّ وَشَهَرَهُ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ.
وَرَأَى الْبَاجِيَّ وَابْنِ رُشْدٍ وَالتِّلْمِسَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمَغَارِبَةِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ.
(خِلَافٌ) فِي التَّشْهِيرِ الْحَطّ سَوَّى الْمُصَنِّفِ هُنَا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَفِي التَّوْضِيحِ الظَّاهِرُ قَوْلُ مَنْ شَهَرَ الْفَوْرِيَّةَ.
وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَيْلٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ضَعَّفَ حُجَّةَ التَّرَاخِي.
وَلِأَنَّ الْفَوْرَ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ وَالتَّرَاخِي لَمْ يُرْوَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ مَسَائِلَ وَلَيْسَ أَخْذُهُ مِنْهَا بِقَوِيٍّ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْفَوْرِ أَرْجَحُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ أَكْثَرَ الْفُرُوعِ الْآتِيَةِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَوْرِ، فَكَانَ يَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ وَعَلَى التَّرَاخِي إنْ أَخَّرَهُ فَاخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ خَوْفِ الْفَوَاتِ فَقَالَ فِي الطِّرَازِ لَا يَأْثَمُ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَأْثَمُ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنَّمَا جَوَّزَ لَهُ التَّأْخِيرَ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ.
وَعَلَى هَذَا ابْنُ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَكَلَامُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ يُفِيدُ دُخُولَ الْخِلَافِ بِالْفَوْرِيَّةِ وَالتَّرَاخِي فِي الْعُمْرَةِ.
(وَصِحَّتُهُمَا) أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَشْرُوطَةٌ (بِالْإِسْلَامِ) فَقَطْ فَلَا يَصِحَّانِ مِنْ كَافِرٍ وَلَوْ صَبِيًّا مُرْتَدًّا (فَيُحْرِمُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ نَدْبًا (وَلِيٌّ) أَيْ: أَبٌ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ مُقَدِّمُ قَاضٍ أَوْ عَاصِبٌ أَوْ أُمٌّ أَوْ كَافِلٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَظَرٌ فِي مَالِهِ نَقَلَهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَقَرَّهُ
عَنْ رَضِيعٍ، وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ، وَمُطْبَقٍ لَا مُغْمًى
[منح الجليل]
عَنْ) شَخْصٍ (رَضِيعٍ) بِأَنْ يَنْوِيَ إدْخَالَهُ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْوَلِيَّ يُحْرِمُ بِأَحَدِهِمَا نِيَابَةً عَنْهُ.
وَمِثْلُ الرَّضِيعِ الْمَفْطُومُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَخَصَّ الرَّضِيعَ بِالذِّكْرِ لِلْخِلَافِ فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ عَنْهُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِالْمُمَيِّزِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي صِحَّتِهِ لِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِلَّخْمِيِّ مَعَ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ يُحَجُّ بِابْنِ أَرْبَعٍ لَا رَضِيعٍ.
(وَجُرِّدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ: الرَّضِيعُ الذَّكَرُ مِنْ الْمُحِيطِ بِبَدَنِهِ وَسَاتِرِ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَالْأُنْثَى مِنْ سَاتِرِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ وَتَنَازَعَ يُحْرِمُ وَجُرِّدَ (قُرْبَ الْحَرَمِ) أَيْ: مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِخَوْفِ الْمَشَقَّةِ وَحُصُولِ الضَّرَرِ بِتَجْرِيدِهِ وَالْإِحْرَامُ عَنْهُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنْ تَحَقَّقَ الْوَلِيُّ أَوْ ظَنَّ تَضَرُّرَهُ بِتَجْرِيدِهِ قُرْبَ مَكَّةَ أَحْرَمَ عَنْهُ بِلَا تَجْرِيدٍ وَافْتَدَى عَنْهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى صِحَّتِهِ أَيْ: إحْرَامِ الْوَلِيِّ عَنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُمَا، أَيْ: الرَّضِيعِ وَالْمَفْطُومِ وَلِيُّهُمَا بِتَجْرِيدِهِمَا نَاوِيهِ.
وَلَا يُلَبِّي عَنْهُمَا وَيُجَرِّدُ الْمُنَاهِزُ مِنْ مِيقَاتِهِ وَمَنْ لَا يَنْتَهِي كَابْنِ ثَمَانِ سِنِينَ قُرْبَ الْحَرَمِ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَتْرُكَ عَلَيْهِ مِثْلَ الْقِلَادَةِ وَالسِّوَارَيْنِ، وَفِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ بِأَصَاغِرِ الذُّكُورِ وَفِي أَرْجُلِهِمْ الْخَلَاخِلُ وَعَلَيْهِمْ الْأَسْوِرَةُ.
(وَ) يُحْرِمُ وَلِيٌّ أَيْضًا عَنْ مَجْنُونٍ (مُطْبَقٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مُتَّصِلٌ جُنُونُهُ لَا يُفِيقُ فِي وَقْتٍ مَا وَلَا يُمَيِّزُ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا الطُّولَ مِنْ الْعَرْضِ، وَمَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَلَا يُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ وَإِنْ مَيَّزَ الْإِنْسَانَ مِنْ الْفَرَسِ أَيْ يَنْوِي وَلِيُّ مَالِهِ أَوْ كَافِلُهُ إدْخَالَهُ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ نَدْبًا بَعْدَ تَجْرِيدِهِ قُرْبَ مَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطْبِقًا بِأَنْ كَانَ مُتَقَطِّعَ الْجُنُونِ يُجَنُّ فِي وَقْتٍ وَيُفِيقُ فِي غَيْرِهِ اُنْتُظِرَتْ إفَاقَتُهُ لِيُحْرِمَ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ حِيَالَ جُنُونِهِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا إذَا خِيفَ فَوَاتُهُ الْحَجَّ.
(لَا) يُحْرِمُ وَلِيٌّ عَنْ شَخْصٍ (مُغْمًى) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ أَيْ: مَسْتُورٍ عَقْلُهُ بِمَرَضٍ وَلَوْ خِيفَ فَوَاتُهُ الْحَجَّ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِفَاقَةِ قَرِيبًا.
وَإِذَا أَفَاقَ فِي زَمَنٍ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ فِيهِ أَحْرَمَ لِنَفْسِهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ لِعُذْرِهِ بِإِغْمَائِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي الْمَجْنُونِ قَوْلَانِ
وَالْمُمَيِّزُ بِإِذْنِهِ، وَإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَا قَضَاءَ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَأَمَرَهُ مَقْدُورَهُ وَإِلَّا نَابَ عَنْهُ؛
[منح الجليل]
لَهَا وَلِتَخْرِيجِ اللَّخْمِيِّ عَلَى الصَّبِيِّ.
وَقَوْلُ الْبَاجِيَّ عَدَمُ الْعَقْلِ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ خِلَافَ النَّصِّ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَرْجُوٍّ صِحَّتُهُ.
(وَ) يُحْرِمُ الشَّخْصُ الصَّغِيرُ (الْمُمَيِّزُ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ مُثَقَّلَةً الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيُحْسِنُ الْجَوَابَ (بِإِذْنِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ إنْ لَمْ يُقَارِبْ الْبُلُوغَ كَابْنِ ثَمَانٍ، فَإِنْ قَارَبَهُ فَمِنْ الْمِيقَاتِ قَالَهُ فِيهَا فَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ يُحْرِمْ بِإِذْنِهِ بِأَنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (تَحْلِيلُهُ) أَيْ: الْمُمَيِّزِ مِنْ إحْرَامِهِ بِالنِّيَّةِ وَالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ بِأَنْ يَنْوِيَ إخْرَاجَهُ مِمَّا أَحْرَمَ بِهِ، وَيَحْلِقَ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرَ شَعْرَهُ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ فَقَطْ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي إبْقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ فَقَطْ أَبْقَاهُ عَلَيْهِ وُجُوبًا فِيهِمَا، وَإِنْ اسْتَوَتْ مَصْلَحَتُهُمَا خُيِّرَ الْوَلِيُّ فَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ لَا لِلتَّخْيِيرِ (وَ) إنْ حَلَّلَهُ وَلِيُّهُ فَ (لَا قَضَاءَ) عَلَيْهِ إذَا بَلَغَ وَمِثْلُهُ فِي الِاسْتِئْذَانِ وَالتَّحْلِيلِ وَعَدَمِ الْقَضَاءِ السَّفِيهُ أَيْ: الْبَالِغُ الَّذِي لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ.
(بِخِلَافِ الْعَبْدِ) أَيْ: الرَّقِيقِ الْبَالِغِ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَحَلَّلَهُ مِنْهُ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ أَوْ عَتَقَ، وَيُقَدِّمُهُ عَلَى حِجَّةِ الْإِسْلَامِ لِوُجُوبِهِ فَوْرًا اتِّفَاقًا فَإِنْ قَدَّمَهَا عَلَى الْقَضَاءِ صَحَّتْ.
وَمِثْلُ الْعَبْدِ الزَّوْجَةُ فِي تَطَوُّعِهَا بِدُونِ إذْنِ زَوْجِهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ لِحَقِّ نَفْسِهِمَا وَعَلَى الْأَخِيرَيْنِ لِحَقِّ غَيْرِهِمَا.
وَإِنْ أَذِنَ لِلْعَبْدِ فِي الْقَضَاءِ ثُمَّ أَرَادَ مَنْعَهُ مِنْهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ فَفِي الشَّامِلِ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لَهُ مَنْعُهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ فِي الِاعْتِكَافِ.
(وَأَمَرَهُ) أَيْ: الْوَلِيُّ الْمُمَيِّزُ الَّذِي أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إبْقَائِهِ مُحْرِمًا (مَقْدُورَهُ) أَيْ: مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ وَأَقْوَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَيُلَقِّنُهُ التَّلْبِيَةَ إنْ قَبِلَهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورُهُ وَكَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ مُطْبَقًا (نَابَ) الْوَلِيُّ فِيهِ (عَنْهُ) أَيْ:
إنْ قَبِلَهَا: كَطَوَافٍ، لَا: كَتَلْبِيَةٍ، وَرُكُوعٍ، وَأَحْضَرَهُمْ الْمَوَاقِفَ وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ؛ إنْ خِيفَ ضَيْعَةً، وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ: كَجَزَاءِ صَيْدٍ، وَفِدْيَةٍ
[منح الجليل]
الْمَحْجُورِ (إنْ قَبِلَهَا) أَيْ: الشَّيْءُ الْمَطْلُوبُ النِّيَابَةِ وَهُوَ الْفِعْلُ.
(كَطَوَافٍ) وَسَعْيٍ وَرَمْيٍ وَفِي جَعْلِهِ نَائِبًا فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ نَظَرٌ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ النِّيَابَةِ فِعْلُ النَّائِبِ دُونَ الْمَنُوبِ عَنْهُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ يَفْعَلُهُمَا الْوَلِيُّ حَامِلًا لِلْمَحْجُورِ وَيَقِفُ بِهِ بِعَرَفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَحَقُّهُ التَّمْثِيلُ بِالرَّمْيِ وَالذَّبْحِ (لَا) أَنْ يَقْبَلَهُمَا (كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ) أَيْ: صَلَاةِ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ فَيَسْقُطَ.
وَضَابِطُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ الْمُمَيِّزَ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا يَفْعَلُهُ، وَمَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا فَعَلَهُ بِهِ وَلِيُّهُ كَطَوَافٍ وَسَعْيٍ، وَمَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا وَلَا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ.
فَإِنْ قَبِلَ النِّيَابَةَ كَالرَّمْيِ فَعَلَهُ وَلِيُّهُ، وَإِلَّا سَقَطَ كَالتَّلْبِيَةِ وَالرُّكُوعِ.
(وَأَحْضَرَهُمْ) أَيْ الْوَلِيُّ الرَّضِيعَ وَالْمُطْبَقَ وَالْمُمَيِّزَ (الْمَوَاقِفَ) جَمْعُ مَوْقِفٍ أَيْ: مَحَلَّ الْوُقُوفِ وَهِيَ عَرَفَةُ وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَمِنًى عَقِبَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ وُجُوبًا فِي عَرَفَةَ وَنَدْبًا فِي الْبَاقِي (وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ) الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ صَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فِي السَّفَرِ لِحَمْلِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَلُبْسِهِ كَائِنَةً (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَحْجُورِ فِي مَالِهِ (إنْ خِيفَ) عَلَيْهِ (ضَيْعَةٌ) أَيْ: هَلَاكٌ أَوْ شِدَّةُ ضَرَرٍ بِتَرْكِهِ فِي الْبَلَدِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَافِلٌ سِوَى مَنْ سَافَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ حِينَئِذٍ مِنْ مَصَالِحِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ ضَيْعَةً بِتَرْكِهِ فِي الْبَلَدِ لِوُجُودِ كَافِلٍ سِوَى مَنْ سَافَرَ بِهِ (فَوَلِيُّهُ) أَيْ: الْمَحْجُورِ الَّذِي سَافَرَ بِهِ، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ أَيًّا كَانَ أَوْ وَصِيَّهُ أَوْ حَاكِمًا أَوْ مُقَدِّمَهُ أَوْ حَاضِنًا مِنْ أُمٍّ أَوْ جَدٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا.
وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ عَلَى الْوَلِيِّ فَقَالَ (كَجَزَاءِ صَيْدٍ) قَتَلَهُ الْمَحْجُورُ مُحْرِمًا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَهُوَ عَلَى الْوَلِيِّ مُطْلَقًا فَالتَّشْبِيهُ لَيْسَ تَامًّا، وَأَمَّا جَزَاءُ مَا قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ لَا فَفِيهِ تَفْصِيلُ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ (وَ) كَ (فِدْيَةٍ) تَسَبَّبَتْ عَنْ تَطَيُّبِ الْمَحْجُورِ أَوْ لُبْسِهِ أَوْ
بِلَا ضَرُورَةٍ.
وَشَرْطُ وُجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إحْرَامِهِ
[منح الجليل]
نَحْوِهِمَا فَيَغْرَمُهَا الْوَلِيُّ مِنْ مَالِهِ مُطْلَقًا خَافَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ ضَيْعَةً أَوْ لَا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلتُّونُسِيِّ عَنْ ثَالِثِ حَجِّهَا.
وَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ الْأَشْهَرُ وَبِهِ قَرَّرَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَقْفَهْسِيِّ وَالْبِسَاطِيِّ، وَجَعَلَ الشَّارِحُ فِي كَبِيرِهِ وَوَسَطِهِ التَّشْبِيهَ تَامًّا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ قَائِلًا؛ لِأَنَّ مَا يُتَخَوَّفُ أَنْ يَطْرَأَ فِي إحْجَاجِهِ إيَّاهُ مِنْ الْجَزَاءِ وَالْفِدْيَةِ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ وَإِحْجَاجُهُ طَاعَةٌ وَأَجْرٌ لِمَنْ أَحَجَّهُ لَا يُتْرَكُ لِأَمْرٍ قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ.
وَتَأَوَّلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَحَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْحَطّ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ (بِلَا ضَرُورَةٍ) ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّهَا عَلَى الْوَلِيِّ لِضَرُورَةٍ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَوْ حَذَفَهُ كَانَ أَوْلَى.
وَقَوْلُ تت إنْ كَانَتْ لِضَرُورَةٍ فَفِي مَالِ الصَّبِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ تَبِعَ فِيهِ الشَّارِحَ وَالْبِسَاطِيَّ، وَنَسَبَهُ الشَّارِحُ لِلْجَوَاهِرِ وَرَدَّهُ الْحَطّ بِأَنَّ صَاحِبَ الْجَوَاهِرِ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّهُ لِضَرُورَةٍ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، وَإِنَّمَا قَالَ مَا نَصُّهُ وَلَوْ طَيَّبَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْوَلِيِّ إلَّا إذَا قَصَدَ الْمُدَاوَاةَ فَيَكُونُ كَاسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ اهـ. فَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كَاسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْأَشْهَرَ فِي اسْتِعْمَالِهِ كَوْنُهُ عَلَى الْوَلِيِّ فَكَذَلِكَ إذَا طَيَّبَهُ الْوَلِيُّ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ.
(وَشَرْطُ وُجُوبِهِ) أَيْ: الْحَجِّ (كَوُقُوعِهِ) أَيْ: الْحَجِّ (فَرْضًا حُرِّيَّةٌ) أَيْ: كَوْنُ الْحَاجِّ حُرًّا فَلَا يَجِبُ وَلَا يَقَعُ فَرْضًا مِنْ رَقِيقٍ وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ كَمُكَاتَبٍ (وَتَكْلِيفٌ) أَيْ: كَوْنُهُ مُكَلَّفًا أَيْ: مُلْزَمًا بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ لِكَوْنِهِ بَالِغًا عَاقِلًا فَلَا يَجِبُ وَلَا يَقَعُ فَرْضًا مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مِنْ مَجْنُونٍ، وَبَقِيَ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهِ دُونَ وُقُوعِهِ فَرْضًا الِاسْتِطَاعَةُ وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ فَلَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُسْتَطِيعٍ، وَإِنْ تَكَلَّفَهُ وَقَعَ فَرْضًا وَتَنَازَعَ حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ (وَقْتَ إحْرَامِهِ) أَيْ الْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ حُرًّا مُكَلَّفًا وَقْتَ إحْرَامِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا
بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ، وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ: بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ؛ إلَّا لِأَخْذِ ظَالِمٍ مَا
[منح الجليل]
يَقَعُ مِنْهُ فَرْضًا وَلَوْ صَارَ حُرًّا مُكَلَّفًا فِي أَثْنَاءِ حَجِّهِ فَلَا يَنْقَلِبُ فَرْضًا وَلَا يَرْتَفِضُ وَلَا يَرْتَدِفُ عَلَيْهِ إحْرَامٌ آخَرُ فَيُتِمُّهُ نَفْلًا وُجُوبًا، وَيَحُجُّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ.
وَقَوْلُهُ (بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ) شَرْطٌ فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا فَقَطْ وَمَنْطُوقُهُ صَادِقٌ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ وَالْإِطْلَاقِ، وَيَنْصَرِفُ لِلْفَرْضِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ نَوَى بِهِ النَّفَلَ فَلَا يَقَعُ فَرْضًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فَيَنْعَقِدُ نَفْلًا وَعَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَحَجُّ الْفَرْضِ فِي عَامٍ آخَرَ.
(وَوَجَبَ) الْحَجُّ (بِاسْتِطَاعَةٍ) فَلَا يَجِبُ عَلَى حُرٍّ مُكَلَّفٍ غَيْرِ مُسْتَطِيعٍ، وَلَكِنْ إنْ تَكَلَّفَهُ وَهُوَ صَرُورَةٌ وَقَعَ فَرْضًا فَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا فَلِذَا لَمْ يَقُلْ وَاسْتِطَاعَةٌ لِإِيهَامِهِ شَرْطِيَّتَهَا فِيهِ أَيْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَصُوَرُ الِاسْتِطَاعَةِ بِقَوْلِهِ (بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ) لِأَمَاكِنِ الْمَنَاسِكِ مِنْ مَكَّةَ وَمِنًى وَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ إمْكَانًا عَادِيًا لَا خَارِقًا لِلْعَادَةِ كَخُطْوَةٍ وَطَيَرَانٍ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ إنْ وَقَعَ أَجْزَأَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَتَكَلُّفِ غَيْرِ مُسْتَطِيعِهِ.
(بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ) أَيْ: خَرَجَتْ عَنْ الْمُعْتَادِ مِنْ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، فَلَيْسَ الشَّيْخُ كَالشَّابِّ، وَلَا الْمَرِيضُ كَالصَّحِيحِ وَلَا الْفَقِيرُ كَالْغَنِيِّ، وَلَا الْحَضَرِيُّ كَالْبَدْوِيِّ، فَفِي الْحَطّ التَّشْنِيعُ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ السُّقُوطَ عَنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ (وَ) بِ (أَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ) مِنْ هَلَاكٍ وَشَدِيدِ أَذًى وَقَتْلٍ وَأَسْرٍ وَسِبَاعٍ (وَمَالٍ) مِنْ مُحَارِبٍ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ وَغَاصِبٍ، وَأَخْذِ ظَالِمٍ يَنْكُثُ أَوْ كَثِيرًا، لَا مِنْ سَارِقٍ يَنْدَفِعُ بِالْحِرَاسَةِ وَهَذَا مِنْ عَطْفِ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ مَفْهُومِ وَأَمْنٍ عَلَى مَالٍ فَقَالَ (إلَّا لِأَخْذِ) شَخْصٍ (ظَالِمٍ مَا) أَيْ مَالًا
قَلَّ لَا يَنْكُثُ عَلَى الْأَظْهَرِ،
[منح الجليل]
قَلَّ) بِالنِّسْبَةِ لِمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يُجْحِفُ بِهِ وَلَوْ كَثُرَ فِي نَفْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ قَلَّ فِي نَفْسِهِ وَأَنَّ أَخْذَ الْكَثِيرِ مُسْقِطٌ وَلَوْ لَمْ يُجْحِفْ كَمَا لِلَّخْمِيِّ.
ابْنِ عَرَفَةَ وَيَسْقُطُ بِطَلَبِ نَفْسٍ أَوْ بِمُجْحِفٍ أَوْ بِمَا لَا حَدَّ لَهُ وَبِمَا لَا يُجْحِفُ قَوْلَا الْمُتَأَخِّرِينَ.
اللَّخْمِيُّ لَا يَسْقُطُ بِغُرْمِ الْيَسِيرِ قَالَ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي وَلَا بِكَثِيرٍ لَا يُجْحِفُ (لَا يَنْكُثُ) أَيْ لَا يَعُودُ الظَّالِمُ لِلْأَخْذِ وَعَلِمَ ذَلِكَ بِالْعَادَةِ كَعِشَارٍ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَنْكُثُ أَوْ جَهِلَ سَقَطَ وُجُوبُ الْحَجِّ.
بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ زَرُّوقٌ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ قَالَهُ الْحَطّ وَنَحْوِهِ لِلشَّيْخِ سَالِمٍ.
وَمَا فِي عج مِنْ أَنَّ جَهْلَ الْحَالِ كَعِلْمِ عَدَمِ نَكْثِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ غَيْرِ ظَاهِرٍ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ يَنْكُثُ أَوْ لَا؟ فَيَسْقُطُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ لَا كَذَا الْبَعْضُ.
الْحَطّ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَنْكُثُ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِذَا كَانَ يَأْخُذُ مَا قَلَّ وَلَا يَنْكُثُ فَلَا يَسْقُطُ وُجُوبُ الْحَجِّ (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ الْخِلَافِ وَلَيْسَ لِابْنِ رُشْدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اسْتِظْهَارٌ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَالْمَوَّاقُ وَالْحَطّ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْبُرْزُلِيُّ مَا يَشْهَدُ لِلْمُصَنِّفِ وَذَكَرَهُ حُلُولُو بِوَجْهٍ أَتَمَّ مِنْهُ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ ظَالِمٍ مِنْ أَخْذِ الدَّالِّ عَلَى الطَّرِيقِ أُجْرَةً مِنْ الْمُسَافِرِينَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ فِيهِ تَفْصِيلُ الظَّالِمِ وَتُوَزَّعُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الْمُسَافِرِينَ لَا عَلَى حَسَبِ أَمْتِعَتِهِمْ؛ إذْ مَنْ مَعَهُ دَوَابُّ كَالْمُجَرَّدِ مِنْهَا فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ وَالظَّاهِرُ عَدَدُ رُءُوسِ التَّابِعِينَ وَالْمَتْبُوعِينَ وَإِنْ جَرَى عُرْفٌ بِشَيْءٍ عَمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالشَّرْطِ، وَاحْتُرِزَ أَيْضًا عَمَّا يَأْخُذُهُ الْجُنْدُ وَنَحْوُهُمْ عَلَى حِفْظِ الْمَارَّةِ مِنْ مَوْضِعٍ لِآخَرَ أَوْ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَيَلْزَمُ الْحَجُّ حِينَئِذٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَنْ لَا يُجْحِفَ وَإِلَّا سَقَطَ الْحَجُّ، وَإِنْ يَمْشُوا هُمْ أَوْ خَدَمُهُمْ مَعَ الْمَارَّةِ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِمْ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ أَخْذٌ عَلَى الْجَاهِ وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ الْحَجُّ بِذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مُرَتَّبٌ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِمْ فِي مُقَابَلَةِ حِفْظِ الْمَارِّينَ وَإِلَّا كَانُوا كَالظَّالِمِ، وَإِنْ أَخَذُوا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فَيُوَزِّعُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ وَقَدْرِ الْأَمْتِعَةِ وَالدَّوَابِّ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ الِانْتِفَاعَ بِالْحِفْظِ مِنْ سَارِقٍ وَنَحْوِهِ وَالدَّالِ عَلَى الطَّرِيقِ
وَلَوْ بِلَا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ لِذِي صَنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ: كَأَعْمَى بِقَائِدٍ، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا، وَإِنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنَا،
[منح الجليل]
يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسَافِرُونَ فَقَطْ، فَلِذَا كَانَتْ أُجْرَتُهُ عَلَى عَدَدِهِمْ دُونَ أَمْتِعَتِهِمْ إنْ كَانَ لِمَنْ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ بَلْ:
(وَلَوْ بِلَا زَادٍ) يَأْكُلُهُ فِي سَفَرٍ (وَرَاحِلَةٍ) يَرْكَبُهَا فِيهِ (لِذِي) أَيْ: صَاحِبِ (صَنْعَةٍ) كَحِلَاقَةٍ وَخِيَاطَةٍ وَنِجَارَةٍ (تَقُومُ) الصَّنْعَةُ (بِهِ) أَيْ: الْمُسَافِرِ فِي سَفَرِهِ، أَيْ: تَكْفِيهِ فِيهِ لِزَادِهِ وَلَا تَزْرِي بِهِ وَعَلِمَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ كَسَادِهَا (وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ) هَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَهُوَ نَشْرٌ مُرَتَّبٌ لِلَفِّ السَّابِقِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يُعِدْ الْمَشْيَ وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي وَالْبَاجِيِّ اعْتِيَادَهُ.
وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ فَقَالَ (كَ) شَخْصٍ (أَعْمَى) قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ (بِقَائِدٍ) وَلَوْ بِأُجْرَةٍ لَا تُجْحِفُ بِهِ بِمِلْكِهَا وَلَهُ مَالٌ يُوَصِّلُهُ لَهُ اللَّخْمِيُّ أَوْ يَتَكَفَّفُ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْأَشَلَّ وَالْأَعْرَجَ يَدًا أَوْ رِجْلًا وَالْأَقْطَعَ وَالْأَصَمَّ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوُصُولُ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا انْفِرَادًا أَوْ اجْتِمَاعًا (اُعْتُبِرَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ فِي السُّقُوطِ (الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا) أَيْ: الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَأَيُّهُمَا عَجَزَ عَنْهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَأَحْرَى عَجْزُهُ مِنْهُمَا مَعًا فَإِنْ كَانَ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِرُكُوبِ الْقَتَبِ وَالزَّامِلَةِ اشْتِرَاطٌ فِي حَقِّهِ وُجُودَ الْمَحْمَلِ، فَإِنْ كَانَتْ تَلْحَقُهُ بِرُكُوبِهِ أَيْضًا اُعْتُبِرَ وُجُودُهَا أَرْقَى مِنْهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمَاءِ فِي كُلِّ مَنْهَلٍ.
وَنَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ اشْتِرَاطَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ابْنُ عَرَفَةَ وَلِذَا لَمْ يَحُجَّ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا لِتَعَذُّرِ الْمَاءِ غَالِبًا فِي بَعْضِ الْمَنَاهِلِ وَحِكَايَةُ الشَّامِلِ قَوْلُ عَبْدِ الْحَقِّ بِقِيلَ تَقْتَضِي ضَعْفَهُ، وَكَلَامُ جَمْعٍ يَقْتَضِي اعْتِمَادَهُ وَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وُجُودُهُ فِي الْمَنَاهِلِ الْمُعْتَادِ وُجُودُهُ فِيهَا غَالِبًا لَا فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ وَيَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ الَّذِي يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، بِإِنْفَاقِ مَالٍ غَيْرِ ثَمَنِ وَلَدِ زِنَا بَلْ (وَإِنْ) كَانَ إمْكَانُ الْوُصُولِ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ (بِ) إنْفَاقِ (ثَمَنِ) رَقِيقِ (وَلَدٍ) لِأَمَتِهِ حَمَلَتْ بِهِ مِنْ (زِنًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا شَبَهَ فِيهِ وَإِثْمُ الزِّنَا عَلَى فَاعِلَيْهِ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ
أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ، أَوْ بِافْتِقَارِهِ، أَوْ تَرْكِ وَلَدِهِ، لِلصَّدَقَةِ؛ إنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا، لَا بِدَيْنٍ أَوْ عَطِيَّةٍ
[منح الجليل]
لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ كَوْنَهُ نَاشِئًا عَنْ الزِّنَا مَانِعٌ مِنْ الْحَجِّ بِثَمَنِهِ وَلِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَحُجَّ بِهِ مَنْ يَمْلِكُ غَيْرَهُ.
وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ الْبِسَاطِيِّ، لَوْ تَرَكَ الْمُصَنِّفُ خُشُونَةَ هَذَا اللَّفْظِ فِي مِثْلِ الْحَجِّ لَكَانَ أَحْسَنَ.
(أَوْ) بِإِنْفَاقِ ثَمَنِ (مَا) أَيِّ شَيْءٍ (يُبَاعُ عَلَى الْمُفَلَّسِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ مُثَقَّلَةً أَيْ: الْمَدِينُ الَّذِي حُكِمَ بِخَلْعِ مَالِهِ وَقِسْمَتِهِ عَلَى غُرَمَائِهِ بِحَسَبِ دُيُونِهِمْ لِتَوْفِيَةِ بَعْضِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ (أَوْ بِ) إنْفَاقِ مَا يُؤَدِّي إلَى (افْتِقَارِهِ) أَيْ: صَيْرُورَتِهِ فَقِيرًا (أَوْ) إلَى (تَرْكِ وَلَدِهِ) الَّذِي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ وَالِدُهُ كَذَلِكَ (لِلصَّدَقَةِ) عَلَيْهِ مِنْ النَّاسِ بِنَاءً عَلَى فَوْرِيَّةِ الْحَجِّ.
(إنْ لَمْ يَخْشَ) مُرِيدُ الْحَجِّ بِالْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ صَيْرُورَتَهُ فَقِيرًا أَوْ تَرْكَ مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ لِلصَّدَقَةِ (هَلَاكًا) لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ وَلَا أَذًى شَدِيدًا.
تت وَأَحْمَدُ عُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَنْ مَعَهُ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ أَوْ يَحُجَّ بِهِ وَيَتْرُكُهَا بِلَا نَفَقَةٍ فَتُطَلِّقُ نَفْسَهَا لِعَدَمِ النَّفَقَةِ إنْ شَاءَتْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَيْ: إلَّا أَنْ يَخْشَى الزِّنَا وَلَوْ بِغَيْرِهَا أَوْ كَانَتْ مَضَرَّةُ طَلَاقِهَا تَزِيدُ عَلَى مَضَرَّةِ تَرْكِ الْحَجِّ تت وَفُهِمَ مِنْهَا أَيْضًا أَنَّ الْعَزَبَ الَّذِي مَعَهُ مَالٌ يَحُجُّ أَوْ يَتَزَوَّجُ بِهِ فَإِنَّهُ يَحُجُّ بِهِ مَا لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ.
ابْنُ رُشْدٍ وَإِنْ تَزَوَّجَ أَثِمَ وَلَا يَفْسَخُ وَالْمَسْأَلَتَانِ عَلَى فَوْرِيَّتِهِ (لَا) يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهُ (بِدَيْنٍ) وَلَوْ مِنْ وَلَدِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوَفِّيهِ بِهِ، وَحَجُّهُ حِينَئِذٍ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ لِبُعْدِهِ وَإِلَّا وَجَبَ الْحَجُّ عَلَيْهِ بِهِ.
(أَوْ) أَيْ وَلَا يَجِبُ بِقَبُولِ (عَطِيَّةٍ) أَيْ: هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ سُؤَالٍ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ أَيْ إنْ أَعْطَى لِلْحَجِّ، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ فَلَا يُعْطِي فَإِنْ أَعْطَى مُطْلَقًا وَقَبِلَ وَجَبَ حَجُّهُ بِهَا فَمَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ لَمْ يَقْبَلْهَا أَوْ أُعْطِيهَا لِلْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ مُعْطِيهُ وَلَدَهُ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ.
تت وَالْحَطَّابُ عَنْ سَنَدٍ زَادَ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ هِبَةِ ابْنِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ حُرْمَةُ أُبُوَّتِهِ.
وَيَلْزَمُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّ ابْنَهُ مِنْ كَسْبِهِ وَلَا مِنَّةَ لَهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَمَا قَالَهُ سَنَدٌ
أَوْ سُوَالٍ مُطْلَقًا، وَاعْتُبِرَ مَا يُرَدُّ بِهِ، إنْ خَشِيَ ضَيَاعًا، وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَطَبُهُ،
[منح الجليل]
أَظْهَرُ وَلِابْنِ رُشْدٍ مَا يُوَافِقُهُ اهـ. كَلَامُ الْحَطَّابِ وَأَمَّا وَالِدُهُ فَلَا اهـ.
عب الْبُنَانِيُّ الصَّوَابُ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ أَنْ يُقَالَ إذَا أَعْطَى مَالًا عَلَى جِهَةِ الْهِبَةِ أَوْ لِصَدَقَةٍ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ بِهِ إلَى مَكَّةَ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ وَالْحَجُّ بِهِ لِسُقُوطِ الْحَجِّ عَنْهُ اهـ، فَالْمَدَارُ عَلَى قَبُولِهَا، فَإِنْ قَبِلَهَا لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ (وَ) أَيْ: وَلَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهُ بِ (سُؤَالٍ) مِنْ النَّاسِ فِي السَّفَرِ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ اعْتِيَادِهِ فِي الْحَضَرِ وَعَدَمِ الْإِعْطَاءِ فِي السَّفَرِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ اعْتَادَهُ فِي الْحَضَرِ وَعَلِمَ إعْطَاءَهُ فِي السَّفَرِ مَا يَكْفِيهِ، وَلَكِنَّ الْمَذْهَب وُجُوبُهُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَيْثُ كَانَتْ لَهُ رَاحِلَةٌ أَوْ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ، وَقُدْرَةُ سَائِلٍ بِالْحَضَرِ عَلَى سُؤَالٍ كِفَايَتُهُ بِالسَّفَرِ اسْتِطَاعَةً.
وَأَمَّا غَيْرُ سَائِلٍ بِالْحَضَرِ وَغَيْرُ قَادِرٍ عَلَى سُؤَالِ كِفَايَتِهِ بِالسَّفَرِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَفِي إبَاحَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ.
الْبُنَانِيُّ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِلَفْظِ غَيْرِ قَادِرٍ، وَالصَّوَابُ إسْقَاطُ لَفْظِ غَيْرِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ وَلَا يَجِبُ عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ سَائِلٍ بِالْحَضَرِ قَادِرٌ عَلَى سُؤَالٍ كِفَايَتُهُ بِالسَّفَرِ.
ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا وَفِي إبَاحَتِهِ لَهُ وَكَرَاهَتُهُ رِوَايَتَا ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَاعْتُبِرَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ زِيَادَةً عَلَى مَا يُوَصِّلُهُ لِمَكَّةَ (مَا) أَيْ: مَالٌ (يُرَدُّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ أَيْ: يُرْجَعُ (بِهِ) إلَى أَقْرَبِ مَكَان يُمْكِنُهُ التَّمَعُّشُ فِيهِ بِمَا لَا يَزْرِي بِهِ مِنْ الْحِرَفِ (إنْ خَشِيَ ضَيَاعًا) بِبَقَائِهِ بِمَكَّةَ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ التَّمَعُّشُ بِهَا بِمَا لَا يَزْرِي بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَا يُوَصِّلُهُ إلَيْهَا.
(وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ) فِي وُجُوبِ السَّفَرِ فِيهِ لِمَنْ تَعَيَّنَ طَرِيقُهُ كَأَهْلِ الْجُزُرِ وَجَوَازُهُ لِمَنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَغْلِبَ) أَيْ: يَفُوقَ وَيَزِيدَ (عَطَبُهُ) أَيْ: الْبَحْرِ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهُ وَأَفَادَ كَلَامُهُ أَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا كَغَلَبَةِ السَّلَامَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِ التَّلْقِينِ: وَالْبَحْرُ
أَوْ يُضَيِّعُ رُكْنَ صَلَاةٍ لِكَمَيْدٍ.
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ وَسُنَّةِ الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إلَّا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ، وَرُكُوبِ بَحْرٍ، إلَّا أَنْ تَخْتَصَّ بِمَكَانٍ،
[منح الجليل]
كَالْبَرِّ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالْبَحْرُ الْآمِنُ مَعَ أَدَاءِ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَالْبَرِّ وَإِلَّا سَقَطَ اهـ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ كَرَاهَتُهُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْجُزُرِ.
(أَوْ) إلَّا أَنْ (يُضَيِّعَ رُكْنَ صَلَاةٍ) كَسُجُودٍ وَقِيَامٍ (لِكَمَيْدٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ دَوْخَةٍ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الزَّحْمَةَ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا السُّجُودَ إلَّا عَلَى ظَهْرِ آخَرَ؛ وَمِثْلُ الْإِخْلَالِ بِرُكْنِهَا الْإِخْلَالُ بِشَرْطِهَا كَنَجَاسَةٍ وَاسْتِبْرَاءٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَقِبْلَةٍ أَوْ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ، وَفِيهِ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَا يَرْكَبُهُ أَيَرْكَبُ حَيْثُ لَا يُصَلِّي؟ وَيْلٌ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِهِ مَعَ الصَّلَاةِ جَالِسًا وَالسُّجُودُ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ مُسْقِطًا أَوَّلًا سَمَاعَ أَشْهَبَ وَتَخْرِيجَ اللَّخْمِيِّ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ بِصِحَّةِ جُمُعَةِ مَنْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ وَإِبَاحَةِ سَفَرِ تَجْرٍ يَنْقُلُ لِلتَّيَمُّمِ اهـ.
وَيَقْضِي الْعَالِمُ بِالْمَيْدِ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ فِي غَيْبَةِ عَقْلِهِ كَالسَّكْرَانِ بِجَامِعِ إدْخَالِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَقْضِيهِ غَيْرُهُ لِعُذْرِهِ.
ابْنُ الْمُعَلِّي وَاللَّخْمِيُّ إنْ عَلِمَ حُصُولَ الْمَيْدِ حَرُمَ عَلَيْهِ رُكُوبُهُ وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَهُ جَازَ، وَإِنْ شَكَّ كُرِهَ، وَيُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ فِي الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ.
(وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ) فِي وُجُوبِ الْحَجِّ وَسُنَّةِ الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَشُرُوطُهُ: الصِّحَّةُ وَالْوُقُوعُ فَرْضًا وَكَوْنُهُ فَوْرًا أَوْ مُتَرَاخِيًا وَغَيْرُهَا (إلَّا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ) فَيُكْرَهُ لَهَا وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ مُتَجَالَّةً وَالظَّاهِرُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ فَنِسَاءُ الْحَاضِرَةِ لَسْنَ كَنِسَاءِ الْبَادِيَةِ وَلَا يُكْرَهُ الْقَرِيبُ كَمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا مِمَّا لَيْسَ عَلَى مَسَافَةِ قَصْرِ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ مَشْيِهَا مِنْ بُعْدٍ كَالرَّجُلِ أَوْ عَوْرَةٍ.
ثَالِثًا إنْ كَانَتْ غَيْرَ جَسِيمَةٍ أَوْ رَائِعَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَرَدَّ ابْنُ مُحْرِزٍ الْأَوَّلَيْنِ لِلثَّالِثِ.
(وَ) إلَّا فِي (رُكُوبِ بَحْرٍ) فَيُكْرَهُ لَهَا (إلَّا أَنْ تُخَصَّ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ: الْمَرْأَةِ عَنْ الرِّجَالِ (بِمَكَانٍ) مِنْ السَّفِينَةِ أَوْ تَتَّسِعَ بِحَيْثُ لَا تَخْتَلِطُ بِالرِّجَالِ عِنْدَ نَوْمِهَا وَقَضَاءِ حَاجَتِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ الْمَرْأَةِ فِيهِ أَيْ الْبَحْرِ كَالرَّجُلِ وَسُقُوطُهُ عَنْهَا بِهِ قَوْلَا اللَّخْمِيِّ وَسَمَاعُ
وَزِيَادَةِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ لَهَا.
[منح الجليل]
ابْنُ الْقَاسِمِ مَعَ رِوَايَتِهِ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ قِيلَ يَسْقُطُ بِهِ عَنْ الرَّجُلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ (وَ) إلَّا فِي (زِيَادَةِ مَحْرَمٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ.
(أَوْ زَوْجٍ لَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ» ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ يَوْمًا وَلَيْلَةً إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» ، وَرُوِيَ نِصْفُ يَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَلَيْلَةٍ وَبَرِيدًا.
وَرُوِيَ «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَرَدُّوا رِوَايَاتِ التَّحْدِيدِ إلَى رِوَايَةِ الْإِطْلَاقِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمُطْلَقَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِقَيْدٍ وَاحِدٍ لَا بِأَزْيَدَ مِنْ قَيْدٍ فَتَسْقُطُ الْقُيُودُ لِتَعَارُضِهَا وَيُعْمَلُ بِالْمُطْلَقِ.
وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّ رِوَايَاتِ التَّحْدِيدِ إنَّمَا وَرَدَتْ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَسْئِلَةِ السَّائِلِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ «سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ تُسَافِرُ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؟ فَقَالَ: لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ» . وَكَذَا بَاقِي رِوَايَاتِ التَّقْيِيدِ فَلَا مَفْهُومَ لَهَا، وَالْمُرَادُ مَا يُسَمَّى سَفَرٌ لُغَةً لِحُرْمَةِ اخْتِلَائِهَا بِأَجْنَبِيٍّ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ زِيَادَةَ الْمَحْرَمِ أَوْ الزَّوْجِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ اعْتِبَارُهُ فِي اسْتِطَاعَةِ الرَّجُلِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ زِيَادَتَهُ عَنْ وَاحِدٍ وَتَعَدُّدَهُ.
الْحَطَّابُ وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ بَلْ تَمْيِيزُهُ وَكِفَايَتُهُ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَشَمِلَ الْمَحْرَمُ رَبِيبُهَا.
وَكَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَفَرَهَا مَعَهُ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَلِخَوْفِ ضَيْعَتِهَا مَعَهُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَدَاوَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ لَا تَخْرُجُ مَعَ خَتْنِهَا دُونَ جَمَاعَةِ النَّاسِ.
ابْنُ رُشْدٍ كَسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَرَاهَةَ سَفَرِهَا مَعَ رَبِيبِهَا أَوْ حَمْوِهَا لِحَدَاثَةِ حُرْمَتِهِمَا.
الْبَاجِيَّ كَرَاهَتُهُ مَعَ رَبِيبِهَا لِعَدَاوَتِهَا الرَّبِيبَ وَقِلَّةِ شَفَقَتِهِ وَسَائِرِ مَحَارِمِ الصِّهْرِ وَالرَّضَاعِ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ كَالْمَرْأَةِ، وَإِنْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ أَوْ الْمَحْرَمُ مِنْ السَّفَرِ مَعَهَا إلَّا بِأُجْرَةٍ لَزِمَتْهَا إنْ قَدَرَتْ عَلَيْهَا وَحَرُمَ عَلَيْهَا السَّفَرُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ امْتَنَعَ بِكُلِّ وَجْهٍ أَوْ طَلَبِ أُجْرَةٍ زَائِدَةٍ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهَا خَرَجَتْ مَعَ الرُّفْقَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي سَفَرِهَا مَعَ عَبْدِهَا فَرَجَّحَ ابْنُ الْقَطَّانِ سَفَرَهَا مَعَهُ مُطْلَقًا وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ الْفُرَاتِ مَنْعَهُ مُطْلَقًا، وَعَزَا ابْنُ الْقَطَّانِ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَصَّارِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى سَفَرَهَا مَعَ الْوَفْدِ فَقَطْ.