مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، لِأَنَّ فِي تَقْوِيمِهَا بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ إبْطَالًا لِلتَّقْوِيمِ بِالْأَنْفَعِ.
فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا بِالدَّرَاهِمِ فَقَطْ قُوِّمَتْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِالذَّهَبِ، وَكَذَا عَكْسُهُ (وَلَا اعْتِبَارَ بِصِفَةٍ أَوْ صَنْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَتُقَوَّمُ مُغَنِّيَةٌ سَاذَجَةٌ) بِفَتْحِ الذَّالِ، أَيْ: عَارِيَّةٌ عَنْ صِفَةِ مَعْرِفَةِ الْغِنَاءِ، وَكَذَا الزَّامِرَةُ وَالضَّارِبَةُ بِآلَةِ لَهْوٍ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا (وَ) اعْتِبَارُ (حُلِيٍّ مُحَرَّمٍ بِوَزْنِهِ) لَا بِقِيمَتِهِ (كَآنِيَةِ نَقْدٍ) وَرِكَابٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ لِتَحْرِيمِهَا (وَيُعْتَبَرُ مُبَاحُ صِنَاعَةٍ) كَحُلِيِّ تِجَارَةٍ (بِقِيمَتِهِ) لَا بِوَزْنِهِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا زَكَّاهُ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَ) يُقَوَّمُ عَبْدٌ (خَصِيٌّ بِصِفَتِهِ لِحِلِّ اسْتِخْدَامِهِ) وَلِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْفِعْلُ، وَقَدْ انْقَطَعَ.
(وَمَنْ اشْتَرَى) أَوْ بَاعَ (عَرْضًا) لِلتِّجَارَةِ (بِعَرْضٍ أَوْ أَثْمَانٍ) بَنَى عَلَى حَوْلِ الْأَوَّلِ وِفَاقًا، لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ وَهِيَ الْأَثْمَانُ، وَالْأَثْمَانُ يُبْنَى حَوْلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ لِلتَّقَلُّبِ وَالِاسْتِبْدَالُ بِثَمَنٍ وَعُرُوضٍ، فَلَوْ لَمْ يَبْنِ بَطَلَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّقْدُ نِصَابًا، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا، لِأَنَّ مِنْ حِينِ اشْتَرَاهُ.
(أَوْ) اشْتَرَى نِصَابَ (سَائِمَةٍ لِقِنْيَةٍ بِ) نِصَابِ سَائِمَةٍ (مِثْلِهَا لِتِجَارَةٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ) ، أَيْ: مَا اشْتَرَى بِهِ، لِأَنَّهُمَا مَالَانِ مُتَّفِقَانِ فِي النِّصَابِ وَالْجِنْسِ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ فِيهِمَا
بِالْمُبَادَلَةِ.
قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ نِصَابَ السَّائِمَةِ غَيْرُ نِصَابِ التِّجَارَةِ، وَالزَّكَاةُ فِي عَيْنِ السَّائِمَةِ وَقِيمَةِ التِّجَارَةِ، فَلَمْ يَتَّحِدْ النِّصَابُ، وَلَا الْجِنْسُ، وَيَأْتِي: مَنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ نِصْفَ حَوْلِهِ، ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ اسْتَأْنَفَهُ لِلسَّوْمِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَعِبَارَةُ " التَّنْقِيحِ ": وَإِنْ اشْتَرَى نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ لِقِنْيَةٍ، بَنَى.
انْتَهَى.
وَمَعْنَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ: لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِلزَّكَاةِ قَدَّمَ عَلَيْهِ زَكَاةَ التِّجَارَةِ لِقُوَّتِهِ، فَبِزَوَالِ الْمُعَارِضِ يَثْبُتُ حُكْمُ السَّوْمِ لِظُهُورِهِ.
انْتَهَى.
قَالَ الْخَلْوَتِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ " اشْتَرَى الْمُقَدَّرَةَ " فِي كَلَامِ الْمُصَنَّفِ، أَيْ: صَاحِبِ " الْمُنْتَهَى " بِمَعْنَى " بَاعَ " فَيُسَاوِي مَا سَيَأْتِي، وَيُوَافِقُ كَلَامَ " الْفُرُوعِ " وَ " التَّنْقِيحِ " وَغَيْرِهِمَا.
انْتَهَى.
وَالْمُصَنِّفُ تَابَعَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ " الْمُنْتَهَى ". وَ (لَا) يَبْنِي عَلَى الْحَوْلِ (إنْ اشْتَرَى عَرْضًا) غَيْرَ سَائِمَةٍ (بِ) نِصَابِ (سَائِمَةٍ أَوْ بَاعَهَا) ، أَيْ: السَّائِمَةَ (بِهِ) ، أَيْ: بِعَرْضٍ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي النِّصَابِ وَالْوَاجِبِ (وَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ) نِصَابُ السَّائِمَةِ (بِعَيْبٍ) فَيَسْتَأْنِفُ الْحَوْلَ لِلسَّوْمِ (أَوْ مَلَكَ) نِصَابَ (سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ نِصْفَ حَوْلٍ) ، أَيْ: النِّصَابَ (ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ تِجَارَةٍ فَيَسْتَأْنِفُهُ) ، أَيْ: الْحَوْلَ (لِسَوْمٍ) لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الِاقْتِنَاءِ، وَحَوْلُ السَّوْمِ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ
. (وَمَنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ) فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ فَقَطْ (وَلَوْ سَبَقَ حَوْلُ سَوْمٍ بُلُوغَ قِيمَةِ تِجَارَةٍ) كَمَا لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ صَارَتْ قِيمَتُهَا فِي نِصْفِ الْحَوْلِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَيُزَكِّيهَا زَكَاةَ تِجَارَةٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا، لِأَنَّ وَصْفَهَا يُزِيلُ سَبَبَ زَكَاةِ السَّوْمِ، وَهُوَ الِاقْتِنَاءُ لِطَلَبِ النَّمَاءِ فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِلَا خِلَافٍ لِوُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ فِيهِ بِلَا مُعَارِضٍ.
فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً لِلتِّجَارَةِ لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابَ نَقْدٍ، زَكَّاهَا لِلسَّوْمِ
عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ (أَوْ) مَلَكَ (أَرْضًا) لِتِجَارَةٍ (فَزُرِعَتْ بِبَذْرِ تِجَارَةٍ) فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ فَقَطْ (أَوْ) مَلَكَ (نَخْلًا) لِلتِّجَارَةِ (فَأَثْمَرَ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ) وَلَوْ سَبَقَ وَقْتُ الْوُجُوبِ حَوْلَ التِّجَارَةِ (فَقَطْ) لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَةَ جُزْءُ مَا خَرَجَا مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَا مَعَ الْأَصْلِ كَالسِّخَالِ وَالرِّبْحِ الْمُتَجَدِّدِ (إلَّا أَنْ لَا تَبْلُغَ قِيمَةُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ سَائِمَةٍ وَأَرْضٍ مَعَ زَرْعٍ وَنَخْلٍ مَعَ ثَمَرٍ (نِصَابًا) بِأَنْ نَقَصَتْ عَنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا، وَعَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةً (فَيُزَكِّي) ذَلِكَ (لِغَيْرِ تِجَارَةٍ) فَيُخْرِجُ مِنْ السَّائِمَةِ زَكَاتَهَا، وَمِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ مَا وَجَبَ فِيهِ، لِئَلَّا تَسْقُطَ الزَّكَاةُ بِالْكُلِّيَّةِ.
(فَلَوْ زَرَعَ بَذْرَ قِنْيَةٍ بِأَرْضِ تِجَارَةٍ أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ زَرَعَ بَذْرَ التِّجَارَةِ فِي أَرْضِ الْقِنْيَةِ (فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) فَوَاجِبُ الزَّرْعِ فِي الْأُولَى الْعُشْرُ لِأَنَّهُ لِلْقِنْيَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَوَاجِبُ الْأَرْضِ زَكَاةُ الْقِيمَةِ، لِأَنَّهَا مَالُ تِجَارَةٍ.
وَمُقْتَضَى " الْمُنْتَهَى " أَنَّ الْكُلَّ يُزَكَّى زَكَاةَ قِيمَةٍ، لِأَنَّ الزَّرْعَ فِي الثَّانِيَةِ زَكَاةُ قِيمَةٍ، لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ، وَلَا شَيْءَ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهَا لِلْقِنْيَةِ.
[فَرْعٌ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شِرَاءِ عَقَارٍ فَارًّا مِنْ زَكَاةٍ]
(فَرْعٌ: مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شِرَاءِ عَقَارٍ فَارًّا مِنْ زَكَاةٍ زَكَّى قِيمَتَهُ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْفَائِقِ " قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ، مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ مَقْصُودِهِ، كَالْفَارِّ مِنْ الزَّكَاةِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ) أَوْ صَرِيحُهُ (لَا) زَكَاةَ فِيهِ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَيَتَّجِهُ وَهُوَ) ، أَيْ: الْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (أَصَحُّ) مِنْ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا (مَا لَمْ يَكُنْ) وُجُودُ الشِّرَاءِ (بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ الْحَوْلِ) بِأَنْ بَقِيَ مِنْهُ نَحْوُ يَوْمَيْنِ عَلَى مَا فِي الرِّعَايَةِ " فَفِيهِ الزَّكَاةُ لِاقْتِضَاءِ الْقَرِينَةِ الْفِرَارَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى صَبَّاغٌ مَا يَصْبُغُ بِهِ لِلتَّكَسُّبِ]
(فَصْلٌ) (وَإِنْ اشْتَرَى صَبَّاغٌ مَا يَصْبُغُ بِهِ) لِلتَّكَسُّبِ (وَيَبْقَى أَثَرُهُ كَزَعْفَرَانٍ وَنِيلٍ وَعُصْفُرٍ وَبَقَّمٍ وَفُوَّةٍ فَهُوَ عَرْضُ تِجَارَةٍ يُقَوَّمُ عِنْدَ) تَمَامِ (حَوْلِهِ لِاعْتِيَاضِهِ) ، أَيْ: الصَّبَّاغِ عَنْ صَبْغٍ (قَائِمٍ بِالثَّوْبِ فَفِيهِ مَعْنَى التِّجَارَةِ، وَكَذَا مَا يَشْتَرِيهِ دَبَّاغٌ لِدَبْغٍ كَعَفْصٍ وَقَرَظٍ وَ) مَا يُدْهَنُ بِهِ كَ (مِلْحٍ وَسَمْنٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ، وَفِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ": لَا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، ذَكَرَهُ عَنْهُمَا فِي " الْفُرُوعِ ".
و (لَا) زَكَاةَ فِي (مَا يَشْتَرِيهِ قَصَّارٌ مِنْ نَحْوِ قَلْيٍ وَصَابُونٍ وَنَوْرَةٍ وَنَطَرُونِ) وَأُشْنَانٍ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، وَلَا يُعْتَاضُ عَنْ شَيْءٍ يُقَوَّمُ بِالثَّوْبِ، وَإِنَّمَا يُعْتَاضُ عَنْ عَمَلِهِ (وَ) أَمَّا (آنِيَةُ عَرْضِ) الـ (تِجَارَةِ) كَغَرَائِرَ وَأَكْيَاسٍ (وَآلَةِ دَابَّتِهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ، كَسَرْجٍ وَلِجَامٍ وَبَرْذَعَةٍ وَمَعْقُودٍ، فَ (إنْ أُرِيدَ بَيْعَهُمَا) ، أَيْ: الْآنِيَةِ وَالْآلَةِ مَعَ الْعَرْضِ وَالدَّابَّةِ، (فَ) هُمَا (مَالُ تِجَارَةٍ) يُقَوَّمَانِ مَعَهُمَا (وَإِلَّا) يُرَدُّ بَيْعُهُمَا، (فَلَا) يُقَوَّمَانِ كَسَائِرِ عُرُوضِ الْقِنْيَةِ.
(وَمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا) مَشْفُوعًا (لِتِجَارَةٍ بِأَلْفٍ فَصَارَ عِنْدَ الْحَوْلِ بِأَلْفَيْنِ زَكَّاهُمَا) ، أَيْ: الْأَلْفَيْنِ لِأَنَّهُمَا قِيمَتُهُ (وَأَخَذَهُ شَفِيعٌ) بِالشُّفْعَةِ (بِأَلْفٍ) لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ (وَيَنْعَكِسُ الْحُكْمُ بِعَكْسِهَا) فَإِذَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ فَصَارَ عِنْدَ الْحَوْلِ بِأَلْفٍ، زَكَّى أَلْفًا، وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ إنْ شَاءَ بِأَلْفَيْنِ.
وَكَذَا لَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ.
(وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ) وَاحِدٍ (مِنْ شَرِيكَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا لِصَاحِبِهِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ) ، أَيْ: الْإِذْنِ (خَمَّسَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (نَصِيبَ صَاحِبِهِ) مِنْ الْمُخْرَجِ (إنْ أَخْرَجَا) الزَّكَاةَ عَنْهُمَا (مَعًا) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لِانْعِزَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ عَنْ الْوَكَالَةِ بِإِخْرَاجِ الْمُوَكِّلِ زَكَاتَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِسُقُوطِهَا عَنْهَا، وَالْعَزْلُ حُكْمًا الْعِلْمُ وَعَدَمُهُ فِيهِ سَوَاءٌ، فَيَقَعُ الْمَدْفُوعُ
تَطَوُّعًا، وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى نَحْوِ فَقِيرٍ، لِتَحَقُّقِ التَّفْوِيتِ بِفِعْلِ الْمُخْرِجِ (أَوْ جَهِلَ سَابِقٌ) مِنْهُمَا إخْرَاجًا وَنَسِيَ، فَيَضْمَنُ كُلَّ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي إخْرَاجِ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ وَقَعَ الْمَوْقِعَ، بِخِلَافِ الْمُخْرِجِ عَنْ غَيْرِهِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ عَلِمَ سَابِقٌ (ضَمِنَ الثَّانِي) مَا أَخْرَجَهُ عَنْ الْأَوَّلِ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ) الثَّانِي إخْرَاجَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ انْعَزَلَ حُكْمًا، كَمَا لَوْ مَاتَ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُوَكِّلٍ " إنَّهُ أَخْرَجَ قَبْلَ دَفْعِ وَكِيلِهِ لِسَاعٍ "، وَقَوْلُ دَافِعٍ إلَيْهِ " إنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهَا، وَتُؤْخَذُ مِنْ سَاعٍ إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ، وَإِلَّا فَلَا (وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُوَكِّلٍ: إنَّهُ أَخْرَجَ) زَكَاتَهُ (قَبْلَ) دَفْعِ (وَكِيلِهِ) إلَى السَّاعِي لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فِي أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (وَلَا يَضْمَنُ) وَكِيلٌ (إنْ أَدَّى دَيْنًا) عَنْ مُوَكِّلِهِ (بَعْدَ أَدَاءِ مُوَكِّلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ) الْوَكِيلُ بِأَدَاءِ مُوَكِّلِهِ، لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ غَرَّهُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَا التَّفْوِيتُ (لِرُجُوعِ مُوَكِّلٍ عَلَى قَابِضٍ) بِمَا قَبَضَ مِنْ وَكِيلِهِ (كَوَكِيلٍ) بِإِخْرَاجِ (زَكَاةٍ دَفَعَهَا لَسَاعٍ) وَلَمْ يَعْلَمْ مُوَكَّلٌ (لِرُجُوعِ مُوَكِّلٍ بِهَا) عَلَى السَّاعِي (مَا دَامَتْ بِيَدِهِ) لِتَبَيُّنِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ، فَإِنْ تَلِفَتْ بِيَدِ السَّاعِي، أَوْ كَانَ السَّاعِي دَفَعَهَا لِلْفَقِيرِ، أَوْ كَانَ الْوَكِيلُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَرَبُّ الْمَالِ فِي الثَّانِيَةِ دَفَعَا لِلْفَقِيرِ، فَلَا رُجُوعَ، لِأَنَّهَا انْقَلَبَتْ تَطَوُّعًا، كَمَنْ دَفَعَ زَكَاةً يَعْتَقِدُهَا عَلَيْهِ فَلَمْ تَكُنْ (وَكَمَنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا قَبْلَ إخْرَاجِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ كَالتَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهَا، وَتُقَدَّمَ عَلَى نَذْرٍ، فَإِنْ قَدَّمَهُ لَمْ يَصِرْ زَكَاةً.
[بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ]
(بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ) هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ قَوْلِكَ: أَفْطَرَ الصَّائِمُ إفْطَارًا.
وَأُضِيفَتْ إلَى الْفِطْرِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي وُجُوبِهَا، فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ.
وَقِيلَ لَهَا: فِطْرَةٌ، لِأَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] ، وَهَذِهِ يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ عَنْ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ، وَهِيَ بِضَمِّ الْفَاء: كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِمَّا يَلْحَنُ فِيهِ الْعَامَّةُ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ لَهَا، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". وَهِيَ (صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ بِالْفِطْرِ مِنْ) آخِرِ (رَمَضَانَ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] هُوَ زَكَاةُ الْفِطْرِ (وَلَا تَسْقُطُ) الْفِطْرَةُ (بَعْدَ وُجُوبِهَا) وَهُوَ غُرُوبُ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ (بِمَوْتٍ وَلَا غَيْرِهِ) كَعِتْقِ عَبْدٍ أَوْ بَيْعِهِ، وَإِبَانَةِ زَوْجَةٍ لِاسْتِقْرَارِهَا.
(وَلَا تَجِبُ) الْفِطْرَةُ (إنْ وُجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ) شَمْسِ (لَيْلَةِ الْعِيدِ مَوْتٌ أَوْ رِدَّةٌ أَوْ بَانَتْ زَوْجَةٌ أَوْ عَتَقَ أَوْ بِيعَ عَبْدٌ أَوْ أَيْسَرَ قَرِيبٌ مُعْسِرٌ) بِسَبَبٍ، أَوْ انْتِقَالِ مِلْكٍ، فَلَا فِطْرَةَ فِي الْكُلِّ لِزَوَالِ السَّبَبِ قَبْلَ زَمَنِ الْوُجُوبِ (وَلَا) تَجِبُ الْفِطْرَةُ (إنْ أَسْلَمَ) كَافِرٌ أَوْ زَوْجَةٌ أَوْ قَرِيبٌ بَعْدَ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْعِيدِ (أَوْ مَلَكَ قِنًّا أَوْ) تَزَوَّجَ (زَوْجَةً أَوْ وُلِدَ لَهُ) مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ نَحْوِ وَلَدٍ أَوْ أَخٍ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْعِيدِ.
(وَهِيَ) ، أَيْ: زَكَاةُ الْفِطْرِ: (طُهْرَةٌ لِصَائِمٍ مِنْ لَغْوٍ وَرَفَثٍ وَتُسَمَّى فَرْضًا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ.
وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
وَدَعْوَى أَنَّ فَرَضَ بِمَعْنَى قَدَّرَ، مَرْدُودَةٌ بِأَنَّ كَلَامَ الرَّاوِي لَا يُحْمَلُ إلَّا عَلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ.
بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِهَا فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ
(وَمَصْرِفُهَا) ، أَيْ: زَكَاةِ الْفِطْرِ (كَزَكَاةِ الْمَالِ) ، لِعُمُومِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] الْآيَةُ
(وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا) ، أَيْ: زَكَاةِ الْفِطْرِ (دَيْنٌ) لِتَأَكُّدِهَا، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ وَكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَتَحَمَّلَهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَالدَّيْنُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْمَالِ (إلَّا مَعَ طَلَبٍ) بِالدَّيْنِ فَتَسْقُطُ لِوُجُوبِ أَدَائِهِ بِالطَّلَبِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، وَبِكَوْنِهِ أَسْبَقُ سَبَبًا.
(وَتَجِبُ) الْفِطْرَةُ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ (فَلَا تَلْزَمُ) الْفِطْرَةُ (كَافِرًا مَانَ مُسْلِمًا تَلْزَمُهُ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْمُسْلِمَ (مُؤْنَةُ نَفْسِهِ) بِخِلَافِ مَنْ لَا يُمَوِّنُ
نَفْسَهُ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، كَعَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ، هَلَّ عَلَيْهِ شَوَّالٌ، فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُهَا عَلَى الْكَافِرِ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَلَوْ) كَانَ (مُكَاتَبًا) فَتَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ كَمُؤْنَتِهَا (أَوْ صَغِيرًا) لِأَنَّهُ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ لِغِنَاهُ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ (فَيُخْرِجُ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ وَلِيُّهُ) لِمَفْهُومِ حَدِيثِ «أَدُّوا الْفِطْرَ عَمَّنْ تَمُونُونَ» فَإِنَّهُ خَاطَبَ بِالْوُجُوبِ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ لَخُوطِبَ بِهَا (بِفَاضِلٍ عَنْ قُوتِهِ) ، أَيْ: الْمُسْلِمِ الَّذِي يُمَوِّنُ نَفْسَهُ (وَ) عَنْ (مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ وَلَوْ) كَانَ الْفَاضِلُ (دُونَ صَاعٍ وَيُكْمِلُهُ) ، أَيْ: الصَّاعَ (مَنْ تَلْزَمُهُ) فِطْرَةُ مَنْ فَضَلَ عَنْهُ بَعْضُ صَاعٍ (لَوْ عَدِمَ) وَلَمْ يَفْضُلْ عِنْدَهُ شَيْءٌ (بَعْدَ حَاجَتِهِمَا) ، أَيْ: الْمُخْرِجِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ (لِمَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَدَابَّةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ) بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ، أَيْ: مِهْنَةٍ فِي الْخِدْمَةِ (وَلِحَافٍ وَفِرَاشٍ وَمِخَدَّةٍ، وَكُتُبِ عِلْمٍ يَحْتَاجُهَا لِنَظَرٍ وَحِفْظٍ وَدَارٍ يَحْتَاجُ أُجْرَتَهَا لِنَفَقَةٍ، وَسَائِمَةٍ يَحْتَاجُ لِنَمَائِهَا، وَبِضَاعَةٍ يَحْتَاجُ لِرِبْحِهَا، وَحُلِيِّ امْرَأَةٍ لِلُبْسِهَا أَوْ كِرَاءٍ تَحْتَاجُ إلَيْهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْفِطْرَةِ.
(وَتَلْزَمُهُ) ، أَيْ: الْمُسْلِمَ إذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَمَّا تَقَدَّمَ وَعَنْ فِطْرَتِهِ (عَمَّنْ يُمَوِّنُهُ مِنْ مُسْلِمٍ) كَزَوْجَةٍ وَوَلَدٍ (حَتَّى زَوْجَةِ عَبْدِهِ الْحُرَّةَ وَقِنِّ تِجَارَةٍ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ، وَكَذَا زَوْجَةُ وَالِدٍ وَوَلَدٍ تَجِبُ نَفَقَتُهُمَا عَلَيْهِ.
(وَ) حَتَّى (مَالِكِ نَفْعِ قِنٍّ فَقَطْ) بِأَنْ وَصَّى لَهُ بِنَفْعِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ، فَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ كَفِطْرَتِهِ (وَ) حَتَّى قِنٍّ (مَرْهُونٍ) وَكَذَا مَبِيعٌ فِي مُدَّةِ خِيَارٍ تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى مَنْ حَكَمَ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِرَاهِنٍ) شَيْءٌ (غَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ الْقِنِّ الْمَرْهُونِ، (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ فِطْرَتِهِ) كَأَرْشِ جِنَايَةٍ.
(وَ) حَتَّى (مَرِيضٍ لَا يَحْتَاجُ نَفَقَةً) لِعُمُومِ حَدِيث ابْنِ عُمَرَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَعَبْدُ الْمُضَارَبَةِ فِطْرَتُهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ كَنَفَقَتِهِ (وَ) حَتَّى (عَمَّنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَتِهِ رَمَضَانَ كُلَّهُ) نَصًّا، لِعُمُومِ حَدِيثِ «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَلِيٍّ " زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُكَ " وَإِنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَتِهِ بَعْضَ الشَّهْرِ أَوْ جَمَاعَةٌ فَلَا (وَ) حَتَّى (آبِقٍ وَمَغْصُوبٍ وَمَأْسُورٍ وَغَائِبٍ) وَمَحْبُوسٍ (وَلَوْ أَيْسَرَ مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُمْ، وَكَنَفَقَتِهِمْ، بِدَلِيلِ رُجُوعِ مَنْ رَدَّ الْآبِقَ بِنَفَقَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَا يَلْزَمُ إخْرَاجُهَا حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ.
زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يَعْلَمَ مَكَانَ الْآبِقِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " (لَكِنْ لَا تَجِبُ) فِطْرَةُ الْآبِقِ (مَعَ شَكِّ) سَيِّدِهِ (فِي حَيَاتِهِ) نَصًّا، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَقَاءَ مِلْكِهِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ، وَكَالنَّفَقَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ (فَإِنْ تَبَيَّنَتْ) حَيَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (أَخْرَجَ لِمَا مَضَى) لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ وُجُودٌ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي الْمَاضِي، فَوَجَبَ الْإِخْرَاجُ، كَمَالِ غَائِبٍ بَانَتْ سَلَامَتُهُ.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ) مَا يَكْفِي (لِجَمِيعِهِمْ، بَدَأَ بِنَفْسِهِ) لِحَدِيثِ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَكَالنَّفَقَةِ، وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ تُبْنَى عَلَيْهَا (فَزَوْجَتُهُ) إنْ فَضَلَ عَنْ فِطْرَةِ نَفْسِهِ شَيْءٌ، لِتَقَدُّمِ نَفَقَتِهَا عَلَى سَائِرِ النَّفَقَاتِ، وَلِوُجُوبِهَا مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، لِأَنَّهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ (فَرَقِيقُهُ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ مَعَ الْإِعْسَارِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ لِأَنَّهَا صِلَةٌ (فَأُمُّهُ) لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ قَالَ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمُّكَ.
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ.
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوكَ» وَلِضَعْفِهَا عَنْ الْكَسْبِ (فَأَبِيهِ) لِحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، (فَوَلَدُهُ) لِقُرْبِهِ (فَأَقْرَبُ فِي مِيرَاثٍ) لِأَوْلَوِيَّتِهِ، فَقُدِّمَ كَمِيرَاثٍ (وَيُقْرَعُ مَعَ تَسَاوٍ) كَأَوْلَادٍ وَإِخْوَةٍ وَأَعْمَامٍ، وَلَمْ يَفْضُلْ
مَا يَكْفِيهِمْ، لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ
(وَتُسَنُّ) الْفِطْرَةُ (عَنْ جَنِينٍ) لِفِعْلِ عُثْمَانَ.
" وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ " رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي.
وَلَا تَجِبُ عَنْهُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، إجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(وَيَتَّجِهُ: لَا) يُسَنُّ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ (مِنْ مَالِهِ) ، أَيْ: الْجَنِينِ بَلْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَنْمِيَتُهُ لَهُ، وَالْإِخْرَاجُ مِنْهُ يُنَافِيهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَكَانَ عَطَاءٌ يُعْطِي عَنْ أَبَوَيْهِ) بَعْدَ مَوْتِهِمَا (صَدَقَةَ الْفِطْرِ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ تَبَرُّعٌ) مِنْهُ (اسْتَحْسَنَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (وَفِطْرَةُ مُبَعَّضٍ) ، وَلَوْ مُهَايَأَةً تُقَسَّطُ (وَ) فِطْرَةُ (قِنٍّ مُشْتَرَكٍ) بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ تُقَسَّطُ (وَ) فِطْرَةُ (مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَارِثٍ) كَجَدٍّ وَأَخٍ لِغَيْرِ أُمٍّ وَكَجَدَّةٍ وَبِنْتٍ تُقَسَّطُ (أَوْ مُلْحَقٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ (بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ) بِأَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَبَوَيْنِ فَأَكْثَرَ (تُقَسَّطُ) فِطْرَتُهُ (بِحَسَبِ مِلْكٍ) فِي الْأُولَيَيْنِ (أَوْ إرْثٍ) فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ تُقْسَمُ بِحَسَبِ الْمُلَّاكِ وَالْوَرَثَةِ، وَالْفِطْرَةُ تَابِعَةٌ لَهَا، وَلِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ، فَكَانَتْ عَلَى السَّادَةِ وَالْوَارِثِ بِالْحِصَصِ، كَمَاءِ غُسْلِ جَنَابَةٍ.
وَلَا تَدْخُلُ فِطْرَةٌ فِي مُهَايَأَةٍ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ كَالصَّلَاةِ (وَمَنْ عَجَزَ مِنْهُمْ) ، أَيْ: الْمُلَّاكِ وَالْوَارِثِ (لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ) الَّذِي لَمْ يَعْجَزْ (سِوَى قِسْطِهِ) مِنْ فِطْرَةٍ (كَشَرِيكٍ ذِمِّيٍّ) فِي مَالٍ زَكَوِيٍّ
(وَلَا تَجِبُ) فِطْرَةٌ (عَمَّنْ نَفَقَتُهُ بِبَيْتِ مَالٍ كَلَقِيطٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْفَاقِ، بَلْ إيصَالُ مَالٍ فِي حَقِّهِ (أَوْ) قِنٍّ (لَا مَالِكَ لَهُ مُعَيَّنٌ كَعَبْدِ غَنِيمَةٍ وَفَيْءٍ) قَبْلَ قِسْمَتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) فِطْرَةُ أَجِيرٍ وَظِئْرٍ (عَلَى مُسْتَأْجِرٍ أَجِيرًا وَ) مُسْتَأْجِرِ (ظِئْرٍ بِطَعَامِهِمَا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا أُجْرَةٌ تَعْتَمِدُ الشَّرْطَ فِي الْعَقْدِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِدَرَاهِمَ، وَلِهَذَا تَخْتَصُّ بِزَمَنٍ مُقَدَّرٍ كَسَائِرِ الْأُجَرِ
(وَلَا) فِطْرَةَ (عَنْ زَوْجَةٍ نَاشِزٍ، وَإِنْ) كَانَتْ (حَامِلًا) ، لِأَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا فَهِيَ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَنَفَقَةُ الْحَامِلِ لِلْحَمْلِ، وَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ، (أَوْ) زَوْجَةٍ (لَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا لِنَحْوِ صِغَرٍ) لَهُمَا عَنْ تِسْعِ سِنِينَ (وَحَبْسِ) هَا وَغِيبَتهَا لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا وَلَوْ بِإِذْنِهِ، لِأَنَّهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ، (أَوْ) زَوْجَةٍ (أَمَةٍ تَسَلَّمَهَا) زَوْجُهَا (لَيْلًا فَقَطْ) دُونَ نَهَارٍ، لِأَنَّهَا زَمَنُ وُجُوبٍ فِي نَوْبَةِ سَيِّدٍ، (وَهِيَ) ، أَيْ: نَفَقَةُ أَمَةٍ تَسَلَّمَهَا زَوْجُهَا لَيْلًا فَقَطْ، (عَلَى سَيِّدِهَا، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ الْفِطْرَةِ (مَنْ لَزِمَتْهُ) وَهُوَ زَوْجُ الْأَمَةِ (بِتَسَلُّمِهَا نَهَارًا) وَلَيْلًا مَعًا، لِأَنَّهُ إذَنْ كَالْمَعْدُومِ، (أَوْ عَجَزَ عَنْهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةِ (زَوْجُ حُرَّةٍ، فَتُخْرِجُ) الْفِطْرَةَ (هِيَ) ، أَيْ: الزَّوْجَةُ الْحُرَّةَ عَنْ نَفْسِهَا.
(وَلَا يَرْجِعَانِ) ، أَيْ: الزَّوْجَةُ وَالسَّيِّدُ (بِهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةُ (عَلَى زَوْجٍ أَيْسَرَ) ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلُ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّحَمُّلِ وَالْمُوَاسَاةِ.
(وَلِمَنْ لَزِمَتْ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ) كَزَوْجَةٍ وَوَلَدٍ مُعْسِرٍ (طَلَبُهُ بِإِخْرَاجِهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةِ عَنْهُ كَالنَّفَقَةِ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا، (وَ) لَهُ (أَنْ يُخْرِجَهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةَ (حُرٌّ) مُكَلَّفٌ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ (عَنْ نَفْسِهِ) مِمَّا اقْتَرَضَهُ أَوْ اتَّهَبَهُ.
(وَيَتَّجِهُ: لَا) يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا (مِنْ مَالِ مَنْ تَلْزَمُهُ) فِطْرَتُهُ بِدُونِ إذْنِهِ إلَّا أَنْ يُطَالَبَ، وَيَمْتَنِعَ مِنْ إخْرَاجِهَا عَنْهُ، فَلَهُ الْأَخْذُ حِينَئِذٍ مِنْ مَالِهِ وَالْإِخْرَاجُ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتُجْزِئُ) عَنْهُ وَلَوْ أَخْرَجَهَا (بِلَا إذْنِهِ) ، أَيْ: إذْنِ مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، لِأَنَّهُ مُتَحَمِّلٌ، وَالْمُخَاطَبُ بِهَا ابْتِدَاءً الْمُخْرِجُ.
(وَمَنْ أَخْرَجَ) فِطْرَةً (عَمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ بِإِذْنِهِ، أَجْزَأَ) ، لِأَنَّهُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ، (وَإِلَّا) يُخْرِجْهَا بِإِذْنِهِ، (فَلَا) يُجْزِئُهُ إخْرَاجُهَا، (وَيُخْرِجُهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةَ (عَمَّنْ تَلْزَمُهُ) فِطْرَتُهُ (مَعَ فِطْرَتِهِ) ، أَيْ: فِطْرَةِ نَفْسِهِ (مَكَانَ نَفْسِهِ) ، أَيْ: فَلَا يُخْرِجُهَا بِمَكَانِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ، بَلْ يُخْرِجُهَا بِالْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ، لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلْمُخْرَجِ عَنْهُ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ.
[فَرْعٌ الْأَفْضَلُ إخْرَاجُ فِطْرَةِ يَوْمِ عِيدٍ قَبْلَ صَلَاتِهِ]
(فَرْعٌ: الْأَفْضَلُ إخْرَاجُ فِطْرَةِ يَوْمِ عِيدٍ قَبْلَ صَلَاتِهِ) ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» (أَوْ) مَضَى (قَدْرُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْعِيدِ حَيْثُ لَا تُصَلَّى، (وَيَأْثَمُ مُؤَخِّرُهَا عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ لِجَوَازِهَا فِيهِ كُلِّهِ، لِحَدِيثِ «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ» وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِهِ.
«وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقْسِمُهَا مَا بَيْنَ مُسْتَحَقِّيهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ» . فَدَلَّ عَلَى الْأَمْرِ بِتَقْدِيمِهَا عَلَى الصَّلَاةِ لِلِاسْتِحْبَابِ.
(فَتَجِبُ) ، أَيْ: يَجِبُ إخْرَاجُهَا (مَعَ ضِيقِهِ) ، أَيْ: وَقْتِهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ، لِخُرُوجِ وَقْتِهَا بِغُرُوبِ شَمْسِهِ.
(وَتُقْضَى) إنْ أَخَّرَهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ، وَيَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهَا لِمُخَالَفَتِهِ الْأَمْرَ.
(وَتُكْرَهُ بِبَاقِيهِ) ، أَيْ: يَوْمِ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِهَا، وَ (لَا) تُكْرَهُ (بِيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ) ، أَيْ: يَوْمِ الْعِيدِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: " كَانُوا
يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ تَعْجِيلَهَا كَذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِهَا إذْ الظَّاهِرُ بَقَاؤُهَا أَوْ بَعْضِهَا إلَى يَوْمِ الْعِيدِ.
(وَلَا تُجْزِئُ) فِطْرَةٌ أَخْرَجَهَا (قَبْلَهُمَا) ، أَيْ: الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيهِمَا الْعِيدُ، لِحَدِيثِ «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» وَمَتَى قَدَّمَهَا بِزَمَنٍ كَثِيرٍ فَاتَ الْإِغْنَاءُ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَقْصُودٌ، وَفِي يَوْمِ عِيدٍ، فَاخْتَصَّ بِهِ وَبِمَا قَارَبَهُ كَالْأُضْحِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ عَنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يُجْزِئْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ بِالزَّمَنِ الْكَثِيرِ.
[فَصْلٌ الْوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعُ بُرٍّ]
(فَصْلٌ) (وَالْوَاجِبُ فِيهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةِ: (صَاعُ بُرٍّ) ، لِأَنَّهُ الَّذِي أُخْرِجَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحِكْمَتُهُ: كِفَايَةُ الصَّاعِ لِلْفَقِيرِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ، (وَ) إنْ أَخْرَجَ (فَوْقَهُ) ، أَيْ: الصَّاعِ، فَهُوَ (أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ زَادَ الْفَقِيرَ خَيْرًا، وَاسْتَبْعَدَ أَحْمَدُ مَا نُقِلَ لَهُ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَزِيدُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ خَمْسًا، (وَهُوَ مُخْتَلِفٌ وَزْنًا بِاخْتِلَافِ حَبِّهِ ثِقَلًا وَخِفَّةً) كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، (فَالْعِبْرَةُ بِمِثْلِ مَكِيلِهِ) ، أَيْ: الْبُرِّ (مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقِطٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(أَوْ) صَاعَ (مَجْمُوعٍ مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: مِنْ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى إجْزَاءِ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَجُوزُ مُنْفَرِدًا، فَجَازَ مَعَ غَيْرِهِ، لِتَقَارُبِ مَقْصُودِهَا وَاتِّحَادِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُ مُخْرِجًا قُوتًا لَهُ) كَالْأَقِطِ، مَعَ وُجُودِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
(وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ) الْأُصُولِ (الْخَمْسَةِ لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِهَا) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ.
(وَيُحْتَاطُ فِي ثَقِيلٍ) كَتَمْرٍ (مَنْ أَخْرَجَ وَزْنًا أَوْ جُزَافًا) فَيَزِيدُ شَيْئًا (لِيَبْلُغَ قَدْرَ صَاعٍ لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ) خُرُوجًا مِنْ الْعُهْدَةِ.
(وَقَدَّرَ جَمَاعَةٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ شَارِحُ " الْمُنْتَهَى " (الصَّاعَ بِأَرْبَعِ حَفَنَاتٍ) جَمْعُ: حَفْنَةٍ مِنْ الْحَفْنِ، وَهُوَ: أَخْذُ الشَّيْءِ بِالرَّاحَةِ وَالْأَصَابِعُ مَضْمُومَةٌ، أَوْ: الْجَرْفُ بِكِلْتَا الْيَدَيْنِ، (بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْخِلْقَةِ) وَهُوَ قَدَحَانِ.
(وَيُجْزِئُ دَقِيقُ بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَسَوِيقُهُمَا، وَهُوَ: مَا يُحَمَّصُ ثُمَّ يُطْحَنُ، بِوَزْنِ حَبِّهِ) نَصًّا، لِتَفَرُّقِ الْأَجْزَاءِ بِالطَّحْنِ.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى إجْزَاءِ الدَّقِيقِ بِزِيَادَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ» قِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: إنَّ أَحَدًا لَا يَذْكُرُهُ فِيهِ، قَالَ: بَلْ هُوَ فِيهِ، أَيْ: حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، قَالَ الْمَجْدُ: بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ، لِأَنَّهُ كَفَى مُؤْنَتَهُ كَتَمْرٍ مَنْزُوعٍ نَوَاهُ.
(وَلَوْ) كَانَ الدَّقِيقُ (بِلَا نَخْلٍ) ، لِأَنَّهُ بِوَزْنِ حَبِّهِ.
(كَ) مَا يُجْزِئُ حَبٌّ (بِلَا تَنْقِيَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا شَيْءٌ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُحِبُّ أَنْ يُنَقِّيَ الطَّعَامَ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ لِيَكُونَ عَلَى الْكَمَالِ، وَيَسْلَمَ مِمَّا يُخَالِطُهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَ (لَا) يُجْزِئُ (خُبْزٌ) لِخُرُوجِهِ عَنْ الْكَيْلِ وَالِادِّخَارِ، وَكَذَا بِكِصْمَاتٍ وَهَرِيسَةٌ.
(وَ) لَا يُجْزِئُ (مَعِيبٌ) مِمَّا تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] ، (كَمُسَوَّسٍ) ، لِأَنَّ السُّوسَ أَكَلَ جَوْفَهُ،
(وَمَبْلُولٍ) لِأَنَّ الْبَلَلَ يَنْفُخُهُ، (وَقَدِيمٍ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ) لِعَيْبِهِ بِتَغَيُّرِ طَعْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أَجْزَأَ لِعَدَمِ عَيْبِهِ.
وَالْجَدِيدُ أَفْضَلُ.
(وَنَحْوِهِ) ، أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَعِيبِ.
(وَ) لَا يُجْزِئُ صِنْفٌ مِنْ الْخَمْسَةِ (مُخْتَلِطٌ) بِ (كَثِيرٍ مِمَّا لَا يُجْزِئُ) كَقَمْحٍ اخْتَلَطَ بِكَثِيرِ زُوَانٍ أَوْ عَدَسٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرٌ مُجْزِئٌ مِنْهُ (وَيُزَادُ) عَلَى صَاعٍ (إنْ قَلَّ) خَلِيطٌ لَا يُجْزِئُ (بِقَدْرِهِ) ، أَيْ: الْخَلِيطِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُصَفَّى صَاعًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَيْبًا لِقِلَّةِ مَشَقَّةِ تَنْقِيَتِهِ.
وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ قِيمَةِ الصَّاعِ نَصًّا.
(وَيَتَّجِهُ: وَإِلَّا) يَكُنْ الْمُخْتَلَطُ قَلِيلًا (صَفَّاهُ) لِيَخْتَبِرَ خَالِصَهُ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ تَصْفِيَتِهِ (زَادَ بِقَدْرِهِ) ، أَيْ: الْمَعِيبِ الْمُخْتَلَطِ، لِيُخْرِجَ قَدْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ يَقِينًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيُخْرِجُ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ) ، أَيْ: الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ (مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ حَبٍّ) يُقْتَاتُ، (وَ) مِنْ (ثَمَرٍ مَكِيلٍ يُقْتَاتُ كَذُرَةٍ وَدُخْنٍ وَرُزٍّ وَعَدَسٍ وَتِينٍ) يَابِسٍ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى.
و (لَا) يُجْزِئُ إخْرَاجُ (مَا يُقْتَاتُ مِنْ نَحْوِ لَحْمٍ وَلَبَنٍ) وَكِشْكٍ وَبَقْلٍ وَشِبْهَهُ.
(وَأَفْضَلُ مُخْرَجٍ تَمْرٌ) " لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ لَهُ أَبُو مِجْلَزٍ: " إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالْبُرُّ أَفْضَلُ، فَقَالَ: إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قُوَّةٌ وَحَلَاوَةٌ، وَأَقْرَبُ تَنَاوُلًا، وَأَقَلُّ كُلْفَةً، (فَزَبِيبٌ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّمْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ (فَبُرٌّ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ فِي الِاقْتِيَاتِ، وَأَبْلَغُ فِي دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، (فَشَعِيرٌ فَدَقِيقُهُمَا) ، أَيْ: دَقِيقُ بُرٍّ، فَدَقِيقُ شَعِيرٍ،
(فَسَوِيقُهُمَا) كَذَلِكَ، (فَأَقِطٌ، وَهُوَ: شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنْ الْمَخِيضِ) أَوْ مِنْ لَبَنِ إبِلٍ فَقَطْ.
(وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَنْقُصَ مُعْطًى) مِنْ فِطْرَةٍ (عَنْ مُدِّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) ، أَيْ: الْبُرِّ لِيُغْنِيَهُ عَنْ السُّؤَالِ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
(وَيَجُوزُ إعْطَاءُ) نَحْوِ فَقِيرٍ (وَاحِدٍ مَا عَلَى جَمَاعَةٍ) مِنْ فِطْرَةٍ، (وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) ، أَيْ: إعْطَاءُ جَمَاعَةٍ مَا عَلَى وَاحِدٍ.
(وَلِإِمَامٍ وَنَائِبِهِ رَدُّ زَكَاةٍ وَ) رَدُّ (فِطْرَةٍ وَخُمْسِ رِكَازٍ إلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُ إنْ كَانَ أَهْلًا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ
(وَلِفَقِيرٍ دَفْعُ فِطْرَةٍ وَزَكَاةٍ لِمَنْ دَفَعَهُمَا إلَيْهِ) فَيَرُدُّهُمَا بَعْدَ أَخْذِهِمَا إلَى مَنْ أَخَذَهُمَا مِنْهُ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ قَبْضَ الْإِمَامِ أَوْ الْفَقِيرِ أَزَالَ مِلْكَ الْمُخْرِجِ، وَعَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ، فَإِنَّ تَرِكَتَهُ الزَّكَاةُ أَوْ الْفِطْرَةُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِلَا قَبْضٍ، وَلَمْ يَبْرَأْ (حَتَّى) وَلَوْ كَانَ دَفَعَهُمَا إلَيْهِ (عَنْ زَكَاتِهِ) . قَالَ (الْمُنَقِّحُ: مَا لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ) ، أَيْ: عَلَى عَدَمِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ، فَيَمْتَنِعُ كَسَائِرِ الْحِيَلِ عَلَى مُحَرَّمٍ
[تَنْبِيهٌ لَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ وَزَكَاةٍ إخْرَاجُ قِيمَةٍ]
(تَنْبِيهٌ: لَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ وَزَكَاةٍ إخْرَاجُ قِيمَةٍ وَلَوْ لِحَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
(وَحَرُمَ، وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ زَكَاتِهِ أَوْ) شِرَاءُ (صَدَقَتِهِ) لِحَدِيثِ عُمَرَ قَالَ: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي عِنْدَهُ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعَهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ شِرَاءَهَا وَسِيلَةٌ إلَى اسْتِرْجَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّهُ يَسْتَحْيِي أَنْ يُمَاكِسَهُ فِي ثَمَنِهَا، وَرُبَّمَا سَامَحَهُ طَمَعًا بِمِثْلِهَا، أَوْ خَوْفًا مِنْهُ إذَا لَمْ يَبِعْهَا مِنْهُ أَنْ لَا يُعْطِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَفَاسِدُ، فَوَجَبَ حَسْمُ الْمَادَّةِ، (وَلَوْ) كَانَ شِرَاؤُهُ لَهَا (مِنْ غَيْرِ مَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ.
(فَإِنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ) زَكَاتُهُ أَوْ صَدَقَتُهُ (بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ) ، جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ، لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيُّ.
(أَوْ أَخَذَهَا مِنْ دَيْنِهِ) بِلَا مُوَاطَأَةٍ، (جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ) ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
[بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ]
(بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حُكْمِ النَّقْلِ وَالتَّعْجِيلِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ (وَاجِبٌ فَوْرًا، فَيَضْمَنُ سَاعٍ وَوَكِيلٌ أَخَّرَا دَفْعَهَا لِفُقَرَاءَ) وَنَحْوِهِمْ (بِلَا عُذْرٍ) لِتَفْرِيطِهِمَا، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ وَمِنْهُ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] ، يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ، بِدَلِيلِ:.
﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] فَوَبَّخَهُ إذْ لَمْ يَسْجُدْ حِينَ أُمِرَ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ أُجِبْهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24] ،؟» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا أَمَرَ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ فَأَهْمَلَهُ حَسُنَ لَوْمُهُ وَتَوْبِيخُهُ عُرْفًا، وَلَمْ يَكُنْ انْتِفَاءُ قَرِينَةِ الْفَوْرِ عُذْرًا.
(كَ) مَا يَجِبُ إخْرَاجُ (نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ) عَلَى الْفَوْرِ (إنْ أَمْكَنَ) إخْرَاجُهَا، كَمَا لَوْ طُولِبَ بِهَا، وَلِأَنَّ النُّفُوسَ جُبِلَتْ عَلَى الشُّحِّ، وَحَاجَةُ الْفَقِيرِ نَاجِزَةٌ، فَإِذَا أُخِّرَ الْإِخْرَاجُ اخْتَلَّ الْمَقْصُودُ، وَرُبَّمَا فَاتَ بِطُرُوِّ نَحْوِ إفْلَاسٍ أَوْ مَوْتٍ، (وَلَمْ يَخَفْ) مُزَكٍّ (رُجُوعَ سَاعٍ) عَلَيْهِ بِهَا
إنْ أَخْرَجَهَا بِلَا عِلْمِهِ (أَوْ) لَمْ يَخَفْ بِدَفْعِهَا فَوْرًا ضَرَرًا (عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَنَحْوِهِ) كَمَعِيشَةٍ، لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ، فَالزَّكَاةُ أَوْلَى.
(وَلَهُ تَأْخِيرُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لِأَشَدِّ حَاجَةٍ) ، أَيْ: لِيَدْفَعَهَا لِمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ مِمَّنْ هُوَ حَاضِرٌ نَصًّا، وَقَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ، (وَ) لَهُ تَأْخِيرُهَا لِ (قَرِيبٍ وَلِحَاجَتِهِ) أَيْ: الْمَالِكِ إلَيْهَا (إلَى يَسَارِهِ) نَصًّا، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ " أَنَّهُمْ احْتَاجُوا عَامًا، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ الصَّدَقَةَ فِيهِ، وَأَخَذَهَا مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى " (وَ) لَهُ تَأْخِيرُهَا (لِتَعَذُّرِ إخْرَاجِهَا مِنْ مَالٍ لِنَحْوِ غَيْبَتِهِ) كَغَصْبِهِ وَسَرِقَتِهِ وَكَوْنِهِ دَيْنًا (إلَى قُدْرَتِهِ) عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلَّفُهَا مِنْ غَيْرِهِ.
(وَلَوْ قَدَرَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ غَيْرِهِ) لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ مِنْ عَيْنِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهِ رُخْصَةٌ، فَلَا تَنْقَلِبُ تَضْيِيقًا.
(وَلِإِمَامٍ وَسَاعٍ تَأْخِيرُهَا عِنْدَ رَبِّهَا لِمَصْلَحَةٍ كَحِفْظٍ) نَصًّا، لِفِعْلِ عُمَرَ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْعَبَّاسِ: «فَهِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَكَذَا أَوَّلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ.
"
(وَمَنْ بَذَلَ الْوَاجِبَ) عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ لِإِمَامٍ أَوْ سَاعٍ أَوْ فَقِيرٍ (لَزِمَ) مَدْفُوعًا إلَيْهِ (قَبُولُهُ) ، أَيْ: الْمَبْذُولِ، (وَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْبَاذِلِ، لِأَنَّهُ أَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ شَرْعًا.
(وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، (لَا) إنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا، (حَيْثُ اُخْتُلِفَ فِيهِ كَ) جَحْدِهِ وُجُوبَهَا عَنْ (مَالِ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَ) عَنْ (رِكَازٍ وَ) عَنْ (عَرَضِ) تِجَارَةٍ، (وَ) عَنْ (فِطْرَةٍ) عَلَى أَهْلِ بَادِيَةٍ، فَلَا ارْتِدَادَ لِقُوَّةِ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا فِيمَا ذُكِرَ، (عَالِمًا) وُجُوبَهَا، (أَوْ جَاهِلًا) بِهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِإِسْلَامٍ، أَوْ
كَوْنِهِ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْقُرَى (وَعَرَفَ) جَاهِلٌ (فَعَلِمَ وَأَصَرَّ) عَلَى جُحُودِهِ عِنَادًا، (فَقَدْ ارْتَدَّ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، (وَلَوْ أَخْرَجَهَا) جَاحِدًا لِظُهُورِ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ، فَلَا عُذْرَ لَهُ، (وَتُؤْخَذُ) مِنْهُ (بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا) لِاسْتِحْقَاقِ أَهْلِ الزَّكَاةِ لَهَا (وَيُعَامَلُ كَمُرْتَدٍّ) ، أَيْ: فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَمَنْ مَنَعَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (بُخْلًا) بِهَا (أَوْ تَهَاوُنًا) بِلَا جَحْدٍ، (أُخِذَتْ) مِنْهُ قَهْرًا كَدَيْنِ آدَمِيٍّ، وَخَرَاجٍ (وَعَزَّرَ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ) ، أَيْ: الْمَنْعِ بُخْلًا أَوْ تَهَاوُنًا (إمَامٌ) فَاعِلُ عَزَّرَ (عَادِلٌ) فِي الزَّكَاةِ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي غَيْرِهَا (أَوْ) عَزَّرَهُ (عَامِلٌ) عَدْلٌ لِمَنْعِهِ الزَّكَاةَ، (وَ) إنْ كَانَ الْإِمَامُ (غَيْرَ عَادِلٍ) لَا يَصْرِفُهَا فِي مَصْرِفِهَا، فَهُوَ عُذْرٌ فِي عَدَمِ دَفْعِهَا إلَيْهِ، فَ (لَا) يُعَزِّرُهُ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ
(فَإِنْ غَيَّبَ مَالَهُ أَوْ كَتَمَهُ أَوْ قَاتَلَ دُونَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ، أَيْ: قَاتَلَ جَابِيَهَا، (وَأَمْكَنَ أَخْذَهَا) مِنْهُ (بِقِتَالِهِ) ، أَيْ: قِتَالِ الْإِمَامِ إيَّاهُ، (وَجَبَ قِتَالُهُ عَلَى إمَامٍ وَضَعَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (مَوَاضِعَهَا) " لِاتِّفَاقِ الصِّدِّيقِ وَالصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا - وَفِي لَفْظٍ عِقَالًا - كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ (فَقَطْ) ، أَيْ: بِلَا زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ.
وَمَنْ سَأَلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطَاهُ.
وَكَانَ مَنْعُ الزَّكَاةِ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ مَعَ تَوَفُّرِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ أَخْذُ زِيَادَةٍ، وَلَا قَوْلٌ بِهِ.
وَحَدِيثُ: «فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إبِلِهِ أَوْ مَالِهِ» كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ بِالْمَالِ، ثُمَّ نُسِخَ فِي حَدِيثِ الصِّدِّيقِ.
(وَلَا يُكَفَّرُ) مَانِعُ زَكَاةٍ غَيْرُ جَاحِدٍ إذَا قَاتَلَ عَلَيْهَا (بِقِتَالِهِ لِلْإِمَامِ) ، لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ إلَّا الصَّلَاةَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَمَا وَرَدَ مِنْ التَّكْفِيرِ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى جَاحِدِ الْوُجُوبِ أَوْ التَّغْلِيظِ، (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (مِنْهُ) وَهُوَ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ، (اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا) لِأَنَّهَا مِنْ مَبَانِي الْإِسْلَامِ، فَيُسْتَتَابُ تَارِكُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَالصَّلَاةِ، (فَإِنْ) تَابَ وَ (أَخْرَجَ) الزَّكَاةَ كُفَّ عَنْهُ، (وَإِلَّا قُتِلَ) ، لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِيهَا (حَدًّا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ، (وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ (مِنْ تَرِكَتِهِ) كَمَا لَوْ مَاتَ، وَالْقَتْلُ لَا يُسْقِطُ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، فَكَذَا الزَّكَاةُ
(وَمَنْ ادَّعَى أَدَاءَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ وَقَدْ طُولِبَ بِهَا، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، (أَوْ) ادَّعَى (بَقَاءَ حَوْلٍ، أَوْ) ادَّعَى (نَقْصَ نِصَابٍ، أَوْ) ادَّعَى (زَوَالَ مِلْكِهِ) عَنْ النِّصَابِ فِي الْحَوْلِ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ) ادَّعَى (تَجَدُّدَهُ) ، أَيْ: مِلْكِ النِّصَابِ (قَرِيبًا، أَوْ) ادَّعَى (أَنْ مَا بِيَدِهِ) مِنْ مَالٍ زَكَوِيٍّ (لِغَيْرِهِ) ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ) ادَّعَى (أَنَّهُ) ، أَيْ: مَالَ السَّائِمَةِ (مُفْرَدٌ أَوْ مُخْتَلِطٌ) ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، (أَوْ) ادَّعَى (عَلَفَ سَائِمَةٍ) نِصْفَ الْحَوْلِ فَأَكْثَرَ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ) ادَّعَى (بِلَا قِنْيَةِ عَرَضِ) تِجَارَةٍ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ أَقَرَّ بِقَدْرِ زَكَاتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ مَالِهِ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ) ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا (كَصَلَاةٍ وَكَفَّارَةٍ، بِخِلَافِ وَصِيَّتِهِ لِفُقَرَاءَ) بِمَالٍ، وَكَذَا إنْ مَرَّ بِعَاشِرٍ وَادَّعَى أَنَّهُ عَشَرَهُ عَاشِرٌ آخَرَ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَخَذَ مِنْهُ الْمُصَدِّقُ كَتَبَ لَهُ بَرَاءَةً، فَإِذَا جَاءَ آخَرُ أَخْرَجَ إلَيْهِ بَرَاءَتَهُ لِتَنْتِفِي التُّهْمَةُ عَنْهُ.
(وَيَلْزَمُ) بِإِخْرَاجٍ (عَنْ) مَالِ (صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَلِيَّهُمَا) ، فَيُخْرِجُ (مِنْ مَالِهِمَا) لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا، فَوَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَدَاؤُهَا
عَنْهُمَا (بِنِيَّةٍ مِنْهُ) ، أَيْ: الْوَلِيِّ (كَنَفَقَةِ قَرِيبٍ) لَهُمَا، (وَ) نَفَقَةِ (زَوْجَةٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ لَهُمَا) .
(وَسُنَّ) لِمُخْرِجِ زَكَاةٍ (مُطْلَقًا) - سَوَاءٌ فَرَّقَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ، وَسَوَاءٌ الْمَالُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِطْرَةٌ أَوْ زَكَاةُ مَالٍ، وَسَوَاءٌ نَفَى التُّهْمَةَ عَنْهُ بِإِخْرَاجِهِ لَهَا أَوْ لَا - (إظْهَارُ زَكَاةٍ) ، لِتَنْتِفِي التُّهْمَةُ عَنْهُ وَيُقْتَدَى بِهِ.
(وَ) سُنَّ (تَفْرِقَةُ رَبِّهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (بِنَفْسِهِ) لِتَيَقُّنِ وُصُولِهَا إلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَكَالدَّيْنِ (بِشَرْطِ أَمَانَتِهِ) ، أَيْ: رَبِّ الْمَالِ، (وَهُوَ) ، أَيْ: دَفْعُهَا مِنْ يَدِهِ (أَفْضَلُ مِنْ دَفْعِهَا لِإِمَامٍ عَادِلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271] الْآيَةُ.
وَكَالدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِنَفْسِهِ فَالْأَفْضَلُ دَفْعُهَا إلَى السَّاعِي.
وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَنَعَهُ الشُّحُّ مِنْ إخْرَاجِهَا أَوْ بَعْضِهَا.
(وَ) سُنَّ (قَوْلُهُ) ، أَيْ: رَبِّ الْمَالِ (عِنْدَ دَفْعِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا) ، أَيْ: مُثْمِرَةً، (وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا) ، أَيْ: مُنْقِصَةً، لِأَنَّ التَّثْمِيرَ كَالْغَنِيمَةِ، وَالتَّنْقِيصَ كَالْغَرَامَةِ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا أَعْطَيْتُمْ الزَّكَاةَ فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ الْبَخْتَرِيُّ بْنُ عُبَيْدٍ ضَعِيفٌ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ لِأَدَائِهَا.
(وَ) سُنَّ (قَوْلُ آخِذٍ) مِنْ مُسْتَحَقٍّ، (وَعَامِلٍ آكَدَ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا) .
(وَلَا يُكْرَهُ دُعَاؤُهُ) ، أَيْ: الْآخِذِ (بِلَفْظِ صَلَاةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] ، أَيْ: اُدْعُ لَهُمْ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ.
فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ سُعَاتَهُ.
(وَلَهُ) ، أَيْ: رَبِّ الْمَالِ (دَفْعُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لِسَاعٍ وَإِمَامٍ وَلَوْ فَاسِقًا يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا) ، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " أَتَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقُلْتُ: لِي مَالٌ، وَأُرِيدُ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ: ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا، فَجَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ.
(وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا، (حَرُمَ) دَفْعُهَا إلَيْهِ (وَيَجِبُ كَتْمُهَا إذَنْ) ، قَالَهُ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَنَصَّ الْإِمَامُ عَلَى خِلَافِهِ.
قَالَ فِي.
" الشَّرْحِ ": لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ دَفْعَهَا لِلْإِمَامِ جَائِزٌ، سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةُ أَوْ الْبَاطِنَةُ، وَيَبْرَأُ بِدَفْعِهَا سَوَاءٌ تَلِفَتْ فِي يَدِ الْإِمَامِ أَوْ لَا، أَوْ صَرَفَهَا فِي مَصَارِفِهَا أَوْ لَمْ يَصْرِفْهَا.
انْتَهَى.
وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ بِهَا الْكِلَابَ، وَيَشْرَبُونَ بِهَا الْخُمُورَ.
قَالَ: ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ " حَكَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ.
وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ: " ادْفَعُوهَا لِمَنْ غَلَبَ " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " ادْفَعُوهَا إلَى الْأُمَرَاءِ وَإِنْ كَرَعُوا بِهَا لُحُومَ الْكِلَابِ عَلَى مَوَائِدِهِمْ " رَوَاهُمَا عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: كَانُوا يَدْفَعُونَ الزَّكَاةَ إلَى الْأُمَرَاءِ، وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُونَ بِدَفْعِهَا، وَقَدْ عَلِمُوا فِيمَا يُنْفِقُونَهَا، فَمَا أَقُولُ أَنَا؟ ، (وَيَبْرَأُ) دَافِعُ زَكَاةٍ إلَى السَّاعِي أَوْ الْإِمَامِ (بِدَفْعِهَا إلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَصْرِفْهَا مَصَارِفَهَا) لِمَا سَبَقَ.
(وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) ، أَيْ: كَالزَّكَاةِ فِي الْحُكْمِ (كُلُّ مَالٍ ضَائِعٍ أَوْ لَا وَارِثَ لَهُ) يُدْفَعُ إلَى الْإِمَامِ لِيَصْرِفَهُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَيَبْرَأُ دَافِعُهُ مِنْ عُهْدَتِهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ فِي يَدِ الْإِمَامِ أَوْ لَا، صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ أَوْ لَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ لِخَوَارِجَ وَبُغَاةٍ) إذَا غَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ، وَأَخَذُوا مِنْهُ الْعُشْرَ، وَقَعَ مَوْقِعَهُ نَصًّا، (وَكَذَلِكَ مَنْ أَخَذَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (مِنْ السَّلَاطِينِ قَهْرًا أَوْ اخْتِيَارًا عَدَلَ فِيهَا أَوْ جَارَ) ، وَيَأْتِي فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ.
(وَلِإِمَامٍ طَلَبُ نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ، الظِّهَارِ: (وَ) لَهُ طَلَبُ (زَكَاةٍ) مِنْ الْمَالِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ (إنْ وَضَعَهَا فِي أَهْلِهَا، وَلَا يَلْزَمُ دَفْعُهَا لَهُ إذَا طَلَبَهَا) بَلْ لِرَبِّهَا تَفْرِقَتُهَا بِنَفْسِهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَيْسَ لَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (إجْبَارُ مُمْتَنِعٍ إذَنْ) ، أَيْ: حَيْثُ لَمْ يَمْنَعْ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ إخْرَاجَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، إذْ الْوَاجِبُ الْإِخْرَاجُ، لَا الدَّفْعُ إلَى الْإِمَامِ.
[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ نِيَّةٌ]
(فَصْلٌ) (وَيُشْتَرَطُ لِإِخْرَاجِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (نِيَّةٌ) ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا، فَافْتَقَرَتْ إلَى تَبْيِينِ النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ مَصْرِفَ الْمَالِ إلَى الْفُقَرَاءِ لَهُ جِهَاتٌ مِنْ زَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ، فَاعْتُبِرَتْ نِيَّةُ التَّمَيُّزِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُهَا (مِنْ مُكَلَّفٍ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ أَشْبَهَ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ (إلَّا أَنْ تُؤْخَذَ) مِنْهُ الزَّكَاةُ (قَهْرًا) ، فَتُجْزِئُ ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ رَبِّ الْمَالِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِهَا ثَانِيًا (أَوْ يُغَيِّبُ مَالَهُ)
فَتُؤْخَذُ مِنْهُ حَيْثُ وُجِدَ.
وَتُجْزِئُ بِلَا نِيَّةٍ كَمَأْخُوذٍ قَهْرًا (أَوْ يَتَعَذَّرُ وُصُولٌ إلَى مَالِكٍ) لِتُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ (بِنَحْوِ حَبْسٍ) كَأَسْرٍ، (فَيَأْخُذُهَا سَاعٍ) مِنْ مَالِهِ، (وَتُجْزِئُ) ظَاهِرًا وَ (بَاطِنًا فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأَخِيرَةِ) بِخِلَافِ الْأُولَتَيْنِ قَبْلَهَا، فَتُجْزِئُ ظَاهِرًا (فَقَطْ، وَالْأَوْلَى قَرْنُهَا) ، أَيْ: النِّيَّةَ (بِدَفْعٍ) كَصَلَاةٍ، (وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) عَلَى الْإِخْرَاجِ (بِ) زَمَنٍ (يَسِيرٍ كَصَلَاةٍ) ، وَلَوْ عَزَلَ الزَّكَاةَ، لَمْ تَكْفِ النِّيَّةُ إذَنْ مَعَ طُولِ زَمَنٍ، (فَيَنْوِي) بِمُخْرَجٍ (الزَّكَاةَ أَوْ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ، أَوْ صَدَقَةَ الْمَالِ أَوْ الْفِطْرِ، وَلَا تُجْزِئُ إنْ نَوَى صَدَقَةً مُطْلَقَةً وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ) كَنِيَّةِ صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ.
وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ فَرْضٍ) اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فَرْضًا، (وَلَا) يَجِبُ (تَعْيِينُ) مَالٍ (مُزَكًّى عَنْهُ وَلَوْ اخْتَلَفَ جِنْسُهُ) ، أَيْ: الْمَالِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ (فَلَوْ نَوَى بِشَاةٍ) حِينَ أَخْرَجَهَا (عَنْ خَمْسِ إبِلٍ أَوْ أَرْبَعِينَ شَاةً، أَجْزَأَتْ عَنْ أَحَدِهِمَا) ، وَيُخْرِجُ شَاةً أُخْرَى عَنْ الْآخَرِ، (أَوْ نَوَى) زَكَاةً (عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ) الْغَائِبُ (تَالِفًا فَعَنْ الْحَاضِرِ أَجْزَأَ عَنْ حَاضِرٍ مَعَ تَلَفِ غَائِبٍ) ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِاعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِيهَا.
(وَإِنْ أَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا) ، أَيْ: الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، (صَرَفَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ (لِأَيِّهِمَا شَاءَ كَتَعْيِينِهِ ابْتِدَاءً) حِينَ أَخْرَجَ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا مِنْهُمَا (أَجْزَأَ) مُخْرَجٌ (عَنْ أَحَدِهِمَا) ، فَيُخْرِجُ عَنْ الْآخَرِ.
(وَلَوْ نَوَى عَنْ) مَالٍ (غَائِبٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ) ، أَيْ: لَمْ يَنْوِ إنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا، فَعَنْ الْحَاضِرِ (فَبَانَ) الْغَائِبُ (تَالِفًا لَمْ يَصْرِفْهُ) ، أَيْ: الْمُخْرِجُ (إلَى غَيْرِهِ) ، لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ، كَعِتْقٍ فِي كَفَّارَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَمْ تَكُنْ.
(وَيَتَّجِهُ: وَيَرْجِعُ) مُخْرِجٌ (فِيمَا) كَانَ مَوْجُودًا (بِيَدِ سَاعٍ لِتَبَيُّنِ مُخْرِجِ غَيْرِ زَكَاةٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ نَوَى) الزَّكَاةَ (عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا) أَجْزَأَ عَنْهُ إنْ كَانَ سَالِمًا، (أَوْ نَوَى) عَنْ الْغَيْرِ إنْ كَانَ سَالِمًا (وَإِلَّا) يَكُنْ سَالِمًا (فَ) هِيَ (نَفْلٌ، فَبَانَ) الْغَائِبُ (سَالِمًا، أَجْزَأَ) عَنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يَضُرُّ تَقْيِيدُهُ بِهِ.
(وَإِنْ شَرَطَ) بِأَنْ نَوَى: إنْ كَانَ الْغَائِبُ سَالِمًا فَهَذِهِ زَكَاتُهُ، (وَإِلَّا) يَكُنْ سَالِمًا (فَأَرْجِعْ) فِيهَا (فَلَهُ الرُّجُوعُ إنْ بَانَ) الْغَائِبُ (تَالِفًا) ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
وَمَنْ شَكَّ فِي بَقَاءِ غَائِبٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجٌ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ عَلِمَ بَقَاءَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ مَتَى وَصَلَ إلَيْهِ زَكَّاهُ لِمَا مَضَى، كَمَا لَوْ قَالَ (عَنْ قِنٍّ: أَعْتَقْتُهُ عَنْ كَفَّارَتِي، وَإِنْ لَمْ يُجْزِئْ رَدَدْته لِرِقٍّ) ، فَلَهُ رَدُّهُ إلَى الرِّقِّ عَمَلًا بِالشَّرْطِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ، فَبَانَ أَنَّهُ غَيْرُ مُجْزِئٍ، عَتَقَ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ.
وَإِنْ قَالَ: هَذَا زَكَاةُ مَالِي، (أَوْ نَفْلٌ) لَمْ يُجْزِئْهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ النِّيَّةَ لِلزَّكَاةِ، (أَوْ) قَالَ: (هَذَا زَكَاةُ إرْثِي إنْ كَانَ مَاتَ مُوَرِّثِي، لَمْ يُجْزِئْهُ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ عَلَى أَصْلٍ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: كَقَوْلِهِ لَيْلَةَ الشَّكِّ: إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي، وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": كَقَوْلِهِ: إنْ كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ دَخَلَ، فَصَلَاتِي هَذِهِ عَنْهَا.
قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: التَّرَدُّدُ فِي الْعِبَادَةِ يُفْسِدُهَا.
(وَإِنْ وَكَّلَ) رَبُّ مَالٍ (فِي) إخْرَاجِ (الزَّكَاةِ مُسْلِمًا) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ
يَكُونَ ثِقَةً.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " وَالْمُنْتَهَى " لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَغَيْرُ الثِّقَةِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ الْمُسْلِمُ (غَيْرَ ثِقَةٍ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمَنْصُوصِ) عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
(وَيُحْمَلُ نَصُّهُ عَلَى مَنْ) ، أَيْ: مُوَكِّلَ لَمْ يَعْلَمْ (هَلْ دَفَعَ) وَكِيلُهُ الزَّكَاةَ (أَوْ لَا) ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ الْمُوَكِّلُ أَنَّ الْوَكِيلَ قَدْ أَخْرَجَهَا، فَلَا مَانِعَ مِنْ إجْزَائِهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا الِاتِّجَاهَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ، (أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ مُوَكِّلٍ) فَقَطْ (مَعَ قُرْبِ زَمَنِ إخْرَاجٍ) مِنْ زَمَنِ تَوْكِيلٍ، لِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُوَكِّلِ، وَتَأَخُّرُ الْأَدَاءِ عَنْ النِّيَّةِ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ جَائِزٌ.
(وَيَتَّجِهُ) : الْإِجْزَاءُ (وَلَوْ مَعَ كُفْرِ وَكِيلٍ) ، حَكَاهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " (لِأَنَّهُ مُنَاوِلٌ إذَنْ) ، كَمَا لَوْ اسْتَنَابَ ذِمِّيًّا فِي ذَبْحِ أُضْحِيَّةٌ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": (وَ) يَجُوزُ تَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ إذَا نَوَى الْمُوَكِّلُ، وَكَفَتْ نِيَّتُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ قَوِيٌّ.
انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ لَكَ أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ.
(وَمَعَ بُعْدِ زَمَنِ) إخْرَاجٍ، (فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ مُوَكِّلٍ حَالَ دَفَعَ)
(وَيَتَّجِهُ: أَوْ) مَالُ (تَوْكِيلِ) مَنْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَنَحْوُهَا فِي إخْرَاجِهِ عَنْهُ مِنْهَا - وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لِوَكِيلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِدَفَعَ، (وَ) لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ (وَكِيلٍ) أَيْضًا (عِنْدَ دَفْعٍ لِمُسْتَحِقٍّ) ، وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ (الْإِمَامِ) أَوْ السَّاعِي (حَالَ دَفَعَ لِمُسْتَحِقٍّ) ، لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ نِيَّةُ وَكِيلِ رَبِّ الْمَالِ عِنْدَ الدَّفْعِ (لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُ) لِئَلَّا يَخْلُوَ الدَّفْعُ عَنْ نِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ أَوْ مُقَارِبَةٍ، فَيَنْوِي مُوَكِّلُ عِنْدَ التَّوْكِيلِ، وَوَكِيلٌ عِنْدَ الدَّفْعِ لِنَحْوِ الْفُقَرَاءِ وَقَرِيبًا مِنْهُ، وَلَوْ نَوَى وَكِيلٌ فَقَطْ لَمْ تَجُزْ، لِتَعَلُّقِ الْفَرْضِ بِالْمُوَكِّلِ، وَوُقُوعِ الْإِجْزَاءِ عَنْهُ، وَلَوْ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْإِمَامِ أَوْ السَّاعِي نَاوِيًا أَجْزَأَهُ
(وَتَلَفُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (بِلَا تَفْرِيطٍ بِيَدِ وَكِيلٍ، لَا) تَلَفُهَا بِيَدِ (سَاعٍ مِنْ ضَمَانِ رَبِّ مَالٍ) ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يُوَصِّلْهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا، فَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُوَكِّلِ، لِتَعَلُّقِ الْفَرْضِ بِهِ، وَأَمَّا السَّاعِي، فَإِنَّهُ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ، وَقَبْضُهُ لَهَا قَائِمٌ مَقَامَ قَبْضِهِمْ، وَتَلَفُهَا بِيَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِهِمْ.
(وَفِي الْإِقْنَاعِ ": لَوْ قَالَ) لِوَكِيلِهِ: (تَصَدَّقْ بِهَذَا) الْمَالِ (نَفْلًا أَوْ عَنْ كَفَّارَتِي، ثُمَّ نَوَى) الْمُوَكِّلُ (الزَّكَاةَ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ) وَكِيلُهُ (أَجْزَأَ عَنْهَا، لِأَنَّ دَفْعَ وَكِيلِهِ كَدَفْعِهِ) فَكَأَنَّهُ نَوَى الزَّكَاةَ، ثُمَّ دَفَعَ بِنَفْسِهِ، (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ (كَمَا فِي " الْفُرُوعِ " لَا يُجْزِئُ) بِهَذَا الدَّفْعِ (لِاعْتِبَارِهِمْ نِيَّةَ وَكِيلٍ عِنْدَ دَفْعٍ) ، هَكَذَا وُجِدَ فِي نُسَخِ الْمَتْنِ، وَاَلَّذِي فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ لِاعْتِبَارِهِمْ النِّيَّةَ عِنْدَ التَّوْكِيلِ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَمَا قَالَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ " وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ الْمَجْدِ لَا يُجْزِئُ لِاعْتِبَارِهِمْ النِّيَّةَ عِنْدَ التَّوْكِيلِ.
[فَرْعٌ فِي تَوْكِيلِ الْمُمَيِّز فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ]
(فَرْعٌ: فِي صِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُمَيِّزِ) فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ (وَجْهَانِ) ذَكَرَهُمَا فِي " الْمُذَهَّبِ " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " الْأَوَّلُ: الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْعِبَادَةِ.
الثَّانِي، وَهُوَ (الصَّوَابُ: عَدَمُ الصِّحَّةِ، خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ جَزَمَ بِصِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُمَيِّزِ فِي دَفْعِهَا بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ (لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْمُمَيِّزَ (لَا يُخْرِجُ زَكَاةَ نَفْسِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى) وَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " تَبِعَ فِيهِ " الْإِنْصَافَ " وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ تَبِعَ فِيهِ تَصْحِيحَ الْفُرُوعِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْإِنْصَافِ فَمَا فِيهِ يُخَالِفُ " الْإِنْصَافَ " يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْهُ.
(وَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ مِنْ مَالٍ غَصْبٍ لَمْ تُجْزِئْهُ وَلَوْ أُجِيزَ بَعْدُ)
كَبَيْعِهِ وَإِجَارَتِهِ، لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءً لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِالْإِجَازَةِ.
(وَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ شَخْصٍ حَيٍّ أَوْ كَفَّارَتَهُ مِنْ مَالِهِ) ، أَيْ: مَالِ الْمُخْرِجِ (بِإِذْنِهِ) ، أَيْ: إذْنَ مُخْرَجٍ عَنْهُ (صَحَّ) إخْرَاجُهُ عَنْهُ كَالْوَكِيلِ، (وَرَجَعَ) الْمُخْرِجُ عَلَى مُخْرَجٍ عَنْهُ (إنْ نَوَاهُ) ، أَيْ الرُّجُوعَ (وَإِلَّا) يَنْوِ الرُّجُوعَ، أَوْ أَطْلَقَ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي الْإِخْرَاجِ، (فَلَا) يَرْجِعُ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ وَوَكَالَتِهِ عَنْهُ.
(وَمَنْ عَلِمَ) قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ " (وَالْمُرَادُ ظَنُّ أَهْلِيَّةِ آخِذٍ لِزَكَاةٍ) لِمَقَامِ الظَّنِّ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الدَّفْعِ إلَيْهِ، (كُرِهَ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا) نَصًّا (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: لَا يُبَكِّتُهُ، يُعْطِيهِ وَيَسْكُتُ) مَا حَاجَتُهُ إلَى أَنْ يُقْرِعَهُ؟ (وَمَعَ عِلْمِ) مُعْطٍ (عَدَمُ عَادَتِهِ) ، أَيْ: الْآخِذِ (بِأَخْذِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) دَفْعُهَا (إلَّا إنْ أَعْلَمَهُ) أَنَّهَا زَكَاةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ زَكَاةً ظَاهِرًا.
[فَصْلٌ الْأَفْضَلُ جَعْلُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ]
(فَصْلٌ) (وَالْأَفْضَلُ جَعْلُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ) ، أَيْ: الْمَالِ، وَلَوْ تَفَرَّقَ، أَوْ كَانَ الْمَالِكُ بِغَيْرِهِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ مُعَاذٍ الْآتِي، (مَا لَمْ تَنْشَقِصْ زَكَاةُ سَائِمَةٍ) كَأَرْبَعِينَ شَاةً بِبَلَدَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ، (فَ) يُخْرِجُ زَكَاتَهَا (فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ) شَاةً وَاحِدَةً، فِي أَيِّ الْبَلَدَيْنِ شَاءَ.
دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ، (وَحَرُمَ حَتَّى عَلَى سَاعٍ نَقْلُهَا لِمَسَافَةِ قَصْرٍ) مَعَ وُجُودِ مُسْتَحِقٍّ لَهَا، (وَلَوْ) كَانَ نَقْلُهَا (لِرَحِمٍ وَشِدَّةِ حَاجَةٍ) ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فَظَاهِرُهُ: عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، وَ " لِإِنْكَارِ عُمَرَ عَلَى مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَ إلَيْهِ بِثُلُثِ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ شَطْرَهَا، ثُمَّ بِهَا، وَأَجَابَهُ مُعَاذٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِ شَيْئًا وَهُوَ يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنْهُ " رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَمَحَلُّهُ: إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى تَشْقِيصٍ.
(وَتُجْزِئُ) زَكَاةٌ نَقَلَهَا فَوْقَ الْمَسَافَةِ، وَأَخْرَجَهَا فِي غَيْرِ بَلَدِ الْمَالِ مَعَ حُرْمَةِ النَّقْلِ، لِأَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَبَرِئَ كَالدَّيْنِ.
وَلَا يَحْرُمُ نَقْلُ زَكَاةٍ إلَى بَلَدٍ (دُونَ مَسَافَةِ) قَصْرٍ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ
(وَلَا) يَحْرُمُ (نَقْلُ نَذْرٍ) مُطْلَقٍ (وَكَفَّارَةٍ وَوَصِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ) ، أَيْ: لَمْ يَخُصَّهَا مُوصٍ بِمَكَانٍ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ رَاتِبَةٌ فِي الْمَالِ، فَكَانَتْ لِجِيرَانِهِ، بِخِلَافِ الْمَذْكُورَاتِ، (لَا) إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَنَحْوُهَا (مُقَيَّدَةً بِ) فُقَرَاءِ مَكَانٍ (مُعَيَّنٍ) فَيَتَعَيَّنُوا لَهَا.
(وَمَنْ بِبَادِيَةٍ) وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ، فَرَّقَهَا بِأَقْرَبِ بَلَدٍ مِنْهُ (أَوْ خَلَا بَلَدُهُ عَنْ مُسْتَحِقٍّ) لِلزَّكَاةِ يَسْتَغْرِقُهَا، (فَرَّقَهَا) أَوْ مَا بَقِيَ (بِأَقْرَبِ بَلَدٍ) ، أَيْ: مَكَان (مِنْهُ) لِأَنَّهُمْ أَوْلَى نَصًّا
. (وَمُؤْنَةُ نَقْلِ) زَكَاةٍ مَعَ حِلِّ نَقْلِهَا بِأَنْ كَانَ لِدُونِ الْمَسَافَةِ، أَوْ حُرْمَتِهِ بِأَنْ كَانَ لِمَحَلٍّ فَوْقَ الْمَسَافَةِ عَلَى مُزْكٍ (وَ) مُؤْنَةِ (دَفْعِ) زَكَاةٍ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمُزَكِّي (كَ) مُؤْنَةِ (كَيْلٍ وَوَزْنٍ) ، لِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ تَسْلِيمِهَا لِمُسْتَحِقِّهَا كَامِلَةً، وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ التَّوْفِيَةِ.
(وَمُسَافِرٌ بِالْمَالِ) الزَّكَوِيِّ (يُفَرِّقُهَا) ، أَيْ: زَكَاتَهُ (بِبَلَدِ، أَكْثَرَ إقَامَتِهِ) ، أَيْ: رَبِّ الْمَالِ (بِهِ) ، أَيْ: الْمَالِ (فِيهِ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْبَلَدِ نَصًّا.
لِأَنَّ الْأَطْمَاعَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ غَالِبًا بِمُضِيِّ زَمَنِ الْوُجُوبِ أَوْ مَا قَارَبَهُ.
(وَيَتَّجِهُ: وَمَعَ تَسَاوٍ) فِي الْإِقَامَةِ (يُخَيَّرُ) رَبُّ الْمَالِ فِي إخْرَاجِهَا،
فَيُخْرِجُهَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ، وَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَهَا فِي أَحَدِ الْمَكَانَيْنِ وَبَاقِيَهَا فِي الْمَكَانِ الْآخَرِ فَهُوَ أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ بَعْثُ السُّعَاةِ قُرْبَ زَمَنِ الْوُجُوبِ لِقَبْضِ زَكَاةِ الْمَالِ الظَّاهِرِ كَزَرْعٍ وَثَمَرٍ وَمَاشِيَةٍ) ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُزَكِّي، وَلَا يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ، فَفِي إهْمَالِ ذَلِكَ تَرْكٌ لِلزَّكَاةِ
(وَيَجْعَلُ أَوَّلُ حَوْلِ مَاشِيَةٍ الْمُحَرَّمَ) ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ (وَتَوَقَّفَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِي ذَلِكَ (وَمَيْلُهُ لِرَمَضَانَ) لِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ فِي الزَّمَانِ الْفَاضِلِ.
(وَسُنَّ) لِلْإِمَامِ (وَسْمُ مَا حَصَلَ) عِنْدَهُ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ جِزْيَةٍ (مِنْ إبِلِ وَبَقَرٍ فِي أَفْخَاذِهَا) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «غَدَوْتُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ لِيَسِمَ إبِلَ الصَّدَقَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) وَسْمُ مَا حَصَلَ مِنْ (غَنَمٍ فِي آذَانِهَا) لِخَبَرِ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ: «وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا فِي آذَانِهَا» (فَ) الْوَسْمُ (عَلَى زَكَاةٍ لِلَّهِ أَوْ زَكَاةٍ وَ) الْوَسْمُ (عَلَى جِزْيَةِ صِغَارٍ أَوْ جِزْيَةٍ) لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهَا، وَخُصَّ الْفَخِذُ وَالْأُذُنُ بِالْوَسْمِ لِخِفَّتِهِ، وَقِلَّةِ أَلَمِهِ فِيهِمَا.
[فَصْلٌ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ]
(فَصْلٌ) (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ زَكَاةٍ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّ «الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَعْجِيلِ صَدَقَةٍ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَكَالْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، فَيَصِيرُ مِنْ تَقْدِيمِ الْحُكْمِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَقَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ وَتَرْكُ التَّعْجِيلِ،
أَفْضَلُ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (لِحَوْلَيْنِ فَقَطْ) ، اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ أَفْضَلُ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (لِحَوْلَيْنِ فَقَطْ) ، اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ، لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ ": عَنْ عَلِيٍّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَجَّلَ مِنْ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ» وَيُعَضِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٌ: " فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا " (لِغَيْرِ وَلِيٍّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ) ، لِوُجُوبِ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِي التَّعْجِيلِ (إذَا كَمُلَ النِّصَابُ) لِأَنَّهُ سَبَبُهَا، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ كَالْكَفَّارَةِ عَلَى الْحَلِفِ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَ (لَا) يَجُوزُ التَّعْجِيلُ (مِنْهُ) ، أَيْ: النِّصَابِ (لِحَوْلَيْنِ إنْ نَقَصَ) بِالتَّعْجِيلِ (وَلَا عَمَّا يَسْتَفِيدُهُ) النِّصَابُ نَصًّا، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، فَقَدْ عَجَّلَ زَكَاةً عَمَّا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، (أَوْ) عَنْ (مَعْدِنٍ أَوْ رِكَازٍ أَوْ زَرْعٍ قَبْلَ حُصُولِ) مَا ذُكِرَ، (أَوْ) قَبْلَ (نَبَاتِ زَرْعٍ أَوْ) عَنْ زَكَاةِ ثَمَرٍ قَبْلَ (طُلُوعِ طَلْعٍ، أَوْ) عَنْ زَبِيبٍ قَبْلَ طُلُوعِ (حِصْرِمٍ) ، لِأَنَّهُ تَقْدِيمُ زَكَاةٍ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا (وَبَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ نَبَاتِ زَرْعٍ وَطُلُوعِ طَلْعٍ وَحِصْرِمٍ (يَصِحُّ تَعْجِيلٌ) ، لِأَنَّ وُجُودَهُ بِمَنْزِلَةِ مِلْكِ النِّصَابِ، وَالْإِدْرَاكُ بِمَنْزِلَةِ حَوَلَانِ الْحَوْلِ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ، وَتَعْلِيقُ زَكَاتِهِ بِالْإِدْرَاكِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّعْجِيلِ، لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِدُخُولِ شَوَّالٍ، وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا قَبْلَهُ، (وَإِنْ عَجَّلَ عَنْ نِصَابٍ) مَوْجُودٍ (وَمَا يَنْمِي) فِي حَوْلِهِ أَجْزَأَ تَعْجِيلُهُ عَنْ النِّصَابِ فَقَطْ، (وَلَمْ يُجْزِئْ عَنْ نَمَاءٍ) لِأَنَّهُ عَجَّلَ زَكَاةَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ كَمَا فِي النِّصَابِ الْأَوَّلِ، (فَلَوْ عَجَّلَ مُسِنَّةً عَنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً وَنِتَاجِهَا، فَنَتَجَتْ عَشْرًا، أَجْزَأَتْ) الْمُعَجَّلَةُ (عَنْ ثَلَاثِينَ) فَقَطْ، لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّعْجِيلِ عَنْ النِّتَاجِ، (وَلَزِمَ لِلْعَشْرِ) النِّتَاجِ (رُبْعُ مُسِنَّةٍ) زَكَاتُهَا، (وَإِنْ تَمَّ الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ نَاقِصٌ بِقَدْرٍ مُعَجَّلٍ، صَحَّ) تَعْجِيلُهُ وَأَجْزَأَ
(إذْ الْمُعَجَّلُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ) فِي مِلْكِهِ يَتِمُّ النِّصَابُ بِهِ.
وَإِنْ نَقَصَ أَكْثَرَ مِمَّا عَجَّلَهُ كَمَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً عَجَّلَ وَاحِدَةً، ثُمَّ تَلِفَتْ أُخْرَى، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلزَّكَاةِ.
فَإِنْ زَادَ بَعْدَ نِتَاجِ أَوْ شِرَاءِ مَا تَمَّ بِهِ النِّصَابُ، اُسْتُؤْنِفَ الْحَوْلُ مِنْ كَمَالِ النِّصَابِ، وَلَمْ يُجْزِئْ مُعَجَّلٌ، (فَيَصِحُّ) التَّعْجِيلُ (عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً) بِشَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا لِحَوْلَيْنِ، وَيُجْزِئُ لِبَقَاءِ النِّصَابِ، أَوْ (بِشَاةٍ مِنْهَا) وَأُخْرَى مِنْ غَيْرِهَا، و (لَا) يُجْزِئُ (بِشَاتَيْنِ مِنْهَا لِحَوْلَيْنِ) ، لِنَقْصِ النِّصَابِ.
(وَلَا) يَصِحُّ تَعْجِيلٌ (بِ) شَاةٍ (وَاحِدَةٍ) مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (لِ) حَوْلٍ (ثَانٍ فَقَطْ) ، لِأَنَّ مَا عَجَّلَهُ مِنْ النِّصَابِ لِلْحَوْلِ الثَّانِي زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، فَيَنْقُصُ النِّصَابُ بِهِ، (وَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ) ، بِخِلَافِ مَا عَجَّلَهُ عَنْ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ، (وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ مِائَتَيْ شَاةٍ) شَاتَيْنِ (فَنُتِجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةٌ، لَزِمَتْهُ) شَاةٌ (ثَالِثَةٌ) ، لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ فِي إجْزَائِهِ عَنْ مَالِهِ، فَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ فِي تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ.
(وَلَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ أَرْبَعِينَ) شَاةً (ثُمَّ أَبْدَلَهَا) ، أَيْ: الْأَرْبَعِينَ (بِمِثْلِهَا أَوْ نُتِجَتْ سَخْلَةٌ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّاتُ، أَجْزَأَ مُعَجَّلُ بَدَلٍ وَسِخَالٍ) لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ بَقَاءِ الْأُمَّاتِ عَنْ الْكُلِّ، فَعَنْ أَحَدِهِمَا أَوْلَى (وَمَنْ عَجَّلَ عَنْ ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ) فِضَّةً (خَمْسَةً مِنْهَا، ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ، لَزِمَهُ أَيْضًا دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ) نَصًّا، لِيُتِمَّ رُبْعَ الْعُشْرِ.
(وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ أَلْفِ) دِرْهَمٍ فَقَطْ (خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مِنْهَا ثُمَّ رَبِحَتْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ) دِرْهَمًا، (لَزِمَهُ زَكَاتُهَا) ، أَيْ: الْخَمْسَةَ وَالْعِشْرِينَ، (وَمَنْ عَجَّلَ) زَكَاةً (عَنْ أَلْفِ) دِرْهَمٍ (يَظُنُّهَا) ، أَيْ: الدَّرَاهِمَ (لَهُ فَبَانَتْ) الَّتِي لَهُ مِنْهَا (خَمْسَمِائَةٍ، أَجْزَأَ) مَا عَجَّلَهُ (عَنْ عَامَيْنِ) ، لِأَنَّهُ نَوَاهَا زَكَاةً مُعَجَّلَةً، وَالْأَلْفُ كُلُّهَا لَيْسَتْ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ زَكَاةُ مَا لَيْسَ لَهُ، (وَمَنْ عَجَّلَ) زَكَاةً (عَنْ أَحَدِ نِصَابَيْهِ، بِعَيْنِهِ، وَلَوْ)
كَانَ الْوَاجِبُ (مِنْ جِنْسٍ) وَاحِدٍ، (فَتَلِفَ) النِّصَابُ الْمُعَجَّلُ عَنْهُ، (لَمْ يَصْرِفْهُ) ، أَيْ: الْمُعَجَّلُ (لِلْآخَرِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، كَمَنْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَلَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً، فَتَلِفَ إبِلُهُ، لَمْ يَصْرِفْ الشَّاةَ إلَى الْأَرْبَعِينَ.
(وَيَتَّجِهُ: مَا لَمْ يَشْتَرِطْ) مَا عَجَّلَهُ، فَإِنْ اشْتَرَطَ بِنِيَّةٍ، إنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ تَالِفًا، فَعَنْ الْبَاقِي صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا، لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَهُوَ مُتَّجَهٌ
(وَإِنْ) (مَاتَ قَابِضُ) زَكَاةٍ (مُعَجَّلَةِ الْمُسْتَحَقِّ) لَقَبَضَهَا لِنَحْوِ فَقْرِهِ (أَوْ ارْتَدَّ) قَابِضُ مُعَجَّلَةٍ، (أَوْ اسْتَغْنَى قَبْلَ) مُضِيِّ (الْحَوْلِ) الَّذِي تَعَجَّلَ زَكَاتُهُ، (أَجْزَأَتْ) الزَّكَاةُ عَمَّنْ عَجَّلَهَا، لِأَنَّهُ أَدَّاهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، كَدَيْنٍ لَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ
وَ (لَا) تُجْزِئُ زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ (إنْ دَفَعَهَا) رَبُّ الْمَالِ (لِمَنْ يَعْلَمُ غِنَاهُ فَافْتَقَرَ) عِنْدَ الْحَوْلِ أَوْ قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ.
(وَإِنْ مَاتَ مُعَجِّلُ) زَكَاةٍ (أَوْ ارْتَدَّ أَوْ تَلِفَ النِّصَابُ) الْمُعَجَّلُ زَكَاتُهُ، (أَوْ نَقَصَ) قَبْلَ الْحَوْلِ، (فَقَدْ بَانَ الْمُخْرَجُ غَيْرَ زَكَاةٍ) لِانْقِطَاعِ الْوُجُوبِ بِذَلِكَ، (وَلَا رُجُوعَ) لِمُعَجِّلٍ بِشَيْءٍ مِمَّا عَجَّلَهُ (إلَّا فِيمَا بِيَدِ سَاعٍ عِنْدَ تَلَفِ نِصَابٍ) ، وَلَوْ تَعَمَّدَ الْمَالِكُ تَلَفَهُ غَيْرَ قَاصِدٍ الْفِرَارَ مِنْهَا، فَإِنْ دَفَعَهَا سَاعٍ أَوْ رَبُّ مَالٍ لِفَقِيرٍ، فَلَا رُجُوعَ حَتَّى فِي تَلَفِ النِّصَابِ.
وَيُشْتَرَطُ لِإِجْزَائِهَا وَمِلْكِ فَقِيرٍ لَهَا قَبْضُهُ، فَلَوْ عَزَلَهَا فَتَلِفَتْ قَبْلَهُ، أَوْ غَدَّى الْفُقَرَاءَ، أَوْ عَشَّاهُمْ لَمْ يَجُزْ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ فَقِيرٍ فِيهَا قَبْلَ قَبْضِهَا نَصًّا.
(وَلِمَنْ أَخَذَ السَّاعِي مِنْهُ زِيَادَةً) عَنْ زَكَاةٍ عَلَيْهِ (أَنْ يَعْتَدَّ بِهَا) ، أَيْ: الزِّيَادَةِ (مِنْ) عَامٍ (قَابِلٍ) نَصًّا (قَالَ الْمُوَفَّقُ: إنْ نَوَى الْمَالِكُ التَّعْجِيلَ) حَالَ الدَّفْعِ.
[فَرْعٌ أَرْضِ صُلْحٍ يَأْخُذُ السُّلْطَانُ مِنْهَا نِصْفَ الْغَلَّةِ]
(فَرْعٌ: قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي أَرْضِ صُلْحٍ يَأْخُذُ السُّلْطَانُ مِنْهَا نِصْفَ الْغَلَّةِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ ظُلْمٌ، (قِيلَ لَهُ: فَيُزَكِّي الْمَالَ عَمَّا بَقِيَ فِي يَدِهِ؟ قَالَ: يُجْزِئُ مَا أَخَذَ السُّلْطَانُ عَنْ الزَّكَاةِ) يَعْنِي: إذَا نَوَى بِهِ الْمَالِكُ، (وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَيْضًا: يَحْسُبُ مَا أَهْدَاهُ لِلْعَامِلِ مِنْ الزَّكَاةِ) بِنِيَّةِ الْمَالِكِ وَقْتَ الْأَخْذِ، وَإِلَّا فَلَا (وَمَنْ) عِنْدَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ لَمْ يَحُلْ حَوْلَهُ (لَمْ يُعَجِّلْ) زَكَاتَهُ (لِسَاعٍ وَكَّلَ) السَّاعِي (ثِقَةً فِي قَبْضِهَا) وَقْتَ وُجُوبِهَا، وَصَرَفَهَا فِي مَصْرِفِهَا (أَوْ فَوَّضَ) السَّاعِي (تَفْرِيقَهَا لِمَالِكِهَا الثِّقَةِ) ، لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِذَلِكَ
(وَلِإِمَامِ وَنَائِبِهِ اسْتِسْلَافُ زَكَاةٍ بِرِضَى رَبِّهَا، وَتَلَفُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ وَلَوْ مُعَجَّلَةً (بِيَدِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ (بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ لَيْسَ مِنْ ضَمَانِهِ، بَلْ (مِنْ ضَمَانِ فُقَرَاءَ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ سَأَلَهُ الْفُقَرَاءُ ذَلِكَ أَوْ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ، هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ ".
[بَابٌ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَشُرُوطِهِمْ وَقَدْرِ مَا يعطى كُلُّ وَاحِدٍ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ]
(بَابٌ) ذِكْرُ (أَهْلِ الزَّكَاةِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ بَيَانِ شُرُوطِهِمْ، وَقَدْرِ مَا يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ، وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
وَهُمْ: (ثَمَانِيَةُ) أَصْنَافٍ (لَا يَحِلُّ صَرْفُهَا لِغَيْرِهِمْ مِنْ نَحْوِ مَسَاجِدَ وَقَنَاطِرَ وَأَكْفَانٍ) وَسَدِّ بُثُوقٍ، وَوَقْفِ مَصَاحِفَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتِ الْخَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60] وَكَلِمَةُ إنَّمَا تُفِيدُ الْحَصْرَ، أَيْ: تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ، وَتَنْفِي مَا عَدَاهُ.
وَكَذَلِكَ تَعْرِيفُ الصَّدَقَاتِ بِأَلْ، فَإِنَّهَا تَسْتَغْرِقُهَا، فَلَوْ جَازَ صَرْفُ شَيْءٍ إلَى غَيْرِ الثَّمَانِيَةِ، لَكَانَ لَهُمْ بَعْضُهَا لَا كُلُّهَا.
وَرُوِيَ عَنْ «زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَايَعْتُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنْ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا هِيَ لِمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، (وَجَوَّزَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (الْأَخْذَ) مِنْ الزَّكَاةِ (لِمُحْتَاجٍ لِشِرَاءِ كُتُبِ عِلْمٍ) نَافِعٍ (لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ) مِنْهَا قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت وَلَعَلَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْتَاجُهُ طَالِبُ الْعِلْمِ وَكَنَفَقَتِهِ.
(الْأَوَّلُ) مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، (فَقِيرٌ) بَدَأَ بِهِ إتْبَاعًا لِلنَّصِّ، وَلِشِدَّةِ حَاجَتِهِ (وَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمِسْكِينِ) لَبُدَاءَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمُّ، قَالَ تَعَالَى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: 79] فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً يَعْمَلُونَ فِيهَا.
«وَقَدْ سَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْكَنَةَ وَاسْتَعَاذَ مِنْ الْفَقْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ شِدَّةَ الْحَاجَةِ، وَيَسْتَعِيذَ مِنْ حَالَةٍ أَصْلَحَ مِنْهَا، وَلِأَنَّ الْفَقِيرَ مُشْتَقٌّ مِنْ: فَقْرِ الظَّهْرِ: فَعِيلٌ، بِمَعْنَى: مَفْعُولٍ، وَهُوَ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةُ ظَهْرِهِ، فَانْقَطَعَ صُلْبُهُ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الْفَقِيرُ: (مَنْ لَمْ يَجِدْ نِصْفَ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةَ عَوْنِهِ
مِنْ نَحْوِ كَسْبٍ لَائِقٍ بِهِ، أَوْ لَا يَجِدُ شَيْئًا) أَلْبَتَّةَ، وَمِثْلُهُ الْخِرَقِيِّ وَالشَّارِحُ بِالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى، لِأَنَّهُمَا فِي الْغَالِبِ كَذَلِكَ.
(الثَّانِي: مِسْكِينٌ وَهُوَ) ، أَيْ: الْمِسْكِينُ (مَنْ يَجِدُ نِصْفَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا) مِنْ كَسْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، مِفْعِيلٌ، وَهُوَ: الَّذِي أَسْكَنَتْهُ الْحَاجَةُ، (وَلَا يَقْدَحُ مِلْكُهُ نِصَابًا زَكَوِيًّا فَأَكْثَرَ، فَمَنْ مَلَكَ وَلَوْ مِنْ أَثْمَانِ مَا لَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ) ، فَيَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ تَمَامَ كِفَايَتِهِ سَنَةً.
(وَلِمَنْ لَهُ عُرُوضُ تِجَارَةٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ) مِنْ ذَلِكَ (لَا يَرِدُ عَلَيْهِ رِبْحُهَا) ، أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْهُ (قَدْرُ كِفَايَتِهِ) يَجُوزُ لَهُ (الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةٍ) أَوْ كَانَ لَهُ مَوَاشِي تَبْلُغُ نِصَابًا، أَوْ لَهُ زَرْعٌ يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ لَا يَقُومُ ذَلِكَ بِجَمِيعِ كِفَايَتِهِ، يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، وَلَا (يَمْنَعُ) ذَلِكَ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: (إذَا كَانَ لَهُ عَقَارٌ أَوْ ضَيْعَةٌ يَسْتَغِلُّهَا عَشْرَةُ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرُ وَلَا تَكْفِيهِ أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ) تَمَامَ كِفَايَتِهِ، (وَقِيلَ لَهُ) - أَيْ: لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ -: (يَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ الْقَائِمُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَحْصُدُهُ أَيَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَفِي مَعْنَاهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِقَامَةِ مُؤْنَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُنْفِقْهُ بِعَيْنِهِ فِي الْمُؤْنَةِ) . وَكَذَا مَنْ لَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُهَا لِلْحِفْظِ وَالْمُطَالَعَةِ، أَوْ لَهَا حُلِيٌّ لِلُّبْسِ، أَوْ كِرَاءٌ تَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَلَا يَمْنَعُهَا ذَلِكَ الْأَخْذَ مِنْ الزَّكَاةِ، فَالْغِنَى فِي بَابِ الزَّكَاةِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُوجِبُهَا، وَنَوْعٌ يَمْنَعُهَا.
وَالْغِنَى هُنَا: مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: قَوْلِ الْإِمَامِ، (فَيُعْطَى مُحْتَرِفٌ ثَمَنَ
آلَةِ حِرْفَةٍ، وَإِنْ كَثُرَتْ، وَتَاجِرٌ يُعْطَى رَأْسُ مَالٍ يَكْفِيهِ) ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا حَلَّتْ لَهُ، وَلَوْ مَلَكَ نِصَابًا فَأَكْثَرَ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ: فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالسِّدَادُ: الْكِفَايَةُ.
وَذَكَرَ أَحْمَدُ قَوْلَ عُمَرَ: " أَعْطَوْهُمْ، وَإِنْ رَاحَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا " وَأَمَّا حَدِيثُ «ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ سَأَلَهُ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا، أَوْ كُدُوشًا فِي وَجْهِهِ» فَأُجِيبَ عَنْهُ بِضَعْفِ الْخَبَرِ، وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ فِي وَقْتٍ كَانَتْ الْكِفَايَةُ الْغَالِبَةُ فِيهِ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَلِذَلِكَ جَاءَ التَّقْدِيرُ عَنْهُ بِأَرْبَعِينَ وَبِخَمْسِينَ أَوَاقٍ، وَهِيَ: مِائَتَا دِرْهَمٍ.
(وَ) يُعْطَى (غَيْرُهُمَا) ، أَيْ: الْمُحْتَرِفِ وَالتَّاجِرِ (مِنْ فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا مَعَ) كِفَايَةِ (عَامِلَتِهِمَا سَنَةً) ، لِتَكَرُّرِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ، فَيُعْطَى مَا يَكْفِيهِ إلَى مِثْلِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَامِلَتِهِمَا مَقْصُودٌ دَفْعُ حَاجَتِهِ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلْمُنْفَرِدِ، حَتَّى (وَلَوْ كَانَ احْتِيَاجُهُمَا بِ) سَبَبِ (إتْلَافِ مَالِهِمَا فِي الْمَعَاصِي أَوْ لَمْ يَتُوبَا) : لِصِدْقِ اسْمِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ عَلَيْهِمَا حِينَ الْأَخْذِ، (وَيُعْطَى لِمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ بِنِسْبَتِهِ) ، أَيْ: الْبَعْضِ الْحُرِّ مِنْهُ، فَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ يَأْخُذُ مِنْ الزِّيَادَةِ مِنْ الزَّكَاةِ نِصْفَ كِفَايَتِهِ سَنَةً، وَمَنْ ثُلُثُهُ حُرٌّ يَأْخُذُ ثُلُثَ كِفَايَتِهِ سَنَةً وَهَكَذَا (وَ) يُعْطَى (لِفَقِيرَةٍ تَجِدُ مَنْ
يَنْكِحُهَا) مِنْ الزَّكَاةِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا، (إذْ تَحْصِيلُ الْمَالِ بِالْبُضْعِ لَيْسَ بِغِنًى مُعْتَبَرٍ مُطْلَقًا) فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا، فَلَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ لِتَحُجَّ، وَكَذَا لَا تُجْبَرُ عَلَى التَّزَوُّجِ لِتُنْفِقَ عَلَى قَرِيبِهَا الْفَقِيرِ.
(وَإِنْ تَفَرَّغَ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ لِلْعِلْمِ) الشَّرْعِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَهُ (لَا) إنْ تَفَرَّغَ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ (لِلْعِبَادَةِ) لِقُصُورِ نَفْعِهَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْعِلْمِ (وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَ الْعِلْمِ وَالتَّكَسُّبِ (أُعْطِيَ) مِنْ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ، (وَمَنْ أُعْطِيَ مَالًا) مِنْ زَكَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا (لِيُفَرِّقَهُ، جَازَ لَهُ) تَنَاوُلُهُ لِذَلِكَ (إنْ أَمِنَ نَفْسَهُ) عَلَى تَفْرِقَتِهِ.
(الثَّالِثُ: عَامِلٌ عَلَيْهَا كَجَابٍ) يَبْعَثُهُ إمَامٌ لِأَخْذِ زَكَاةٍ مِنْ أَرْبَابِهَا، (وَحَافِظٍ وَكَاتِبٍ وَقَاسِمٍ) وَمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا، لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] «وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَبْعَثُ عَلَى الصَّدَقَةِ سُعَاةً وَيُعْطِيهِمْ عِمَالَتَهُمْ» . (وَشُرِطَ كَوْنُهُ) ، أَيْ: الْعَامِلِ (مُسْلِمًا) ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَاشْتُرِطَ فِيهَا الْإِسْلَامُ كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ (مُكَلَّفًا) ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ أَيْضًا، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ مُوَلًّى عَلَيْهِ (أَمِينًا عَالِمًا بِأَحْكَامِ زَكَاةٍ) إنْ كَانَ مِمَّنْ يُفَوَّضُ إلَيْهِ عُمُومُ الْأَمْرِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ، وَيَصِيرُ خَطَؤُهُ أَكْثَرَ مِنْ صَوَابِهِ (كَافِيًا) فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْوِلَايَةِ، فَاشْتُرِطَ فِيهَا ذَلِكَ كَغَيْرِهَا.
(وَيَتَّجِهُ: اشْتِرَاطُ ذُكُورِيَّتِهِ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: لَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ ذُكُورِيَّتِهِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ امْرَأَةً وُلِّيَتْ عِمَالَةَ زَكَاةٍ أَلْبَتَّةَ، وَتَرْكُهُمْ ذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ، وَأَيْضًا ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] ، لَا يَشْمَلُهَا.
وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": وَاشْتِرَاطُ ذُكُورِيَّتِهِ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى) ، وَهُمْ: بَنُو هَاشِمٍ، وَمِثْلُهُمْ مَوَالِيهِمْ، «لِأَنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمُطَّلِبَ بْنَ رَبِيعَةَ سَأَلَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِمَالَةَ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَقَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَهُوَ نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ، لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، إلَّا أَنْ نَدْفَعَ إلَيْهِ أُجْرَتَهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ.
قَالَهُ فِي الْمُغْنِي ": (وَلَوْ كَانَ قِنًّا) فَلَا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ، لِحَدِيثِ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ، أَشْبَهَ الْحُرَّ، (أَوْ) كَانَ الْعَامِلُ (غَنِيًّا) لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: الْعَامِلُ، أَوْ رَجُلٌ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٌ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٌ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى لِغَنِيٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَيُعْطَى) عَامِلٌ (قَدْرَ أُجْرَتِهِ مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ جَاوَزَتْ ثَمَنَ مَا جَبَاهُ أَوْ لَا نَصًّا، وَذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (إنْ لَمْ يَعْقِدْ لَهُ عَقْدَ إجَارَةٍ) فَإِنْ عَقَدَ لَهُ عَقْدَ إجَارَةٍ، وَسَمَّى لَهُ شَيْئًا مَعْلُومًا، اسْتَحَقَّهُ (إلَّا إنْ تَلِفَتْ) الزَّكَاةُ (بِيَدِهِ) ، أَيْ: الْعَامِلِ (بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ، (وَلَا يَضْمَنُ) مَا تَلِفَ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَحَيْثُ لَا ضَمَانَ (فَ) يُعْطَى أُجْرَتُهُ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْهَا.
(وَإِنْ تَطَوَّعَ) الْعَامِلُ (بِعَمَلِهِ فَأُعْطِيَ) ، أَيْ: أَعْطَاهُ إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ أُجْرَتَهُ، (فَلَهُ الْأَخْذُ) لِقِصَّةِ عُمَرَ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُسَمِّيَ أَوْ يَعْقِدَ لَهُ إجَارَةً وَأَنْ يَبْعَثَهُ بِغَيْرِهِمَا.
(وَإِنْ عَمِلَ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (إمَامٌ، أَوْ) عَمِلَ عَلَيْهَا (نَائِبُهُ)