مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 168-207
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 168-207
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بِهَا أَوْ بِهِ (لَمْ يَضْمَنْهَا) إذْ لَمْ يُفَرِّطْ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَلِفَتْ بَعْدَ إمْكَانِ رَدِّهَا إلَى رَبِّهَا أَوْ إعْلَامِهِ بِمَوْتِ الْوَدِيعِ، فَلَمْ يَفْعَلْ (ضَمِنَ) لِتَأَخُّرِ رَدِّهَا أَوْ الْإِعْلَامِ مَعَ إمْكَانِهِ وَحُصُولِهَا بِيَدِهِ بِلَا إيدَاعٍ، بِخِلَافِ عَبْدٍ أَوْ حَيَوَانٍ دَخَلَ دَارِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهُ لِيَذْهَبَ كَمَا جَاءَ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْقَوَاعِدِ.
" وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ فَقَطْ خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") تَصْرِيحٌ بِمَا عَلِمَ سَابِقًا وَإِنَّمَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ (لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) كَالْمُسْتَأْجَرِ (وَكَذَا كُلُّ مَنْ حَصَلَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ بِلَا ائْتِمَانٍ) مِنْ صَاحِبِهَا (كَلُقَطَةٍ وَثَوْبٍ أَطَارَتْهُ رِيحٌ لِدَارِهِ) ، وَعَلِمَ بِهِ؛ فَعَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى الرَّدِّ مَعَ الْعِلْمِ بِصَاحِبِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْهُ أَوْ إعْلَامِهِ.
ذَكَرَهُ جَمْعٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ عَقِيلٍ حُكْمًا فِي " الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ " قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ مُرَادُ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مَعَ الْإِمْكَانِ؛ ضَمِنَ (وَكَذَا لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ نَحْوَ مُودَعٍ) - بِفَتْحِ الدَّال - كَعَدْلٍ بِيَدِهِ الرَّهْنُ (وَمُرْتَهِنٌ وَوَكِيلٌ وَمُضَارِبٌ وَشَرِيكٌ) فَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ.
(وَيَتَّجِهُ) عَلَى الْأَمِينِ رَدُّ مَا ذَكَرَ لِإِخْرَاجِهِ نَفْسَهُ مِنْ الِائْتِمَانِ (لَا إنْ عَزَلَهُ) - أَيْ: الْأَمِينَ (مَالِكٌ) وَلَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ التَّسْلِيمَ (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " كَذَا قَالَ، وَعِبَارَةُ " الْإِقْنَاعِ " لَوْ فَسَخَ الْمَالِكُ عَقْدَ الِائْتِمَانِ فِي الْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ؛ بِزَوَالِ الِائْتِمَانِ؛ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ فِي " الْإِنْصَافِ ". وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ: وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأَمَانَاتِ إذَا فَسَخَهَا الْمَالِكُ كَالْوَدِيعَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ لِزَوَالِ الِائْتِمَانِ.
صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَسْخُ فِي حَضْرَةِ الْأَمِينِ أَوْ غَيْبَتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجِبُ فِعْلُ الرَّدِّ، فَإِنَّ الْعِلْمَ هُنَا حَاصِلٌ لِلْمَالِكِ.
انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَمِينَ إنْ كَانَ أَزَالَ الِائْتِمَانَ بِعُزْلَةِ نَفْسَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى الرَّدِّ أَوْ الْإِعْلَامِ، وَإِنْ كَانَ الْعَزْلُ صَدَرَ مِنْ الْمَالِكِ، وَطَلَبَ الرَّدَّ؛ وَجَبَ عَلَى

الْأَمِينِ التَّمْكِينُ مِنْ الرَّدِّ، قَالَ فِي " الْقَوَاعِدِ " فَمَتَى كَانَ الْمَالِكُ عَالِمًا، وَلَمْ يَطْلُبْ؛ فَلَا ضَمَانَ إذَا لَمْ تَكُنْ مُؤْنَةُ الرَّدِّ وَاجِبَةً عَلَى مَنْ هُوَ عِنْدَهُ، وَهَذَا حَسَنٌ.
انْتَهَى.
تَتِمَّةٌ: الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَى رَدِّهَا بِكُلِّ حَالٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ حُصُولُهَا فِي يَدِهِ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ أَوْ مَحْظُورٍ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَالْأَوَّلُ كَالْعَوَارِيِّ يَجِبُ رَدُّهَا إذَا اسْتَوْفَى مِنْهَا الْغَرَضَ الْمُسْتَعَارَ لَهُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَهَذَا إذَا انْتَهَى قَدْرُ الِانْتِفَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، مُتَوَجِّهٌ، وَسَوَاءٌ طَالَبَ الْمَالِكُ أَوْ لَمْ يُطَالِبْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَضْمُونَاتِ، فَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْمَقْبُوضِ، وَكَذَا حُكْمُ الْمَقْبُوضِ لِلسَّوْمِ وَالثَّانِي كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ رَدُّ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ إذَا (انْقَضَتْ إجَارَةٌ أَوْ) ؛ أَيْ: وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ إذَا (وُفِّيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ - (دَيْنٌ بِرَهْنٍ) رَدُّ الرَّهْنِ لِمَالِكِهِ.
صَرَّحَ بِهِمَا الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ قِيَاسًا عَلَى الْأَمَانَةِ إذَا فَسَخَهَا الْمَالِكُ، مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ صَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي خِلَافِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ فِعْلُ الرَّدِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الرَّهْنِ لَا يَجِبُ فِعْلُ الرَّدِّ، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ " ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ فِعْلُ الرَّدِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ فِي الرَّهْنِ كَذَلِكَ انْتَهَى.
وَالْعَجَبُ مِنْ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَطَعَ هُنَا بِوُجُوبِ الرَّدِّ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي آخَرِ الْإِجَارَةِ مَا نَصُّهُ: فَصْلٌ: وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَةٍ رَفَعَ مُسْتَأْجَرٌ يَدَهُ عَنْ مُؤَجَّرِهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّهُ وَلَا مُؤْنَتُهُ كَمُودِعٍ وَمُرْتَهِنٍ وُفِيَ، وَتَكُونُ أَمَانَةً بِيَدِهِ، فَلَا تُضَمَّنُ بِلَا تَفْرِيطٍ، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ". فَائِدَةٌ: إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ رَفَعَ الْمُسْتَأْجَرُ يَدَهُ عَنْ الْمَأْجُورِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الرَّدُّ عَلَى الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، وَلَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ رَدِّهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْحَاوِي الصَّغِيرِ "؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ

فِي الِانْتِفَاعِ دُونَ الْإِذْنِ فِي الْحِفْظِ، وَمُؤْنَتُهُ كَمُودَعٍ.
انْتَهَى.
وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ هُنَا مَشَى عَلَى الْمَرْجُوحِ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِجَارَةِ، فَتَنَبَّهْ لَهُ.

(وَيَضْمَنُ مَنْ) - أَيْ: وَدِيعٌ - (أَحْرَزَهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةَ - بِأَنْ لَمْ يُمَكِّنْ مَالِكَهَا مِنْ أَخْذِهَا (بَعْدَ طَلَبٍ) ، فَإِنْ أَخَّرَ الرَّدَّ بَعْدَ طَلَبِهَا (بِلَا عُذْرٍ) فِي تَأْخِيرِهِ؛ ضَمِنَ إنْ تَلِفَتْ، أَوْ نَقَصَتْ كَالْغَاصِبِ، وَإِنْ طَلَبَهَا فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا إلَيْهِ بَعْدَهَا، أَوْ لِمُخَالَفَةٍ فِي طَرِيقِهَا أَوْ لِلْعَجْزِ عَنْهَا وَعَنْ حَمْلِهَا؛ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِتَرْكِ تَسْلِيمِهَا، وَلَمْ يَضْمَنْهَا، لِعَدَمِ عُدْوَانٍ، وَمِثْلُهُ مَنْ (أَخَّرَ مَالًا أَمَرَ) ؛ أَيْ: أَمَرَهُ مَالِكُهُ (بِدَفْعِهِ) إلَى وَكِيلِهِ (بَعْدَ إمْكَانٍ) مِنْ دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَ؛ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ - (وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ) الْوَكِيلُ ذَلِكَ - لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَنْ أَخَّرَ رَدَّهَا أَوْ مَالًا أُمِرَ بِدَفْعِهِ بَعْدَ طَلَبٍ بِلَا عُذْرٍ؛ ضَمِنَ.
وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَمَشَى عَلَيْهِ فِي " الْإِقْنَاعِ ". (وَيُمْهَلُ) مَنْ طُولِبَ بِوَدِيعَةٍ أَوْ بِمَالٍ أُمِرَ بِدَفْعِهِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ (لِنَحْوِ أَكْلٍ) كَكَوْنِهِ فِي حَمَّامٍ إلَى قَضَاءِ غَرَضِهِ (كَهَضْمِ) طَعَامٍ (وَنَوْمٍ) إلَى أَنْ يَسْتَيْقِظَ (وَمَطَرٍ وَطُهْرٍ بِقَدْرِهِ، فَلَا تُضَمَّنُ) الْوَدِيعَةُ (بِتَلَفِ زَمَنِهِ) - أَيْ: الْعُذْرِ - لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ.

[وَتَثْبُتُ وَدِيعَةٌ حُكْمًا بِإِقْرَارِ وَارِثٍ]

(وَتَثْبُتُ وَدِيعَةٌ حُكْمًا بِإِقْرَارِ) وَدِيعٍ؛ بِأَنْ أَقَرَّ أَنَّهَا لِفُلَانٍ أَوْ إقْرَارِ (وَارِثٍ) لِلْوَدِيعِ بَعْدَهُ، أَوْ وُجُودِ (نَحْوِ بَيِّنَةٍ) كَأَمَارَةٍ ظَاهِرَةٍ، بِأَنْ وُجِدَ إنَاءٌ ذَهَبٌ أَوْ جَوْهَرٌ عِنْدَ فَقِيرٍ، وَادَّعَاهُ غَنِيٌّ مَعْرُوفٌ بِاقْتِنَاءِ ذَلِكَ؛ لِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ، وَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ بِعَيْنِهَا وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ

سِوَاهَا فَهُمَا سَوَاءٌ إنْ وَفَّتْ بِهِمَا، وَإِلَّا تَحَاصَّا؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ وَجَبَا فِي ذِمَّتِهِ، فَتَسَاوَيَا كَالدَّيْنَيْنِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ مِنْ جِنْسِ الْوَدِيعَةِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَقِيلَ: لَا يُعْمَلُ (بِخَطِّ مُوَرِّثٍ خَلَا عَنْهُمَا) - أَيْ: عَنْ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ، (خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " وَ " الْإِقْنَاعِ " (وَإِنْ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ بَاطِنًا مَعَ تَحَقُّقِهِ) أَنَّهُ خَطُّ مُوَرِّثِهِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ " وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ كَأَنْ وُجِدَ مَكْتُوبًا عَلَى وِعَاءٍ (هَذَا وَدِيعَةٌ أَوْ) هَذَا (لِفُلَانٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْوِعَاءَ كَانَتْ فِيهِ وَدِيعَةٌ قَبْلَ هَذِهِ، أَوْ كَانَ وَدِيعَةً لِلْمَيِّتِ عِنْدَ غَيْرِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ " الْمُنْتَهَى " وَيُعْمَلُ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ عَلَى كِيسٍ وَنَحْوِهِ هَذَا وَدِيعَةٌ أَوْ لِفُلَانٍ، وَعِبَارَةُ " الْإِقْنَاعِ " وَإِنْ وَجَدَ خَطَّ مُوَرِّثِهِ لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ أَوْ عَلَى كِيسٍ وَنَحْوِهِ هَذَا لِفُلَانٍ، عُمِلَ بِهِ وُجُوبًا.
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": وَإِنْ وُجِدَ خَطُّ مُوَرِّثِهِ لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ أَوْ عَلَى كِيسٍ هَذَا لِفُلَانٍ عُمِلَ بِهِ وُجُوبًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُعْمَلُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ فِي الْوَصِيَّةِ وَنَصَرَهُ غَيْرُهُ، وَقَالَ: قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَكْرُوسٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ.
انْتَهَى.
هَكَذَا وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا وَيَعْمَلُ وَارِثٌ وُجُوبًا (بِخَطِّ مُوَرِّثٍ) وَجَدَهُ مَكْتُوبًا عَلَى كِيسٍ أَوْ صُنْدُوقٍ أَوْ كِتَابٍ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّهُ بِهِمَا - أَيْ: بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ مُوَرِّثٍ بِذَلِكَ - كَقَوْلِهِ (هَذَا وَدِيعَةٌ) عِنْدِي أَوْ هَذَا (لِفُلَانٍ) نَصًّا،

وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَاهُ؛ إذْ ثُبُوتُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ لَا يَسْتَرِيبُ بِهِ عَاقِلٌ، وَكِلْتَا الْعِبَارَتَيْنِ لَا تَخْلُوَانِ عَنْ تَحْرِيفٍ مِنْ النُّسَّاخِ أَوْ سَهْوٍ مِنْ الْمُصَنِّفِ، (وَ) إنْ وَجَدَ وَارِثٌ خَطَّ مُوَرِّثِهِ (بِدَيْنٍ عَلَيْهِ) عَلَى مُوَرِّثِهِ لِمُعَيَّنٍ؛ عُمِلَ بِهِ وُجُوبًا، وَدُفِعَ الدَّيْنُ إلَى مَنْ هُوَ مَكْتُوبٌ بِاسْمِهِ كَالْوَدِيعَةِ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي " إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَارِثِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْكِتَابَةُ بِالدُّيُونِ عَلَيْهِ كَالْكِتَابَةِ الْوَدِيعَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " انْتَهَى.
أَوْ وَجَدَ خَطَّ مُوَرِّثِهِ بِدَيْنٍ (لِفُلَانٍ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ صَوَابُهُ لَهُ عَلَى فُلَانٍ لِيُوَافِقَ مَا فِي الْمُتُونِ،

فَيَعْمَلُ الْوَارِثُ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ (يَحْلِفَ) عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ) جَوَازُ الْحَلِفِ (مَعَ) وُجُودِ (شَاهِدٍ) بِالدَّيْنِ، فَيَحْلِفُ (اعْتِمَادًا عَلَى خَطِّ مُوَرِّثِهِ الصَّدُوقِ) الْأَمِينِ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا، وَيَسْتَحِقُّ الدَّيْنَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَيَطِيبُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ فُلَانٍ، قَطَعَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَشَرْحِ الْحَارِثِيِّ وَ " إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " فَيَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى مَا لَا تَجُوزُ بِهِ الشَّهَادَةُ؛ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ وَغَيْرِهِمَا إذَا رَآهَا بِخَطِّهِ، [ (وَإِلَّا) يَعْلَمْ صِدْقَ مُوَرِّثِهِ (فَلَا) يَجُوزُ لَهُ الْحَلِفُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ شَاهِدٍ فَقَطْ] ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
.

(وَإِنْ ادَّعَاهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةَ - (اثْنَانِ، فَأَقَرَّ) الْوَدِيعُ (لِأَحَدِهِمَا) ؛ فَهِيَ (لَهُ) - أَيْ: لِلْمَقَرِّ لَهُ - (بِيَمِينِهِ) بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْوَدِيعِ، وَقَدْ نَقَلَهَا إلَى الْمُدَّعِي، فَصَارَتْ الْيَدُ لَهُ، وَمَنْ كَانَتْ الْيَدُ لَهُ قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَمِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ لَوْ قَالَ الْوَدِيعُ: أَوْدَعَنِيهَا الْمَيِّتُ، أَوْ قَالَ: هِيَ لِفُلَانٍ، وَقَالَ وَرَثَتُهُ: بَلْ هِيَ لَهُ.
أَفْتَى الشَّيْخُ التَّقِيُّ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَدِيعِ مَعَ يَمِينِهِ.
(وَيَحْلِفُ) الْوَدِيعُ أَيْضًا لِلْمُدَّعِي (الْآخِرِ) الَّذِي أَنْكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَدَعْوَاهُ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ "، فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ وَإِلَّا يَحْلِفُ لَزِمَهُ - أَيْ: الْوَدِيعَ - بَدَلُهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى الْمُدَّعِي، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْأَوَّلِ، فَتُسَلَّمُ لِلْأَوَّلِ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِلثَّانِي نَصًّا، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا (لَهُمَا) مَعًا فَهِيَ (لَهُمَا) - أَيْ: بَيْنَهُمَا - كَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا وَتَدَاعَيَاهَا، (وَيَحْلِفُ لِكُلِّ) وَاحِدٍ (مِنْهُمَا) يَمِينًا عَلَى نِصْفِهَا، (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينَيْنِ؛ (لَزِمَهُ لِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (نِصْفُ بَدَلِ) نِصْفِهَا، (وَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (لِأَحَدِهِمَا) فَقَطْ؛ (لَزِمَهُ لَهُ) - أَيْ: لِمَنْ نَكَلَ

عَنْ الْيَمِينِ لَهُ عِوَضُ (نِصْفِهِ، وَ) يَلْزَمُ أَنْ (يَحْلِفَ كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (لِصَاحِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَدَعْوَاهُ.
(وَإِنْ قَالَ) الْوَدِيعُ جَوَابًا لِدَعْوَاهُمَا: (لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا) مِنْكُمَا (وَصَدَّقَاهُ) عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا (أَوْ سَكَتَا) عَنْ تَصْدِيقِهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ؛ (فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ) ؛ إذْ لَا اخْتِلَافَ، (وَاقْتَرَعَا) فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ سُلِّمَتْ إلَيْهِ بِيَمِينِهِ، (وَإِنْ كَذَّبَاهُ) بِأَنْ قَالَا: بَلْ تَعْرِفُ أَيُّنَا صَاحِبُهَا، أَوْ كَذَّبَهُ (أَحَدُهُمَا حَلَفَ) لَهُمَا (يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَكَذَا إنْ كَذَّبَهُ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، (وَاقْتَرَعَا) فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ؛ لِاحْتِمَالِ عَدَمِهِ، وَأَخَذَهَا بِمُقْتَضَى الْقُرْعَةِ، (فَإِنْ نَكَّلَ) الْوَدِيعُ عَنْ الْيَمِينِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ صَاحِبَهَا (حُكِمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَأُلْزِمَ) بِتَعْيِينِ صَاحِبِهَا، فَإِنْ أَبَى تَعْيِينُهُ؛ أُلْزِمَ (بِبَدَلِهَا أَيْضًا) مِثْلِ الْمِثْلِيَّةِ وَقِيمَةِ الْمُتَقَوِّمَةِ، فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ وَالْعَيْنُ أَوْ الْمِثْلُ وَالْعَيْنُ، وَإِذَا أَخَذَاهُمَا (اقْتَرَعَا عَلَيْهِمَا) . قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَعْلَمُ الْمُسْتَحِقَّ، وَلَا أَحْلِفُ، (فَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْعَيْنِ لِأَخْذِ الْقِيمَةِ رُدَّتْ إلَيْهِ) الْعَيْنُ لِلْبَيِّنَةِ، وَتَقَدُّمِهَا عَلَى الْقُرْعَةِ، وَرُدَّتْ (الْقِيمَةُ لِلْمُودِعِ، وَلَا شَيْءَ لِلْقَارِعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ شَيْئًا، بَلْ الْمُفَوِّتُ الْبَيِّنَةُ، (وَيَأْتِي فِي) بَابِ (الدَّعَاوَى) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.

(وَإِنْ أَوْدِعَاهُ) [- أَيْ:] اثْنَانِ - (مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا يَنْقَسِمُ) إجْبَارًا بِأَنْ لَمْ يَنْقُصْ بِتَفَرُّقِهِ، (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ) مِنْ الْوَدِيعِ (لِغِيبَةِ شَرِيكِهِ أَوْ) حُضُورِهِ وَ (امْتِنَاعِهِ) ؛ (سَلَّمَ) النَّصِيبَ (إلَيْهِ) - أَيْ: إلَى الطَّالِبِ - وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ أُمْكِنَ تَمْيِيزُ نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ بِغَيْرِ غَبَنٍ وَلَا ضَرَرٍ، فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ؛ لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ مُتَمَيِّزًا.
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُذَهَّبِ " ومَسْبُوكِ الذَّهَبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَ " التَّلْخِيصِ " وَ " الْبُلْغَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَوْ كَانَ عَلَى الْوَدِيعِ دَيْنٌ بِقَدْرِ الْوَدِيعَةِ كَأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ الْوَدِيعُ أَلْفًا، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْوَدِيعُ: الَّذِي دَفَعْت

إلَيْك وَفَاءً عَنْ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةُ تَلِفَتْ، فَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ هُوَ الْوَدِيعَةُ وَالدَّيْنُ بِحَالِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَدِيعِ.

(وَلِمُودِعٍ وَمُضَارِبٍ وَمُسْتَأْجَرٍ وَمُرْتَهِنٍ) قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: وَمِثْلُهُمْ الْعَدْلُ بِيَدِهِ الرَّهْنُ وَالْأَجِيرُ عَلَى حِفْظِ عَيْنٍ وَالْوَكِيلُ فِيهِ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُجَاعِلُ عَلَى عَمَلِهَا (إنَّ غُصِبَتْ الْعَيْنُ) - أَيْ: الْوَدِيعَةُ - أَوْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ الْمُسْتَأْجَرَةِ (الْمُطَالَبَةِ بِهَا) مِنْ غَاصِبِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ حِفْظِهَا الْمَأْمُورِ بِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ ذَكَرَ الْمُطَالَبَةَ بِالْعَيْنِ إذَا غُصِبَتْ، وَلَا يَلْزَمُهُ (مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا) . قَالَهُ الْمُوَفَّقُ، وَإِلَّا يَكُنْ مَالِكُ الْعَيْنِ حَاضِرًا (لَزِمَهُ) أَنْ يُطَالِبَ بِهَا (مَعَ خَوْفِ ضَيَاعٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا، وَذَلِكَ مِنْهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
غَرِيبَةٌ: لَوْ أَوْدَعَ كِيسًا مَخْتُومًا مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ، وَادَّعَى أَنَّهُ فُضَّ خَتْمُهُ، وَأَنَّهُ خَالٍ صُدِّقَ الْمُودِعُ فَلَوْ فَتَحَ فَوَجَدَ فِيهِ دَرَاهِمَ مِنْ ضَرْبِ خَمْسِ سِنِينَ فَكَذَلِكَ.
قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ".

(وَلَا يَضْمَنُ مُودَعٌ أُكْرِهَ) عَلَى دَفْعِ الْوَدِيعَةِ وَلَوْ لَمْ يَنَلْهُ عَذَابٌ، بَلْ أُكْرِهَ (بِتَهْدِيدٍ عَلَى دَفْعِهَا لِغَيْرِ رَبِّهَا) قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ، وَذَكَرَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَوْ أَسْلَمَ لِوَدِيعَةٍ كُرْهًا لَمْ يَضْمَنْ، وَقَالَ: وَإِنْ صَادَرَهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ " وَابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْفُصُولِ " وَالْمُوَفَّقِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُمْ.
(وَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهُ) أَيْ: الْوَدِيعِ - أَنْ لَا وَدِيعَةَ لِفُلَانٍ عِنْدَهُ، (وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا) مِنْ الْحَلِفِ بِأَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ يَمِينَهُ مُتَغَلِّبًا عَلَيْهِ بِسُلْطَتِهِ أَوْ تَلَصُّصٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنْهُ إلَّا بِالْحَلِفِ؛ (حَلَفَ وَتَأَوَّلَ) ، فَيَنْوِي لَا وَدِيعَةَ عِنْدِي لِفُلَانٍ فِي مَوْضِعِ كَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّذِي لَيْسَتْ بِهَا وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَحْنَثْ لِتَأَوُّلِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى أَخَذَهُ مِنْهُ ضَمِنَهَا خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ) ؛ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ الْحَلِفِ، كَمَا لَوْ سَلَّمَهَا إلَى غَيْرِ رَبِّهَا ظَانًّا أَنَّهُ هُوَ، فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، وَقِيلَ: (لَا يَأْثَمُ إنْ حَلَفَ) الْوَدِيعُ (مُكْرَهًا) أَنَّهُ لَا وَدِيعَةَ لِفُلَانٍ عِنْدَهُ، (وَلَمْ يَتَأَوَّلْ مَعَ ضَرَرِ تَغْرِيمٍ كَثِيرًا، وَلَا يُكَفِّرُ) عَنْ يَمِينِهِ، (خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " وَ " الْإِقْنَاعِ " (فِيهِمَا) - أَيْ: فِي عَدَمِ الْإِثْمِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ - كَذَا قَالَ، وَعِبَارَةُ " الْمُنْتَهَى " وَيَأْثَمُ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ، وَهُوَ دُونَ إثْمِ إقْرَارِهِ بِهَا، وَيُكَفِّرُ، وَعِبَارَةُ " الْإِقْنَاعِ " وَإِنْ حَلَفَ وَلَمْ يَتَأَوَّلْ؛ أَثِمَ، وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَإِنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَتَأَوَّلْ أَثِمَ، وَقَالَ: الصَّوَابُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ مَعَ إمْكَانِ التَّأْوِيلِ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَعِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ، ثُمَّ وَجَدْته فِي " الْفُرُوعِ " فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ قَالَ: وَيُكَفِّرُ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى.
وَكَوْنُهُ يَأْثَمُ إذَا لَمْ يَتَأَوَّلْ لِحَلِفِهِ كَاذِبًا، لَكِنَّ إثْمَ حَلِفِهِ دُونَ إثْمِ إقْرَارِهِ بِهَا؛ لِأَنَّ حِفْظَ مَالِ الْغَيْرِ عَنْ الضَّيَاعِ آكَدُ مِنْ بِرِّ الْيَمِينِ.
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ) أَنَّهُ لَا وَدِيعَةَ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ، فَأَجَابَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَفِيهِ بَحْثٌ.
وَحَاصِلُهُ (إنْ كَانَ ضَرَرُ التَّغْرِيمِ كَثِيرًا) يُوَازِي الضَّرَرَ فِي صُوَرِ الْإِكْرَاهِ؛ (فَهُوَ إكْرَاهٌ لَا يَقَعُ وَلَا يُوقِعُ) عَلَى الْمَذْهَبِ.
انْتَهَى.
(وَلَمْ يَقُولُوا) - أَيْ: الْأَصْحَابُ - (وَتَأَوَّلَ) ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَا يَلْزَمُهُ تَأْوِيلٌ؛ لِعَدَمِ انْعِقَادِ يَمِينِهِ،

وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: إنْ أَبَى الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ، فَصَارَ ذَرِيعَةً إلَى أَخْذِهَا؛ فَكَإِقْرَارِهِ طَائِعًا وَهُوَ تَفْرِيطٌ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، نَقَلَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ.
وَإِنْ نَادَى السُّلْطَانُ (بِتَهْدِيدِهِ مَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَيُنْكِرُهَا) فَجَزَاؤُهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعَاقَبَةِ، أَوْ نَادَى بِتَهْدِيدِ (مَنْ لَمْ يَحْمِلْ وَدِيعَةَ فُلَانٍ) عُمِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّهْدِيدِ، (فَحَمَلَهَا بِلَا مُطَالَبَةٍ؛ أَثِمَ) إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، وَبِهَذَا أَجَابَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عُقَيْلٍ فِي فَتَاوِيهِمَا.
وَإِنْ عَيَّنَهُ بِالتَّهْدِيدِ، فَلَا ضَمَانَ.
تَتِمَّةٌ: إذَا اُسْتُوْدِعَ فِضَّةً وَأُمِرَ بِصَرْفِهَا بِذَهَبٍ، فَفَعَلَ وَتَلِفَ الذَّهَبُ، لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنْ قَالَ: اصْرِفْ مَا لِي عَلَيْك مِنْ قَرْضٍ، فَفَعَلَ وَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْقَرْضِ.
قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ".

[بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]

(بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) الْمَوَاتُ وَالْمَيْتَةُ وَالْمَيْتَانِ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ - الْأَرْضُ الدَّارِسَةُ الْخَرَابُ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَعَرَّفَهَا الْأَزْهَرِيُّ بِأَنَّهَا الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ وَلَا بِهَا مَاءٌ وَلَا عِمَارَةٌ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا.
وَالْمَوَاتُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَوْتِ، وَهُوَ عَدَمُ الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتَانُ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ - الْمَوْتُ الذَّرِيعُ، وَرَجُلٌ مَوْتَانُ الْقَلْبِ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ - يَعْنِي أَعْمَى الْقَلْبِ لَا يَفْهَمُ، وَفِي الْقَامُوسِ الْمَوَاتُ كَغُرَابِ الْمَوْتِ وَكَسَحَابِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ وَأَرْضٌ لَا مَالِكَ لَهَا، وَالْمَوَتَانُ - بِالتَّحْرِيكِ - خِلَافُ الْحَيَوَانِ أَوْ أَرْضٌ لَمْ تَحْيَا بَعْدُ، (وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصَاتِ وَمِلْكٍ مَعْصُومٍ) مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ عَنْ هَذَا الْحَدِّ: فَيَدْخُلُ كُلُّ مَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَخَرَجَ كُلُّ مَا لَا يُمْلَكُ بِهِ.
انْتَهَى،

وَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: «أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَايَعْتُهُ، فَقَالَ: مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ.
قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ يَتَعَادَوْنَ يَتَخَاطُّونَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «الْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ وَالْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ فَمَنْ أَحْيَا مِنْ مَوَاتِ الْأَرْضِ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمَوَاتَ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي شَرْطِهِ.
(فَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ كُلِّ مَا) - أَيْ: مَوَاتٍ - (لَمْ يَجُرَّ عَلَيْهِ بَيْنَ مِلْكِ مَعْصُومٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ عِمَارَةٌ) . قَالَ فِي " الْمُغْنِي " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ الْقَائِلِينَ بِالْإِحْيَاءِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ أَبُو الصَّقْرِ فِي أَرْضٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ لَيْسَ فِيهَا مَزَارِعُ وَلَا عُيُونٌ وَأَنْهَارٌ تَزْعُمُ كُلُّ قَرْيَةٍ أَنَّهَا لَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لِهَؤُلَاءِ وَلَا لِهَؤُلَاءِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُمْ أَحْيَوْهَا، فَمَنْ أَحْيَاهَا فَلَهُ، وَمَعْنَاهُ نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَ الْخَرَابُ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ تَتَحَقَّقُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ (مَلَكَهُ مَنْ لَهُ حُرْمَةٌ) مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ، (أَوْ) مَلَكَهُ مَنْ (شُكَّ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (فِيهِ) - أَيْ: فِي مَنْ كَانَ مَالِكًا لَهُ - هَلْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ حُرْمَةٌ أَوْ لَا؟ وَلَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ، (فَإِنْ وُجِدَ) مَالِكُهُ أَوْ وُجِدَ (أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ) . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا عُرِفَ بِمِلْكِ مَالِكٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ لِأَحَدٍ غَيْرِ أَرْبَابِهِ.
انْتَهَى.
(وَكَذَا إنْ جَهِلَ) مَالِكَهُ بِأَنْ لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِجَرَيَانِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ لِذِي حُرْمَةٍ، فَلَا يَمْلِكُ بِالْإِحْيَاءِ نَصًّا عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ» . وَهَذِهِ مَمْلُوكَةٌ، وَلِأَنَّ هَذَا مَكَانٌ مَمْلُوكٌ، فَلَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ؛ كَمَا لَوْ كَانَ مَالِكُهُ مُعَيَّنًا، (وَإِنْ عَلِمَ) مَالِكَهُ وَأَنَّهُ

مَاتَ، (وَلَمْ يُعَقِّبْ) ذُرِّيَّةً وَلَا وَارِثًا؛ لَمْ يَمْلِكْ أَيْضًا بِالْإِحْيَاءِ (وَأَقْطَعَهُ الْإِمَامُ) لِمَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ فَيْءٌ.

(وَإِنْ مَلَكَ بِإِحْيَاءٍ ثُمَّ تَرَكَ حَتَّى دَثَّرَ، وَعَادَ مَوَاتًا؛ لَمْ يَمْلِكْ بِإِحْيَاءٍ إنْ كَانَ لِمَعْصُومٍ) بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ؛ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ» . وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» وَلِأَنَّ مِلْكَ الْمُحْيِي أَوَّلًا وَلَمْ يَزُلْ عَنْهَا بِالتَّرْكِ بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَمْلَاكِ، (وَإِنْ عُلِمَ مِلْكُهُ) - أَيْ: الدَّارِسِ الْخَرَابِ - (لِمُعَيَّنٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ) بِأَنْ كَانَ لِكَافِرٍ لَا ذِمَّةَ لَهُ وَلَا أَمَانَ، (فَإِنْ) كَانَ (أَحْيَاهُ بِدَارِ حَرْبٍ وَانْدَرَسَ كَانَ) ذَلِكَ (كَمَوَاتٍ أَصْلِيٍّ) ؛ أَيْ: فَيَمْلِكُهُ مَنْ يُحْيِيهِ، لِأَنَّ مِلْكَ مَنْ لَا عِصْمَةَ لَهُ كَعَدَمِهِ، (وَإِنْ) لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ (تُرُدِّدَ فِي جَرَيَانِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ) ؛ مَلَكَ الْإِحْيَاءَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَرَيَانِ الْمِلْكِ فِيهِ، (أَوْ كَانَ بِهِ) - أَيْ: الْخَرَابِ - (أَثَرُ مِلْكٍ غَيْرِ جَاهِلِيٍّ كَالْخَرِبِ) - بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْعَكْسِ - وَكِلَاهُمَا جَمْعُ خِرْبَةٍ - بِسُكُونِ الرَّاءِ - وَهِيَ مَا تَهَدَّمَ مِنْ الْبُنَيَّانِ (الَّتِي ذَهَبَتْ أَنْهَارُهَا وَانْدَرَسَتْ آثَارُهَا، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا مَالِكٌ) الْآنَ؛ مَلَكَ بِالْإِحْيَاءِ؛ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَأَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ، وَلِأَنَّ عَامِرَ دَارِ الْحَرْبِ إنَّمَا يُمْلَكُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، أَوْ كَانَ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ (جَاهِلِيٍّ قَدِيمٍ) كَدِيَارِ عَادٍ وَآثَارِ الرُّومِ؛ فَيَمْلِكُهُ مَنْ أَحْيَاهُ لِمَا سَبَقَ، أَوْ كَانَ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ جَاهِلِيٍّ (قَرِيبٍ؛ مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ) ؛ لِأَنَّ أَثَرَ الْمِلْكِ الَّذِي بِهِ لَا حُرْمَةَ لَهُ.
(قَالَ الْحَارِثِيُّ: مَسَاكِنُ) دِيَارِ ( [ثَمُودَ] لَا تُمْلَكُ؛ لِعَدَمِ دَوَامِ الْبُكَاءِ مَعَ السُّكْنَى) [وَمَعَ الِانْتِفَاعِ] عَلَى رِوَايَةٍ، الْأَظْهَرُ خِلَافُهَا.
قَالَ الشَّارِحُ: النَّوْعُ الثَّانِي مَا يُوجَدُ فِيهِ آثَارُ مِلْكٍ قَدِيمٍ جَاهِلِيٍّ كَآثَارِ الرُّومِ وَمَسَاكِنِ ثَمُودٍ وَنَحْوِهِمْ؛ فَهَذَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ فِي أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ

الْمِلْكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَلِمَا رَوَى طَاوُسٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ عَادِي الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ بَعْدُ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ.
، وَقَالَ عَادِي الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ بِهَا سَاكِنٌ فِي آبَادِ الدَّهْرِ فَانْقَرَضُوا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَنِيسٌ، فَنُسِبَ كُلُّ أَثَرٍ قَدِيمٍ إلَيْهِمْ.
انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَالْمُوَفَّقُ فِي " الْمُغْنِي " خِلَافًا فِي جَوَازِ إحْيَائِهِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ " الْمُحَرَّرِ وَ " الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ الْحَارِثِيُّ وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فَإِنَّ أَحْمَدَ وَأَصْحَابَهُ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُمْ فِي الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ وَهُوَ نَصٌّ مِنْهُ فِي خُصُوصِ النَّوْعِ، وَصَحَّحَ الْمَلِكُ فِيهِ بِالْإِحْيَاءِ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ " وَ " الْفَائِقِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَ " التَّصْحِيحِ " وَغَيْرُهُمْ، انْتَهَى.
.

(وَيُكْرَهُ دُخُولُ دِيَارِهِمْ) - أَيْ: ثَمُودَ - (إلَّا لِبَاكٍ مُعْتَبِرٍ، لِئَلَّا يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ) مِنْ الْعَذَابِ؛ لِلْخَبَرِ (وَمَنْ أَحْيَا) مِمَّا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ، (وَلَوْ) كَانَ الْإِحْيَاءُ (بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ) . قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ مُسْتَدِلًّا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مُبَاحَةٌ، فَلَا: يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُهَا إلَى إذْنٍ كَأَخْذِ الْمُبَاحِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُحْيِي مُسْلِمًا (أَوْ ذِمِّيًّا) اتِّفَاقًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ لَا، لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِفِعْلِهِ كَالِاصْطِيَادِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ» . جَوَابُهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ أَنَّهَا لَكُمْ - أَيْ: لِأَهْلِ دَارِكُمْ - وَالذِّمِّيُّ مِنْ دَارِنَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُنَا، فَيَمْلِكُ الْأَرْضَ الْمُحْيَاةَ بِالْإِحْيَاءِ، كَمَا يَمْلِكُهَا بِالشِّرَاءِ، وَيَمْلِكُ مُبَاحَاتِهَا مِنْ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصَّيُودِ وَالرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ وَاللُّقَطَةِ، وَهِيَ مِنْ مَرَافِقِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ الْمَوَاتُ (مَوَاتًا) فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا؛ إذْ جَمِيعُ الْبِلَادِ سَوَاءٌ، (سِوَى مَوَاتِ الْحَرَمِ وَعَرَفَاتٍ) ، فَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ مُطْلَقًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ وَاخْتِصَاصِهِ بِمَحَلٍّ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةُ مِنْ الْحَرَمِ كَمَا سَبَقَ، فَلَا إحْيَاءَ بِهِمَا.

[تَتِمَّةٌ حُكْمُ مَوَاتُ الْعَنْوَةِ]

تَتِمَّةٌ: مَوَاتُ الْعَنْوَةِ كَأَرْضِ الشَّام وَالْعِرَاقِ كَغَيْرِهِ مِمَّا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالْمَدِينَةِ، وَمَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيُمْلَكُ مَوَاتُ الْعَنْوَةِ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا خَرَاجَ عَلَى مُسْلِمٍ أَحْيَا مَوَاتَ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ لَيْسَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ مَوَاتٌ مُعَلِّلًا بِأَنَّهَا لِجَمَاعَةٍ، فَلَا يَخْتَصُّ بِهَا أَحَدُهُمْ حَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى الْعَامِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَهُ؛ لِكَوْنِ السَّوَادِ كَانَ عَامِرًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَحِينَ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْكُفَّارِ، (وَ) سِوَى (مَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَرْضِ كُفَّارٍ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا) - أَيْ: الْأَرْضَ (لَهُمْ وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا) ، لِأَنَّهُمْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَوَاتَ تَابِعٌ لِلْبَلَدِ، وَيُفَارِقُ دَارَ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، (وَ) سِوَى (مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ) عُرْفًا؛ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ لَا بِالرَّأْيِ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّرْعِ تَحْدِيدٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ، وَمَا قِيلَ: إنَّ حَدَّ الْقَرِيبِ خُمُسُ خُمُسِ الْفَرْسَخِ، وَإِذَا وَقَفَ الرَّجُلُ بِأَعْلَاهُ فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ لَمْ يَسْمَعْ أَدْنَى أَهْلِ الْمِصْرِ إلَيْهِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدًّا لِكُلِّ مَا قَرُبَ مِنْ عَامِرٍ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي لِأَنَّ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فِي مَوَاتٍ حُرِّمَ إحْيَاءُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَوَاتِ عَلَى غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْحَدِّ (وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ كَطُرُقِهِ وَفِنَائِهِ) مَا اتَّسَعَ أَمَامَهُ (وَمَسِيلِ مَائِهِ وَمَرْعَاهُ وَمُحْتَطَبِهِ وَحَرِيمِهِ) - أَيْ: حَرِيمِ بِئْرِهِ وَحَرِيمِ نَهْرِهِ وَحَرِيمِ عَيْنِ مَائِهِ - (وَمَطْرَحِ تُرَابِهِ) وَقُمَامَتِهِ وَمُلْقَى آلَاتِهِ الَّتِي لَا نَفْعَ بِهَا وَمُرْتَكَضِ خَيْلٍ (وَمَدْفِنِ مَوْتَى وَمُنَاخِ إبِلٍ وَمَنَازِلِ مُسَافِرِينَ مُعْتَادَةٍ) حَوْلَ الْمِيَاهِ وَبِقَاعٍ مُرْصَدَةٍ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْجَنَائِزِ؛ (مَلَكَهُ) جَوَابُ مَنْ؛ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً مِنْ غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» . وَلِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمَمْلُوكِ، فَأُعْطِيَ حُكْمُهُ، وَيَمْلِكُهُ مُحْيِيهِ (بِمَا فِيهِ مِنْ كَنْزٍ) جَاهِلِيٍّ (وَمَعْدِنٍ جَامِدٍ بَاطِنٍ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ) وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَبَلُّورٍ وَمِنْ مَعْدِنٍ جَامِدٍ (ظَاهِرٍ كَجَصٍّ) - وَهُوَ النُّورَةُ (وَكُحْلٍ وَكِبْرِيتٍ) وَزِرْنِيخَ تَبَعًا لِلْأَرْضِ؛

لِأَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا، وَهَذَا مِنْهَا، فَتَبِعَهَا فِي الْمِلْكِ، وَيُفَارَقُ الْكَنْزُ الْإِسْلَامِيُّ فَإِنَّهُ لَا يُمْلَكُ مَا فِيهَا مِنْ كَنْزٍ عَلَيْهَا فِيهِ عَلَامَةُ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا، وَلَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْمُحْيِي الْمَعَادِنَ الَّتِي أَحْيَاهَا إذَا حَفَرَهَا وَأَظْهَرَهَا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْمُبْدِعِ ": وَلَوْ تَحَجَّرَ الْأَرْضَ وَأَقْطَعَهَا، فَظَهَرَ فِيهَا الْمَعْدِنُ قَبْلَ إحْيَائِهَا كَانَ لَهُ إحْيَاؤُهَا، وَيَمْلِكُهَا بِمَا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِتَحَجُّرِهِ وَإِقْطَاعِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ إتْمَامِ حَقِّهِ [وَ (لَا) يَمْلِكُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَا فِيهَا مِنْ مَعْدِنٍ (جَارٍ كَمَا يَأْتِي) قَرِيبًا.
(وَلَا) يَمْلِكُ إنْسَانٌ] مَا أَحْيَاهُ مِنْ (مَعْدِنٍ مُطْلَقًا) ظَاهِرًا كَانَ أَوْ بَاطِنًا (بِإِحْيَائِهِ) لَهُ (مُفْرَدًا) عَنْ غَيْرِهِ، أَمَّا الظَّاهِرُ وَهُوَ الَّذِي يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ يَنْتَابُهُ النَّاسُ وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ كَمَقْطَعِ الطِّينِ وَالْمِلْحِ وَالْكُحْلِ وَالْكِبْرِيتِ وَالْقَارِ وَالْمُومْيَا وَالنَّفْطِ وَالْبِرَامِ وَالْيَاقُوتِ؛ فَبِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ وَتَضْيِيقًا عَلَيْهِمْ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ أَبْيَضَ بْنَ حَمَّالٍ مَعْدِنَ الْمِلْحِ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْعَدِّ؛ رَدَّهُ» . قَالَ أَحْمَدُ: وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ «أَنَّهُ اسْتَقْطَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِلْحَ الَّذِي بِمَأْرَبٍ فَلَمَّا وَلَّى قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَدْرِي مَا أَقْطَعْت لَهُ؟ إنَّمَا أَقْطَعْته الْمَاءَ الْعَدَّ فَرَجَعَهُ مِنْهُ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُحْمَى مِنْ الْأَرَاكِ؟ قَالَ: مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ» ، وَلِأَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةُ؛ فَلَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهُ وَلَا إقْطَاعُهُ؛ كَمَشَارِعِ الْمَاءِ وَطُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا مِنْ مَوَادِّ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَفَيْضِ جُودِهِ الَّذِي لَا غِنَى عَنْهُ، فَلَوْ مَلَكَهُ أَحَدٌ بِالِاحْتِجَارِ مَلَكَ مَنْعَهُ، فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ، وَإِنْ أَخَذَ الْعِوَضَ عَنْهُ أَغْلَاهُ، فَخَرَجَ عَنْ الْوَضْعِ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَعْمِيمِ ذَوِي الْحَوَائِجِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، وَأَمَّا الْبَاطِنُ وَهُوَ الَّذِي يُحْتَاجُ فِي إخْرَاجِهِ إلَى حَفْرٍ وَمُؤْنَةٍ كَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَجَوْهَرٍ؛ فَلَا يَمْلِك بِإِحْيَائِهِ مُفْرَدًا؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ هُوَ الْعِمَارَةُ

الَّتِي يَتَهَيَّأُ بِهَا الْمُحْيِي لِلِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ عَمَلٍ، وَهَذَا حَفْرٌ وَتَخْرِيجٌ يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارٍ عِنْدَ كُلِّ انْتِفَاعٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا) يَمْلِكُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا (مَا) - أَيْ: مَعْدِنًا (كَانَ) فِيهِمَا (ظَاهِرًا لِلنَّاسِ) ، وَتَقَدَّمَتْ لَك أَمْثِلَةُ الظَّاهِرِ (يَأْخُذُونَهُ قَبْلَ إحْيَاءِ) تِلْكَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ فِي مِلْكِهِ إذْنٌ قَطْعًا لِنَفْعٍ كَانَ وَاصِلًا إلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْعًا لِانْتِفَاعِهِمْ، وَأَمَّا إذَا ظَهَرَ بِإِظْهَارِهِ [فَإِنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ عَنْهُمْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ظَهَرَ بِإِظْهَارِهِ] ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَ) يَجِبُ (عَلَى ذِمِّيٍّ خَرَاجُ مَا أَحْيَا مِنْ مَوَاتِ الْأَرْضِ) فُتِحَتْ (عَنْوَةً) كَأَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا تُقَرُّ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ بِدُونِ الْخَرَاجِ؛ كَغَيْرِ الْمَوَاتِ، أَمَّا غَيْرُ الْعَنْوَةِ - وَهُوَ مَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنْ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ إذَا أَحْيَا الذِّمِّيُّ فِيهِ مَوَاتًا - فَهُوَ كَالْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ فِيمَا أَحْيَاهُ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَالصُّلْحِ وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا كَالْمَدِينَةِ؛ إذْ الْأَرْضُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِنْهُمْ.

(وَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءٍ وَيُقْطَعُ) - بِبِنَاءِ الْفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ - (مَا) - أَيْ: مَحِلُّ - (إذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَضِيقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِإِحْدَاثِهِ، بَلْ يَحْدُثُ نَفْعُهُ بِفِعْلِهِ بِالْعَمَلِ فِيهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ، وَإِحْيَاءُ هَذَا بِتَهْيِئَتِهِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ حَفْرِ تُرَابِهِ وَتَمْهِيدِهِ وَفَتْحِ قَنَاةٍ إلَيْهِ تَصُبُّ الْمَاءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ بِهَذَا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ مَا قَرُبَ (مِنْ الْعَامِرِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ) نَصًّا كَالْبَعِيدِ عَنْهُ؛ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَهُوَ التَّعَلُّقُ بِمَصَالِحِ الْعَامِرِ، وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ عَامِرِ الْمَدِينَةِ» ، وَلِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ مَصْلَحَةُ الْعَامِرِ، فَجَازَ إحْيَاؤُهُ كَالْبَعِيدِ.
وَ (لَا) يُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ (مَا) - أَيْ: مَكَان - (نَضَبَ) ؛ أَيْ: غَارَ (مَاؤُهُ مِنْ الْجَزَائِرِ) وَالرُّقَاقِ، مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا.
وَالرُّقَاقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَرْضٌ لَيِّنَةٌ أَوْ رِمَالٌ يَتَّصِلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
قَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ لَيِّنَةُ التُّرَابِ تَحْتَهَا صَلَابَةٌ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى: إذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَلَى جَزِيرَةٍ إلَى فِنَاءِ رَجُلٍ لَمْ يَبْنِ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَإِذَا وَجَدَهُ مَبْنِيًّا رَجَعَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَأَضَرَّ بِأَهْلِهِ، وَلِأَنَّ الْجَزَائِرَ مَنْبَتُ الْكَلَأِ وَالْحَطَبِ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا حِمَى فِي الْأَرَاكِ» . وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَبَاحَ الْجَزَائِرَ؛ أَيْ: مَا نَبَتَ فِيهَا.
وَفِي " الْإِقْنَاعِ " أَمَّا مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ الْجَزَائِرِ وَالرُّقَاقِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا فَكُلُّ أَحَدٍ أَحْيَاهُ كَمَوَاتٍ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ.
(وَلَا) يَمْلِكُ بِإِحْيَاءِ (مَا غَمَرَهُ الْمَاءُ مِنْ) مَكَان (مَمْلُوكٍ) بِأَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَاءُ، ثُمَّ نَضَبَ عَنْهُ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مُلَّاكِهِ قَبْلَ غَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ؛ فَلَهُمْ أَخْذُهُ؛ لِعَدَمِ زَوَالِ مِلْكِهِمْ عَنْهُ.
فَائِدَةٌ: وَإِنْ كَانَ مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدٌ فَعَمَّرَهُ إنْسَانٌ عِمَارَةً لَا تَرِدُ الْمَاءَ مِثْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَزْرَعَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَحَجِّرٌ بِمَا لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ، فَأَشْبَهَ الْمُتَحَجِّرَ فِي الْمَوَاتِ.
.

(وَإِنْ ظَهَرَ فِيمَا أَحْيَا) مِنْ مَوَاتٍ (عَيْنُ مَاءٍ، أَوْ) ظَهَرَ (مَعْدِنٌ جَارٍ) ، وَهُوَ الَّذِي كُلَّمَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ خَلَفَهُ عِوَضُهُ (كَنَفْطٍ وَقَارٍ أَوْ) ظَهَرَ فِيهِ (كَلَأٌ أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ خَارِجٌ مِنْ أَرْضِهِ، أَشْبَهَ الْمَعَادِنَ الْجَامِدَةَ وَالزَّرْعَ؛ لِحَدِيثِ: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ لَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي لَفْظٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فَهُنَا أَوْلَى، (وَلَا يَمْلِكُهُ) ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَزَادَ وَثَمَنُهُ

حَرَامٌ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ؛ فَلَمْ تُمْلَكْ بِمِلْكِهَا كَالْكَنْزِ.

(وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ) الَّذِي فِي قَرَارِ الْعَيْنِ أَوْ فِي قَرَارِ الْبِئْرِ، وَلَمْ يُحْزِهِ (عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ يَجِبُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ) ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَيَجِبُ بَذْلُهُ لِزَرْعِهِ - أَيْ: غَيْرِهِ - عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ فَضْلَ مَا يُمْنَعُ بِهِ الْكَلَأُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلَإِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ أَوْ فَضْلَ كَلَئِهِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَلَا يَتَوَعَّدُ عَلَى مَا يَحِلُّ (مَا لَمْ يَجِدْ) رَبُّ الْبَهَائِمِ وَالزَّرْعِ مَاءً (مُبَاحًا) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا بِهِ، وَلِأَنَّ الْخَبَرَ ظَاهِرٌ فِي اخْتِصَاصِهِ بِمَحِلِّ الْحَاجَةِ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةً لَمْ يَجِبْ الْبَذْلُ (أَوْ يَتَضَرَّرُ بِهِ) الْبَاذِلُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا (أَوْ يُؤْذِهِ) طَالِبُ الْمَاءِ (بِدُخُولِهِ) إلَيْهَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إلَّا أَنْ يُؤْذِيَهُ بِالدُّخُولِ، أَوْ يَكُونَ لَهُ (فِيهِ) - أَيْ: الْبِئْرِ - (مَاءُ السَّمَاءِ، أَوْ يَخَافُ عَطَشًا؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْحِيَازَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ؛ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، بِخِلَافِ الْعَدُوِّ، وَكَذَا لَوْ حَازَ الْمَاءَ الْعَدَّ فِي إنَاءٍ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِغَيْرِهِ إلَّا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ بِشَرْطِهِ، وَإِذَا خِيفَ الْأَذَى بِوُرُودِ الْمَاشِيَةِ الْمَاءَ، بَعْدَ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَةِ رَبِّ أَرْضِهِ، فَيَجُوزُ لِرُعَاتِهَا سَوْقُ فَضْلِ الْمَاءِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ بِلَا مَفْسَدَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْمَاءِ بَذْلَ حَبْلٍ وَدَلْوٍ وَبُكْرَةٍ؛ لِأَنَّهَا تُتْلَفُ بِالِاسْتِعْمَالِ أَشْبَهَتْ بَقِيَّةَ مَالٍ، لَكِنْ إنْ اُضْطُرَّ بِلَا ضَرَرٍ عَلَى رَبِّهَا؛ لَزِمَهُ بَذْلُهَا.

(وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا) بِأَرْضٍ (مَوَاتٍ لِلسَّابِلَةِ) ؛ أَيْ: لِنَفْعِ الْمُجْتَازِينَ، (فَحَافِرٌ كَغَيْرِهِ) مِنْ الْمُجْتَازِينَ بِهَا؛ كَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا، (فِي سَقْيٍ وَزَرْعٍ وَشُرْبٍ) . قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ الْحَافِرَ لَمْ يَخُصَّ بِهَا نَفْسَهُ وَلَا غَيْرَهُ (وَمَعَ ضِيقٍ فِيهِ)

أَيْ: تَزَاحُمٍ - (يُسْقَى آدَمِيٌّ) أَوَّلًا لِحُرْمَتِهِ.
(فَحَيَوَانٌ) ؛ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً (فَزُرِعَ) بَعْدَهُمَا.

(وَ) إنْ حَفَرَ الْبِئْرَ فِي مَوَاتٍ (ارْتِفَاقًا) ؛ أَيْ: لِيَرْتَفِقَ هُوَ بِهَا كَحَفْرِ (السِّفَارَةِ) فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ بِئْرًا لِيَرْتَفِقُوا بِمَائِهَا وَكَحَفْرِ الْمُنْتَجَعَيْنِ كَالْأَعْرَابِ وَالتُّرْكُمَانِ يَنْتَجِعُونَ أَرْضًا فَيَحْفِرُونَ (لِشَرْعِهِمْ، وَ) لِشُرْبِ (دَوَابِّهِمْ؛ فَهُمْ) - أَيْ: الْحَافِرُونَ لَهَا (أَحَقُّ بِمَائِهَا مَا أَقَامُوا) - أَيْ: مُدَّةَ إقَامَتِهِمْ عَلَيْهَا - وَلَا يَمْلِكُونَهَا، (وَعَلَيْهِمْ) - أَيْ: الْحَافِرِينَ لَهَا - (بَذْلُ فَاضِلٍ) عَنْهُمْ مِنْ مَائِهَا (لِشَارِبٍ) فَقَطْ دُونَ نَحْوِ زَرْعٍ.
قَالَهُ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَتَبِعَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّرْغِيبِ " وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ "، (وَبَعْدَ رَحِيلِهِمْ) عَنْ الْبِئْرِ (يَكُونُ) مَاؤُهَا (سَابِلَةً لِلْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِمَّنْ يَحْفِرُهَا أَحَقَّ مِنْ الْآخَرِ (فَإِنْ عَادُوا) إلَيْهَا (كَانُوا أَحَقَّ بِهَا) مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْفِرُوهَا إلَّا لِأَجْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَمِنْ عَادَتِهِمْ الرَّحِيلُ وَالرُّجُوعُ، فَلَمْ تَزُلْ أَحَقِّيَّتُهُمْ بِذَلِكَ.
اخْتَارَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".

(وَ) إنْ حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ (تَمَلُّكًا فَهِيَ مِلْكٌ لِحَافِرٍ) ؛ كَمَا لَوْ حَفَرَهَا بِمِلْكِهِ الْحَيِّ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ.
تَتِمَّةٌ: لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْتَسْقِيَ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي لِشُرْبِهِ وَطَهَارَتِهِ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ وَانْتِفَاعِهِ بِهِ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤْثَرُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مَحُوطٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَأَمَّا مَا يُؤْثَرُ فِيهِ كَسَقْيِ الْمَاشِيَةِ الْكَثِيرَةِ، فَإِنَّ فَضْلَ الْمَاءِ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ؛ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: الْفَضْلُ الْوَاجِبُ بَذْلُهُ مَا فَضَلَ عَنْ شَفَتِهِ وَشَفَةِ عِيَالِهِ وَعَجِينِهِمْ

وَطَبِيخِهِمْ وَطَهَارَتِهِمْ وَغَسْلِ ثِيَابِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَعَنْ مَوَاشِيهِ وَمَزَارِعِهِ وِ بَسَاتِينِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ حَاجَتِهِ.

[فَصْلٌ إحْيَاءُ أَرْضٍ فِيهِ الْمَوَاتُ بِحَوْزٍ بِحَائِطٍ مَنِيعٍ عَادَةً]

(فَصْلٌ: وَإِحْيَاءُ أَرْضٍ فِيهِ) الْمَوَاتُ (بِحَوْزٍ بِحَائِطٍ مَنِيعٍ عَادَةً) بِحَيْثُ يَمْنَعُ الْحَائِطُ مَا وَرَاءَهُ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ.
وَلَهُمَا عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، وَيَكُونُ الْبِنَاءُ مِمَّا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْبَلَدِ الْبِنَاءَ بِهِ مِنْ لَبِنٍ أَوْ آجُرٍّ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ (سَوَاءٌ أَرَادَهَا) الْمُحْيِي (لِبِنَاءٍ أَوْ زَرْعٍ، أَوْ) أَرَادَهَا (حَظِيرَةَ مَاشِيَةٍ) أَوْ حَظِيرَةَ خَشَبٍ وَنَحْوَهُمَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِحْيَاءِ تَسْقِيفٌ وَلَا نَصْبُ بَابٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ، وَالسُّكْنَى مُمَكَّنَةٌ بِدُونِهِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَيَحْصُلُ إحْيَاؤُهَا (بِإِجْرَاءِ مَاءٍ) بِأَنْ يَسُوقَهُ إلَيْهَا مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ إنْ كَانَتْ (لَا تُزْرَعُ إلَّا بِهِ) - أَيْ: بِالْمَاءِ الْمَسُوقِ إلَيْهَا - لِأَنَّ نَفْعَ الْأَرْضِ بِالْمَاءِ أَكْثَرُ مِنْ الْحَائِطِ.
(أَوْ مَنْعَ مَا لَا تُزْرَعُ مَعَهُ) كَأَرْضِ الْبَطَائِحِ الَّذِي يُفْسِدُهَا غَرَقُهَا بِالْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ، فَإِحْيَاؤُهَا بِسَدِّهِ عَنْهَا، وَجَعْلِهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ زَرْعُهَا؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا أَرَادَ، وَجَعْلِهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ زَرْعُهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ كُلَّ عَامٍ، أَوْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ الْأَرْضُ لِلزَّرْعِ وَالْغِرَاسِ لِكَثْرَةِ أَحْجَارِهَا كَأَرْضِ اللَّجَاةِ نَاحِيَةٌ بِالشَّامِ، فَإِحْيَاؤُهَا (بِقَلْعِ أَحْجَارِهَا) وَتَنْقِيهَا، (أَوْ) كَانَتْ غِيَاضًا ذَاتَ (أَشْجَارٍ لَا تُزْرَعُ مَعَهَا) - أَيْ: الْأَشْجَارُ - كَأَرْضِ الشُّعَرَاءِ، فَإِحْيَاؤُهَا بِأَنْ يُقْلِعَ أَشْجَارَهَا وَيُزِيلَ عُرُوقَهَا الْمَانِعَةَ مِنْ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا) أَوْ نَهْرًا نَصًّا.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ: الْإِحْيَاءُ أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا، أَوْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا وَنَهْرًا انْتَهَى.
فَإِنْ حَفَرَ الْبِئْرَ وَلَمْ يَصِلْ إلَى الْمَاءِ فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ: وَإِنْ خَرَجَ الْمَاءُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ إلَّا أَنْ يُحْتَاجَ إلَى طَيٍّ، فَتَمَامُ الْإِحْيَاءِ طَيُّهَا، (أَوْ غَرْسُ شَجَرٍ فِيهَا) - أَيْ: فِي الْأَرْضِ الْمَوَاتِ؛ بِأَنْ كَانَتْ

لَا تَصْلُحُ لِغَرْسٍ؛ لِكَثْرَةِ أَحْجَارِهَا، فَيُنَقِّيهَا وَيَغْرِسُهَا؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ كَبِنَاءِ الْحَائِطِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَمْلِكُهَا بِغَرْسٍ وَإِجْرَاءِ مَاءٍ نَصًّا.
تَتِمَّةٌ: وَلَا يَحْصُلُ الْإِحْيَاءُ بِمُجَرَّدِ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ بِخِلَافِ الْغَرْسِ، وَلَا يَحْصُلُ بِخَنْدَقٍ يَجْعَلُهُ حَوْلَ الْأَرْضِ الَّتِي يُرِيدُ إحْيَاءَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَائِطٍ وَلَا عِمَارَةٍ، إنَّمَا هُوَ حَفْرٌ وَتَخْرِيبٌ، وَلَا يَحْصُلُ بِشَوْكٍ وَشِبْهِهِ يُحَوِّطُهَا بِهِ، وَيَكُونُ تَحَجُّرًا؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ يَنْزِلُ مَنْزِلًا وَيُحَوِّطُ عَلَى رَحْلِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": إنْ كَانَتْ كَثِيرَةَ الدَّغَلِ وَالْحَشِيشِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ إلَّا بِتَكْرَارِ حَرْثِهَا وَتَنْقِيَةِ دَغَلِهَا وَحَشِيشِهَا الْمَانِعِ مِنْ زَرْعِهَا كَانَ إحْيَاءً، (وَبِحَفْرِ بِئْرٍ) فِي الْمَوَاتِ (يَمْلِكُ) الْحَافِرُ (حَرِيمَهَا وَهُوَ) - أَيْ: حَرِيمُ الْبِئْرِ - (مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي بِئْرٍ قَدِيمَةٍ) ، وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْعَادِيَّةَ - بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ - نِسْبَةً إلَى عَادٍ، وَلَمْ يُرِدْ عَادٌ بِعَيْنِهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ لَهَا آثَارٌ فِي الْأَرْضِ نُسِبَ إلَيْهَا كُلُّ قَدِيمٍ.
نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: الْبِئْرُ الْعَادِيَّةُ الْقَدِيمَةُ؛ أَيْ: هِيَ الَّتِي انْطَمَّتْ وَذَهَبَ مَاؤُهَا، فَمَنْ جَدَّدَ حَفْرَهَا وَعِمَارَتَهَا، أَوْ اسْتَخْرَجَ مَاءَهَا الْمُنْقَطِعَ مَلَكَهَا، وَمَلَكَ حَرِيمَهَا، وَهُوَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (خَمْسُونَ ذِرَاعًا.
وَ) الْحَرِيمُ (فِي) بِئْرِ (غَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ الْقَدِيمَةِ - (خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ) ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ نَصًّا؛ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَالْبَدِيِّ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ» . وَرَوَى الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.
وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْبِئْرَ الَّتِي لَهَا مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ لَيْسَ لِأَحَدٍ احْتِجَارُهُ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ.
تَنْبِيهٌ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ بِئْرٌ فِيهَا مَاءٌ، فَحَفَرَ آخَرُ قَرِيبًا مِنْهَا بِئْرًا يَتَسَرَّقُ إلَيْهَا مَاءُ الْبِئْرِ الْأُولَى فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَفِرُ الثَّانِيَةِ فِي مِلْكِهِ كَرَجُلَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ فِي دَارٍ حَفَرَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِهِ بِئْرًا أَعْمَقَ مِنْهَا، فَيَسْرِي إلَيْهَا مَاءُ الْأُولَى، أَوْ كَانَتَا فِي مَوَاتٍ فَسَبَقَ أَحَدُهُمَا، فَحَفَرَ بِئْرًا قَرِيبًا مِنْهَا تَجْتَذِبُ مَاءَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ

لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ مِلْكَهُ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِالْمَالِكِ قَبْلَهُ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ مَا يُحْدِثُهُ الْجَارُ مِمَّا يَضُرُّ بِجَارِهِ كَأَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ مَدْبَغَةً أَوْ حَمَّامًا تَضُرُّ بِجِدَارِ عَقَارِ جَارِهِ بِحَمِي نَارِهِ وَرَمَادِهِ أَوْ دُخَانِهِ، أَوْ يَحْفِرُ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ بِحَيْثُ يَتَأَذَّى جَارُهُ بِرَائِحَةٍ وَغَيْرِهَا، أَوْ يَجْعَلُ دَارِهِ مَخْبِزًا فِي وَسَطِ الْعَطَّارِينَ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُؤْذِي جَارَهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَلِأَنَّهُ أَحْدَثَ ضَرَرًا بِجَارِهِ؛ كَدَقٍّ يَهُزُّ الْحِيطَانَ وَنَحْوَهَا، وَكَإِلْقَاءِ السَّمَادِ وَالتُّرَابِ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ.
وَلَوْ كَانَ لِشَخْصٍ مَصْنَعٌ فَأَرَادَ جَارُهُ غَرْسَ شَجَرَةٍ مِمَّا تَسْرِي عُرُوقُهُ، فَتَشُقُّ حَائِطَ مَصْنَعٍ لِجَارِهِ، وَيُتْلِفُهُ؛ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ، وَكَانَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ وَقَلْعُهَا إنْ غَرَسَهَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ الضَّرَرُ سَابِقًا مِثْلَ مَنْ لَهُ فِي مِلْكِهِ مَدْبَغَةٌ أَوْ مُقْصَرَةٌ فَأَحْيَا إنْسَانٌ إلَى جَانِبِهِ مَوَاتًا وَبَنَاهُ دَارًا تَضَرَّرَ بِذَلِكَ؛ لَمْ يَلْزَمْ إزَالَتُهُ الضَّرَرَ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ ضَرَرًا.
.

(وَحَرِيمُ عَيْنٍ وَقَنَاةٍ) احْتَفَرَهَا إنْسَانٌ فِي مَوَاتٍ (خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ) . نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ عَنْ حَرِيمِ الْقَنَاةِ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَحَرِيمِ الْعَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " التَّنْقِيحِ " قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِذَرْعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
(وَ) حَرِيمُ (نَهْرٍ مِنْ جَانِبَيْهِ مَا يَحْتَاجُ) النَّهْرُ (إلَيْهِ لِطَرْحِ كَرَايَتِهِ) - أَيْ: مَا يُلْقَى مِنْهُ طَلَبًا لِسُرْعَةِ جَرْيِهِ - (وَطَرِيقِ قِيمَةٍ) - أَيْ: شَاوِيهِ - وَمَا يَسْتَضِرُّ صَاحِبُهُ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَثُرَ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " وَإِنْ كَانَ بِجَنْبِهِ مُسْنَاةٌ لِغَيْرِهِ ارْتَفَقَ بِهَا فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً، وَلَهُ عَمَلُ أَحْجَارِ طَحْنٍ عَلَى النَّهْرِ وَنَحْوِهِ وَمَوْضِعِ غَرْسٍ وَزَرْعٍ وَنَحْوِهِمَا انْتَهَى.
وَالْمُسْنَاةُ هِيَ السَّدُّ الَّذِي يُرَادُ الْمَاءُ مِنْ جَانِبِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَالْقِيَمُ وَالشَّاوِي لَمْ أَجِدْ لَهُمَا أَصْلًا فِي اللُّغَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَعَلَّهُمَا مُوَلَّدَتَانِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الشَّامِ.
(وَ) حَرِيمُ (شَجَرَةٍ) غُرِسَتْ فِي مَوَاتٍ (قَدْرَ مَدِّ أَغْصَانِهَا) حَوَالَيْهَا؛ لِمَا رَوَى

أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «اُخْتُصِمَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدهَا، فَذُرِعَتْ، فَكَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ أَوْ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَقَضَى بِذَلِكَ» قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَإِنْ سَبَقَ إلَى شَجَرٍ مُبَاحٍ كَالزَّيْتُونِ وَالْخَرُّوبِ فَسَقَاهُ وَأَصْلَحَهُ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ، فَإِنْ طَعِمَهُ مَلَكَهُ بِذَلِكَ وَحَرِيمَهُ؛ لِأَنَّهُ تَهَيَّأَ لِلِانْتِفَاعِ لِمَا يُرَادُ مِنْهُ، فَهُوَ كَسَوْقِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ الْمَوَاتِ.

(وَ) حَرِيمُ (أَرْضٍ) مِنْ مَوَاتٍ (تُزْرَعُ مَا) - أَيْ: مَحِلَّ - (يُحْتَاجُ) إلَيْهِ (لِسَقْيِهَا وَرَبْطِ دَوَابِّهَا وَطَرْحِ سَبَخِهَا فِيهِ وَنَحْوَهُ) مِمَّا يَرْتَفِقُ بِهِ زَارِعُهَا كَمَصْرِفِ مَائِهَا عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ مَرَافِقِهَا.
(وَ) حَرِيمُ (دَارٍ مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا مَطْرَحُ تُرَابٍ وَكُنَاسَةٌ وَثَلْجٌ وَمَاءُ مِيزَابٍ وَمَمَرٌّ لِبَابٍ) ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا يَرْتَفِقُ بِهِ سَاكِنُهَا (وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِمِلْكٍ) - أَيْ: بِمِلْكِ غَيْرِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ - لِأَنَّ الْحَرِيمَ مِنْ الْمَرَافِقِ، وَلَا يَرْتَفِقُ بِمِلْكِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ أَحَقُّ بِهِ.
(وَيَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمْ) - أَيْ: مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْلَاكِ - (بِحَسْبِ عَادَةٍ) فِي الِانْتِفَاعِ، فَإِنْ تَعَدَّى الْعَادَةَ مُنِعَ مِنْ التَّعَدِّي؛ عَمَلًا بِالْعَادَةِ.
(وَإِنْ وَقَعَ فِي) قَدْرِ (الطَّرِيقِ نِزَاعٌ وَقْتَ الْإِحْيَاءِ فَلَهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ) ؛ لِلْخَبَرِ.
(وَلَا تُغَيَّرُ) الطَّرِيقُ (بَعْدَ وَصْفِهَا) نَصًّا، (وَلَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا) - أَيْ: عَلَى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ؛ لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ.

(وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا) ؛ أَيْ: شَرَعَ فِي إحْيَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتِمَّهُ (بِأَنْ أَدَارَ حَوْلَهُ أَحْجَارًا) أَوْ تُرَابًا أَوْ حَائِطًا غَيْرَ مَنِيعٍ، (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا لَمْ يَصِلْ مَاؤُهَا) نَقَلَهُ حَرْبٌ (أَوْ سَقَى شَجَرًا مُبَاحًا وَأَصْلَحَهُ) بِأَنْ شَفَاهُ؛ أَيْ: قَطَعَ أَغْصَانَهُ الرَّدِيئَةَ لِتَخْلُفَهَا أَغْصَانٌ جَيِّدَةٌ، (وَلَمْ يَرْكَبْهُ، أَوْ حَرَثَ الْأَرْضَ، أَوْ زَرَعَهَا أَوْ خَنْدَقَ عَلَيْهَا أَوْ حَوَّطَهَا بِنَحْوِ شَوْكٍ) كَعِيدَانِ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ، (أَوْ أَقْطَعَ مَوَاتًا) بِأَنْ أَقْطَعَهُ لَهُ الْإِمَامُ لِيُحْيِيَهُ فَلَمْ يُحْيِهِ؛ (لَمْ يَمْلِكْهُ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَمْ يُوجَدْ، (وَهُوَ) أَيْ: الْمُتَحَجِّرُ - (أَحَقُّ بِهِ) مِنْ غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَكَذَا (وَارِثُهُ) مِنْ بَعْدِهِ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» . وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَوْرُوثِ، فَيَقُومُ الْوَارِثُ فِيهِ مَقَامَهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، (وَ) كَذَا (مَنْ يَنْقُلُهُ) الْمُتَحَجِّرُ أَوْ وَرَثَتُهُ (إلَيْهِ) بِغَيْرِ بَيْعٍ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْحَقُّ أَقَامَهُ مَقَامَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ لِلْمُتَحَجِّرِ أَوْ وَارِثِهِ أَوْ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِهِمَا بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَشَرْطُ الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا.

(وَكَذَا مَنْ نَزَلَ عَنْ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ بِيَدِهِ لِغَيْرِهِ) ، فَإِنَّ الْمَتْرُوكَ لَهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا، وَوَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُ (بِلَا عِوَضٍ) عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ: وَمِنْهَا مَنَافِعُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ فَيَجُوزُ نَقْلُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ إلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهَا، وَتُنْقَلُ إلَى الْوَارِثِ فَيَقُومُ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ فِيهَا.
(وَنَصَّ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ (عَلَى جَوَاز دَفْعِهَا مَهْرًا) ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ وَغَيْرِهِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِهَا إلَى الزَّوْجَةِ عِوَضًا عَمَّا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ.
(قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهَذَا مُعَاوَضَةٌ عَنْ مَنَافِعِهَا الْمَمْلُوكَةِ) فَأَمَّا الْبَيْعُ فَكَرِهَهُ أَحْمَدُ، وَنَهَى عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ قَوْلُهُ فِي بَيْعِ الْعِمَارَةِ الَّتِي فِيهَا لِئَلَّا تُتَّخَذَ طَرِيقًا إلَى بَيْعِ رَقَبَةِ الْأَرْضِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ، بَلْ هِيَ إمَّا وَقْفٌ وَإِمَّا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا.
وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُ آلَاتِ عِمَارَتِهِ بِمَا تُسَاوِي، وَكَرِهَ أَنْ يَبِيعَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ ابْنِ هَانِئٍ أَنَّهُ قَالَ: يُقَوِّمُ دُكَّانَهُ وَمَا فِيهِ مِنْ عَلَفٍ وَكُلِّ شَيْءٍ يُحْدِثُهُ فِيهِ، فَيُعْطَى ذَلِكَ، وَلَا أَرَى أَنْ يَبِيعَ سُكْنَى دَارٍ وَلَا دُكَّانٍ.
وَقَالَ (فِي " الْمُبْدِعِ ") بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ النُّزُولَ عَنْ الْوَظَائِفِ: وَمِمَّا يُشْبِهُ النُّزُولَ عَنْ

الْوَظَائِفِ النُّزُولُ عَنْ الْإِقْطَاعِ فَإِنَّهُ نُزُولٌ عَنْ اسْتِحْقَاقٍ يَخْتَصُّ بِهِ؛ لِتَخْصِيصِ الْإِمَامِ لَهُ اسْتِغْلَالَهُ، أَشْبَهَ مُسْتَحَقَّ الْوَظِيفَةِ وَمُتَحَجِّرَ الْمَوَاتِ.
(وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِجَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) - أَيْ: بِالنُّزُولِ عَنْ الْإِقْطَاعَاتِ وَعَنْ الْوَظَائِفِ - (بِالْخُلْعِ) ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ (مَعَ أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَمْلِكْ الْبُضْعَ) ، وَإِنَّمَا مَلَكَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُتَحَجِّرَ.
انْتَهَى.
مَا فِي " الْمُبْدِعِ ". وَقَالَ [ابْنُ] الْقَيِّمِ: وَمَنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِي ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا كُلَّ عَامٍ، فَمَلَكُوا مَنَافِعَهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِي يَبْذُلُونَهُ، وَتَرِثُهُ وَرَثَتُهُ كَذَلِكَ؛ أَيْ: فَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِهَا بِالْخَرَاجِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ وَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ نَزَلَ عَنْهَا، أَوْ آثَرَ بِهَا أَحَدًا فَالْمَنْزُولُ لَهُ وَالْمُؤْثَرُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ.
انْتَهَى.

(أَوْ نَزَلَ) إنْسَانٌ (عَنْ وَظِيفَةٍ) مِنْ إمَامَةٍ أَوْ خَطَابَةٍ أَوْ تَدْرِيسٍ وَنَحْوِهِ (لِأَهْلٍ) - أَيْ: لِمَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِلْقِيَامِ بِهَا (فَلَا يُقَرَّرُ غَيْرُ مَنْزُولٍ لَهُ) ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهَا، (فَإِنْ قُرِّرَ هُوَ) ؛ أَيْ: قَرَّرَهُ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالنَّاظِرِ فَقَدْ تَمَّ الْأَمْرُ لَهُ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُقَرِّرْهُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْرِيرِ؛ (فَهِيَ) - أَيْ: الْوَظِيفَةُ - (لِلنَّازِلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ رَغْبَةٌ مُطْلَقَةٌ عَنْ وَظِيفَتِهِ، بَلْ مُقَيَّدَةٌ بِحُصُولِهِ لِلْمَنْزُولِ لَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ.
وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ التَّقْرِيرُ فِي مِثْلِ هَذَا، إنَّمَا يُقَرِّرُ فِيمَا هُوَ خَالٍ عَنْ يَدِ مُسْتَحَقٍّ أَوْ فِي يَدِ مَنْ يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ لِمُقْتَضَى شَرْعِيٍّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَقْرِيرُهُ سَائِغًا.
(وَمَا قَالَهُ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مَنْزُولٌ لَهُ، وَيُوَلِّي مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا شَرْعًا) ؛ فَمَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ تَمَامِ النُّزُولِ إمَّا لِكَوْنِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ مِنْ الْمَنْزُولِ لَهُ أَوْ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ إذَا كَانَ النُّزُولُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ الْإِمْضَاءِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ أَوْ عَلَى مَنْ رَغِبَ عَنْهُ رَغْبَةً مُطْلَقَةً، وَلَمْ يَكُنْ الْمَنْزُولُ لَهُ أَهْلًا، فَفِي هَذَا يَتَّجِهُ الْقَوْلُ بِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ النُّزُولُ مَشْرُوطًا بِالْإِمْضَاءِ، وَتَمَّ النُّزُولُ بِالْقَبُولِ مِنْ الْمَنْزُولِ لَهُ وَلِإِمْضَاءِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ، وَكَانَ الْمَنْزُولُ لَهُ

أَهْلًا؛ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يُنْتَقَلُ إلَيْهِ عَاجِلًا بِقَبُولِهِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ التَّقَرُّرُ عَنْ الْمَنْزُولِ لَهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقْرِيرِ نَاظِرٍ وَلَا مُرَاجَعَتِهِ لَهُ؛ إذْ هُوَ حَقٌّ لَهُ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ فِي حُقُوقِهِ لَيْسَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، أَشْبَهَ سَائِرَ حُقُوقِهِ؛ إذْ لَا فَرْقَ، وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
مِنْهَا مَا ذَكَرُوا فِي الْمُتَحَجِّرِ أَنَّ مَنْ نَقَلَهُ إلَيْهِ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَكَذَا ذَكَرُوا أَنَّ مَنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ لَيْسَ لِلْإِمَامِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ وَدَفْعُهَا إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ آثَرَ بِهَا غَيْرَهُ صَارَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهَا، مَعَ أَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا وَلَمْ يَعْتَبِرُوهُ، وَقَالَ " الْمُوَضِّحُ ": مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يَسْتَحِقُّهَا مَنْزُولٌ لَهُ إنْ كَانَ أَهْلًا، وَإِلَّا فَلِلنَّاظِرِ تَوْلِيَةُ مُسْتَحَقِّهَا شَرْعًا.
انْتَهَى.

(وَلَيْسَ لِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِشَيْءٍ) كَمُتَحَجِّرِ مَوَاتٍ وَنَحْوِهِ (بَيْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ فَلَمْ يَمْلِكْ بَيْعَهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ، وَكَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ، (فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ) - أَيْ: مُدَّةُ التَّحَجُّرِ - (عُرْفًا كَثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَمْ يُتِمَّ إحْيَاؤُهُ، وَحُصِلَ مُتَشَوِّفٌ لِإِحْيَائِهِ قِيلَ لَهُ) ؛ أَيْ: قَالَ لَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ: (إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ) فَتَمْلِكَهُ (أَوْ تَتْرُكَهُ) لِيُحْيِيَهُ غَيْرُك؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى ضَيِّقٍ أَوْ مَشْرَعَةِ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٍ لَا يُنْتَفَعُ وَلَا يَدَعُ غَيْرَهُ يَنْتَفِعُ.
(فَإِنْ طَلَبَ) الْمُتَحَجِّرُ (الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ أُمْهِلَ مَا يَرَاهُ حَاكِمٌ مِنْ نَحْوِ شَهْرٍ) كَشَهْرَيْنِ (أَوْ ثَلَاثَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَلَا يُمْهَلُ، بَلْ يُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تُعَمِّرَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَكَ، فَإِنْ لَمْ يُعَمِّرْهَا كَانَ لِغَيْرِهِ عِمَارَتُهَا.
(وَ) أُمْهِلَ لِعُذْرٍ (لَا يَمْلِكُ) الْمَكَانَ الْمُتَحَجَّرَ (بِإِحْيَاءِ غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الْمُتَحَجِّرِ - (زَمَنَ مُهْلَةٍ) أَوْ قَبْلَهَا؛ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» . وَلِأَنَّهُ أَحْيَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ، كَمَا لَوْ أَحْيَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَحَجِّرِ أَسْبِقُ، فَكَانَ أَوْلَى كَحَقِّ الشَّفِيعِ يُقَدَّمُ عَلَى شِرَاءِ الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ أَحْيَاهُ (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُهْلَةِ - فَإِنَّهُ (يَمْلِكُ) مَا أَحْيَاهُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.

انْتَهَى.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا مِلْكَ لَهُ، وَحَقُّهُ زَالَ بِإِعْرَاضِهِ حَتَّى مُدَّةِ الْإِمْهَالِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": فَائِدَةٌ: قَسَّمَ الْأَصْحَابُ الْإِقْطَاعَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ وَإِقْطَاعَ اسْتِغْلَالٍ وَإِقْطَاعَ إرْفَاقٍ، وَقَسَّمَ الْقَاضِي إقْطَاعَ التَّمْلِيكِ إلَى مَوَاتٍ وَعَامِرٍ وَمَعَادِنَ، وَجَعَلَ إقْطَاعَ الِاسْتِغْلَالِ عَلَى ضَرْبَيْنِ عُشْرٍ وَخَرَاجٍ.
.

(وَلِلْإِمَامِ لَا غَيْرِهِ إقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيه) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ أَجْمَعَ، وَأَقْطَعَ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ أَرْضًا» ، وَأَقْطَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَجَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - (وَلَا يَمْلِكُهُ) - أَيْ: الْمَوَاتَ - (بِالْإِقْطَاعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ لَمَا جَازَ اسْتِرْجَاعُهُ، (بَلْ) يَصِيرُ الْمُقْطَعُ (كَمُتَحَجِّرِهِ) - أَيْ: الْمَوَاتِ - الشَّارِعِ فِي إحْيَائِهِ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ بِالْإِحْيَاءِ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُسَمَّى تَمَلُّكًا لِمَآلِهِ إلَيْهِ (وَلَا) يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ (يَقْطَعَ إلَّا مَا قَدَرَ) الْمُقْطَعُ (عَلَى إحْيَائِهِ) ؛ لِأَنَّ فِي إقْطَاعِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
(فَإِنْ زَادَ) الْإِمَامُ أَحَدًا؛ بِأَنْ أَقْطَعَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ عَجْزُهُ عَنْ إحْيَائِهِ (اسْتَرْجَعَهُ) الْإِمَامُ مِنْهُ، كَمَا اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَا عَجَزَ عَنْ عِمَارَتِهِ مِنْ الْعَقِيقِ الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ عُمَرُ لِبِلَالٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْطَعْك لِتُجِيزَ عَنْ النَّاسِ إنَّمَا أَقْطَعَك لِتُعَمِّرَ، فَخُذْ مِنْهَا مَا قَدَرْت عَلَى عِمَارَتِهِ، وَرُدَّ الْبَاقِي.
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ.
وَلَهُ - أَيْ: الْإِمَامُ - (إقْطَاعُ غَيْرِ مَوَاتٍ) [مُطْلَقًا]- أَيْ: لَهُ أَرْبَابٌ أَوَّلًا - تَمْلِيكًا، وَلَهُ إقْطَاعُ ذَلِكَ (انْتِفَاعًا لِلْمَصْلَحَةِ) دُونَ غَيْرِهَا.
نَقَلَ حَرْبٌ: الْقَطَائِعُ جَائِزٌ.
وَنَقَلَ يَعْقُوبُ قَطَائِعُ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ مِنْ الْمَكْرُوهَةِ كَانَتْ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَأَخَذَهَا هَؤُلَاءِ، وَيَجُوزُ الْإِقْطَاعُ مِنْ مَالِ الْجِزْيَةِ كَمَا فِي الْإِقْطَاعِ مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ.
وَمَعْنَى الِانْتِفَاعِ:

أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِي الزَّرْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ بَقَائِهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ إقْطَاعُ الِاسْتِغْلَالِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَجُوزُ إقْطَاعُ غَيْرِ الْمَوَاتِ (حَيْثُ لَا أَرْبَابَ لَهُ) - أَيْ: لِمَا أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ مِنْ غَيْرِ الْمَوَاتِ - وَأَمَّا مَعَ وُجُودِ أَرْبَابِهِ وَتَأَهُّلِهِمْ لِلْقِيَامِ؛ فَلَيْسَ لَهُ انْتِزَاعُهُ مِنْهُمْ، أَوْ كَانَ الْإِمَامُ (أَقْطَعَ) ذَلِكَ (لِأَرْبَابِهِ) ابْتِدَاءً لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ فِي) إقْطَاعِ (التَّمْلِيكِ يُنْقَلُ لِوَرَثَتِهِ) - أَيْ: وَرَثَةِ الْمُقْطَعِ - وَيَكُونُ (مِلْكًا) لَهُمْ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ انْتِزَاعُهُ مِنْهُمْ مَا دَامُوا قَائِمِينَ بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَلَوْ فُقِدَتْ الْمَصْلَحَةُ) الَّتِي لِأَجْلِهَا جَازَ الْإِقْطَاعُ ابْتِدَاءً؛ (فَلَهُ) - أَيْ: الْإِمَامِ - (اسْتِرْجَاعُهُ) - أَيْ: اسْتِرْجَاعُ مَا أَقْطَعَهُ - لِاشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمَصْلَحَةِ ابْتِدَاءً وَاسْتِمْرَارِهِ دَوَامًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ.
.

(وَلَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ - (إقْطَاعُ جُلُوسٍ) لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ وَرِحَابٍ) مُتَّسِعَةٍ (غَيْرَ مَحُوطَةٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُبَاحُ الْجُلُوسُ فِيهِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ، فَجَازَ إقْطَاعُهُ كَالْأَرْضِ الدَّارِسَةِ، وَيُسَمَّى إقْطَاعُ إرْفَاقٍ، (مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ) ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُجْلِسَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ فَضْلًا عَمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ.
(وَلَا يَمْلِكُهُ مُقْطَعٌ) بِالْإِقْطَاعِ؛ لِمَا ذُكِرَ فِي إقْطَاعِ الْأَرْضِ، (بَلْ يَكُونُ) الْمُقْطَعُ (أَحَقَّ بِهِ) بِالْجُلُوسِ

فِيهَا بِمَنْزِلَةِ السَّابِقِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إقْطَاعٍ، لَكِنْ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ، بِخِلَافِ السَّابِقِ، وَشَرْطُهُ (مَا لَمْ يَعُدْ الْإِمَامُ فِي إقْطَاعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ لَهُ اجْتِهَادًا فِي الْإِقْطَاعِ لَهُ اجْتِهَادٌ فِي اسْتِرْجَاعِهِ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ رَحْبَةَ الْمَسْجِدِ لَوْ كَانَتْ مَحُوطَةً؛ لَمْ يَجُزْ إقْطَاعُ الْجُلُوسِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسْجِدِ.
(وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ) الْإِمَامُ الطَّرِيقَ الْوَاسِعَةَ وَرِحَابَ الْمَسْجِدِ غَيْرَ الْمَحُوطَةِ أَحَدًا؛ (فَالسَّابِقُ) إلَيْهَا (أَحَقُّ) بِالْجُلُوسِ فِيهَا، (مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهُ) - أَيْ: الْمَحِلِّ الَّذِي جَلَسَ فِيهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَلِمَا رَوَى الزُّبَيْرُ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَأَنْ يَحْمِلَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا فَيَحْتَطِبَ، ثُمَّ يَجِيءَ فَيَضَعَهُ فِي السُّوقِ فَيَبِيعُهُ، ثُمَّ يَسْتَغْنِي بِهِ فَيُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطُوهُ أَوْ مَنَعُوهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَمَحِلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ، وَلِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ عَلَى إقْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ، وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ بِمُبَاحٍ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ؛ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَالِاجْتِيَازِ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ إزَالَتُهُ، وَأَنَّهُ إذَا نَقَلَ مَتَاعَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، وَلَمْ يَأْتِ اللَّيْلُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ (فَإِنْ أَطَالَهُ) ؛ أَيْ: أَطَالَ الْجُلُوسَ مِنْ غَيْرِ إقْطَاعٍ (أُزِيلَ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ، وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِي غَيْرَهُ، وَ (لَهُ) - أَيْ: الْجَالِسِ بِطَرِيقٍ وَاسِعٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ بِإِقْطَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ - (أَنْ يَسْتَظِلَّ بِغَيْرِ بِنَاءٍ بِمَا لَا يَضُرُّ كَبَارِيَّةٍ وَكِسَاءٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ دِكَّةً وَلَا غَيْرَهَا فِي الطَّرِيقِ - وَلَوْ وَاسِعًا - وَلَا فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيق.
(وَلَيْسَ لَهُ) - أَيْ: لِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْجُلُوسِ - بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ أَوْ بِسَبْقِهِ (الْجُلُوسُ بِحَيْثُ يَمْنَعُ جَارَهُ رُؤْيَةَ الْمُعَامِلِينَ) لِمَتَاعِهِ، أَوْ يَمْنَعُ وُصُولَهُمْ إلَيْهِ، (أَوْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى جَارِهِ - (فِي كَيْلٍ وَوَزْنٍ وَأَخْذٍ وَعَطَاءٍ) ؛ لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . .

(وَإِنَّ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ لِذَلِكَ) - أَيْ: إلَى الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ وَإِلَى رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ غَيْرِ الْمَحُوطَةِ، - (أَوْ) سَبَقَ (إلَى خَانٍ مُسَبَّلٍ، أَوْ) سَبَقَهُ إلَى (رِبَاطٍ، أَوْ) إلَى (مَدْرَسَةٍ، أَوْ) إلَى (خانكاه) - مَكَانِ الصُّوفِيَّةِ - (وَلَمْ يَتَوَقَّفْ فِيهَا) - أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ - (إلَى تَنْزِيلِ نَاظِرٍ) ، وَضَاقَ الْمَكَانُ عَنْ انْتِفَاعِ جَمِيعِهِمْ (أَقْرَعَ) ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي السَّبَقِ وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ.
(وَالسَّابِقُ إلَى مَعْدِنٍ) غَيْرِ مَمْلُوكٍ (أَحَقُّ بِمَا يَنَالُهُ) مِنْهُ، بَاطِنًا كَانَ الْمَعْدِنُ أَوْ ظَاهِرًا؛ لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . وَلَا يُمْنَعُ السَّابِقُ (مَا دَامَ يَعْمَلُ) ؛ لِلْحَدِيثِ، (وَلَا يُمْنَعُ) السَّابِقُ (إذَا طَالَ مَقَامُهُ) ، يَعْنِي لِلْأَخْذِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّلْخِيصِ ": وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مَا دَامَ آخِذًا، وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ". (وَإِنْ سَبَقَ عَدَدٌ) اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إلَى الْمَعْدِنِ الْمُبَاحِ (وَضَاقَ الْمَحِلُّ عَنْ الْأَخْذِ جُمْلَةً؛ أُقْرِعَ) كَمَا لَوْ سَبَقَ عَدَدٌ إلَى طَرِيقٍ وَاسِعٍ، وَضَاقَ عَنْ الْجُلُوسِ؛ فَيُقْرَعُ كَمَا سَبَقَ، (فَإِنْ حَفَرَهُ) أَيْ: الْمَعْدِنَ - إنْسَانٌ (آخَرُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ) غَيْرِ الَّذِي حَفَرَ مِنْهُ السَّابِقُ، (فَوَصَلَ إلَى النَّيْلِ؛ لَمْ يُمْنَعْ) لِأَنَّ حَقَّهُ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.

(وَالسَّابِقُ إلَى مُبَاحٍ؛ كَصَيْدٍ وَعَنْبَرٍ وَحَطَبٍ وَلُقَطَةٍ وَلَقِيطٍ وَثَمَرٍ) وَلُؤْلُؤٍ وَمَرْجَانٍ (وَمَنْبُوذٍ رَغْبَةً عَنْهُ) كَعَظْمٍ بِهِ شَيْءٌ مِنْ لَحْمٍ رُغِبَ عَنْهُ، وَنُثَارٍ فِي عُرْسٍ وَنَحْوِهِ، وَمَا يَتْرُكُهُ الْحَصَادُ مِنْ الزَّرْعِ وَاللَّقَّاطُ مِنْ الثَّمَرِ أَحَقُّ بِهِ؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَكَذَا مَا يَنْبُتُ فِي الْجَزَائِرِ وَالرِّقَاقِ، وَكُلُّ مَوَاتٍ مِنْ الطُّرَفَاءِ وَالْقَصَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّبَاتَاتِ (أَحَقُّ بِهِ) مِنْ غَيْرِهِ، فَيَمْلِكُهُ بِأَخْذِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا.
(وَيُقَسَّمُ) مَا أُخِذَ مِنْ ذَلِكَ (بَيْنَ عَدَدِ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (بِالسَّوِيَّةِ) ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي السَّبَبِ، وَالْقِسْمَةُ مُمْكِنَةٌ، وَحُذِّرَا مِنْ تَأْخِيرِ الْحَقِّ.
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ

ذِي الْحَاجَةِ وَالتَّاجِرِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالسَّبَبِ لَا بِالْحَاجَةِ، (وَالْمِلْكُ مَقْصُورٌ فِيهِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ) ، فَلَا يَمْلِكُ مَا لَمْ يُجِزْهُ، وَلَا يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْهُ، وَكَذَا سَبَقَ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ إلَى مَا ضَاعَ مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ كَرَغِيفٍ وَتَمْرَةٍ وَسَوْطٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ آخُذُهُ بِمُجَرَّدِ الْتِقَاطٍ، وَلَا يَحْتَاجُ لِتَفْرِيقٍ، وَكَذَا مَنْ سَبَقَ إلَى مَا يَسْقُطْ مِنْ الثَّلْجِ وَالْمَنِّ وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ كاللادن، وَكَذَلِكَ مَنْ سَبَقَ إلَى لَقِيطٍ أَوْ لُقَطَةٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِلَا نِزَاعٍ، (فَلَوْ رَأَى اللُّقَطَةَ وَاحِدٌ، وَسَبَقَ آخَرُ لِأَخْذِهَا؛ فَهِيَ لِمَنْ سَبَقَ) ؛ لِلْحَدِيثِ.
(فَإِنْ) رَآهَا اثْنَانِ وَ (أَمَرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَأَخَذَهَا) الْمَأْمُورُ وَنَوَى الْأَخْذَ (لِنَفْسِهِ) ؛ فَهِيَ لَهُ، (أَوْ أَطْلَقَ) الْمَأْمُورُ، فَلَمْ يَنْوِهَا لِنَفْسِهِ وَلَا غَيْرِهِ؛ فَهِيَ (لَهُ) أَيْ: لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ وَقَدْ عَزَلَ نَفْسَهُ مِنْ التَّوْكِيلِ؛ فَهِيَ لِمَنْ سَبَقَ؛ لِلْحَدِيثِ.
(وَإِنْ نَوَى) الْمَأْمُورُ بِأَخْذِهِ لَهَا أَنَّهَا (لِلْآمِرِ؛ فَهِيَ لِلْآمِرِ) فِي قَوْلِهِ مَنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِي الِالْتِقَاطِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ.
وَالْمَذْهَبُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهِ؛ لِعَدَمِ قَبُولِهِ النِّيَابَةَ، وَلِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ الِائْتِمَانُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاصْطِيَادِ أَنَّ الِاصْطِيَادَ تَمَلُّكُ مَالٍ بِسَبَبٍ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، فَجَازَ كَالِابْتِيَاعِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ.
(وَإِنْ الْتَقَطَاهُ) - أَيْ: الْمَذْكُورَ - (مَعًا فَهُوَ لَهُمَا) ؛ إذْ لَا سَبْقَ.
(وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى مَا ذُكِرَ - (كَأَخْذٍ) - أَيْ: بِمَنْزِلَتِهِ، فَيَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ، (وَكَذَا لَقِيطٌ) فِي الْحُكْمِ كَاللُّقَطَةِ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
فَرْعٌ: الْأَسْبَابُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلتَّمْلِيكِ الْإِحْيَاءُ وَالْمِيرَاثُ وَالْمُعَاوَضَاتُ وَالْوَصَايَا وَالْوَقْفُ وَالصَّدَقَاتُ وَالْغَنِيمَةُ وَالِاصْطِيَادُ وَوُقُوعُ الثَّلْجِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَعَدَّهُ وَانْقِلَابُ الْخَمْرِ خَلًّا وَالْبَيْضَةُ الْمَذِرَةُ فَرْخًا.

(وَلِلْإِمَامِ حَمِي مَوَاتٍ) . قَالَ فِي الْقَامُوسِ: حَمِيَ الشَّيْءُ يَحْمِيهِ حَمْيًا وَحِمَايَةً

بِالْكَسْرِ - وَمَحْمِيَّةً مَنَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَحْمَى الْمَكَانَ جَعَلَهُ حِمَى لَا يَقْرَبُ.
انْتَهَى.
وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَنْ انْتَجَعَ بَلَدًا أَوْ أَتَى بِكَلْبٍ عَلَى نَشَزٍ، ثُمَّ اسْتَعْوَاهُ، وَوَقَفَ لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ بِالْعُوَاءِ فَحَيْثُ مَا انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِنَفْسِهِ، وَرَعَى مَعَ الْعَامَّةِ فِيمَا سِوَاهُ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ وَمَنْعِهِمْ مِنْ الِانْتِفَاعِ [بِشَيْءٍ] لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ، وَجَاءَ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَيَكُونُ حِمَى الْأَرْضِ الْمَوَاتِ (لِرَعْيِ دَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا مِنْ صَدَقَةٍ وَجِزْيَةٍ وَضَوَالِّ وَدَوَابِّ غَزَاهُ وَرَعْيِ مَاشِيَةٍ ضَعِيفًا) وَغَيْرِ ذَلِكَ، (مَا لَمْ يَضِقْ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيُّ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِلَادُنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ، عَلَامَ تَحْمِيهَا؟ فَأَطْرَقَ عُمَرُ وَجَعَلَ يَنْفُخُ وَيَفْتِلُ شَارِبَهُ، وَكَانَ إذَا رَكِبَهُ أَمْرٌ فَتَلَ شَارِبَهُ وَنَفَخَ، فَلَمَّا رَأَى الْأَعْرَابِيُّ مَا بِهِ جَعَلَ يُرَدِّدُ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ، وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ لَوْلَا مَا أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا فِي شِبْرٍ.
قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ فِي كُلِّ عَامٍ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ الظَّهْرِ وَعَنْ أَسْلَمَ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ: لِهُنِيٍّ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى حِمَى الرَّبْذَةِ: يَا هَنِيُّ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا مُجَابَةٌ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغَنِيمَةِ، وَدَعْنِي مِنْ نَعَمِ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمِ ابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُمَا رَجَعَا إلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ هَذَا الْمِسْكِينَ إنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ جَاءَ يَصْرُخُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَالْكَلَأُ أَهْوَنُ عَلَيَّ أَمْ غُرْمُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ.
إنَّهَا أَرْضُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنَّا نَظْلِمُهُمْ، وَلَوْلَا النَّعَمُ الَّتِي تَحْمِلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت عَلَى النَّاسِ مِنْ بِلَادِهِمْ شَيْئًا أَبَدًا.
وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ قَامَتْ الْأَئِمَّةُ فِيهِ مَقَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِحَدِيثِ «مَا أَطْعَمَ

اللَّهُ لِنَبِيٍّ طُعْمَةً إلَّا جَعَلَهَا طُعْمَةً لِمَنْ بَعْدَهُ» . وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ عُثْمَانَ حَمَى وَاشْتُهِرَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ.
وَحَدِيثُ: «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا يَحْمِيه الْإِمَامُ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يُفَارِقُ حِمَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ صَلَاحَهُ يَعُودُ إلَى صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالَهُ كَانَ يَرُدُّهُ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَفَارَقَ الْأَئِمَّةُ فِي ذَلِكَ، وَسَاوُوهُ فِيمَا كَانَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا اُشْتُرِطَ فِي جَوَازِ الْحِمَى أَنْ لَا يَكُونَ فِي قَدْرٍ يُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَلَيْسَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ إكْثَارُ الضَّرَرِ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي التَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ (وَلَهُ) - أَيْ: الْإِمَامِ - إذَا حَمَى مَحِلًّا (نَقْضُ مَا حَمَاهُ) بِاجْتِهَادِهِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَهُ نَقْضُ مَا حَمَاهُ (غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ) ؛ لِأَنَّ حِمَى الْأَئِمَّةِ اجْتِهَادٌ فَيَجُوزُ نَقْضُهُ بِاجْتِهَادِ آخَرَ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَحْيَاهُ إنْسَانٌ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْأَرْضِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، بَلْ عَمَلٌ بِكُلٍّ مِنْ الِاجْتِهَادَيْنِ فِي مَحِلِّهِ كَالْحَادِثَةِ إذَا حَكَمَ فِيهَا قَاضٍ بِحُكْمٍ، ثُمَّ وَقَعَتْ مَرَّةً أُخْرَى، وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ كَقَضَاءِ عُمَرَ فِي الْمُشْرِكَةِ.

وَ (لَا) يَنْقُضُ أَحَدٌ (مَا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ نَقْضُهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ، (وَلَا يُمْلَكُ) مَا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِإِحْيَاءٍ) وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي بَابِ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبَاتِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى - (وَلَوْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ) - عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ.
(وَكَانَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَطْ) دُونَ غَيْرِهِ (أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» (وَلَمْ يَفْعَلْ) ؛ أَيْ: لَمْ يَحْمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ.
فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «حَمَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَالنَّقِيعُ - بِالنُّونِ - مَوْضِعٌ يُنْتَقَعُ فِيهِ الْمَاءُ فَيَكْثُرُ فِيهِ الْخِصْبُ.
تَتِمَّةٌ: وَإِذَا كَانَ الْحِمَى لِكَافَّةِ النَّاسِ تَسَاوَوْا فِيهِ جَمِيعُهُمْ، فَإِنْ خُصَّ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ اشْتَرَكَ فِيهِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ، وَمُنِعَ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَإِنْ خُصَّ فِيهِ الْفُقَرَاءُ مُنِعَ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ فِيهِ الْأَغْنِيَاءُ دُونَ الْفُقَرَاءِ، وَلَا أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَلَوْ امْتَنَعَ الْحِمَى الْمَخْصُوصُ لِعُمُومِ النَّاسِ جَازَ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهِ لِارْتِفَاعِ الضَّرَرِ عَلَى مَنْ يُخَصُّ بِهِ، وَلَوْ ضَاقَ الْحِمَى الْعَامُّ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أَغْنِيَاؤُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوَابِّ عِوَضًا عَنْ مَرْعَى مَوَاتٍ أَوْ حِمًى؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَشْرَكَ النَّاسَ فِيهِ.
قَالَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ.

[فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الِانْتِفَاعِ بِالْمِيَاهِ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ]

(فَصْلٌ) : فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الِانْتِفَاعِ بِالْمِيَاهِ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ وَنَحْوِهَا (وَلِمَنْ فِي أَعْلَى مَاءٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَالْأَمْطَارِ وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ أَنْ يَسْقِيَ) [وَيَحْبِسَهُ]- أَيْ: الْمَاءَ - (حَتَّى يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ) - أَيْ: السَّاقِي أَوَّلًا - (ثُمَّ هُوَ) - أَيْ: الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ الْمَاءُ - (كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: يَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ الْأَوَّلُ (مُرَتَّبًا) ؛ أَيْ: ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ يَفْعَلُ كَمَا فَعَلَا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحَالُ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْأَرَاضِي كُلُّهَا (إنْ فَضَلَ شَيْءٌ) عَمَّنْ قُلْنَا: إنَّ لَهُ السَّقْيَ وَالْحَبْسَ، (وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِي) - أَيْ: لِمَنْ بَعْدَهُ - لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا فَضَلَ، فَهُمْ كَالْعَصَبَةِ مَعَ أَهْلِ الْفُرُوضِ فِي الْمِيرَاثِ؛ لِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي شُرْبِ النَّخْلِ مِنْ السَّيْلِ أَنَّ الْأَعْلَى يَشْرَبُ قَبْلَ الْأَسْفَلِ، وَيُتْرَكُ الْمَاءُ إلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَاءُ إلَى الْأَسْفَلِ الَّذِي يَلِيهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَوَائِطُ أَوْ يَفْنَى الْمَاءُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ.
وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إلَى جَارِك، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْجُدُرِ» ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الشِّرَاجُ جَمْعُ شَرَجٍ - نَهْرٌ صَغِيرٌ -، وَالْحَرَّةُ أَرْضٌ مُلْتَبِسَةٌ بِحِجَارَةٍ سُودٍ، وَالْجُدُرُ الْجِدَارُ، وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزُّبَيْرَ أَنْ يَسْقِيَ ثُمَّ يُرْسِلَ الْمَاءَ تَسْهِيلًا عَلَى غَيْرِهِ، فَلَمَّا قَالَ الْأَنْصَارِيُّ مَا قَالَ اسْتَوْعَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ.
(فَإِنْ كَانَ لِأَرْضِ أَحَدِهِمْ أَعْلَى وَأَسْفَلُ) ؛ بِأَنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً مِنْهَا مُسْتَعْلِيَةٌ وَمِنْهَا مُسْتَفِلَةٌ (سُقِيَ كُلًّا) مِنْ ذَلِكَ (عَلَى حِدَتِهِ) - أَيْ: عَلَى انْفِرَادِهِ - (وَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي قُرْبٍ) مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ؛ (قُسِّمَ الْمَاءُ) بَيْنَهُمْ (عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ) - أَيْ: أَرْضِ كُلٍّ مِنْهُمْ - فَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ جَرِيبٌ وَلِآخَرَ جَرِيبَانِ وَلِآخَرَ ثَلَاثَةٌ؛ كَانَ لِرَبِّ الْجَرِيبِ السُّدُسُ، وَلِرَبِّ الْجَرِيبَيْنِ الثُّلُثُ، وَلِرَبِّ الثَّلَاثَةِ النِّصْفُ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ فِي الْأَرْضِ مَنْ أَرْضُهُ أَكْثَرُ مُسَاوٍ فِي الْقُرْبِ، فَاسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْ الْمَاءِ كَمَا لَوْ كَانُوا سِتَّةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَرِيبٌ.
وَمَحِلُّ ذَلِكَ " إنْ أَمْكَنَ " قَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ، (وَإِلَّا) يُمْكِنْ قَسْمُهُ؛ (أَقْرَعَ) " بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ قُدِّمَ بِالسَّقْيِ، فَيَسْقِي مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ، فَمَنْ قَرَعَ سَقَى بِقَدْرِ حَقِّهِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لِلْآخَرِ، وَلَيْسَ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَسْقِيَ بِجَمِيعِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ يُسَاوِيهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ (فَإِنْ لَمْ يُفَضِّلْ عَنْ وَاحِدٍ سَقَى الْقَارِعُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، لَا كُلِّ الْمَاءِ) ؛ أَيْ: لَيْسَ لِلْقَارِعِ السَّقْيُ بِكُلِّ الْمَاءِ؛ (لِمُسَاوَاةِ الْآخَرِ لَهُ) فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقَدُّمِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، (بِخِلَافِ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ؛ فَلَا حَقَّ لِلْأَسْفَلِ إلَّا فِي الْفَاضِلِ) عَنْ الْأَعْلَى كَمَا تَقَدَّمَ.
.

(وَإِنْ أَرَادَ إنْسَانٌ إحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ) - أَيْ: السَّبِيلِ أَوْ النَّهْرِ الصَّغِيرِ -؛ (لَمْ يُمْنَعْ) مِنْ الْإِحْيَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ فِي الْمَاءِ، لَا فِي الْمَوَاتِ، (مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ) ، فَإِنْ ضَرَّهُمْ فَلَهُمْ مَنْعُهُ؛ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنْهُمْ، (وَلَا يَسْقِي قَبْلَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْبَقُ إلَى النَّهْرِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَهَا بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا، فَلَا يَمْلِكُ غَيْرُهُ إبْطَالَ حُقُوقِهَا وَسَقْيهُمْ إيَّاهُ بِالسَّقْيِ مِنْ حُقُوقِهَا.
(وَلَوْ أَحْيَا سَابِقٌ) مَوَاتًا (فِي أَسْفَلِهِ) - أَيْ: النَّهْرِ - (ثُمَّ) أَحْيَا (آخَرُ) مَحِلًّا (فَوْقَهُ) - أَيْ: الْأَوَّلِ - (ثُمَّ) أَحْيَا (آخَرُ) مَحِلًّا (فَوْقَ ثَانٍ؛ سَقَى الْمُحْيِي أَوَّلًا) - وَهُوَ الْأَسْفَلُ - (ثُمَّ) سَقَى (ثَانٍ) فِي الْإِحْيَاءِ، وَهُوَ الَّذِي فَوْقَ الْأَسْفَلِ، (ثُمَّ) سَقَى (ثَالِثٌ) - أَيْ: الَّذِي فَوْقَ الثَّانِي - اعْتِبَارًا بِالسَّبْقِ إلَى الْإِحْيَاءِ أَوَّلَ النَّهْرِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ [الْأَرْضَ] مَلَكَهَا بِحُقُوقِهَا ومَرَافِقِهَا.

(وَإِنْ حُفِرَ نَهْرٌ صَغِيرٌ، وَسِيقَ مَاؤُهُ مِنْ نَهْرٍ كَبِيرٍ مَلَكَهُ) ؛ أَيْ: فَيَصِيرُ حَافِرُهُ مَالِكًا لِلْمَاءِ الدَّاخِلِ إلَيْهِ وَقَرَارِهِ وَحَافَّتَيْهِ بِانْتِهَاءِ الْحَفْرِ إلَى قَصْدِهِ، (وَهُوَ) - أَيْ: هَذَا النَّهْرُ - يَكُونُ (بَيْنَ جَمَاعَةٍ) اشْتَرَكُوا فِي حَفْرِهِ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ فِي النَّهْرِ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ (عَلَى حَسَبِ عَمَلٍ وَنَفَقَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَ بِالْعِمَارَةِ، وَهُوَ الْعَمَلُ وَالنَّفَقَةُ، فَإِنْ كَفَاهُمْ لِمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِيهَا فَلَا كَلَامَ، (وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ) بِالْمُهَايَأَةِ (بِسَاعَاتٍ أَوْ أَيَّامٍ جَازَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ، (وَإِلَّا) ؛ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ وَتَشَاحُّوا؛ (قَسَّمَهُ حَاكِمٌ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ) ؛ أَيْ: قَسَّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ مِنْ النَّهْرِ، (فَتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ) صُلْبَةٌ (أَوْ حَجَرٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ، فَيُوضَعُ عَلَى مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ فِي مصدم الْمَاءِ فِيهِ) حُزُوزٌ أَوْ (ثُقُوبٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي السَّعَةِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ) ، فَإِنْ كَانَتْ أَمْلَاكُهُمْ مُخْتَلِفَةً، قَسَّمَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ.
(فَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ وَلِآخَرَ ثُلُثُهُ وَلِآخَرَ سُدُسُهُ؛ جَعَلَ فِيهِ سِتَّةَ ثُقُوبٍ، لِرَبِّ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَلِرَبِّ الثُّلُثِ اثْنَانِ وَلِرَبِّ السُّدُسِ وَاحِدٌ، يُصَبُّ مَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي سَاقِيَتِهِ) ، فَإِذَا حَصَلَ مَاءُ كُلٍّ فِي سَاقِيَتِهِ انْفَرَدَ بِهِ، (فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ) ؛ لِانْفِرَادِهِ بِمِلْكِهِ.
فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُجْرِيَ مَاءَهُ فِي سَاقِيَةِ غَيْرِهِ لِيُقَاسِمَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي سَاقِيَتِهِ، وَيُخَرِّبُ حَافَّتَيْهَا وَيَخْلِطُ حَقَّهُ بِحَقِّ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ، وَمَا حَصَلَ لِأَحَدِهِمْ فِي سَاقِيَتِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ (مِنْ سَقْيٍ أَوْ عَمَلِ رَحًى أَوْ دُولَابٍ) أَوْ عَمَلِ قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ الْمَاءُ عَلَيْهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهَا، (لَا التَّصَرُّفُ بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: إذَا كَانَ النَّهْرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ مِنْ فَتْحِ سَاقِيَتِهِ إلَى جَانِبِ النَّهْرِ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهَا، وَلَا أَنْ يَنْصِبَ عَلَى حَافَّتَيْ النَّهْرِ رَحًى تَدُورُ بِالْمَاءِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ حَرِيمَ النَّهْرِ مُشْتَرَكٌ، فَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ (قَبْلَ قِسْمَةٍ) ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ النَّهْرِ قَبْلَ قِسْمَةِ شَيْءٍ، فَيَسْقِي بِهِ أَرْضًا فِي أَوَّلِ النَّهْرِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى تَصَرُّفٍ فِي أَوَّلِ حَافَّةِ النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ (بِلَا إذْنِ) شُرَكَائِهِ؛ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ.
(لَكِنْ لِكُلِّ إنْسَانٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَاءٍ جَارٍ مَمْلُوكٍ أَوْ غَيْرِهِ لِشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِلَا إذْنِ مَالِكِهِ، إذَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مَحُوطٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ، (لَا مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَسَقْيِ مَاشِيَةٍ كَثِيرَةٍ) ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءِ الطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَتَقَدَّمَ.

(وَمَنْ سَبَقَ إلَى قَنَاةٍ لَا مَالِكَ لَهَا، فَسَبَقَ آخَرُ إلَى بَعْضِ أَفْوَاهِهَا مِنْ فَوْقِ أَوْ مِنْ أَسْفَلَ؛ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا سَبَقَ إلَيْهِ) مِنْ ذَلِكَ؛ لِلْخَبَرِ.
تَنْبِيهٌ: إنْ احْتَاجَ النَّهْرُ الْمُشْتَرَكُ وَنَحْوُهُ إلَى عِمَارَةٍ أَوْ تَنْظِيفٍ؛ فَعَلَى الشُّرَكَاءِ

بِحَسَبِ أَمْلَاكِهِمْ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَدْنَى إلَى أَوَّلِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ اشْتَرَكَ الْكُلُّ إلَى أَنْ يَصِلُوا إلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَى الثَّانِي، ثُمَّ يَشْتَرِكُ الْبَاقُونَ حَتَّى يَصِلُوا إلَى الثَّانِي، ثُمَّ يَشْتَرِكُ مِنْ بَعْدِهِ كَذَلِكَ، كُلَّمَا انْتَهَى الْعَمَلُ إلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ الَّذِي فِي مَوْضِعِ شُرْبِهِ، وَمَا بَعْدَهُ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ دُونِهِ؛ فَلَا يُشَارِكُهُمْ فِي مُؤْنَتِهِ، كَمَا لَا يُشَارِكُهُمْ فِي نَفْعِهِ، فَإِنْ كَانَ يَفْضُلُ عَنْ جَمِيعِهِمْ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَصْرِفٍ؛ فَمُؤْنَتُهُ عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ كَأَوَّلِهِ.

(وَلِمَالِكِ أَرْضٍ مَنْعُهُ مِنْ الدُّخُولِ بِهَا) - أَيْ: بِأَرْضِهِ - (وَلَوْ كَانَتْ رُسُومُهَا) - أَيْ: الْقَنَاةِ الْمُحَيَّاةِ - (فِي أَرْضِهِ) - أَيْ أَرْضِ الْمَانِعِ، فَلَا يَدْخُلُ الْمُحْيِي فِي الْقَنَاةِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا ذَكَرُوهُ فِي الصُّلْحِ مِنْ أَنَّ مَنْ وَجَدَ رُسُومَ خَشَبَةٍ أَوْ مَسِيلَ مَاءٍ وَنَحْوَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، يُقْضَى لَهُ بِهِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ؛ لِأَنَّا هُنَا عَلِمْنَا عَدَمَ سَبْقِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمُحْيِيَ إنَّمَا مَلَكَ مَاءَهُ بِالْإِحْيَاءِ، فَوُجُودِ الرُّسُومِ لَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ مِلْكِهِ، بِخِلَافِ الْجَارِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ مِلْكُهُ ثَابِتٌ.

(وَلَا يَمْلِكُ) رَبُّ أَرْضٍ (تَضْيِيقَ مَجْرَى قَنَاةٍ فِي أَرْضِهِ مِنْ خَوْفِ لِصٍّ) نَصًّا؛ لِأَنَّ مَجْرَاهَا لِصَاحِبِهَا، فَلَا يَتَصَرَّفُ غَيْرُهُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ بِتَقْلِيلِ الْمَاءِ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ.

(وَمَنْ سُدَّ لَهُ مَاءٌ لِجَاهِهِ) لِيَسْقِيَ بِهِ أَرْضَهُ؛ (فَلِغَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الْمُتَجَوَّهِ - مِمَّنْ لَا اسْتِحْقَاقَ لَهُ فِي أَصْلِ الْمَاءِ إلَّا بِالْحَاجَةِ؛ (السَّقْيُ مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ الْمَاءِ الْمَسْدُودِ لِلْمُتَجَوَّهِ - (مَا لَمْ يَكُنْ تَرَكَهُ) - أَيْ: هَذَا الْغَيْرُ - السَّقْيَ مِنْ الْمَاءِ الْمَسْدُودِ سَبَبًا؛ لَأَنْ (يَرُدَّهُ) ؛ أَيْ: يَرُدُّ الْمُتَجَوَّهُ الْمَاءَ الَّذِي سَدَّهُ (عَلَى مَنْ سَدَّهُ عَنْهُ) ، فَيَمْتَنِعَ عَلَيْهِ السَّقْيُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي ظُلْمِ مَنْ سَدَّ عَنْهُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ.

نَقْلَ مُثَنَّى: مَنْ سَدَّ لَهُ الْمَاءَ لِجَاهِهِ أَفَأَسْقِي مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَرْكِي لَهُ يَرُدُّهُ عَلَى مَنْ سَدَّهُ عَنْهُ فَأَجَازَهُ بِقَدْرِ حَاجَتِي.
تَتِمَّةٌ: وَإِذَا حَصَلَ نَصِيبُ إنْسَانٍ فِي سَاقِيَتِهِ فَلَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِهَا مَا شَاءَ مِنْ الْأَرْضِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا رَسْمٌ شُرِبَ مِنْ هَذَا النَّهْرِ أَوْ لَا، وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ يَسْقِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ قَدْ انْفَرَدَ بِاسْتِحْقَاقِهِ، فَكَانَ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهُ مَا شَاءَ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ.

[بَابُ الْجَعَالَةِ]

الْجَعَالَةُ: - بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ - كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ مَالِكٍ، يُقَالُ جَعَلْتُ لَهُ جُعْلًا أَوْجَبْتُ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْجُعْلُ وَالْجَعَالَةُ وَالْجَعِيلَة: مَا يُعْطَاهُ الْإِنْسَانُ عَلَى أَمْرٍ يَفْعَلُهُ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72] وَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ كَالْوَسْقِ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ.
وَحَدِيثُ اللَّدِيغِ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِيهِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُوجَدُ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِالْعَمَلِ، فَاقْتَضَتْ جَوَازَ ذَلِكَ.
وَشَرْعًا (جُعْلٌ) - أَيْ: تَسْمِيَتُهُ - (مَالٌ مَعْلُومٌ كَأُجْرَةٍ) بِالرُّؤْيَةِ وَالْوَصْفِ، و (لَا) يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا إنْ كَانَ (مِنْ مَالِ مُحَارِبٍ) - أَيْ: حَرْبِيٍّ - فَيَصِحُّ مَجْهُولًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ.
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ الْجَعَالَةِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ؛ كَقَوْلِ شَخْصٍ لِآخَرَ: (بِعْ ثَوْبِي بِكَذَا) دِرْهَمٍ (فَمَا زَادَ) عَمَّا عَيْنَته لَكَ مِنْ الثَّمَنِ فَهُوَ (لَكَ) ، وَهَذَا؟

الِاتِّجَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى احْتِمَالِ مَرْجُوحٍ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجُوزَ الْجَعَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ؛ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ، وَمَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا.
فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا قَالَ الْأَمِيرُ فِي الْغَزْوِ: مَنْ جَاءَ بِعَشْرَةِ رُءُوسٍ فَلَهُ رَأْسٌ جَازَ، وَقَالُوا: إذَا جَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى قَلْعَةٍ أَوْ طَرِيقٍ سَهْلٍ، وَكَانَ الْجُعْلُ مِنْ مَال الْكُفَّارِ؛ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا كَجَارِيَةٍ يُعَيِّنُهَا الْعَامِلُ؛ فَيَخْرُجُ هَا هُنَا مِثْلُهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ؛ لَمْ تَصِحَّ الْجَعَالَةُ وَجْهًا وَاحِدًا، (لِمَنْ يَعْمَلُ) مُتَعَلِّقٌ بِجُعْلٍ لَهُ - أَيْ: الْجَاعِلُ - (عَمَلًا مُبَاحًا) لَا مُحَرَّمًا كَمِزْمَارٍ وَغِنَاءٍ.

(وَيَتَّجِهُ لَا) تَصِحُّ الْجَعَالَةُ لِمَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا (عَبَثًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ (كَسَاعٍ يَقْطَعُ أَيَّامًا فِي يَوْمٍ) وَاحِدٍ، وَمِثْلُهُ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ تَكْلِيفٌ فَوْقَ الطَّاقَةِ (كَرَفْعٍ ثَقِيلٍ) مِنْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَمَشْيٍ عَلَى حَبْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الشَّارِعُ؛ فَلَا تَنْعَقِدُ الْجَعَالَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِاشْتِرَاطِ الْإِبَاحَةِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ إمَّا أَنْ يَخْشَى فَاعِلُهَا الضَّرَرَ فِي بَدَنِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ خَشِيَ الضَّرَرَ فَحَرَامٌ، وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ، وَعَلَى كُلٍّ يَكُونُ غَيْرَ مُبَاحٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَوْ) كَانَ الْعَمَلُ (مَجْهُولًا) إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا؛ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ لَمْ يَصِفْهَا، وَرَدِّ لُقَطَةٍ لَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَهَا؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ جَائِزَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخٌ، فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مَجْهُولٌ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ (مَعَ شَخْصٍ) جَائِزِ التَّصَرُّفِ، أَوْ لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ (مُدَّةً، وَلَوْ) كَانَتْ الْمُدَّةُ (مَجْهُولَةً) ؛ كَمَنْ حَرَسَ زَرْعِي فَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ":

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل