وَبَرَزَ، وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، وَهَلْ كَذَلِكَ الْوَرْدُ وَنَحْوُهُ وَالْقُطْنُ؟ أَوْ كَالْأَوَّلِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ؟ تَأْوِيلَانِ.
[منح الجليل]
بَعْدَ الْكَافِ إنْ لَمْ يُسَقْ عَلَيْهِ (وَ) إنْ (بَرَزَ) مِنْ أَرْضِهِ وَاسْتَقَلَّ (وَ) إنْ (لَمْ يَبْدُ) بِفَتْحٍ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يَظْهَرُ (صَلَاحُهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ بَعْدَ الْكَافِ فِيهَا إنَّمَا تَجُوزُ مُسَاقَاةُ الزَّرْعِ إذَا اسْتَقَلَّ مِنْ الْأَرْضِ، وَإِنْ أَسْبَلَ إذَا احْتَاجَ إلَى الْمَاءِ وَكَانَ إنْ تُرِكَ مَاتَ فَأَمَّا بَعْدَ جَوَازِ بَيْعِهِ فَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ.
(وَ) اُخْتُلِفَ فِي جَوَابِ (هَلْ كَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ بَعْدَ الْكَافِ فِي تَوَقُّفِ صِحَّةِ مُسَاقَاتِهِ عَلَى عَجْزِ رَبِّهِ وَخَوْفِ مَوْتِهِ وَبُرُوزِهِ وَعَدَمِ بُدُوِّ صَلَاحِهِ (الْوَرْدُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كَذَلِكَ (وَنَحْوُهُ) أَيْ الْوَرْدُ مِمَّا تُجْنَى ثَمَرَتُهُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ فِي الْأَرْضِ كَالْيَاسَمِينِ وَالْآسِ بِمَدِّ الْهَمْزِ (وَالْقُطْنُ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ عُطِفَ عَلَى الْوَرْدِ الَّذِي يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِجَنْيِ ثَمَرَتِهِ مِرَارًا مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَجَنْيِهَا مَرَّةً فَقَطْ فِي بَعْضٍ آخَرَ (أَوْ) الْوَرْدُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (كَالْأَوَّلِ) فِي صِحَّةِ مُسَاقَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ رَبُّهُ وَلَمْ يَخَفْ مَوْتَهُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ كَوْنُهُ كَالْأَوَّلِ (الْأَكْثَرُ) مِنْ شَارِحِيهَا فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ يُفْهِمَانِ لِشَارِحَيْهَا.
ابْنُ رُشْدٍ كَانَ ابْنُ الْقَطَّانِ يَحْمِلُ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْقُطْنِ وَالزَّرْعِ والمقاثئ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي الْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَجْزُ، وَفِيهَا مَنْعُهَا فِي الْقُرْطِ وَالْقَضْبِ وَالْمَوْزِ ابْنُ يُونُسَ وَمِثْلُ الْقَضْبِ الْبَقْلُ وَالْكُرَّاثُ، وَاخْتُلِفَ فِي الرَّيْحَانِ وَالْقَصَبِ الْحُلْوِ.
فِي الْمُقَدِّمَاتِ قَصَبُ السُّكَّرِ مِثْلُ الزَّرْعِ وَالْكَمُّونِ أَفَادَهُ " ق " الْحَطّ كَلَامُهَا كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ كَالشَّجَرِ، وَنَصُّهُ وَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ الْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْقُطْنِ، وَأَمَّا المقاثئ وَالْبَصَلُ وَقَصَبُ السُّكَّرِ فَكَالزَّرْعِ يُسَاقَى إنْ عَجَزَ رَبُّهُ اهـ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ حَمْلُ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا أَظْهَرُ.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّ الْمُسَاقَاةَ فِي الْيَاسَمِينِ وَالْوَرْدِ جَائِزَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ صَاحِبُهُمَا عَنْ عَمَلِهِمَا.
وَأَمَّا الْقُطْنُ فَاسْتَبْعَدَ ابْنُ رُشْدٍ الْجَوَازَ فِيهِ، وَأَشَارَ
وَأُقِّتَتْ بِالْجَذَاذِ، وَحُمِلَتْ عَلَى الْأَوَّلِ، إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ثَانٍ،
[منح الجليل]
ابْنُ يُونُسَ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْقُطْنِ يَنْبَغِي أَنَّهُ خِلَافٌ فِي حَالٍ فَيَكُونُ شَجَرُهُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ كَالْأُصُولِ الثَّابِتَةِ تُجْنَى ثَمَرَتُهُ سِنِينَ، وَفِي بَعْضِهَا يَكُونُ كَالزَّرْعِ لَا أَصْلَ لَهُ ثَابِتٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ اُنْظُرْ مَنْ ذَكَرَ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ فِي الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ إلَّا فِي الْقُطْنِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ضَيْح وَ " ح " و " ق " إلَّا فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْوَرْدَ وَنَحْوَهُ كَالشَّجَرِ بِلَا خِلَافٍ.
(وَأُقِّتَتْ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْقَافِ مُشَدَّدَةً، أَيْ أُجِّلَ كَذَلِكَ عَمَلُ الْمُسَاقَاةِ (بِالْجَذَاذِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِعْجَامِ الذَّالَيْنِ أَوْ إهْمَالُهُمَا، أَيْ بِقَطْعِ الثَّمَرَةِ فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الشَّأْنُ فِي الْمُسَاقَاةِ إلَى الْجَذَاذِ لَا يَجُوزُ شَهْرًا وَلَا سَنَةً مَحْدُودَةً، وَهِيَ إلَى الْجَذَاذِ إذَا لَمْ يُؤَجِّلَا.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ تُطْعِمُ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ فَهِيَ إلَى الْجَذَاذِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَشْتَرِطَ الثَّانِي.
الْحَطّ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ التَّوْقِيتُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا أَمْ لَا، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ يُشْتَرَطُ تَأْقِيتُهَا وَأَقَلُّهُ إلَى الْجَذَاذِ وَإِنْ أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ عَلَيْهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اشْتِرَاطُ التَّأْقِيتِ مَعَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْمُطَلَّقَةِ بَعِيدٌ.
فَإِنْ قُلْت لَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْجَهَالَةَ تُفْسِدُهَا وَهُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى إطْلَاقِهَا.
قُلْت فَتَكُونُ الْجَهَالَةُ مَانِعَةً مِنْ الصِّحَّةِ لَا أَنَّ التَّأْقِيتَ شَرْطُ صِحَّةٍ اهـ. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهَا لَا تَجُوزُ شَهْرًا وَلَا سَنَةً مَحْدُودَةً، ظَاهِرُهُ كَانَ الْأَجَلُ يَنْقَضِي قَبْلَ أَجَلِ الْجَذَاذِ أَوْ بَعْدَهُ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَنْقَضِي إلَّا بَعْدَ الْجَذَاذِ فَهِيَ زِيَادَةٌ اشْتَرَطَهَا رَبُّ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ يَنْقَضِي قَبْلَهُ فَهِيَ زِيَادَةٌ اشْتَرَطَهَا الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ فِي نَصِيبِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ إلَى الْجَذَاذِ، فَلِذَا قَالَ لَا تَجُوزُ شَهْرًا وَلَا سَنَةً مَحْدُودَةً.
(وَ) إنْ أُقِّتَتْ بِالْجَذَاذِ وَكَانَ الشَّجَرُ يُطْعِمُ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ (حُمِلَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمُسَاقَاةُ (عَلَى) جَذَاذِ بَطْنِ (أَوَّلَ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَقَاؤُهَا إلَى أَنْ يَجُذَّ بَطْنَ (ثَانٍ) فَإِنْ اُشْتُرِطَ اسْتَمَرَّتْ إلَيْهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ تُطْعِمُ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ
وَكَبَيَاضِ نَخْلٍ أَوْ زَرْعٍ؛ إنْ وَافَقَ الْجُزْءَ وَبَذَرَهُ الْعَامِلُ، وَكَانَ ثُلُثًا بِإِسْقَاطِ كُلْفَةِ الثَّمَرَةِ: وَإِلَّا فَسَدَ:
[منح الجليل]
فَهِيَ إلَى الْجَذَاذِ الْأَوَّلِ حَتَّى يُشْتَرَطَ الثَّانِي، وَفِيهَا لَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ نَخْلٍ يُطْعِمُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ كَمَا تَجُوزُ مُسَاقَاةُ عَامَيْنِ، وَلَيْسَ مَا ذُكِرَ هُنَا كَمُسَاقَاةِ الْقَضْبِ يَحِلُّ بَيْعُهُ وَبَيْعُ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ وَالشَّجَرُ لَا تُبَاعُ ثِمَارُهَا قَبْلَ أَنْ تُزْهَى اهـ.
وَعَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ كَزَرْعٍ الْمُشَبَّهَ بِالشَّجَرِ فِي صِحَّةِ مُسَاقَاتِهِ مُشَبَّهًا آخَرَ فِيهَا فَقَالَ (وَكَبَيَاضٍ) أَيْ أَرْضٍ خَالِيَةٍ مِنْ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ سُمِّيَتْ بَيَاضًا لِإِشْرَاقِهَا فِي النَّهَارِ بِشُعَاعِ الشَّمْسِ.
وَفِي اللَّيْلِ بِنُورِ الْكَوَاكِبِ، فَإِنْ اسْتَتَرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِوَرَقِ الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ سُمِّيَتْ سَوَادًا لَا سَوَادُهَا بِالظِّلِّ بَيْنَ (نَخْلٍ أَوْ زَرْعٍ) أَوْ مُجَاوِرٍ لَهُ فَيَصِحُّ إدْخَالُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِمَّا يُزْرَعُ فِيهِ (إنْ وَافَقَ الْجُزْءَ) الْمَشْرُوطَ فِيهِ الْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ فِي مُسَاقَاةِ النَّخْلِ أَوْ الزَّرْعِ كَالثُّلُثِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا كَثُلُثِ أَحَدِهِمَا وَنِصْفِ الْآخَرِ فَلَا تَصِحُّ مُسَاقَاتُهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَصْبَغُ مُوَافَقَةَ الْجُزْءِ، وَقَدْ جَرَى الْعُرْفُ عِنْدَنَا بِفَاسَ بِأَنَّ الْبَيَاضَ لَا يُعْطَى إلَّا بِجُزْءٍ أَكْثَرَ فَلَهُ مُسْتَنَدٌ فَلَا يُشَوِّشُ عَلَى النَّاسِ، إذْ ذَاكَ يُذْكَرُ الْمَشْهُورُ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ.
اهـ. بُنَانِيٌّ.
(وَ) إنْ (بَذَرَهُ) أَيْ الْبَيَاضَ (الْعَامِلُ) مِنْ مَالِهِ فَإِنْ كَانَ بَذْرُهُ مِنْ مَالِ رَبِّهِ أَوْ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَلَا تَصِحُّ، وَإِنْ نَزَلَ فَيُرَدُّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ فِي النَّخْلِ وَأُجْرَةِ مِثْلِهِ فِي الْبَيَاضِ (وَ) إنْ (كَانَ) كِرَاءُ الْبَيَاضِ (ثُلُثًا) مِنْ مَجْمُوعِهِ مَعَ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ أَوْ الْحَبِّ (بِإِسْقَاطِ كُلْفَةٍ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ مَا كُلِّفَتْ بِهِ وَأُنْفِقَ عَلَى (الثَّمَرَةِ) أَوْ الزَّرْعِ بِأَنْ كَانَ كِرَاءُ الْبَيَاضِ عَشَرَةً وَقِيمَةُ الثَّمَرَةِ بَعْدَ إسْقَاطِ كُلْفَتِهَا عِشْرِينَ مَثَلًا.
الْحَطّ وَبَقِيَ شَرْطٌ رَابِعٌ وَهُوَ كَوْنُ حَرْثِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى الْعَامِلِ فَفِيهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ نِصْفُ الْبَذْرِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَوْ حَرْثِ الْبَيَاضِ فَقَطْ وَإِنْ جَعَلَا الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهُ الْعَامِلُ مِنْ عِنْدِهِ وَيَعْمَلَهُ وَمَا أَنْبَتَ فَبَيْنَهُمَا فَجَائِزٌ اهـ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَجْتَمِعْ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ بِأَنْ انْتَفَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا (فَسَدَ) عَقْدُ مُسَاقَاةِ الْبَيَاضِ.
كَاشْتِرَاطِهِ رَبُّهُ، وَأُلْغِيَ لِلْعَامِلِ، إنْ سَكَنَا عَنْهُ، أَوْ اشْتَرَطَهُ
[منح الجليل]
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْبَيَاضُ الْمُتَّبَعُ مِثْلُ الثُّلُثِ فَأَدْنَى لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْمُسَاقَاةِ عَلَى مِثْلِ مَا أَخَذَ الْأُصُولُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُلْغَى لِلْعَامِلِ وَهُوَ أَهْلُهُ، فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا فَجَائِزٌ إنْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْمُؤْنَةُ مِنْ عِنْدِ الْعَامِلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ رَبُّ الْحَائِطِ لِنَفْسِهِ إنْ كَانَ الْعَامِلُ يَسْقِيهِ.
ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ كَانَ بَعْلًا أَوْ كَانَ لَا يُسْقَى بِمَاءِ الْحَائِطِ فَجَائِزٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا بَيَاضُ الزَّرْعِ كَبَيَاضِ النَّخْلِ، وَعَزَاهُ الْبَاجِيَّ لِلْمَوَّازِيَّةِ.
ابْنُ عَبْدُوسٍ صِفَةُ اعْتِبَارِ التَّبَعِيَّةِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى كِرَاءِ الْأَرْضِ كَأَنَّهُ خَمْسَةٌ، وَإِلَى غَلَّةِ النَّخْلِ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْهَا بَعْدَ إسْقَاطِ قَدْرِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، فَإِنْ بَقِيَ عَشَرَةٌ فَكِرَاءُ الْأَرْضِ الثُّلُثُ فَيَجُوزُ إدْخَالُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ ثَمَانِيَةٌ فَلَا يَجُوزُ لِزِيَادَةِ الْخَمْسَةِ عَلَى ثُلُثِ الْجُمْلَةِ.
الْبَاجِيَّ إنْ كَانَ الْبَيَاضُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ مَعَ النَّخْلِ قَوْلًا وَاحِدًا.
فِي ضَيْح الْبَيَاضُ الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ مِنْ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ السَّوَادِ أَوْ مُنْفَرِدًا عَنْهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَكَبَيَاضِ شَجَرٍ لِكُلٍّ أَشْمَلَ.
وَشَبَّهَ فِي الْفَسَادِ فَقَالَ (كَاشْتِرَاطِهِ) أَيْ الْبَيَاضَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ وَفَاعِلِهِ (رَبُّهُ) أَيْ الْبَيَاضُ لِيَزْرَعَهُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً فِي الْمُوَطَّإِ لَا يَصْلُحُ لِنَيْلِهِ سَقْيُ الْعَامِلِ، فَهِيَ زِيَادَةٌ اشْتَرَطَهَا رَبُّهُ عَلَى الْعَامِلِ، وَفِيهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ رَبُّ الْحَائِطِ لِنَفْسِهِ إنْ كَانَ الْعَامِلُ يَسْقِيهِ (وَأُلْغِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تُرِكَ الْبَيَاضُ (لِلْعَامِلِ) يَبْذُرُهُ مِنْ مَالِهِ وَيَعْمَلُ فِيهِ وَيَخْتَصُّ بِمَا يُنْبِتُهُ (إنْ سَكَتَا) أَيْ رَبُّ الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ وَالْعَامِلُ (عَنْهُ) أَيْ الْبَيَاضِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَيْ لَمْ يَشْتَرِطَاهُ لَهُمَا وَلِأَحَدِهِمَا (أَوْ) إنْ (اشْتَرَطَهُ) أَيْ الْبَيَاضَ الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ سَكَتَا عَنْ الْبَيَاضِ فِي الْعَقْدِ فَمَا زَرَعَ فِيهِ الْعَامِلُ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَتَا عَنْهُ ثُمَّ تَشَاحَّا فِيهِ عِنْدَ الزِّرَاعَةِ فَهُوَ لِلْعَامِلِ وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
ابْنُ عَبْدُوسٍ وَإِذَا أُلْغِيَ لِلْعَامِلِ فَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِحِصَّةِ الْعَامِلِ خَاصَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ يُونُسَ خِلَافَ هَذَا.
وَقَالَ الْبَاجِيَّ ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ
وَدَخَلَ شَجَرٌ تَبِعَ زَرْعًا
وَجَازَ زَرْعٌ وَشَجَرٌ وَإِنْ غَيْرَ تَبَعٍ وَحَوَائِطَ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِجُزْءٍ، إلَّا فِي صَفَقَاتٍ
[منح الجليل]
يُرَاعَى فِي الْبَيَاضِ كَوْنُهُ تَبَعًا لِثَمَرَةِ جَمِيعِ الْحَائِطِ فَمَا يُلْغَى لِلْعَامِلِ، وَفِيمَا يُشْتَرَطُ دُخُولُهُ فِي مُسَاقَاةِ النَّخْلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ أَقْوَالِ أَصْحَابِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّ الْمُعْتَبَرَ تَبَعِيَّتُهُ لِجَمِيعِ ثَمَرِ الْحَائِطِ فِي لَغْوِهِ وَفِي إدْخَالِهِ فِي الْمُسَاقَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ إنَّمَا ذَلِكَ فِي إدْخَالِهِ فِيهَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي لَغْوِهِ لِلْعَامِلِ تَبَعِيَّتُهُ لِحَظِّهِ فَقَطْ اهـ.
(وَ) إنْ عَقَدَ الْمُسَاقَاةَ لِزَرْعٍ فِيهِ شَجَرٌ تَابِعٌ لَهُ (دَخَلَ) فِيهَا لُزُومًا (شَجَرٌ تَبِعَ زَرْعًا) بِأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ ثَمَرَتِهِ عَلَى مَا تَكُونُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ ثُلُثَ مَجْمُوعِهَا مَعَ قِيمَةِ الزَّرْعِ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ بِحَسَبِهَا، فَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ لِأَحَدِهِمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِإِلْغَاءِ الْبَيَاضِ وَلَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ مُسَاقَاةِ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ الْمَتْبُوعُ، وَحُكْمُ عَكْسِ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ كَذَلِكَ فَيَدْخُلُ الزَّرْعُ التَّابِعُ لِلشَّجَرِ فِي مُسَاقَاتِهِ لُزُومًا، فَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ لِأَحَدِهِمَا وَالْمُعْتَبَرُ شُرُوطُ مُسَاقَاةِ الشَّجَرِ لِأَنَّهُ الْمَتْبُوعُ.
(وَجَازَ) أَيْ يَجُوزُ (زَرْعٌ وَشَجَرٌ) أَيْ مُسَاقَاتِهِمَا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا (غَيْرَ تَبَعٍ) لِلْآخَرِ فِيهَا مَنْ سَاقَى رَجُلًا زَرْعًا عَلَى الثُّلُثِ وَنَخْلًا عَلَى النِّصْفِ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَا عَلَى جُزْءٍ وَاحِدٍ جَمِيعًا وَيَعْجِزُ عَنْ الزَّرْعِ رَبُّهُ وَإِنْ كَانَا فِي نَاحِيَتَيْنِ (وَ) يَجُوزُ (حَوَائِطُ) أَيْ مُسَاقَاتِهَا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ إنْ كَانَتْ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، (وَإِنْ اخْتَلَفَتْ) أَصْنَافُهَا وَكَانَتْ (بِجُزْءٍ) وَاحِدٍ كَثُلُثِ كُلٍّ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ، لِمُسَاقَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى الشَّطْرِ، وَفِيهِ الْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجُزْءَانِ كَثُلُثٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَرُبْعٍ مِنْ الْآخَرِ فَلَا تَصِحُّ فِي كُلِّ حَالَةٍ (إلَّا فِي صَفَقَاتٍ) بِأَنْ تُعْقَدَ الْمُسَاقَاةُ عَلَى كُلِّ حَائِطٍ وَحْدَهُ، فِيهَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ حَائِطَيْنِ مُسَاقَاةُ أَحَدِهِمَا عَلَى النِّصْفِ وَالْآخَرُ عَلَى الثُّلُثِ فِي صَفْقَةٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ عَلَى جُزْءٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ مِنْ الْآخَرِ مِمَّا لَوْ أَقَرَّ فِي السُّوقِ كَانَ هَذَا عَلَى الثُّلُثِ.
وَهَذَا عَلَى الثُّلُثَيْنِ وَقَدْ كَانَ فِي خَيْبَرَ الْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ حِينَ سَاقَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الشَّطْرِ كُلِّهَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ
وَغَائِبٍ إنْ وُصِفَ، وَوَصَلَهُ قَبْلَ طِيبِهِ
وَاشْتِرَاطِ جُزْءِ الزَّكَاةِ
[منح الجليل]
تَجُوزُ حَوَائِطُ مُخْتَلِفَةٌ أَوْ مُتَّفِقَةٌ فِي صَفْقَةٍ بِشَرْطِ جُزْءٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا فِي صَفَقَاتٍ فَلَا شَرْطَ فِيهَا.
(وَ) يَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَ حَائِطَ (غَائِبٍ) بَعِيدٍ عَنْ بَلَدِ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ (إنْ وُصِفَ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْحَائِطُ وَمَا فِيهِ مِنْ الشَّجَرِ (وَ) إنْ (وَصَلَهُ) أَيْ الْحَائِطُ الْغَائِبُ الْعَامِلَ إنْ سَافَرَ إلَيْهِ عَقِبَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ (قَبْلَ طِيبِ) ثَمَرِ (هـ) فَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ طِيبِهِ فَلَا تَصِحُّ مُسَاقَاتُهُ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ حَائِطٍ بِبَلَدٍ بَعِيدٍ إذَا وُصِفَ كَالْبَيْعِ، يُرِيدُ إذَا كَانَ يَصِلُ إلَيْهِ قَبْلَ طِيبِهِ، الْمُرَادُ بِوَصْفِهِ ذِكْرُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ، فَيَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ إنْ كَانَ أَوَانُهُ لَا شَيْءَ فِيهِ مِنْهُمَا، وَهَلْ هُوَ بَعْلٌ أَوْ يُسْقَى بِعَيْنٍ أَوْ غَرْبٍ، وَوَصَفَ أَرْضَهُ مِنْ صَلَابَةٍ أَوْ ضِدِّهَا وَمَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّجَرِ وَعَدَدِهَا وَالْقَدْرِ الَّذِي اُعْتِيدَ إثْمَارُهُ، أَشَارَ لَهُ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْفِي وَصْفُ رَبِّ الْحَائِطِ وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا قَالَهُ الْحَطّ.
قُلْت وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا وُصِفَ كَالْبَيْعِ.
الثَّانِي: الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّ رُؤْيَةَ الْعَامِلِ الْحَائِطَ السَّابِقَةَ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ الْحَائِطُ بَعْدَهَا كَافِيَةٌ كَمَا فِي الْبَيْعِ.
الثَّالِثُ: الْحَطّ هَلْ تَجُوزُ مُسَاقَاةُ الْغَائِبِ بِلَا وَصْفٍ وَبِلَا رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ، بِشَرْطِ خِيَارِ الْعَامِلِ بِالرُّؤْيَةِ كَالْبَيْعِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَشْبِيهِهَا فِيهَا بِالْبَيْعِ.
الرَّابِعُ: فَإِنْ عَقَدَا فِي زَمَنٍ يَصِلُ الْعَامِلُ الْحَائِطَ فِيهِ قَبْلَ طِيبِهِ فَتَوَانَى الْعَامِلُ فَلَمْ يُصَلِّ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ طِيبِهِ فَلَا تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ.
الْخَامِسُ: نَفَقَةُ الْعَامِلِ فِي حَالِ سَفَرِهِ لِلْحَائِطِ فِي مَالِهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَ) يَجُوزُ (اشْتِرَاطُ جُزْءِ الزَّكَاةِ) عَلَى أَحَدِهِمَا، فِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ تُشْتَرَطَ الزَّكَاةُ فِي
عَلَى أَحَدِهِمَا
وَسِنِينَ مَا لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا بِلَا حَدٍّ
[منح الجليل]
حَظِّ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ سَاقَى عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا فَشَأْنُ الزَّكَاةِ أَنْ يَبْدَأَ بِهَا ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ.
اللَّخْمِيُّ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُسَاقَاةَ مُزَكَّاةٌ عَلَى مِلْكِ رَبِّ الْحَائِطِ بِحَسَبِ ضَمِّهَا لِمَا لَهُ مِنْ غَيْرِهَا وَيُزَكَّى جَمِيعُهَا وَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَرَبُّهَا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا الزَّكَاةَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْحَائِطِ نِصَابٌ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ يُونُسَ بِلَا عَزْوٍ وَلَا تَشْهِيرٍ.
ابْنُ رُشْدٍ الْوَاجِبُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ جُمْلَةِ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ الْمُسَاقَى إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا أَوْ كَانَ لِرَبِّ الْحَائِطِ مَا إنْ ضَمَّهُ إلَيْهِ بَلَغَتْهُ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ أَفَادَهُ " ق " الْحَطّ إنَّمَا يُزَكَّى عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ إذَا كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا وَفِي الْحَائِطِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلُّ وَلَهُ ثَمَرٌ آخَرُ إذَا ضُمَّ إلَيْهِ بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُ حُرًّا مُسْلِمًا أَمْ لَا، حَصَلَ لَهُ نِصَابٌ أَمْ لَا، ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْحَائِطِ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي حِصَّتِهِ، وَلَا فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ، وَلَوْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا حَصَلَ لَهُ نِصَابٌ وَلَوْ حَصَلَ لِلْعَامِلِ مِنْ حَائِطٍ لَهُ غَيْرِ حَائِطِ الْمُسَاقَاةِ بَعْضُ نِصَابٍ فَلَا يَضُمُّهُ إلَى مَا حَصَلَ لَهُ فِي الْحَائِطِ، سَوَاءٌ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ أَمْ لَمْ تَجِبْ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، قَائِلًا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَفِي التَّوْضِيحِ لَوْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ الزَّكَاةَ عَلَى الْعَامِلِ وَنَقَصَ ثَمَرُ الْحَائِطِ عَنْ النِّصَابِ، فَقِيلَ يَقْتَسِمَانِ الثَّمَرَةَ نِصْفَيْنِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لِرَبِّ الْحَائِطِ سِتَّةُ أَعْشَارِهَا وَلِلْعَامِلِ أَرْبَعَةُ أَعْشَارِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ يَقْتَسِمَانِ الثَّمَرَةَ أَتْسَاعًا لِرَبِّ الْحَائِطِ خَمْسَةٌ وَلِلْعَامِلِ أَرْبَعَةٌ.
وَقِيلَ يَقْتَسِمَانِهَا مِنْ عِشْرِينَ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا وَلِلْعَامِلِ تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ، وَهَذَا حَيْثُ دَخَلَا عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ النِّصْفَ وَإِلَّا فَلَهُ بِحِسَابِ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ.
(وَ) تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ لِشَجَرٍ (سِنِينَ) فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (مَا لَمْ تَكْثُرْ) السُّنُونَ الْمُسَاقَى فِيهَا (جِدًّا) بِحَيْثُ تَتَغَيَّرُ الْأُصُولُ (بِلَا حَدٍّ) بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فِي كُلِّ صُورَةٍ فِي الْمُعَيَّنِ مِنْ سِتَّةٍ لِأَرْبَعٍ، فَإِنْ كَثُرَتْ جِدًّا فُسِخَ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " يَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَهُ سِنِينَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
مَا لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا، قِيلَ فَعَشَرَةٌ قَالَ لَا أَدْرِي تَحْدِيدَ عَشْرِ سِنِينَ وَلَا ثَلَاثِينَ وَلَا خَمْسِينَ.
فِي التَّوْضِيحِ هَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدَهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ السَّنَةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَوَائِطِ إذْ الْجَدِيدُ لَيْسَ كَالْقَدِيمِ، فَلَوْ حُدِّدَ لَفُهِمَ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ فِي كُلِّ حَائِطٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمُعِينِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا مِنْ سَنَةٍ إلَى أَرْبَعٍ وَذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ أَيْضًا ابْنُ الْحَاجِبِ تَجُوزُ سَنَتَيْنِ وَالْأَخِيرَةُ بِالْجَذَاذِ.
الْمُوَضِّحُ فِي الْبَيَانِ لَا خِلَافَ فِي هَذَا، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْجَذَاذُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا.
وَفِي الْمُعِينِ الصَّوَابُ فِيهَا أَنْ تُؤَرَّخَ بِالشُّهُورِ الْعَجَمِيَّةِ الَّتِي فِيهَا الْجَذَاذُ، فَإِنْ أُرِّخَتْ بِالْعَرَبِيَّةِ فَانْقَضَتْ قَبْلَ الْجَذَاذِ فَعَلَى الْعَامِلِ التَّمَادِي إلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا فِي السِّنِينَ الْكَثِيرَةِ لِأَنَّ السِّنِينَ الْعَرَبِيَّةَ تَنْتَقِلُ.
الْحَطّ فَإِنْ قَصَدَ تَحْدِيدَهَا بِالْعَرَبِيِّ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ عَلَى الْجَذَاذِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فَسَدَتْ، وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ سَأَلْته عَنْ الَّذِي سَاقَى ثَلَاثَ سِنِينَ أَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جَذَاذٍ إلَى جَذَاذٍ قَالَ بَلَى.
ابْنُ رُشْدٍ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَعْلَمُهُ أَنَّ السِّنِينَ فِي الْمُسَاقَاةِ إنَّمَا هِيَ بِالْأَهِلَّةِ لَا بِالْجَذَاذِ فَإِنْ سَاقَاهُ السِّنِينَ وَاشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ الْخُرُوجَ قَبْلَ الْجَذَاذِ أَوْ بَعْدَهُ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ.
اللَّخْمِيُّ الْمُسَاقَاةُ إلَى السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ أُرِيدَ انْقِضَاءُ السَّقْيِ بِانْقِضَاءِ الثَّمَرَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي السَّنَتَيْنِ جَازَتْ، وَإِنْ قَصَدَ التَّمَادِي بِالْعَمَلِ إلَى انْقِضَاءِ شُهُورِ السَّنَةِ، وَإِنْ جُذَّتْ الثَّمَرَةُ قَبْلَهَا فَلَا تَجُوزُ، وَلِلْعَامِلِ فِي السِّنِينَ الْأُولَى مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ، وَفِي الْأَخِيرَةِ حِينَ جَذِّ الثَّمَرَةِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ أَجْرُ مِثْلِهِ.
الْحَطّ فَتَحْصُلُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا تَحْدِيدُهَا بِالْجَذَاذِ؛ سَوَاءٌ عَقَدَاهَا لِعَامٍ وَاحِدٍ أَوْ لِسِنِينَ فَإِنْ أَطْلَقَاهَا حُمِلَتْ عَلَى الْجَذَاذِ، وَإِنْ أَرَادَ التَّحْدِيدَ بِانْقِضَاءِ السَّنَةِ أَوْ السِّنِينَ الْعَرَبِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْجَذَاذِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ فَسَدَتْ.
طفى فَالْمُعْتَبَرُ الْجَذَاذُ لَا الزَّمَانُ، فَلَا حَاجَةَ لِلتَّوْرِيخِ بِالْعَجَمِيِّ وَلَا بِالْعَرَبِيِّ، فَمَعْنَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْجَذَاذُ، فَإِذَا أَرَّخَ فَيَكُونُ بِالْعَجَمِيِّ الَّذِي يَكُونُ الْجَذَاذُ عِنْدَهُ لَا مُطْلَقُهُ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْجَذَاذِ وَكَذَلِكَ بِالْعَرَبِيِّ الَّذِي يَكُونُ الْجَذَاذُ عِنْدَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِلِانْضِبَاطِ بِالْجَذَاذِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْعَجَمِيُّ
وَعَامِلٍ دَابَّةً أَوْ غُلَامًا فِي الْكَبِيرِ
وَقَسْمُ الزَّيْتُونِ حَبًّا كَعَصْرِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا
[منح الجليل]
مِنْ الْعَرَبِيِّ إذَا كَثُرَ السُّنُونَ، فَإِذَا أَرَّخَ بِالْعَجَمِيِّ الَّذِي يَكُونُ الْجَذَاذُ عِنْدَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِكَثْرَةِ السِّنِينَ، بِخِلَافِ التَّوْرِيخِ بِالْعَرَبِيِّ الَّذِي يَكُونُ الْجَذَاذُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ عِنْدَ كَثْرَةِ السِّنِينَ لِلِانْتِقَالِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْجَذَاذُ قَوْلُهَا لَا تَجُوزُ شَهْرًا وَلَا سَنَةً مَحْدُودَةً، وَقَوْلُ الْمُعِينِ الصَّوَابُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَنْ تُؤَرِّخَ بِالشُّهُورِ الْعَجَمِيَّةِ الَّتِي فِيهَا الْجَذَاذُ، فَقَيَّدَ الْعَجَمِيَّةَ بِاَلَّتِي فِيهَا الْجَذَاذُ وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي فِيهَا الْجَذَاذُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) يَجُوزُ اشْتِرَاطُ (عَامِلٍ) عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ (دَابَّةً أَوْ غُلَامًا) أَيْ رَقِيقًا لِرَبِّ الْحَائِطِ يَعْمَلُ مَعَهُ (فِي) الْحَائِطِ (الْكَبِيرِ) وَأَوْ لِمَنْعِ الْخُلُوِّ، فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُهُمَا مَعًا.
وَمَفْهُومُ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ أَحَدِهِمَا فِي الْحَائِطِ الصَّغِيرِ وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ قَدْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ فَيَصِيرُ الْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ.
الْحَطّ وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ مَجْمُوعِهِمَا، بَلْ يُقَالُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ دَابَّةً أَوْ غُلَامًا وَأَنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الدَّابَّتَيْنِ وَالْغُلَامَيْنِ إذَا كَانَ الْحَائِطُ كَبِيرًا.
ابْنُ يُونُسَ إذَا اشْتَرَطَ الدَّابَّةَ أَوْ الْغُلَامَ فَخَلَفَ مَا مَاتَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، إذْ عَلَيْهِمْ عَمَلُ الْعَامِلِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانُوا فِيهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ شَرَطَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَانَ عَلَى رَبِّهِ خَلَفُهُ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا بِأَنْ قَالَ هَذَا الْعَبْدُ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ.
وَفِي التَّوْضِيحِ إذَا شَرَطَ غُلَامًا أَوْ دَابَّةً فَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ، وَقِيلَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَلَفَ، وَالْحُكْمُ يُوجِبُهُ.
فِي الْبَيَانِ هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْوَاضِحَةِ، وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مُحْتَمِلٌ لِلْوَجْهَيْنِ.
وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ وَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ إنْ عَيَّنَ الْغُلَامَ أَوْ الدَّابَّةَ بِإِشَارَةٍ أَوْ تَسْمِيَةٍ فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ يُوجِبُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ اهـ.
(وَ) يَجُوزُ اشْتِرَاطُ (قَسْمُ الزَّيْتُونِ حَبًّا) وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَ) شَرْطِ (عَصْرِهِ) أَيْ الزَّيْتُونِ (عَلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ رَبِّ الْحَائِطِ أَوْ الْعَامِلِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى
وَإِصْلَاحِ جِدَارٍ، وَكَنْسِ عَيْنٍ، وَسَدُّ حَظِيرَةٍ، وَإِصْلَاحِ ضَفِيرَةٍ
[منح الجليل]
أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِمَا وَالْعُرْفُ كَالشَّرْطِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْجَذَاذُ وَالْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ عَلَى الْعَامِلِ وَإِنْ شَرَطَا قَسْمَ الزَّيْتُونِ حَبًّا جَازَ، وَلَوْ شَرَطَ عَصْرَهُ عَلَى الْعَامِلِ جَازَ لِيَسَارَتِهِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ فَعَصْرُهُ بَيْنَهُمَا.
اللَّخْمِيُّ عَصْرُ الزَّيْتُونِ عَلَى مَنْ شَرْطَاهُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
" ق " الْحَطّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ قَسْمِ الزَّيْتُونِ حَبًّا وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ عَصْرِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ لَزِمَهُمَا أَنْ يَعْصِرَاهُ وَلَا يَقْتَسِمَاهُ إلَّا بَعْدَ عَصْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، لَكِنَّهُ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ مُنْتَهَى الْمُسَاقَاةِ فِي الزَّيْتُونِ جَنْيُهُ.
فِيهَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الزَّيْتُونِ إنْ شَرَطَا قَسْمَهُ حَبًّا جَازَ، وَإِنْ اشْتَرَطَا عَصْرَهُ عَلَى الْعَامِلِ جَازَ.
أَبُو الْحَسَنِ زَادَ ابْنُ يُونُسَ لِيَسَارَتِهِ.
أَبُو إِسْحَاقَ إنْ شَرَطَ عَصْرَهُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ جَازَ.
ابْنُ يُونُسَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ فَعَصْرُهُ بَيْنَهُمَا، وَحَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٍ.
سَحْنُونٌ مُنْتَهَى مُسَاقَاتِهِ جَنَاهُ.
اهـ. الْحَطّ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ كَلَامَ سَحْنُونٍ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) يَجُوزُ اشْتِرَاطُ (إصْلَاحِ جِدَارٍ وَكَنْسِ عَيْنٍ وَشَدٍّ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ رَبْطٌ وَإِهْمَالُهَا أَيْ تَرْقِيعُ (حَظِيرَةٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ أَعْوَادٌ تُجْعَلُ عَلَى أَعْلَى الْحَائِطِ لِمَنْعِ تَخَطِّيهِ فَفَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ (وَإِصْلَاحُ ضَفِيرَةٍ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ أَعْوَادٌ مَضْفُورَةٌ مُلْبِسَةٌ بِطِينٍ مُحِيطَةٌ بِالْمَاءِ الْمَجْمُوعِ لِسَقْيِ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ لِمَنْعِهِ مِنْ السَّيَلَانِ كَالْحَوْضِ عَلَى الْعَامِلِ لِيَسَارَتِهَا فِيهَا تَنْقِيَةُ مَنَافِعِ الْمَاءِ وَخَمِّ الْعَيْنِ وَهُوَ كَنْسُهَا وَقَطْعُ الْجَرِيدِ وَإِبَارُ النَّخْلِ وَسَدُّ الْحِظَارِ، وَالْيَسِيرُ مِنْ إصْلَاحِ الضَّفِيرَةِ وَنَحْوِهَا.
مِمَّا تَقِلُّ مُؤْنَتُهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ.
ابْنُ حَبِيبٍ سَدُّ الْحِظَارِ هُوَ تَحْصِينُ الْجُدُرِ وَتَزْرِيبُهَا، وَالضَّفِيرَةُ هِيَ مَحْبِسُ الْمَاءِ وَمُجْتَمَعُهُ كَالصِّهْرِيجِ، فَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَى الْعَامِلِ فَهِيَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إلَّا الْجَذَاذُ وَالتَّذْكِيرُ
أَوْ مَا قَلَّ
[منح الجليل]
وَسَرْوِ الشَّرَبِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْعَامِلِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ عِيَاضٌ الشَّرَبَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ: الْحُفْرَةُ حَوْلَ النَّخْلِ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَاءُ لِسَقْيِهَا وَتَشْرَبُ عُرُوقُ النَّخْلَةِ مِنْهَا وَسَرْوُهَا بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ كَنْسُهَا وَتَنْقِيَتُهَا مِمَّا يَقَعُ فِيهَا وَتَوْسِعَتُهَا لِيَكْثُرَ فِيهَا الْمَاءُ.
وَخَمٌّ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ كَنْسُ الْعَيْنِ مِمَّا لَعَلَّهُ يَسْقُطُ فِيهَا أَوْ يَنْهَارُ مِنْ التُّرَابِ.
وَسَدُّ الْحِظَارِ بِالسِّينِ وَالشِّينِ، وَقِيلَ مَا حُظِرَ بِزَرْبٍ فَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَمَا كَانَ بِجِدَارٍ فَبِالْمُهْمَلَةِ.
وَالضَّفِيرَةُ عِيدَانٌ تُنْسَجُ وَتُضَفَّرُ وَتُطَيَّنُ فَيَجْتَمِعُ الْمَاءُ فِيهَا كَالصِّهْرِيجِ.
وَقِيلَ هِيَ مِثْلُ الْمُسَاقَاةِ الطَّوِيلَةِ فِي الْأَرْضِ تُجْعَلُ يَجْرِي الْمَاءُ فِيهَا بِخَشَبٍ وَحِجَارَةٍ يُضَفَّرُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ تَمْنَعُ مِنْ انْتِشَارِ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْحَائِطِ، وَفِيهَا لِمَنْ أَخَذَ نَخْلًا مُسَاقَاةً فَغَارَ مَاؤُهَا بَعْدَ سَقْيِهِ أَنْ يُنْفِقَ فِيهَا بِقَدْرِ حَظِّ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ ثَمَرَةِ تِلْكَ السَّنَةِ لَا أَكْثَرَ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى حَظِّ رَبِّ الْحَائِطِ لَا يَلْزَمُهُ وَمِثْلُهُ فِي رُهُونِهَا خِلَافُ سَمَاعِ سَحْنُونٍ لُزُومُ الرَّاهِنِ إصْلَاحُهَا، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْحَائِطِ غَيْرُهُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهَا لِئَلَّا يَذْهَبَ عَمَلُ الْعَامِلِ هَدَرًا.
(أَوْ) اشْتِرَاطُ (مَا) أَيْ عَمَلٌ (قَلَّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامُ مُثَقَّلَةٌ عَلَى الْعَامِلِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ لِيَسَارَتِهِ وَعَدَمِ بَقَائِهِ بَعْدَ مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ غَالِبًا.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْكَثِيرِ عَلَى الْعَامِلِ كَحَفْرِ بِئْرٍ وَفَتْقِ عَيْنٍ وَبِنَاءِ حَائِطٍ وَإِنْشَاءُ ضَفِيرَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ.
الْحَطّ لَوْ قَدَّمَهُ عَلَى قَوْلِهِ وَإِصْلَاحُ جِدَارٍ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ كَافًا فَقَالَ كَإِصْلَاحِ جِدَارٍ لَكَانَ أَحْسَنَ لِأَنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ عِلَّةَ جَوَازِ اشْتِرَاطِهَا عَلَى الْعَامِلِ يَسَارَتُهَا، قَالَ فِيهَا وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ مَا تَقِلُّ مُؤْنَتُهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّمَرَةِ لَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إنْ كَانَ يَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِهَا أَوْ يَبْقَى بَعْدَهَا مِنْهُ الشَّيْءُ فَهُوَ جَائِزٌ مِثْلُ التَّذْكِيرِ وَالتَّلْقِيحِ وَالسَّقْيِ وَإِصْلَاحِ مَوَاضِعِهِ وَجَلْبِ الْمَاءِ وَالْجَذَاذِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ، فَهَذَا وَشِبْهُهُ لَازِمٌ لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ أَخْذُ الْعِوَضِ، وَإِنْ كَانَ يَبْقَى بَعْدَ انْقِطَاعِهَا
وَتَقَايُلُهُمَا هَدَرًا
وَمُسَاقَاةُ الْعَامِلِ آخَرَ وَلَوْ أَقَلَّ أَمَانَةً،
[منح الجليل]
أَوْ يَنْتَفِعُ بِهِ رَبُّهَا مِثْلَ حَفْرِ بِئْرٍ بِهَا أَوْ بِنَاءِ بَيْتٍ يَجْنِي فِيهِ كَالْجَرِينِ أَوْ إنْشَاءِ غَرْسٍ فَهَذَا لَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ يَنْفَرِدُ بِهَا رَبُّ الْحَائِطِ فَهِيَ كَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّمَرَةِ.
(وَ) يَجُوزُ (تَقَايُلُهُمَا) أَيْ رَبُّ الْحَائِطِ وَالْعَامِلِ مِنْ الْمُسَاقَاةِ تَقَايُلًا (هَدَرًا) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ بِلَا شَيْءٍ يَأْخُذُهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَنْ سَاقَى رَجُلًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا التَّرْكُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُسَاقَاةُ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ إلَّا أَنْ يَتَتَارَكَا بِغَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْ الْآخَرِ فَيَجُوزُ، وَلَيْسَ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ إذْ لِلْعَامِلِ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ، فَرَبُّهُ إذًا تَارِكُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَمَنْ سَاقَيْتُهُ حَائِطَكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيلَكَ عَلَى شَيْءٍ تُعْطِيهِ إيَّاهُ كَانَ قَدْ شَرَعَ فِي الْعَمَلِ أَمْ لَا لِأَنَّهُ غَرَّرَ إنْ كَانَ أَثْمَرَ النَّخْلُ، فَإِنَّهُ بَيْعٌ لِلثَّمَرِ قَبْلَ زَهْوِهِ، وَإِنْ لَمْ يُثْمِرْ فَهُوَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ إذْ لِلْعَامِلِ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ مُتَارَكَةِ رَبِّ الْحَائِطِ بِجَوَازِ مُسَاقَاةِ الْغَيْرِ، فَجَعَلَ الْمُتَارَكَةَ مُسَاقَاةً انْعَقَدَتْ بِغَيْرِ لَفْظِهَا لِأَنَّهَا إقَالَةٌ وَهِيَ مَعْرُوفٌ، فَإِنْ تَقَايَلَا عَلَى شَيْءٍ يُعْطِيهِ إيَّاهَا وَلَمْ يَعْثُرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى فَاتَ بِالْعَمَلِ رُدَّ فِيمَا عَمِلَ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى جُزْءٍ مُسَمًّى فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْعَمَلِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ خَوْفَ أَنْ تَكُونَ الْمُسَاقَاةُ أَظْهَرَتْ أَوَّلًا وَآخِرًا ذَرِيعَةً لِإِجَارَةٍ فِي مُدَّةِ عَمَلٍ بِجُزْءِ الثَّمَرَةِ، فَيُرَدُّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ تَقَايَلَا عَلَى الْجُزْءِ لِأَمْرٍ بَدَا لَهُمَا دُونَ دُلْسَةٍ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهَا مُسَاقَاةٌ صَحِيحَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَقِبَلَهُ الْمُوَضِّحُ.
(وَ) تَجُوزُ (مُسَاقَاةُ الْعَامِلِ) عَامِلًا (آخَرَ) إنْ كَانَ مِثْلَ الْأَوَّلِ فِي الْأَمَانَةِ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (أَقَلَّ أَمَانَةً) مِنْهُ.
فِيهَا لِمَنْ سُوقِي فِي أُصُولٍ أَوْ زَرْعِ مُسَاقَاةَ غَيْرِهِ فِي مِثْلِ أَمَانَتِهِ، فَإِنْ سَاقَى غَيْرَ أَمِينٍ ضَمِنَ.
اللَّخْمِيُّ يَجُوزُ دَفْعُهُ لِأَمِينٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ فِي
وَحُمِلَ عَلَى ضِدِّهَا، وَضَمِنَ.
فَإِنْ عَجَزَ وَلَمْ يَجِدْ: أَسْلَمَهُ هَدَرًا
وَلَمْ تَنْفَسِخْ بِفَلَسِ رَبِّهِ، وَبِيعَ: مُسَاقًى
[منح الجليل]
الْأَمَانَةِ، وَحَمَلَ عَلَى ضِدِّهَا وَضَمِنَ الْحَطّ تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ عَامِلًا آخَرَ عَلَى مِثْلِ الْجُزْءِ بَعْدَ الْعَمَلِ وَقَبْلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهَا لَازِمَةٌ، وَعَلَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ فَلَا تَجُوزُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ إلَّا بِرِضَا رَبِّهِ، وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي سَاقَى عَلَيْهِ رَبُّ الْحَائِطِ كَأَنْ سَاقَاهُ بِالنِّصْفِ وَقَدْ سُوقِيَ بِالرُّبْعِ فَإِنَّ الْعَامِلَ الثَّانِيَ يَأْخُذُ مَا سَاقَى عَلَيْهِ رَبَّ الْحَائِطِ، وَيُتْبِعُ الْأَوَّلَ بِتَمَامِ مَا سَاقَاهُ بِهِ، وَإِنْ سَاقَاهُ بِأَقَلَّ مِمَّا سَاقَاهُ بِهِ رَبُّ الْحَائِطِ بِأَنْ سَاقَاهُ بِالرُّبْعِ وَقَدْ سَاقَاهُ رَبُّ الْحَائِطِ بِالنِّصْفِ فَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الْعَمَلِ كَانَ لَهُ الْفَضْلُ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ فَكَذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَازِمَةٌ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
(وَحُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْعَامِلُ الثَّانِي عِنْدَ جَهْلِ حَالِهِ (عَلَى ضِدِّهَا) أَيْ الْأَمَانَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَمِينٌ (وَضَمِنَ) الْعَامِلُ الْأَوَّلُ مُوجِبَ فِعْلِ الثَّانِي غَيْرَ الْأَمِينِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ فِي شَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ (فَإِنْ عَجَزَ) الْعَامِلُ عَمَّا يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ فِي الْحَائِطِ أَوْ الزَّرْعِ (وَلَمْ يَجِدْ) أَمِينًا يُسَاقِيهِ (أَسْلَمَهُ) أَيْ الْعَامِلُ الْحَائِطَ أَوْ الزَّرْعَ لِرَبِّهِ (هَدَرًا) أَيْ بِلَا شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْ رَبِّهِ لِأَنَّهَا كَالْجُعْلِ فِي تَوَقُّفِ اسْتِحْقَاقِ عِوَضِهَا عَلَى تَمَامِ الْعَمَلِ.
فِيهَا إنْ عَجَزَ عَنْ السَّقْيِ قِيلَ لَهُ سَاقِ مَنْ شِئْت أَمِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَسْلَمَ الْحَائِطَ لِرَبِّهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ.
(وَلَمْ تَنْفَسِخْ) الْمُسَاقَاةُ (بِفَلَسِ رَبِّهِ) أَيْ الْحَائِطِ سَوَاءٌ فَلَسَ قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ (وَ) بِيعَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْحَائِطُ لِتَوْفِيَةِ دَيْنِ رَبِّهِ عَلَى أَنَّهُ (مُسَاقًى) فِيهَا إنْ فَلَسَ رَبُّ الْحَائِطِ فَلَا تَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةُ كَانَ قَدْ عَمِلَ أَمْ لَا، وَيُقَالُ لِلْغُرَمَاءِ بِيعُوا الْحَائِطَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ فِي مُسَاقًى كَمَا هُوَ.
قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ أَجَزْته وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ حَائِطَهُ قَبْلَ الْإِبَارِ وَاسْتَثْنَى ثَمَرَتَهُ فَلَا تُجِيزُهُ.
قَالَ هَذَا وُجِدَ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي اسْتِثْنَاءَ ثَمَرَةٍ.
الْحَطّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ بِيعَ سَوَاءٌ كَانَ سَاقَاهُ سَنَةً أَوْ سِنِينَ وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ فِي السِّنِينَ، وَصَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَمُسَاقَاةُ وَصِيٍّ وَمَدِينٍ بِلَا حَجْرٍ.
وَدَفْعُهُ لِذِمِّيٍّ لَمْ يَعْصِرْ حِصَّتَهُ خَمْرًا.
لَا مُشَارَكَةُ رَبِّهِ
[منح الجليل]
وَ) تَجُوزُ (مُسَاقَاةُ وَصِيٍّ) حَائِطَ مَحْجُورِهِ لِأَنَّهَا مِنْ تَصَرُّفِهِ لَهُ (وَ) تَجُوزُ مُسَاقَاةُ (مَدِينٍ بِلَا حَجْرٍ) مِنْ غُرَمَائِهِ عَلَيْهِ حَائِطُهُ لِأَنَّهَا كَكِرَائِهِ لِأَرْضِهِ وَدَارِهِ وَلَيْسَ لِغُرَمَائِهِ فَسْخُهَا، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ، وَإِنْ نَزَلَتْ فَلَهُمْ فَسْخُهَا فِيهَا لِلْوَصِيِّ دَفْعُ حَائِطِ الْأَيْتَامِ مُسَاقَاةً، لِأَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ لَهُمْ جَائِزٌ، وَلِلْمَأْذُونِ دَفْعُ الْمُسَاقَاةِ وَأَخْذُهَا، وَلِلْمِدْيَانِ دَفْعُ الْمُسَاقَاةِ كَكِرَائِهِ أَرْضَهُ وَدَارَهُ ثُمَّ لَيْسَ لِغُرَمَائِهِ فَسْخُ ذَلِكَ وَلَوْ سَاقَى أَوْ أَكْرَى بَعْدَ قِيَامِهِمْ فَلَهُمْ فَسْخُهُ.
(وَ) يَجُوزُ (دَفْعُهُ) أَيْ الْحَائِطِ (لِذِمِّيٍّ) يَعْمَلُ فِيهِ مُسَاقَاةً إنْ (لَمْ يَعْصِرْ) الذِّمِّيُّ (حِصَّتَهُ) أَيْ الذِّمِّيِّ الَّتِي يَأْخُذُهَا فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ مِنْ الْعِنَبِ وَنَحْوِهِ (خَمْرًا) أَيْ تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ رَبُّ الْحَائِطِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ يَعْصِرُهَا خَمْرًا فَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ لِأَنَّهَا إعَانَةٌ لَهُ عَلَى عِصْيَانِهِ.
فِيهَا كَرِهَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَخْذُك مِنْ نَصْرَانِيٍّ مُسَاقَاةً أَوْ قِرَاضًا وَلَسْتُ أَرَاهُ حَرَامًا، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَدْفَعَ نَخْلَك إلَى نَصْرَانِيٍّ مُسَاقَاةً إنْ أَمِنْت أَنْ يَعْصِرَ حِصَّتَهُ خَمْرًا.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ كَيْفَ قَالَ مَالِكٌ هَذَا وَقَدْ «سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْأَمْنَ مِنْ عَصْرِ الْخَمْرِ» إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَمْنُوعُ إذَا كَانُوا يَسْقُونَهَا مُسْلِمًا وَلَا يُقَالُ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِأَنَّ فَتْحَ خَيْبَرَ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ حَمْلُهُ عَلَى عَدَمِ الْأَمْنِ حَتَّى يُعْلَمَ الْأَمْنُ
(لَا) تَجُوزُ (مُشَارَكَةُ رَبِّهِ) أَيْ الْحَائِطِ الْعَامِلَ فِي عَمَلِ الْمُسَاقَاةِ، سَمِعَ الْقَرِينَانِ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اسْقِ أَنْتَ وَأَنَا حَائِطِي وَلَك نِصْفُ ثَمَرِهِ فَلَا يَصْلُحُ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ أَنْ يُسَلِّمَ الْحَائِطَ إلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ وَقَعَ وَفَاتَ فَالْعَامِلُ أَجِيرٌ، لِأَنَّ رَبَّهُ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْهِ إنَّمَا أَعْطَاهُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ الْعَامِلِ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْحَائِطِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ نَزَلَ فَلَهُ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُرَدُّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ تَجُوزُ وَلَا يُرَدُّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ كَاشْتِرَاطِهِ غُلَامًا أَوْ دَابَّةً يَعْمَلُ مَعَهُ إذَا كَانَ الْحَائِطُ كَبِيرًا.
أَوْ إعْطَاءُ أَرْضٍ لِتُغْرَسَ، فَإِذَا بَلَغَتْ، كَانَتْ مُسَاقَاةً، أَوْ شَجَرٍ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَ سِنِينَ، وَهِيَ تَبْلُغُ أَثْنَاءَهَا.
وَفُسِخَتْ فَاسِدَةٌ بِلَا عَمَلٍ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ أَكْثَرَ: إنْ وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ،
[منح الجليل]
أَوْ) أَيْ لَا يَجُوزُ (إعْطَاءُ أَرْضٍ) شَخْصًا (لِيَغْرِسَ) الشَّخْصُ فِيهَا شَجَرَ كَذَا وَكَذَا وَيَخْدُمَهَا (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْأَشْجَارُ الْإِثْمَارَ (كَانَتْ مُسَاقَاةً) سِنِينَ سَمَّاهَا فَلَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
ابْنُ يُونُسَ فَإِنْ نَزَلَتْ فُسِخَتْ مَا لَمْ يُثْمِرْ الشَّجَرُ، فَإِنْ أَثْمَرَ وَعَمِلَ فَلَا تُفْسَخُ الْمُسَاقَاة، وَلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَنَفَقَتُهُ، وَفِي سِنِينَ الْمُسَاقَاةِ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ فَضْلٌ، وَلَهُ قِيمَةُ الْأَشْجَارِ يَوْمَ غَرْسِهَا، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ كَانَتْ مُسَاقَاةً بِأَنْ قَالَ خُذْ هَذِهِ الْأَرْضَ وَاغْرِسْهَا نَوْعًا مُعَيَّنًا فَإِنْ بَلَغَتْ قَدْرًا مَخْصُوصًا كَانَ الشَّجَرُ وَالْأَرْضُ بَيْنَنَا صَحَّتْ، وَكَانَتْ مُغَارَسَةً، فَإِنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْهَا فَسَدَتْ، فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْعَمَلِ فُسِخَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَى الْغَارِسِ نِصْفُ قِيمَةِ الْأَرْضِ يَوْمَ غَرْسِهَا بَرَاحًا وَعَلَى رَبِّ الْأَرْضِ نِصْفُ قِيمَةِ الْغَرْسِ يَوْمَ بَلَغَ وَهُمَا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا.
(أَوْ) أَيْ لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ (شَجَرٍ لَمْ تَبْلُغْ) الْإِثْمَارَ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهَا (خَمْسَ سِنِينَ وَهِيَ) أَيْ الشَّجَرُ (تَبْلُغُ) الْإِثْمَارَ (أَثْنَاءَهَا) أَيْ الْخَمْسِ سِنِينَ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مَثَلًا عَبْدُ الْحَقِّ فَإِنْ عَثَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ بُلُوغِهَا الْإِطْعَامُ فُسِخَ وَلَهُ نَفَقَتُهُ وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَإِذَا عَثَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِطْعَامِ وَالْعَمَلِ فَلَا تُفْسَخُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ وَلَهُ فِيهَا مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ، قَوْلُهُ نَفَقَتُهُ أَيْ مَا أَنْفَقَهُ فِي الشَّجَرِ
(وَفُسِخَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُسَاقَاةٌ (فَاسِدَةً) بِعَدَمِ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ (بِلَا عَمَلٍ) أَيْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا قَبْلَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ فِيهَا مُسَاقَاةَ الْمِثْلِ، أَوْ أُجْرَتُهُ لِأَنَّهُ لَا يُضَيِّعُ شَيْئًا عَلَى الْعَامِلِ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ وَقَعَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي جَوَّزَهُ الشَّارِعُ فَإِنَّهَا تُفْسَخُ مَا لَمْ تَفُتْ بِالْعَمَلِ وَيُرَدُّ الْحَائِطُ إلَى رَبِّهِ.
(أَوْ) ظَهَرَ فَسَادُهَا (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ الْعَمَلِ (أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ أَكْثَرَ) مُسَاقًى عَلَيْهِ فَتُفْسَخُ (إنْ وَجَبَتْ) فِيهَا (أُجْرَةُ الْمِثْلِ) لِلْعَامِلِ، وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي عَمَلِهِ السَّابِقِ عَلَى
وَبَعْدَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ: إنْ خَرَجَا عَنْهَا كَإِنْ ازْدَادَ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا، وَإِلَّا فَمُسَاقَاةُ الْمِثْلِ:
[منح الجليل]
فَسْخِهَا.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ تَجِبُ فِيهَا مُسَاقَاةٌ فَلَا تُفْسَخُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِئَلَّا يَضِيعَ عَمَلُ الْعَامِلِ فَيُتَمِّمَ الْعَمَلَ، وَلَهُ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْعِوَضَ إلَّا مِنْ الثَّمَرَةِ، فَلَوْ فُسِخَتْ قَبْلَ تَمَامِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِأَنَّهَا كَالْجُعْلِ لَا يَسْتَحِقُّ عِوَضَهَا إلَّا بِالْإِتْمَامِ.
ابْنُ رُشْدٍ مَا يُرَدُّ فِيهِ الْعَامِلُ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ يُفْسَخُ مَتَى عُثِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ.
عِيَاضٌ وَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ عَمَلِهِ، وَأَمَّا مَا يُرَدُّ فِيهِ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ فَيُفْسَخُ مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِنْ فَاتَ بِابْتِدَائِهِ الْعَمَلُ بِمَا لَهُ بَالٌ فَلَا تُفْسَخُ إلَى انْقِضَاءِ أَمَدِهَا، وَلَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْأَعْوَامِ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ.
(وَ) إنْ ظَهَرَ فَسَادُهَا (بَعْدَ) تَتْمِيمِ الْعَامِلِ لَ (هـ) أَيْ الْعَمَلِ فَلَهُ (أُجْرَةُ الْمِثْلِ إنْ) كَانَا (خَرَجَا) أَيْ رَبُّ الْحَائِطِ وَالْعَامِلُ فِي عَقْدِهِمَا (عَنْ) حَقِيقَتِهَا (هَا) أَيْ الْمُسَاقَاةِ إلَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أَوْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ (كَأَنْ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّمْثِيلِ صِلَتُهُ (ازْدَادَ) أَيْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ زِيَادَةً عَنْ حَظِّهِ عَنْ الثَّمَرِ، وَمَفْعُولُ ازْدَادَ (عَيْنًا أَوْ عَرْضًا) فَإِنْ كَانَ آخِذُ الْعَيْنِ أَوْ الْعَرْضِ الْعَامِلَ فَقَدْ خَرَجَ إلَى إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ إذْ آلَ أَمْرُهُمَا إلَى اسْتِئْجَارِ رَبِّ الْحَائِطِ الْعَامِلَ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ، وَبِجُزْءِ الثَّمَرَةِ الْمَجْهُولِ، وَإِنْ كَانَ آخِذُهُ رَبَّ الْحَائِطِ فَقَدْ خَرَجَا إلَى بَيْعِ جُزْءِ الثَّمَرِ قَبْلَ زَهْوِهِ بِالْعَيْنِ أَوْ الْعَرْضِ وَعَمَلِ الْعَامِلِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا فِي عَقْدِهِمَا عَنْ حَقِيقَةِ الْمُسَاقَاةِ (فَ) لَهُ (مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ) أَيْ الْجُزْءُ الَّذِي يُسَاقَى بِهِ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَائِطِ فِي الثَّمَرَةِ فَإِنْ أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، بِخِلَافِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَفِي ذِمَّتِهِ وَلَوْ أُجِيحَتْ.
عِيَاضٌ الْخِلَافُ الْجَارِي فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ كُلُّهُ جَارٍ فِي الْمُسَاقَاةِ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ فَاتَتْ بِالْعَمَلِ فَأَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا إذَا خَرَجَا فِيهَا عَنْ حُكْمِهَا إلَى حُكْمِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أَوْ إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِمَا اشْتَرَطَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ زِيَادَةٍ يَزِيدُهَا إيَّاهَا خَارِجَةٍ عَنْهَا، فَإِنَّهُ يُرَدُّ فِيهَا إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ إذَا لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهَا حَتَّى فَاتَتْ بِالْعَمَلِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ
كَمُسَاقَاتِهِ مَعَ ثَمَرٍ أَطْعَمَ، أَوْ مَعَ بَيْعٍ، أَوْ اشْتَرَطَ عَمَلَ رَبِّهِ، أَوْ دَابَّةٍ، أَوْ غُلَامٍ، وَهُوَ صَغِيرٌ، أَوْ حَمْلَهُ لِمَنْزِلِهِ، أَوْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةً أُخْرَى، أَوْ اخْتَلَفَ الْجُزْءُ بِسِنِينَ أَوْ حَوَائِطَ:
[منح الجليل]
يُسَاقِيَهُ فِي حَائِطِهِ عَلَى أَنْ يُزِيدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ سَاقَاهُ عَلَى أَنْ يُزِيدَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عُرُوضًا فَقَدْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلِ حَائِطِهِ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الْعُرُوضِ وَبِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرَتِهِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَلِأَنَّهُ إذَا سَاقَاهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَ الْعَامِلَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عُرُوضًا فَقَدْ اشْتَرَى جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الْعُرُوضِ وَبِعَمَلِهِ فِي الْحَائِطِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ أَيْضًا.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخْرُجَا عَنْ حُكْمِهَا فَإِنَّهُ يُرَدُّ فِيهَا إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ.
وَمَثَّلَ الْمُصَنِّفُ لِمَا يُرَدُّ فِيهِ لِمُسَاقَاةِ الْمِثْلِ فَقَالَ (كَمُسَاقَاتِهِ) لِحَائِطَيْنِ (مَعَ شَجَرٍ أَطْعَمَ) أَيْ بَلَغَ الْإِثْمَارَ فِي أَحَدِهِمَا، وَشَجَرٍ لَمْ يُطْعِمْ، أَيْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِثْمَارِ فِي عَامِهِ فِي الْحَائِطِ الْآخَرِ أَوْ لِحَائِطٍ وَاحِدٍ فِيهِ شَجَرٌ مُطْعِمٌ وَشَجَرُ غَيْرِهِ مُطْعِمٌ، وَلَيْسَ الثَّانِي تَبَعًا لِلْأَوَّلِ (أَوْ) مُسَاقَاةِ شَجَرًا أَوْ زَرْعًا (مَعَ بَيْعٍ) فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ (أَوْ) مُسَاقَاةٍ (اشْتَرَطَ) الْعَامِلُ فِيهَا (عَمَلَ رَبِّهِ) أَيْ الْحَائِطِ مَعَهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَائِطُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا (أَوْ) مُسَاقَاةٍ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ فِيهَا عَمَلَ (دَابَّةٍ أَوْ غُلَامٍ) لِرَبِّ الْحَائِطِ مَعَهُ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ الْحَائِطُ (صَغِيرًا أَوْ) مُسَاقَاةٍ اشْتَرَطَ فِيهَا رَبُّ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِلِ مَا يَخُصُّ رَبَّ الْحَائِطِ مِنْ الثَّمَرَةِ مِنْ الْحَائِطِ (حَمْلَهُ لِمَنْزِلِهِ) أَيْ رَبُّ الْحَائِطِ.
(أَوْ) مُسَاقَاةٍ اشْتَرَطَ رَبُّ الْحَائِطِ فِيهَا عَلَى الْعَامِلِ أَنْ (يَكْفِيَهُ) أَيْ الْعَامِلُ رَبَّ الْحَائِطِ (مُؤْنَةَ) حَائِطٍ (آخَرَ) بِأَنْ يَعْمَلَ لَهُ فِيهِ بِلَا جُزْءٍ مِنْ ثَمَرَتِهِ (أَوْ) مُسَاقَاةِ الْحَائِطِ سِنِينَ وَ (اخْتَلَفَ الْجُزْءُ) الْمَشْرُوطُ لِلْعَامِلِ (بِ) اخْتِلَافِ (سِنِينَ) كَثُلُثٍ فِي سَنَةٍ وَنِصْفٍ فِي أُخْرَى وَرُبْعٍ فِي أُخْرَى (أَوْ) مُسَاقَاةِ حَوَائِطَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَاخْتَلَفَ الْجُزْءُ بِاخْتِلَافِ (حَوَائِطَ) كَنِصْفٍ فِي حَائِطٍ وَثُلُثٍ فِي حَائِطٍ.
وَشَبَّهَ فِي مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ فَقَالَ
كَاخْتِلَافِهِمَا، وَلَمْ يُشْبِهَا.
وَإِنْ سَاقَيْته أَوْ أَكْرَيْتَهُ، فَأَلْفَيْته سَارِقًا: لَمْ تَنْفَسِخْ، وَلْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ
: كَبَيْعِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِفَلَسِهِ
[منح الجليل]
(كَاخْتِلَافِهِمَا) أَيْ رَبُّ الْحَائِطِ وَالْعَامِلُ بَعْدَ الْعَمَلِ فِي قَدْرِ الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرَةِ (وَلَمْ يُشْبِهَا) أَيْ رَبُّ الْحَائِطِ وَالْعَامِلُ بِأَنْ ادَّعَى رَبُّ الْحَائِطِ جُزْءًا أَقَلَّ مِنْ الْمُعْتَادِ جِدًّا وَالْعَامِلُ أَكْثَرَ مِنْهُ جِدًّا فَيُرَدَّانِ إلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا.
ابْنُ رُشْدٍ وَاَلَّذِي وُجِدَ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُرَدُّ فِيهِ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ، اثْنَانِ مِنْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُمَا إذَا سَاقَاهُ فِي حَائِطٍ وَفِيهِ ثَمَرٌ قَدْ أَطْعَمَ، وَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُسَاقِي عَلَى الْمُسَاقَى لَهُ يَعْمَلُ مَعَهُ فِي الْحَائِطِ، وَاثْنَانِ مِنْهَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَهُمَا الْبَيْعُ وَالْمُسَاقَاةُ فِي صَفْقَةٍ وَالْمُسَاقَاةُ سَنَتَيْنِ إحْدَاهُمَا عَلَى الثُّلُثِ وَالْأُخْرَى عَلَى النِّصْفِ، فَفِي هَذِهِ كُلِّهَا مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ.
عِيَاضٌ وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةٌ خَامِسَةٌ وَهِيَ مُسَاقَاةُ حَائِطٍ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ مُؤْنَةَ أُخْرَى، وَكَذَلِكَ تَلْزَمُ فِي حَائِطَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَجْزَاءِ وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَطَ الْعَامِلُ دَابَّةً أَوْ غُلَامًا لَيْسَ فِي الْحَائِطِ وَهُوَ صَغِيرٌ تَكْفِيهِ الدَّابَّةُ وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ حَظَّ رَبِّ الْمَالِ إلَى مَنْزِلِهِ فَفِي هَذِهِ يُرَدُّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ.
(وَإِنْ سَاقَيْته) حَائِطَك (أَوْ أَكْرَيْتَهُ) دَارَك (فَأَلْفَيْتُهُ) بِالْفَاءِ أَيْ وَجَدْته (سَارِقًا) يُخْشَى مِنْهُ سَرِقَةُ الثَّمَرَةِ وَمَا يَسْقُطُ مِنْ الشَّجَرِ أَوْ الْأَبْوَابِ وَنَحْوِهَا (لَمْ تَنْفَسِخْ) مُسَاقَاتُهُ وَلَا كِرَاؤُهُ (وَلْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ) رَبُّ الْحَائِطِ أَوْ الدَّارِ.
وَأَمَّا إنْ اكْتَرَيْتُهُ لِلْخِدْمَةِ فَوَجَدْته سَارِقًا فَلَكَ الْفَسْخُ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَفُّظِ مِنْهُ.
فِيهَا وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَأَلْفَاهُ سَارِقًا فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ، فَقِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَجِيرَ فِي الْخِدْمَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُسَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كِرَاءَ الْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ وَقَعَ فِي مَنَافِعَ مُعَيَّنَةٍ فَهُوَ كَمَنْ اشْتَرَى دَابَّةً فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً بِخِلَافِ الْمُكْتَرِي وَالْمُفْلِسِ وَالْمُسَاقِي فَإِنَّمَا وَقَعَ الْكِرَاءُ فِيهَا عَلَى الذِّمَّةِ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْفَسْخِ فَقَالَ (كَبَيْعِهِ) أَيْ الْمُفْلِسِ سِلْعَةً يَقْبِضُ مِنْهُ ثَمَنَهَا (وَلَمْ يَعْلَمْ) الْبَائِعُ لَهُ (بِفَلَسِهِ) فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ لِتَفْرِيطِهِ فِي عَدَمِ السُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ قَبْلَ بَيْعِهِ لَهُ.
وَسَاقِطُ النَّخْلِ: كَلِيفٍ: كَالثَّمَرَةِ
وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ
[منح الجليل]
فِيهَا وَمَنْ سَاقَيْته حَائِطَك أَوْ أَكْرَيْتَهُ دَارَك ثُمَّ أَلْفَيْته سَارِقًا فَلَا يُفْسَخُ سِقَاءٌ وَلَا كِرَاءٌ وَلْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ فَإِذَا هُوَ مُفْلِسٌ وَلَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِفَلَسِهِ أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ لَزِمَهُ.
ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّ حَقَّكَ فِي السِّقَاءِ وَالْكِرَاءِ وَقَعَ عَلَى مَنَافِعَ مُعَيَّنَةٍ وَالْمُكْتَرِي وَالْمُفْلِسُ، إنَّمَا وَقَعَ شِرَاؤُك عَلَى الذِّمَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْهُ أَكْرَى عَلَيْهِ وَسُوقِيَ عَلَيْهِ وَلَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ.
(وَسَاقِطُ النَّخْلِ) أَيْ مَا يَسْقُطُ مِنْهُ (كَلِيفٍ) وَجَرِيدٍ وَثَمَرَةٍ تُلْقِيهَا الرِّيحُ أَوْ غَيْرُهَا (كَالثَّمَرَةِ) فِي الْقَسْمِ بَيْنَ رَبِّ الْحَائِطِ وَالْعَامِلِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَا كَانَ مِنْ سَوَاقِطِ النَّخْلِ مِنْ بَلَحٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالْجَرِيدِ وَاللِّيفِ وَتِبْنِ الزَّرْعِ فَبَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا مِنْ الْأَجْزَاءِ
(وَ) إنْ تَنَازَعَا فِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ وَفَسَادِهَا فَ (الْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ غَلَبَ فَسَادُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى الصَّوَابِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَسَاقِيَيْنِ فَسَادًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ.
اللَّخْمِيُّ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَلَالِ، سَوَاءٌ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهَا قَبْلَ الْعَمَلِ وَفَصَّلَ فِي تَوْجِيهِ الْيَمِينِ فِي اخْتِلَافِهِمَا قَبْلَهُ لَا بَعْدَهُ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ رُشْدٍ.
الْحَطّ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِ الشَّامِلِ وَصُدِّقَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بَعْدَ الْعَمَلِ وَإِلَّا تَحَالَفَا وَفُسِخَتْ.
أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيُّ مَا فِي الشَّامِلِ هُوَ الَّذِي لِابْنِ الْقَاسِمِ، فِي الْعُتْبِيَّةِ وَابْنِ يُونُسَ وَالتَّلْقِينِ وَالتُّونُسِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا بَعْدَ الْعَمَلِ.
ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا تَعَاقَدَا فَقَالَ رَبُّ الْحَائِطِ أَنَا سَاقَيْتُك الْحَائِطَ وَحْدَهُ دُونَ دَوَابَّ وَلَا رَقِيقٍ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ بِدَوَابِّهِ وَرَقِيقِهِ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ.
التُّونُسِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ مُدَّعِي الْفَسَادَ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْعَمَلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ مَعَ يَمِينِهِ.
ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ الْعُرْفَ وَالْآخَرُ غَيْرُ مُدَّعٍ لَهُ فَوَجَبَ كَوْنُ الْقَوْلِ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ، لَكِنْ قَالَ (غ) حَمَلَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ يُونُسَ رِوَايَةَ الْعُتْبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَحَمَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ عَلَى جَوَازِ
وَإِنْ قَصَّرَ عَامِلٌ عَمَّا شُرِطَ: حُطَّ بِنِسْبَتِهِ.
[منح الجليل]
الْمُسَاقَاةِ عَلَى إخْرَاجِ مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ الدَّوَابِّ فَكِلَاهُمَا مُدَّعٍ لِلصِّحَّةِ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِيهَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَأَمَّا عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ فَتَحْصُلُ أَنَّ طَرِيقَةَ ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ مُطْلَقًا، وَطَرِيقَةُ غَيْرِهِمَا التَّفْصِيلُ، وَعَلَيْهَا مَا فِي الشَّامِلِ.
وَمَحَلُّ كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ مَا لَمْ يَغْلِبْ فَسَادُهَا، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، بِدَلِيلِ تَعْلِيلِ ابْنِ يُونُسَ تَرْجِيحَ كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِالْعُرْفِ، أَيْ فَإِنْ عُكِسَ الْعُرْفُ عُلِّلَ بِهِ تَرْجِيحُ كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَ مُدَّعِي الْفَسَادِ لِشَهَادَةِ الْعُرْفِ لَهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ.
(وَإِنْ قَصَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا (عَامِلٌ عَمَّا) أَيْ بَعْضُ الْعَمَلِ الَّذِي (شُرِطَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ شَرَطَ رَبُّ الْحَائِطِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ (حُطَّ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مُثَقَّلَةً، أَيْ أَسْقَطَ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي اشْتَرَطَ لَهُ فِي عَقْدِهَا جُزْءٌ مِنْ حَظِّهِ نِسْبَتُهُ لَهُ (بِ) مِثْلِ (نِسْبَتِهِ) أَيْ الْعَمَلِ الَّذِي تَرَكَهُ لِجَمِيعِ الْعَمَلِ الْمُشْتَرَطِ عَلَيْهِ، فَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْحَرْثَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَحَرَثَ مَرَّتَيْنِ حَطَّ مِنْ جُزْئِهِ ثُلُثَهُ.
سَحْنُونٌ مَنْ أَعْطَيْتُهُ كَرْمَةً أَوْ زَيْتُونَةً مُسَاقَاةً عَلَى أَنْ يَسْقِيَ وَيَقْطَعَ وَيَجْنِيَ، وَعَلَى أَنَّهُ يَحْرُثُهُ ثَلَاثَ حَرْثَاتٍ فَعَمِلَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْرُثْهُ إلَّا حَرْثَتَيْنِ قَالَ يُنْظَرُ عَمَلُ جَمِيعِ الْحَائِطِ الْمُشْتَرَطِ عَلَيْهِ مِنْ سِقَاءِ حَرْثٍ وَقَطْعٍ وَجَنْيٍ فَيَنْظُرُ مَا عَمِلَ مَعَ مَا تَرَكَ مَا هُوَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ مَا تَرَكَ يَكُونُ مِنْهُ الثُّلُثُ حَطَّ مِنْ النِّصْفِ ثُلُثَهُ إنْ كَانَ سَاقَاهُ عَلَى النِّصْفِ، وَإِنْ كَانَ سَاقَاهُ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ الرُّبْعِ حَطَّ مِنْهُ ثُلُثَهُ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ قَصَّرَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَصِّرْ بِأَنْ شَرَطَ عَلَيْهِ السَّقْيَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَسَقَى اثْنَيْنِ وَأَغْنَى الْمَطَرُ عَنْ الثَّالِثَةِ فَلَا يَحُطُّ مِنْ نَصِيبِهِ شَيْءٌ.
ابْنُ رُشْدٍ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ عَلَى سِقَايَةِ حَائِطِهِ زَمَنَ السَّقْيِ وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، فَجَاءَ مَاءُ السَّمَاءِ فَأَقَامَ بِهِ حِينًا فَيَحُطُّ مِنْ إجَارَتِهِ بِقَدْرِ إقَامَةِ الْمَاءِ فِيهِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ كَالْبَيْعِ، وَالْمُسَاقَاةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
1 -
قَالَ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ الْفَاسِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ بَابُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْمُغَارَسَةِ مِمَّا يَنْبَغِي لِلْمُؤَلِّفِينَ الْمُخْتَصِرِينَ التَّعَرُّضَ لَهُ، وَذِكْرَ أَحْكَامِ الْمُغَارَسَةِ وَمَسَائِلِهَا فِيهِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا، وَلَمَّا ذُكِرَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا، وَلَا أَدْرِي مَا قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ، وَلَا مَا أَرَادُوهُ هُنَا لَك، وَعَنَيْت بِمَنْ أَشَرْت إلَيْهِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ الْقُدْوَةُ الْكَامِلُ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخُ الْفَاضِلُ وَالْأُسْوَةُ الْكَامِلُ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَنَفَعَنَا بِهِمَا وَبِأَمْثَالِهِمَا وَلَا حَادَ بِنَا عَنْ طَرِيقِهِمَا وَنَهْجِهِمَا وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَعْلَى اللَّهُ تَعَالَى مَقَامَهُ وَرَفَعَ فِي الدَّارَيْنِ ذِرْوَتَهُ وَسَنَامَهُ، كَتَبَ إلَيَّ أَنْ أَكْتُبَ بَعْضَ مَسَائِلِهَا، وَمَا يَصِحُّ مِنْهَا، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فَاسِدِهَا، فَكَتَبْت إلَيْهِ فِي ذَلِكَ بَعْضَ مَا حَضَرَنِي، ثُمَّ طَلَبَ مِنِّي بَعْضُ إخْوَانِي مِنْ الطَّلَبَةِ، وَرَغَّبَ إلَيَّ بَعْضُ أَحْبَابِي مِنْ أَهْل النِّسْبَةِ، أَنْ أَجْمَعَ فِي الْبَابِ مَسَائِلَ جَمَّةً، وَأَنْ أَذْكُرَ فِيهِ أَحْكَامًا مُهِمَّةً، هَذَا مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ جَهْلِي وَقُصُورِي وَبُعْدِي عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَقْصِيرِي، لَكِنْ لَمَّا رَأَيْت مِنْ تَأْكِيدِ طُلْبَتِهِمْ، وَحَثِيثِ رَغْبَتِهِمْ أَسْعَفْتهمْ لِمَا طَلَبُوا، وَأَجَبْتهمْ لِمَا فِيهِ رَغِبُوا؛ رَجَاءً فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَاتِّقَاءً لِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَذَابِ الْجَلِيلِ، نَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهَا إلَى الْمُخَالَفَةِ مَيْلٌ وَلَا جُنُوحٌ، وَأَنْ يَصْحَبَنَا بِعَوْنِهِ، وَيَكُونَ مَعَنَا دَائِمًا بِلُطْفِهِ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إنِّي رَأَيْت أَنْ أَذْكُرَ مَا حَضَرَ لِي فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي اخْتَطَفْتهَا مِنْ غَيْرِ مَا كِتَابٍ عَلَى طَرِيقَةِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي اصْطِلَاحِهِ وَمُحَاذَاةِ عِبَارَاتِهِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِ مَا حَضَرَ كَالشَّرْحِ لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَالْبَيَانِ، لِمَا فِيهَا مِنْ مَقَاصِدَ وَأَغْرَاضَ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ لِلصَّوَابِ، وَأَنْ يَسْلُكَ بِنَا الزُّلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ، بِجَاهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى آلِهِ وَالْأَصْحَابِ.
بَابٌ) نُدِبَ الْغَرْسُ، وَجَازَتْ الْمُغَارَسَةُ
[منح الجليل]
[بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْمُغَارَسَةُ]
(نُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (الْغَرْسُ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ الشَّجَرُ يُثْمِرُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إلَّا كَانَ مَا أَكَلَ مِنْهُ صَدَقَةٌ وَمَا سُرِقَ مِنْهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ مِنْهُ السَّبُعُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتْ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ". وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ رَجُلٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ قَدْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْغَرْسِ» ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَنَى بُنْيَانًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ أَوْ غَرَسَ غَرْسًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ جَارِيًا مَا انْتَفَعَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا أَوْ أَجْرَى نَهْرًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ غَرَسَ نَخْلًا أَوْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» (وَجَازَتْ الْمُغَارَسَةُ) أَيْ الْعَقْدُ عَلَى غَرْسِ شَجَرٍ فِي أَرْضٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ مِنْ غَيْرِهِمَا إجَارَةٍ أَوْ جَعَالَةٍ أَوْ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهُمَا شَرِكَةً، فَالْعَقْدُ جِنْسٌ شَمَلَ الْمُعَرَّفَ وَسَائِرَ الْعُقُودِ، وَعَلَى غَرْسِ شَجَرٍ فَصْلٌ مُخْرِجٌ الْعَقْدَ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِعِوَصٍ مَعْلُومٍ فَصْلٌ مُخْرِجٌ التَّوْكِيلَ عَلَى غَرْسِ شَحْرٍ بِلَا عِوَضٍ وَمِنْ غَيْرِهِمَا، أَيْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ عَيْنًا كَانَ أَوْ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا أَوْ حَيَوَانًا إجَارَةً، أَيْ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ اللَّازِمَةِ بِعَقْدِهَا الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ فِي اسْتِحْقَاقِ عِوَضِهَا تَوَقُّفُهُ عَلَى الْإِتْمَامِ أَوْ جَعَالَةً، أَيْ عَلَى وَجْهِ الْجَعَالَةِ غَيْرِ اللَّازِمَةِ بِعَقْدِهَا الْمُتَوَقِّفِ اسْتِحْقَاقُ
فِي الْأُصُولِ، أَوْ مَا يَطُولُ مُكْثُهُ: كَزَعْفَرَانٍ وَقُطْنٍ: إجَارَةً وَجَعَالَةً بِعِوَضٍ
وَشَرِكَةَ جُزْءٍ مَعْلُومٍ: فِي الْأَرْضِ.
وَالشَّجَرِ،
[منح الجليل]
عِوَضِهَا عَلَى الْإِتْمَامِ أَوْ بِجُزْءٍ شَائِعٍ عُطِفَ عَلَى بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ مِنْهُمَا، أَيْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ شَرِكَةٌ، أَيْ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ.
فِي الذَّخِيرَةِ الْمُغَارَسَةُ مُفَاعَلَةٌ وَأَصْلُهَا كَوْنُهَا لِصُدُورِ الْفِعْلِ مِنْ فَاعِلَيْنِ عَلَيْهِمَا كَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ وَالْمُدَافَعَةِ، فَيَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَغْرِسُ لِصَاحِبِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيُجَابُ بِأَنَّهَا هُنَا بِاعْتِبَارِ حُصُولِ الْعَقْدِ مِنْهُمَا وَتَجُوزُ الْمُغَارَسَةُ (فِي الْأُصُولِ) أَيْ الْأَشْجَارِ (أَوْ مَا) أَيْ زُرِعَ (يَطُولُ مُكْثُهُ) فِي الْأَرْضِ (سِنِينَ) وَتُجْنَى ثَمَرَتُهُ مَعَ بَقَائِهِ فِيهَا (كَزَعْفَرَانٍ وَقُطْنٍ) فَلَا تَجُوزُ فِيمَا يُزْرَعُ كُلَّ سَنَةٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ شَرْطِهَا كَوْنُهَا فِي أَصْلٍ لَا فِي زَرْعٍ وَلَا فِي بَقْلٍ، وَفِي جَوَازِهَا فِي الزَّعْفَرَانِ الَّذِي يُقِيمُ أَعْوَامًا ثُمَّ يَنْقَطِعُ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَسَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ سَحْنُونًا وَتَجُوزُ فِي الْقُطْنِ الَّذِي يَبْقَى سِنِينَ لَا فِيمَا يُزْرَعُ كُلَّ سَنَةٍ، وَتَجُوزُ فِيمَا ذُكِرَ سَوَاءٌ كَانَ عَقْدُهَا (إجَارَةً) لَازِمَةً بِمُجَرَّدِ عَقْدِهَا غَيْرِ مُتَوَقِّفِ اسْتِحْقَاقِ عِوَضِهَا عَلَى الْإِتْمَامِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ اغْرِسْ لِي هَذِهِ الْأَرْضَ نَخْلًا أَوْ عِنَبًا أَوْ تِينًا، وَلَك كَذَا دِينَارًا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَرْضٍ، كَذَا أَوْ كَذَا عَبْدًا إنْ كَانَ الْغَرْسُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ سَوَاءٌ سَمَّى لَهُ عَدَدًا أَمْ لَا لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعُرْفِ (وَجَعَالَةً) غَيْرَ لَازِمَةٍ بِعَقْدِهَا مُتَوَقِّفًا عِوَضُهَا عَلَى الْإِتْمَامِ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، بِأَنْ يَقُولَ لَهُ اغْرِسْ هَذِهِ الْأَرْضَ نَخْلًا أَوْ عِنَبًا أَوْ تِينًا، وَلَك بِكُلِّ شَجَرَةٍ تَنْبُتُ أَوْ تُثْمِرُ كَذَا دِينَارًا وَدَرَاهِمَ أَوْ عِرْضٍ كَذَا وَتَنَازَعَ إجَارَةٌ وَجَعَالَةٌ فِي قَوْلِهِ (بِعِوَضٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ مَعْلُومٍ سَوَاءٌ كَانَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا فَلَا تَجُوزُ بِمَجْهُولٍ لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
(وَشَرِكَةَ) بَيْنَهُمَا ب (جُزْءٍ مَعْلُومٍ) نِسْبَتُهُ لِكُلِّهِ كَنِصْفِهِ وَثُلُثِهِ فَحَذَفَ لَفْظَ مَعْلُومٍ مِنْ الْعِوَضِ لِدَلَالَةِ هَذَا عَلَيْهِ فَلَا تَصِحُّ بِجُزْءٍ مَجْهُولٍ، وَصِلَةُ شَرِكَةٍ (فِي الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ) الَّذِي يُغْرَسُ بِهَا وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْبَابِ لِأَنَّ لِلْإِجَارَةِ وَالْجُعْلِ بَابَيْنِ (لَا) تَصِحُّ
لَا فِي أَحَدِهِمَا
وَدَخَلَ مَا بَيْنَ الشَّجَرِ مِنْ الْأَرْضِ، إنْ لَمْ يَسْتَثْنِهِ أَوَّلًا
[منح الجليل]
الْمُغَارَسَةُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ (فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ الْأَرْضِ أَوْ الشَّجَرِ لِخُرُوجِهَا عَنْ مَوْرِدِهَا.
فِيهَا إنْ قُلْت لَهُ اغْرِسْ هَذِهِ الْأَرْضَ شَجَرًا أَوْ نَخْلًا، فَإِذَا بَلَغَتْ كَذَا وَكَذَا فَالْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ جَازَ، وَإِنْ قَالَ فَالْأُصُولُ بَيْنَنَا فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ مَعَ مَوَاضِعِهَا مِنْ الْأَرْضِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ وَشَرَطَ تَرْكَ الْأُصُولِ فِي أَرْضِهِ حَتَّى تَبْلَى فَلَا يَجُوزُ.
اهـ. وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الشَّجِرِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ مِنْهَا إلَّا بِغَلَّتِهَا قَالَهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ صِحَّتِهَا كَوْنُ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ بَيْنَهُمَا.
(وَدَخَلَ) فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمَا بِالْمُغَارَسَةِ (مَا بَيْنَ الشَّجَرِ مِنْ الْأَرْضِ إنْ لَمْ يَسْتَثْنِهِ) أَيْ يَشْتَرِطُ رَبُّ الْأَرْضِ عَدَمَ دُخُولِهِ فِيهَا (أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ أَيْ حِينَ عَقَدَهَا.
اعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ
الْأَوَّلُ: الْمَوْضِعُ الْمَغْرُوسُ فِيهِ الشَّجَرُ وَدُخُولُهُ فِيهَا شَرْطُ صِحَّةٍ.
الثَّانِي: الْأَرْضُ الَّتِي بَيْنَ الشَّجَرِ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَلِلْعَامِلِ جُزْؤُهُ مِنْهُ مَعَ بَقَاءِ الشَّجَرِ وَبَعْدَ فِنَائِهِ إلَّا إذَا اسْتَثْنَاهَا رَبُّهَا حِينَ الْعَقْدِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ شَيْئًا مِنْهَا.
الثَّالِثُ: الْأَرْضُ الْبَعِيدَةُ عَنْ الْغَرْسِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ شَيْئًا مِنْهَا أَيْضًا.
وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنِهَا رَبُّهَا وَهَذِهِ وَالْأُولَى مَفْهُومُ مَا بَيْنَ الشَّجَرِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَأَنَّهُ قَسَّمَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ الْمُغَارَسَةَ إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمُغَارَسَةُ جُعْلٌ وَإِجَارَةٌ وَشَرِكَةٌ فِي الْأُصُولِ، سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَاضَى رَجُلًا عَلَى غَرْسِ نَخْلٍ أَرْضِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ فِي كُلِّ نَخْلَةٍ تَنْبُتُ جُعْلًا مُسَمًّى، وَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إنْ شَرَطَا النَّخْلَ قَدْرًا يُعْرَفُ أَرْبَعَ سَعَفَاتٍ أَوْ خَمْسًا.
ابْنُ رُشْدٍ الْمُغَارَسَةُ عَلَى الْجُعْلِ جَائِزَةٌ وَكَذَا عَلَى الْإِجَارَةِ وَعَلَى جُزْءٍ مِنْ الْأَصْلِ، وَفِيهَا إنْ قُلْت لَهُ اغْرِسْ لِي أَرْضِي هَذِهِ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا بِطَائِفَةٍ أُخْرَى مِنْ أَرْضِك جَازَ كَكِرَاءِ الْأَرْضِ بِالْخَشَبِ، وَإِنْ قُلْت لَهُ اغْرِسْهَا شَجَرًا أَوْ نَخْلًا، فَإِذَا بَلَغَتْ كَذَا وَكَذَا سَعَفَةً وَالشَّجَرُ قَدْرَ
إنْ اتَّفَقَا عَلَى قَدْرٍ مَعْلُومٍ تَبْلُغُهُ الشَّجَرُ، وَلَا ثَمَرَ دُونَهُ:
[منح الجليل]
كَذَا فَالْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ قَالَ فَالْأَصْلُ بَيْنَنَا فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ مَعَ مَوَاضِعِهَا مِنْ الْأَرْضِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَاشْتَرَطَ بَقَاءَ تِلْكَ الْأُصُولِ فِي أَرْضِهِ حَتَّى تَبْلَى فَلَا يَجُوزُ.
ابْنُ رُشْدٍ لِلْمُغَارَسَةِ سُنَّةٌ تَخُصُّهَا فَلَيْسَتْ مَحْضَ إجَارَةٍ وَلَا جُعْلٍ بَلْ تُشْبِهُ الْإِجَارَةَ بِلُزُومِ عَقْدِهَا، وَالْجُعْلَ بِوَقْفِ عِوَضِهَا عَلَى ثُبُوتِ الْغَرْسِ.
وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ لَوْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى غَرْسِ أَرْضِي هَذِهِ كَذَا وَكَذَا نَخْلَةً إنْ نَبَتَ فَهِيَ بَيْنَنَا جَازَ، وَهُوَ جُعْلٌ لَا إجَارَةٌ لَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ، وَلَوْ مَاتَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جُعْلًا مَا جَازَ إذْ لَعَلَّهُ أَنْ يَعْمَلَ فَيُبْطِلَ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُخْرِجَ فَيَذْهَبَ عَمَلُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ فِي حَائِطِهِ هَذَا، كَذَا وَكَذَا نَخْلَةً بِنِصْفِ أَرْضِهِ هَذِهِ لَجَازَ، وَكَانَتْ إجَارَةً وَلَا تَرَكَ لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ غَرْسِهِ، فَإِنْ غَرَسَهَا وَغَيَّبَهَا فِي أَرْضِهِ ثَبَتَ أَجْرُهُ وَلَوْ عَطِبَتْ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إنْ ثَبَتَتْ فَهِيَ بَيْنَنَا يُرِيدُ وَمَا نَبَتَ مِنْهَا فَهُوَ أَيْضًا بَيْنَنَا لِأَنَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى طَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ إلَّا بِثُبُوتِ كُلِّ النَّخْلِ، لَلَزِمَ إنْ ثَبَتَ بَعْضُهَا فَقَطْ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْعَامِلِ فِيهِ شَيْءٌ، وَهَذَا بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى لَفْظِ الْإِجَارَةِ فِي قَوْلِهِ اسْتَأْجَرْتُك لِمَا شُرِطَ فِيهَا لِعَمَلٍ عَلَى حُكْمِ الْجُعْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِيهَا لَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ، وَلَوْ مَاتَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ الْفِعْلُ لَا الْقَوْلُ.
وَقَوْلُهُ: إنَّ الْمُغَارَسَةَ فِي الْأَرْضِ عَلَى جُزْءٍ مِنْهَا لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْجُعْلِ، بِأَنْ لَا يَلْزَمَ التَّمَادِي، وَلَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ، بِخِلَافِ الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهَا فِي الْأَرْضِ عَلَى جُزْءٍ جَائِزَةٌ عَلَى لُزُومِ عَقْدِهَا لَهُمَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْمِلُهُ الْقِيَاسُ قِيَاسًا عَلَى الْمُسَاقَاةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ اعْتِرَاضٌ لِأَنَّ شَرْطَ الْمُجَاعَلَةِ كَوْنُ الْجُعْلِ فِيهَا مَعْلُومًا وَالْجُعْلُ فِي هَذِهِ الْمُغَارَسَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ الْجُزْءُ الَّذِي شَرَطَهُ لَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَعْدَ غَرْسِهَا وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ الْغَرْسُ.
وَتَصِحُّ الْمُغَارَسَةُ (إنْ اتَّفَقَا) أَيْ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْغَارِسُ (عَلَى قَدْرٍ مَعْلُومٍ تَبْلُغُهُ الشَّجَرُ وَلَا تُثْمِرُ) الشَّجَرُ (دُونَهُ) أَيْ قَبْلَ بُلُوغِهَا الْقَدْرَ الْمَعْلُومَ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
كَتَحْدِيدِهَا بِالْإِثْمَارِ، أَوْ أَجَلٍ لَا بَعْدَهُ
[منح الجليل]
ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَادَ كَالْقَامَةِ أَوْ نِصْفِهَا، زَادَ غَيْرُهُ أَوْ سِتَّةُ أَشْبَارٍ وَنَحْوُهَا بِشِبْرٍ مُتَوَسِّطٍ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَحْدِيدِهَا بِقَدْرٍ لَا تَبْلُغُهُ الشَّجَرُ إلَّا بَعْدَ إثْمَارِهَا فَسَدَتْ.
ابْنُ رُشْدٍ وَشَرْطُ صِحَّتِهَا تَوْفِيَتُهَا بِشَبَابٍ مَعْلُومٍ قَبْلَ الْإِطْعَامِ.
الْمُتَيْطِيُّ إنْ جَعَلَاهَا إلَى قَدْرٍ سَمَّيَاهُ وَيُثْمِرُ الشَّجَرُ قَبْلَهُ فَلَا يَجُوزُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي سَمَاعِ حُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَا حَدُّ الشَّبَابِ الَّذِي وَصَفَ مَالِكٌ، قَالَ حَدُّ الشَّجَرِ فِي ارْتِفَاعِهَا قَدْرًا مَعْلُومًا كَقَامَةٍ أَوْ نِصْفِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فِي سَعَفَاتٍ يُلْقِيهَا الشَّجَرُ مَعْرُوفَةٌ وَالسَّعَفَةُ بِالتَّحْرِيكِ غُصْنُ النَّخْلِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَتَحْدِيدِهَا) أَيْ الْمُغَارَسَةِ (بِالْإِثْمَارِ) ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ جَوَازَ حَدِّهَا بِالْإِثْمَارِ.
ابْنُ رُشْدٍ أَجَازَهُ فِي هَذَا السَّمَاعِ وَفِي رَسْمِ الْجَوَابِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا مَنْعُهُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى تُثْمِرُ.
الْمُصَنِّفُ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ خِلَافًا حَقِيقِيًّا، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُعْلَمُ وَقْتُ إطْعَامِهِ بِالْعَادَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا يُعْلَمُ وَقْتُ إطْعَامِهِ.
(أَوْ) تَحْدِيدُهَا بِ (أَجَلٍ) مِنْ الْأَشْهُرِ وَالسِّنِينَ يَتِمُّ (دُونَهُ) أَيْ قَبْلَ الْإِثْمَارِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَإِنْ حَدَّهَا بِأَجَلٍ دُونَ الْإِطْعَامِ، فَفِي صِحَّتِهَا وَمَنْعِهَا أَوَّلَ سَمَاعِ حُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ ابْنَ الْقَاسِمِ وَمَا فِي أَثْنَائِهِ مَعَ رِوَايَةِ الْوَاضِحَةِ (لَا) يَجُوزُ تَحْدِيدُهَا بِأَجَلٍ تَبْلُغُهُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْإِطْعَامِ.
الْكَافِي الْمُغَارَسَةُ إلَى الْإِطْعَامِ هِيَ الْجَائِزَةُ الصَّحِيحَةُ.
ابْنُ سَلْمُونٍ الْمُغَارَسَةُ إلَى الْإِثْمَارِ جَائِزَةٌ، وَتَجُوزُ إلَى شَبَابٍ مَعْلُومٍ مَا لَمْ يَكُنْ يُثْمِرُ قَبْلَهُ.
الْمُتَيْطِيُّ إنْ جُعِلَتْ إلَى الْإِثْمَارِ كَانَ حَسَنًا لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ، وَمِثْلُهُ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لِابْنِ هِشَامٍ.
وَفِي الْمُهَذَّبِ الرَّائِقِ فِي تَدْرِيبِ الْقُضَاةِ وَأَهْلِ الْوَثَائِقِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَجَلُ إلَى مَا فَوْقَ الْإِطْعَامِ فَلَا تَجُوزُ الْمُفِيدُ، فَإِنْ حَدَّا شَبَابًا يَكُونُ بَعْدَ الْإِطْعَامِ أَوْ مُدَّةً تَكُونُ فَوْقَهُ فَلَا تَجُوزُ وَتُفْسَخُ، وَمِثْلُهُ فِي الْمُهَذَّبِ وَالْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَعْطَى رَجُلًا أَرْضَهُ لِيَغْرِسَهَا عَلَى أَنَّهَا إنْ بَلَغَتْ كَذَا قَدْرًا سَمَّيَاهُ فَالْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَهُمَا فَأَطْعَمَتْ قَبْلَهُ، قَالَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَعَامَلَ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَلَا تَصِحُّ الْمُعَامَلَةُ فِي هَذَا لَا عَلَى مَا دُونَ الْإِطْعَامِ أَوْ إلَى الْإِطْعَامِ.
وَحُمِلَا عَلَيْهِ عِنْدَ السُّكُوتِ، وَصَحَّتْ:
كَاشْتِرَاطِهِ عَلَى الْعَامِلِ مَا خَفَّتْ مُؤْنَتُهُ كَزَرْبٍ لَا مَا عَظُمَ مِنْ بُنْيَانٍ.
وَهَلْ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ؟
[منح الجليل]
(وَحُمِلَا) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ الْعَاقِدَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْإِثْمَارِ (عِنْدَ السُّكُوتِ) عَنْ التَّحْدِيدِ عِنْدَ الْعَقْدِ (وَصَحَّتْ) الْمُغَارَسَةُ الَّتِي سَكَتَا عَنْ تَحْدِيدِهَا حِينَ عَقْدِهَا فِي الْمُهَذَّبِ عَنْ الْمُنْتَخَبِ.
ابْنُ حَبِيبٍ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لِلشَّجَرِ حَدٌّ لَجَازَ وَجُعِلَ الْإِثْمَارُ وَالشَّبَابُ التَّامُّ الَّذِي يُعْرَفُ لِأَنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي عَرَفَهُ النَّاسُ فِي الْمُغَارَسَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ سَكَتَا عَنْ التَّحْدِيدِ فَفِي جَوَازِهَا وَمَنْعِهَا سَمَاعُ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَجَعَلَهُ لِلْإِثْمَارِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ رُشْدٍ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِينَ فِي الْبَابِ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَلِذَا اقْتَصَرْت عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ، وَهَذَا إذَا جَرَى الْعُرْفُ بِتَحْدِيدِهَا بِالْإِثْمَارِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعُرْفُ جَارِيًا عَلَى الْوَجْهِ الْفَاسِدِ كَمَا فِي بَعْضِ مَنْ عَقَدَهَا عَلَى عَمَلِ الْعَامِلِ مَا عَاشَ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِصِحَّتِهَا لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّحْدِيدَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا لِعَقْدِ الْمُغَارَسَةِ صِيغَةً مُعَيَّنَةً.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَاشْتِرَاطِهِ) أَيْ رَبِّ الْأَرْضِ (عَلَى الْعَامِلِ مَا) أَيْ عَمَلًا (خَفَّتْ مُؤْنَتُهُ كَزَرْبٍ لَا) يَجُوزُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ (مَا عَظُمَ) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ (مِنْ بُنْيَانٍ) لِحَائِطٍ مَثَلًا (وَحَفْرِ بِئْرٍ وَإِزَالَةِ شَعْرَاءَ) كَحَمْرَاءَ، أَيْ أَشْجَارٍ نَابِتَةٍ بِنَفْسِهَا لَا ثَمَرَ لَهَا.
فِي الْمُتَيْطِيَّةِ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُشْعِرَةً كُلَّهَا فَلَا تَجُوزُ الْمُغَارَسَةُ لِأَنَّ تَنْقِيَتَهَا مِنْ الشَّعْرَاءِ لَهَا قَدْرٌ وَبَالٌ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الْمُجَاعَلَةِ وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ بِنَاءَ جِدَارٍ حَوْلَ الْأَرْضِ مِمَّا تَكْثُرُ النَّفَقَةُ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ، وَهُوَ غَرَرٌ لِأَنَّ الْغَرْسَ رُبَّمَا لَمْ يَنْبُتْ أَوْ يَهْلَكْ قَبْلَ بُلُوغِ الْحَدِّ الْمُشْتَرَطِ فَتَرْجِعُ الْأَرْضُ إلَى رَبِّهَا، وَقَدْ انْتَفَعَ بِتَنْقِيَتِهَا وَالْبُنْيَانِ حَوْلَهَا وَيَذْهَبُ عَمَلُ الْغَارِسِ بَاطِلًا، فَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهَا لُمَعٌ يَسِيرَةٌ مِنْ الشَّعْرِ تُخَفْ إزَالَتُهَا فَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَيْهِ اهـ. ابْنُ سَلْمُونٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مَا تَعْظُمُ نَفَقَتُهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ التَّزْرِيبَ الْخَفِيفَ أَوْ مَا قَلَّ مِنْ الْبِنَاءِ.
(وَهَلْ تَلْزَمُ) الْمُسَاقَاةُ عَاقِدَيْهَا (ب) مُجَرَّدِ (الْعَقْدِ أَوْ) لَا تَلْزَمُهُمَا (إلَّا إنْ شَرَعَ)
أَوْ إلَّا أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَمَلِ؟ خِلَافٌ
وَعَمِلَ الْعَامِلُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ عُرْفًا، أَوْ تَسْمِيَةً.
وَضُمِنَ إنْ فَرَّطَ فَإِنْ عَجَزَ أَوْ غَابَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَعَمِلَ رَبُّهُ أَوْ غَيْرُهُ: فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ إنْ شَاءَ وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ أَوَّلًا
[منح الجليل]
الْعَامِلُ (فِي الْعَمَلِ) فِي الْجَوَابِ (خِلَافٌ) أَيْ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، قَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِمَشْهُورِيَّةِ لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ وَأَقَرَّهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي فَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ وَالْمُوثَقِينَ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَيْسَتْ الْمُغَارَسَةُ بِإِجَارَةٍ مُنْفَرِدَةٍ وَلَا جُعْلٍ مُنْفَرِدٍ، وَإِنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ عَلَى حِيَالِهَا وَأَصْلٌ فِي نَفْسِهَا أَخَذَتْ شَبَهًا مِنْ الْبَابَيْنِ أَشْبَهَتْ الْإِجَارَةَ مِنْ جِهَةِ لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ وَالْجُعْلَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْغَارِسَ لَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْغَرْسِ وَبُلُوغِهِ الْحَدَّ الْمُشْتَرَطَ، فَإِنْ بَطَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُعِيدَهُ مَرَّةً أُخْرَى.
(وَعَمِلَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (الْعَامِلُ) وُجُوبًا (مَا) أَيْ الْعَمَلُ الَّذِي (دَخَلَ) لِعَامِلٍ فِي عَقْدِ الْمُغَارَسَةِ (عَلَى) عَمَلِ (هـ حِينَ عَقَدَهَا عُرْفًا) أَيْ بِسَبَبِ عَادَتِهِمْ فِيهَا (أَوْ تَسْمِيَةٍ) مِنْ الْعَاقِدَيْنِ (وَضَمِنَ) الْعَامِلُ مَا تَلِفَ مِنْ الشَّجَرِ (إنْ فَرَّطَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْعَامِلُ فِي تَعَاهُدِهِ.
فِي الْمُتَيْطِيَّةِ يَتَعَاهَدُ الْعَامِلُ الْأَشْجَارَ بِالْحَفْرِ وَالسَّقْيِ وَالتَّنْقِيَةِ إلَى أَنْ تَبْلُغَ الْإِثْمَارَ أَوْ الْحَدَّ الْمُشْتَرَطَ، فَإِنْ فَرَّطَ فِيهَا حَتَّى أَصَابَهَا مَا أَهْلَكَهَا بِسَبَبِ تَفْرِيطِهِ فَيَضْمَنُ لِرَبِّ الْأَرْضِ نَصِيبَهُ مِنْهَا، نَقَلَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ عَنْ الْوَغْلِيسِيِّ.
(فَإِنْ عَجَزَ) الْعَامِلُ عَنْ عَمَلِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِمَانِعٍ طَرَأَ لَهُ (أَوْ غَابَ) أَيْ سَافَرَ الْعَامِلُ مِنْ الْبَلَدِ (بَعْدَ الْعَقْدِ) لِلْمُغَارَسَةِ وَقَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَلِ (أَوْ عَمِلَ) الْعَامِلُ (الْبَعْضَ) مِمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ (وَعَمِلَ رَبُّهُ) أَيْ الشَّجَرِ (أَوْ غَيْرُهُ) الْبَاقِيَ مِمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ (فَهُوَ) أَيْ الْعَامِلُ (عَلَى حَقِّهِ) فِي الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ (إنْ شَاءَ) الْعَامِلُ الْبَقَاءَ عَلَى مُغَارَسَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْعَامِلِ (الْأُجْرَةُ) لِمَا عَمِلَهُ رَبُّهُ أَوْ غَيْرُهُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ) أَيْ الْعَامِلُ عَمَلَ الْمُغَارَسَةِ وَيَفْسَخَهُ عَنْ نَفْسِهِ (أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ، أَيْ قَبْلَ
وَوَجَبَ بَيَانُ مَا يُغْرَسُ: كَعَدَدِهِ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ عِنْدَ أَهْلِهِ،
[منح الجليل]
عَمَلِ غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ، يَعْنِي أَنَّ الْعَامِلَ إنْ عَجَزَ عَنْ الْعَمَلِ بِمَانِعٍ حَدَثَ لَهُ أَوْ تَرَكَهُ لِغَيْبَتِهِ بَعْدَ عَقْدِهَا وَقَبْلَ عَمَلِهِ شَيْئًا أَوْ بَعْدَ غَرْسِهِ بَعْضًا فَأَقَامَ رَبُّ الْأَرْضِ مِنْ غَرْسِهَا بِأُجْرَةٍ أَوْ غَرَسَهَا رَبُّهَا بِنَفْسِهِ أَوْ أَقَامَ مَنْ تَوَلَّى مَا غَرَسَهُ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ بِالسَّقْيِ وَالتَّنْقِيَةِ وَنَحْوِهِمَا، حَتَّى تَمَّ الْغَرْسُ، ثُمَّ قَامَ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ أَوْ قَدِمَ وَأَرَادَ الدُّخُولَ فِي حَقِّهِ فَلَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا عَمِلَهُ غَيْرُهُ، هَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، ثُمَّ عَارَضَهُ بِمَالِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ فِي حَفْرِ الْبِئْرِ وَنَحْوِهَا، وَخَرَجَ الْخِلَافُ هُنَا مِنْ تِلْكَ فَإِنْ تَرَكَ حَقَّهُ وَأَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَخْذَهُ بِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ.
ابْنُ رُشْدٍ لَوْ لَمْ يَطْلُبْ الْأَوَّلُ حَقَّهُ وَقَالَ لَا حَاجَةَ لِي بِهِ وَطَلَبَ الَّذِي عَمِلَ عَنْهُ أُجْرَةَ عَمَلِهِ مِنْهُ لِتَخْرُجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي لُزُومِ الْمُغَارَسَةِ بِالْعَقْدِ كَالْمُسَاقَاةِ، وَعَدَمِ لُزُومِهَا بِهِ كَالْجُعْلِ وَلَوْ عَجَزَ قَبْلَ أَنْ تَفُوتَ الْمُغَارَسَةُ فِي الْأَرْضِ فَغَارَسَ رَبُّهَا فِيهَا غَيْرَهُ كَانَ الْأَوَّلُ أَحَقَّ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ عَمَلِ الثَّانِي، وَإِنْ تَرَكَ حَقَّهُ أَوَّلًا وَسَلَّمَ فِيهِ قَبْلَ عَمَلِ غَيْرِهِ ثُمَّ عَمِلَ غَيْرُهُ ثُمَّ أَرَادَ الْأَوَّلُ الرُّجُوعَ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
(وَوَجَبَ) شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْمُغَارَسَةِ (بَيَانُ) نَوْعِ (مَا) أَيْ الشَّجَرِ الَّذِي (يُغْرَسُ) بِالْأَرْضِ لِاخْتِلَافِ الْأَشْجَارِ فِي مُدَّةِ الْإِثْمَارِ وَخِدْمَتِهَا بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.
وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْبَيَانِ فَقَالَ (كَعَدَدِهِ) أَيْ مَا يُغْرَسُ فَيَجِبُ بَيَانُهُ (إلَّا أَنْ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ حَرْفٌ صِلَتُهُ (يُعْرَفُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، أَيْ يَكُونُ قَدْرَ مَا يُغْرَسُ فِيهَا مَعْرُوفًا (عِنْدَ أَهْلِهِ) أَيْ الْغَرْسَ بَعْضُ الْمُوثَقِينَ تُكْتَبُ فِي عَقْدِ الْمُغَارَسَةِ دَفَعَ فُلَانٌ إلَى فُلَانٍ أَرْضَهُ لِيَغْرِسَهَا كَذَا وَكَذَا شَجَرَةً مِنْ جِنْسِ كَذَا وَكَذَا مِنْ زَيْتُونٍ أَوْ رُمَّانٍ حُلْوٍ أَوْ حَامِضٍ أَوْ مُرٍّ.
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ عَدَدِ مَا يُغْرَسُ فَحَسَنٌ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُرْهَا جَازَ لِأَنَّ مَا يَبْقَى شَجَرُهُ وَأُخْرَى مَعْرُوفٌ.
بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إنَّمَا تَجُوزُ مُغَارَسَةُ الْأَنْوَاعِ إذَا كَانَ إطْعَامُهَا مُتَّفِقًا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ أَوْ مَثَلًا حَقًّا، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِالتَّبْكِيرِ وَالتَّأْخِيرِ فَلَا تَجُوزُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
الْبُرْزُلِيُّ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافُ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمُنِعَ جَمْعُهَا مَعَ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ: كَجُعْلٍ، وَصَرْفٍ وَمُسَاقَاةٍ، وَشَرِكَةٍ، وَنِكَاحٍ.
وَقِرَاضٍ، وَقَرْضٍ وَاقْتَسَمَاهَا إنْ بَلَغَ الْحَدَّ الْمُشْتَرَطَ، أَوْ تَوَلَّيَا الْعَمَلَ، وَإِنْ هَلَكَتْ الْأَشْجَارُ بَعْدَهُ، فَالْأَرْضُ بَيْنَهُمَا وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِيمَا قَلَّ، إنْ بَطَلَ الْجُلُّ، إلَّا أَنْ يَتَمَيَّزَ بِنَاحِيَةٍ،
[منح الجليل]
وَمُنِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (جَمْعُهَا) أَيْ الْمُغَارَسَةُ (مَعَ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ) فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَ) جَمْعِهَا مَعَ (جُعْلٍ وَصَرْفٍ وَمُسَاقَاةٍ وَشَرِكَةٍ وَنِكَاحٍ وَقِرَاضٍ وَقَرْضٍ) ثُمَّ قَالَ (وَاقْتَسَمَاهَا) أَيْ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْغَارِسُ بِهَا الْأَشْجَارَ (إنْ بَلَغَ) الشَّجَرُ (الْحَدَّ الْمُشْتَرَطَ) حَالَ عَقْدِ الْمُغَارَسَةِ كَالْإِثْمَارِ أَوْ الْقَامَةِ أَوْ نَحْوِهَا أَوْ الْأَشْبَارِ (أَوْ) أَبْقَيَاهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا عَلَى مَا دَخَلَا عَلَيْهِ وَ (تَوَلَّيَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ فِي الْأَشْجَارِ (الْعَمَلَ) فِيهَا بِأَنْفُسِهِمَا أَوْ بِأُجَرَائِهِمَا.
فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَيَتَعَاهَدُ الْعَامِلُ الْأَشْجَارَ بِالْحَفْرِ وَالسَّقْيِ وَالتَّنْقِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ الْإِطْعَامَ أَوْ تَبْلُغَ كُلُّ شَجَرَةٍ مِنْهَا قَامَةً أَوْ نَحْوَهَا، أَرَادَ عَلَى حَسَبِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَتَكُونُ الْأَرْضُ حِينَئِذٍ وَالشَّجَرُ بَيْنَهُمَا فَيَقْتَسِمَانِهِمْ ا، إنْ أَحَبَّا أَوْ يُنَقِّيَانِهِمَا مُشْتَرَكَيْنِ بَيْنَهُمَا عَلَى الشُّيُوعِ إنْ شَاءَا وَيَكُونُ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ حَظِّ كُلٍّ مِنْهُمَا
(وَإِنْ هَلَكَتْ الْأَشْجَارُ بَعْدَهُ) أَيْ الْحَدِّ الْمُشْتَرَطِ بِآفَةٍ أَوْ عَاهَةٍ أَوْ جَائِحَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ احْتِرَاقٍ (فَالْأَرْضُ) مُشْتَرَكَةٌ (بَيْنُهُمَا) أَيْ رَبُّهَا وَالْعَامِلُ عَلَى حَسَبِ مَا عَقَدَا عَلَيْهِ مِنْ مُنَاصَفَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
ابْنُ سَلْمُونٍ إذَا بَلَغَ الْغَرْسُ الْحَدَّ الْمُشْتَرَطَ وَجَبَ لِلْعَامِلِ حَظُّهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَسِمَاهُ وَاحْتَرَقَ الْغَرْسُ أَوْ طَرَأَتْ عَلَيْهِ آفَةٌ فَالْأَرْضُ بَيْنَهُمَا وَنَحْوُهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ.
وَمَفْهُومُ بَعْدَهُ أَنَّهَا إنْ هَلَكَتْ قَبْلَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ كَالْجَعَالَةِ (وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِيمَا) أَيْ الشَّجَرِ الَّذِي (قَلَّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلًا (إنْ بَطَلَ الْجُلُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ هَلَكَ أَكْثَرُ الشَّجَرِ وَلَمْ يَنْبُتْ فِي حَالٍ (إلَّا أَنْ يَتَمَيَّزَ) الْأَقَلُّ السَّالِمُ (بِنَاحِيَةٍ) مِنْ الْأَرْضِ
أَوْ كَانَ لَهُ قَدْرٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَلَيْسَ لَهُ قَبْلَهُ جُعْلٌ، كَبَقْلٍ، إلَّا بِإِذْنٍ
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجُزْءِ: حُمِلَا عَلَى الْعُرْفِ، وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ،
[منح الجليل]
(أَوْ كَانَ) الْأَقَلُّ (لَهُ) أَيْ الْأَقَلِّ (قَدْرٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، فَلِلْعَامِلِ نَصِيبُهُ مِنْهُ يَعْنِي أَنَّ الْأَشْجَارَ إذَا خَابَتْ لَمْ يَنْبُتْ مِنْهَا إلَّا الْقَلِيلُ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِيهِ إذَا كَانَ الْأَقَلُّ مُتَفَرِّقًا وَكَانَ لَا قَدْرَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا بِنَاحِيَةٍ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ كَانَ لَهُ قَدْرٌ وَبَالٌ فَلَهُ حَظُّهُ مِنْهُ.
(بِخِلَافِ الْعَكْسِ) أَيْ بُطْلَانُ الْأَقَلِّ وَسَلَامَةُ الْجُلِّ فَلِلْعَامِلِ نَصِيبُهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ ابْنُ سَلْمُونٍ إنْ أَثْمَرَ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَثْمَرَ أَكْثَرُهَا كَانَ غَيْرُهُ تَبَعًا لَهُ وَاقْتَسَمَا الْجَمِيعَ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ فَإِنْ كَانَ إلَى نَاحِيَةٍ بِعَيْنِهَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا وَسَقَطَ الْعَمَلُ بِهَا وَيَعْمَلُ الْبَاقِي حَتَّى يُثْمِرَ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا لَزِمَهُ الْعَمَلُ فِي الْجَمِيعِ حَتَّى يُثْمِرَ مُعْظَمُهُ وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، وَنَحْوُهُ لِلْمُتَيْطِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْعَامِلِ (قَبْلَهُ) أَيْ الْحَدِّ الْمُشْتَرَطِ مِنْ الْإِثْمَارِ أَوْ غَيْرِهِ (جَعْلٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ زَرْعٌ (كَبَقْلٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ بَيْنَ الشَّجَرِ (إلَّا بِإِذْنٍ) مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْهَا إلَّا بِالتَّمَامِ.
سُئِلَ الْوَنْشَرِيسِيُّ عَمَّنْ أَخَذَ أَرْضًا مُغَارَسَةً فَغَرَسَهَا، ثُمَّ جَعَلَ فِي عِمَارَةِ الْغَرْسِ مَقَاثِئَ وَبُقُولًا فَأَجَابَ لَيْسَ لِلْغَارِسِ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْأَرْضِ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا، فَإِنْ عَمِلَ قَبْلَ إذْنِهِ فَالْغَلَّةُ لَهُ وَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ.
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ عَنْ الْغَارِسِ يَزْرَعُ فُولًا بَيْنَ الْأَشْجَارِ قَبْلَ الْإِطْعَامِ فَيَطْلُبُ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ الْإِبَّانِ أَوْ بَعْدَهُ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ إذْ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْأَرْضِ إلَّا بَعْدَ الْإِطْعَامِ فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ الْقَلْعُ فِي الْإِبَّانِ وَالْكِرَاءُ بَعْدَهُ، وَيَمْنَعُ رَبُّ الْأَرْضِ الضَّامِنَ زِرَاعَتَهَا لِأَنَّهُ يَضُرُّ الْغَرْسُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُمْ عَادَةٌ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْعَامِلُ بَعْدَ الْعَمَلِ (فِي الْجُزْءِ) الْمَجْعُولِ لِلْعَامِلِ مِنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ (حُمِلَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْعَامِلُ (عَلَى الْعُرْفِ) بَيْنَ أَهْلِ بَلَدِهِمْ فِي مُغَارَسَتِهِمْ (وَ) إنْ اخْتَلَفَا فِي صِحَّتِهَا وَعَدَمِهَا فَ (ا) لِقَوْلِ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ
إلَّا أَنْ يَغْلِبَ الْفَسَادُ
وَفُسِخَتْ فَاسِدَةٌ بِلَا عَمَلٍ.
وَإِلَّا، فَهَلْ تَمْضِي وَيَتَرَادَّانِ الْأَرْضَ وَالْعَمَلَ إنْ جُعِلَ لِلْعَامِلِ جُزْءٌ؟ أَوْ إنْ كَانَ كَذَلِكَ قِيمَةُ غَرْسِهِ وَعَمَلِهِ فَقَطْ؟ وَإِلَّا فَفِي كَوْنِهِ كِرَاءً فَاسِدًا أَوْ إجَارَةً فَاسِدَةً كَذَلِكَ؟
[منح الجليل]
لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَغْلِبَ الْفَسَادُ) فِي عُرْفِهِمْ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِيهِ لِنَسْخِهِ الْأَصْلَ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهِ خِلَافٌ.
(وَفُسِخَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُغَارَسَةٌ (فَاسِدَةٌ) إنْ كَانَتْ (بِلَا عَمَلٍ) مِنْ الْعَامِلِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ ظُهُورِ فَسَادِهَا فَتُرَدُّ الْأَرْضُ لِرَبِّهَا وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِلَا عَمَلٍ بِأَنْ عَمِلَ الْعَامِلُ فِيهَا قَبْلَ ظُهُورِ فَسَادِهَا (فَهَلْ تَمْضِي) الْمُغَارَسَةُ بَيْنَهُمَا إلَى تَمَامِهَا بِالْحَدِّ الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ كَالصَّحِيحَةِ (وَيَتَرَادَّانِ) أَيْ رَبُّ الْأَرْضِ وَغَارِسُهَا (قِيمَةَ الْأَرْضِ وَ) قِيمَةُ (الْعَمَلِ) فَيَرْجِعُ رَبُّ الْأَرْضِ بِنِصْفِ قِيمَتِهَا عَلَى الْعَامِلِ وَالْعَامِلُ بِنِصْفِ قِيمَةِ عَمَلِهِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ الْأَرْض فَيَتَقَاصَّانِ وَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَدْفَعُهُ لِلْآخَرِ (إنْ) كَانَ (جَعَلَ) رَبُّ الْأَرْضِ (لِلْعَامِلِ جُزْءًا) مِنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ حِينَ عَقْدِهَا، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ جُزْءًا فَتُفْسَخُ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ بَعْضِ الْمُؤَلِّفِينَ فِيهَا غَيْرَ ابْنِ رُشْدٍ
(أَوْ إنْ كَانَ) عَقْدُ الْمُغَارَسَةِ (كَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ فِي كَوْنِهِ بِجُزْءٍ لِلْعَامِلِ، وَالْمَوْضُوعُ ظُهُورُ الْفَسَادِ بَعْدَ الْعَمَلِ (فَلَهُ) أَيْ الْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ (قِيمَةُ غَرْسِهِ وَعَمَلِهِ فَقَطْ) أَيْ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ (وَإِلَّا) إي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فِي كَوْنِهَا بِجُزْءٍ لِلْعَامِلِ، بِأَنْ كَانَتْ بِلَا جُزْءٍ لَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ (فَفِي كَوْنِهِ) أَيْ الْعَقْدِ (كِرَاءً) لِلْأَرْضِ (فَاسِدًا) فَالْغَلَّةُ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ، وَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى، وَيُخَيَّرُ رَبُّ الْأَرْضِ فِي إلْزَامِهِ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَإِبْقَائِهِ لِنَفْسِهِ وَدَفْعِ قِيمَتِهِ لَهُ مَقْلُوعًا.
(أَوْ) كَوْنِهِ (إجَارَةً) لِلْعَامِلِ (فَاسِدَةً) فَالْأَرْضُ وَالشَّجَرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلَا شَيْءَ مِنْهُمَا لِلْعَامِلِ حَالَ كَوْنِهَا (كَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَامِلِ إلَّا قِيمَةُ غَرْسِهِ وَعَمَلِهِ
قَوْلَانِ تَرَدُّدٌ
[منح الجليل]
(قَوْلَانِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ فِي كَوْنِهِ كِرَاءً فَاسِدًا أَوْ إجَارَةً كَذَلِكَ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ (تَرَدُّدٌ) أَيْ طَرِيقَتَانِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ فِي جَوَابِ هَلْ تَمْضِي إلَخْ، يَعْنِي أَنَّ الْمُغَارَسَةَ الْفَاسِدَةَ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ شُرُوعِ الْعَامِلِ فِي عَمَلِهَا فَإِنَّهَا تُفْسَخُ وَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْغَرْسِ وَمُعَالَجَتِهِ فَفِيهَا طَرِيقَتَانِ، الْأُولَى لِبَعْضِ الْمُؤَلِّفِينَ النَّظَرُ فِي الْمُغَارَسَةِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا جُزْءٌ لِلْعَامِلِ مِنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ وَفَسَدَتْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَكَوْنِهَا لِأَجَلٍ بَعِيدٍ يُثْمِرُ الشَّجَرُ قَبْلَهُ أَوْ يَخْدُمُهَا الْعَامِلُ مَا عَاشَ فَتَمْضِي، وَيَتَرَادَّانِ قِيمَتَيْ الْأَرْضِ وَالْعَمَلِ بَيْنَهُمَا أَيْ يَرْجِعُ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْأَرْضِ، وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ جُزْءًا مِنْهُمَا تُفْسَخُ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ وَمَفْهُومُهُ لَمْ يَذْكُرُوهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَخَذْنَاهُ مِنْ قُوَّةِ كَلَامِهِمْ.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ.
لِابْنِ رُشْدٍ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِيهِ جُزْءٌ لِلْعَامِلِ فَلَهُ قِيمَةُ غَرْسِهِ، أَيْ الْأَعْوَادُ الَّتِي غَرَسَهَا وَعَمَلُهُ أَيْ مُعَالَجَتُهُ إلَى يَوْمِ الْحُكْمِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ إذَا جَعَلَ لَهُ جُزْءًا مِنْ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ فِي الْمُغَارَسَةِ كَقَوْلِهِ اغْرِسْ هَذِهِ الْأَرْضَ وَقُمْ عَلَى غَرْسِهَا كَذَا وَكَذَا سَنَةً أَوْ حَتَّى تَبْلُغَ كَذَا وَكَذَا لِأَجَلٍ أَوْ حَتَّى يَكُونَ الْإِطْعَامُ دُونَهُ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهَا إجَارَةٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْغَارِسُ مَا أَخَذَ مِنْهَا يُرِيدُ مِنْ الثَّمَرَةِ مَكِيلَتَهَا إنْ عُرِفَتْ وَخَرْصَهَا إنْ جُهِلَتْ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ.
اهـ. وَعَلَى هَذَا فَالْغَرْسُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَلَا شَيْءَ مِنْهُ لِلْعَامِلِ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْعَامِلِ جُزْءٌ مِنْ الْأَرْضِ بِأَنْ قَالَ لَهُ اغْرِسْهَا وَالثَّمَرُ فَقَطْ بَيْنَنَا وَالثَّمَرُ وَالشَّجَرُ فَقَطْ بَيْنَنَا وَلَا شَيْءَ لَك مِنْ الْأَرْضِ أَوْ قَالَ لَهُ مَا دَامَتْ الْأَشْجَارُ قَائِمَةً فَإِنَّك تَنْتَفِعُ بِهَا فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ ذَهَبَتْ فَلَا حَقَّ لَك فِيهَا، فَقِيلَ إنَّهُ كِرَاءٌ فَاسِدٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ فَعَلَى أَنَّهُ كِرَاءٌ الْغَلَّةُ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاءُ أَرْضِهِ مِنْ يَوْمِ أَخَذَهَا.
وَقِيلَ مِنْ يَوْمِ غَرَسَهَا.
وَقِيلَ مِنْ يَوْمِ إثْمَارِهَا وَيُخَيَّرُ رَبُّ الْأَرْضِ فِي أَمْرِهِ بِقَلْعِ شَجَرِهِ وَإِعْطَائِهِ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا.
وَقِيلَ قَائِمًا لِأَنَّهُ غَرَسَهُ بِشُبْهَةٍ،
وَمَا فَاتَ مِنْ غَلَّةٍ: رَجَعَ صَاحِبُهَا بِمِثْلِهَا، إنْ عُلِمَتْ: كَالْمِثْلِيِّ فِي غَيْرِهَا
وَإِذَا غَرَسَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ بَنَى: فَلِلْآخَرِ الدُّخُولُ مَعَهُ، وَيُعْطِيهِ قِيمَةَ ذَلِكَ قَائِمًا.
[منح الجليل]
وَعَلَى أَنَّهَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ فَالْعِلَّةُ كُلُّهَا لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَيَرْجِعُ بِمَكِيلَةِ مَا أَخَذَهُ مِنْهَا إنْ عُلِمَتْ وَخَرْصِهَا إنْ جُهِلَتْ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي غَرْسِهِ وَسَقْيِهِ وَعِلَاجِهِ، وَفِيهَا أَقْوَالٌ أُخَرُ.
(وَمَا فَاتَ مِنْ غَلَّةٍ) بَيَانُ مَا عِنْدَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ الْعَامِلِ (رَجَعَ صَاحِبُهَا) أَيْ الْغَلَّةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهَا وَهُوَ رَبُّ الْأَرْضِ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وَالْعَامِلُ فِي الْكِرَاءِ الْفَاسِدِ عَلَى مَنْ فَاتَتْ بِيَدِهِ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وَرَبُّ الْأَرْضِ فِي الْكِرَاءِ الْفَاسِدِ، وَصِلَةٍ رَجَعَ (بِمِثْلِ) كَيْلِ (هَا) أَوْ وَزْنِهَا (إنْ عُلِمَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْغَلَّةُ قَدْرًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ (وَ) رَجَعَ صَاحِبُهَا (بِقِيمَتِهَا) أَيْ الْغَلَّةِ (إنْ جُهِلَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْغَلَّةُ قَدْرًا مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ (كَ) الرُّجُوعِ بِ (الْمِثْلِيِّ) الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ أَوْ الْمَعْدُودِ الْمَجْهُولِ الْفَائِتِ بِيَدِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ الْمُغَارَسَةِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ جُهِلَتْ يَرْجِعُ بِخَرْصِهَا، أَيْ قَدْرِهَا بِالتَّقْدِيرِ وَالِاجْتِهَادِ وَالْحَزْرِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِتَأْدِيَةِ الرُّجُوعِ بِالْخَرْصِ إلَى رِبَا الْفَضْلِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مَنْ اسْتَهْلَكَ فُولًا مَجْهُولَ الْقَدْرِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لَا مِثْلُهُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ غَاصِبُ الطَّعَامِ يَغْرَمُ مِثْلَهُ صِفَةً وَقَدْرًا، فَإِنْ كَانَ جُزَافًا جُهِلَ كَيْلُهُ غَرِمَ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصْبِهِ.
(وَإِذَا غَرَسَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ بَنَى) فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمَا فِي غَيْبَةِ شَرِيكِهِ أَوْ حُضُورِهِ غَيْرَ عَالِمٍ (فَلِ) لِشَرِيكِ (الْآخَرِ) الَّذِي لَمْ يَغْرِسْ وَلَمْ يَبْنِ (الدُّخُولُ مَعَهُ) أَيْ الْبَانِي أَوْ الْغَارِسِ فِيمَا غَرِمَهُ أَوْ بَنَاهُ (وَيُعْطِيهِ) أَيْ الْآخَرُ الدَّاخِلُ الْبَانِي أَوْ الْغَارِسُ (قِيمَةَ ذَلِكَ) الْغَرْسِ أَوْ الْبِنَاءِ حَالَ كَوْنِهِ (قَائِمًا) لِوَضْعِهِ بِشُبْهَةِ الشَّرِكَةِ أَيْ حِصَّتُهُ مِنْهَا.
سَحْنُونٌ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي أَرْضٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ احْتَفَرَ أَحَدُهُمَا بِئْرًا أَوْ غَرَسَ غَرْسًا، فِيهَا فَأَرَادَ الْآخَرُ الدُّخُولَ مَعَهُ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ فِي الْبِئْرِ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْأَرْضِ.
ابْنُ رُشْدٍ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنْ أَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
يَدْخُلَ مَعَ شَرِيكِهِ فِيمَا بَنَى أَوْ حَفَرَ أَوْ غَرَسَ فَعَلَيْهِ فِي الْبِئْرِ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ يَكُونُ حَظُّهُ مِنْ النَّفَقَةِ الَّتِي أَنْفَقَهَا أَوْ مِنْ قِيمَةِ الْعَمَلِ قَائِمًا أَوْ مَنْقُوضًا، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْغَرْسُ أَوْ الْبِنَاءُ أَوْ الْحَفْرُ مَعَ غَيْبَةِ الشَّرِيكِ الثَّانِي أَوْ مَعَ حُضُورِهِ وَسُكُوتِهِ عَالِمًا أَوْ مَعَ إذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا غَيْرَ عَالِمٍ فَيَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلَانِ، أَنْ يَكُونَ لَهُ قَدْرُ حَظِّ شَرِيكِهِ مِنْ قِيمَةِ عَمَلِهِ قَائِمًا لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْأَرْضِ شُبْهَةٌ إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ حَظِّهِ مِنْ النَّفَقَةِ الَّتِي أَنْفَقَهَا فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي أَنَّ الشَّرِكَةَ لَيْسَتْ شُبْهَةً فَلَيْسَ لَهُ سِوَى قِيمَةِ حَظِّهِ مَنْقُوضًا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرْسِ وَنَحْوُهُ مَعَ حُضُورِهِ وَسُكُوتِهِ.
فَإِنْ قُلْنَا السُّكُوتُ إذْنٌ فَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ كِرَاءُ حِصَّتِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلَ قِيَامِهِ أَمْ لَا، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا سَكَتَ رَاضِيًا بِتَرْكِ حَقّه، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ السُّكُوتُ إذْنًا فَلَهُ كِرَاءُ الْمَاضِي قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ الْغَرْسُ وَنَحْوُهُ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا تَقَدَّمَ فِي السُّكُوتِ عَلَى أَنَّهُ إذْنٌ وَإِنْ أَرَادَ مُقَاسَمَتَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُقْسَمُ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ بُنْيَانُهُ وَغَرْسُهُ فِيمَا صَارَ لَهُ مِنْ الْأَرْضِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ انْتِفَاعِهِ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ فِي نَصِيبِ غَيْرِهِ خُيِّرَ الَّذِي صَارَ فِي حَظِّهِ بَيْنَ إعْطَائِهِ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا وَبَيْنَ إسْلَامِهِ إلَيْهِ وَنَقْضِهِ، هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الْقِسْمَةِ أَوْ اخْتَلَفَا فِيهَا أَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَلَا إشْكَالَ فِيهَا وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يُعْطِيَ الْقَائِمُ لِشَرِيكِهِ قَدْرَ حَظِّهِ م، ن الْأَرْضِ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ أَوْ يَتْرُكَانِ اهـ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَالْأَصْحَابِ.
تَمَّ الرُّبْعُ الثَّالِثُ مِنْ الْكِتَابِ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَلِكِ الْوَهَّابِ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ دَائِمًا بَعْدَ عَصْرِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِخَمْسٍ بَقِيَتْ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ سَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ مِنْ هِجْرَةِ مَنْ لَهُ غَايَةُ الشَّرَفِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَتَبَهُ مُحَمَّدُ عُلَيْشٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَرَحِمَهُ وَوَالِدَيْهِ وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ آمِينَ.
بَابُ) صِحَّةِ الْإِجَارَةِ
[منح الجليل]
[بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْإِجَارَةُ وَكِرَاء الدَّوَابّ وَغَيْرهَا]
بَابٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْإِجَارَةِ وَكِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالْحَمَّامِ وَالدَّارِ وَالْأَرْضِ وَمَا يُنَاسِبُهَا
(صِحَّةُ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْحَاءِ، أَيْ مُوَافَقَةُ (الْإِجَارَةِ) الشَّرْعَ بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَحُكِيَ ضَمُّهُ مِنْ الْأَجْرِ، أَيْ الْجَزَاءِ، وَفِي فِعْلِهَا الْمَدُّ وَالْقَصْرُ، وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الْمَدَّ.
عِيَاضٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَنَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَادَّةِ الثَّوَابَ عَلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ مَنْفَعَةٌ خَصَّتْ الْإِجَارَةَ فِي إصْلَاحِ الشَّرْعِ بِالْعَقْدِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ عَلَى قَاعِدَةِ الْعُرْفِ مِنْ تَخْصِيصِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ جِنْسٍ بِاسْمٍ لِيَحْصُلَ التَّعَارُفُ عِنْدَ التَّخَاطُبِ، وَقَدْ عُلِمَ وَضْعُ الْفِعَالَةِ بِالْكَسْرِ لِلصَّانِعِ نَحْوِ الصِّبَاغَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالْفَعَالَةُ بِالْفَتْحِ لِأَخْلَاقِ النُّفُوسِ، كَالسَّمَاحَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْفُعَالَةُ بِالضَّمِّ لِمَا يُطْرَحُ مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ نَحْوُ الْكُنَاسَةِ وَالْقُمَامَةُ وَالنُّخَالَةُ، أَفَادَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي اللُّبَابِ حَقِيقَتُهَا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةِ عَلَى مَنْفَعَةِ مَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ غَيْرَ سَفِينَةٍ وَبَهِيمَةٍ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْهَا بَعْضُهُ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا فَيَخْرُجُ كِرَاءُ الدُّورِ وَالسُّفُنِ وَالرَّوَاحِلِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةُ وَالْجَعْلُ قَالَ وَقُلْت بَعْضُهُ يَتَبَعَّضُ خَوْفَ نَقْضِ عَكْسِهِ بِمِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] ، فَإِنَّهَا إجَارَةٌ إجْمَاعًا لِقَوْلِهَا ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: 26] ، وَعِوَضُهَا لَا يَتَبَعَّضُ، وَقَوْلُ الْقَاضِي هِيَ مُعَاوَضَةٌ عَلَى مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ لَا يَخْفَى بُطْلَانُ طَرْدِهِ، وَنَحْوُهُ قَوْل عِيَاضٍ بَيْعُ مَنَافِعَ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ مَعَ خُرُوجِ فَاسِدِهَا عَنْهُ، وَالْحَدُّ يَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ.
بِعَاقِدٍ، وَأَجْرٍ: كَالْبَيْعِ
[منح الجليل]
وَقَوْلُهَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَرِيقًا فِي دَارِ رَجُلٍ أَوْ مَسِيلَ صَبِّ مِرْحَاضٍ مَجَازًا لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الِاشْتِرَاكِ، وَاعْتَرَضَهُ " غ " بِأَنَّ لَفْظَ الْبَعْضِ مُبْهَمٌ لَا يُنَاسِبُ التَّعْرِيفَ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ دُخُولُ الْجُعْلِ فِي التَّعْرِيفِ فَيَبْطُلُ طَرْدُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حُذِفَ لَفْظُ بَعْضٍ لَمْ تَخْرُجْ الْإِجَارَةُ بِالْبِضْعِ لِأَنَّ تَبْعِيضَ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ فِي صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَهُوَ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا فَتَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ يَتَبَعَّضُ إلَخْ، أَيْ حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا، وَلَوْ قَالَ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا أَوْ بِضْعًا وَحَذَفَ لَفْظَ بَعْضٍ الْمُسَلَّمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
الْغَرْنَاطِيُّ الْإِجَارَةُ تُطْلَقُ اصْطِلَاحًا عَلَى الْعَقْدِ عَلَى الْعَاقِدِ وَالْمَنْقُولِ إلَّا السَّفِينَةَ وَالْبَهِيمَةَ وَالْكِرَاءَ عَلَى الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعِ مَا لَا يُنْقَلُ وَالسَّفِينَةُ وَالْبَهِيمَةُ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى مَعْنَى الْآخَرِ، فَفِيهَا إنْ اسْتَأْجَرَتْ مِنْهُ دَارًا بِثَوْبٍ إلَخْ.
وَفِي اللُّبَابِ خُصَّ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ الْآدَمِيِّ بِاسْمِ الْإِجَارَةِ وَتَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ الْمَمْلُوكَاتِ بِاسْمِ الْكِرَاءِ
وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ ابْتِدَاءً وَاللُّزُومُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا يُفْسِدُهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ مُحَمَّدٌ هِيَ جَائِزَةٌ إجْمَاعًا.
الصِّقِلِّيُّ خِلَافُ الْأَصَمِّ فِيهَا لَغْوٌ لِأَنَّهُ مُبْتَدِعٌ، وَفِيهَا مَعَ غَيْرِهَا عَقْدُهَا لَازِمٌ كَالْبَيْعِ.
اهـ. وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ وَوَجَبَتْ إعَانَتُهُ وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا التَّعَاوُنُ وَدَفْعُ الْحَاجَاتِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32] ، وَخَبَرُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ (ب) جِنْسِ (عَاقِدٍ) فَشَمَلَ الْمُؤَجِّرَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْمُسْتَأْجِرَ كَذَلِكَ (وَأَجْرُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ عِوَضٌ مُتَمَوَّلٌ (ك) عَاقِدٍ وَعِوَضِ (الْبَيْعِ) فِي كَوْنِ الْأَوَّلِ مُمَيَّزًا، وَالثَّانِي ظَاهِرًا مُنْتَفِعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ.
ابْنُ شَاسٍ أَرْكَانُ الْإِجَارَةِ ثَلَاثَةٌ، الْأَوَّلُ الْعَاقِدَانِ وَلَا يَخْفَى أَمْرُهُمَا.
الرُّكْنُ الثَّانِي الْأُجْرَةُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ الْعَاقِدَانِ كَالْمُتَبَايِعِينَ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَالْأَجْرُ كَالثَّمَنِ يُطْلَبُ كَوْنُهُ مَعْرُوفًا قَدْرًا وَصِفَةً، وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أَجْرًا، وَهَذَا مَنْقُوضٌ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَالطَّعَامِ، فَإِنَّهُمَا يَصْلُحَانِ ثَمَنًا وَلَا يَصْلُحَانِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
أَجْرًا لَهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ مَا يَصْلُحُ لِلثَّمَنِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَصْلُحُ أَجْرًا كَذَلِكَ، وَهُنَا عَدَمُ الصَّلَاحِيَّةِ لِمَانِعٍ عَارِضٍ، وَهُوَ النَّهْيُ كَالْبَيْعِ وَقْتَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا إيرَادَ، إذْ مِمَّا أَفَادَهُ التَّشْبِيهُ عَدَمَ النَّهْيِ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَبِالطَّعَامِ فَانْتَفَى الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ النَّهْيِ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِي فَسَادَ إجَارَةِ الْخَيَّاطِ وَالْحَجَّامِ وَكِرَاءِ الْحَمَّامِ إذَا لَمْ تُعَيَّنْ الْأُجْرَةُ ابْتِدَاءً، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مِنْ صِحَّتِهِمَا إذَا كَانَ مُخَالِطًا وَأَرْضَاهُ بَعْدَ عَمَلِهِ كَمَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ.
وَأُجِيبَ بِنُدُورِ هَذَا، وَالْكَلَامُ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ.
وَنَصُّ السَّمَاعِ سُئِلَ الْإِمَام مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الْخَيَّاطِ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْخُلْطَةُ وَلَا يَكَادُ يُخَالِفُنِي أَسْتَخِيطُهُ الثَّوْبَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ وَجَاءَ بِهِ أَرْضَيْته بِشَيْءٍ أَدْفَعُهُ إلَيْهِ، فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ النَّاسَ اسْتَجَازُوهُ وَمَضَوْا عَلَيْهِ، وَهُوَ نَحْوُ مَا يُعْطَى الْحَجَّامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَارِطَهُ عَلَى أُجْرَةِ عَمَلِهِ قَبْلَهُ وَمَا يُعْطَى فِي الْحَمَّامِ وَالْمَنْعِ مِنْ هَذَا، وَشِبْهُهُ تَضْيِيقٌ عَلَى النَّاسِ، وَحَرَجٌ فِي الدِّينِ وَغُلُوٌّ فِيهِ، وَاَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]
وَقَالَ ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171] ، وَدَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ مَا ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَمَهُ أَبُو طِيبَةَ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ خَرَاجَهُ» ، وَأَجَازَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يُؤَاجَرَ الْخَيَّاطُ عَلَى خِيَاطَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ الثِّيَابِ فِي السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ عَلَى خَبْزِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْخُبْزِ سَنَةً أَوْ شَهْرًا إذَا عَرَفَ عِيَالَ الرَّجُلِ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
ابْنُ يُونُسَ وَهَذَا مَعْرُوفٌ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَمِقْدَارُ أَكْلِ النَّاسِ مَعْرُوفٌ، وَالثِّيَابُ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَكَرِهَ اللَّخْمِيُّ اسْتِعْمَالَ الصَّانِعِ حَتَّى يُقَاطِعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى، وَكَرِهَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا، قَالَ وَلَا يَبْلُغُ التَّحْرِيمَ وَالْأَمْرُ فِيهِ وَاسِعٌ.
(فُرُوعٌ)
الْأَوَّلُ: فِي الذَّخِيرَةِ ابْنُ يُونُسَ إذَا قُلْت خَطَّهُ بِدِرْهَمٍ، وَقَالَ بِدِرْهَمَيْنِ فَخَاطَهُ فَلَيْسَ لَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
إلَّا دِرْهَمٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّك أَعْلَمْته بِمَا تَرْضَى بِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ سَاكِنِ الدَّارِ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ دَفَعَ ثَوْبًا لِخَيَّاطِ فَقَالَ لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمَيْنِ، وَقَالَ رَبُّهُ لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمٍ، وَجَعَلَهُ عِنْدَهُ فَخَاطَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا دِرْهَمٌ، وَمَنْ سَكَنَ مَنْزِلًا فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ بِدِينَارَيْنِ فِي السَّنَةِ، وَقَالَ السَّاكِنُ لَا أُعْطِي إلَّا دِينَارًا وَإِلَّا فَاخْرُجْ إنْ لَمْ تَرْضَ فَسَكَتَ وَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى تَمَّتْ السَّنَةُ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دِينَارٌ.
ابْنُ رُشْدٍ مَسْأَلَةُ الْخَيَّاطِ لَا تُشْبِهُ كِرَاءَ الْمَنْزِلِ لِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ لَمْ يَتَوَلَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُصَاحِبِ الثَّوْبِ وَالسَّاكِنُ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ بِنَفْسِهِ مَعَ عِلْمِ رَبِّ الْمَنْزِلِ بِهِ فَفَرَّقُوا بَيْنَ تَقَدُّمِ قَوْلِهِ عَلَى قَوْلِ رَبِّهِ وَتَأَخُّرِهِ عَنْهُ.
الثَّانِي: سُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ حَارِسِ الزَّرْعِ وَالزَّيْتُونِ لَيْلًا وَنَهَارًا بِالضَّمَانِ أَوْ بِغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ قَفِيزٍ عَلَيْهِ مُدَّانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ وَهَلْ يَلْزَمُهُمْ تَفْرِيغُ الشِّبَاكِ وَالْأَحْمَالِ؟ فَأَجَابَ أَمَّا اسْتِئْجَارُهُمْ لِكُلِّ قَفِيزٍ مُدَّانِ فَجَائِزٌ وَسَوَاءٌ قَلَّتْ الْأَقْفِزَةُ أَوْ كَثُرَتْ لِاغْتِفَارِ جَهْلِ الْجُمْلَةِ إذَا عُلِمَ التَّفْصِيلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَإِنْ شَرَطُوا تَفْرِيغَ الشِّبَاكِ وَتَنْزِيلَ الْأَحْمَالِ فَيَلْزَمُ، وَإِلَّا فَلَا، وَشَرْطُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ لَا يَلْزَمُ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مِمَّنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: سُئِلَ أَيْضًا عَنْ حِرَاسَتِهِمْ الْأَنْدَرَ كُلَّهُ بِأَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَلْفٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ مِائَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَكْثَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَقَلُّ، هَلْ هُوَ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ أَوْ عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلٍّ؟ فَأَجَابَ إنْ كَانَ اسْتِئْجَارُهُمْ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي الْأَنْدَرِ وَرُؤْيَتِهِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ حُصُولِهِ وَرُؤْيَتِهِ فَيَجُوزُ وَنُقِضَ عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلٍّ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ عَلَى الرُّءُوسِ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ.
الرَّابِعُ: فِيهَا لَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ طَائِفَةً مِنْ دَارِك وَقَدْ عَلِمْت بِهِ وَلَمْ تُخْرِجْهُ فَيَلْزَمُهُ كِرَاءُ مَا سَكَنَ.
أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْمُعَاوَضَةُ لَا الْإِرْفَاقُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْك إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْك أَنَّك أَرْفَقْته فَتَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي دَعْوَى الْمَعْرُوفِ.
الْخَامِسُ: فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا خَرَجَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَيْنٍ لِاقْتِضَائِهِ دُونَ إذْنِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
صَاحِبِهِ فَاقْتَضَاهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ وَطَلَبَ الْأُجْرَةَ مِنْ صَاحِبِهِ وَجَبَتْ لَهُ بَعْدَ حَلِفِهِ مَا خَرَجَ لِذَلِكَ مُتَطَوِّعًا إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْعَادَةُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَأْخُذُ أُجْرَةً عَلَى ذَلِكَ.
السَّادِسُ: سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ رُهِنَتْ عِنْدَهُ دَارٌ وَاقْتَضَى غَلَّتَهَا ثُمَّ طَلَبَ أُجْرَةَ اقْتِضَائِهِ إيَّاهَا فَقَالَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فَالرَّجُلُ الَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَعْمَلَ بِأُجْرَةٍ وَمِثْلُهُ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ فِي مِثْلِهِ فَأَرَى ذَلِكَ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ مِثْلُهُ بِعَيْنٍ فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ يَمِينِهِ مَا قَامَ بِهِ احْتِسَابًا، وَإِنَّا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَقُومَ بِأُجْرَتِهِ.
السَّابِعُ: فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ إذَا عَجَزَ رَبُّ الدَّابَّةِ عَنْ عَلَفِهَا وَتَرَكَهَا فِي الصَّحْرَاءِ فَعَلَفهَا غَيْرُهُ ثُمَّ وَجَدَهَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَبُّهَا أَحَقُّ بِهَا لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى تَرْكِهَا بِالْإِضْرَارِ بِهِ، وَيَدْفَعُ مَا أُنْفِقَ عَلَيْهَا، وَقِيلَ هِيَ لِعَالِفِهَا لِإِعْرَاضِ رَبِّهَا عَنْهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي قِيَامِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ قَامَ عَلَيْهَا لِنَفْسِهِ.
الثَّامِنُ: عُلِمَ مِنْ تَشْبِيهِ عَاقِدِهَا بِعَاقِدِ الْبَيْعِ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إذَا أَجَرَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ صَحَّ وَتَوَقَّفَ لُزُومُهُ عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ لَيْسَ لِذِي الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ، فَإِنْ فَعَلَ نَظَرَ فِيهِ وَلِيُّهُ فَيُمْضِيهِ أَوْ يَرُدُّهُ مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِنْ كَانَ عَمِلَ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ فَلَهُ أَرْشُ النَّقْصِ، وَإِنْ هَلَكَ فَلَهُ الدِّيَةُ وَلَهُ الْأُجْرَةُ إلَى يَوْمِ الْإِصَابَةِ، وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ غَيْرِ الْعَمَلِ شَيْءٌ.
التَّاسِعُ: إنْ أَجَرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَمِثْلُهُ لَا يُؤَجَّرُ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ وَيُنْفِقُ الْأَبُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَنِيًّا وَلَا مَالَ لِلْوَلَدِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ فِيمَا لَا مَعَرَّةَ فِيهِ عَلَى الِابْنِ إنْ كَانَ الْأَبُ فَقِيرًا أَوْ مُقِلًّا أَوْ أَرَادَ تَعْلِيمَهُ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لَهُ ذَلِكَ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٌ حَبَسَهُ لَهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا فَضَلَ مِنْ عَمَلِ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا خَوْفًا مِنْ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ الصَّبِيُّ مِنْ الْعَمَلِ فِي