التبرّك المشروع بذات النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته؛
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مبارك في
ذاته، وما اتصل بذاته؛ ولهذا تبرك الصحابة - رضي الله عنهم - بذاته - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك، ما ثبت عن أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال: ((خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك)).1
وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى مِنىً، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: ((خذ))، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس))، وفي رواية: ((ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر))2، فقال: ((احلق)) فحلقه، فأعطاه أبا طلحة فقال: ((اقسمه بين الناس)).3
وكان الصحابة يتبركون بثياب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواضع أصابعه، وبماء وضوئه، وبفضل شربه، وهو كثير4، ويتبركون بالأشياء المنفصلة منه: كالشعر، والأشياء التي استعملها وبقيت بعده: كالثياب، والآنية، والنعل، وغير ذلك مما اتصل بجسده - صلى الله عليه وسلم -.5
ولا يقاس عليه غيره - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه لم يؤثر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بالتبرك بغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - أو غيرهم، ولم ينقل أن الصحابة - رضي الله عنهم - فعلوا ذلك مع غيره لافي حياته ولا بعد مماته، ولم يفعلوه مع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولا مع الخلفاء الراشدين المهديين، ولا مع العشرة المشهود لهم بالجنة، قال الإمام الشاطبي رحمه الله: ((الصحابة - رضي الله عنهم - بعد موته عليه الصلاة والسلام، لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر - رضي الله عنه -، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريقٍ صحيح معروف أن متبرّكاً تبرّك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها))1، ولا شكَّ أنَّ الانتفاع بعلم العلماء، والاستماع إلى وعظهم، ودعائهم، والحصول على فضل مجالس الذكر معهم فيها من الخير والبركة والنفع الشيء العظيم، ولكن لا يُتبرّك بذواتهم، وإنما يُعمل بعلمهم الصحيح، ويُقتدى بأهل السنة منهم.2
3 -