نِصْفٌ، وذلك الشُّهورُ] 1.
وجَرى على التَّنْصِيفِ فِي "البويطي".
وقالَ فِي القَديمِ: قالَ بعْضُ أصْحَابِنا: عِدَّةُ الأَمَةِ إذا لَمْ تَحِضْ ثَلاثةُ أَشهُرٍ، لأنَّ الحَمْلَ لا يَبينُ فِي أَقَلَّ مِنها، وقالَ غيْرُه: شَهرٌ ونِصفٌ، وهذا أَقْيَسُ، والأوَّلُ أحْوطُ.
ونَقلَ المُزَنِيُّ عنه فِي غَيرِ "مختصَره" أنَّه سَمِعه يقولُ: تَعتدُّ بِثَلاثةِ أشْهُرٍ، ثُمَّ رَجعَ إلى نِصْفِ عِدَّةِ الحُرةِ، وهو أَقْيَسُ، فقَولُ الثَّلاثةِ ليس مُخرَّجًا كما قالَه الرَّافعيُّ 2 تَبَعًا لِغَيرِه.
وأمَّا قولُ شَهرَيْنِ، فلَمْ أقِفْ علَيه فِي كَلامِ الشَّافعيِّ، إلا فِي الأَثرِ الذي وَقعَ التردُّدُ فيه 3 عنْ عُمرَ، وهو مُستقِرٌّ على شَهْرٍ ونِصفٍ، وَوُجِّه بالبدَلِ عن قرءَينِ، وهذا إنَّما يَجيءُ فِي الآيِسةِ 4.
أمَّا مَن 5 لَمْ تحِضْ فالشُّهورُ أصْلٌ فِي حَقِّها، فلَو قِيلَ بِالشَّهريْنِ فِي الآيِسةِ ونَحوِها، وبالتَّنصيفِ فيمَنْ 6 لَمْ تَحِضْ، لَكانَ لَه وَجْهٌ.
وعِدَّةُ الأَقْراءِ والأَشْهُرِ فِي الحَياةِ يُؤثِّرُ فِيها ظَنُّ الحُرِّيةِ، كما فِي الغُرورِ واللَّقيطةِ فتَعتدُّ فيهما عِدَّةَ حُرَّةٍ، أما مَنْ عُقِدَ علَيْها مَع العِلْمِ بأنَّها أَمةٌ،
ووَطِئَها على ظَنِّ أنها زَوجتُه الحُرَّةُ، فلا أَثرَ لِهذَا الظَّنِّ، وتَعتدُّ عِدَّةَ أَمةٍ قَطْعًا.
وأمَّا مَن وَطِئها بُشُبَهٍ فيُؤَثِّرُ الظَّنُّ 1 فيها بالزِّيادةِ فإذا ظَنَّها زَوجتَه الحُرَّةَ اعتَدَّتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ أوْ زَوْجتَه الأَمةَ، فقرْءانِ على ما صُحِّحَ فِيهما، ولا أثَرَ لِظن يَقتضِي النَّقصَ على الأرْجحِ.
ضابطٌ: كُلُّ مَن انقضَتْ عِدَّتُها بالأَقراءِ فلا تَبطُلُ إلا إذَا ظَهرَ أنها حَاملٌ بِحَملٍ ليْسَ مِن زِنى.
والمُتحيِّرةُ إذَا زَالَ تَحيُّرُها بعد انقِضاءِ عِدَّتِها على مَا سَبقَ، فظَهرَ أنَّه بَقِيَ علَيها بَقيةٌ فإنَّها تُكملُها.
وأمَّا مَن انقضَتْ عِدَّتُها بالأشْهُرِ، فتَبطُلُ بِتَبيُّنِ الحَمْلِ المَذكورِ وبِوُجودِ الحَيْضِ فِي الآيِسةِ على قَولٍ رجَّحه جَماعةٌ، فيُحسَبُ ما مَضَى قَرْءًا، وتَعتدُّ بقَرءَيْنِ.
والمَنصوصُ فِي "الأُم" وهُو المُعتمَدُ على ما قرَّرْناهُ مِن اعتِبارِ إِياسِ أَكثرِ نِسائِها، ولا اعْتِبارَ بما نَدُرَ.
ومَا نُقِلَ عَن تَرجيحِ الأَكثرِ مِن الفَرقِ بيْنَ أَنْ تَحيضَ قَبْلَ أَنْ تَنكِحَ فتُكَمِّلَ الأقْراءَ وبيْنَ أَنْ تَنْكِحَ ثُمَّ تَحيضَ فيَستمِرَّ نِكاحُها: ضَعيفٌ، لِتبيُّنِ عُذرِ إياسِها فِي الحَالَيْنِ.
وليس للشافعيِّ نصٌّ صَريحٌ بذلك، وإنَّما قِيلَ فِي إمْلاءِ ذِكْرِ التَّزويجِ، وهُو
محتمِلٌّ للتَّصويرِ.
وعَودُ الأَمةِ المُستولَدةِ (1) أو غَيرِها إلى فِراشِ السيِّدِ يَحتمِلُ أن يُنَزَّلَ على هذا مَنزِلةَ النِّكاحِ.
ويَحتمِلُ أن لا ينزَّلَ لأنَّه ليس فيه عَقْدٌ يرتفعُ.
ويَحتمِلُ أَنْ ينزَّلَ إذَا وَطِئَ.
ويَحتمِلُ الفَرْقَ بيْنَ المُستولَدةِ وغيرِها، فيُنزَّلُ مَنزِلةَ النِّكاحِ فِي المُستولَدةِ.
وكلُّ هذا يَدُلُّ على ضَعفِ المُفرَّعِ (2) علَيه.
وأمَّا الحَمْلُ فإنه تَنقضِي به [العِدَّةُ فِي كلِّ حالةٍ] (3) فِي الحياةِ والوَفاةِ بشُروطٍ:
أحدُها:
أَنْ يكونَ مَنسوبًا إلى مَن تعتدُّ مِنه، ومِنْه الحَمْلُ المَنفيُّ باللِّعانِ، فإنه منْسُوبٌ إليه لولا اللِّعانُ، فتَنقضِي بِه العِدَّةُ، إلا إذا أَقرَّتْ أنه مِن زِنًى، فلَا تَنقضِي عِدَّتُها به 4، حيثُ اعْترَفتْ بما يُوجِبُ عليها عِدَّةً بعد وضْعِهِ.
5123
وأمَّا الحَمْلُ مِن وطءِ الشُّبهةِ، فإنَّه تَنقضِي به عدةُ الشُّبهةِ ثُمَّ تَحتاجُ إلى عِدَّةٍ بعده إنْ صَدَّقَتِ الزوجَ على مُدَّعاه، وإنْ لَمْ تُصدِّقْه فعِدَّتُها بِوَضعِه.
وأمَّا ما لا يُنسَبُ إليه، ولا يُحتمَلُ أن يكونَ منْهُ كمَنْ عَقدَ وطَلَّقَ فِي المَجلِسِ أو تَزوجَ مَشرِقيٌّ بمَغْربيةٍ، أو كان صَبيًّا لا يُولدُ لِمِثلِهِ أو مَمْسوحًا 1، فلا يَلحقُ هؤلاء الولدُ قَطْعًا لِعَدمِ الإمْكانِ.
وحيثُ وجبتِ العدةُ بوَطءِ الصَّبيِّ، فإنها لا تَنْقضِي بوَضْعِ هذا الحَملِ قَطْعًا.
وأمَّا ما يُحتمَلُ أَنْ يكونَ مِنْه بوَطءِ شُبهةٍ مُتقدِّمٍ أوْ مُتأخِّرٍ، والواقعُ فِي الظاهرِ خلافُهُ، كمَنْ وُضِعَ لِدُونِ سِتَّةِ أشهُرٍ مِن العَقْدِ، أوْ لِأكثَرَ مِنْ أرْبَعِ سِنينَ [مِن الطَّلَاقِ، ولو كان رَجعيًّا، أوْ لِأَرْبعِ سِنينَ] 2 مِن وَضْعِ الوَلدِ الذي وقَعَ به الطَّلَاقُ على المُعتمَدِ، فإنهُ لا تَنقضِي العِدَّةُ به 3، خِلافًا لِمَا فِي "الشرح" و"الروضة" عنِ ابْنِ الصَّباغِ 4. = بوضع حمل تام من الزوج وفيه شرطان: - الأول: أن يكون من الزوج، أو ممن منه العدة، فلو مات الصبي، أو فسخ نكاحه فولدت زوجته من الزنا، لم تنقض به العدة عندنا، خلافًا لأبي حنيفة رحمه اللَّه، وكذلك زوجة الممسوح، وكل ولد منفي عن الزوج قطعا، أما الحمل المنفي باللعان فتنقضي العدة بوضعه لأن القول في العدة قولها وهي تقول إنه من الزوج.
- الشرط الثاني: وضع الحمل التام.
والنصُّ فِي حَبَلِها 1 بوَضعِ الثَّاني مَحمولٌ على مُضِيِّ عدتِها قَبْلَ ذلك مَع رِيبةٍ فيها، وبالوَضعِ تَزولُ الرِّيبةُ، فتحِلّ.
وصَحَّح بعضُهم إنِ ادعتْ أنهُ منهُ بشُبهةٍ انْقَضَتْ عدَّتُها به، وإلا فلَا.
وظَهرَ مِن ذلك أكثَرُ مِن مُدَّةِ الحَملِ، وهِيَ أرْبَعُ سِنينَ 2، وتُعتبَرُ مِن وقْتِ الطَّلَاقِ فِي الحاضِرِ ومِن وقْتِ الإمْكانِ إلى 3 الطَّلَاقِ 4 فِي الغَائِبِ؛ نصَّ علَيه فِي "البويطي".
الشرْطُ الثاني: انفصالُ كلِّ الحَمْل الذي تَنقضِي به العِدَّةُ، ولو تَعدَّد كما فِي يَوميْنِ فأكثَرَ.
ومتَى تَخلَّلَ بيْنَ الوَلدينِ سِتَّةُ أشهُرٍ فما دُونَها فتَوءَمانِ على المُعتمَدِ، كما فِي "الوَجيز"، ومَن تَبِعَه، خِلافًا لِما فِي "المحرر" 5 و"المنهاج" 6 وغيرِهما؛ لأنَّ أقَلَّ مُدةِ مُكْثِ الحَملِ فِي البَطنِ سِتةُ أشهُرٍ (7).
الشرط الثاني
الذي ذكره الغزالي رحمه اللَّه: وضع الحمل التام.. فلو كانت حاملًا بتوأمين لا تنقضي العدة بوضع الأول حتى تضع الثاني وأقصى مدة بين التوأمين ستة أشهر فما جاوز ذلك فهو حمل آخر.
ولابُدَّ مِن تقدُّمِ لَحظةِ الوَطءِ، ولَمْ تُوجَدْ، وهذه المُدَّةُ تُعتبَرُ بيْنَ الأوَّلِ والآخِرِ، فإنْ لَمْ تُوجَدْ بيْنَ الأوَّلِ والآخِرِ، ووُجِدَتْ بيْنَ الثَّانِي والآخِرِ لَحِقَ الأوَّلانِ (1) دُونَ الثالثِ عند البغَويِّ، وفِي "النهاية" أنَّ هذا لا يُتصوَّرُ.
ولا بُدَّ مِن لحاقِ (2) الثاني وانقِضاءِ العِدَّةِ به مِن انفِصالِه قبْلَ مُجاوَزةِ أَكثرِ مُدَّةِ (3) الحَملِ.
فإنْ جَاوزَها وبيْنَه وبيْنَ الأوَّلِ دُونَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فهِيَ مُعضِلةٌ مُدةَ أن (4) يُتصوَّرَ (5) وُدوعُها فإلحاقُهما يؤدِّي إلى إلْحاقِ مَنْ وُضِعَ بعْدَ أرْبعِ سِنينَ، وعَدمُ إلحاقِهِما يؤدِّي إلى عدَمِ إلْحَاقِ مَنْ وضِعَ دُونَ الأرْبعِ، وإلْحَاقُ الأوَّلِ دُونَ الثَّانِي يُؤدِّي إلى إلْحَاقِ أَحدِ التَّوأَمَيْنِ دُونَ الآخِرِ، وهو أحَقُّ ما تَرتَّبتْ (6) فيها.
الشرطُ الثالثُ:
أَنْ تَضَعَ ما ظَهر فيه خَلْقُ آدميٍّ مِن مُضغةٍ وغيرِها، وإن خَفِي، فإنْ وَضعتْ لَحمًا لا صُورةَ فيه، وقالتِ القَوابلُ 7 إنه أصْلُ آدميٍّ، انقضَتْ به العِدةُ، على النصِّ المُعتمَدِ، وإن شَكَكْنَ لَمْ تَنقضِ به العدةُ 8.123456
ولَو ذَهبَ السِّقطُ، وقالتِ المرأةُ: هو مِمَّا تَنقضِي به العدةُ، وأنْكرَ الزَّوجُ، فالقَولُ قَولُها بيَمِينِها (1).
ولنا حامل بِحَملٍ مَنسوبٍ إلى صاحِبِ العِدَّةِ فيها غَرائِبُ:
منها: أنها تَضعُ حَمْلَها، والزَّوجيةُ قائمة، ثم يُفارِقُها زَوجُها، ولا عِدَّةَ علَيها، ولو فَارقَها قبْلَ الوَضعِ فعِدَّتُها بوَضْعِ الحَمْلِ.
ومنها: لو مَاتَ عنها لَمْ تنقضِ عدَّتُها بوَضعِ الحَمْلِ 2 على الأرْجحِ، بَلْ1 = أخلق هو أم لا لم تحل به، ولا تخلو إلا بما لا يشككن فيه.
تَعتدُّ بأقْصَى الأَجلَينِ مِن الحَملِ.
ومُدَّةُ عِدَّةِ الوَفاةِ وهِيَ التي عُقِدَ نِكاحُها، وهِيَ حَامل مِنه مِنْ نِكاحٍ فاسدٍ أو شُبهةٍ ذَكَرَ ذلك فِي الشُّبهةِ، وخَرَّجْتُه فِي النِّكاحِ الصَّحيحِ، ويحتملُ الفَرقَ بانبِناءِ 1 نِكاحٍ على نِكاحٍ بِخِلافِ 2 غَيرِه.
وصُورةُ الأُولَى: أَنْ يُفارِقَها قبْلَ الدُّخولِ.
وأمَّا العِدَّةُ عَن وَفاةِ الزَّوجِ فِي النِّكاحِ الصَّحيحِ فَواجبة، دَخلَ بِها أو لَمْ يَدخُلْ بِها، ولا يُؤَثِّرُ ظَنُّ الحُرِّيةِ فِي زِيادتِها، ويَجِبُ على الرَّجعيةِ فيَنتقلُ إليها.
فإذا لَمْ تكنْ حامِلًا بِحَملٍ تَنقضِي بِه العِدةُ على ما سَبقَ، ولا فِي صاحِبةِ الغَرائبِ، وكانتْ حُرةً قبْلَ الوَفاةِ، أوْ مَعَها، فإنها تَعْتدُّ بأربعةٍ أشهُرٍ وعَشرةِ أيامٍ 3، ما لَمْ تَرِقَّ فِي أثْناءِ العِدةِ.
فإنْ رقَّتْ فيها، والعِدَّةُ لِحَربيٍّ سَقطَ مَا بَقِيَ واسْتُبرِئَتْ.
وإنْ كانَتْ لِمُسلِمٍ أو ذمِّيٍّ لَمْ تَسقُطْ عِندَهم معَ تَرتيبِ 4 الذِّمِّيِّ على المُسلمِ وأَوْلى بالسُّقوطِ، وعلى ما خَرَّجتُه تَسقُطُ البَقيَّةُ وتُسْتَبَرَأُ.
وأمَّا مَن فيها رِقٌّ عند الوَفاةِ فعِدَّتُها شَهْرانِ وخَمسةُ أَيَّامٍ قَطْعًا، وأَغربَ صاحبُ "البَيانِ" فنَقلَ عنِ الشَّيخِ أبي حَامدٍ حِكايةً قولٍ: إنَّ عَدَّتَها كالحُرَّةِ،
ولَمْ أَجِدْ (1) فِي تَعليقِ الشَّيخِ ولا فِي غَيرِه.
ولو أُعْتِقتْ فِي أثْناءِ عِدَّتِها ففِيها خِلافُ البَائنِ، وقدْ سَبقَ.
وإذَا عَتقَتِ (2) الرَّجعيةُ ثم مَاتَتْ قبْلَ انقِضاءِ عِدَّتِها اعتدَّتْ عِدةَ حُرةٍ قَطْعًا.
ضابط
ٌ: الأشهُرُ هُنا، وفِي كلِّ مَوضعٍ هِيَ الهِلاليةُ، إلا فِي الأشهُرِ السِّتةِ المُعتبَرةِ فِي أقَلِّ مُدةِ الحَمْلِ، فإنَّها عَدديةٌ عِندنَا قَطْعًا 3، وكذلك أشهُرُ المُبتدَأةِ غيرِ المميِّزةِ، وفِي المُتحيِّرةِ على ما سَبقَ، وحيثُ لمْ يُعرف الهِلالُ فالعِبْرةُ بالأيَّامِ.
ولَو طَلَّقَ إحدى امْرأتَيهِ ومَاتَ، ولَمْ تُعرَفِ المُطلقةُ؛ فَمَن كانَتْ حامِلًا 4 اعتدَّتْ بالحَملِ على ما سَبقَ، وحيثُ لا حمْلَ ولا دُخولَ فبِأَشهُرِ الوَفاةِ.
وكذا إنْ دَخلَ، ومَضتْ عِدةُ الطَّلَاقِ فِي الحَياةِ حَيثُ نوى مُعَينةً، ولَمْ يَذكرُوه، وكذا إذَا لَمْ تَمضِ فِي ذَاتِ الأَقراءِ الرَّجعيةِ وذَاتِ الأشهُرِ مُطْلقًا.12
كذا أَطْلَقُوه 1، وهو مُقيَّدٌ 2 بِغيرِ 3 الأمَةِ البَائنِ تفْريعًا على أنَّ 4 عِدَّتَها للطلاقِ ثَلاثةُ أشهُرٍ، أو كان ذلك فيمَنْ ظَنَّ حُرِّيَّتَها، ولِلْوَفاةِ شَهْرانِ وخَمسةُ أيَّامٍ، فإنها تَعتدُّ بالأقْصَى مِن عِدَّة الوَفاةِ، وبَقيةِ أشهُرِ الطَّلَاقِ إذا نوى مُعيَّنةً، فإنْ أَبهمَ اعتدَّتْ بِثَلاثةِ أشْهُرٍ مِن الوَفاةِ.
والبائِنُ ذاتُ الأَقراءِ تَعْتدُّ بأقْصَى الأَجَلَيْنِ مِنْ أشهُرِ الوَفاةِ، [والباقي مِن الأقْراءِ فِي نِيَّةٍ مُعينةٍ، وفِي الإِبهامِ بأَقْصى الأجَلَينِ مِنْ أشهُرِ الوَفاةِ] 5 والأَقراءِ، وهِيَ هُنا مِن المَوتِ، خِلافًا لِمَا أَطْلقَه فِي "المنهاج" 6 تَبَعًا للمُحرَّر 7 مِنْ أنَّ الأَقراءِ مِن الطَّلَاقِ.
ومَنِ ارْتابَتْ مِن حمْلٍ غَيرِ زِنًى فِي عِدَّةِ أَقراءِ أو أشهُرٍ، ومَضتِ العِدةُ والرِّيبةُ قائِمةٌ، لَم تَنكِحْ نكاحًا يُعتبَرُ فِي صِحَّتِه انقِضاءُ تِلكَ 8 العِدَّةِ حتى تَزولَ الرِّيبةُ.
فإنْ خالفَتْ أَساءَتْ، وجَزَمُوا بإِبطالِ النِّكاحِ حَالًا، وظَاهرُ نَصِّ "الأم" 9
و"المختصر" أنَّا لا نُبطِلُه فِي الحالِ 1 [بَلْ يُتوقَّفُ للتَّبيُّنِ، ويمنعُه مِن الدُّخولِ حتَّى يَتبيَّنَ] 2 أَنْ ليس حَمْلٌ.
فإنْ بَرِئتْ مِن الحَملِ فالنِّكاحُ ثَابِت، وإنْ وضَعتْه أبطَلْنَا النكاحَ.
ومَا جَزمُوا به له وَجْهٌ، وظاهرُ النَّصِّ أرجحُ عَملًا بما ظَهرَ مِن انقِضاءِ العِدَّةِ.
وإنِ ارْتابَتْ بعدَ انقِضائِها، فالأَوْلَى أن لا تَنكِحَ حتَّى تَزولَ الرِّيبةُ، كذا قالُوه، وظَاهرُ النَّصِّ يَقتضِي المَنعَ.
= عنها زوجها من الحمل وإن أوفين عددهن لأنهن لا يدرين ما عددهن؛ الحمل أو ما اعتدن به؟ وإن نكحن لم نفسخ النكاح ووقفناه، فإن برئن من الحمل فالنكاح ثابت، وقد أسأن حين نكحن وهن مرتاباتٌ، وإن كان الحمل منعناهن الدخول حتى يتبين أن ليس حملٌ فإن وضعن أبطلنا النكاح، وإن بان أن لا حمل خلينا بينهن وبين الدخول.
انتهى.
قال الغزالي في "الوسيط" (6/ 132): المعتدة بالأقراء إذا ارتابت وتوهمت حملًا بعد تمام الأقراء: فإن كانت بحيث يحكم في الظاهر بأنها حامل، فيحرم عليها النكاح، ولو استشعرت ثقلًا وتوهمت فهي المرتابة، فلو نكحت قبل زوال الريبة نص الشافعي -رضي اللَّه عنه- في "المختصر" أن النكاح موقوفٌ، ونص في موضع آخر أنه باطل، فمن أصحابنا من قطع بالصحة، إذ بان الحيال، لأنه بني على سبب ظاهر، وهو العدة، فلا أثر للتحريم بريبة، ولا أصل لها، ومنهم من قال قولان، واختلفوا في أصله، فقيل إن أصله قول وقف العقود، كما لو باع مال أبيه على ظن أنه حي، فإذا هو ميت، وقيل هذا فاسد، لأنه غير مبني على أصل، بل مأخذه القولان في أن من شك في عدد الركعات بعد الفراغ هل يلزمه التدارك، وهذا القائل يفرق بين إن شك قبل تمام الأقراء أو بعده والقائل الأول لا يفرق.
فإنْ خالَفَ لَم يَبطُلِ النِّكاحُ على المَذهبِ، ويُتوقَّفُ للتَّبيُّنِ 1 كما سَبقَ.
وإنِ ارْتابَتْ بعد النِّكاحِ لَمْ نُبطِلْه، والأَوْلَى أَنْ يُمنعَ مِن مُعاشَرتِها حتَّى تَزولَ الرِّيبةُ.
فإنْ وضعتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشهُرٍ مِن النكاحِ تَبَيَّنَّا بُطلانِه؛ كذا قالُوه، وعِندِي أنَّ السِّتةَ أَشهُرٍ فِي ذلك 2 كدُونِها لِمَا تَقدَّمَ.
وأنَّه لا يَبطُلُ النِّكاحُ إذا تَوافَقَ صاحِبُ العِدَّةِ والمُعتدَّةُ على أنَّه 3 مِنْ زنًى ونَفاهُ باللِّعانِ.
وإنِ ارْتابَتْ مَن وَضَعَتْ مِن بَقاءِ حَركةٍ تَجدُها وبمحَتْ، فالنِّكاحُ مَوقُوفٌ؛ نَصَّ علَيه فِي "الأُم"، وهِيَ كمَنِ ارْتابَتْ بعْدَ انقِضاءِ عِدَّتِها فيما 4 سَبقَ، ويَحتَمِلُ أن تكونَ كالأُولى.
ولَو رَاجعَ المُطلِّقُ زَمنَ التَّوقُّفِ فِي الصُّوَرِ كلِّها، وُقِفَتِ الرَّجعةُ؛ نَصَّ عليه فِي "الأُم".
ومَن تعلَّق بها عِدَّتانِ 5 فأكثرُ لِشَخصٍ واحدٍ ثَبتَ التَّداخُلُ، وسواءٌ
أكانَتْ 1 مِنْ جِنسٍ أوْ مِنْ جِنسَينِ على الأصَحِّ:
فالأوَّلُ حَيثُ لا حمْلَ تَعتدُّ به فيمَنْ شَرعَتْ فِي عِدَّةِ فِراقِ زَوجٍ فِي حياتِه 2، ثُمَّ وَطِئها مَرَّةً أوْ مِرارًا 3، وهِيَ رَجعيةٌ أو مَع الجَهلِ بالتَّحريمِ فِي البَائنِ.
والتَّداخلُ أنَّها تَعتدُّ لِلآخِرِ 4 بِمَا 5 يَجِبُ علَيها بسَبَبِه مِنْ أَقراءٍ أوْ أشهُرٍ، ويَدخلُ فيه بَقيَّةُ 6 مَا سَبقَ، فالبَقيَّةُ مُشترَكةٌ بيْنَ السابِقِ والمُتأخِّرِ.
ولو مَضَى شَهْرٌ فِي الحُرَّةِ التي لَمْ تحِضْ، ثُمَّ وَطِئ، وحَدَثَ الحَيضُ، انفَردَ الماضِي بِشَهْرٍ، واشَتركَ مَع الحادِثِ فِي قَرءَينِ، وانَفردَ الوَطءُ بقَرءٍ، وتَبعَّضَتِ الأُولى مِن أشهُرٍ وأَقْراءٍ.
وكذا لو فَارقَ مَن تَحيضُ فاعتدَّتْ بِقَرءٍ، ثُمَّ وَطِئ وأَيِسَتْ، فإنَّه يَنفرِدُ الماضِي بقَرءٍ، ويَشترِكُ مَع الحَادثِ فِي شَهريْنِ، ويَنفرِدُ الحَادثُ بشَهْرٍ.
ولو أَيِستْ، فاعتدَّتْ بِشَهرٍ، ثُمَّ وَطئَ 7، وحاضَتْ، فتَعْتَدُّ لِلأَخيرِ بالأقْراءِ مِنها قَرءانِ للمَاضِي، وقَرءٌ لِلْحادِثِ.
ولو اعتدَّتْ مَن لَم تحِضْ بشَهرٍ، ثُمَّ وَطِئها، وحاضَتْ، فاعتدَّتْ بقَرءٍ، ثُمَّ وَطِئها وأيِسَتْ، فإنها تَعتدُّ بثلاثةِ أشهُرٍ، فالأولُ منها مُشتَرَكٌ بيْنَ الثلاثةِ،
والثاني مُشتَرَكٌ بيْنَ الثاني والأخِير، والثالثُ مُختصٌّ بالأخِيرِ.
ومَا ذَكرْنَاه هُو قَضيَّةُ إطْلَاقِ التَّداخُلِ الذي دخَلَتْهُ المُسامَحةُ، ومَنْ نَظرَ إلى ما يُوجِبُه السبَبُ، وأَبْطلَ التَّبعيضَ، لَمْ يَتأْتَّ عِنْده ذلك، وهُو خِيارٌ له وَجْهٌ، والأرْجحُ خِلافُه، لِوُجودِ عِدَّةٍ كامِلةٍ غَيرِ مُبعضةٍ.
ولا يُعرفُ التَّبعيضُ على الفَتوى إلا فِي التَّداخُلِ [على ما 1 رجَّحْناهُ وما سَبقَ على وَجْهٍ هُو فِي غَيرِ التَّداخُلِ] 2.
وإنْ كانتَا 3 مِن جِنْسَينِ كحَملٍ مِن نِكاحٍ، أوْ مِن حَادثٍ بِشُبهةٍ، فالأصحُّ التداخلُ 4، فتَنقضِيانِ بالوَضعِ، ولا أثَرَ لِمُضيِّ الأشهُرِ مَع الحَملِ، ولا لِرُؤيةِ الدَّمِ على الحَملِ، وإن جَعلْناهُ حَيْضًا.
ومَا وَقعَ فِي "الروضة" تَبَعًا 5 للشرحِ مِن قولِه: "إنْ جَعلْنَاهُ حَيْضًا انْقضَتِ العِدَّةُ بالأَقْراءِ مَعَ الحَملِ على الأصَحِّ" إنَّما هو 6 تَفريغ على عَدَمِ التَّداخُلِ 7، ولَزِمَ مِنْ فَهْمِ خِلافِ ذلك أوْهَامٌ كَثيرةٌ تَتَعلَّقُ بِالرَّجعةِ،
والمِيراثِ، والنَّفقةِ، ولحاقِ الطَّلَاقِ، وغَيرِ ذلك، وعلى 1 عَدمِ التداخُلِ تَنقضِي بالأشهُرِ أيضًا فيمَنْ تَعتدُّ بالأشهُرِ.
ولو أحْبَلَ خَلِيةً بشُبهةٍ، ثم نكَحَهَا، ووَطِئَهَا، ثُم فارقَهَا، فلا تداخُلَ على الأرْجَحِ، فتَعتدُّ بعْدَ وَضْعِهِ للفِراقِ 2.
ولَوْ رَأَتِ الدَّمَ على الحَمْلِ، وجَعلْنَاه حَيْضًا؛ انقَضتْ به عِدَّةُ الفِراقِ على الأرْجحِ، وكذلك بالأشهُرِ.
= وإن قلنا "لا تتداخل" نظر: فإن طرأ الوطء على الحمل انقضت عدة الطَّلَاق بالوضع، وانقطعت الرجعة، واستأنفت الأقراء بعده للوطء، وعلى هذا: لو كانت ترى الدم أيام الحمل قال القاضي والشيخ أبو حامد تنقضي بها عدة الوطء إذا قلنا إنه حيض ويؤدي إلى انقضاء عدتين مختلفتين في زمان واحد لجريان الصورتين، وعللوا بأن سبب لزوم الأقراء مجرد التعبد ولا تشترط البراءة، وقال الشيخ أبو محمد كونها في مظنة الدلالة على البراءة لا بد منه إذ به يحصل التعبد فلا بد من استئناف الأقراء بعد الوضع.
انظر "الوسيط" (6/ 136 - 137).
ضابط
ٌ: لا تَنقضِي العِدَّةُ بالأَقْراءِ أوِ الأشهُرِ مع وُجودِ الحَمْلِ على الأرْجَحِ إلا فِي هذا، وحَمْلِ الزِّنى، وطردَه القاضِي حُسينٌ فِي العِدتَينِ مِن شَخصَينِ -يعني؛ حَيثُ لا تَداخُلَ- وذكَرَه فِي الأَقْراءِ، وهو القِياسُ؛ خِلافًا لِمَنْ ضَعَّفَه، ويأتي مِثلُه فِي الأشهُرِ.
وأمَّا ما تعلَّقَ مِن العِدَدِ لِشخصَينِ 1 فأكثَرَ فِي أَهْلِ الحَربِ، فإنه يُحكَمُ فيها بالتداخُلِ على النَّصِّ فِي "الأُم" فِي تَفريعِ نِكاحِ أهْلِ الشِّركِ 2.
ونَسبَه البَندَنيجِي إلى "الجامع الكبير" وصحَّحَه هو والبغويُّ، فهُو المُعتمَدُ 3؛ خِلافًا لِمَنْ رَجَّحَ عَدمَ التَّداخُلِ، ولِمَنْ رَجَّحَ سُقوطَ بَقيةِ الأوَّل.
ولو أنَّ الأولَ حَربيٌّ، والثاني مُسلِمٌ أو ذِمِّيٌّ، دخَلتْ بقيةُ الأوَّلِ فِي عدَّةِ الثاني، بخِلافِ 4 العَكسِ.
وحيثُ كانتِ المَرأةُ مُسلِمةً أو ذِمِّيَّةً فلا تَداخُلَ، وعلى التَّداخُلِ لا تَنقضِي
العِدَّةُ بالأَقْراءِ على الحَمْلِ كمَا سَبقَ، وأمَّا فِي غَيرِ ذلك فلا تَداخُلَ على المَذهبِ، فتُقدَّمُ عِدَّةُ الحَملِ 1 وإنْ تأخَّرَ سَببُها.
وحيثُ لا حَمْلَ تَتَقدَّمُ عِدَّةُ الطَّلَاقِ، وإنْ تَأخَّرَ عَن عِدَّةِ الشُّبهةِ، وفِي غَيرِ ذلك يُقدَّمُ السابِقُ.
وتَنقطِعُ عِدةُ الطَّلَاقِ فِي غَيرِ الحَملِ 2 بالوَطءِ، لا بِمُجرَّدِ العَقدِ الفَاسِدِ، وتَعودُ إلى عِدَّةِ الطَّلَاقِ مِن التَّفريقِ، وفِي الحَامِلِ مِن الوَضعِ، ولا يُحسَبُ زَمَنُ الافتِراشِ بعْدَ الوَطءِ عنْ عِدَّةٍ بِغَيرِ الحَملِ، فإنْ لَم يَطأْ لَمْ يَمنع الاحتِسابَ على الأصَحِّ.
ومُخالطةُ صَاحبِ العِدَّةِ بالوَطءِ غَير الزِّنى والاستِفْراش مَعَه، حيثُ لا حَملَ مانعٌ مِن انقِضاءِ عِدُّتِه 3، فإنْ لَمْ يَطأْ لَم تَمنعْ مخالطتُه الانقضاءَ فِي البائِنِ ولا فِي الرَّجعيةِ على الأصَحِّ المُعتمَدِ الذي قالَه المُحقِّقونَ، ولا نَصَّ للشافعيِّ فِي المَسألةِ، وإطلاقاتُهُ تُوافِقُ ما ذَكرْنَاهُ، وكذَا إطْلاقُ العِراقِيِّينَ 4.
ومَنْ صَحَّحَ عَدمَ الانقِضاءِ فِي الرَّجعيَّةِ لَمْ يَأتِ بحُجَّةٍ قَويَّةٍ 5 ولا شَاهدٍ مِنْ كَلامِ الشَّافعيِّ، فلا يُفتَى به، وعليه تصِحُّ رَجعتُهُ وطلاقُهُ بعْدَ مُضيِّ صُورةِ
العِدَّةِ، ولَمْ يَقُلْ أَحدٌ بعْدَ مُضِيِّها أنَّه يَقَعُ طَلاقُهُ، ولا تَصِحُّ رَجْعتُه، وما ذُكِرَ فِي "الرَّوضةِ" 1 وأَصْلِها و"المنهاج" 2 فِي ذلك وَهْمٌ.
ومَا الذِي يُقالُ فِي تَزويجِ أُختِها وأَرْبعٍ سِواهَا ونَفقتِها وانتِقالِها لِعِدَّةِ الوَفاةِ، وكلُّ ذلك يَدلُّ على خَطإِ التَّفصيلِ المَذكورِ.
ولَو عاشَرَها غَيرُ صَاحبِ العِدَّةِ بِشُبهةٍ مِن غَيرِ وَطءٍ انقَضتْ على الأرْجَحِ، ولَو كانَ مَالكَها، فإنْ وَطِئَ لَمْ يُحسَبْ زَمنُ الوَطءِ، ولا زَمنُ الاستِفراشِ 3 بَعْدَه، ومتَى وَضعتِ الحملَ انقضَتِ العدةُ قَطْعًا.
فصل في الإحداد وسكنى المعتدة وزوجة المفقود
يَجِبُ الإحْدادُ على المُعتدَّةِ عَن 1 وَفاةِ زَوجِها 2.
فلَوْ مَاتَ وهِيَ حَاملٌ بوَطءِ شُبهةٍ مِن غَيرِه، وقُلْنا "لا تُحسَبُ المُدةُ معَ الحَملِ" فلَا إِحْدادَ علَيها حتَّى تَضَعَ.
وإنْ قُلْنَا "تُحسَبُ" وَجَبَ الإحْدادُ مِنَ الوَفاةِ إلى أَنْ تَنقضِيَ عِدَّةُ الوَفاةِ قَبْلَ الوَضعِ أو بَعْدَه.
وهذَا الأَخيرُ يَجيءُ فِي الحَامِلِ المُعتدَّةِ بأَقْصَى الأَجَلَيْنِ، وأمَّا مَن تَعتدُّ بِأقْصاهُما للاحتِياطِ فلَا إِحْدادَ علَيْها، إذْ لَمْ يَتعينْ أنَّها للْوَفاةِ، ولَا المُرتابةُ لانقِضاءِ العِدَّةِ ظَاهرًا.
وزَمَنُ الافتِراشِ الذي لا يُحسَبُ مِن عِدَّةِ الوَفاةِ [لا إِحدادَ علَيها فيه.
وإذَا أَحْبلَتْ فِي أَثناءِ عِدَّتِها بِشُبهةٍ، حَيثُ لا تَنقطعُ عِدَّةُ الوَفاةِ فيه] 1، فالإِحدَادُ مُستمِرٌّ، وحيثُ انقطَعتْ: فلا إِحدادَ حِينئِذٍ.
ولا يَجِبُ الإحدادُ على البَائِنِ على الجَديدِ، ولا على الرَّجعيةِ قَطْعًا، ويُستحبُّ على الأرْجَحِ، فإذا ماتَ قبْلَ انقِضاءِ عِدَّةِ الرَّجعيةِ انتَقلَتْ لِعدَّةِ الوَفاةِ وَوجَبَ حينئِذٍ الإحْدادُ.
ولا إِحدادَ على مُعتدَّةٍ مِن وَطءٍ بِشُبهةٍ أوْ مُستبرأَةٍ 2.
ويَحرُمُ الإحدادُ بمُجردِ مَوتِ قَريبٍ ونحوِه فوقَ ثَلاثةِ أيَّامِ.
ولا يَحرُمُ على أُمِّ الوَلدِ زَمنَ الاستِبراءِ الإحدادُ بِمَوتِ السيِّدِ ولَا بإِعْتاقِه إيَّاها لأنَّها تُشبِهُ الزَّوجةَ، ولا يَقْوى 3 الشَّبهُ للإيجابِ، وكذلك المُعتدَّةُ عنِ الشُّبهةِ.
وما وَقعَ فِي "الروضة" 4 وأَصلِها و"المنهاج" ممَّا يُخالِفُ ذلك، فلَيْسَ بِمُعتمَدٍ.
ويجِبُ الإحدادُ على الكَافِرَةِ، وغَيرِ المُكلَّفةِ، ويَمنعُها الوليُّ ممَّا تَمتنِعُ 1 منه المُكلَّفةُ 2. ويَسقُطُ الإحْدَادُ بِمَوتِ الحَادِّ.
والإِحْدادُ: ترْكُ التزيُّنِ بِوَاحِدٍ مِن خَمسةٍ مَخصوصةٍ، وهي: ثيابٌ وحُلِيٌّ وكحلٌ وخِضابٌ ودُهنٌ وتطيُّبٌ.
وفِي الثّيابِ زِينتانِ:
فأمَّا التي لَمْ يَدخُلْ علَيها شَيءٌ مِن غَيرِها فلَا يَحرُمُ، ومِن ذلك الإبْرَيْسِمُ 3، نَصَّ عليه فِي "الأُمِّ" 4 وفِي "الرافعي" لم يُنْقَلْ فيه نصٌّ عنِ الشَّافعيِّ.
وأمَّا التي صُنِعتْ 5 للزِّينةِ أو فيها شَيْءٌ فَحرامٌ معَ الغِلَظِ أيضًا، نَصَّ عليه فِي "الأُم".
وأمَّا ثَوْبُ العَصْبِ ففِي "الأُم": يَحرُمُ ولو كان غَلِيظًا.
ونَقَلَ ابنُ بِشرِي عنِ القَديمِ يُجْتنبُ 1 العَصْبُ إلا عَصْبًا غَلِيظًا.
وما ذَكرَه 2 فِي "الأُم" يَحتاجُ إلى جَوابٍ عما صَحَّ فِي الخَبَرِ مِن حديثِ أمِّ عطيةَ وفيه: "لا نَلْبَسَ ثَوْبًا فَصْبُوغًا، إِلَا ثَوْبَ عَصْبٍ" 3.
وهذا الاستِثْناءُ ثَابتٌ فِي "الصحِيحَينِ" مِن حَديثِ هِشامِ بْنِ حَسَّانَ، عنْ حَفصةَ بنتِ سِيرينَ، عَنْ أُمِّ عَطيةَ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 4.
وثَابتٌ فِيهما مِنْ حَديثِ أَيُّوبَ، عنْ حَفْصةَ، عنْ أُمِّ عَطيةَ: كُنَّا نُنهَى، وفيه: "إلا ثَوبَ عَضبٍ" 5.
ولا يُعارِضُ هذا روايةُ مُحمَّدِ بْنِ المِنهالِ، عَنْ يَزيدَ بْنِ زُريعٍ، عَن هِشامٍ:
"وَلا ثَوب عَصْب" 1 لأنَّ عَباسَ بْنَ الوَليدِ رَواه عن يَزيدَ: "إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ".
وأمَّا رِوايةُ: "إلَّا ثوبًا مَغْسُولًا" 2 فهيَ رِوايةٌ مُخالِفة للرِّواياتِ كلِّها، والمُعتمَدُ رِوايةُ الجَماعةِ.
فإمَّا أَنْ يَكونَ ذلك لَمْ يَبلُغِ الشَّافعيَّ، أو بَلَغهُ وقامَ عِندهُ ما يَمْنعُ مِن العَملِ به: مِن تَعارضٍ ورُجوعٍ إلى أَصْلٍ وقِياسٍ، أو حَمَلهُ على الأَسْودِ كُلِّه.
والمُعتَمَدُ الفَتوى بالخَبَرِ.
والعَصْبُ على هذا بَياضٌ وسَوادٌ، وذلك غَيْرُ مَمْنوعٍ، خِلافًا للمَاوَرْديِّ وغَيرِه.
ومُقتضَى نَصِّ "الأُم" أنه يَحرُمُ ما صُبغَ قَبْلَ النَّسيجِ، وأَجازَ أبُو إسْحاقَ ذلك، وهو قَضيةُ نصِّ البُويطيِّ، وقال الخَطَّابيُّ: هو أَشْبَهُ بالخَبَرِ.
وأمَّا ما صُبغَ لِغَيرِ الزِّينةِ مِن أَسْودَ وكُحليٍّ فلا يَحرُمُ، ونصَّ فِي "الأُم" أنَّ الأخْضَرَ غيرَ الصافِي يُقارِبُ السَّوادَ فلا يَحرُمُ (1).
وفِي "الروضة" (2) تَبَعًا للشَّرحِ وغَيرِه: أنَّ الأخْضَرَ أو الأزْرَقَ إنْ كانَ برَّاقًا حَرُمَ، فإن حُمِلَ البرَّاقُ على الصَّافِي وَافَقَ النصَّ.
ولا يَحرُمُ الطرازُ مِن الحَريرِ أو المَصبوغُ بمَا لا يمنعُ منهُ وكان لَونُه كَلَونِ الثَّوبِ، وإلا فيحرُمُ لأنَّه زِينةٌ.
وكذا مَا كانَ فِي تَطريزِ صَدرٍ وجَمعِه وغيرِها.
ولَو لَبِستْ ما مُنِعَتْ منه لَيْلًا لِلإِحْرازِ أو نهارًا تَحْتَ ثَوبٍ غَير مَمنوعٍ مِنه، فجَائِزٌ.
ويَحرُمُ علَيْها أَنْ تَلْبسَ المَمنوعَ مِنه نَهارًا ظَاهرًا ولو كانَتْ وَحْدَها.
وأمَّا الحُلِيُّ:
ففِي حَديثِ أُمِّ سَلَمةَ زَوجِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عنه صلى اللَّهُ عليه12
وسلَّمَ أنه قالَ: "المُتوفَى عَنْها لا تلبَسُ الحُلِيَّ" (1).
ولَمْ يِتعرَّضْ له الشافعي إلَّا فِي "البويطي" ففيه: ولا تَلْبَسُ شَيئًا مِن الحُلِيِّ خَاتمًا ولا غُيرَه (2).
وهذا يَحتمِلُ أنَّه أخَذَه مِنَ الخَبَرِ أو القِياسِ على ما منعَ مِنه للزِّينةِ.
ويَحرُمُ التَّحلَي باللاَلئِ على الراجِحِ؛ لأنَّ المَدارَ هُنا على مَعْنى الزِّينةِ لا على عَينِ (3) الذَّهبِ والفِضَّةِ (4).
ويَحرُمُ المُمَوَّهُ بِوَاحدٍ مِنْهما والمُشابِهُ له، وكذا إنْ عُرِفَ بِغَيرِ تأمُّلٍ فِي حقِّ مَن تَتزيَّنُ بِه.
وأمَّا قِلادةُ العَنبَرِ
(5): ففِيها زِينةٌ وطِيب، ولَو لَبِستْه لَيْلًا لِلإِحرازِ لَمْ تُمنعْ مِنه، وإلا مُنِعتْ إذا كان ظاهرًا.
وأمَّا الكحْلُ:
فقدْ صَحَّ فِي حديثِ أُمِّ سَلَمةَ وأُمِّ عَطيةَ -رضي اللَّه عنهما- نَهيُ النَّبيِّ12345
-صلى اللَّه عليه وسلم- عنْهُ.
وروَى الشَّافعيُّ فِي "الأُم" حَديثَ أُمِّ سَلمةَ، وقال: "كلُّ كحْلٍ كانَ زِينةً، فلا 1 خَيْرَ فيه، لَها مِثل الإثمِدِ وغيرُهُ مما يَحْسُنُ موقعُهُ فِي عينِها" 2.
ولَمْ يُفرِّقِ الشافعيُّ بيْنَ أَنْ يَكونَ فيه طِيبٌ أو لا يَكونَ، ولا بيْنَ البَيْضاءِ والسَّوداءِ.
وفِي "النِّهاية" 3 نصَّ الشافعيُّ فِي بَعْضِ المَواضِعِ على تَجْويزِ اكتِحالِ السَّوداءِ بالإثمِدِ، قال: وأَجْمعَ الأصْحابُ على أنَّ ذلك فِي العَرَبيَّاتِ؛ لأنَّهُنَّ يَغلُبُ على ألْوانِهنَّ السَّوادُ، فلا يَتبيَّنُ الإثِمِدُ فِي أعينِهِن.
وهذا الذي ذَكرَهُ فِي "النهاية" مِن النصِّ وإجْماعِ الأصْحابِ هو مَوجودٌ فِي "إبانة الفوراني" و"تعليق القاضي حسين"، وهو مُخالِفٌ لِلْمَشهورِ المَعروفِ مِن التَّسويةِ فِي الإثمِدِ بيْنَ البَيْضاءِ والسَّوداءِ 4.
ويُوجَدُ فِي السَّوداءِ تَحسين بالكحْلِ بالإثمِدِ، ويَحرُمُ أَنْ تَستعمِلَه فِي الحَاجِبِ.
وأمَّا الكحْلُ الأصْفَرُ -وهو الصَّبْرُ- فحَرامٌ على السوداءِ، وكذا على البَيْضاءِ 1 على الأصحِّ، لأنه يُحَسِّن العَيْنَ 2.
وأمَّا الكحْلُ الأبيَضُ فإنه لا يحرُمُ.
ويحرُمُ أن تَطلِيَ الوَجْهَ بما يُحسِّنُهُ.
ويُستثنَى مِن الطِّيبِ صُورةٌ مَرويةٌ فِي الخَبرِ المَشهورِ الصَّحيحِ 3، لَمْ يَتعرَّضُوا لَها، وهيَ: ما إذَا طَهُرَتْ مِن حَيضِها، ففِي الحديثِ: "وَلا تَمَسَّ طِيبًا، إِلَا عِنْد 4 أَدْنَى طُهْرِهَا إِذَا [اغتَسلَتْ مِن حَيضِها] 5 نُبْذَةً 6 مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ 7 " 8... انتهى.
= بالبيضاء التي يظهر في وجهها، هكذا نقله الإمام عن (إجماع) الأصحاب، لكن الرافعي بعد أن نقل هذا عن الإمام، قال: "والظاهر عند أكثرين، أنه لا فرق بين البيضاء والسوداء، قالوا (أي الأكثرون): أثر الكحل يظهر في بياض العين، ويدل عليه إطلاق الأخبار".. (ر.
الشرح الكبير: 9/ 495).
ويلحقُ انقطاعُ دَمِ النِّفاسِ بما ذُكِرَ فِي الحَيضِ، ولَمْ يَذكرُوه.
وإذا احْتَاجَتْ إلى الكُحلِ للرَّمَدِ اكتَحَلَتْ لَيْلًا ومَسحتْه نَهارًا.
ويحرُمُ أَنْ تَختضِبَ 1 بحِنَّاءٍ ونَحوِهِ فيمَا ظَهرَ مِن البَدنِ كالوَجْهِ واليَدَينِ والرِّجلَيْنِ، ولا يَحرُمُ فيما تَحْتَ الثِّيابِ.
والغَاليةُ إنْ ذَهبَ رِيحُها فهِيَ كالخِضابِ، وأمَّا الرَّأسُ فإن غَالِبَها تَحْتَ الثِّيابِ، وهِيَ فِي حَديثِ أُمِّ سَلَمةَ فِي أبي دَاودَ والنَّسائيِّ: "وَلا تَمْشِطِي بِالطِّيبِ وَلا بِالحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَاب"، قَالَتْ: قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ" 2.
وأما تَجْعِيدُ الْأَصْدَاغِ، وَتَصْفِيفُ الطُّرَّةِ، ففِي "النهاية" 3 لا نَقْلَ فيه، = الحيض لإزالة الرائحة الكريهة لا للتطيب سمي باسم موضع بساحل عدن يجلب منه عود الطيب.
قال: ولا يمتنعُ أن يكونَ كالحُلِيِّ.
وأمَّا دهْنُ الرَّأسِ فحَرامٌ، بِكُلِّ دُهنٍ، وإنْ لَمْ يَكنْ فِي الدُّهنِ طِيبٌ؛ لأنه زِينةٌ.
ويَجوزُ لَها دهنُ البَدَنِ ممَّا لا طِيبَ فيه كالزَّيتِ ونحوِه 1.
ويحرُمُ عليها أَكْلُ طَعامٍ فيه طِيبٌ ظَاهرٌ 2.
ويَحِلُّ لها دُخولُ الحَمَّامِ، وقلْمُ أظفارٍ، وإزالةُ شَعَرِ العَانةِ، والأوْساخِ، فإنَّها ليْسَتْ مِن الزِّينةِ 3.
ولَو تَركتِ الإحْدادَ فِي العِدَّةِ أو بعضِها عَصَتْ وانقضَتْ عدَّتُها 4.
وأما سُكنَى المُعتدَّةِ فتَجِبُ للرَّجعيةِ فِي حالِ عدَّتِها مِن المُطلِّقِ بالحَمْل وبِعيرِهِ 5. فإنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ غَيرِ الطَّلَاقِ لِغَيرِ المُطلقِ، فلا سُكْنى لَها على المُطلِّقِ حَتى تَدخُلَ فِي عِدَّةِ الرَّجعةِ.
وإذا قُلْنا: لا تَنقضِي عِدةُ الرَّجعيةِ 1 التي يُعاشِرُها المُطلِّقُ فلَها السُّكْنَى؛ لأنَّها فِي حُكْمِ الزَّوجةِ وتَجِبُ لِلْبائِنِ بخُلعٍ أو استيفاءِ العَدَدِ أو باللِّعانِ.
وأمَّا فُرقَةُ الفَسخِ بِعَيبٍ أوْ إسلامٍ أو رِدَّةٍ أو رَضاعٍ أو بِخُلْفِ شَرْطٍ أو عِتْقٍ ففِي ذلك طُرُقٌ واضْطِرابٌ 2.
وفِي "مختصَرِ المُزنيِّ" 3 في (باب العيب فِي المنكوحةِ) [ما نصُّه] 4:
فإن اخْتَارَ فِراقَها قَبْلَ المَسيسِ فَلَا 1 مَهْرَ 2، وإنِ اختارَ فِراقَها بعْدَ المَسيسِ فلَها مَهْرُ المِثلِ بالمَسيسِ، ولا نفقةَ عليه فِي عدَّتِها ولا سُكنى.
انتَهَى.
ونصَّ على ذلك فِي "الأُم" 3 فِي التَّرجمةِ المَذكورةِ.
وفِي "الأُم" فِي تَرجمةِ النَّفقةِ فِي العِدَّةِ: [إذَا أَسْلَمتِ المَرأَةُ قبْلَ الزَّوجِ ثُمَّ أَسْلمَ الزَّوجُ وهِيَ فِي العِدَّةِ، فهُما على النِّكاحِ، وإنْ أسْلَمَ الزَّوج بعْدَ انقِضاءِ العِدَّةِ انْقَضتِ العِصْمةُ بيْنَهُما، ولَها علَيْه النَّفقةُ فِي العِدَّةِ] 4 فِي الوَجْهَينِ جَميعًا، لأنَّها كانتْ مَحْبوسةً 5 علَيْه، ثم قال: ولَوْ كانَ الزَّوْجُ هو المُسلِمَ وهِي المُتخلِّفةُ عنِ الإسلام 6، ثُمَّ أسْلمَتْ فِي العِدَّةِ أو لَمْ تُسلِمْ حتَّى تَنقَضِيَ لَمْ يَكنْ لَها نَفقة فِي أَيَّامِ كُفرِها، لأنَّها هِيَ 7 المانِعةُ نَفْسَها مِنه.
وفِي تَرجمةِ (مال 8 المُرتدِّ وزَوجِه) 9 مِن "كتاب المرتد":
(وَلَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةُ كَانَ الْقَوْلُ فِيمَا 10 [تَحِلُّ بِهِ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ وَتَبِينُ
مِنْهُ وَتَثْبُتُ مَعَهُ] 1 كَالْقَوْلِ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدُّ وَهِيَ الْمُؤْمِنَةُ 2، لَا تخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ، إلَّا أَنَّهَا إذَا ارْتَدَّتْ عَنْ الأيمَانِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مَالِهِ؛ فِي عِدَّةٍ وَلَا غَيْرِهَا لِأنَّهَا هِيَ الَّتِي حَرَّمَتْ فَرْجَهَا عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّتْ إلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ يَهُودِيَّةٍ 3 [لَمْ تَحْلُلْ لَهُ لِأنَّهَا لَا تُتْرَكُ عَلَيْهَا] 4 وَإِن 5 ارْتَدَّ هُوَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا فِي عِدَّتِهَا لِأنَّهَا لَمْ تَبِنْ مِنْهُ إلَّا بِمُضِيِّ عِدَّتِهَا).
وقولُه -رضي اللَّه عنه-: "لِأنَّهَا لَمْ تَبِنْ مِنْهُ إلَّا بِمُضِيِّ عِدَّتِهَا"؛ يَقتضِي أنَّها مُلْحَقة بالرَّجعيةِ، ولَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذلك.
ويَظهَرُ مِمَّا قَدَّمناهُ مِن النُّصوصِ 6 أنَّ الذي فِي "المحرر" و"المنهاج" 7 و"الشرح" و"الروضة" 8 فِي ذلك غَيرُ مُعتمَدٍ:
فإنَّ فِي "المحرر" 9: الأظْهَرُ أنَّ المُعتدَّةَ عنْ سَائِرِ أسْبابِ الفِراقِ فِي الحَياةِ كالمُطلَّقةِ، وهذا 10 يَقتضِي أنه إذا فُسِخَ بِعَيْبِها أنَّ لَها السُّكْنَى.
وقال فِي "المنهاج" (1): إنَّه المَذهبُ.
وذلك كلُّه غَيْرُ مُعتمَدٍ، وخِلافُ نصِّ الشَّافعيِّ فِي "المختصر" وقدْ تَقدَّمَ، ولَمْ أَرَ نصًّا يُخالِفُ ذلك.
وإذَا فسخَتْ بِعَيبِه فأَوْلَى أن لا سُكنَى لَها، وقدْ ذَكَرَ فِي "الروضة" (2) تَبَعًا للشَّرحِ فِي العُيوبِ مِثْلَ ما قرَّرْناهُ، فقالَ:
(الْمَفْسُوخُ نِكَاحُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا سُكْنَى إِذَا كَانَتْ حَائِلًا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، وقُلْنَا إن النَّفقَةَ لِلْحَامِلِ (3)، لَمْ تَجِبْ.
وَأَمَّا السُّكْنَى فلَا تَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ) (4).
ولَمْ يفرِّقِ الشَّافعيُّ بَيْنَ أَنْ تَفسَخَ بِعَيْبِها أو تفسخَ بِعَيبِه، وهذا هو المُعتمَدُ.
وذَكرَ هُنا القَطعَ بأنَّها تَستحقُّ السُّكنَى، وأنَّ المُتولِّي قال: إنَّه المَذهَبُ، ومِنْه عبَّر فِي "المنهاج" (5) بالمَذْهَبِ، والمَذهبُ خِلافُه، كمَا تَقدَّمَ.
وأمَّا الفُرقَةُ بالإسْلامِ:
فقدْ نَصَّ الشَّافعيُّ فيها على التَّفصيلِ بيْنَ12345
إسْلامِها وإسْلامِه بالنِّسبةِ إلى النَّفقةِ، وذلك يَجرِي فِي السُّكنَى لَها، فإطْلاقُ القَولِ باسْتِحقاقِها السُّكنَى كما وَقعَ فِي الكُتبِ الأرْبعةِ غَيرُ مُعتمَدٍ، وهو فِي الكُتبِ الأرْبعةِ فِي النِّكاحِ على الصَّوابِ.
وكذلك القولُ فِي الرِّدَّةِ.
وأمَّا الرَّضاعُ:
فمُقتضى ما فِي الكُتبِ الأرْبعةِ إطْلاقُ (1) إيجابِ السُّكنَى لَها، وليس ذلك بِمُعتمَدٍ، بَلْ إن كان الزَّوجُ أرْضَعَها أوْ أجنَبيٌّ، فلَها السُّكنَى، وإنْ كانَتْ هي أرْضَعتْ ولو صغيرةً، فإنه (2) لا سُكنَى، لأنَّ الفُرقةَ جَاءتْ مِن قِبَلِها، فأشْبَهَ ما إذا فَسخَتْ بِعَيْبِه.
ويَجرِي ما ذَكرْناه فِي الرَّضاعِ فِي الفُرقةِ (3) بالمُصاهرةِ.
وأمَّا الفُرقةُ بِخيارِ العِتْقِ:
فمُقتضَى ما فِي الكُتبِ الأرْبعةِ إيجابُ السُّكنَى لَها، وليس ذلك بِمُعتمَدٍ، ومُقتضَى النَّصِّ فِي الفَسْخِ بِالعَيْبِ أنَّه لا سُكنَى لَها لِلمُفارَقةِ بِخُلْفِ شَرطٍ أوْ غُرورٍ، والمَدارُ على التَّفصيلِ المَذكورِ لِوُجودِ النُّصوصِ به، وهو طَريقٌ مِن الطُّرقِ الخَمسةِ المَذْكورةِ 4 فِي "الروضة" تَبَعًا للشرْحِ.123
ولا تَستحِقُّ السُّكْنَى صَغيرةٌ؛ لا 1 تَحتمِلُ الجِماعَ، ولا أَمَةٌ لَمْ يُسَلِّمْها السيِّدُ نَهارًا ولَيْلًا 2.
ولا سُكنَى لِمُعتدَّةٍ عنْ وَطءِ شُبهةٍ، أوْ نِكاحٍ فاسدٍ، أوْ أُمِّ وَلدٍ.
وتَجِبُ السُّكنَى لِلْمُتوفَّى عنها زَوجُها على 3 الأصحِّ.
وعلى مَن استَحقَّتِ السُّكنَى مِن المُعتدَّاتِ مُلازَمةُ المَسكَنِ الذي 4 كانتْ فيه عِنْدَ الفِراقِ، إلا أَنْ يَمنعَ مِنه مانعٌ شرعيٌّ، كما سَيأتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى.
وليس لِلزَّوجِ ولا لِأهْلِه 5 إخْراجُها مِنه، ولا لَها أَنْ تَخرُجَ، ولو اتفقَ الزَّوجانِ على الانتِقالِ مِنْ غَيرِ حَاجةٍ لَمْ يَجُزْ.
كذا أطْلَقه أصحابُ الكُتبِ الأرْبعةِ، وقيَّدَه المَاورْديُّ والشيخُ فِي "المهذب" وصاحبُ "المِنهاج" فِي "تعليقه على التنبيه" بالطَّلَاقِ، وغيرُهم بالطَّلَاق البائِنِ، فإنْ كانَتْ رَجعيَّة فلِلزَّوجِ أن يُسكِنَها حيثُ شَاءَ.
وهذا القَيْدُ عندي غيرُ مُعتبَرٍ، وهو مَردودٌ بآياتِ سورةِ الطَّلَاقِ، ومُخالِفٌ لِنَصِّ الشَّافعيِّ فِي "الأُم" و"مختصر المزني" 6 على خِلافِه فِي مَواضِعَ.
قال فِي "الأُم" 1 فِي تَرجمة (مقام المُتوفَّى عنها زَوجُها 2 والمُطلَّقةِ فِي بَيتِها): "وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَهَا سُكْنَاهَا فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مَا كَانَتِ الْعِدَّةُ حَمْلًا أَوْ شُهُورًا كَانَ الطَّلَاق يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُهَا".
ثم قال 3: "وَلَا يَكُونُ لِلزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ إخْرَاجُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَسْكَنِهَا الَّذِي 4 كَانَتْ تَسْكُنُ مَعَهُ كَانَ لَهُ الْمَسْكَنُ 5 أَم لَمْ يَكُنْ".
وقال بعد ذلك 6: "إذَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْلُهَا عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهَا انْتَقِلِي إلَيْهِ أَقِيمِي فِيهِ حَتَّى يُرَاجِعَهَا فَيَنْقُلَهَا مِن حيثُ شاء إلى حيثُ شَاءَ" 7.
[ولَو أَرادَ نَقْلَها قَبْلَ أَنْ يَرتجِعها] 8 أوْ مِنْ مَنزِلِها الذي طلَّقَها فيه، أو مِن سَفرٍ 9 أَذِنَ لها فِيه، أوْ مِن مَنزلٍ حَوَّلَها إلَيْه: لَمْ يَكنْ ذلك له عندي كما لا يَكونُ له فِي التي لا يَملِكُ رَجعَتَها.
وذَكَرَ مَواضِعَ فِي الطَّلَاقِ الذي لا يَملِكُ فيه الرَّجعةَ لِمعنى يخُصُّها لا
يُخالِفُ ما نحن فيه.
وفِي "المختصر" (1): (فإذَا طَلَّقَها فلَها السُّكنَى فِي مَنزلِه [حتى تَنقضيَ عدَّتُها] (2) يَملكُ الرَّجعةَ أوْ لَا (3) يَمْلِكُها).
فهذه نُصوصُ صاحبِ المَذْهبِ رادَّةٌ على مَن خالَف ذلك.
والمَنزِلُ الذي تَجِبُ مُلازمتُه هو ما كان مُستحَقًّا لها، فلو كان زائدًا على المُستحقِّ لها؛ فلِلزَّوجِ أَنْ يُخرِجَها منه إلى ما تَستحِقُه، وإنْ كانَ ناقصًا عنِ المستحَقِّ لها فلها طَلَبُ المُستحَقِّ لها والانتقالُ إليه، وتجِبُ مُراعاةُ الأقْربِ.
والصُّورُ (4) التي يَجُوزُ لِلْمعتدةِ الانتقالُ مِن مَسْكنِ الفِراقِ المستحَقِّ لها إلى غَيرِهِ كَثيرةٌ:
مِنْهَا: إِذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ مَالِهَا مِنْ هَدْمٍ أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ غَرَقٍ، أو نهبٍ، أو انَتقلَ السَّاكِنونَ عنِ الخطةِ التي هي فيها أو لَمْ تَكُنِ الدَّارُ حَصِينَةً وَخَافَتِ اللُّصوصَ، أَوْ كَانَتْ بَيْنَ فَسَقَةٍ تَخَافُ منهم عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ تَتَأَذَّى مِنَ الْجِيرَانِ أَوِ الْأَحْمَاءِ تَأَذَيًا شَدِيدًا، أَوْ تَبْذُو على أَحْمائِها أَوْ 5 تَسْتَطِيلُ بِلِسَانِهَا عَلَيْهِمْ 6.1234
ولا تَسقُطُ سُكناها على النَّصِّ فِي "الأُم" وقال به الجُمهورُ خِلافًا للبغَويِّ 1.
ويَتحرَّى القريبَ مِن مَسكَنِ الفِراقِ، كذا قالوه 2، والأرْجَحُ خِلافُهُ.
ولَم يَذكُرِ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي حديثِ فاطمةَ بِنْتِ قَيسٍ 3 ما يَقتضِي اعْتِبارَ القُربِ.
وقيَّدَ فِي "الروضة" 4 تَبَعًا للشرحِ موضِعَ النَّقل بالبَذَاءِ بما إذا كانتِ الأحْمَاءُ فِي دَارٍ تَسَعُ جَميعَهُم، فإن كانتْ لا تسَعُ الجَميعَ نَقلَ] 5 الزوجُ 6 الأحماءَ،
وَتَرَكَ الدَّارَ لها.
وهذا القيدُ عندي غيرُ مُعتبَرٍ.
وفِي "الأُم" (1): "إن بذَتْ أَخرجَ أهلَهُ عنها إنْ لَمْ يَكنْ أخَرجَها"، ولَم يتعرَّضْ لِهَذا القيدِ الذي لا معنى له.
وإن كَانَ الْبَذَاءُ مِنَ الْأَحْمَاءِ دُونَهَا، نُقِلُوا دُونَهَا، وَلَوْ كَانَتْ فِي دَارِ أَبَوَيْهَا فبذتْ عليهما أَوْ بَذَا الْأَبَوَانِ عَلَيْهَا، لَمْ يُنْقَلْ وَاحِد مِنْهُمْ، لِأَنَّ الشَّرَّ [وَالْوَحْشَةَ] (2) لَا تَطُولُ بَيْنَهُمْ، فَلَوْ كَانَ أَحْمَاؤُهَا فِي بيت أَبَوَيْهَا، وَبَذَتْ عَلَيْهِمْ، نُقِلُوا دُونَهَا، لأَنَّهَا أَحَقُّ بِدَارِ أَبَوَيْهَا.
وبَقِي مِن المُعتدَّاتِ البَدويَّةُ وساكِنةُ السَّفينةِ مَع زوجِها الذي لا مَسْكنَ لهُ سِوى السفينةِ:
فأمَّا البَدويةُ
التي بيتُها مِن صُوفٍ أو شعرٍ فتلازِمُهُ، كمَنزلِ الحضَريةِ، وإذَا ارْتحَلُوا جَميعًا ارْتَحلَتْ معهُم، وإن ارتحلَ أهلُها تخيَّرتْ بيْنَ أن تُقيمَ وبَيْنَ أَنْ ترتَحِلَ 3.12
هكذا ذَكَرُوه، وهو مقيَّدٌ بغيْرِ الرَّجعيَّةِ، ونصُّ "الأم" شاهِدٌ له، فأمَّا الرَّجعيةُ فالخِيَرَةُ فِي ذلك لِزَوجِها.