التدريب في الفقه الشافعيكتابُ الشهادات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هي جمعُ شهادةٍ، وهو مصدرُ شهدَ يشهَدُ.
قال الجوهريُّ: الشهادةُ خبَرٌ قاطعٌ.
والمشاهدَةُ المعاينةُ، مأخوذَةٌ منَ الشُّهودِ بمعنى الحضورِ، لأنَّه شاهدَ ما غابَ عن غيرِهِ.
وقيل: مأخوذٌ من الإعلامِ.
والأصلُ فيها قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
ومن السُّنَّةِ: "ليسَ لكَ إلَّا شاهداكَ أو يمينهُ" 1، وروي عن ابن عباسٍ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سئلَ عنِ الشَّهادَةِ فقال: "ترى الشَّمسَ؟ " قال: نعم.
قال: "على مثلِها فاشهدْ، أو دع" صححهُ الحاكمُ، وضعَّفه البيهقيُّ 2. ولأنَّ الحاجَةَ داعيةٌ إليها، ولا خلافَ بين المسلمينَ فيها.

الجزء: 4 - الصفحة: 363

شرطُ مقبولِ شَهادَةٍ: إسلامٌ، وحريَّةٌ، وتكليفٌ، وعدالةٌ، ومروءةٌ، ونطقٌ، وتيقظٌ، وعدمُ تهمةٍ، وعدمُ سفهٍ، كما نقلَهُ في "الروضة" 3 عن الصَّيْمريِّ، وجزمَ به الرافعيُّ في كتاب "الوصية".
والعدالةُ: اجتنابُ الكبائرِ 4، وعدمُ غلبةِ الصَّغائرِ على الطاعةِ.


ويحرمُ اللعب بالنردِ على الأظهَرِ، وفي قول: يكرَهُ، والأولَى أن لا يعلبَ بالشطرنجِ 5؛ لأنَّ الشافعيَّ رضي اللَّهُ عنه قال: إنه لا يحبُّ اللعبَ به.
قال شيخُنا: والذي لا يحبُّه قد يكونُ خلافَ الأولَى، وقد يكونُ المرادُ لا أحبُّ أَنْ أفعلَهُ لما يؤدِّي إليهِ؛ لا أنَّهُ مكروهٌ في نفسِهِ، لكنْ إن أدَّى اللعبُ بِهِ إلى شغلِ المكلَّفِ بحيثُ تخرجُ الصلاةُ عن وقتِها وهو غافلٌ حرمُ اللعبُ به حينئذٍ.
وإذا اقترنَ به قمارٌ أو فحشٌ، أو إخراجُ صلاةٍ عن وقتها عمدًا رُدَّتْ شهادتُه بذلك المقارنِ.
وإنَّما يكونُ قمارًا إذا شرطَ المالَ من الجانبين، وكان اللاعبان 6 متكافئين، أو قريبًا من التكافؤِ، فإن أخرج أحدهما ليبذله إن غَلَبَ ويمسِكَه إن غُلِبَ؛ فليس بقمارٍ، وكذا إن شرطَ المالَ من الجانبينِ ويقطع بأنَّ أحدَهما يغلبُ فليس بقمارٍ للقطعِ بأنَّ للقطعِ المال الذي من جانبِ الغالب يمسكه،

الجزء: 4 - الصفحة: 364

وأنَّ المال الذي بذلهُ الآخرُ يأخذه المقطوعُ بأنَّه غالبٌ.
وإذا بذلَ المالَ من جانبٍ أو من الجانبينِ صورةً لا معنى كما تقدَّم فإنَّه وإن لم يكنْ قمارًا إلَّا أنَّه يحلُّ أخذُ المالِ فيما ذُكِرَ لعدمِ صحَّةِ العقدِ، فإن أخذَ المالَ بمقتضى ذلك لم يجز.
وإذا علمَ تحريمَ أخْذِ المالِ بمقتضَى ذلكَ، وأقدَمَ عليِهِ فتردُّ شهادتُهُ لتعدِّيهِ بالأخذِ.


ويباحُ الحداءُ وسماعُهُ، ويكرَهُ الغناءُ بلا آلةٍ، إذا اتخذَ المغنِّي صناعةً يؤتى عليه، ويأتي، ويكون منسوبًا إليهِ مشهورًا به، معروفًا على النصِّ 7. ويكرَهُ سماعُهُ، فإن سمعه من امرأةٍ أجنبيَّةٍ يخافُ من ذلك الفتنة، حرُمَ، وكذا إن سمعهُ من صبيٍّ يخافُ منه الفتنةَ.
ولا يحرمُ الغناءُ بالآلةِ غير المحرَّمَةِ، ولا سماعه، لكنَّ المحرَّمَ الآلةُ.
ويحرمُ استعمالُ آلةٍ من شعارِ الشَّرَبةِ 8، كطنبورٍ، وعودٍ، وصَنْجٍ، ومزمارٍ عراقي، واستماعُها، لا يَرَاعَ في الأصحِّ؛ لأنَّها ليستْ من الملاهِي، فإن أضيف إليها الدُّفُّ حرمَ ذلك 9. ويجوزُ ضربُ دُفٍّ لعرسٍ، وكذا الختانِ، وغيرِهِ، وإنْ كانَ فيه جلاجلُ على الأصحِّ 10. ويسنُّ ضربُهُ في كلِّ أمرٍ مهمٍّ من الشعارِ، ويستثنى مِن محلِّ

الجزء: 4 - الصفحة: 365

الخلافِ في غيرِهِ ما يتعلَّقُ بضربِ الدُّفِّ في أمرٍ مهم من قدومِ عالمٍ، أو سلطانٍ، ونحوهما.
ويحرمُ ضربُ الطبل الذي يحصلُ بضربهِ اللهوُ الشاغِلُ عنِ الخيرِ الموقع في الفسادِ 11.


ويكرَهُ الرقصُ، إلَّا أن يكونَ فيهِ تكسُّرٌ، كفعلِ المخنَّثِ، أو يكثرُ بحيث يُخلُّ بمروءةِ الرَّجُلِ الفاعلِ لذلك، فيحرمُ في الصورتينِ حينئذٍ.


ويباحُ قولُ شعرٍ وإنشادُهُ، ومع الإباحَةِ يكونُ في بعضِ الأحوالِ حسنًا مستحبًّا كالكلامِ الذي ليس بشعرٍ، إلَّا أن يهجوَ، ويقصدَ به إشاعة فاحشةٍ، أو يفحشَ بالإطراءِ فيحرمُ، أو يعرِّضُ بامرأةٍ لا يحلُّ له وطؤها، فيحرمُ 12.


والمروءةُ: صونُ النفسِ عن تعاطِي مباحاتٍ، أو مكروهاتٍ، غير لائقةٍ بفاعلها عرفًا، أو دالَّةً على قلَّةِ مبالاتِه بما يهتمُّ به، فالأكلُ في الطريقِ المطروقِ مرارًا دالَّةٌ على قلَّةِ المبالاةِ يسقطها، إلَّا أن يكونَ الشخصُ سوقيًّا، وكذا السماسرةُ الذين لا حِشْمَةَ لهم، أو يدهَمُه الجوعُ، فيأكلُ على بابِ دُكَّانِهِ كما قاله البندنيجي 13، وقد جرتْ عادَةُ أهلِ سُوقِهِ بذلك، أَو أكلَ داخلَ حانوتِهِ مستترًا، وكذلك الشُّربُ من سقاياتِ السُّوفِ يسقطُ المروءةَ، إلَّا أَنْ

الجزء: 4 - الصفحة: 366

يكونَ الشخصُ سوقيًّا، أو شربَ لغلبةِ عطشٍ.

ومن تركِ المروءةِ: المشي في السُّوقِ أو الطريقِ مكشوفَ الرَّأسِ، أو البدنِ، إذا لم يكنِ الشخصُ من يليقُ به مثله.
وكذلكَ الوقوفُ في السُّوقِ أو الطريقِ على هذه الحالةِ، والمرادُ غير العورةِ، فإنَّ ذلكَ من المحرَّماتِ، وليسَ الكلامُ فيه.
ومن تركِ المروءةِ: قبلةُ زوجتِهِ أو أمتِهِ بحضورِ النَّاسِ الذي يستحيي منهم في ذلكَ، والتقبيل الذي يستحيي من إظهارهِ.
ومن تركِ المروءةِ: لبسُ الفقيهِ القباء، والقلنسوةُ، ويتردُد في بلدٍ لم تجر عادة الفقهاء بلبسِهما فيه، فلو لبسهما في بيتِهِ لم يكنْ تاركًا للمروءةِ، إذا كانَ لا ينتابُهُ الناسُ في بيته، فإنِ انتابَهُ الناسُ في بيتِهِ وهو على هذه الحالَةِ فهو كمن ترددَ في البلدِ، ولو كان الفقيهُ اللابسُ للقلنسوةِ مغربيًّا يعتادُ ذلكَ في بلدِهِ وجاء إلى بلدٍ لا يعتادُ ذلكَ فيها، فيترك على سجيتِهِ وحالِهِ التي كانت في بلدِهِ.
وأمَّا الإكبابُ على لعبِ الشطرنجِ، فإن لم يسلمِ اللاعبُ من ارتكابِ محرَّمٍ كبيرٍ ومن إصرارٍ على صغيرٍ فهو من تركِ المروءةِ 14. والحرفةُ الدنيَّةِ التي فيها مخامرة القاذوراتِ ممن لا تليق بهِ يسقطها على الأصحِّ، فإن تلبَّسَ بها ولم يتلبَّس بصنعةٍ أشرف منها، وكان مع هذا برًّا تقيًّا زكيًّا، فتقبلُ شهادتُهُ على الأصحِّ.
والمتهمُ مَن يجرُّ بشهادتِهِ إلى نفسِهِ أو أصلِهِ أو فرعِهِ نفعًا، أو يدفعُ عنه أو عن أصلِهِ أو فرعِهِ ضررًا، فتردُّ شهادتُهُ لعبدِهِ بشيءٍ يعودُ نفعُه للسيدِ ومكاتبِهِ

الجزء: 4 - الصفحة: 367

وغريمٍ له ميتٍ أو مرتدٍّ، أو عليه حَجْرُ فلس، وغريمٌ لأصلِهِ أو فرعِهِ ميتٍ أو مرتدٍّ أو عليه حَجْرُ فلسٍ، أو شهادةُ الوكيلِ لموكِّلِهِ فيما هو وكيلٌ فيه، مما يقتضي بقاءَ تصرُّفِهِ، والضامِنِ ببراءةِ من ضمنَهُ، وببراءَةِ مَن ضمنه عبدُهُ، أو مكاتبُهُ، أو غريمٌ له ميتٌ أو محجورٌ عليه بفلسٍ ونحوه على ما تقدَّم.
ومن ضمنه أصلُهُ أو فرعُهُ إذا لم يصدرِ الضمانُ بشرطِ براءَةِ الأصلِ، فإن صدَرَ بذلك وصححناهُ لم تردَّ شهادتُهُ ببراءَةِ الأصيلِ؛ لأنَّها لا تجرُّ إلى الشاهدِ نفعًا، ولا تدفع عنه ضررًا.
ولو شهدَ أن فلانًا جَرَحَ مُوَرِّثَهُ لم يُقبل إذا كان وارثًا عند الشهادَةِ أو عندَ الموتِ، ولم يُحكم بشهادته قبل ذلك.
ولو ادعى حَرَجًا، وشهد للمدعِي وارثُهُ من غيرِ الأصولِ والفروعِ، فإن شهدَ بعد الاندمالِ قُبِلَ، أو قبلَهُ لم تقبَلْ، وردُّ شهادةِ الأصولِ والفروعِ لا تتقيَّدُ بهذا كما سيأتي 15. ولو شهدَ لمُوَرِّثٍ له مريضُ مرضَ الموتِ أو جريحٍ بما ليس بأرشِ الجرحِ قبلَ الاندمالِ قبلتْ في الأصحِّ.
وينبغي أن يعتبرَ في الجراحَةِ أن يكونَ مما يسري إلى النَّفسِ.
وتردُّ شهادَةُ عاقلةٍ بفسقِ شُهودِ قتل يحملونَهُ لو كانوا موسرين.
ولو شهدَ اثنانِ لاثنينِ بوصيةٍ من تركةٍ فشهد المشهودُ لهما للشاهدينِ بوصيةٍ من تلك التركةِ قبلَتْ الشَّهادتانِ على الصحيح، ولا تقبلُ لأصلٍ ولا فرعٍ في غيرِ أمرٍ ضمني أو غير عام ينظر فيه الأصلُ أو الفرعُ، أو يُقبلُ فيهِ قولُ الأصلِ أو الفرعِ 16.

الجزء: 4 - الصفحة: 368

وتُقبلُ عليهما إذا كانتِ الشَّهادةُ تشملُهما لمن ليس بأصلٍ ولا فرعٍ.
وتُقبلُ على أبيهما بطلاقِ ضَرَّةِ أُفَهما، أو قَذْفِها على الأظهرِ، إذا كانتْ أمُّهما زوجةَ أبيهما.
وإذا شهدَ لفرعٍ وأجنبيٍّ قُبلتْ للأجنبيِّ في الأظهرِ إذا لم يكنْ في حالٍ مشتركٍ، بحيثُ ينفردُ الأجنبيُّ بما شُهِد له به، فأمَّا في مشتركٍ لا ينفردُ الأجنبيُّ بشيءٍ منهُ، فلا تُقبلُ فيهِ الشَّهادَةُ للأجنبيِّ أيضًا.
وتقبلُ لكلٍّ من الزوجينِ إذا لم يشهدْ لزوجتِهِ بأنَّ فلانًا قذفَها، ولا تُقبلُ شهادَةُ الزوجِ على زوجَتِهِ بالزِّنا على فراشِه، وكذلك لا تُقبلُ شهادتُهُ على أجنبيٍّ بأنَّه زنا بزوجتِهِ أو أَمتِه 17. وكُلُّ مَن لم تُقبلْ شهادتُهُ لمن ذُكِرَ في جميعِ الصُّورِ لا تُقبلُ شهادتُهُ لمكاتبِهِ ولا لعبدِهِ، على ما سبقَ.
ولا تزكيةُ مَن يشهدُ فيما لو شهدَ به لردَّ، ولا تجريحُهُ الذي يُتَّهم فيه بجرِّ النَّفعِ أو دفعِ الضَّررِ.
وتُقبلُ شهادةُ الأخِ لأخيهِ إذا لم يشهدْ له بالنسبِ على المنكِرِ من الورثةِ.
وتُقبلُ شهادَةُ الصديقِ لصديقِهِ، ولا تُقبل من عدوٍّ عليه، ولا على أصلِه وفرعِه، ولا يُشترطُ ظهورُ العداوةُ، بل ما دلَّ على العداوةِ من المخاصمَةِ ونحوها كافٍ في ذلكَ على النصِّ، فكلُّ قضيةٍ ظهرتْ تدلُّ على عداوةٍ فإنها تَمْنَعُ من قبولِ شهادةِ من ظهرَ منهُ ذلكَ، وإن لم يظهرْ ما يقتضي ذلك، فلا تردُّ الشهادةُ بما لم يظهرْ 18.

الجزء: 4 - الصفحة: 369

وتُقبلُ شهادَةُ العدوِّ لعدوِّه 19، وأمَّا العداوةُ الدينيةُ فلا توجبُ ردَّ الشَّهادَةِ، بل تُقبلُ شهادَةُ المسلمِ على الذميِّ، والسُنيِّ على المبتدعِ، وتقبلُ شهادَةُ المبتدعِ الذي لا يَكْفُرُ ببدعتِهِ إذا كان الابتداعُ في الفروعِ على السُّنيِّ، شرطَ أن يكونَ ممنْ لا يستحلُّ في مذهبِه أن يشهدَ لمن يذهبُ مذهبَه بتصديقِهِ على ما لم يَسْمَعْ ولم يعاينْ، وأن لا يستحلَّ أن ينالَ من بدنِ مَنْ خالفه أو مِنْ مالِه شيئًا، يجعلون الشهادَةَ بالباطلِ ذريعةً إليهِ، وبشرطِ انتفاءِ العداوةِ الدنيويةِ.
أمَّا الابتداعُ في الأصولِ، فإنَّ مبتدِعَه يَكْفُرُ بذلكَ، ولا تقبلُ حينئذٍ شهادتُهُ 20. ولا تجوزُ شهادَةُ مَن يعرفُ بكثرةِ الغلطِ والغفلةِ، فتردُّ شهادتُهُ مجملةً، وتُقبلُ مفصَّلة إذا وصفَ الزمانَ والمكانَ وتأنَّق في ذكرِ الأوصاف 21. والمبادِرُ في الشهادَةِ متهمٌ مردودُ الشهادَةِ.
نعم تُقبلُ شهادَةُ الحسبةِ في حقوقِ اللَّهِ تعالَى عندَ الحاجَةِ إليها، وفيما له حقٌّ مؤكَّدٌ، وهو الذي لا يتأثَّرُ برضا الآدميينَ كالعتقِ وجِهاتِ التَّحريمِ 22.


ويثبتُ النسبُ بشهادَةِ الحسبة على الأصحِّ، إذا لم تتعذَّرِ الدعوَى، وأمكنتِ الخطوطُ، فإنْ تعذّرَتِ الدعوى وانتفتِ الخُطوطُ، فيثبتُ النسبُ بشهادَةِ الحسبةِ قطعًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 370

وإذا غلطَ القاضِي فحكمَ بشاهدينِ، فبانا كافرينِ، أو عبدينِ، أو صبيينِ، أو بانَ أحدُهما خُنثَى كذلك عند أداءِ الشَّهادَةِ أو عندَ الحكمِ، فالحكمُ مردودٌ، ولا يحتاجُ إلى نقضٍ؛ لأنَّه تبيَّنَ أنَّ الحكمَ يصادِفُ محلًّا 23. لكن إذا كانَ الحاكمُ بشهادَةِ الشَّاهدينِ اللَّذَيْنِ تبيَّن أنهما كافرانِ من معتقدِهِ جوازُ الحكمِ بشهادَةِ الكافرِ، إمَّا على الكافرِ وإمَّا في الشهادَةِ بالوصيَّةِ في السفرِ كما قال به جمعٌ من العلماءِ، فلا يكونُ حكمُهُ منقوضًا على مقتضى ما ذكرَهُ في "الروضةِ" تبعًا للشرحِ في صورةِ العبدين مِن أنَّ الصورةَ مفروضةٌ فيمن لا يعتقدُ الحكمَ بذلك.
وإذا أعتقَ مريضٌ عبدينِ في مرضِ الموتِ، وشهدَا عندَ حاكمٍ وقد ثبتَ عندَهُ عِتْقُهما، فماتَ المريضُ، ولم يُخْرَجا من الثُّلثِ، فقد تبيَّنَ أنَّهما عبدانِ حالة الشَّهادَةِ، وتبينَ أن الحكمَ مردودٌ إذا كانَ الحاكمُ ممن يعتقدُ أنَّ شهادَةَ العبدِ لا تُقبلُ، فإن كانَ ممن يعتقدُ قبولها، فقد سبقَ ما فيه.
وإن بانَ أن الشاهدينِ فاسقانِ، فالحكمُ مردودٌ على المذهب، ولو شهدَ كافرٌ مُعْلِنٌ بكفرِهِ، أو عبدٌ أو صبيٌ، ثم أعادها بعد كماله، قُبلتْ 24. ولو شهد فاسقٌ غير مُعْلِنٍ بفسقِهِ رُدَّت شهادتُهُ، ثم تابَ وأعادها لم تُقبل، بخلافِ سائرِ الشهاداتِ.
ولا يكفي لقبولِ الشهادَةِ إظهارُ التوبَةِ عنِ المعصيةِ، بل يُختبرُ مدَّةً يغلبُ على الظنِّ فيها صدقُهُ في توبتِهِ، وقدَّرها الشافعيُّ بأشهرٍ، والعبرةُ ببينةٍ تقومُ عندَ القاضِي بتوبتِهِ وصلاحِ حالِهِ بعدَ توبتِهِ، أو بعلمِ القاضِي ذلك 25.

الجزء: 4 - الصفحة: 371

  • ويستثنَى من الاختبارِ ستةٌ لا يشترطُ فيهم ذلك: أحدهم: الشاهدُ بالزِّنا، حيثُ أوجبنا عليه الحدَّ لعدمِ تمامِ العددِ، فإنَّه إذا تابَ تُقبلُ شهادتُهُ في الحالِ، من غير اعتبارِ الاستبراء.
    الثاني: قاذفُ غيرِ المحصنِ إذا تابَ، لا يشترطُ في قبولِ شهادتِهِ الاختبار.
    الثالث: الصبيُّ -مراهقًا كان أو دونَهُ- إذا فعلَ ما يقتضي تفسيقَ البالغِ، ثم بلغَ وهو تائبٌ، فلا يشترطُ في قبولِ شهادتِهِ الاختبارُ؛ لأنَّه لم يفسقْ بعدَ التكليفِ.
    الرابعُ: الفاسقُ إذا كانَ يُخفِي فسقَهُ، وتابَ، وأظهَرَ الإقرارَ بهِ بعدَ توبَتِهِ، وسلَّمَ نفسَهُ للحدِّ، فهذا يعودُ بعدَ التوبةِ إلى حالِهِ قبلَ التوبةِ، ولم يتوقف لاستبراءِ صلاحِهِ؛ لأنَّه لم يظهرِ التوبةَ عمَّا كانَ مستورًا عليه إلَّا عن صلاح يُغْني عنِ استبراءِ الحالِ.
    صرَّحَ بذلكَ الماورديُّ، وجزم بهِ، وتبعهُ الرُّويانيُّ، وهو متجهٌ.
    الخامسُ: المرتدُّ إذا كانَ ممن تقبَلُ شهادتُهُ قبل الرِّدَّةِ فأسلم من ردَّتِهِ، فإنَّه تقبلُ شهادتُهُ بعد إسلامِهِ من غيرِ توقُّفٍ على الاختبارِ.
    ذكرَهُ الماورديُّ، ومقتضَى كلام غيره، واعتبر الماورديُّ فيه أن يكونَ أسلمَ غيرَ مُتَوَقٍّ للقتلِ، ولنا الكافرُ الأصليُّ إذا أسلمَ فإنَّه تقبلُ شهادتُهُ من غيرِ توقُّفٍ على الاختبارِ.
    السادسُ: العدوُّ إذا رُئيتِ العداوةُ بينَه وبين عدوِّه، وكانت العداوةُ نفسها معصيةً كبيرةً، فتابَ منها، فلا يُشترطُ في قبولِ شهادتِهِ على مَن زالتِ العداوةُ بينه وبينه الاختبار على الأصحِّ؛ لأن العداوةَ ليستْ من الأمورِ التي تميلُ النفوسُ إليها، بل هي مكروهةٌ للنفوسِ غالبًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 372

ولو كانَ فسقُ الشاهدِ مختلفًا فيه، أو كانَ مع فسقِه أهلًا للشهادَةِ عند قومٍ يحكى عنهم قبولُ شهادَةِ الفاسقِ الذي لا يكذِبُ 26، وشهدَ عندَ مَن يرى فسقَهُ، أو يرى أنَّه لا تقبلُ شهادَتُهُ، وإن كانَ لا يكذبُ، ولم يحكم بردِّ شهادته، وإنما توقَّفَ ليستبرئ حالَه، ثم تابَ وأعادَ تلك الشهادةَ، فإنها تُقبلُ، كما قالَ شيخُنا؛ لأنَّه لا يدفعُ عن نفسهِ بالإعادَةِ عارَ الكذِب، ولا عار الردِّ لعدمِهِ 27. ويشترطُ في توبةِ معصيةٍ قوليةٍ القولُ 28، إذا كان يُبرِزُها قائلُها على صورةِ أنَّه مُحِقٌّ فيها، كالقاذِفِ، والشَاهدِ بالقذفِ، إذا لم يتمَّ الشُّهودُ، والشاهدُ بالزورِ -على ما سيأتي-، فيقولُ القاذِفُ: القذفُ باطلٌ حرامٌ، ولو قالَ: ما كنتُ مُحِقًّا في قذفِي، وقد تُبْتُ منه، ونحو ذلكَ كانَ كافيًا، وكذلكَ يكتفي بقولهِ: تُبتُ من القذفِ.
وأمَّا شهادَةُ الزُّورِ، فإن ثبتَ زورُ الشاهدِ بإقرارِهِ فقد اعترَفَ بلسانِهِ بزورهِ، ويكفيه ذلك، وإن ثبتَ بغير إقرارِهِ فيكفيهِ أَنْ يقولَ: تبتُ من شهادَةِ الزورِ.
ويُشترطُ في القوليَّةِ وغيرِ القوليَّةِ إقلاعٌ وندمٌ، واستغفارٌ، والخروجُ مما عليه من ظَلَامةِ آدميٍّ، فلو تلفَ المالُ الذي ظَلَمَ بأخذِهِ أو أتلفه ثُم أَعْسَرَ به فإنَّه يُنظرُ به إلى ميسرتِهِ، وصحَّتْ توبتُه.

الجزء: 4 - الصفحة: 373

ولو بَذَلَ مَن عليه القِصاصُ نفسَه ليستوفَى منه فلم يستوفَ، فقد جزمَ الماورديُّ (1) بصحَّةِ توبته، وقال: لأنَّ عليه الانقيادَ، وليس عليه الاستيفاء.
انتهى.
ومن شروطِ صحَّةِ التوبةِ أن لا يصلَ الإنسانُ إلى حالة الغرغرةِ وإلى حالةِ الاضطرابِ.


فصل

يحكمُ في هلالِ رمضانَ بشاهدٍ بالنسبةِ إلى الصيامِ فقطْ، إذا قُلنا بالقولِ القائلِ به، فإذا قُلنا بقولِ الشافعيِّ الذي رجعَ إليهِ فلا يقبل فيه إلَّا شاهدانِ، وهذا هو المعتمدُ 30. ويشترطُ للزِّنا واللواطِ وإتيانِ الميتةِ والبهيمةِ أربعةُ رجالٍ 31 يقولون: رأيناه أدخل ذكرَهُ في فرجِ امرأةٍ أجنبيَّةٍ، بحيثُ غابتْ حشفتُهُ في فرجها، أو غابَ قَدْرٌ ضامنٌ مقطوعَها، أو ثَنَى ذكرهُ وأدخَلَ منَ المثنى قدرَ الحشفةِ، حيث أمكنَ فعلُ ذلكَ في حالِ يقظتِهِ.
ويشترطُ للزنا رجلانِ يشهدانِ بالتفصيلِ بالنسبة إلى هيئة الفعل، وفي قول أو وجهٍ أربعةٌ 32.29

الجزء: 4 - الصفحة: 374

ويشترطُ لثبوتِ المال 33 ولو في السرقة دونَ القطع رجلان أو رجلٌ وامرأتانِ حيثُ لم تسبقْه الشهادَةُ الواحدةُ بالجنايَةِ الواحدَةِ على واحدٍ بما لا يثبتُ برجلٍ وامرأتينِ.
ويشترطُ لثبوتُ العقدِ الماليِّ الذي لا يكونُ فيه إذنٌ يقتضي صحَّة التصرُّف رجلانِ أو رجلٌ وامرأتانِ، كبيعٍ وإقالةٍ وحوالةٍ، وضمانِ مالٍ لا إحضارَ بدنٍ، وحقٍّ ماليٍّ موجودٍ كخيارٍ وأجلٍ أو غيرَ موجودٍ، ولكنه يؤولُ إليه، كحقِّ التحجُّرِ وطاعةِ الزوجَةِ وقتلِ الكافِرِ الذي يترتَّبُ عليهِ استحقاقُ السَّلَبَ وأزمان الصيدِ الذي يترتَّب عليه مِلْكُ الصيد، وعجزِ المكاتبِ عن النجوم فإنَّه يترتبُ عليه الرقُّ الذي تجدد للسيدِ، والإبراءِ فإنَّه إسقاطُ مالٍ، والترجمةُ في الدعوى بمالٍ، ويشترطُ لغير ذلك من عقوبةٍ للَّه تعالى، أو لآدميٍّ.
وما يطِّلعُ عليه رجالٌ غالبًا أو للناس اطلاعٌ عليه، لكنه ليس كالذي قبله كنكاحٍ وطلاقٍ ورجعةٍ وإسلامٍ وردَّةٍ وجرحٍ وتعديلٍ وموتٍ بغير قتلٍ يوجبُ المال، وإعسارٍ في غيرِ المكاتبِ كما سبق، ووكالةٍ ووديعةٍ وشهادةٍ على شهادةِ رجلانِ، وما يخفَى على الرِّجالِ غالبًا كالبكارَةِ وولادةٍ وحيضٍ، ورضاعٍ من ثدي المرأةِ، وعيوبٍ تحتَ الثيابِ من النساءِ غير جراحَةٍ تحتَ الإزارِ يثبت برجلٍ وامرأتينِ، وبأربع نسوةٍ 34. وأمَّا العيبُ في الأمةِ تحتَ ثيابِها غير ما تحتَ الإزارِ الذي يقصدُ منه المالُ فلا يثبتُ بالنسوةِ المتمحضات، وما لا يثبتُ برجلٍ وامرأتينِ، لا يثبتُ برجلٍ

الجزء: 4 - الصفحة: 375

ويمينٍ، وما يثبتُ بهم يثبتُ برجلٍ ويمينٍ إلَّا عيوب النساء ونحوها.
ويستثنى من ذلكَ العيبُ الذي يتعلَّقُ بِه المالُ، فإنَّه يثبتُ بالشاهدِ واليمين، ويستثنَى أيضًا الترجمة في الدعوى بالمالِ، فإنها تثبت برجلٍ وامرأتينِ، ولا مدخل للشاهدِ واليمين فيها 35، وكذلك الترجمة عن مقالةِ الشُّهودِ لا مدخلِ للشاهد واليمين فيها، ولا يثبت شيءٌ بامرأتينِ ويمينٍ، وإنما يحلف المستحق بعد شهادَةِ شاهده وتعديله، ويجب أن يَذْكُرَ في حلفِهِ صدقَ الشاهدِ فيما شهد له به، فإن ترك الحلفَ وطلبَ يمينَ خصمِه؛ فله ذلك، فإن نكلَ المدعَى عليهِ عَنِ الحلفِ فللمدَّعي أن يحلفَ يمينَ الردِّ على الأظهَرِ.
ولو كانَ بيده أمة وولدها فقال رجل: "هذه مستولدتي، وهي باقيةٌ على مِلكي على حكمِ الاستيلادِ، وهذا الولدُ منِّي علقتُ به في ملكِي"، وحلفَ مع شاهده ثبتَ ملك المستولدة بالحجَّةِ الناقصَةِ، وثبت الاستيلادُ بإقرارِهِ لا نسبَ الولد وحريَّتهِ على الأظهَرِ، بل يبقَى في يدِ المدعَى عليه 36. ولو كان بيدِهِ غلامٌ فقالَ رجلٌ: كان لي وأعتقتهُ، وحلف مع شاهدِهِ فنصَّ الشافعيُّ أنَّه ينتزعُ منهُ ويحكم بأنَّه عتقَ على المدعي بإقرارِهِ 37. وإن ادَّعت ورثةُ ميِّتٍ مالًا لمورثِهم، وأقاموا شاهدًا حلفَ معهُ بعضهُم، فإنَّه يأخذُ نصيبَهُ ولا يشاركُ فيه، ويبطلُ حق مَن لم يحلفْ بنكولِهِ، ولم يقم شاهدًا مع الشاهدِ الأوَّلِ، فان كانَ غيرَ مَن حلفَ مع الشاهدِ صبيًّا أو مجنونًا،

الجزء: 4 - الصفحة: 376

ثم زالَ عذرهما حَلَفَا، وأخذا بغير إعادَةِ الشهادَةِ، أو كانَ غائبًا فأرسلَ إليه القاضي من حلَّفَهُ وهو غائبٌ، أو حضرَ فحلفَ أخذ بغيرِ إعادَةِ الشهادَةِ 38.


ولا تجوزُ شهادةٌ على فعلٍ؛ كزِنى وغصبِ وإتلافٍ وولادَةٍ إلَّا بالإبصار، وتقبلُ من أصمَّ 39. نعم 40، تقبلُ من أعمى بأَن يضعَ يدَهُ على ذَكَرٍ داخلٍ في فرجِ امرأةٍ أو دبرِها، أو دبرِ صبيٍّ فأمسكَهما ولزمهما، حتى شهدَ عند الحاكمِ بما عرفه بمقتضى وضع اليدِّ، فهذا أبلغُ من الرؤيةِ، وكذلك في بقيَّةِ الأفعالِ 41. وأمَّا الأقوالُ كالعقدِ 42؛ فيشترطُ سمعُها وإبصارُ قائلِها، وأن يكونَ الشاهدانِ عارفينِ باللغةِ التي يعقد النكاحُ بها، ولا يقبلُ أعمَى إلَّا في الترجمَةِ، وما شهدَ فيه بالاستفاضَةِ، وما إذا أقر في أذنِهِ فيتعلَّق به حتى يشهدَ عندَ قاضٍ به عليه، أو يشهدُ على شهادَةِ بصيرٍ ويسترعيه، حيث تسوغ الشهادَةُ على الشهادَةِ، وما إذا تحمَّلها وهو بصيرٌ، ثم عميَ، فإنَّه يشهدُ بها؛ إن كان المشهودُ له وعليه معروفي الاسمِ والنسب 43.

الجزء: 4 - الصفحة: 377

ومن سمعَ قولَ شخصٍ أو رأى فعله، فإن عرفَ عينَه شهدَ عليه في حضورِهِ إشارةً، وغيبتِه وموتِه جثُ لا يمكنُ إحضارُهُ وهو ميتٌ يشهدُ باسمِه واسم أبيهِ، إن عرَّفه القاضي بذلك، فإن لم يعرِّفْه بذلك لم يشهدْ عند غيبتِهِ وموتِهِ.
ولا يجوزُ تحمُّلُ الشهادَةِ على المرأةِ المنتقبة اعتمادًا على الصوتِ، كذا قالوه، ولكنَّ التحمُّلَ جائزٌ، فإن وجد ما يقتضي الإثبات عمل به، وإلَّا فلا 44. وعلى قولنا: التحملُ جائزٌ على المنتقبة، فيجوز التحمُّل عليها بتعريف عدلٍ أو عدلين، ولكن لا يجوز اعتماد ذلك في الأداء.
ولو قامت بينةٌ على عينه بحقٍّ، فطلبَ المدعي التسجيلَ، سجَّل القاضي بالحلية لا الاسم والنسب، ما لم يثبتا 45، إما بإقرارِ مَن قامتْ عليه البينةُ أو بالبينةِ وله الشهادة بالتسامع على نسبٍ من أبٍ وقبيلةِ لا الأم على الأصحِّ المنصوص؛ بشرط أن يسمعَهُ ينسب زمانًا، ويسمعَ غيرَه ينسبُهُ إلى نسبِهِ، ولم يسمع دافعًا ولا دلالة يرتاب بها 46. ومما تقبلُ فيه الشهادَةُ بالتسامع: ولايةُ القضاءِ، والولاياتِ العامَّةِ، وعزلُ القاضِي والخلافةُ هي الأصلُ، فالاكتفاء فيها بالاستفاء 47 منهُ أولَى، وما أثبتَ التحريمَ المؤبَّدَ من الرضاعِ أو المصاهرةِ والجرحِ والتعديلِ والحريةِ الأصليةِ بناءً على الأصلِ، وما ظهرَ من القرائنِ.
ومما يثبتُ بالسماعِ الملكُ غير حدود العقارِ بشرطِ أن لا نرى منازعًا في

الجزء: 4 - الصفحة: 378

الملكِ، والاعتبار لا العتقِ والولاء، والنكاحِ، والوقفِ على المنصوصِ (1). وشرطُ التسامعِ أَنْ يتظاهرَ الإخبارُ بحيثُ يثبتُ في قلبِ السامِعِ معرفتُهُ.
هكذا اعتبرَهُ الشافعيُّ، وذكرَ ابنُ الصباغِ عن جماعةٍ من أصحابنَا المتأخِّرينَ أنَّه يكفِيهِ أَنْ يسمعَ من عدلينِ، ويسكنَ قلبُهُ إلى خبرهِما، وقد تقدَّمَ أنَّ هذا القيدَ ذكرَهُ الشافعيُّ (2). ولا تجوزُ الشهادَةُ على ملكٍ بمجرَّدِ يدٍ ولا بيد، وتصرُّف في مدة قصيرةٍ، وتجوزُ في المدةِ الطويلةِ على الأصحِّ (3). وشرطُهُ تصرُّف ملاكٍ في عقارٍ من سكني أو هدمٍ أو بناءٍ وتصرفِ ملاكٍ فيه وفي غيرهِ؛ من عبيدٍ وثيابٍ ونحوهما ببيعٍ أو رهنٍ، ولا بدَّ من تكرُّرِ التصرُّفِ بحيثُ يغلبُ على الظنِّ الملكُ، فيشهدُ له به.
وتُبنَى شهادةُ الإعسارِ على قرائنَ ومخايلِ الضر والإضاقة، ويشترطُ في الشهودِ -مع شرطِ الشاهدِ- الخبرةُ الباطنةُ بطولِ الجوارِ أو المخالطَةِ (4).


فرع

: تحمُّلُ الشهادَةِ فرضُ كفايةٍ في نكاحٍ وعقد الوكيلِ المقيد بالإشهادِ، بحيثُ لا يصحُّ ذلك العقدُ إلَّا به، وكذا إقرارٍ وتصرُّفٍ وكتابةِ صكٍّ وشهادة48495051

الجزء: 4 - الصفحة: 379

على شهادة على الأصحِّ (1). ومحلُّ كونِه فرضَ كفايةٍ: إذا كانَ المتحمِّلونَ كثيرينَ، فأمَّا إذا لم يوجدْ إلَّا العدد المعتبرَ في الحكمِ، فإنَّ التحمُّلَ حينئذٍ يكونُ فرضَ عينٍ، وحيث يكونُ فرضَ كفايةٍ بما تقدَّمَ، فلو طلبَ التحمُّلَ من اثنين وتم غيرهما لم يتعيَّنا.
ومحلُّ كونِهِ فرضَ كفايةٍ: إذا حضرَهُ المتحمِّلُ، وكان الشاهدُ مستجمعًا لشرائطِ العدالةِ معتقدًا لصحَّته، فأمَّا إذا دعي إلى التحمُّلِ، فالأصحُّ أنَّه لا يجيبُ إلَّا إذا كانَ الداعي قاضيًا، أو معذورًا بمرضٍ، أو حبسٍ، أو كانتِ المرأةُ المطلوبُ التحمل عليها مخدَّرَةً.
وإذا لم يكنْ في القضيةِ إلَّا اثنانِ لزمهما الأداءُ، فلو أدَّى واحدٌ وامتنعَ الآخرُ، وقال: أحلفُ معهُ، عصى، وإن كانَ في القضيةِ أكثرُ من اثنينِ فالأداءُ فرضُ كفايةٍ، وإذا طلبَ من اثنين لزمهما في الأصحِّ إن علِما أنَّ الباقينَ يرغبونَ أو لم تبِن رغبتُهم ولا آباؤهم (2). وإذا لمْ يكُنْ إلَّا واحدٌ وطلبَ منهُ لزمَهُ؛ إن كانَ فيما يثبتُ بشاهدٍ ويمينٍ عند قاضٍ يراهُ، وإلَّا فلا (3).

* وأمَّا الأداءُ فلوجوبِهِ شروطٌ:

أَنْ يُدْعى من موضع لا يخرجُ به عن بلدِهِ، ويعتادُ المشي إليه.525354

الجزء: 4 - الصفحة: 380

وأن يكونَ عدلًا، فإن دعي ذو فسقٍ مجمعٍ عليه -قيل: أو مختلف فيه عندَ الحاكمِ الذي يرى تفسيقَهُ وكان الحاكمُ مجتهدًا- وكانَ الفسقُ ظاهرًا لا يجوزُ له أن يشهدَ، وأن لا تحصلَ مشقَّةٌ للمدعو من مرضٍ ومطرٍ ووحلٍ، وكون المرأةِ مخدَّرةً، فإن حصلت أشهد على شهادته، أو بعثَ القاضي من يسمعها (1).


فصل

تقبلُ الشهادَةُ على الشهادَةِ ولو في عقوبةٍ لآدميٍّ على المذهبِ 56، لا في عقوبةٍ للَّهِ تعالى على الأظهرِ، وإنما يجوزُ التحمُّلُ إذا علم أنَّ عندَ الأصلِ شهادةً جازمةً بحقٍّ ثابتٍ، ولمعرفته أسباب: أحدها: أن يسترعيه الأصلُ، فيقولُ: أنا شهدٌ على زيدٍ بكذا، وأشهدك على شهادتي، أو يقول: اشهد على شهادتِي، أو يقول: إذا استشهدتَ على شهادتِي فقد أذنتُ لكَ في أَنْ تشهدَ على شهادَتِي.
الثاني: أَنْ يسمعَهُ يشهدُ عندَ قاضٍ بأنَّ لفلانٍ على فلانٍ كذا، فيجوزُ له أن يشهدَ على شهادتِه، وإن لم يسترعِه.
الثالثُ: أن يسمعه يسترعي شاهدًا للتحمُّلِ، فإنَّ له أن يشهدَ وإن لم يسترعِهِ.55

الجزء: 4 - الصفحة: 381

الرابعُ: إذا سمعَهُ يؤدِّي عند المحكِّمِ، إذا جوَّزنا حكمُه.
الخامسُ: لو كانَ حاكمًا أو محكِّمًا فشهدا عندَهُ ولم يحكمْ به، جازَ له أن يشهدَ على شهادتِهما، ولا يكفي ذكرُ السببِ بأن يقولَ: أشهدُ أنَّ لفلانٍ على فلانٍ ألفا من ثمنِ مبيعٍ أو غيرِهِ، بل لا بدَّ من الاسترعاءِ على المذهبِ المنصوصِ، وليبين الفرع عند الأداءِ جهةَ التحمُّلِ، ولو وثقَ القاضِي بعلمِهِ.


ولا يصحُّ التحمُّلُ على شهادَةِ مردودِ الشهادَةِ، ولا تحمُّلُ النسوةِ 57، ولا الخناثى، لكنْ لو تحمَّلَ وهو خُنثَى، ثم بانَ أنَّه رجلٌ فإنّه يجوزُ تحمُّلُهُ، ويجوزُ الأداءِ بالتحمُّلِ في حالةِ الخُنوثَةِ، كما في تحمُّلِ العبدِ والفاسقِ ونحوهما إذا حصلَ الأداءُ في حالةِ الكمالِ.
فلو ماتَ الأصلُ، أو غابَ أو مرض لم تمنعْ شهادةُ الفرعِ، وإن حدثَتْ ردَّةٌ أو فسقٌ أو عداوةٌ مُنِعَتْ شهادةُ الفرعِ 58، فلا يحكمُ القاضِي بها، ويستثنَى من هذا ما إذا كانَ الفرعُ شاهدًا على شهادَةِ مَن قضى بعلمِه، فإنها شهادَةٌ على شهادَةٍ ملازمةٍ للقضاءِ، فإذا حدث من القاضي بعلمه ردةٌ أو فسقٌ أو عداوةٌ، فإنَّ ذلكَ لا يمنعُ من قبولِ شهادَةِ الفرعِ والعملِ بها، ولو حدثتْ عداوةٌ بسببٍ كقذفٍ مجردٍ بعد أداءِ الشهادةِ وقبل الحكمِ لم يؤثِّرْ على المنصوصِ، وجنونه، كموتِهِ على الصحيحِ 59.

الجزء: 4 - الصفحة: 382

وتكفي شهادةُ اثنين على الشاهدينِ، على الأظهرِ (1)، وشرطُ قبولها تعذُّر أو تعسُّر الأصيلِ بموتٍ، وكذا عمى على الصحيح، أو مرضٍ يشقُّ معه حضورُهُ أو غيبة إلى ما فوق مسافة العدوى، وقيل: قصر، وأن يسمِّيَ الفرعُ أصلَهُ، ولا يشترطُ أن يزكيهم الفروعُ، فإن زكوهم قبلوا، وإن شهدوا على شهادَةِ عدلينِ أو عدولٍ، ولم يسموهم لم يجز (2).


فصل

رجعوا عن الشَّهادَةِ قبلَ الحُكمِ امتنعَ الحكمُ 62، إن لم يبقَ بعد الراجح النصابُ المعتبرُ في ذلك المحلِّ، وإذا بقي في المالِ واحدٌ، وقال صاحبُ المالِ: حلِّفونِي مع شاهدي، فإنَّهُ يُجابُ إلى ذلكَ، ولا يمتنعُ الحكمُ حينئذٍ.
وإن رجعوا قبلَ الحكمِ وبعدَ الاستيفاءِ فإن كانَ في عقدٍ أو مالٍ استُوفي على المذهبِ، وقيل: لا يستوفي، أو عقوبةٍ فلا تستوفَى، وإن رجعوا بعدَ الاستيفاءِ فإنْ كان المتسوفى قصاصًا أو قتلَ ردَّةٍ أو رجم زنًا أو جلدًا ومات عن الجلد الخارجِ عنِ الحدِّ إلى أن صارَ يقتل غالبًا، أو قطعَ سرقةٍ، وقالوا: "تعمَّدنا وعلمنا أنَّه يقتلُ أو يقطعُ بشهادتنا"، فعليهمُ القصاصُ حيث اقتضَى الحالُ إيجابُ القصاصِ وديةٌ مغلَّظة، حيث اقتضى الحالُ إيجابُ الدِّيةِ 63.6061

الجزء: 4 - الصفحة: 383

وكذلك الحكمُ لو قالَ أحدهما: "تعمَّدتُ ولم أعلم حالَ من شهد معي"، وقال صاحبُهُ مثلُهُ، واقتصَرَ على قوله: "تعمَّدتُ"، ولو قالَ أحدهما: "تعمَّدتُ أنا وصاحبي"، وقال الآخرُ: "أخطأتُ، أو أخطأنا، أو تعمَّدت وأخطأ صاحبي"، فلا قصاصَ على الثاني، وعلي الأوَّلِ القصاصُ على الأصحِّ.
وإذا لم يمتْ من الجَلْدِ تعلَّقَ بهم التعزيرُ، وإن حصلَ أثرٌ في بدنِ المحدودِ بحيثُ يقتضِي الحالُ إيجابَ حكومةٍ، فإنَّه يجبُ عليهم ذلكَ، ويجبُ على القاضِي القصاصُ إنْ قالَ: تعمَّدتُ.
وإذا اقتضى الحالُ إيجابَ الديةِ، فعلى القاضِي إذا رجع وحدَهُ كلَّ الديةِ، نظرًا إلى استقلالِ جهةِ الحكم كاستقلالِ جهةِ الشهادَةِ إذا رجعَ الشهودُ وحدهم، وإن رجعَ القاضِي والشهودُ، فالقصاص على القاضِي وحدَهُ على الأصحِّ، كما إذا رجعَ الوليُّ والشهودُ، فإدنَ القصاصَ يختصُّ بالوليِّ، ولو رجعَ مُزكٍّ تعلَّق به القصاصُ عند وجودِ مقتضيه على أصحِّ الوجوهِ في "الروضةِ" تبعًا للشرحِ.
وإن رجعَ الوليُّ وحدَهُ فعليه قصاصٌ أو ديةٌ أوْ مَعَ الشُهودِ، فكذلكَ، وقيلَ: هو وهم شركاءٌ، ثم محلُّ اختصاصِ الوليِّ بالقصاصِ أوِ الدِّيةِ إذا توقَّفَ الحكمُ على طلبِ الوليِّ، وكانَ في القصاصِ المحصنِ، فأمَّا إذا كانَ القتلُ في قطعِ الطريقِ، فلا أثرَ لرجوعِهِ، ولو قُلنا: إن المغلَّبَ فيه معنى القصاصِ، للاتفاق على أنَّه لا يسقطُ بعفوِه، وحينئذٍ فإذا استمرَّ القاضِي والشهودُ على ما صدر منهم فلا قصاص على الوليِّ، ولا ديةَ، كما سبقَ في قطعِ الطريقِ.
وإذا شهدوا بطلاقٍ بائنٍ أو رضاعٍ محرِّمٍ، أو لعانٍ أو فسخٍ بعيبٍ، أو غيرها

الجزء: 4 - الصفحة: 384

من جهاتِ الفراقِ، وقضى القاضِي بشهادتِهما، وفرَّقَ بينهُما بعدَ الحُكمِ، ثم رجَعَا لم يرتفعِ الفراقُ، وعليهم مهرُ المثلِ للزَّوجِ المشهودِ عليهِ إلَّا في صورٍ 64: إحداها: إذا ماتَ الزَّوجُ بعدَ حُكمِ القاضِي بما صدرتْ به شهادَةُ الشُّهودِ، ثم رجعَ الشُّهودُ، فإنَّهم لا يغرمونَ لورثةِ الزَّوجِ شيئًا.
الثانية: إذا أبانَ الزوجةَ بطريقٍ من الطُّرقِ بعدَ الحكمِ عليه بالبينونةِ على زعمهِ في أنَّ عصمتَهُ باقيةٌ، ثم رجعَ الشُّهودُ، فإنَّهم لا يغرمونَ له شيئًا.
الثالثةُ: أَنْ ينكِرَ الزَّوجُ، وتقومُ عليهِ الشَّهادَةُ ويحكمُ القاضِي بها، ثم يقولُ الزوجُ إنَّ الشهودَ محقُّونَ فيما شهدُوا بِهِ، ثم يَرجِعونَ أو يُرجَعونَ، ثم يقولُ الزوجُ: هم محقُّونَ في شهادتِهم، فلا تغريمَ في واحدَةٍ من هاتينِ الصُّورتينِ.
الرابعةُ: أَنْ تصدُرَ الشَّهادَةُ بالطَّلاقِ على عوضٍ على المرأةِ، أو على أجنبيٍّ نظيرَ مهرِ المثلِ، أو زائدٍ عليه، ويقضي القاضِي بشهادتِهم ثمَّ يرجعوا، فإنَّهم لا يغرمون للزوجِ شيئًا، كما صرَّحَ به الماورديُّ، ورجَّحَ شيخُنا الغرمَ، فعليهِ لا استثناءَ.
الخامسةُ: إذا كانَ الزوجُ المشهودُ عليه بالبينونةِ عبدًا غيرَ مكاتَبٍ، فإنَّه لا يثبتُ له التغريمُ، لأنَّه لا يملكُ شيئًا من المالِ، ولا يمكنُ أن يثبتَ الغرمُ لمالكِهِ لعدمِ تعلُّقِه بزوجة عبده، ويجبُ في قولٍ نصفٌ المهر إن كانَ قبلَ وطئ، ومتى شهدوا بطلاقٍ وحصلَ التفريقُ، ثم رجعوا فقامتِ بينةٌ إن كان بينهما رضاعٌ محرِّمٌ، فلا غرمَ.

الجزء: 4 - الصفحة: 385

ولو رجعَ شهودُ مالٍ غرموا في الأظهرِ إذا لم يشهدُوا بعوضِ المالِ الذي فوَّتوهُ بشهادتِهم بقدرِ قيمتِهِ، فإن شهدوا بذلك، فلا غرمَ.


ومتى رجعَ الشُهودُ كلُّهم في أمرٍ متحدٍ في الواقعةٍ وزِّعَ عليهمُ الغرمُ، حيث ثبت التغريمُ، وإن رجعَ بعضُهم، وبقي نصابٌ فلا غُرمَ على النصِّ، وقيل: يغرمُ قسطَه، وإن زادَ ونقصَ بالرجوعِ كانَ على الراجعِ حصَّةٌ بمقتضَى التوزيعِ على الكلِّ 65. وإن شهدَ رجلٌ وامرأتانِ ثمَّ رجعُوا فعليه نصفٌ وهما نصفٌ، أو رجلٌ وأربعُ نسوةٍ في رضاعٍ، ثم رجعَ الرجُلُ وحدَهُ، فلا غُرمَ عليه على الأصحِّ، لبقاءِ أربعِ نسوةٍ، وإن رجعَ امرأتانِ فقط فلا غرمَ عليهما، على الأصحِّ لبقاءِ رجلٍ وامرأتينِ، وإنْ رجعَ رجلٌ وامرأةٌ، فقد نقصتِ الحُجَّةُ، فيكونُ على الراجِعينَ نصفُ الغرمِ، وهو حصَّتُهم بمقتضَى التوزيعِ على الكُلِّ، وكذلكَ لو رجعَ ثلاثُ نسوةٍ وبقي رجلٌ وامرأةٌ، ولو رجعَ رجلٌ وامرأتانِ، فعليهم ثلثا الغرمِ، ثلثٌ على الرجلِ، وثلثٌ على المرأتينِ، وإذا شهدَ رجلٌ وأربعٌ بمالٍ، ثم رجعَ الرجلُ وحدَهُ غرمَ بلا خلافٍ تفريعًا على الغُرمِ في المالِ، وهو الأرجحُ، ويغرمُ النصفُ على مقتضَى ما صحَّحُوه، وعلى مقابله الثلث، ولو قيلَ: يغرمُ الكلُّ لكانَ له وجهٌ؛ لأنَّ الرجلَ الأصلُ، والنساءُ لا مدخلَ لهنَّ في الأموالِ إلَّا تبعًا، فإذا زالَ المتبوعُ زالَ التابعُ.
نبَّه على ذلك شيخُنا.
وإن رجَعَ من النسوةِ ثنتانِ فلا غُرمَ عليهما، وإن رجع ثلاثٌ غرمنَ النصفَ على مقتضَى النصِّ؛ توزيعًا للكل على الكُلِّ.
وإذا رجعَ الشاهدُ في صورةِ

الجزء: 4 - الصفحة: 386

الشاهدِ واليمينِ، غرمَ النصفَ على الأصحِّ بناءً على أنَّ القضاءَ بهما، وهو الأصحُّ، والأرجحُ كما قالَ شيخُنا أنَّ شهودَ إحصانٍ مع شهودِ زنًا، أو صفة مع شهود تعليق طلاقٍ وعتقٍ يغرمون 66.


الجزء: 4 - الصفحة: 387

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 39 فصل
جارٍ التحميل