التدريب في الفقه الشافعيصفحات 373-4

لا يُقدَّمُ العِتْقُ علَى غَيرِه علَى أصَحِّ القَوْلَينِ، بلْ يَسقُطُ 1 ومَا يَخُصُّ العِتقَ إنْ كانَ في رقَبتَينِ فأكْثَرَ، ولَم يُمكِنْ خُروجُ الكُلِّ مِن الثُّلُثِ أُقرِعَ سَواءٌ عَتَقَهُم أوْ عَتقَ ثُلُثَهُمْ.
ومَن مَاتَ مِنهم قَبْلَ امتِدادِ يدِ الوارِثِ إلَيهِ دَخَلَ في قُرعةِ العِتقِ لَا في قُرعَةِ رِقٍّ مَحسُوبٍ على الوَارثِ حَتَّى لَو كانتِ التِّرِكةُ ثَلاثةَ أعْبُدٍ قِيمتُهم سَواءٌ وخَرجَتْ قُرعةُ العِتقِ على المَيِّتِ فإنَّه يعتِقُ كله.
وإنْ خَرجَتْ قُرعةُ العِتْقِ على الحَيِّ عَتَقَ ثُلثَاهُ فَقطْ.
وتُعتبرُ القِيمةُ يَومَ العِتْقِ لِمَنْ حُكم بِعِتْقِه.
وتُعتبَرُ قِيمةُ مَن حُسِبَ على الوَارِثِ وقْتَ امتِدادِ يَدِه إلَيه بعْدَ المَوتِ وزِيادَة القِيمةِ بعْدَ العِتْقِ قَبْلَ مَوتِ السيِّدِ كالكسْبِ.
ونُقصَانُ القِيمةِ حِينئذٍ يُوزَّعُ فقِسطُ مَا عَتَقَ يُحسَبُ علَى العبدِ كأنَّه قَبَضَهُ، وقِسْطُ ما رقَّ كأنَّه تَلِفَ مِن مَالِ السيِّدِ.
فمَنْ أَعْتقَ عَبدًا لَا يَملِكُ غيرَه وقِيمتُه وقْتَ العِتْقِ مِائةٌ، فصارتْ قِيمتُه 2 قَبْلَ مَوتِ السيِّدِ مِائةً وخمسينَ: يَعْتِق ثَلاثةُ أَسْباعِه.
وإنْ نَقصَتْ قِيمتُه عَن مِائةٍ إلى خَمسينَ 3 عَتَقَ منه خُمُسُهُ على مَا صَحَّحُوه.

وفيهِ وجهٌ: يَعتِقُ ثلثُهُ في هذِه وضُعِّفَ ولا بأْسَ بِه، وما كانَ مُعَلَّقًا (1) على المَوْتِ مِنْ وَصِيةٍ أو تَدبيرٍ أو غيرِهِ مِن غَيرِ تَصْريحٍ بتقْدِيمِ بعضِها علَى بعْضٍ فَلا (2) يُقدَّم بعضُها على بعْضٍ.
ولَوْ تَرتَّبَتْ حِينَ صُدورِها فيَستوِي مَن عُلِّقَ عِتْقُهُ بالمَوتِ، ومَن أوصَى بإِعْتاقِه.
ويُستثنَى مِن ذلك صُورةٌ واحِدةٌ، وهِيَ: مَا إذا دبَّرَ عَبدَه وقيمتُه مِائةٌ وأوْصَى لَه بمِائةٍ، وثُلثُ مَالِه مِائةٌ (3)، فإنَّه تُقَدَّمُ رقَبةُ العَبدِ، فيَعتِقُ كُلُّه ولَا شَيءَ لِلْوصيةِ على الأرْجحِ (4)، خِلافًا لِما صحَّحَهُ البَغَوِيُّ مِن التَّقسِيطِ، وما خَصَّ عَتَقَ رقَبَتَينِ فأكْثَرَ فيُقرِعُ على الأصحِّ.

ويُستثنى عنِ الإقْراعِ صُورتانِ:

1 - إِحداهُما: لَو قالَ: ثُلثُ كُلِّ وَاحدٍ حُرٌّ بَعْدَ مَوتِي أوْ أثْلاثُ هؤلاءِ أحرارٌ بعْدَ مَوتِي، فإنَّه يَعتِقُ مِن كُلِّ واحدٍ ثُلثُه عند الإمْكانِ، ولَا قُرعةَ حينَئذٍ علَى الأصَحِّ.
2 - الثانيةُ: قالَ: "إنْ أَعتقْتُ 5 غَانمًا فسالمٌ حرٌّ" ثُم أعْتقَ غَانمًا في مَرضِ1234

مَوتِه، فالأصحُّ لَا إقْراعَ بَلْ يُقَدَّمُ غانِمٌ.
وجميعُ المعلَّقِ على المَوتِ يَستوِي في حُكْمِه 1 السابقِ مَا صدَرَ في الصِّحَّةِ أو في المَرضِ، ومنه لَو قالَ: "وقفتُ هذِه الدَّارَ بعْدَ مَوْتِي" فإنَّه يَكونُ وصيةً لا تعْليقًا مبطِلًا.
وإذَا ظَننَّا 2 المرَضَ مَخُوفًا فَتَبَرَّعَ فيه مُنجَّزًا بزَائدٍ على الثُّلُثِ، ثُم صحَّ مِن المرَضِ، فإنَّه يَنْفُذُ الكُلُّ.
وإنْ ظَننَّاهُ 3 غيْرَ مَخُوفٍ فماتَ مِنه بِحَيثُ لَا يُحمَلُ على النَّجاةِ، فقدْ تَبيَّنَ أنَّه مَخُوفٌ.
ومَا كَانَ مَخُوفًا فقُتِل فِيه فالتَّبَرُّعُ مِنَ الثُّلُثِ، بخِلافِ غَيرِ المَخُوفِ.
والأمراضُ المَخُوفَةُ: منْهَا مَا لا نِزاعَ فِيه، ومِنها: مَا 4 يُرجَعُ فيهِ عِندَ التَّنازُعِ إلى قَولِ طَبِيبَيْنِ مُسلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ، فإن 5 لَمْ يَكنْ بَيِّنة، فالقَولُ قَولُ المُتبرِّع علَيه بيمينِهِ 6.

وأُلْحِقَ (1) بالمَخُوفِ أحْوالٌ عَشرةٌ:

إحْداهَا: إذَا وقَعَ الطَّاعُونُ في البَلدِ، وفشَا الوَباءُ، فإنَّه مَخُوفٌ في حَقِّ مَن لَمْ يُصِبْهُ على الأصحِّ.
الثَّاني: إذَا التَحمَ القتالُ وكانَ الفَريقانِ مُتكافِيَيْنِ 2 وإلَّا فلَا خَوْفَ في حقِّ الغَالِبِينَ.
الثَّالثُ: هَيَجَانُ الأمْواجِ في حَقِّ راكِبِ السَّفِينةِ 3. الرَّابعُ: وقُوعُهُ في أسْرِ كافِرٍ يَعْتادُ قَتْلَ الأَسِيرِ 4. الخَامسُ: إذَا قُدِّمَ لِيمتلَ في حَدِّ قَطْعِ طَريقٍ أوْ زِنا مُحصَنٍ 5، وكذا القِصاصُ على الأَظْهَرِ.
السَّادسُ: إذا ضَرَبَ الحاملَ الطلْقُ، وكذا بَعْدَ الوَضْعِ مَا لَمْ تَنفصِلْ المَشيمَةُ 6، وكذا إذَا انْفصَلَتْ، وحصَلتْ جِراحَةٌ، أو ضَرَبانٌ شَديدٌ، وإلْقَاءُ العَلَقَةِ والمُضغَةِ لَا خَوْفَ فِيه غَالبًا؛ خِلافًا لِلْمُتَوَلِّي.
السَّابعُ: اعْترَضَهُ الأسَدُ وهُو لا يقْدِرُ علَى دَفْعِه، فبَعْدَ الأخْذِ مَخُوفٌ،1

وقَبْلَه كالتَّقْديمِ لِلْقِصاصِ.
الثَّامنُ: لَو 1 غَشِيَهُ سَيلٌ أوْ نارٌ ولَمْ يَقدِرْ علَى النَّجاةِ مِنه، فبَعْدَ الوُقوعِ فيه مَخُوفٌ، فكذَا 2 قَبْله علَى الأرْجحِ.
التَّاسعُ: طَرَقَتْه أفْعَى، فإنْ نَهشَتْه فمَخُوفٌ، وكذا قَبْلَه إذَا 3 غَلَبَ على ظَنِّه الهَلاكَ.
[العاشِرُ: كانَ في مَفازَةٍ لا يَجِدُ طَعامًا ولا شَرابًا، وأَيسَ مِن وُجودِ ذلك، واشتَدَّ بِه الجُوعُ والعَطَشُ بِحَيثُ غَلبَ علَى ظَنِّه الهَلاكُ] 4، ومتَى وصَلَ في حَالَةٍ مِن الأحْوالِ إلى حَركةِ المَذبوحِ بِشَقِّ بَطنِه، وإخْراجِ حُشْوَتِهِ أو غَرِق ولا يُحسِنُ السِّباحةَ، فلا أثَرَ لِمَا يَصدُرُ مِنه.
وبَعْدَ المَوتِ يُعتَبَرُ 5 قَبولُ الوَصيةِ للمُتعيِّنِ، ولا يَصحُّ في الحياةِ على الأصَحِّ ولا الردُّ، ولا يُشترطُ الفَورُ في القَبولِ، والمِلْكُ موقوفٌ فإنْ قَبِلَ تَبَيَّنَّا أنَّه مُلِكَ بِالمَوتِ، وفِي قَولٍ يُملك المَوْت، والثَّالثُ بالقَبولِ.
ويَتفرعُ على الأقْوالِ كَسبُ العبدِ المُتَبَرِّعِ 6، وثَمرةُ الشجرةِ ونحوِها.
ويُطالَبُ المُوصَى لَه بالنَّفقةِ إذَا تَوقَّفَ في القَبولِ والرَّدِّ، ولا يَتصرَّفُ

المُتبرَّعُ علَيه بعْدَ قَبولِه حتَّى يَتسلطَ الوارثُ على مِثْلَيْهِ، حتَّى لَو أوْصَى بِعَينٍ حاضِرةٍ هِي ثُلُثُ مَا لَه وباقِي المَالِ غَائبٌ، لَم يُدفَعْ كُلُّها لِلْمُوصَى لَه، ولا ثُلُثُها على الأصحِّ، وكذا في العِتْقِ.

قَاعدةٌ:

النَّظرُ في ألْفاظِ مَا يُوصَى بِه إلى اللُّغةِ مَا لَمْ يَكنْ هُناكَ عُرْفٌ مُطَّرِدٌ، ويُقتصَرُ في الأسمَاءِ على مُسمَّياتِها، ولا يُحْكمُ بِتبَعيةِ مَا لَم 1 يَتناوَلْهُ الاسمُ.
فنعْجَةٌ لِلأُنثَى مِن الضأْنِ، وبقَرةٌ وبغْلةٌ وحِمارةٌ وكلْبةٌ لِلأُنثَى مِن جِنْسِها، وشاةٌ لِلأُنثَى مِن ضَأنٍ أوْ مَعزٍ على النَّصِّ، والمُرجَّحُ عِندَ الأصْحابِ أنَّها تَشملُ الذَّكَرَ لِأنَّه اسمُ جِنسٍ، ولَا يتناولُ سَخْلَةَ ولَا عَنَاقًا ولا ظَبْيًا إلَّا في قولِه: "مِن شِياهِي" وليسَ لَه إلَّا ظِباءٌ.
وتَدخلُ المغيبةُ في جَميعِ فُروعِ القَاعدةِ إلَّا في قولِه: "اشتَرُوا شَاةً مِن مَالِي" ولَا غَنمَ له تُشترَى لَه شَاةٌ، و"مِن غَنمِي" ولا غَنمَ لَه تَلغُو الوَصِيَّةَ.
ويَنبغِي أَنْ يُقيدَ 2 ذلكَ بِمَا بَعْدَ المَوتِ.
والبَعيرُ للذَّكَرِ والأنْثَى على الأرْجَحِ، ونَظرَ بَعضُهم إلى غَلَبةِ الاستِعْمالِ.
ولَا [يَتناولُ جملٌ ناقةً، ولا ناقةٌ] 3 جَملًا، وهُما يَتناوَلانِ البَخَاتِيَّ والعِرَابَ، والعَبدُ للذِّكَرِ، والأَمَةُ للأُنثَى، والرَّقيقُ يَعُمُّ، والرِّقابُ ثَلاثةً.

ولا يُشتَرى شِقْصٌ هُنا.
ومَا فَضَلَ عَن أنفَسِ مَا يُوجَدُ يُرَدُّ على الورَثةِ بخِلافِ: "اصرِفُوا ثُلُثِي لِلْعِتْقِ (1) ". والدَّابةُ عُرْفًا لِلْخَيلِ والبِغالِ والحَميرِ مِن ذُكورٍ وإِناثٍ.
ولَو أوْصَى لِأقاربِ نفْسِه لَمْ يَدخُلِ الوَرثَةُ علَى الأصحِّ، اعتِبارًا بعُرْفِ الشَّرْعِ لا بِعُمومِ لَفظِ المُوصِي.
وأقَاربُ فُلانٍ أولادُ أقرَبِ جَدٍّ (2) يُنسَبُ إلَيه فُلان، وبَعْدَ أوْلادِه قَبيلُهُ، فيَتناولُ قَريبَهم وبَعيدَهم ومَحْرمًا وغيرَه إلَّا الأبَوَيْنِ والولَدَ، وتَدخلُ قَرابةُ الأمِّ ولَو في العُرْفِ على ظَاهِرِ النَّصِّ المَعمُولِ بِه، خِلافًا لِمَا في "المُحررِ" (3) و"المنهاجِ" (4). وأقْربُ الأقَاربِ الفَرعُ، ثُم الأصْلُ بِتَرْتِيبِهِم، والأخُ وابنُه مُقَدَّمٌ على الجَدِّ.

ضابط

ٌ: لا يَتقدمُ أخٌ لِأمٍّ وابنُه على الجَدِّ إلَّا في هذا المَوضِعِ ومِثْلُه الوَقْفُ علَى1234

الأقْرَبِ، وفِي وقْفٍ انقطَعَ مَصرِفُه أو لَمْ 1 يُعرَفْ.
ولَا يُقدَّمُ 2 الأخُ لِلأبَويْنِ أوْ لِلْأَبِ ولَا 3 ابنُه على الجَدِّ إلَّا هُنا وفِي الوَلاءِ.
ويَنبغِي أَنْ يُقدَّمَ العَمُّ على الجَدِّ كمَا في الوَلاءِ، ولَمْ يَذكُروه هُنا.
والأخُ لِلْأَبِ يَستوِي مَع الأخِ لِلْأُمِّ، وكذَا تَستوِي العُمومَةُ والخُؤُولَةُ.
ويُقدَّمُ المُدْلِي بِأَبَوَيْنِ على مَن يُدْلِي بِأصْلٍ.
والجِيرانُ أرْبَعونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِن الجَوانِبِ الأرْبَعةِ، فالجُملَةُ مِائةٌ وسِتُّونَ.
والعُلَماءُ أصحابُ عُلومِ الشَّرْعِ، وهِي التَّفسيرُ والفِقْهُ والحَديثُ، لَا قَارئٌ وأدِيبٌ ومُتكلِّمٌ على الأرْجَحِ، ويَتناوَلُ الفُقَراءَ والمَساكينَ وبِالعَكْسِ ولَهُما يُنَصَّفُ، ويَكفِي الصَّرْفُ مِن كُلِّ صِنْفٍ إِلَي ثَلاثَةٍ 4، ولَا تَجِبُ التَّسويةُ بيْنَ الثلاثَةِ.
ويُعتبَرُ اللفْظُ في حَمْلِ فُلانةٍ فيُوزَّعُ على العَددِ، ويَستقِلُّ بِه الحَيُّ.
وإنْ كانَ حَمْلُها 5 ذَكَرًا فأَعْطُوه كذَا، أوْ أُنثَى فلَها كَذَا، فوَلَدَتْهُما مِنْ ذَلك الحَمْلِ، فلَا شَيءَ لَهُما.

الحَمْلِ، فلَا شَيءَ لَهُما.
وإنْ أَتَتْ بذَكَرَينِ أُعطِيا علَى المُختارِ خِلَافًا لِلْغَزالِي.
واسمُ الشَّجرةِ لَا يَستَتْبعُ الثَّمرةَ غَيْرَ المُؤبَّرةِ لِعدَمِ المُعاوَضةِ ولِهَذَا لَا تَدخلُ الثَّمرةُ غَيرُ المُؤبَّرةِ في هِبةِ الشَّجرةِ 1 [على الجَدِيدِ] 2. ولَا يَدخُلُ الحَمْلُ هُنا علَى الأصَحِّ.
وكذَا في الهِبَةِ علَى الجَديدِ في النِّهايةِ بِخِلافِ المُعاوَضاتِ مُطْلَقًا، فإنَّها تَستَتْبعُ غَيرَ المُؤبَّرَةِ والحَمْلَ 3. والوَصِيةُ بِمَنفعَةِ الجَارِيةِ تَتناوَلُ مَهْرَها لَا وَلَدَها، بَلْ هُو كالأُمِّ، ويدخُلُ في المَنفعةِ الأكْسابُ 4 الغَالِبةُ دُونَ النَّادِرةِ، خِلافًا للمَاورْدِي في تَصحيحِ دُخولِ اللُّقطةِ.
ولَا تَتناولُ المَنفعةَ المؤبدةَ الرّقبةُ على المَشهورِ، فكذلكَ الوَارثُ عِتْقُهُ وبَيعُهُ مِن 5 المُوصَى لَه دُونَ غَيرِه، والمَذْهبُ اعتبارُ تَمامِ [قِيمةِ الرَّقبةِ مِن الثُّلثِ بِخِلافِ مَا إذا أَقرَّ، فإنَّه يُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ مَا بَيْنَ] 6 قِيمتِه بِمَنفعتِه وقِيمتِه مَسْلوبَ المَنفَعَةِ ولَه بَيعُه مُطْلقًا.

ومِمَّا يُحْمَلُ على عُرْفِ الشَّرْعِ الوَصيةُ لِسبيلِ اللَّهِ تعالى؛ تُصرَفُ للغُزاةِ أوْ لِلرِّقابِ ولِلْمُكاتَبِينَ 1 كما في الزَّكاةِ فِيهما، وكذا الغَارِمِينَ 2 وابنِ السبيلِ، وكذلكَ لَا يُنقلُ عَن بَلَدِ المَالِ في الوَصِيَّةِ لِمَنْ ذُكرَ علَى مُقْتضَى نَصِّ "المُختصرِ" 3، وبِه قَالَ الأكثَرُ خِلافًا لِمَنْ رَجَّحَ الجَوازَ.
وتَصِحُّ لِطَائِفةٍ لَا تَنحصِرُ: كالعَلَوِيَّةِ، ويُصرَفُ لِثلاثَةٍ، ولَا تَجِبُ التَّسويةُ بَينهُم حَمْلًا عَلى عُرفِ الشَّرعِ في الفُقَراءِ وغيرِهم.
ولِزَيدٍ ولِلْفُقَراءِ: يَجُوزُ أَنْ يُعطَى زَيْدٌ أقَل مُتموَّلٍ، ولَا يَجوزُ حِرْمَانُه.
ولِزَيدٍ وللَّه لِزَيدٍ النِّصفُ والنِّصفُ لِلْفُقَراءِ.
ولِزَيدٍ وجِبريلَ ولِلرِّيحِ 4 بَطَلَ النِّصفُ.
ولِزَيدٍ ولِلْملائكةِ أوِ لِلرِّياحِ فأقَلُّ مُتموَّلٍ.
ولِأمَّهاتِ أَوْلادِه ولِلْفُقَراءِ والمَساكينِ 5 لِكُلِّ صِنْفٍ الثُّلُثُ وعلَى هذا فَقِسْ.
وحِسابُ هذا البابِ واسِعٌ جِدًّا، ومُقدِّمتُهُ النَّظرُ إلى قَدْرِ ما يُوصَى بِه، فَبِحَظٍّ، أوْ نَصيبٍ، أوْ جُزءٍ، أوْ ثُلُثِ مَالِه إلَّا شَيْئًا الوَصيةُ بِأقَلِّ مُتمَوَّلٍ، وبِمثْلِ نَصيبِ ابْنِه ولَا وارِثَ لَه غيرُهُ الوَصيةُ بالنِّصفِ.

وإنْ قَالَ بِمثْلِ ما كانَ نَصيبُه، فهو 1 وَصيةٌ بِجَميعِ 2 المَالِ قَطْعًا، وبِنَصيبِ ابنِه بَاطلةٌ عِندَ العِراقِيِّينَ وغَيرِهِم مِمَّنْ 3 تَبِعَهُم 4، وصَحَّحَها أبُو مَنْصُورٍ ومَن تَبِعَه.
وهذَا الأرْجَحُ 5 عِندَ ظُهورِ تَقديرِ مِثْلِ نَصيبِ ابنِه فيَكُونُ بِالنِّصْفِ.
وإنْ كانَ لهُ بَنونَ أوْ غَيرُهم فصَحِّحْ مَسألةَ الوَرثةِ وَزِدْ عَلَيْها مِثْلَ نَصيبِ ابْنٍ 6 [ويُضَعِّفُه مِثْلَيْه وثَلاثةَ أضْعافِه يَزيدُ أرْبعةَ أمْثالِه، وبِنَصيبِ ابْنٍ] 7 ثانٍ لَو كَانَ، ولَه 8 ابْنٌ واحِادٌ الوصيةُ بالثُّلُثِ [علَى الأصحِّ] 9. وبِمثلِ نَصيبِ بِنْتٍ لَيْسَ لَه غَيرُها الوَصِيةُ بِالثُّلُثِ.
وبِمثْلِ نَصيبِ أَحدِ ورَثَتِه يُعطِي مِثْلَ نَصيبِ أقَلِّهِم، وبُجُزْءٍ مُعَيَّنٍ 10 مِن رُبُعٍ أوْ سُدُسٍ أوْ ثُلُثٍ تُصَحِّحْ مَسْألةَ المِيراثِ وتَقُولُ مَخرَجُ المُوصى بِه مِن

كذَا فَإِذَا أَعْطَيتَ المُوصَى 1 لَه نَصِيبَه، وانْقسَم البَاقِي علَى مسْألةِ الوَرَثةِ فقدْ صَحَّتِ المَسألتانِ مِن مَخرجِ الوَصيَّةِ: كمَنْ أوْصَى بالرُّبُعِ لِزَيدٍ ولَه ثلاثةُ 2 بَنِينَ، فإنْ 3 لَمْ يَنقسِمِ البَاقِي، وكان مُبايِنًا لِمسألةِ الوَرثةِ ضَربْتَ مَسألةَ الورثةِ في مَخرَجِ الوَصيةِ، فَما بَلغَ فمِنْه تَصِحُّ القِسمةُ 4، ثُمَّ مَن لَه شَيءٌ مِنَ الوَصِيةِ يَأْخذُه مَضْرُوبًا فِيما بقِي مِن مَخْرجِ الوَصيَّةِ.
وإنْ تَوافقَا ضَربْتَ وَفْقَ مَسألةِ الورَثةِ 5 في مَخْرجِ الوَصيةِ فَما بَلَغَ فمِنْه القِسمةُ، ومَن لَه شَيءٌ مِن مَخْرَجِ الوَصيةِ يَأخُذُه مَضْرُوبًا فيما بَقِيَ مِن مَخرَجِ الوَصيةِ.
وإنْ تَوافقَا ضُرِبَ وَفْقَ مَسألَةِ الورَثةِ في مَخْرَجِ الوَصيةِ فمَا بلَغَ فمِنْه القِسمةُ، ومَن لَه شَيءٌ مِنْ مسألةِ الورثةِ يأخُذُهُ مضرُوبًا في وَفْقِ باقِي مخْرَج الوصِيَّةِ، ومَن لهُ شيْءٌ مِن مَخْرَجِ الوَصيةِ يَأخُذْهُ مَضْرُوبًا في وَفْقِ مَسْألةِ الوَرثَةِ.
وكذلكَ العَملُ إذَا أوْصى بأَجْزاءٍ تُجاوِزُ الثُّلُثَ، وأجَازَ 6 الوَارثُ، فيُنظرُ

إلى المَخارِجِ، والعملُ كمَا سَبقَ.
وإنْ لَمْ يُجِزِ الورَثةُ قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ أصْحابِ الوَصَايا علَى نِسبَةِ أنْصِبَائِهم بِتقْدِيرِ الإِجَازَةِ.
وإنْ رُدَّ شَيءٌ صَحيحٌ بِتَقْديرِي إجَازَةَ الكُلِّ [وَرَدَّهُ وَقُسم المثلُ] (1) أو الأكثَرِ (2) أو مَضْرُوبِ أحدِهِما في الآخَرِ أو وَفْقِهِ في الآخِرِ (3) بالتَّقْدِيرَيْنِ فالتفاوُتُ (4) بَيْنَ الحَاصِلين لِكُلِّ مُجيزٍ لِمَنْ (5) أجَازَ لَه.
وأمَّا الرُّجوعُ عَنِ الوَصِيَّةِ أوْ بعضِها فجَائِزٌ بالقَولِ كرَجَعْتُ أوْ فسَخْتُ أو نَقضْتُ أو أَبْطَلْتُ الوَصيةَ، وليسَ إنْكارُ الوصِيَّةِ رُجوعًا على الأرْجَحِ، خِلَافًا لِمَا في "الشرح" و"الروضة" (6) هُنا (7).

ضابط

ٌ: ليسَ لَنا عَقْدٌ يَرْتفِعُ بالإنْكارِ إلَّا الوَكالةُ مَع العِلْمِ حَيْثُ لَا غَرضَ في الإنْكارِ، ومِن الرُّجوعِ قَولُه: هذَا لِوَرَثَتِي، وكذَا هُو حَرامٌ علَى المُوصَى له1234567

بِه 1، لَا إنْ قال: "مِن تَرِكَتِي".
ويَحصُلُ الرُّجوعُ بالفِعْلِ كالبَيْعِ والإصْدَاقِ والكِتابةِ والتَّدْبِيرِ والإعْتاقِ والهِبةِ مَع القَبضِ 2، وكذا دُونَه في الأصَحِّ، والرَّهْنُ كالهِبَةِ.
ويَحصُلُ الرُّجُوعُ بِمُقدِّمةِ الفِعْلِ كالإِذْنِ بهذِه التصرُّفاتِ، والوَصيةِ بِبَيعِه أوْ هِبَتِه ونَحوِهِما 3، والعَرضُ على البَيعِ رُجوعٌ على الأرْجَحِ، وقولُه: "أوصَيتُ لِزَيدٍ بِمَا أوْصَيتُ بِه لِعَمْرٍو"، رُجوعٌ.
وإنْ قالَ: "أَوْصَيْتُ لِزَيدٍ بِهذَا" أوْ كانَ قَدْ أوْصَى بِه لِعَمْرٍو فَهُو تَشْريكٌ.
ومَنْ قُتِل مِنْهُما انفرَدَ بخِلافِ مَا إذا أوْصَى به لَهُمَا فقُتلَ واحدٌ منْهُما 4، فإنَّ لَه النِّصفَ، ولَو أوْصَى بثُلُثِ مَالِه، ثُم تَصرَّفَ في مَالِه بِبَيْعٍ أوْ غَيرِه أو هَلَكَ مَالُه لَمْ تَبطُلِ الوَصِيَّةُ؛ لِأنَّ النَّظرَ في الثُّلثِ لِمَا بَعْدَ المَوتِ.
ويَحصُلُ الرُّجوعُ بِمَا يُشعِرُ 5 بِإعْرَاضِ المُوصِي.
وكذَا بِزَوالِ 6 اسْمِ المُوصَى بِه على النَّصِّ.
فيَحْصُلُ الرُّجوعُ بِطَحْنِ الحِنطَةِ، وعَجنِ الدَّقِيقِ، [وقَطْعِ الخِرْقَةِ

قَمِيصًا] 1 وجَعْلِ الخُبْزِ فَتِيتًا، والقُطنِ حَشْوًا، والخَشبِ بَابًا، وبِناءِ العَرْصةِ أوْ غرْسِها، وخَلْطِ الحِنْطةِ المُعيَّنةِ بغَيرِها، والأجْوَدِ بصُبرةٍ وصَّى بِبَعضِها.
ومِن تَمَحُّضِ زَوالِ الاسْمِ [انْهدَامُ الدَّارِ المُوصى بِها قَبْلَ المَوْتِ فتَبطلُ الوصيةُ] 2 في البِناءِ دُونَ العَرْصَةِ.
وممَّا لَا يُعَدُّ رُجوعًا تَجْفِيفُ الرُّطَبِ، ونَقْلُ المُوصَى بِه، وكذا لُبْسُ الثوبِ، والوَطْءُ ولَو 3 معَ الإنْزالِ والتَّزويجِ، والإجَارةِ.
ولَو أوْصَى بِمَنفعةِ دَارٍ سنةً 4، فآجَرَهُ مُدَّةً فَلَمْ تَنْقَضِ إلَّا بَعْدَ وفَاتِه أَعْطى المُوصَى لَه مَا بَقِيَ مِنَ السَّنةِ، وإنْ 5 لَمْ يَبْقَ مِنْها 6 شَيءٌ بطَلَتِ الوَصيةُ.
وأمَّا نَصيبُ الوَصيِّ 7 لِقضاءِ دَيْنٍ ونَحوِه، فذَلكَ 8 لِكُلِّ حُرٍّ مُكلَّفٍ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى، [وهُوَ مُستحبٌّ] 9 وقَدْ يَجِبُ عِندَ تَعيُّنِه طَريقًا كمَا سَبقَ.
وإنْ كانَ يَنصرِفُ على الأطفَالِ أوِ السُّفهاءِ أوِ المَجانِينِ فذلكَ لِلْأَبِ أو

لِلْجَدِّ 1 مِن قِبَلِ الأَبِ [إذا كانَ ولِيًّا على مَنْ يُوصَى علَيه] 2. ولَيس ذلكَ لِلأُمْ ولَا لِغَيْرِ الأبِ والجَدِّ إلَّا في صُور؛ واحِدَةٍ، وهِيَ أَنْ يكونَ الأُمُ أوْ غَيرُ الأَبِ والجَدِّ وصِيًّا مِن قِبَلِ أَدب أوْ جَدٍّ مَأْذُونًا لَه في الوِصَايةِ عَن المُوصِي.
ولَا يَجوزُ لِلْأبِ نصْبُ وصِيٍّ في حَياةِ الجَدِّ المُتأهِّلِ لِلْوِلايةِ، كذا ذَكرُوهُ.
ويَنبغِي أَنْ يُعتبرَ في ذلكَ وُجُودُ الجدِّ عِندَ المَوتِ، فلَوْ نَصَبَ الأبُ وصِيًّا والجَدُّ حَيُّ 3 فمَاتَ الجَدُّ، ثُمَّ مَاتَ الأبُ نَفَذَتِ الوَصيةُ قِياسًا 4 على ما سَنذْكُر في وقْتِ اعتِبارِ شَرْطِ المُوصِي 5. وشَرْطُ الوَصِيِّ: العَدَالةُ، والكِفَايَةُ 6 لِلتَّصَرُّفِ ولَو أعْمَى، وأن لا يكونَ عَدُوًّا لِمَنْ يُوصَى علَيه عِنْدَ الرويانِي وجَماعةٍ 7. ويَجوزُ وصِيةُ ذِمِّيٍّ لِذِمِّيٍّ 8 عَدْلٍ في دِينِه؛ كذَا أطْلَقُوهُ 9.

ويَنبغِي أَنْ يُقيَّدَ ذلك 1 بِمَا إذا لَمْ يَتصرَّفْ عَلى المُسلمِينَ كالوَصِيَّةِ للْفُقَراءِ المُسلمِينَ، ومِثْلُه في نَظرِ الوَقْفِ؛ قلتُه تَخْرِيجًا.
ووقتُ اعتِبارِ هذِه الشُّروطِ حَالةُ المَوْتِ على الأصحِّ، ومَتى فُقِدَ شرْطٌ مِنها بعْدَ المَوتِ انْعزَلَ.
ولا يَعودُ وصيًّا بِزَوالِ المَانعِ إلا إذَا كانَ في الوَصيةِ أنَّه 2 إذا زَالَ مانِعُه صَارَ وَصيًّا، قُلْتُ هذا الاستِثْنَاءَ تَخْريجًا مِمَّا إذَا قالَ: "أوْصيتُ إليكَ"، فإذَا رَشَدَ ابْنِي فهُوَ الوَصيُّ فإنَّه يصِحُّ.
ويَحتمِلُ الإيصاءُ التعْليقَ والشَّرْطَ والتَّوقِيتَ، وليْسَ له نظِيرٌ فِي ذلك.
ومَتى خَصَّصَ وِصايتَه لِحِفْظٍ 3 ونحوِه 4 أتبع أو عَمَّم أُتبع أو أطْلَقَ بأنْ قالَ: "أوْصَيْتُ إلَيكَ في أمْرِ طِفْلِي" فَكالْعامِّ 5 علَى الأصحِّ للعُرفِ، خِلَافًا لِمَنْ رَجَّحَ أنَّه لِلْحِفظِ فَقطْ، ولَو اقْتصَرَ على "أوْصَيْتُ إلَيكَ 6 "، فبَاطِلٌ.
وتُعتَبرُ الصِّيغةُ في الوَصيةِ والإيصَاءِ.
وينْعقِدُ ذلكَ بالكِتابةِ مَع النِّيةِ، وكذَا الكِتابةُ، وبِالإشَارةِ إنِ اعتُقِلَ لِسانُه.

ويَجوزُ أَنْ يُوصِي إلى مُتعدِّدٍ وأنْ يُنصِّبَ نَاظرًا أوْ مُشْرِفًا على الوَصِيِّ.
ولَا 1 يَتصرَّفُ المُتعدِّدُ إلَّا بالاجْتماعِ إنْ شَرَطَهُ أوْ أطْلَقَ إلَّا فِيمَا لَا يَحتاجُ إلى رَأيٍ، وفِي العَقْدِ يَعقِدُ واحدٌ [بإذْنِ مَن لَمْ يَعقِدْ] 2. ومَنْ مَاتَ 3 أوْ تَعذَّرَ تَصرُّفُه 4 نَصَّبَ القَاضِي بَدَلَهُ.
وكذلكَ لَو مَاتَ الكُلُّ فلا بُدَّ مِن رِعايةِ التعدُّدِ.
وإنْ شَرَطَ لِكُلِّ واحِدٍ الاستِقْلالَ استقَلَّ.
وكذا يَستقِلُّ إنْ 5 قالَ: "أنْتُما وصِيَّايَ"، قالَه الزاز 6 ومَنْ تَبِعَهُ بِخِلافِ "أوْصيتُ إلَيْكُما 7 ". ولَوْ أوْصَى لِزَيدٍ ثُمَّ لِعَمْرٍو، وقَبِلَا فَلِكُلٍّ الاسْتِقْلَالُ [علَى الأقْوى] 8، خِلَافًا لِمَنْ ضَعَّفَهُ.
ولَو قَبِلَ أَحدُهُما فلَه الانفِرادُ، وهُو شَاهِدٌ لِمَا قَوَّيْناهُ.
ولَو قالَ: "ضَمَمْتُ بَكْرًا إلى زَيدٍ" فقَبِلَ زَيْد انْفَرَدَ، أوْ بَكْرٌ فَلَا.

ولَوِ اخْتلفَا في التصرُّفِ 1 وهُما مُستقلَّانِ فمَن سَبقَ نَفَذَ تصرُّفه، وإلَّا فيَأْمُرُهُمَا الحاكِمُ بمَا يَرَاهُ مَصلَحةً.
فإنِ امتنعَ أحدُهما ضَمَّ القاضِي إلَى الآخَرِ أَمِينًا، فإنِ امْتنعَا أقَام أَمِينَيْنِ.
وإنِ اخْتلفَا في المَصرِفِ تَولَّاهُ الحَاكِمُ 2، أو في الحِفْظِ، فالأرْجَحُ وضْعُه تَحْتَ يَدِ الجَميعِ، خِلَافًا لِمَنْ قال: يُقسَّمُ.
ولِلْمُوصِي الرُّجوعُ عنِ الإيصَاءِ، ولِلْوصِيِّ عزْلُ نفْسِه، ويَحرُمُ عَلَيهِ ذلك إذَا خَافَ ضَياعَ المَالِ بِاسْتِيلاءِ غَيرِه، والقولُ قولُه في الإنفاقِ وقَدْرِ النَّفَقةِ، لَا في بَيعِ العَقَارِ بالغِبطةِ، أوْ المَصْلحةِ، أوِ الحاجَةِ، ولا في تَاريخِ مَوْتِ الأبِ، ولا في رَدِّ المَالِ.

باب الوديعة

هي لُغَةً: الشَّيءُ المَوضُوعُ عِندَ غَيرِ صَاحِبِه لِلْحِفْظِ 1، ويُقالُ: أوْدَعَه وَديعةً إذا دَفَعَها إلَيْه وقَرَّرَهَا في يدِه أمَانةً، ولِلَمْحِ الأمَانَةِ لَحِقَتْهَا الهاءُ، ونَقَلَ الكسَائِيُّ "أوْدَعَهُ إذَا قَبِلَ ودَيعتَه"، وهُو غَريبٌ، فتكونُ اللَّفْظَةُ مِن الأضْدادِ.
وهِيَ رَاجعةٌ إلى مَادَّةِ "ودع" بِمعنَى اسْتقرَّ، أوْ تَرَكَ، أوْ تَرفَّه، لاسْتِقرارِهَا عِندَ المُودعَ، وترْكِها عِنْدَه وعَدَمِ اسْتِعمالِها، واستودَعَه ودَيعةً إذَا استحفَظَه إيَّاهَا.
وشَرْعًا: تُطلَقُ علَى المالِ نفسِهِ وعلى العَقْدِ المُقتضِي لِلاسْتِحفاظِ 2. وعلَى هذَا فحَقِيقتُها شَرْعًا: تَوْكيلٌ في حِفظِ مَمْلُوكٍ أوْ مُحْتَرَمٍ مُختَصٍّ على وجْهٍ مَخْصُوصٍ.
ودليلُها [قَبْلَ الإجْمَاعِ] 3، قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.

وعن أبِي هُرَيْرَةَ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أدِّ 1 الأمَانةَ إلَى مَنِ ائْتمنَكَ ولا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" رَواهُ أبو دَاودَ والتِّرمِذِيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وهِيَ مُستحَبَّة لِوَاثقٍ بأَمَانَةِ نفْسِهِ، قَادِرٍ على الحِفْظِ 2. وقدْ يَتعيَّنُ 3 القَبولُ عِندَ الاحْتياجِ إنْ لَمْ يَكنْ هُناكَ غَيرُه، ولَا يُجبَرُ حينئِذٍ على إِتْلافِ مَنفعتِه وحِرْزِه بِغَيْرِ عِوَضٍ.
وتَحْرُمُ عِندَ العَجْزِ عَن الحِفْظِ.
وتُكرَهُ عِندَ القُدْرةِ إنْ لَمْ 4 يَثِقْ بِنَفْسِه، وفِي وجْهٍ: يَحْرُمُ 5. وهِيَ عَقدٌ، وفِي وجهٍ: مُجَرَّدُ إذْنٍ 6. وترتفِعُ 7 على الوَجْهَينِ بِموتِ واحدٍ مِنْهما وجُنونِهِ وإغمَائِهِ 8. وللمُودِع عَزْلُ المُودعَ عِندَه ولَمْ يتعرَّضُوا لَه.

ولَوْ عَزَل المُودَعُ نفسَهُ انْعزَلَ تفْريعًا 1 على أنَّها عَقْدٌ، وتَبْقَى في يدِه أمانةً شرعِيةً 2 فيردُّها عِنْدَ الإمْكانِ عَلى الفَورِ، ولَا يَنعزِلُ على أنَّها مُجرَّدُ إِذْنٍ 3، ولا بُدَّ مِن صِيغةٍ دَالَّةٍ على الاستِحْفَاظِ كـ "أوْدَعْتُكَ" ونحوِهِ 4، ولَا يُشترَطُ القَبُولُ لَفْظًا على الأصحِّ كالوَكَالَةِ 5، وقَطَعَ الرُّويانيُّ في "الحِليةِ" بأنَّ الودِيعةَ تَقْبَلُ التَّعلِيقَ 6، ويُعْتَبَرُ في المُودِع والمُودعَ أَهْليَّةُ كُلٍّ مِنهُما لِمَا صَدَرَ منهُ 7.

ولَو أوْدَعهُ صَبيٌّ لَمْ يَأخُذْ مِنهُ، فإنْ أخَذَهُ ضمِنهُ 1 إلَّا إنْ 2 خَافَ هَلاكَهُ وأخَذَ مِنه 3 وصَوْنًا لهُ 4. ولَوْ أَودعً صَبِيًّا أو سَفِيهًا مَالًا لَمْ يَصِحَّ 5. ولَو 6 تَلِفَ عِندَهُما لَمْ يَضْمنَاهُ، وإنْ أتْلفَاهُ ضَمِناهُ علَى أظْهرِ القَوْلَينِ 7. ولَا 8 يَضْمنانِ مَا أتْلفَاهُ مِنْ مرْضٍ أوْ مَبيعِ، [لأنَّ المالِكَ سلَّطَهما على ذلك بِخِلافِ الودِيعةِ] 9. ولَوْ أتلفَ العَبدُ الودِيعةَ، تَعلَّقَ الضَّمانُ برَقبتِهِ على أرْجَحِ القَوْلَيْنِ.
والأصلُ في الودِيعةِ: الأمَانةُ 10.

وقدْ يحصُلُ نقصُهُ (1) بِوَاحدٍ مِن اثْنَيْ عَشرَ سَببًا، فَيَجِبُ الضَّمانُ في غَيرِ المُخْتَصِّ على ما سَبَقَ في الغَصْبِ:

الأوَّلُ

(2): أَنْ يُودِعَها عِنْدَ غَيرِه مِنْ غَيرِ إِذْنٍ بِلَا عُذْرٍ، ولَا يَضْمَنُ بالاستِعانَةِ في نقْلِها ونحوِه معَ بَقاءِ يَدِه، وإنْ أرَادَ سَفَرًا رَدَّهَا على المَالِكِ أوْ وَكيلِه، فإنْ لَمْ يَجِدْ دَفعَها لِلْحَاكِمِ، فإنْ لَمْ يَجِدْهُ فإِلَى أَمِينٍ، فإنْ تَرَكَ هذَا التَّرتِيبَ ضَمِنَ، وإنْ دَفَنَها وسَافرَ ضَمِنَ، إلَّا أَنْ يُعْلِمَ بِها أَمِينًا يَسْكُنُ ذَلكَ المَكانَ (3).

الثَّاني

الثالث

ُ (1): تَرْكُ الرَّدِّ والإِيصاءِ المُمْكنِ عِندَ حُصُولِ المَرضِ المَخُوفِ أوِ الحَبْسِ لِلْقتلِ إذْ علَيه أَنْ يَرُدَّ على المَالِكِ أوْ وَكيلِه، فإنْ عجَزَ دَفَعها لِلْحاكِمِ أوْ يُوصِي (2) إليهِ فإنْ عَجزَ فعِندَ أَمينٍ أوْ يُوصِي إلَيْه.
واكتفَى البغَوِيُّ بالوَصيَّةِ وإنْ أمْكنَ الرَّدُّ إلى المَالكِ وهو حَسَنٌ.
ولا بُدَّ مِن إيصاءِ مُميِّزٍ (3) إلَى عَدْلٍ، فإنْ تَرَكَ التمييزَ ضَمِنَ، وإذا (4) لَمْ يُوصِ، ولَمْ تُوجَدْ في تَرِكَتِه، فهو ضَامِنٌ على المَنصُوصِ المُعتَمَدِ، وإذَا لَم يَتمكنْ بِأنْ مَات فَجأةً أوْ قُتِلَ غِيْلَةً، فلَا ضَمانَ.

الرابع

ُ 5: نقْلُها بغَيرِ 6 عُذْرٍ مع النَّهْي عَن النَّقْلِ، أو لا مَع النَّهْي، بَل لِسَفرٍ يضْمنُ 7 إذا لَمْ يَكنْ عُذْرٌ أوْ 8 نَقْلُها بغَيرِ سَفَرٍ إلى ما دُونَ الأوَّلِ في الحِرْزِ، ولَا ضَمانَ بِنقْلِها مِن بَيْتٍ إلى بيْتٍ في دَارٍ مُطْلَقًا، إلَّا إذا 9 كانَ كُلٌّ مِنْهُما حِرْزًا، إلَّا إذَا عَيَّنَه 10 المُودِعُ وتَلفَتْ 11 بِسَببِ المُخالَفَةِ بانْهِدامٍ أوْ1234

سَرِقَةٍ، ونحوِهما (1)

الخامس

ُ (2): تَرْكُ دَفْعِ المُهْلِكِ كتَرْكِ علْفِ الدَّابةِ وسَقْيها إلَّا إذَا نَهاهُ عنْ ذلكَ فَلا ضَمانَ، ويَعصِي بِالتَّرْكِ إلَّا إذَا كَانَ لِعِلَّةٍ فَعلَفَها (3) قَبْلَ زَوالِها، فإنَّه يَضمَنُ (4)، وإدَا لَمْ يُعرِّضْ ثِيابَ الصُّوفِ ونحوِها للرِّيحِ ولَمْ يَلْبَسْه عِند تَعيُّنِ اللُّبْسِ طَريقًا لِم صْلاحِ فإنَّه يَضْمنُ بِتَرْكِه.

السادِسُ

السابع

ُ (1): خلْطُ الودِيعةِ بمَالِ (2) نفسِهِ (3) عندَ تعذُّرِ التَّمييزِ، وكذا خلْطُ درَاهِمَ كيسَينِ (4) على الأصحِّ (5)، ولَو ردَّ بَدلَ مَا أَخذَه، ولَمْ يَتميَّزْ ضَمِنَ الكُلَّ، [وإنْ رَدَّ نَفْسَ مَا أخَذَ وخلطَ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا ما تَعدَّى فِيه.

الثَّامنُ:

أَتْلفَ عَمدًا بعضًا مُتصِلًا ضَمِنَ الكُلَّ] (6).

التاسِعُ

ولَو أمَرَهُ بَرَبْطِها في الكُمِّ، فأمْسكَها بَيَدِها (1) ضَمِنَ إنْ (2) ضَاعَتْ بنَومٍ أوْ نِسيانٍ لَا بِأخْذِ غَاصِبٍ.
ولَو جَعلَها في جَيْبِه بَدلًا عَن الرَّبْطِ في الكُمِّ لَمْ يَضْمَنْ، إلَّا إذَا كانَ واسِعًا، كذَا قَالُوه، لكَنِ الجَيبُ وإنْ ضَاقَ لَيْسَ حِفْظُه كالرَّبْطِ في الكُمِّ (3)، فيَضْمَنُ إنْ ضَاعَتْ بنَومٍ ونحوِه (4). ولَو أمَرَهُ بِوَضْعِها في الجَيْبِ فرَبطَها في الكُمِّ ضَمِنَ، كذا جَزَمُوا بِه، وفيهِ ما سَبَقَ (5). ومَتى أمَرَهُ بالرَّبْطِ في الكُمِّ فَجعلَ الخَيْطَ الرَّابِطَ خَارِجَ الكُمِّ، ضَمِنَ إنْ أخَذَها الطَّرَّارُ لا إنِ انحلَّ الخَيطُ، وبالعَكْسِ ينْعَكِسُ الحُكْمُ (6).

العَاشرُ

ولَو سَأَلهُ رَجُلٌ "هَلْ عِندَكَ ودِيعةٌ لِفُلانٍ؟ " فأَخْبرَه بِها، ضَمِنَ عِنْدَ العبَّادِي، ومَن تبِعَهُ، والأرْجَحُ خِلافُهُ.
ولَوْ أُخِذتْ مِنه كُرهًا لمْ يَضْمَنْ (1). وإنْ طَلَبَها الظَّالِمُ أخْفَاهَا عَنْه، ويَجوزُ أن يَحلِفَ أنَّهَا لَيْسَتْ عِندَهُ، ولكِنَّهُ يَحْنَثُ إنْ لَم يُكْرِهْهُ على الحَلِفِ.
ولَو (2) أكْرَهَهُ الظَّالِمُ حتَّى سَلَّمَها إلَيْه كَان لِلْمالِكِ تَضْمِينُه علَى مَا صحَّحُوهُ، وهُو يَرْجِعُ (3) على الظَّالِم (4).

الحَادِي عَشَرَ:

الجُحودُ إذَا طَلبَ المَالِكُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قالَ: "لِي عِندَك وديعَةٌ" ولَمْ يَطلُبْها فأنْكَرَهَا، فإنَّه لَا يَضْمنُ على ما صحَّحُوه 5. وحيثُ ضَمِنَ بالجَحْدِ فَثَبَتَتْ 6 عليه 7 لَمْ تُقبَلْ دَعْواهُ بِرَدِّها قَبْلَ ذلك.
ويُصَدَّقُ في التَّلَفِ، وإنْ أقَامَ بَيِّنةً بأنَّه رَدَّها، أوْ تَلِفتْ قَبْلَ الجَحْدِ سَقطتِ1234 = التعارف وهو حرز المثل، فإذا تركها فيما دون حرز مثلها، فقد فرط فلزمه الضمان، وإن وضعها في حرز فوق حرز مثلها لم يضمن؛ لأن من رضي بحرز المثل رضي بما فوقه.
قاله في "المهذب" (ص 359).

المُطالبَةُ على الأصحِّ.
ولَو لَمْ يجْحَدِ الوديعَةَ ولكِنْ أنكرَ اللُّزومَ، فَثَبَتَ (1) علَيه قبْلَ دَعواهُ بِرَدِّها (2) أوْ تَلفِها (3) قبْلَ ذلكَ، ومِثلُ ذلكَ كلِّه يَجْرِي في الوَكِيلِ (4).

الثَّاني عَشَرَ

قَاعدتانِ:

إحداهُما:

كلُّ أمينٍ مِن مُرتَهِنٍ، ووَكيلِ وشَريكٍ وعَاملِ قراضٍ وولِيِّ محْجُورٍ ومُلْتقِطٍ لَمْ يَتملَّكْ 1، ومُلْتقِطِ لَقِيطٍ ومُستأجِرٍ وأَجيرٍ 2 وغيرِهم مُصَدَّقٌ 3 باليَمينِ 4 فِي التلفِ 5 على حُكْمِ الأمانةِ إن لمْ يَذكرْ سببًا أوْ ذكَرَ سَببًا خفيًّا.
فإنْ 6 ذَكرَ سَببًا ظاهرًا غَيرَ مُعَيَّنٍ 7 مَعروفٍ فلا بدَّ 8 مِن إثباتِه.
ومِن ذلكَ: مَوتُ 9 الحَيوانِ، وكذلك 10 الغصْبُ عِندَ المُتولِّي خِلافًا لِلْبغَوِيِّ، ومَتى عُرِفَ عُمومُه لَمْ يُحتجْ إلى اليَمينِ؛ كذَا قالُوه 11. والتحقيقُ: لا بدَّ مِن الحَلِفِ عِندَ إمْكانِ السَّلامةِ.

ويُصدَّقُ كُلُّ أَمِين بِاليَمينِ فِي دَعْوى الرَّدِّ على مَنِ ائْتمنَه، إلَّا المُرتَهِنَ، والمُستأجِرَ، ولا يُصَدَّقُ الولي ونحوُه فِي الرَّدِّ لادِّعائِه ذلك على غَيْرِ (1) مَنِ ائتمنَه، وقدْ سبقَ بعضُ هذَا.
ويُصَدَّقُ وارثُ المُودعَ باليَمينِ فِي أنَّها تَلَفَتْ (2) عندَ مُورِّثِهِ (3) على حُكمِ الأمَانةِ وفِي أنَّ مُوَرِّثه رَدَّها (4) على المُودِع عند البغوِيِّ، وهو الأرْجَحُ خِلَافًا للمُتوَلِّيِّ.

القاعدةُ الثانيةُ

وفِي جَميعِ هذِهِ الصُّورِ يَضمَنُ بِتأخِيرِ الرَّدِّ معَ الإِمكانِ 1. [تَمَّ الجُزْءُ الأوَّلُ مِن "كتاب التدْرِيب"، يتْلُوهُ فِي الجُزْءِ الثَّانِي: كِتابُ النِّكاحِ] 2.

التدريب في الفقه الشافعي المسمى بـ «تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي»

تصنيف الإمام الفقيه الكبير سراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني الشافعي - رحمه الله تعالى -

ومعه «تتمة التدريب» لعلم الدين صالح ابن الشيخ سراج الدين البلقيني - رحمه الله -

حققه وعلق عليه أبو يعقوب نشأت بن كمال المصري

[الجزء الثالث]

التَّدريب في الفِقه الشَّافِعي المُسَمَّى بِـ «تَدريب المُبتدي وَتَهذيب المُنتَهِي» [3]

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى 1433 هـ - 2012 م

دَار الْقبْلَتَيْنِ المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض جوال: 0506639380 - تليفاكس: 014497216

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جارٍ التحميل