التدريب في الفقه الشافعيكتاب الأمان
أهل الأثرالأرشيف العلمي

يصحُّ من كلِّ مسلمٍ مكلَّفٍ مختارٍ أمانُ حربيٍّ قبلَ أسرِهِ، وعدد محصورٌ فقط كعشرةٍ ومائةٍ، إن لم يؤدِّ ذلك إلى انسدادِ الجهادِ، أو بعصابةٍ نقصانًا لَهُ وقع.
والأسيرُ المقهورُ في أيدي الكفَّارِ إذَا أمنَ بعضهم مكرهًا لم يصحّ، وإن أمنهُ مختارًا لم يصح أيضًا على الأصحِّ إذا لمْ يَكُنْ في أمانٍ، ممن هو في أسره، فإنْ كانَ في أمانٍ منهُ صحَّ أمانُهُ إياهُ إذا صارَ منهُ ذلكَ مع معرفتِهِ وجه النظر.
وينعقدُ الأمانُ بكلِّ لفط يفيدُ الغرضَ صريحًا أو كنايةً مع نيةٍ، وبالكناية مع النيةِ، وبالرِّسالةِ فإنْ كانَ المرسلُ بهِ فيها صريحًا فذاكَ وإنْ كانَ كنايةً فلا بدَّ منَ النيَّةِ كما سبقَ.
ومحلُّ اعتبارِ الصريح أو اعتبار ما يحتاج غيره إلى النيةِ ممَّا يقدمُ ما لم يدخل الحربي دار الإسلامِ رسولًا أو دخل ليسمعَ الذِّكر وينقادَ للحقِّ إذا ظهرَ لَهُ، فإنْ

الجزء: 4 - الصفحة: 227

دخَلَ كذلكَ لم يحتجْ إلى ما ذكر، وكذلكَ إذ دخَلَ مستحق المال الذي نقضَ العهدَ والتحقَ بدارِ الحربِ لطلبِ ماله الذي بقي في حكمِ الأمانِ على الصحيحِ لا يحتاجُ إلَى ما ذكر.
ولا يشترطُ علمُ الكافرِ بالأمانِ على النصِّ وجرى على عدمِ اعتبارِهِ العراقيونَ وجمع من المراوزةِ، خلافًا لمنِ اعتبرر فإنْ ردَّهُ بطلَ.
ولا يشترطُ قبولُ الكافرِ الأمان على المنصوصِ فلو سكتَ لم يبطلِ الأمانُ.
وتكفي إشارةٌ مفهمةٌ للقبولِ، أو أَنْ تبدو عليه مخايل القبول.
وإن كان الذي أمَّنَهُ يا دخولِه رجلًا من المسلمين كانَ أمانُهُ مقصورًا على حقنِ دمِهِ ومالِهِ دونَ مقامه، ونظر الإمامُ في حالِهِ، فإن كانَ من المصلحةِ إقرارُهُ أقرَّهُ على الأمانِ، وقررَ لَهُ مدَّةَ مقامِهِ، ولم يكُنْ لمنْ أمَّنَهُ من المسلمين تقدير مدته.
ويجوزُ أَنْ تؤمَّنَ المرأةُ والعددُ من النساء من غيرِ تقييدٍ بأربعةِ أشهرٍ ولا دونَ السَّنَةِ على النصِّ، ولا يجوزُ أمانٌ من الإمامٍ إلَّا بالنظرِ للمسلمين، وإنما يجوزُ أمانُ الواحدِ من المسلمينَ من كانَ إذا اتَّصل بالمصلحةِ على الأرجحِ كما نقلَهُ القاضي حسين عن الأصحابِ.
وعقدُ الأمانِ جائزٌ من جهةِ المؤمَّنِ له بيده متى شاء، ويصير حربًا لنا يبلغ المأمن، ولازم من جهة المؤمِّن لا يجوزُ له نبذه إلَّا بأنْ يظهرَ منه خيانةٌ فينبذه حينئذٍ ويقتضي إطلاق نصوص الشافعي حصول الأمان في المالِ حيثُ كانَ، ولا يدخلُ الأصلُ في الأمانِ إلَّا.
. . 1. والمسلمُ بدارِ الحرب إنْ أمكَنَهُ إظهارَ دينِهِ ولم يرج ظهور الإسلام هناك

الجزء: 4 - الصفحة: 228

بمقامِهِ يستحبُّ لَهُ الهجرةُ فإنْ رجَا فالأفضل أن يُقيمَ 2. وإنْ قدَرَ على الامتناعِ في دارِ الحربِ والاعتزال وجبَ عليهِ المقامُ بها، وإن لم يمكنْهُ ما تقدَّمَ، ولم يكن في مقامِهِ مصلحةٌ للمسلمينَ وجبتِ الهجرةُ إنْ أطاقَهَا، وإذَا قَدَرَ الأسيرُ عَلى الهَرَبِ لزمَهُ وإنْ أطلَقُوهُ بلا شرطٍ فلهُ اغتيالُهُم، أو على أنَّهم في أمانِهِ حرُم اغتيالُهُم، وكذلك الحكمُ إذا أطلقوهُ على أنَّهُ في أمانِهِم على النصِّ فإنْ تَبِعَهُ قومٌ فليدفعْهم ولو بِقتلهم.
ولو شرطوا أن لا يخرج من دارهم لم يجزِ الوفاء إذا لم يمكنْهُ إظهارَ دينِهِ فإنْ أمكنَهُ لم يحرُم الوفاء.
ولو عاقدَ الإمامَ مَن يدله على قلعة كذا، وله منها جارية جازَ، فإنْ فُتحت بدلالتِهِ عَنْوَة أعطيها، وإن فتحت صلحًا وكانتِ الجاريةُ المشروطةُ خارجةً عَنِ الأمانِ، وكان الصلحُ على أمانِ صاحبِ القلعةِ وأهله ولم تكنِ الجارية من أهلِه سلِّمتْ إليهِ، وإن كانتْ داخلةً في الأمانِ أعلمنا صاحبَ القلعةِ بشرطِنَا معهُ، وقُلنَا لَهُ إن رضيتَ بتسليمِها إليهِ غرمنا لك قيمتها وأمضينا الصلحَ، وتكونُ القيمةُ من بيتِ المال وإن لمْ يرضَ راجعناهُ فإنْ رضِيَ بقيمتِها أو بجاريةٍ أخرى فذاك، وإلَّا قلنا لصاحبِ القلعَةِ إن لم تسلمْها فسخنا الصلحَ ونبذنا عهدك، فإنِ امتنعَ رددناهُ إلى القلعةِ واستأنفنَا القتالَ، وإنْ لمْ يفتحِ بدلالته أعطيها على المنصوصِ 3؛ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، فإنْ لم يفتحْ فلا شيءَ لَهُ.
وقيل: إنْ لم يعلَّقِ الجعلُ بالفتحِ فلَهُ أجرةُ مثلٍ، فإنْ لم يكنْ فيها جارية أو

الجزء: 4 - الصفحة: 229

ماتتْ قبل العقدِ فلا شيءَ له، أو بعدَ الظفرِ قبلَ التسليمِ وجبَ بدل، أو قبلَ ظفر فكذا على المذهبِ المنصوصِ خلافًا لمن صحَّحَ عدمَ الوجوبِ.
وإن أسلمتْ ولم ينزلْ عليها رقٌّ وجبَ البدلُ، وإن كانتْ رقيقةً أخذها الدَّالُّ إلَّا إنْ كانَ كافرًا وأسلمَتْ قبلَ الظفرِ فلَهُ البدلُ، فإن أسلمَتْ بعدَ الظفرِ أمِرَ بإزالةِ ملكِهِ عنها، والبدلُ قيمتها على المنصوصِ، وقيلَ أجرة مثل.


فصل

في قسمِ الفيء والغنيمة إنما ذكرناهُ هُنَا لأنَّ شيخَنا رضي اللَّه عنه وعدَ في آخرِ كتابِ قسم الصدقاتِ أن يذكره هنا.
القسمُ بالفتح مصدر قسمتُ الشيءُ والفيء؛ مصدر فاء يفيءُ، إذا رجعَ، ثم اسْتُعْمِلَ في المالِ الراجعِ إلينَا من الكفَّارِ من استعمالِ المصدرِ في اسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ؛ لأنَّهُ مردودٌ على المسلمينَ.
قال القفالُ 4 في "المحاسن" سُمِّيَ الفيءُ به لأنَّ اللَّهَ تعالى خَلَقَ الدنيا وما فيها للاستعانةِ على طاعتهِ، فمَنْ خَالفَهُ فقد عَصَاهُ، وسبيلُهُ الردُّ إلى مَن يطيعُهُ.
والغنيمَةُ فعيلةٌ منَ المغنَمِ وهو الرِّبحُ؛ لأنَّها فائدَة محقَّقَة.
قال اللَّهُ تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآيتين.
الفيء 5 ما أخذ من الكفَّارِ من غيرِ قتالٍ أو إيجافِ خيلٍ، أو ركابٍ كجزية

الجزء: 4 - الصفحة: 230

وعُشْر تجارة، وما جَلَوْا عنه، ومال مرتدٍّ، قتل أو ماتَ على الردَّةِ، وذميٍّ ماتَ بلا وارثٍ.

ويقسمُ ذلك خمسهُ أسهم متساوية:

أحدها: مصالحُ المسلمينَ كالثغورِ والقضاةِ والعلماءِ، ونعني بالقضاةِ قضاة البلادِ، وأما قضاةُ العسكرِ الذينَ يحكمونَ بين أهلِ الفيءِ في مغزاهُم فإنَّما يُرزقَونَ في الأخماسِ الأربعةِ.
. قالهُ الماورديُّ وغيرهُ 6، والمرادُ بالعلماءِ أصحابُ العلومِ المتعلِّقَةِ بمصالحِ المسلمينَ، يقدَّمُ الأهمُّ فالأهمِّ وجوبًا.
والثاني 7: بنو هاشمٍ وبنو المطلب، فيشتركُ فيه الغنيُّ والفقيرُ، والذَّكرُ والأُنثى، ويفضَّلُ الذَّكرُ على الأنثى كالإرثِ.
الثالثُ 8: اليتامَى: واليتيمُ الصغيرُ الذي لا أبَ لهُ، ويشترطُ فقرُهُ على المشهورِ.
والرابعُ والخامسُ 9: المساكينُ وأبناءُ السبيل -وقد ذكرهما شيخُنا في قسم الصدقاتِ، ويعمُّ الأصنافَ الأربعةَ المتأخِّرةَ بالعطاءِ- الغائبُ عن موضعِ الفيءِ والحاضرُ على الأظهرِ.
وأمَّا الأخماسُ الأربعةِ التي كانتْ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حياتِهِ فالأظهَرُ أنَّها

الجزء: 4 - الصفحة: 231

للمرتزقةِ المرصدينَ للجهادِ، وبتعيينِ الإمامِ، وأبنائهم في الديوانِ 10. وينبغي للإمامِ أن يضعَ ديوانًا 11، وينصبَ لكلِّ قبيلةٍ أو جماعةٍ عَرِيفًا، ويبحثَ عن حالِ كلِّ واحدٍ وعياله وما يكفيهم، فيعطيه كفايتهم، ويقدِّم في إثباتِ الاسمِ وفي العطاءِ قريشًا استحبابًا، وهم ولد النَّضرِ بن كنانةَ، ويقدِّم منهم بني هاشمٍ، والمطلب، ثم بني عبد شمس، ثم نوفل، ثم بني عبد العزَّى، ثم سائر البطون الأقرب فالأقرب إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم الأنصار، ثم ربيعة، ثم جميع ولد عدنان، ثم قحطان، ثم العجم 12، والتقديم من العجم بالسنِّ والفضيلةِ لا بالنسبِ.
ولا يثبتُ في الديوانِ [أعمى] 13 ولا زمِنًا ولا من لا يصلحُ للغزوِ، وإن مرضَ بعضُهم أو جنَّ ورُجِيَ زوالُه وإن طالَ أعطي، ويبقى اسمُهُ في الديوانِ وإن لم يرجَ، فهل يعطى؟ وكذا هل تعطى زوجتُهُ وأولادُه إذا مات؟ فيه قولان، أظهرهما نعم، وتعطى الزوجةُ إلى أن تنكِحَ، والأولادُ حتَّى يستقلُّوا 14. وإذا فضلتْ الأخماسُ الأربعةُ عن حاجاتِ المرتزقةِ وزعَ عليهم على قدرِ مؤنتِهم، لأنَّهُ حقُّهم، والأصحُّ أنَّه يصرفُ بعض هذا الفاضل عن حاجاتهم في إصلاحِ الثُّغورِ والسلاحِ والكراعِ 15.

الجزء: 4 - الصفحة: 232

وجميعِ ما ذكرنا في منقولاتِ أموالِ الفيء، فأمَّا الدُّورُ والأراضي: فالمذهبُ أنَّها تُجعلُ وقفًا، وتقسم غلَّتُها كذلك 16. والغنيمةُ ما حصلَ من الكفَّارِ بقتالٍ وإيجافِ خيلٍ أو ركابٍ، وكذا المأخوذُ بقتالِ الرجالة، وفي السُّفنِ، وكذا إذا التقَى الصفَّانِ وانهَزَمَ الكفَّارُ قبل شهرِ السِّلاحِ وتركوا أموالَهُم، فإنَّها غنيمةٌ 17. والمأخوذُ على وجهِ السرقَةِ غنيمةٌ مخمَّسةٌ، وكذا ما أهدوه والحربُ قائمةٌ، وكذا ما يعطونَهُ بطيبِ نفسٍ كالهديةِ في غيرِ الحربِ، والمرادُ بالمالِ هو الذي كانوا يملكونَهُ، فإنْ كانُوا أخذُوهُ من المسلمينَ أو الذِّميينَ واستولوا عليه وجبَ ردُّهُ إلى أصحابِهِ، وليسَ بغنيمةٍ بناء على مذهبنا، أنهُم لا يملكونَهُ، فيُقدَّم من أصلِ مالِ الغنيمةِ السَّلَبُ للقاتلِ -وهو ثيابُ القتيلِ التي عليهِ، والخفُّ والزادُ وآلاتُ الحربِ كالدِّرعِ والسِّلاحِ والركوب-، سواء كان يقاتِلُ عليهِ أو ماسكًا بعنانِهِ، وهو يقاتِلُ وما علَى المركوبِ كسرجٍ ولجامٍ.
والأظهَرُ عدُّ السِّوارِ والمنطقِ والخاتَمِ وما مَعَهُ من دراهِمَ النفقَةِ والجَنِيبَةِ التي تعادُ معهُ من السَّلَبِ، لا حقيبةً مشدودةً على الفرسِ على المذهبِ 18. وإنما يستحقُّ السلبَ بركوبٍ غرر يكفي شر كافرٍ أصليٍّ في حالِ الحربِ، فلو رمي من حصنٍ أو من الصفِّ أو قتل نائمًا أو أسيرًا أو قتلهُ وقد انهزَمَ الكفَّارُ بالكليةِ لم يستحقَّ السلبَ، وكفاية شرِّه بأن يقتلَهُ أو يزيلَ امتناعَهُ بأنْ يفقأَ عينيهِ

الجزء: 4 - الصفحة: 233

أو يقطعَ يديهِ ورجليهِ، وكذا لو أسرَهُ أو قطعَ يديهِ أو رجليهِ على الأظهرِ.
ولا يخمَّسُ السلبُ على المشهورِ 19، ثم بعد السلب يخرج مؤنة الحفظ والنقل وغير ذلكَ من المؤنِ اللازمةِ كأجرةِ الجمالِ والزراع ونحوه 20، فيخاصمه إليها، ثم يخمَّسُ الباقي، فيجعلُ خمسةَ أقسامٍ متساويةٍ: فخمسه لأهلِ خمس الفيءِ، يقسَّمُ كما سبَقَ، والأصحُّ أنَّ النفلَ يكونُ من خمسِ الخمسِ المرصدِ للمصالِحِ إذا نقلَ الإمامُ ممَّا سيغنمُ في هذا القتالِ، ويجوزُ أن ينفلَ منْ مالِ المصالحِ الحاصلِ عندَهُ في بيتِ المالِ، والنفل زيادة يشرطُهَا الإمامُ، أو الأمير لمن يفعل ما فيهِ نكايةٌ في الكُفَّارِ كالتقدُّمِ طليعةً أو الهجومِ على قلعةٍ أو الدلالةِ عليها، وكحفظِ مكمنٍ.
ومنهُ أَنْ ينفل من صدَرَ منهُ أمرٌ محمودٌ بمبادرةٍ وحسنِ إقدام، لكنْ هذا يتعيَّنُ من منهم المصالح مما عنده، أو من هذهِ الغنيمةِ، وإنَّما يكونَّ النفلُ إذَا مسَّتِ الحاجةُ إليهِ لكثرةِ العدوِّ وقفَةِ المسلمينَ، واقتضى الرأيُ بعثَ السرايا وحفظ المكامِنِ، ويجهد الإمامُ في قدره بحسب قلة العمل وكثرته، وخطره وضدِّه.
والأخماسُ الأربعةُ 21 عقارُها ومنقولُها للغانمين، وهم الذين شهدُوا الوقعةَ على نيّةِ القتالِ -وإن لم يُقاتِلُوا- إلَّا المخذَّلَ والمُرْجِفَ إذا فرضتْ النية مع التخذيل والإرجافِ، فلا يستحقان سهمًا ولا رَضْخًا.
ولو دخَلَ الإمامُ أو نائبُه دارَ الحربِ بجيشٍ، فوقعتْ سريةٌ في ناحيته

الجزء: 4 - الصفحة: 234

فغنمتْ شاركَها الخمسُ، وبالعكسِ، لاستظهارِ كلٍّ منهما بالآخرِ.
ولو بعثَ سريتين إلى جهة اشتركَ الجميعُ فيما تقسم كل واحدةٍ منهما، وكذا لو بعثهما إلى جهتينِ، وإن ساعدتا في الأصحِّ.
ولو بعثَ جاسوسًا فغنمَ الجيشُ قبلَ رجوعِهِ شارَكَهُم في الأصحِّ.
ولو أخَّر في العسكرِ من يحرسُهُ من هجومِ العدوِّ أو أفردَهُ من الجيشِ كمينًا أسهم له، وإن لم يشهدِ الوقعةَ ذكرَهُ الماورديُّ 22 وغيرُه.
ولا شيءَ لمنْ حضرَ بعدَ انقضاءِ القتالِ، ولو ماتَ بعدَ انقضاءِ القتالِ والجنازَةِ فحقُّه لوارِثِهِ، وكذا بعدَ الانقضاء، وقبلَ الجنازَةِ على الأصحِّ، ولو ماتَ في أثناءِ القتالِ بالمنصوصِ أنَّهُ لا شيءَ لهُ 23. وأمَّا الأجيرُ لسياسةِ الدَّوابِّ وحفظِ الأمتعةِ والمتاجر، والمحترفُ كالحنَّاطِ والبقَّالِ فيستحقونَ السَّهمَ إذا قاتلوا على الأظهرِ.
ويعطَى الرَّاجلُ سهمًا، والفارسُ ثلاثة أسهمٍ، ولا يعطَي إلَّا لفرسٍ واحدٍ عربيًّا كان الفرسُ أو غيرَهُ، ولا يعطَي لبعيرٍ وغيرِهِ، ولا يعطَي لفرس أعجفَ، وما لا غناءَ فيه، وفي قولٍ يعطَى إن لم يعلمْ نهيَ الأميرِ عن إحضارِهِ 24. ويرضخ للعبيدِ والنساءِ والصبيانِ، وأهلِ الذمَّةِ إذا حضروا، وهو دونَ سهمِ راجلٍ، يجتهد الإمامُ في قدرِه ومحله الأخماس الأربعة على الأظهرِ،

الجزء: 4 - الصفحة: 235

وإيما يرضح لذمِّيٍّ حضرَ بلا أجرَةٍ، وبإذنِ الإمامِ على الصَّحيحِ 25، وأن يكونَ مختارًا كما ذكرَهُ الماورديُّ 26.


الجزء: 4 - الصفحة: 236

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بابُ الجزية

هي لغةً: اسمٌ لما يؤخذُ من أهلِ الذِّمَّةِ، والجمع الجِزى بكسرِ الجيمِ، وهي مشتقَّةٌ من الجزاء، كأنَّه جزاء دمائهم وأموالِهم ومقربوهم.
ويقالُ: من قتلهم جزا يجزي إذا قضا.
وشرعًا: مالٌ يؤخذُ من أهلِ الذِّمَّةِ بعقدٍ مخصوصٍ على وجهٍ مخصوصٍ، وهل هو جزاء مقامهم بدارِ الإسلامِ، أو جزاءُ حقنِ الدَّمِ، أو جزاءُ كفِّنا عن قتالِهم في دارِ الإسلامِ سنة، أو جزاء كفنا عن قتالِهم، وتمكينهم من الإقامَةِ بدارنا سنة؟ خلافٌ، الأصحُّ عند شيخنا هذا الأخير.

  • ضابطٌ: العقود التي تفيد الأمنَ للكفارِ ثلاثةٌ: الأمانُ -وقد سبق- وعقد الجزية، وعقد الهدنة.
    وأهلُ الجزية من الكتاب قولُه تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ

الجزء: 4 - الصفحة: 237

صَاغِرُونَ}، وصحَّت الأحاديثُ بأخذ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الجزية، وأجمع العلماء عليها في الجملة، ولا يعقدها إلَّا الإمام أو مأذونه، وفي الآحادِ وجهٌ شاذٌّ عن كتاب ابن كجٍّ.
وصورة عقدها لمن يريد الإقامة بدار الإسلامِ 27: "أقررتُكُم آمنينَ بدارِ الإسلامِ".
أو: "أذنتُ لكم بالإقامةِ في دارِنا غيرَ الحجازِ، على أن تبذلُوا الجزيةَ" ويعيِّنُها رأسَ كلِّ سنةٍ من تاريخِ هذا العقدِ، "وتنقادوا لحكم الإسلامِ الذي نرَاهُ يلزمكم".
ولو أتى بمضارعٍ نحوَ: "أقرُّكُم" وانسلخَ عنِ الوعدِ كفى، ومن يريدُ الإقامةِ ببلادِهِ التي هي في وسطِ بلادِ الحربِ إذا سألُوا عقد الذِّمَّةِ على إقامتِهم عاقدهم عليها، وليسَ عليهِ حينئذٍ منعُهم من الحرمينِ.
ولو عقدَ لنصارَى بلدٍ وليسُوا حاضِرينَ فبلغَهُمُ الخبرُ فرضُوا بذلكَ جازَ، ولو قالَ الكافرُ الذِي يحوزُ بفرسِه بالجزيةِ: "سألتُك أَنْ تؤمنني على كذا" فأمَّنَهُ الإمامُ كفى ذلك.
ولو وُجد كافرٌ بدارِنَا فقالَ: دخلته لسماعِ كلامِ اللَّهِ تعالى، أو رسولِه، أو بأمانِ مسلمٍ؛ صُدِّقَ إذَا ادّعى ذلكَ قبلَ أن يَصيرَ في قبضتِنَا أسيرًا، فإنْ ادَّعاهُ بعدَ أن صَارَ في قبضتِنَا أسيرًا لم يقبلْ إلَّا ببينةٍ.
وعلى الإمامِ الإجابةُ إذَا طَلَبُوا إلَّا مَن كانَ أسيرًا حرًّا مكلَّفًا كتابيًّا أو من يلحقُ به على المنصوصِ؛ لأنَّهم صارُوا غنيمةً أو فيئًا، وإلَّا عندَ خوفِ غائلةٍ فيمتنع ولا يعقدُ إلَّا ليهوديٍّ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ إن دخل هو أو أحد أصولِهِ في التهوُّدِ أو التنصُّرِ قبلَ الفسخِ، أو شككنا في وقته.
ولا جزيةَ على امرأةٍ وخُنثَى مشكلٍ لم تتبينْ ذكورَتُه، فإنْ بانتْ بعد أن

الجزء: 4 - الصفحة: 238

فرضَ أنَّه صدرَ العقد معه في حالِ الخنوثةِ أخذَ منهُ جزيةَ ما مضَى من السِّنينِ لظهورِ العملِ بالبراءةِ.
ولا جزيةَ على مَن فيهِ رقٌّ، وصبيٍّ، ومجنونٍ، فإنِ انقطعَ جنُونُهُ وجبتْ من غيرِ تلفيقٍ على النصِّ.
ولو بلغَ ابن ذمِّيٍّ ولم يبذلْ جزيةً أُلْحِقَ بمأمنِهِ وإن بذلها عقد له، ولو كان سفيهًا ولكن لا يعقدُ إلَّا إذا امتنعَ وليُّه من ذلكَ كمَا نصَّ عليهِ، ويعقدُ بدينارٍ فقط.
والأظهرُ وجوبُها على راهبٍ وغيرِ ذي رأيٍ من شيخٍ وزَمِنٍ وأعمَى وأجير بناءً على جواز قتلِهم، ومقتضى النصِّ يقتلونَ قطعًا، وعلى فقيرٍ عجزَ عن كسبٍ على المشهورِ.
والحجازُ غير حرم مكَّة يمنعُ الكافرُ الأصليُّ منَ الإقامَةِ بهِ، والحجازُ: الحرمانِ واليمامةُ وقُرَاهُنَّ وأرضُ ذَلِكَ كلِّه.
وأمَّا حَرَمُ مكَّة فيمنعُ مِن دخُولِهِ، وفي وجهِ ضعيفٍ له الإقامةُ بالمواضع التي بينَ البلاد، وليست بموضع إقامة عادةً، إلَّا الحربيُّ فلا يمكَّن من الإقامةِ في هذه المواضعِ بلا خلافٍ.
ولو دخَلَ كافرٌ الحجازَ بغيرِ إذنِ الإمامِ أخرجهُ، وعزَّرَه إن علمَ أنَّهُ ممنوعٌ.
فإنِ استأذَنَ في الدخولِ لغير حرمِ مكَّةَ أُذِنَ لَهُ إن كانَ فيه مصلحةٌ للمسلمينَ كرسالةٍ وحملِ ما يحتاجُ إليهِ، فإن كانَ لتجارةٍ ليسَ فيها كبير حاجةٍ -والتاجرُ ذِميٌّ- لم يأذن إلَّا بشرطِ أخذِ شيءٍ منها، ولا يقيمُ في كلِّ بلدٍ من بلادِ الحجازِ غير حرم مكَّةَ إلَّا ثلاثة أيامٍ، وإنْ كانَ حربيًّا فلا يُمكَّنُ من دخولِ الحجازِ للتجارَةِ أصلًا، وحكمُ المرأةِ الذِّميَّةِ في التجارةِ كالذميِّ التاجرِ فيما تقدَّم.

الجزء: 4 - الصفحة: 239

وإذا جاءَ الكافرُ رسولًا والإمامُ في حرمِ مكَّةَ خرجَ إليهِ أو نائبُهُ يسمعُهُ، وإن مرضَ فيه نُقِلَ، وإن خِيفَ موتُهُ فإن ماتَ لم يُدفَنْ فيهِ، فإن دُفِنَ نُبشَ وأخرجَ إذا لم يتقطَّع، فإنْ تقطّعْ لم ينبشْ على النصِّ.
وإن مرضَ في غيرِهِ من الحجازِ وعظمتِ المشقّةُ في نقلِهِ تُركَ، وإلَّا نُقلَ، فإن ماتَ وتعذَّرَ نقله، دفنَ هناكَ إنْ كانَ ذِميًّا.
فإن كان حربيًّا فلا يجبُ دفنُهُ، بل يجوزُ إغراء الكلابِ عليهِ، فإنْ دُفِنَ فلئلّا يتأذَّى الناسُ بريحِهِ، وهذا يوارَى مواراة الجيفِ، والمرتدُّ كالحربي (1).


فصل

أقلُّ الجزيةِ دينارٌ لكلِّ سنة 29، ولا يتغيَّر ذلك، فلو عقدَ على المتقومات والمِثلياتِ جازَ إذَا كانَت قيمتها لا تنقص عن دينارٍ خالصٍ مضروبٍ.
ويستثنى من ذلكَ صورةٌ واحدة، وهي محتملة أن لا جزيةَ فيهَا مع الإقامةِ سنة فأكثر، في دار الإسلام.
وفيها جزيةٌ مشطورةٌ في مقابلة العمل الذي جعل شطر الثمرة والزرع مع الجزية في مقابله، وهي ما إذا افتتحَ الإمامُ أرضًا عَنْوةً أو صلحًا على أنَّ الأرضَ للمسلمينَ وللأرض أهلٌ ممن يقرُّونَ بالجزيةِ، فَمَنَّ على الرجالِ في صورةِ العَنْوة، وعاملهم في صورة العنوةِ أو في صورةِ الصُّلحِ عندَ الحاجةِ إلى ذلكَ بمساقاةٍ على الشجرِ وما يتبعها، فإنَّهُ يجوزُ أن يُقيموا في تلك الأرضِ سنينَ بلا جزيةٍ أو بجزيةٍ مشطورة مع الشطرِ من الثمرِ والزرعِ في مقابلةِ28

الجزء: 4 - الصفحة: 240

العملِ.
ولا يشترطُ في هذه الجزيةِ أَنْ تبلغَ دينارًا لكلِّ رأسٍ، وذلكَ مستنبطٌ من قضيةِ خيبرٍ، وقد أشارَ إلى ذلكَ الشافعيُّ في "الأمِّ".

  • ضابطٌ: ليس لنا ذِمِّيونَ مُقيمونَ في بلادِ الإسلامِ سنةً فأكثر لا تلزمُهم الجزيةُ الواجبةُ في كلِّ سنةٍ إلَّا هذَا.
    ويُستحبُّ للإمامِ مماكسة 30 حتَّى يعقد على صفة التوسُّط بدينارين، وعلى صفة الغنى بأربعة، فيأخذ عند تمامِ الحولِ منهم ما عقدَ عليه إن وجدتِ الصِّفة آخر الحول.
    ولو عقدتْ بأكثر ثم امتنعوا من بَذْلِ الزَّائدِ لزمَهُم ما التزَمُوه، فإنْ أبوا، فالنصُّ أنَّهم ناقضُونَ، ومحلُّ نقضهم العهد بالإباءِ من بَذْلِ الزيادَةِ على الدِّينارِ في غيرَ ما دفع باسمِ الصدقةِ 31. ولو أسلَمَ ذميٌّ بعدَ سنةٍ أو مَاتَ لم تسقُطْ، ويؤخذُ ما مضَى من السَّنَةِ والسنين، ولا تداخل.
    ويسوى بين الجزيةِ وبين دين الآدمي على المذهَبِ 32. ولو أسلَمَ أو مَاتَ أو أفلسَ أو جُنَّ في خلالِ سنةٍ فقسطٌ، وفي قولٍ لا شيءَ فيها إذا ماتَ أو أسلَمَ في خلالِ السنَةِ.
    وتؤخذُ الجزيةُ بإجمالٍ، كما نصَّ عليه الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه-: حيث قال 33: (وإذا

الجزء: 4 - الصفحة: 241

أخذَ منهُمُ الجزيةَ -يعني الإمامَ- أخذَهَا بإجمالٍ، ولم يضربْ منهُم أحدًا، ولم ينلهُ بقولٍ قبيحً، والصَّغارُ أَنْ يُجْرِيَ عليهُمُ الحكمَ لا أَنْ يُضرَبُوا ولا يؤذُوا).
ويستحبُّ للإمامِ إذا أمكنَهُ أن يشرطَ عليهم إذا صُولِحُوا في بلدِهِم ضيافَةَ من يمرُّ بِهم من المسلمينَ زائدًا على أقلِّ جزيةٍ على النصِّ 34، وقيل منها، وتجعلُ على غنيٍّ ومتوسطٍ لا فقيرٍ على المنصوصِ -والفقيرُ في هذا البابِ من لا يملِكُ فاضلًا عن قوتِ يومِهِ آخر الحولِ ما يقدره على أداءِ الجزيةِ- ويذكرُ عددَ الضِّفيانِ، فعلى الموسع أن ينزل كلَّ مَن مرَّ به ما بين ثلاثة إلى ستة، لا يزيدونَ على ذلكَ، وعلى المتوسِّطِ أن ينزلَ كلَّ مَن مرَّ بِهِ رجلينِ أو ثلاثة لا يزيد عليهِم، كما نصَّ عليه.
ويذكر جنسَ الطَّعامِ، والأدم من نفقةٍ عامَّة أهله، مثل الخبزِ والخلِّ والزيتِ والجبنِ واللبنِ والحيتانِ، والبقول المطبوخةِ، وعلف دابة كلِّ واحدٍ تبنًا أو ما يقومُ مقامه في مكانه.
ومنزل الضِّيفانِ من كنيسةٍ وفاضلِ مسكنٍ، فإن كثرَ الجيشُ حتَّى لا تحتملُ منازِلُهُم أهلَ الغنَى ولا يجدُونَ منزلًا أنزلهُم أهلُ الحاجةِ في فضلِ مساكِنِهمْ، وليستْ عليهم ضيافةٌ 35. ومدَّة الإقامَةِ، ولا 36 تزيدُ على ثلاثةِ أيَّامٍ، وإذا قالَ قومٌ نؤدِّي الجزيةَ باسم صدقةٍ لا جزية، فللإمام إجابتهم إذا رأى، ويُضَعِّفُ عليهم الزكاة في الأموال

الجزء: 4 - الصفحة: 242

الزكويَّةِ، فيأخذُ مثلي ما يجبُ في الزَّكاةِ.
ولو وجبَ بنتا مخاضٍ (1) مع جُبرانين لم يضعفا على النصِّ، ولو كانَ بعضُ نصابٍ لم يجب قسطُه على المشهورِ، ثمَّ المأخوذ جزية فلا يؤخذُ من مال من لا جزيةَ عليه، ولا يجوزُ أن ينقص عن دينارٍ لكلِّ رأسٍ، ولا يمنع التضعيفُ في التجارَةِ أخذ عشرَ تجارتهم بالحجاز أو بغيره.


فصل

ٌ يلزمنا الكفُّ عنهم، وضمانُ ما نتلفه عليهم نفسًا ومالًا، ودفع أهلِ الحربِ عنهم إذا لم ينفردُوا ببلدٍ وسطَ دارِ الحربِ، وفي وجهٍ لا يلزمُنا الدَّفعَ عنهم بشرطِ أن يفردوا ببلدٍ في جوارِ دارِ المُسلمينَ، وأن يجري العقدُ مطلقًا، وأن لا يمرَّ أهلُ الحربِ بشيءٍ من دارِ الإسلامِ، وأن لا يكون هناك مالٌ لمسلمٍ 38. ونمنعهم من إحداثِ كنيسةٍ في بلدٍ أحدثناهُ 39، أو أسلَمَ أهلُهُ عليهِ، وما فُتحَ عَنوة لا يحدثونها فيها، ويقرُّون على كنيسةٍ كانت فيه على المنصوصِ.
وإن فتح صلحًا بشرطِ الأرضِ لنا وشرطِ إسكانِهم وإبقاءِ الكنائس جاز، وإن أطلق فالأصحُّ المنعُ، أو لهمْ قُرِّرَتْ ولهم الإحداث على النصِّ 40. ويُمنعون وجوبًا -وقيل ندبًا- من رفعِ بناءٍ علي بناءِ جارٍ مسلمٍ، وفي37

الجزء: 4 - الصفحة: 243

الرَّفعِ قولٌ أنَّه لا يمنعُ منهُ، والمنصوصُ عدمُ المنعِ من المساواةِ وجوبًا، والأحبُّ إلى الشافعيِّ المنعُ من المساواة -يعني: استحبابًا 41. ومحلُّ المنعِ من الرَّفعِ ومن المساواة إن قيل به إذا كان بناءُ المسلمِ مما يُعتادُ للسُّكنَى، فلو كانَ جدارُ المسلمِ قصيرًا لا يعتادُ للسُّكنَى؛ إمَّا لأنَّهُ بناهُ كذلك، ولم يتمَّ بناءَهُ، أو لأنَّه هَدَمَهُ، أو انهدَمَ إلى أَنْ صارَ إلَى ما ذكرنَاهُ، فإنَّه لا يمنعُ الذِّميُّ من بناءِ جدارِهِ علَى أقلَّ ما يعتادُ للسُّكنَى لئلَّا يتعطَّلُ عليه حقُّ السُّكَنى الذي عطَّلَهُ المسلمُ باختيارِهِ أو تعطَّلَ عليهِ لإعسارِهِ.
ثم إنْ بنَى المسلمُ أرفعَ مِن بناءِ الكافرِ فلا كلامَ، وإنْ بنى دونَهُ مما لا يعتاد للسُّكنَى، فلا يكلَّفُ الذِّميُّ أن ينقصَ عنهُ؛ لأنَّ المسلمَ لم يبنِ المعتادَ، وإن بناهُ أقلَّ ما يعتادُ للسُّكنَى قلنا للمسلمِ: لا تُكلِّف الذِّميَّ أن ينقصَ عن أقلَّ ما يعتادُ، فإمَّا أن ترفعَ بناءَك، وإما أن تتركَه.
ولا يكلَّفُ الذِّميُّ دونَ ذلكَ.
وظاهرُ نصِّ الشافعيِّ منعهم منْ رفعِ البناءِ في دارِ الإسلامِ، ولو كانُوا مُنفردِينَ بمحلَّةٍ أو قريةٍ، وهذا هو المُعتمَدُ في الفتوى، خلافًا لمنْ صحَّحَ خلافَ ذلكَ 42. ويمنعُ الذميُّ من ركوبِ الخيلِ لا حميرَ وبغالَ، إلَّا أن تكونَ البغالُ نفيسةً فيُمنعونَ من ركوبِها في هذا الزمانِ؛ لأنَّ الغالبَ فيهِ أنَّه لا يركبُها إلَّا الأعيانُ من المسلمين، أو من يتشبَّهُ بهم منهم 43. ويَركبُ بالإكافِ عرضًا، وهو أَنْ يجعلَ الراكبُ رجليهِ من جانبٍ ويركبُ

الجزء: 4 - الصفحة: 244

بركابٍ خشبٍ خسيسٍ لا حديدٍ ولا سَرْجٍ، ويلجأ إلى أضيقِ الطُّرقِ، ولا يوقَّرُ ولا يصدَّرُ في مجلسٍ، ويؤمرُ بالتمييز في اللباسِ بأنْ يلبسوا الغيار، وهو أن يحيطَ على ثيابِهِ الظَّاهِرَةَ ما يخالفُ لونُه لونَها، وإذا دخَلَ حمَّامًا فيه مسلمون أو تجرَّدَ عن ثيابِه جعلَ عليهِ جلاجل، أو في عنقِهِ خاتمٌ من حديدٍ أو رصاص 44. ويمنعون من إسماعِ المسلمينَ شركًا، وقولهم في عزيرٍ والمسيحِ، ويمنعونَ من إظهارِ خمرٍ وخنزيرٍ وناقوسٍ وعيدٍ 45؛ إذا كانوا في أمصارِ المسلمين، فإنْ كانُوا في قريةٍ منفردةٍ يملكونها فلا منعَ من ذلكَ.
نصَّ عليه.
ولو شُرطتْ هذه الأمورُ التي ذكرناها وشرط عليهم الانتقاضُ بها، فخالفُوا انتقضَ العهدُ عملًا بمقتضَى الشرطِ، هذا مقتضَى النصِّ 46. ولو قاتلونَا أوِ امتنعُوا من الجزيةِ أو من إجراءِ حُكمِ الإسلامِ انتقضَ.
ولو زَنَى ذميٌّ بمسلمةٍ أو أصابَها بنكاحٍ قد عقدَهُ عليها في حال إسلامِها، أو علمَ إسلامهَا حالة الإصابَةِ أو دلَّ أهلَ الحربِ على عورةِ المسلمينَ أو فتنَ مُسلمًا عن دينِهِ بأنْ دعاهُ إليهِ، وزيّنَهُ لهُ، أوْ طعنَ في الإسلامِ، أو القرآنِ، أو ذكرَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسوءٍ، فأصحُّ القولينِ؛ أنَّه إن شُرط انتقاضُ العهدِ بها انتقضَ، وإلَّا فلَا 47. ويُقامُ عليهِ حدُّ الزِّنا، سواءٌ قلنَا ينتقضُ عهدُهُ أمْ لَا، ثم بعدَ إقامةَ الحدِّ يجري عليه مقتضى الانتقاضِ، إذا حكمنا بالانتقاضِ، فإذا قتلَ لزناهُ وهو

الجزء: 4 - الصفحة: 245

محصنٌ صارَ مالُهُ فيئًا على الأصحِّ، لأنَّه حربيٌّ مقتولٌ، ومالُهُ تحتَ أيدينا.
ومَنِ انتقضَ عهدُهُ بقتالٍ، وجبَ دفعُهُ وقتالُهُ، أو بغيرِهِ لم يجبْ إبلاغُهُ المأمنَ على الأظهَرِ، بل يخيَّرُ الإمامُ فيهِ بين القتلِ والرِّقِّ والمنِّ والفداءِ، فإن أسلمَ قبلَ الاختيارِ امتنعَ الرِّقُّ، إلَّا إن نصبُوا القتالَ وصاروا حربًا لنا، وقاتلونا وقاتلناهم، فأخذنَاهم أسِرَّاءَ، فإنَّهُ يجرِي عليهم حكمُ الأسراءِ قطعًا، بل همْ أسراءُ، وإذا بطَل أمانُ رجالٍ لم يبطلْ أمانُ نسائهم، ولا الصِّبيانِ على الأصحِّ، وإذا اختارَ ذميٌّ نبذَ العهدِ واللحوقَ بدارِ الحربِ بُلِّغَ المأمنَ 48.


الجزء: 4 - الصفحة: 246

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باب الهُدنَةِ

هي لغةً: المُصالحَةُ.
وشرعًا: المصالحةُ معَ الكُفَّارِ بعوضٍ أو غيرِهِ، ويسمَّى هذا العقدُ مهادنةً 49، ومعاهدةً، ومسالمةً، وموادعةً.
وقَد هادَنَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قريشًا عامَ الحديبيةِ عشرَ سنينَ، ووادعَ اليهودَ على غيرِ جزيةٍ لمَّا نَزَلَ المدينةَ حينَ كانَ في المسلمينَ قلَّةٌ.
والأصلُ في البابِ قبلَ الإجماعِ قولُهُ تعالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى

الجزء: 4 - الصفحة: 247

قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أي: كونوا آمنينَ فيها هذه الأشهرِ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾.
المهادنة معَ الكُفَّارِ مطلقًا، أو معَ أهلِ إقليمٍ لا يعقدُهَا إلَّا الإمامُ 50، ويجوزُ لوالي الإقليمِ المفوض إليهِ القيامُ بمصالحِ البلدِ من غيرِ تقييدٍ المهادنةُ معَ أهلِ قريةٍ أو بلدةٍ في إقليمِهِ للمصلحةِ، أو بلادٍ في إقليمِهِ دعتِ الحاجةُ إلى مهادنةِ أهلِها، وظهرتِ المصلحةُ في ذلكَ، وكذا لو كانتِ البلدَةُ مجاورةً لإقليمِهِ وظهرتِ الحاجةُ لذلكَ، ورأَى المصلحةَ لأهلِ إقليمِهِ في ذلكَ أو القريةِ أو القُرَى أو البلادِ المجاوِرَةِ لإقليمِهِ؛ من جهةِ أنّهُ مفوَّضٌ إليهِ القيامُ بمصالِحِ إقليمِهِ.
وهذا من جملةِ المصالحِ، وإنَّمَا تعقد لحاجَةِ الضعفِ مع مصلحةٍ منتظرَةٍ، وتحصيل أُهْبةٍ، وتعقدُ مع القوَّةِ للمصلحةِ، وإذا لمْ يَكُنِ بالمسلمينَ ضعفٌ لم تجُزِ المهادَنةُ سنةً على المذهبِ، وتجوزُ أربعةَ أشهرٍ، ولا تجوزُ دونَ سنة بمدَّةٍ يمكنُ الخروجُ في ذلك الدونِ على الأظهرِ، ويضعف تجويزٌ بحسب الحاجةِ، ولا يُزاد على عشرٍ 51. ويستثنى من المدتينِ المذكورتينِ الهدنةُ مع النساءِ خاصَّةً، فإنهنَّ يجوزُ أَنْ يعقد لهنَّ الهدنةُ من غيرِ تقييدٍ.
وقد سبَقَ شيءٌ من هذا في الأمانِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 248

ومتى زادَ على الجائِزِ في حالِ القوَّةِ فقولا تفريقُ الصفقةِ (1) وفي حالةِ الضعفِ ينقضُ العقدُ كلُّه، وإطلاق العقدِ مفسدةٌ على الصَّحيحِ (2).

وفيه وجهٌ أنَّهُ يُنزل عندَ ضعفِ المسلمينِ على عشرٍ، وعند القوَّة قولانِ:

أحدهما: يتركُ على سنة.
والثاني: على أربعةِ أشهرٍ.
والشرطُ الفاسدُ يفسدُه على المنصوصِ بأن شرط منعَ فكِّ أسرانا، أو تركِ مالِنا لهم، أو لنعقدَ لهم ذمَّةً بدون دينارٍ، أو بدفعِ مالٍ إليهم، فإن دعتْ ضرورةٌ إلى بذلِ مالٍ؛ بأن كانوا يُعدِمونَ الأسرَى في أيديهم، فديناهم، أو أحاطُوا بنَا وخفنا الاصطدامَ، فيجوزُ بذلُ المالَ، ودفع أعظمِ الضررينِ بأخفِّهِما، بل يجبُ البذلُ هُنا للضرورةِ على الأصحِّ.
وتصحُّ الهدنَةُ على أَنْ ينقُضَهَا الإمامُ متَى شاءَ 54، ويصحُّ عقدُها إذا قالَ الإمامُ: هادنتكم على أنَّ لفلانٍ نقضَها متَى شاءَ، وكان فلانٌ مسلمًا عدلًا ذا رأيٍ، والأمر في نقضِهِ كما في الإمامِ.
ومتَى صحَّتْ وجبَ الكفُّ عنهُم حتَّى تنقضِيَ أو ينقضوهَا 55، أو يشاءُ الإمامُ نقضَهَا في صورةِ عقدِها على ذلك، أو يشاءُ نقضَها المسلمُ الذي شُرِطَ5253

الجزء: 4 - الصفحة: 249

لَهُ ذلكَ بصريحٍ، أو قتالنا، أو مكاتبةِ أهلِ الحربِ بعورةٍ لنا، أو قتْلِ مسلمٍ أو ذميٍّ، أو معاهَدٍ، أو أخذوا مالًا، أو سبُّوا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وإذا انتقضتْ 56 جازتِ الإغارةُ عليهم، وبياتِهم إذا كانُوا في بلادِهم، وعلموا أنَّ الذي فعلوه ناقضٌ، فإن لم يعلموا أو كان الغالبُ أنَّ ذلكَ مما تعرفُ الأنفسُ أنها خالفتْ ما صدرَ منهَا، فإنَّه ينتقضُ بهِ العهدُ 57. فإنْ لم يعلموه لأنهم مقصرُّون بإقدامهم عليه، ولكن ينذرون، فإن قالوا: نجدد صلحًا، أجابهم إليه.
ومن دخل دارَ الإسلامِ بهدنةٍ وأمانٍ، فإنَّه يغتالُ إذا انتقض عهدُهُ على النصِّ المعتمدِ، خلافًا لما في "الروضة" تبعًا للشرح، من أنَّه يبلَّغُ المأمنَ.
ولو نقضَ بعضُهم، ولم ينكرِ الباقونَ بقولٍ ولا فعلٍ انتقضَ فيهم أيضًا، وإن أنكروا باعتزَالِهم أو إعلامِ الإمامِ ببقائهم على العهد فلا، ولو خافَ جنابَهم، فلهُ نبذُ عهدهم إليهم، ويبلغهم المأمنَ 58. ولا ينبذ عقدَ الذِّمَّةِ بتهمةٍ، ولا يجوزُ شرطُ ردِّ مسلمةٍ تأتينا منهم، فإن شرط فسد الشرطُ 59، وكذا العقدُ على النصِّ، وإن شرطَ ردَّ النساءِ فجاءتِ امرأةٌ مسلمةٌ، لم يجبْ دفعُ مهرٍ إلى زوجِها إذا طلبَها بنفسِهِ أو بوكيلِه، وجاءتِ المرأةُ بلد الإمامِ أو نائبِهِ، وهي في العدَّةِ ولم يطلِّقْها ثلاثًا في العدَّةِ

الجزء: 4 - الصفحة: 250

وكانتْ حيَّةً عندَ الطَّلَبِ، على الأظهرِ في ذلكَ 60. ولا يردُّ صبيٌّ ومجنونٌ، وكذَا عبدٌ وحرٌّ لا عشيرَةَ لَهُ، ويغلبُ على الظَّنِّ أنَّه يُذلُّ ويُهانُ على الأصحِّ.
ويردُّ مَن له عشيرةٌ طلبَتْهُ إليهَا لا إلَى غيرِها، فلا يردُّ إلى غيرِ عشيرتِهِ.
ولو قدَرَ على قهرِ الطالبِ والهربِ منه؛ لأنَّ ذلكَ قد لا يتفقُ، هذا هو المعتمدُ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ.
ومعنى الرَّدِّ أَنْ يخلَّى بينهُ وبينَ طالبِهِ، ولا يجبرُ على الرُّجوعِ، ولا يلزمُهُ الرُّجوعُ، ولهُ قتلُ الطالبِ في غيرِ حضرَةِ الإمامِ، ولنا التعريضُ لَهُ بهِ في غيرِ حضرَةِ الإمامِ، وليسَ لنَا التّصريحُ مطلقًا.
ولو شُرِط أَنْ يردُّوا مَن جاءَهم مرتدًّا منَّا لزمهمُ الوفاءُ، والمشهورُ جوازُ شرطِ أن لا يردُّوا مَن جاءَهم مرتدًّا إلَّا الإناثَ والعبيدَ، ومَن جُنَّ بعدَ الرِّدَّةِ فعليهم ردهم، ولو أطلقُوا الشرط.


الجزء: 4 - الصفحة: 251

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 39 فصل
جارٍ التحميل