قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ 1. وثَبَتَ فيه أحاديثُ فِي السُّنةِ، وهو مُجمَعٌ علَيه، وكان صَداقُ غَالبِ زوْجاتِ
النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَمسَمِائةِ دِرْهمٍ 1.
فيُستحَبُّ المُوافقةُ عند الإمكانِ، وترْكُ المُغالاةِ فيه 2.
وهو بِفَتحِ الصادِ، ويُقالُ بِكَسرِها، ويقال: "صَدُقَهُ" بفَتحِ الصَّادِ وضَمِّ الدالِ، وقدْ تسكَّنُ الدالُ، وقدْ تُضمُّ الصادُ مع الدالِ، ويُقالُ: "أَصْدَقَها" و"مَهَرَهَا" و"أَمْهَرَهَا".
وهو والمَهْرُ بِمعنى واحدٍ.
ويقالُ 3: "الصَّداقُ" ما اسْتُحِقَّ بالتَّسميةِ 4 فِي العَقْدِ، و"المَهْرُ": ما اسْتُحِقَّ بِغَيرِ ذلك.
ومِنْ أَسمائِه "العُقْرُ" 1 -ومِنهم مَن خَصَّه بِمَهرِ وَطْءِ الشُّبهةِ- و"العَليقةُ" و"الأَجْرُ" و"النِّحلةُ" و"الفَريضةُ" و"الحباءُ" و"الطَّوْلُ".
وهو مما 2 لَمْ يُنقلْ شَرعًا عن مَدلولِهِ اللُّغويِّ كالقَرْءِ 3، وإنْ زِيدَ فيه ما يُعتبَرُ فِي الشَّرعِ فإنه:
"اسمٌ لِمَا وَجَبَ مِنْ مالٍ، أو سُمِّيَ مِن قِصَاصٍ أو مَنفعَةٍ، تسميةً صحيحةً، فِي مقابلة بُضْعٍ، بِنِكاحٍ صَحيحٍ، أوْ وَطْءٍ، أوْ فرضٍ صحيحٍ، أو مَوْتٍ، أوْ تَفويتِ بُضْع قَهْرًا، غيرِ مأذونٍ فِي التفويتِ شَرْعًا".
والغالِبُ وُجوبُه لِلْمرأةِ على الرَّجُلِ، وهو مَقصودُ التَّرجمةِ، وقدْ يَجِبُ للرَّجُلِ على الرَّجُلِ كما فِي شُهودِ البَيْنونةِ الراجِعِينَ بعْدَ الحُكمِ.
وللرجُلِ على المَرأةِ كما فِي صُورِ 4 الرَّضاعِ الآتيةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.
ولِلْمرأةِ على المَرأةِ كما لو كان الزوجُ فِي صُورِ 5 الرَّضاعِ عبدَ المرأةِ.
ولِشُمولِ هذه الأُمورِ قُلْنا: "لِمَا وَجبَ"، ولَم نَقُلْ "لِلْمرأةِ على الرَّجُلِ".
و"مِنْ مَالٍ 1 " نَعنِي به: المُتَمَوَّلَ [فما فَوْقَه، وغَيْرُ المتموَّل] 2 لا يَجوزُ إصْداقُهُ.
وفِي المبعَّضةِ والمشْتَرَكةِ ينبغِي أَنْ يَحصُلَ لِكلِّ وَاحدٍ أقل مُتمَوَّلٍ، ولمْ يَذكرُوه.
وقولُنا "أو سُمِّيَ مِن قِصاصٍ أو مَنفعَةٍ تَسميةً صحيحةً": عطَفْناهُما على المالِ لِمُغايَرتِهِما له، فيَصِحُّ إصداقُها القِصاصَ الذي علَيها، أوْ علَى عَبْدِها، أو على مَالِكِ الأَمَةِ المزوَّجَةِ، وفِي نصٍّ فِي "الأُمِّ" ما يَقتضِي خِلافَه.
ويَصِحُّ إصداقُ المنافعِ، ومنهُ تَعليمُها أوْ تَعليمُ عبدِها قُرآنًا أوْ صَنْعةً، أو ما يُستفادُ، ولو مِن الشِّعرِ المُباحِ 3.
ولا يَثبُتُ ذلك إلَّا عِنْدَ التَّسميةِ الصَّحيحةِ بخِلافِ مُطْلَقِ المَالِ.
وأخْرجْنَا بالنِّكاحِ الصَّحيحِ: الفاسِدَ، فليس فِي مُجرَّدِه 4 صَداقٌ.
ويَشملُ قَولُنا "أوْ وَطْءٍ": كلَّ وَطْء يُوجِبُ مَهرًا فِي نِكاحٍ فاسدٍ أو شُبهةٍ 5.
وأشَرْنا إلى أحوالِ المُفَوِّضةِ فِي الوَطْءِ، والفَرْضِ الصَّحيحِ، وموتِ أَحدِ الزَّوجَينِ، فإنه يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ على أصَحِّ القَوْلَينِ لِحديثِ بَرْوَعَ 1 بِنْتِ واشِقٍ، وهو حَسنٌ يُحتجُّ 2 به 3.
.................................. = وبعض الرواة رواه عن عبد الرزاق عن سفيان بهذا الإسناد الأخير، وقال: "فقام معقل ابن يسار"، وكذلك رواه بعض الرواة عن يزيد بن هارون عن الثوري، وإلا أراه إلا وهمًا.
وقد أخرجه البيهقي (7/ 245) من طريق محمد بن إسحاق، ثنا يزيد بن هارون به.
وأخرجه (7/ 245) من طريق عبد الرزاق السابقة، وفيه: فقام معقل بن يسار! ثم قال: (وهذا وهم، والصواب معقل بن سنان كما رواه عبد الرحمن بن مهدي وغيره).
قلت: وهو اختيار أبي زرعة كما في "العلل" (1/ 426) رقم 1281 لابن أبي حاتم.
ثم قواه البيهقي بأن الشعبي رواه عن ابن مسعود، وقال فيه: فقام معقل بن سنان الأشجعي.
ورواه كذلك ابن عون عن رجل عن الشعبي عن رجل عن ابن مسعود، وقال فيه: فقال الأشجعي.
قلت: وهذا الخلاف عن الشعبي سيأتي بيانه بعد قليل إن شاء اللَّه.
وأخرج النسائي (6/ 121)، وأحمد (4/ 279)، وابن حبان (4100 - إحسان): كلهم من طريق زائدة عن منصور عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود، وفيه: فقام رجل من أشجع، ولم يسمه.
قال النسائي: (ولا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث: "عن الأسود" غير زائدة) [وفي "الإرواء" (6/ 359) قال: وهو ثقة ثبت فالزيادة مقبولة!!].
ورواه فراس عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود.
أخرجه أبو داود (2114)، والنسائي (6/ 122)، وابن ماجه (1891)، وابن أبي شيبة (4/ 300)، وابن حبان (4098، 4099 - إحسان) والطبراني (20/ 232)، والحاكم (2/ 180)، والبيهقي (7/ 245)، وأبو نعيم في "مسانيد فراس بن يحيى" (ص 74).
قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، وقد سمى فيه معقل بن سنان، وهو صحابي مشهور.
قلت: قد اختلف فيه عن الشعبي مما يجعله من طريقه مضطربًا:
فرواه فراس عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود -كما سبق، وقد اختلف عن فراس فيه: فرواه الثوري عنه كما تقدم، وتابعه يزيد بن عبد الرحمن الدالاني: أخرجه أبو نعيم في "مسانيد أبي يحيى" فراس بن يحيى الهمداني" (ص 76).
ويزيد هذا سيئ الحفظ.
=
.................................. = وخالفهما أبو عوانة، فرواه عن فراس عن الشعبي عن ابن مسعود -هكذا منقطعًا- أخرجه أبو نعيم (المصدر السابق ص 76)، وتابعه إسماعيل بن أبي خالد، ذكره البيهقي (7/ 245)، وإسماعيل بن أبي خالد: ثقة حجة روى له الجماعة، وهو أثبت الناس في الشعبي كما قال ابن المبارك وأحمد، وقال أبو حاتم: "لا أقدم عليه أحدًا من أصحاب الشعبي".
ورواه ابن عون عن الشعبي عن رجل عن ابن مسعود: ذكره البيهقي (7/ 245).
ورواه داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة بن قيس: أن قومًا أتوا ابن مسعود... فذكره.
أخرجه النسائي (6/ 122)، وابن حبان (1263 - موارد)، والحاكم (2/ 180)، والبيهقي (7/ 245) وأخرجه كذلك من طريق داود بن أبي هند: أحمد (4/ 280)، وابن أبي شيبة.. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الشيخ الألباني في "الإرواء" (6/ 359)!!.
قلت: هو إسناد رجاله ثقات، وقد اختلف فيه عن الشعبي كما تقدم.
وله طريق آخر كما في "العلل" (1/ 401 - 402) رقم 1202 قال ابن أبي حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن عبد خير عن عبد اللَّه، قال: أتي عبد اللَّه بن مسعود في رجلٍ تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا، فمات قبل أن يدخل بها، فقال عبد اللَّه: هذا أمر ما سمعت فيه بشيء، وذكرت لهما الحديث: فقالا: رواه جرير عن عطاء ابن السائب عن الشعبي، قال: أتي عبد اللَّه، وهو أشبه) اهـ.
وأخرجه أبو داود (2116)، وأحمد (1/ 431، 447)، (4/ 279)، والبيهقي (7/ 246): كلهم من طريق قتادة عن خلاس وأبي حسان -معًا- عن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود: أن عبد اللَّه بن مسعود أتي في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا، فمات عنها، ولم يدخل بها، فقال: أقول: إن لها صداقًا كصداق نسائها، لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسوله بريئان، فقام ناس من أشجع فيهم الجراح وأبو سنان، فقال نشهد أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى في بروع بنت واشق -وأن زوجها: هلال بن مرة الأشجعي- كما قضيت، قال: ففرح ابن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤه قضاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات كما في "الإرواء" (6/ 360). =
وأَشرْنا إلى الشُّهودِ الراجعِينَ وصُورِ الرَّضاعِ وغيرِها بقَولِنا: "أوْ تَفوِيتِ بُضْع قَهرًا 1 غَير مأذونٍ [فِي التَّفويتِ] 2 شَرْعًا": وخَرجَ بذلك الفُرْقةُ المُوكَّلُ فيها أو المأذونُ فِيها شَرْعًا لِلْحاكِمِ بإيلاءٍ أوْ غيرِهِ.
وليس الصداقُ رُكنًا فِي النِّكاحِ اتِّفاقًا 3، ولا يَفسُدُ بِمُجرَّدِ فَسادِ الصَّداقِ على المَشهورِ.
= قال الدارقطني -كما في "نصب الراية" (3/ 202): (أحسن أسانيده: حديث قتادة، إلا أنه لم يحفظ اسم الراوي عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-).
وأجاب البيهقي عن قول الشافعي -ولم أحفظه بعدُ من وجهٍ يثبت مثله [قال رءوس الناس وقلت: قد صح الحديث، فقل به]، هو مرة فقال: "معقل بن يسار"، ومرة عن "معقل ابن سنان"، ومرة عن "بعض أشجع" لا يسمى- وأجاب كذلك عن قول الدارقطني المتقدم، فقال: (جميع هذه الروايات أسانيدها صحاح [قلت: تقدم أن طريق الشعبي مضطربة لكثرة ما فيها من خلاف]، وفي بعضها ما دل على أن جماعة من أشجع شهدوا بذلك فكأن بعض الوراة سمَّى منهم واحدًا، وبعضهم سمَّى اثنين، وبعضهم أطلق ولم يُسمِّ، ومثله لا يردُّ الحديث، ولولا ثقة من رواه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما كان لفرح عبد اللَّه بن مسعود بروايته معنى واللَّه أعلم).
ضابطٌ: يَجوزُ إخلاءُ النِّكاحِ عَنْ تَسميةِ المَهْرِ، إلا فِي أرْبَعِ صُورٍ:
1 - إحداها: إذا كانَتِ الزَّوجةُ غَيْرَ جَائزةِ التَّصرُّفِ [أوْ مَمْلُوكةً لِغَيرِ جَائزِ التصرُّفِ] 1.
2 - الثانيةُ: إذا كانتِ الزَّوجةُ 2 جَائزةَ التَّصرُّفِ، وأَذِنَتْ لِوليِّها أن يُزوِّجَها ولمْ 3 يُفوِّضْ
3 - الثالثةُ: الوكيلُ عنِ الوَلِيِّ فِي غَيرِ صُورةِ التَّفويضِ الصَّحيحِ، لا 4 يَجوزُ له الإخْلاءُ.
4 - الرابعةُ: إذا كان الزوجُ غيرَ جائزِ التصرُّفِ، وحَصَلَ الاتفاقُ على مُسمًّى هو نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها مَثَلًا، فتَتَعيَّنُ التَّسميةُ، ولا يَجُوزُ الإخْلاءُ، وحيثُ لم تَتعيَّنِ التسميةُ فتُستحبُّ التسميةُ إلا إذا زوَّجَ عبدَهُ بأَمَتِهِ، فلا تُستحبُّ التسميةُ على الجَديدِ، خِلَافًا لِما فِي "الرَّوضةِ"، وأصلُها مِن حِكايةِ الاستحبابِ عَنِ الجَديدِ.
وأَغْرَبَ ابنُ بشرِي، فحَكى عَنِ القَديمِ الوُجوبَ 5، وإن حُمِلَ على وجُوبِه 6 بالعَقدِ، ثُم سُقوطِه، فهُو غيْرُ الصَّحيحٍ أيضًا.
وفائدةُ الخِلافِ تَظهَرُ فيما لَو عَتَقَتْ قَبْلَ الدُّخولِ فتكونُ كالمُفوِّضةِ على أنه لا يَجِبُ بالعَقْدِ شَيءٌ -قلتُه تخريجًا- بِخلافِ ما لَوْ بَاعَها قَبْلَ الدُّخولِ، فإنه لا يَجِبُ لِلْمُشترِي شَيءٌ.
وفيه احتمالٌ للشَّيخِ أبِي عَليٍّ.
وحيثُ تَعيَّنتِ التسميةُ فَفِي الصُّورةِ الأُولى تَتعيَّنُ تَسميةُ 1 مَهْرِ 2 المِثْلِ فما فَوْقَه، وفِي الثانيةِ والثالثةِ يَتعيَّنُ ما سُمِّي صَحيحًا وإلا فكالأُولى ويُغتفَرُ ما دُونَ مَهْرِ المِثْلِ مِمَّا يُتسامَحُ بِمِثْلِه فِي الكُلِّ.
ومَدارُ الصَّداقِ على مَعرِفةِ المُسمَّى الصحيحِ والفَاسِدِ وحكمِهِما قبْلَ الفُرْقةِ وبَعْدَها وأمرِ المُفوِّضةِ والاختِلافِ.
أما المسمَّى الصحيحُ فقدْ سَبقَ.
ويَجوزُ أَنْ يكونَ عَيْنًا ودَيْنًا 3.
ويَجوزُ فِي الدَّيْنِ الحُلولُ والتَّأجِيلُ.
ولا يَمتنعُ التأجيلُ 4 فِي صَداقِ المَحجورِ علَيها، ولو زَوَّجَها الحاكِمُ [إذا
كانَ مَهْرُ المِثْلِ على ما سَبقَ.
ويَتعينُ الحُلولُ فِي أربعةِ مَواضعَ:
1 - فَرْضِ الحَاكِمِ] 1 على المُمْتنِعِ فِي المفوِّضةِ، وقدْ سبقَ فِي السَّلَمِ.
2 - وَوَطْئِها قَبْلَ الفَرْضِ.
3 - وكذلك 2 كلُّ وَطْءٍ يُوجِبُ مَهرَ المِثْلِ.
4 - والرابعُ: حيثُ وجَبَ مهرُ المِثْلِ لِفسادِ 3 التسميةِ، أوْ بِتلَفٍ قبْلَ القَبضِ، أو بِرَدٍّ بِعَيْبٍ، أوْ بِفَسخٍ، بِغَيرِ ذلكَ 4.
وإذا كانَ الصَّداقُ مُعيَّنًا فهُو فِي يَدِ الزَّوجِ قَبْلَ أَنْ يَقبِضَه مَضمونٌ عليه ضَمانَ عَقْدٍ فِي أصحِّ القَوْلَينِ.
وفِي قَوْلٍ رجَّحَه بعضُ العِراقِيِّينَ ضَمانَ يَدٍ فِي إيجابِ البَدَلِ عِنْدَ التلَفِ وليسَ لها بَيْعُه قَبْلَ القَبْضِ جَزْمًا عنْدَ العِراقِيِّينَ، وقالَ المَراوِزَةُ: ليس لَها ذلكَ تَفْريعًا على ضَمانِ العَقْدِ.
ولَو تَلِفَ فِي يَدِ الزَّوجِ قَبْلَ القَبضِ، ولَو بإِتْلافِه 1، فعليه مَهْرُ المِثْلِ 2 على قَولِ ضَمانِ العَقْدِ، إلا إذا طَالبَتْه بالتسليمِ فامْتنعَ، فيُنْتقَلُ إلى ضَمانِ اليدِ على النَّصِّ 3 فِي البُويطِي، خِلافَ ما صحَّحُوه.
ولو تَلِف أحَدُ العَبدَينِ المُصْدَقَيْنِ قبْلَ القَبضِ انفسخَ فيما تَلِفَ على ضمانِ العَقْدِ، وتُخَيَّرُ، فإنْ فَسختْ فِي الباقِي فلَها مهْرُ المِثْلِ، وإنْ أجازَتْ فيه فلَها مِنْ مَهْرِ المِثْلِ حِصَّةُ قِيمةِ التالِفِ.
فإنْ كانت 4 الثُّلُث فلَها ثُلثُ مَهْرِ المِثْلِ، وإنْ أتْلَفَه أجنبيُّ بِحيثُ يَضمَنُه خُيِّرَتِ الزَّوجةُ.
فإنْ أجازَتْ 5 أخذَتْ مِن الأَجنبِيِّ البَدلَ، وإنْ فَسخَتْ فلَها على الزَّوجِ مَهْرُ المِثْلِ.
وإنْ أتلَفَه أجْنبيٌّ بِحَيْثُ لا يَضمَنُه بقِصاصٍ وَجَبَ له على العَبدِ، ونحوِ ذلك فلا تُخيَّرُ، ولَها على الزَّوجِ مَهْرُ المِثْلِ.
ولَو وَجدتْ بالصَّداقِ 6 عَيْبًا قَديمًا أوْ حَادثًا قَبْلَ قَبْضِها فلَها ردُّه و 7 مَهْرُ المِثْلِ، وإنْ أجازَتْ فلَا شيْءَ لَها، وما فاتَ فِي يَدِ الزَّوجِ مِنَ المَنافعِ لا
يَضمنُها على القولَيْنِ إلا إذا طَالبتْهُ بالتَّسليمِ فامتنعَ على ضمانِ اليَدِ.
وما استَوْفاهُ بِسُكنَى أوْ رُكوبٍ بِغيْرِ إذْنِها، فيَضمنُ (1) أُجرَتَه على الصوابِ، وكذا فِي البَيعِ؛ كما أفْتَى بِه الغزَّاليُّ، خِلافَ ما صحَّحه المتأخِّرونَ.
وحيثُ قُلْنا: "بِضمانِ اليَدِ عِنْدَ التَّلَفِ ونحوِه"، فالوَاجِبُ المِثْلُ فِي المِثْلِيِّ، والقيمةُ فِي المتقوَّمِ.
ضابطٌ:
المضموناتُ فِي الأبوابِ كلِّها أربعةُ أقسامٍ:
منها: ضمانُ عقدٍ قَطْعًا، وهُو ما عُيِّنَ فِي صُلْبِ عَقْدِ بَيْع أوْ سَلَمٍ أوْ إجارَةٍ أوْ صُلحٍ مُتفرعٍ على ما ذُكِرَ.
ومنها: ما هُو ضَمانُ يَدٍ قَطْعًا 2 كالمَغْصوبِ والعَوارِي ونحوِها.
ومنها: ما اختُلِفَ فِيه، والأصحُّ أنه ضمانُ عَقْدٍ كمُعيَّنِ الصَّداقِ 3 والخُلْعِ والصُّلحِ عنِ الدَّمِ، والبدلِ الذي يَقعُ العتقُ عليه، وكذا الجُعْلُ فِي الجَعَالةِ، وفيه خلافٌ ضعيفٌ.1
ومنها: ما اختُلف فيه، والأصحُّ أنه (1) ضَمانُ يدٍ، وذلك فِي صُورةِ الصُّلحِ، وقد يأتي فِي غَيرِها.
والفَرْقُ بَيْنَ ضَمانِ العَقدِ واليدِ: أنَّ ضَمانَ العَقْدِ مَرَدُّهُ ما اتَّفَقَ عليه المُتعاقِدانِ، أو بدلُ المَردودِ (2)، وضَمانُ اليَدِ مَردُّهُ المِثْلُ أوِ القِيمةُ.
وأما الفاسِدُ كلُّه مَع صحَّةِ النكاحِ، فإنه (3) يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ إلا فيما إذا زوَّجَ عبدَه بأمتِهِ.
ويحصُلُ الفسادُ المُوجِبُ لِمَهْرِ المِثْلِ بواحدٍ مِن سَبعةَ عشرَ سَببًا
أحدُها: أن لا يُملَكَ كما لو أَصْدقَ 6 حُرًّا، أو خَمْرًا، أو كلْبًا، أوْ 7 خِنْزيرًا، أو جِلدَ ميتةٍ لَمْ يُدبَغْ، أو سِرقينًا، أو حَشراتٍ، أو سَبُعًا لا يَصلُحُ للصَّيدِ 8. الثاني: أَنْ يكونَ غَيْرَ مُتَمَوَّلٍ كحَبَّتَي حِنْطة ونَحوِ ذلكَ.234
الثالثُ: أن يَعرِضَ له بعْدَ أَنْ كانَ مُتموَّلًا ما يَمنَعُ مِنْ نقْلِهِ بالعِوَضِ مُطْلقًا كمائِعِ تنجَّسَ.
الرابعُ: أَنْ تكونَ مَنفعةً مُحرَّمةً كآلةِ اللَّهوِ أوْ تَعليمِ التَّوراةِ أوِ الإنجيلِ 1.
الخامسُ: أَنْ يكونَ غيرَ مقْدُورٍ على تسليمِهِ حِسًّا كالآبِقِ، أوْ شَرْعًا كمَرْهونٍ مقبوضٍ، وجانٍ تعلَّقَ الأرْشُ بِرَقبتِه، أوْ أصدَقَها أن يُعَلِّمَها بنَفسِه مُعيَّنًا لا يَعرِفُه.
السادسُ: أَنْ يكونَ غَيْرَ مَملوكٍ للعاقِدِ، أوْ لِمنْ يَقعُ له العَقْدُ كالمَغصوبِ.
السابعُ: أَنْ يكونَ مَجْهُولًا كأحَدِ الثَّوبَيْنِ، أوْ مَنفعَةً مَجهولةً، ومِنه ردُّ عبدِها الآبِقِ إذا لَمْ يَكنْ مَوضِعُه مَعْلومًا على المَشْهورِ، وكذا لَو أصْدقَ امرأتَينِ فأكثَرَ صَداقًا واحدًا إلا إذا كانَ المستحِقُّ واحدًا كسيِّدٍ زوَّجَ أَمَتَه 2 بِعَبْدٍ.
الثامنُ: أَنْ يكونَ عَيْنًا غَيرَ مرئيةٍ لِأحدِ العاقِدَينِ الرُّؤْيةَ المعتبَرةَ.
التاسعُ: أَنْ يكونَ مُعلَّقًا كما لو نَكَحَها مُنجَّزًا وعلَّقَ ما أصدقَه على صِفةٍ.
العاشرُ: عدمُ شَرْطِ القَطْعِ فِي إصداقِ ثَمَرةٍ لَمْ يَبدُ 3 صلاحُها، أو زرعٍ أخْضَرَ.
الحادي عشرَ: إنْ شَرطَ 4 فيه ما يُفسِدُه مِن خِيارٍ، أوْ أنَّ لِأَبيها كذا، أوْ
على أَنْ يُعطيَ أباها كذا، أوْ شَرَطَ ما يُخالِفُ مُقتضَى النِّكاحِ 1، ولكنْ لا يُخِلُّ 2 بمَقصودِه 3 الأصليِّ كشَرطِ أن لا يَتزوَّجَ علَيها، أوْ لا يَقسِمَ لَها أوْ لا يُنفِقَ علَيْها، أوْ لا يَتوارثانِ أو النفقةُ على غيرِه، إذا صحَّحْنَا النِّكاحَ فِي هاتَيْنِ الأخَيرَتَيْنِ، وهو الأرْجَحُ خِلافًا لِمَا صُحِّحَ فِي "الرَّوضةِ" 4 وأصلِها.
الثاني عشرَ: أَنْ يتضمنَ إثباتُ الصَّداقِ نفيَه 5 كما لَو نَكحَ أمَةَ غَيرِه واستولَدَها 6، ثُمَّ اشْتَراها هِيَ ووَلَدَها، ثُمَّ جَعَلَها صَدَاقًا لِوَلدِه الصغيرِ العَتيقِ المَذكورِ، فإنَّه يُقدَّرُ دُخولُها فِي مِلْكِ الصغيرِ، وذلك يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ إصْداقِها فيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، ولا يَمْلكُها الوَلَدُ، ولَيس مِنْ هذا مَا إذَا تَزوَّجَ العبدُ بحُرَّةٍ لِتكونَ رَقبتُه صَداقًا لَها، فإنَّ النكاحَ لا يصِحُّ، فلْيُضَفْ إلى المَوانِعِ، وقدْ سبَقَ ما يَقتضِي ذلك 7.
الثالثَ عشرَ: تَفريطُ 8 الوليِّ المُجبِرِ فِي قَدْرِ المَهْرِ بأنْ زَوَّجَ ابْنتَه 9 غَيْرَ الرَّشيدةِ [أوْ أمَةً مَحجورةً] 10 بِدُونِ مَهْرِ المِثْلِ بغَبْنٍ فاحِشٍ، وكذا الرشيدةُ
المُجبَرةُ إذا لَمْ تَأذنْ فِي ذلك، ولَو أَصدقَ عَنْ مَحجُورةٍ أكْثرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فهُو مِن مُفسِدات كُلِّ الصَّداقِ، خِلافًا لِمَنْ قال فِي السفيهِ يُبطِلُ الزَّائدَ.
ويُستثنَى مِن ذلك ما إذا أَصْدقَ الوليُّ مِن مالِ نَفْسِه عن 1 مَحجورةٍ أكثرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فإنَّه صحيحٌ كلُّه على الصحيحِ.
الرابعَ عشرَ: مُخالفةُ مسمَّى غَيرِ المُجبَرةِ أوْ مُخالفةُ ما يَقتضِيه إطلاقُها، فإذا زوَّجَها وليُّها أوْ وكيلُه بدونِ ما سَمَّتْ أوْ بِغَيرِ جِنْسِهِ، أوْ بِدُونِ مَهْرِ المِثْلِ [بَغَبْنٍ فَاحِشٍ فيما إذا أَطْلقَتِ الإذْنَ فَكُلُّ ذلك يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ] 2 مَع الحُكمِ بِصحةِ النِّكاحِ على ما صَحَّحَه العِراقيونَ وبهِ الفتْوَى.
وصحَّحَ المَراوِزةُ بُطلانَ النِّكاحِ، ولَوْ كانتْ سَفيهةً، وسَمَّى دُونَ تَسميتِها وأقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ 3، فينبغِي أن لا يُضَيِّعَ الزائدَ علَيها، ولَم يذكُروه.
ولَو طَردَ فِي الرَّشيدةِ لَمْ يَبْعُدْ، ولو سَمَّى الوليُّ قدْرًا فزوَّجَ الوَكيلُ بِدُونِه فإنه يُبطِلُ النِّكاحَ، وكذا وكِيلُ الزَّوجِ إذا قَبِلَ له بِزائدٍ على مُسمَّاهُ، وقِياسُ ما سَبقَ الصِّحةُ فيهما بِمَهْرِ المِثْلِ.
الخامسَ عشرَ: أَصدَقَها مَا لا يَعودُ نفعُه عليها، كتَعليمِ ولَدِها، ويَقْرُبُ مِنه تَعليمُ كِتابِيَّةٍ لا يُرجَى إسْلامُها شيئًا مِنَ القُرآن، ومَالَ جَمْعٌ فِي هذِه إلى الجَوازِ كالتِي يُرجَى إسْلامُها لِتوقُّعِ النفْعِ فِيهِما.
[السادسَ عشرَ: أصْدَقها ما لا يَقبَلُ النَّقْلَ مِن حَدِّ قَذْفٍ مُطْلَقًا أوْ
قِصاصٍ] 1 له على غَيرِها وغَيرِ مَنْ فِي مِلْكِها.
السابعَ عشرَ 2: أصْدقَ حَلالٌ أَمَةَ 3 مَحْجورٍ علَيه مُحْرِم صَيدًا، والوليُّ حَلالٌ فيَصِحُّ النِّكاحُ ويَجِبُ مَهْرُ المِثْل؛ قلتُه تَخريجًا.
ولا يُتصوَّرُ صِحةُ النِّكاحِ على الفَتوى معَ فَسادِ إصْداقِ الصَّيدِ بِسبَبِ الإحرامِ إلا فِي هذِه.
ويَفسُدُ بعضُ الصَّداقِ بإِصداقِ ما يَجوزُ ومَا لا يَجُوزُ غيرَ المجهولِ؛ كعبدِهِ وعَبدِ غَيرِهِ، ونحو ذلك تَفْريعًا على ما به الفَتوى مِنْ تَفريقِ الصَّفقةِ.
ولا يَفسُدُ بَعْضُ الصَّداقِ إلا فِي هذا، وقدْ سَبقَ فِي السَّفيهِ على رأيٍ نحوِه.
وإذَا ثَبتَ الخِيارُ فِي تفْريقِ الصفقَةِ 4 لِلْجَهلِ بالحال فَفَسَخَ فِي الجائزِ وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، وإنْ لَمْ يُفسَخْ 5 فيه وَجَبَ بِقِسْطِ ما يقابِلُ الفاسِدَ مِنْ مَهْرِ المِثْلِ.
والمُفسِداتُ السابقةُ مِنْ خَمْرٍ ونحوِهِ فِي غَيْرِ أنكِحةِ الكُفارِ، فأمَّا فِي أنكِحةِ الكفارِ فكُلُّ ما اعتَقَدُوا صِحَّةَ إصْداقِهِ يَجرِي عليهِ حُكْمُ الصَّحيحِ.
فإنْ قبضَتْهُ، ثُم أسْلَمَا، أوْ أحدُهما، أوْ تَرافعَا إلَيْنَا فلَا شَيءَ لَها عليه إلا فيما إذا أصدَقَها مُسلِمًا أَسَرُوهُ أوْ عَبْدًا لِمُسلِمٍ أوْ مُكاتَبًا لَه ونَحوَ ذلك، فإنَّهُ لا يصِحُّ الإصْداقُ.
ولَوْ أسْلَما بعْدَ أَنْ قبضَتْهُ 1 كانَ كمَا لَوْ لَمْ تَقبِضْهُ، ولَها مَهْرُ المِثْلِ؛ نَصَّ عليه وجَزمُوا بِه.
ولَو تَرافَعُوا إلى حاكِمِهم فِي نَحوِ الخَمْرِ، فأَلْزَمَ قَبْضَ الخَمرِ، ثُم ترافَعُوا إلَيْنَا 2 فِي حالِ كُفْرِهِم لَمْ يُنْقَضْ ما جَرى مِنْ حَاكِمِهم بيْنَهُم على قِياسِ ما صَحَّحُوه فِي بُيوعِهم 3 الفَاسِدةِ.
ولَو أصْدَقَ كافِرٌ كافِرةً خَمرًا فصارَ فِي يَدِه خَلًّا، ثُمَّ أسْلَمَا، أوْ أحدُهُما فليْسَ لَها إلا الخَلُّ على الأرْجَحِ وِفَاقًا لابْنِ الحَدَّادِ ومَنْ تَبِعَه خِلافًا لِلْقَفَّالِ والمُتأخِّرينَ فِي تَرجِيحِهم أنَّ لَها مَهْرَ المِثْلِ.
ولَو أصْدَقَها عَصِيرًا فتَخمَّر فِي يدِه ثُم أسْلَمَا أوْ أحدُهما فلَها مَهْرُ المِثْلِ على الفَتْوَى، ومَا وقَعَ فِي "الرَّوضةِ" 4 وأصلِها مِنْ إِلزامِهِ قيمةَ العَصيرِ ليْسَ بالمَذْهبِ 5.
وأمَّا أحْكامُ المسمَّى الصَّحيحِ، ومَهْرِ المِثْلِ غَيرَ ما سَبقَ مِنَ الأحكامِ، فيَستقِرُّ كلٌّ مِنْهُما بِواحِدٍ مِنْ شَيْئينِ:
1 - أحدُهما: غَيْبَةُ حَشَفَةِ الزَّوجِ (1) أو مِقدارِها مِن مَقطوعِ الحَشفةِ فِي قُبُلِ الزَّوجةِ أؤ دُبُرِها، ولَو فِي الحَيضِ، والإحرامِ ونحوِهما.
ويَنبغِي أَنْ يكونَ الوَطءُ مِمَّا يَحصُلُ بِه التَّحليلُ، حتَّى (2) لا يَتقرَّرَ المَهْرُ باسْتِدخالِ حَشفةِ الصغيرِ الذي لا يَتأتَّى مِنْه الوَطْءُ ومَنْ يلْحَقُ بِه، ولَم يَذكرُوه.
ولا بُدَّ لاستِقْرارِ المُسمَّى مَعَ ذلك مِنْ شَرْطَينِ، لَمْ يَذكروهما هُنا:
أحدُهما:
أن لا يَحصُلَ انْفِساخُ النكاحِ بِسَببٍ سابقٍ على الوَطْءِ، فلَو فُسِخَ النكاحُ بعْدَ الدُّخولِ بِعَيبٍ سابقٍ على الوَطْءِ أوْ بِعِتْقِها السابِقِ على الوَطْءِ (3) أو (4) بخُلْفِ شرْطٍ (5)، فإنَّه يُسقِطُ المسمَّى، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.
والأرْجَحُ -أنَّ فَسْخَها بِعَيبِ الرَّجُلِ (6) فِي الحالةِ المَذكورةِ- لا يُسقِطُ المسمَّى خِلَافًا لِمَا صحَّحَه المُتأخِّرونَ.
الثاني:
أَنْ يُقْبَضَ 7 الصَّدَاقُ المُعيَّنُ أوِ المَنفعةُ التِي لَيْسَتْ فِي الذِّمَّةِ،123456
فما دامَ المُعيَّنُ فِي يَدِ الزَّوجِ لا يَستقِرُّ، حتى لو تَلِفَ قَبْلَ القَبْضِ، وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ كما سَبَقَ، وكذا لو تَلِفَ بعضُه ففَسخَتْ فِي البَاقِي، ولَو تعدَّدتِ المَنفعةُ بِحَيثُ حَصَلَ الفَسْخُ وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ.
ومِن ذلك: لَو أصْدَقَها أَنْ يُعلِّمَها قُرْآنًا، ففَارَقَها قَبْلَ التَّعليمِ وبعْدَ الدُّخولِ، فإنَّه يجِبُ لَها مَهْرُ المِثْلِ لامتناعِ الخَلْوةِ لا لِحُرمةِ النَّظر (1)، فقدْ سَبقَ جَوازُه.
وأمَّا إذا قَبضتْه (2) ثُمَّ وَجدتْ به عَيْبًا فرَدَّتْه، فلَها مَهْرُ المِثْلِ (3).
وكذا لَو تَقايَلَا عَقْدَ الصَّداقِ، فإنَّ الإقَالَة صَحيحةٌ ولَها مَهْرُ المِثْلِ، وذلك لا يُنافِي الاستِقْرارَ.
ولا يحصُلُ الاستِقرارُ (4) بالخَلْوةِ فِي الجَديدِ، ولا بالاستِمْتاعِ غَير ما سَبَقَ على الصحيحِ.
2 -
الثَّاني:
المَوتُ؛ فإذا ماتَ أَحَدُ الزَّوجَيْنِ قبْلَ الدُّخولِ، استقَرَّ ما ذُكِرَ إلا فِي صُورٍ:
- إحداها: إذا قَتلتِ الزوجةُ الأمةُ نفسَها.1234
- الثانية: إذا قتَلَها السيدُ، ولا أَثرَ لِقَتلِ الحُرَّةِ نفسَها، ولا قَتْلِ الأجْنَبيِّ للزَّوجَةِ حُرَّةً كانَتْ أوْ أَمَةً.
- الثالث: إذا تَلِفَ 1 المُسمَّى المُعيَّنُ فِي يَدِه بعْدَ مَوْتِها، أوْ فِي يَدِ وارِثِه، فإنَّ الواجِبَ مهرُ المِثْلِ، وحكمُ الرَّدِّ بالعَيبِ بعْدَ الموتِ والإقالةِ كما سَبَقَ.
وإذا حَصَلتِ الفُرْقةُ بغَيرِ المَوتِ قَبْلَ الدُّخولِ، فإنْ كانَتْ مِن جِهةِ الزَّوجةِ بفَسخِها بعيبِهِ أوْ إعْسارِهِ، أوْ عِتقِها تَحتَ مَن فِيه رِقٌّ، أو فَسْخِه 2 بِعَيْبِها، أو بِخُلْفِ شَرْطٍ، أوْ إسْلامِها أوْ رِدَّتِها ولَو تَبَعًا 3، أوْ إرضَاعِها زوجة أُخْرَى له صغيرةً، أوِ 4 ازتَضعتِ الزَّوجةُ الصَّغيرةُ مِن أمِّهِ مِنْ غَيرِ فِعْلِ الأُمِّ 5، ولَو كانَتِ الأُمُّ مُستيقظَةً، أوْ ملَكَتِ الحُرَّةُ أوِ المُبعَّضةُ شَيْئًا مِنْ زَوْجِها، أوْ مُسِخَتْ حَيوانًا، أوْ كانَتِ الفُرْقةُ مِنْ جِهةِ مَالك 6 الأمَةِ كَما لو كانَتْ زوجةَ أصْلِهِ أوْ فَرْعِهِ، فَوطِئَها مالِكُها أوْ أرْضعتِ المالكةُ أمتَها المُزوَّجةَ بِأَبِيهَا 7 العَبدِ، فإنَّه يَسْقُطُ جَميعُ المَهْرِ فِي جَميعِ هذِه الصُّوَرِ.
ويتشطَّرُ 1 المَهْرُ 2 بالطلاقِ قَبْلَ الدُّخولِ، ولو بِسُؤَالِها أو بالخُلْعِ، ولَوْ كانَ مَعَها.
وكذا لَوْ عَلَّقَ طَلاقَها على صفةٍ كمِشْيَتِها أوْ غَيرِها، فإنْ وُجِدَتِ 3 الصفةُ، أو 4 ملَّكَها طَلاقَ نَفْسِها فطلَّقتْ 5، أو خَيَّرَها فاختارتِ الفُرْقَةَ 6.
وما جَزَمَ به الماوردِيُّ مِن سقوطِ كُلِّ الصَّداقِ فِي صُورةِ مِشْيتِها لا يُعرَفُ فِي المَذهبِ.
ويتشطَّرُ أيضًا فيما إذا مَلَكَ شَيئًا مِنها أوْ لاعَنَها أو حصَلَتِ الفُرْقةُ بإسْلامِه أو رِدَّتِه، فإن ارتدَّا معًا غُلِّبَ جانبُه على وجه فَيَتَشطَّرُ.
وفِي وجْه جانبها فيسقطُ كلُّه.
وفِي وجهٍ يَسقطُ ثلاثةُ أرباعِه؛ حكاهُ الماوَرْديُّ وهو غريبٌ، والأرْجَحُ الثاني.
وليس لنا صُورةٌ لا يَسْقطُ فيها ثلاثةُ أرْباعِ الصَّداقِ بفُرقةٍ قبْلَ الدُّخولِ إلا هذه على وجهٍ.
وإذا حَصَلَ إسلامُ أحد الزوجين أو رِدَّتُهُ بعد استدخال الماء، وانقضَتِ العدةُ، وحَصَلَ الفِراقُ بذلك سَقَطَ كلُّ الصداق إن كانتْ هي المسلمةَ أو المرتدة.
ويتشطَّر إن كان هو المرتَدَّ، وإن كان هو المُسلمَ احتمَلَ مَجيءُ الأوجُهِ، فتضاف إلى وَجْهِ 1 الصُّورةِ السابقةِ، قلتُ ذلك كلَّه تخْرِيجًا.
ويتشطَّر أيضًا فيما إذا أرضعَتْها أَمَةٌ أو وَطِئها أصلُه أو فرعُه بشُبهةٍ فِي غيرِ ما سَبقَ، وإذا استُرِقَّ الزوجُ الحربيُّ قبْلَ الدُّخولِ بزَوجتِه الحَرْبِيَّةِ وكان صَداقُها دَيْنًا 2 عليه سَقَطَ كلُّه لا لِخصوصِ الصَّداقِ، بلْ لأنَّه يسقُطُ دَيْنُ الحَرْبيِّ على مَنِ اسْتُرِقَّ بالسَّبْي مُطْلقًا.
وليس لنا فُرْقةٌ قبْلَ الدُّخولِ لا بِسبَب مِن جِهةِ الزَّوجةِ يَسقُطُ 3 فيها المُسمَّى كلُّه إلا فِي هذه الصُّورةِ 4.
وإذا مُسِخَ 5 الزَّوجُ حَيوانًا قَبْلَ الدُّخولِ حصَلَتِ الفُرْقةُ كالرِّدةِ 6، ثُم لا يَسقُطُ شَيْءٌ مِنَ الصَّداقِ بذلك، إذْ لا يُتصَوَّرُ 7 عَوْدُهُ لِلزَّوجِ لانتفاءِ تملُّكِه، ولا لِلْورَثةِ لِحياتِهِ، فيَبْقى للزَّوجةِ؛ قلتُ ذلك كلَّه تَخريجًا.
وليس لنا فُرقةٌ قَبْلَ الدُّخولِ بِغَيرِ المَوتِ لا يَسقُطُ فيها شيءٌ مِن المُسمَّى إلا فِي هذِه الصُّورةِ، [ويَحتمِلُ تَنزيلَ مَسخِه 1 حَيوانًا مَنزِلةَ المَوتِ فَيستقرُّ بِه المُسمَّى] 2.
ثُمَّ مَعْنى التَّشطيرِ فِي الدَّيْنِ سُقوطُ 3 نصفِه بمجَرَّدِ الفُرقَةِ المُقتضيةِ للتَّشطيرِ 4، فإنْ كان مُنَجَّمًا سَقَطَ مِن كُلِّ نَجمٍ نِصفُه.
ولو كانتْ أَبْرَأَتْهُ مِنه قَبْلَ الفُرقةِ لم يَرجِعْ عليها بشَيءٍ، وإنْ كان الصَّداقُ عينًا 5.
ولَوْ تعيَّنَ بعْدَ الإصْداقِ وهِيَ غَيرُ زَائدةٍ ولا ناقِصةٍ، ولَم يَتعلَّقْ بِها ما يَمنعُ عَوْدَ الشَّطْرِ 6 رجَعَ بمُجردِ الفُرقةِ الشَّطرُ إلى الزَّوجِ إلا فِي ثلاثِ صُورٍ:
إحداها: إذا أدَّى الصَّدَاقَ عنِ ابْنِه البالِغِ، فإنه يَرجِعُ النِّصفُ إلى الأبِ 7 أوْ إلى ورَثتِه 8 إنْ كان مَيِّتًا، ولَم يَتعرَّضُوا لِحالَةِ المَوتِ، فإنْ كان الابْنُ صَغيرًا فأصْدَقَ عنه، أوْ أدَّى عنه، ثُم بَلَغَ، وطَلَّق 9 رَجَعَ النِّصفُ
للابْنِ، فلَوْ كان الصداقُ عَيْنًا أو دَيْنًا على الأبِ كان للزَّوجةِ نصفُهُ، وللابن نصفُه، ويُؤخَذُ الدَّيْنُ مِن تَرِكةِ الأبِ كلُّه لو مَاتَ.
الثانيةُ: إذا أدَّى غَيرُ الوليِّ الذي يَتولى الطَّرفَينِ 1 الصَّداقَ، فالراجِعُ بالفُرقةِ لِلْمُؤدِّي على الأصحِّ.
الثالثةُ: إذا كانَ الزَّوجُ عَبْدًا فإنه يَرجِعُ ذلك لِمالكِه، والعِبْرةُ بِمالكِه 2 عند مِلْكِ الزَّوجةِ ذلك المُعيَّنَ، لا عِنْدَ الفِراقِ، خِلافًا لِمَا صحَّحَه المتأخِّرونَ.
وعلى تَصحِيحِهِمْ لو عَتَقَ، ثم فَارقَ فالعائِدُ يكونُ له، وكذا لَو كُوتِبَ.
ولو زَوَّج عَبْدَهُ أمَةَ غيرِهِ، وجَعلَ رَقَبَتَهُ صداقَها، ثُم فارقَها قبْلَ الدُّخول، فرَقَبةُ العَبدِ كلِّها تَبْقى على مِلْكِ مالِكِ الأَمَةِ، ولو كانَتِ الأمَةُ قد عَتَقَتْ.
وعلى ما رجَّحْناهُ لَيْسَ لِلْعتيقِ والمُكاتَبِ شَيْءٌ منه، بَلْ يَرجعُ النِّصفُ لِمَنْ كان الأَداءُ 3 مِن مالِه، وفِي صورةِ جَعْلِ رقَبتِهِ صدَاقًا يَعودُ نِصْفُها 4 لِسيِّد الأَمَةِ 5 أوَّلًا.
وأمَّا المُكَاتَبُ يؤدِّي مِن مالِه ثُم يفارِقُ وهو مكاتَبٌ، فالعائدُ يكونُ له،
وإنْ كان الصَّداقُ عَيْنًا زائدةً زيادةً حادثةً بعد الإصداقِ منفصلةً قبْلَ الفِرَاقِ فالزيادةُ باقيةٌ على مِلْكِ الزَّوجةِ أو مالِكِها إنْ كانتْ قنة (1).
وإنْ كانتْ زِيادةً (2) مُتصِلةً فإنْ حَصلَ الفَسْخُ بمُقارِنٍ مِنْ عَيبٍ ونحوِه عادَ الصَّداقُ بزِيادَتِه للزَّوجِ.
وإنْ حصَلَ الفِراقُ بغَيرِ ذلك مَنَعَتِ الزيادةُ المتصلةُ العَودَ إلى الزَّوجِ قهْرًا، وتُخَيَّرُ الزَّوجةُ إنْ شاءَتْ دَفَعَتْ للزَّوجِ ما يستحِقُّه مِن العَيْنِ بالزِّيادةِ، وإنْ شاءَتْ دفعتْ له البَدلَ كمَا لو تَلِفَ.
ضابط
ٌ:
الزيادةُ المتصلةُ تَتْبَعُ الأصلَ، ولا تَمنعُ الرُّجوعَ قَهْرًا فِي جَميعِ الأبْوابِ مِن ردٍّ بِعَيب ورُجوعٍ بفَلَسٍ وهِبَةٍ وغيرِ ذلكَ، إلا فِي هذا المَوضِعِ لِحُدوثِ سَببِ 3 المِلْكِ تبَعًا للفُرقةِ [وبعْدَ الفُرقةِ] 4 بما 5 لا يُشبِهُ العقدَ، فاقْتُصرَ فيه على ما كان مَوْجودًا عِنْدَ الإصْداقِ بخِلافِ بَقيةِ الأبْوابِ.
12
وقَضيةُ هذا أنَّهما 1 لو تقايَلَا فِي الصَّداقِ، أو رَدٍّ بعيبٍ رَجَعَ إلى الزَّوجِ بزِيادتِه، ولَم أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ.
وإنْ كانَتِ العينُ ناقصةً بحادثٍ فِي يَدِها يُخَيَّرُ الزَّوجُ فإنْ شاءَ أخَذَها ناقصةً، وإنْ شاءَ عَدَلَ إلى البَدَلِ.
ولو كان الحادِثُ فِي يدِه كان له نصفُه ناقِصًا إلا إذا كانَ بِجِنايةِ أجْنَبيٍّ وأَخَذتْ منه الأرشَ فله نِصْفُ الأرْشِ على الأصحِّ.
ويَنبغِي أَنْ يأخُذَ منها نِصْفَ الأرْشِ لو عَفَتْ عَنه، ويَأخُذُ مِنها حَقَّهُ مِنَ الأرْشِ بِجِنايةِ أجْنبيٍّ فِي يَدِها.
فلَو 2 أصْدقَها عَبْدَينِ وتَسلَّمتْهُما 3 ثُم تَلِفَ أحدُهما فِي يدِها، ففِي فُرقةِ التَّشطيرِ يَرجِعُ إلى نِصْفِ الباقِي ونِصْفِ البَدلِ بالنِّسبةِ إلى التالفِ تغْليبًا لِلإشاعةِ 4
وإنْ زادتْ مِن وَجهٍ، ونَقصَتْ مِن وجْهٍ بِسَببٍ كالحَملِ وكِبَرِ العَبدِ أو بِسبَبَيْنِ كتَعلُّمِه حِرْفةً، ونِسيانِه أُخْرَى، فلا بُدَّ مِن تَوافُقِهِما فِي رُجوعِ الزَّوجِ إلى مُستحِقّه مِن العَيْنِ ومَتَى اخْتلفَا 5 فالرجوعُ إلى البَدلِ.
ولَوْ تَأبَّرتِ الثِّمارَ الحادثةَ فلَيْس له تَكليفُها 1 قَطعَهَا 2 لِيرْجِعَ فِي حقِّه، فإنْ قَطَعها فلَيْس له إلا حقُّه مِنَ العَينِ.
ولو أرادَ أَنْ يَرجِعَ فِي حقِّه مِن الأشْجارِ، ويَتْرُكَ الثِّمارَ إلى الجَدَادِ، فلَه ذلك مِن غَيرِ رِضاهَا على الأصحِّ 3، وتَبقَى الأشْجارُ فِي يَدِهِما 4 كشَرِيكَيْنِ، ولو أرَادتْ هيَ ذلك لَمْ يُجبَرِ الزوجُ.
وإنْ كان قَد تَعلَّقَ بالعَيْنِ حَقٌّ 5 لازِم كحَقِّ شُفعةٍ فِي الشِّقْصِ المُصْدَقِ فإنه يُقدَّمُ حَقُّ الشَّفيعِ على الأصحِّ، ويَنتقِلُ الزَّوجُ إلى البَدلِ -وكَرَهْنٍ مَقْبوضٍ- فلِلزَّوجِ البَدلُ.
فإنْ قالَ: "أنَا أَصْبِرُ إلى انْفِكاكِ الرَّهنِ" لَمْ يُمَكَّنْ مِن ذلك، إلا إذا قال: أَتَسلَّمُه، ثُم أُسَلِّمُه لِلْمُرتَهِنِ 6؛ كذا استَثْنَوهُ.
والتحقيقُ: لا استِثناءَ 7؛ لِأنَّ الرَّهْنَ المَقبوضَ مَانعٌ مِن انتِقالِ المِلْكِ إلى الزَّوجِ، فتسلُّمُه وعَدمُ تسلُّمِهِ سَواءٌ، فلَو انفَكَّ قبْلَ المُطالبةِ تعلَّقَ حقُّ الزَّوجِ على الأرْجحِ.
ومما يَمنعُ العَودَ إلى الزَّوجِ: التَّدبيرُ، وتعليقُ العِتْقِ بالصِّفةِ، لا الوَصيةُ 1 بالعِتْقِ على ما رجَّحُوه.
وإذا امْتنَع الرُّجوعُ لِشَيءٍ 2 مِمَّا سَبقَ أوْ بالتَّلفِ رَجعَ الزَّوجُ إلى البدَلِ، وهو المِثْلُ فِي المِثْليِّ، والقِيمة فِي المُتقوَّمِ إلَّا فِي صُورَتينِ:
إحداهما: أصدقَ كافِرٌ كافِرةً 3 خَمرًا ونحوَهُ 4 وقَبضَتْهُ وتَلِفَ فِي يدِها، ثُمَ فارَقَها قبْلَ الدُّخولِ، فلا رُجوعَ للزَّوجِ عليها بشَيْءٍ، بَلْ ولَو 5 كانَ الخَمْرُ فِي يدِها.
[الثانيةُ: أصْدقَ كافِرٌ كافرةً] 6 جِلْدَ مَيتةٍ فدَبغتْه، ثم تَلِفَ عِندَها، ثُمَّ حَصَلَ الفِراقُ فإنه لا يَرْجِعُ علَيها بشَيءٍ؛ لأنَّه ليسَ مُتقوَّمًا وقتَ الإصْداقِ والقَبْضِ.
وفِي صُورةِ تَلَفِ ما تخلَّلَ فِي يَدِها مِنَ الخَمرِ المُصْدَقِ يَرْجِعُ بِمِثْلِ نِصفِ الخَلِّ على الأصحِّ.
ولو لَمْ يَتلَفِ الجِلدُ ولا الخلُّ رَجَعَ الزَّوجُ 7 إلى مستحقِّهِ مِنهما على الأصحِّ.
وجَميعُ ما ذكرْناهُ فِي الصُّورتَينِ فيما إذا أسلَمَا أوْ ترافعَا إليْنَا، فأمَّا فِي حالِ الكُفرِ وعدَمِ التَّرافُعِ فإنه يَجرِي علَيهِم ما اعْتقَدُوه عِندَ البَقاءِ والتَّلَفِ 1.
والمُعْتبَرُ عِندَ عَدمِ القِيمةِ أقَلُّ القِيمتَينِ مِنْ وقْتِ الإصْداقِ والقَبْضِ إلا إذَا تَلِفَ فِي يَدِها بعْدَ الفِراقِ فإنه يُعتبَرُ قِيمةُ يَومِ 2 التَّلَفِ، وعِنْدَ رُجوعِ الشَّطْرِ والانْتِقالِ 3 إلى القِيمةِ يَجِبُ علَيْها نِصفُ القِيمةِ على المَنصوصِ وقَوْلِ الجُمهورِ.
وقالَ الغزَّاليُّ: قِيمةُ 4 النِّصفِ، وهو أقلُّ مِن نِصْفِ القِيمةِ للتَّشقِيصِ وردُّوه 5، وهو حَسنٌ له شواهِدُ.
وزَوَالُ مِلْكِ الزَّوجةِ عَن الصَّداقِ كَتَلَفِه 6 إلَّا إذا عادَ المِلْكُ لَها قَبْلَ الفِراقِ.
وإذا كانَ صَداقُ الأَمَةِ رَقَبةَ الزَّوجِ العَبْدِ، فبَاعَهُ المَالِكُ أوْ أعْتقَه ثُمَّ فارَقَها قبْلَ الدُّخولِ، فعلَى ما رجَّحُوه: علَى البَائعِ الغُرْمُ للمُشترِي، وعلى المُعتِقِ الغُرْمُ لِلْعَتيقِ، وعلى ما رجَّحْناهُ: عليه الغُرْمُ 7 لِمالِكِ العَبْدِ عند الإصْداقِ.
ولَوْ وَهبتْ زوْجَها الصداقَ المعيَّنَ ثُمَّ فَارقَها قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ عليها بِالبدَلِ على القَوْلِ المُرجَّحِ بِخِلافِ 1 ما تَقدَّمَ فِي الإبْراءِ عَن الدَّيْنِ.
ولو وَهبَتْ منه نِصْفَ المَعيَّنِ، ثُم فَارقَها قبْلَ الدُّخولِ بِحيثُ يَثبُتُ الشَّطْرُ 2 فيَرْجِعُ إلى نِصفِ الباقي 3 ورُبُعِ بَدلِ الجَميعِ على المرجَّحِ تغْليبًا للإشاعةِ.
وأمَّا 4 أمْرُ المفوِّضةِ -وهو بِكسْرِ الوَاوِ- لِتَفويضِها أَمْرَها أوْ لإِهْمالِ المَهْرِ، ومنه:
لا يَصْلُحُ النَّاسُ 5 فَوضَى لا سُرَاةَ لهُمْ... ولا سُرَاة 6 إذا جُهَّالُهُم 7 سَادُوا
ويقالُ: -بِفتْحِ الوَاوِ- لِأنَّ 8 الوَليَّ فوَّضَ أمْرَها إلى الزَّوجِ، والمُرادُ تفويضُ البُضْعِ.
فصُورةُ 9 التفويضِ الصحيحِ أَنْ تقولَ الحُرَّةُ الرَّشيدةُ لولِيِّها: "زوجْنِي بِلَا
بِلَا مَهْرٍ"، فيُزوِّجُها ويَنفِي المَهْرَ، أو تَسكتَ، أو يزوِّجُها بِدونِ مهْرِ المِثْلِ أو بَغيرِ نقْدِ البَلدِ، فلَو زوَّجَها بِمَهْرِ المِثْلِ مِنْ نقْدِ البَلدِ صحَّ المُسمَّى.
ولَو قالتْ: "زوِّجْني"، وسكتتْ عنِ المَهْرِ، فلَيس بتَفويضٍ على الأصحِّ.
ومِنَ التَّفويضِ الصَّحيحِ: أن يزوِّجَ السيدُ أَمَتَهُ، ويَنفِيَ المَهْرَ أو يَسكُتَ، وتُعتبَرُ المبعَّضةُ بما سَبقَ، ولَمْ يَذكرُوه.
وقولُ الرَّشيدةِ لوَلِيِّها: "زوِّجْنِي بلا مَهْرٍ فِي الحال، ولا فِي المستقبَلِ"، تفويضٌ فاسِدٌ، فيَجبُ مَهْرُ المِثْلِ بالعَقْدِ على الأرْجحِ.
ولا تَستحقُّ المفوِّضةُ بنَفْسِ الفَرْضِ شَيئًا على المذْهَبِ، ولَها طلبُ الفَرْضِ وحبْسُ نفْسِها للفَرْضِ، فإنْ فَرَضَ الزوجُ فرْضًا صَحيحًا، ورَضِيَتِ المرأةُ به صَحَّ، وإنْ جَهِلَا 1 مَهْرَ المِثْلِ على المُرجَّحِ عند المُتأخِّرينَ.
ونَصَّ فِي "الأُمِّ" و"البويطي" على المَنعِ، ورجَّحه بعضهم.
ويَجُوزُ التأجِيلُ فِي فَرضٍ يَتَراضى عليه الزَّوجانِ 2 وزِيادتُه على مَهْرِ المِثْلِ، ونُقصانُه.
ضابط
ٌ: ليس لَنَا دَيْن يتأجَّلُ ابتداءً بغَيرِ عَقْدٍ إلا هذا لاستِنادِه إلى العَقْدِ.
وإنْ فَرَضَ القاضِي على المُمْتنعِ فلا يَفرِضُ إلا مَهْرَ المِثْلِ مِن نَقْدِ البلَدِ حالًّا، ولا بُدَّ مِنْ عِلْمِه بِمَهْرِ المِثْلِ، ولا يَصِحُّ فَرْضُ الأَجنَبيِّ.
وحكمُ مَوتِ أَحَدِ الزَّوجَيْنِ قَبْلَ الدُّخولِ ووَطْئِها قَبْلَ الفَرضِ وغيرِ ذلك تقدَّمَ.
ولا 1 أَثرَ لِلْفَرضِ الفاسِدِ، وحُكْمُ الفَرْضِ الصَّحيحِ حُكْمُ المُسمَّى فِي التَّشطيرِ بالفُرقةِ قبْلَ الدُّخولِ، وسُقوطُه بما يُسْقِطُ المُسمَّى.
وأمَّا الاختلافُ فإنْ كان فِي تَسليمِ الصَّداقِ، بأنْ قالَتْ: "لا أُسَلِّمُ [نفْسِي حتى يُسلِّمَ الصَّداقَ"، وقال: "لا أُسلِّمُ الصَّداقَ] 2 حتى تُسلِّمِي نفْسَكِ"، فإنْ كانَ مؤَجَّلًّا أُجيبَ الزَّوْجُ، وكذا المؤجَّلُ قبْلَ التَّسليمِ على الأصحِّ.
وإنْ كان مُعيَّنًا أو حالًا فِي العَقْدِ أوْ فِي الفَرضِ الصَّحيحِ، ولَيْستِ الزَّوجةُ صَغيرةً ولا مَريضةً فيخيَّران معًا على أصحِّ الأقْوالِ إلا فِي أرْبعِ صُورٍ يُجابُ
الزَّوجُ فيها:
1 - إحداها: إذا كانتْ أَمَةً وبَاعَها السيِّدُ قَبْلَ الدُّخولِ.
2 - الثانيةُ: إذا أَعتقَها، فإنَّ المَهرَ له فِي الصُّورتَيْنِ 1، وليس له حَبْسُها ولا لِلْمُشترِي، ولا لَها.
3 - الثالثةُ: أَعْتقَها، وأوْصى لها بِصداقِها 2.
4 - الرابعةُ: زَوَّجَ أُمَّ ولَدِه، ثُم ماتَ عنْهَا، فالصَّداقُ لِلْوارِثِ، ولَيْسَ لَه الحَبْسُ ولا لَها 3.
وأمَّا الصغيرةُ أو المريضةُ التي لا يُمْكِنُ الاستمتاعُ بها فلا يُجابُ الزوجُ إلى تسْليمِها حتى يَزولَ ما يَمنعُ الجِماعَ، إلا إذا خُلقَتْ نَحيفةَ البَدَنِ، وكانَتْ كبيرةً، فإنها تُسلَّمُ إليه لِعدَمِ تَوقُّعِ زَوالِه 4.
وإذَا أُسلِمَتْ 5 إليه الصَّغيرةُ لَمْ يَلزَمْهُ تَسليمُ مَهرِها على المَذهبِ 6.
ولِلْوليِّ تسليمُ مَحجُورتِه قَبْلَ تَسليمِ الصَّداقِ، إذا رأَى المَصلحةَ فِي ذلك.
وله تَسليمُ صغيرةٍ لا تُطيقُ الوَطْءَ.
وحيثُ قلْنَا "يُخَيَّرَان" فمعناه: يُخيَّرُ الزَّوجُ بوضعِه عِنْدَ عَدلٍ، والمرأةُ بتسليمِ نفْسِها 1، فإذا سُلِّمتْ سَلَّمَ العَدْلُ الصَّداق إليها، وهو نائبٌ عنها، حتى لو تَلِفَ فِي يَدِه كان مِن ضَمانِها؛ صرَّحَ به القاضِي أبو الطيِّبِ 2.
وبه يُستشكَلُ صورةُ إجْبارِها 3، ولو سُلِّمَ المَهْرُ فِي الأَمَةِ ثُم سَافرَ بها السيِّدُ قبْلَ الذُخولِ كان له اسْتِردادُه 4.
وإنْ سلَّمَها لَيْلًا لا نَهارًا لَزِمَ الزَّوجَ تَسليمُ المَهْرِ على الأصحِّ 5، وما وقَعَ فِي "الحاوي" مِن قَولِه فِي مَهْرِ الأَمَةِ 6: وبالدُّخولِ لَزِمَ تَسليمُه ويُسْتَرَدُّ قَبْلَه -وَهْمٌ.
ولا 7 تُمْهَلُ الزَّوجةُ لِجهازٍ 8 ولا لِزَوالِ حَيضٍ ونِفاسٍ ونحوِه 9، وتُمْهلُ
لِتنظيفٍ 1 يَومًا أو يَومَيْنِ على ما يَراهُ الحاكِمُ، وغايةُ المُهلةِ ثَلاثةُ أيَّامٍ 2.
وإنْ كان الاختلافُ فِي قَدْرِ الصَّداقِ أوْ صِفَتِه 3 نَحو الحُلولِ والتَّأجيلِ وقدْرِ الأَجَلِ، ولَمْ تَظْهَرْ دَعْوى أَحدِهما بِطريقٍ مُعتبَرٍ، فإنهما يَتحالفانِ كما مَرَّ فِي البَيعِ، ويُبدأُ بالزَّوجِ، ثُم يُفسَخُ عقْدُ الصَّداقِ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ 4.
ويَجرِيْ 5 التَّحالُفُ بَيْنَ الزَّوجِ 6 ووَلِيِّ غَيرِ 7 المُكلَّفةِ إلا إذا ادَّعى الزَّوجُ مسمًّى زائدًا على مَهْرِ المِثْلِ، وادَّعى الوَلِيُّ أكْثرَ مِن ذلك، فإنَّه لا يُحالَفُ، ويُؤْخَذُ 8 بِقولِ الزَّوجِ لِئلا يُؤدِّيَ التَّحالُفُ إلى الانفِساخِ المُوجِبِ لِمَهْرِ المِثْلِ، فيَضيعَ على المَحجورِ عليها الزَّائدُ، كذا ذَكرُوه.
والتَّحقيقُ: أَنْ يَحلِفَ الزَّوجُ رَجاءَ أن يَنكُلَ 9، فإن نَكَلَ حَلَفَ الوَلِيُّ، وثَبَت ما ادَّعاهُ، وإنْ حَلَفَ الزوجُ أُخِذَ بِمَا قالَهُ حِينئِذٍ 10.
وإنِ ادَّعتْ مُسمًّى فأنْكرَ الزَّوْجُ أصْلَ التَّسميةِ وعادَ مُدَّعاها 1 أكْثرَ مِنْ مَهْرِ المِثْلِ أو عَينًا مُعيَّنةً تَحالفَا.
ولَو ماتَ الزَّوجُ فادَّعتْ على الوارثِ مسمًّى، قال الوارثُ: "لا عِلْمَ لِي بِه"، أوْ كان مَسلوبَ العِبارَةِ قُضِيَ لَها بِمَهْرِ المِثْلِ عِنْدَ جَمْعٍ مِن المَرَاوِزةِ.
والتَّحقيقُ: أنه لا يُقضَى لها بِذلكَ لِجَوازِ أَنْ يكونَ ما سُمِّيَ لها أَقَلَّ مِن ذلك.
وإنْ أَثْبتَتْ أَلْفَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ والثاني مُستمِرٌّ 2 لَزِمَ الألْفانِ، وبَيانُ المُسقِطِ 3 على الزَّوجِ، كذا ذَكَرُوه.
والتَّحقيقُ: لُزومُ ألْفٍ 4 ونِصفِه، إلا أَنْ يَظْهرَ الدُّخولُ فِي الأوَّلِ.
ولَو قالَ الزَّوجُ: العقْدُ الثاني إظْهارٌ لِلأوَّلِ 5، لا إنشاءٌ، لَمْ يُسمعْ منه، ولهُ تحليفُها على الأصحِّ.
ولو قال: "أصدقتُك أَباكِ" فقالَتْ: "بلْ أُمِّي" 1، تَحَالَفَا على الأصحِّ، وعُتِقَ الأبُ، وولاؤُهُ موقُوفٌ، ولها مهرُ مِثْلِها.
باب المتعة
1
قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ 2﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾.
وهيَ لُغةً: اسمٌ لِما يَحصُلُ مِنه مَنفعَةٌ.
وشَرْعًا: يُطلَقُ على مُتعةِ الحَجِّ، ومُتعةِ النِّكاحِ المَنسوخَةِ، وعلى مقصُودِنا هُنَا 3، وهو: ما 4 يَجِبُ لِلْمرأةِ أو 5 مَالكِ الأَمَةِ المُزوَّجةِ علَى الزَّوجِ، بِسبَبِ فِراقٍ فِي الحياةِ قَبْلَ الدُّخولِ لِمَنْ لَا شَيءَ لَها أوْ بعْدَ الدُّخولِ، ولو كان لَها الكُل على الجَديدِ 6.
والشَّرْطُ فِي الفِراقِ قَبْلَ الدُّخولِ أوْ بَعْدَه: أَنْ لا يَكونَ مِمَّا يَسقُطُ بِه