التدريب في الفقه الشافعيصفحات 131-152

المتحملين من جهةِ الولاءِ من أعلى.
ولما ذكر الشيخُ أبو حامد في تعليقه نص الشافعي في "مختصر المزني" قال: الَّذي نصَّ عليهِ ههنا أنَّهم يتحمَّلون الديةَ، وحكى أبو إسحاقَ في الشرحِ أنَّ الشافعيَّ قال في موضعٍ آخر أنهم لا يعقلونَ.
قال الشيخ أبو حامدٍ: ولستُ أدري أينَ قالَ الشافعيُّ هذَا، إلَّا أنَّهُ لا يختلفُ أصحابُنا أنَّ المسألةَ على قولينِ.
انتهى.
وإذا قُلنا بالمذهبِ المنصوصِ أن العتيقَ يحملُ فإنما يتحملُ بالترتيبِ الَّذي سبقَ في نصِّ "الأمِّ" ولا يأتي في ولدِهِ من الخلاف ما أتى في ولَدِ المولى مِن أعلى ههُنا على أنَّهم يعقلونَ عنه مما يعقلُ عنهم، وهذا معنى (نعم ولد المولى من أسفل)، وأما أصل المولى من أسفل فلا علقة للولاءِ بهِ قطعًا.
فإنْ فقد العاقلَ أو لم يفِ فالعقلُ على جماعةِ المسلمينَ كما قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ، ثم ينظرُ، فإنْ وُجِدَ لهمْ مالى في بيتِ المالِ من جهةِ الإرثِ ثبتَ التَّحمُّلُ في ذلك المالِ، وكذا فيما يحدثُ من الإرثِ المتعلقِ بجماعةِ المسلمينَ، والظاهرُ أنَّهُ يتعلقُ التحملُ بسهمِ المصالح من الفيءِ والغنيمةِ، ويحتمل خلافه، ولا يتعلق بمال غير ذلك من بيت المال، فإن لم يكن فيه مالٌ يُعقل منه أو كان فيه، ولكن منع المتكلم في بيت المال لظلمِه فإنهُ يؤخَذُ جميعه أو ما يفِي من الضروبِ منْ جماعةِ المسلمينَ الموسرينَ والمتوسطينَ على مُقتضَى مذهبِ الشافعيِّ.
وحيثُ تعذَّرَ الاستيعابُ اجتهدَ الإمامُ وضربَ الواجبَ على مَنْ يراهُ على مقتضى التأجيلِ هذا هو الظاهرُ من نصوصِ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه-، والمعنى يساعده

لأنَّ بينَ المسلمِ وبينَ المسلمينَ موالاةً ومناصرةً فتحمَّلوا عقل جنايةِ الخطأِ وشبه العمد في الصورةِ المذكورةِ.
وما وقعَ في "المنهاجِ" 1 تبعًا لأصلهِ من قولهِ: "فإن فقد فكله على الجاني في الأظهرِ"، فخلاف المعتمد.
وأما الذميُّ والمستأمنُ فالحكم فيهما أن الواجب عليهما عند فقد عاقلتيهما الخاصة ويدخلُ كلٌّ منهما في كلِّ سنة في الفاضِلِ عن العاقلةِ الخاصَّةِ ودية النفسِ كاملة في خطأ أو شبه عمد مؤجَّلة على عاقلةٍ وجانٍ ثلاثَ سنين، في كل سنة ثلث دية وذمي منه بناء على الأصح؛ لأنها قدر ثلث دية المسلم، وقيلَ ثلاثًا بناءً على أنها دية نفس امرأة مسلمة في سنتينِ في الأولى ثلث الدية الكاملة، والباقي في الثانية.
وتحمل العاقلة العمدَ في الأظهر نفسًا وطرفًا خطأً وشبه عمدٍ، ففِي كلِّ سنةٍ قدرُ ثلثِ الديةِ، وقيلَ كلها في سنةٍ.
ولو قتلَ رجلينِ مسلمينِ أو امرأتينِ كذلكَ ففِي ثلاثِ سنينَ؛ لأنَّ كلَّ نفسٍ متميزةٌ عن غيرها كديةِ الواحدِ، وقيل في ستٍّ؛ لأنَّ بدلَ النفسِ الواحدة يضربُ في ثلاثٍ، فيزادُ للأخرى مثلها.
والأطرافُ في كلِّ سنةٍ قدرُ ثلثِ الديةِ، وقيلَ كلها في سنةٍ، فإن كانَ الواجبُ قدرَ ثلثِ الديةِ حملته العاقلةُ.
وأجلُ النفسِ من وقتِ زهوقِ الروحِ، وأجلُ غيرِ النفسِ من الجنايةِ، فلو قطعَ أصبعه فسرت الجنايةُ إلى كفِّه واندملت فأصحُّ الوجوهِ أنَّ أجلَ أرشِ

الأصبعِ من وقتِ قطعهِ، وأجلُ أرشِ الكفِّ من وقت سقوطِهِ.
ولا يعقلُ فقير ورقيقٌ وصبيٌ ومجنونٌ ومسلمٌ عن كافرٍ وعكسه، ولا امرأةٌ ولا خُنثَى مُشكل لاحتمال أن يكونَ امرأةً.
والاعتبارُ في الإعسارِ بآخرِ الحول، واعتبارُ وجود هذه الصفاتِ المانعةِ من التحمُّلِ من الرقيقِ ومن بعده إلى الكافرِ من حين الفعلِ.
ولو كانَ بعضُهم في أولِ الحولِ كافرًا أو رقيقًا أو صبيًّا أو مجنونًا، وصارَ في آخرهِ بصفة الكمال فلا تُؤخذُ منه حصَّةُ تلكَ السنةِ، ويؤخذُ ما بعدها على أرجحِ الوجوهِ عند شيخِنا خلافًا لما صحَّحهُ في "الروضة" من عدمِ أخذِ ذلكَ منهُ.
وإذا بانَ الخنثَى ذكرًا فلا يغرم حصته التي أداها غيره على الأصحِّ خلافًا لما جاءَ في "زيادة الروضة" من الغرم.
وأما البعضُ الَّذي أعتقهُ غير مالك الباقي فالظاهرُ أنَّه يتحمَّلُ؛ لأنَّه ناقصٌ بالنسبةِ إلى النصرةِ.
وإن أعتقَهُ مالكُ الباقي ولم يسرِ عليه يحمل عنه معتقُه على الأرجحِ بالنسبةِ إلى نصيبِ الحرِّ، ويتحمَّل هو عن معتقه كما تقدَّم.
ويعقلُ يهوديٌّ عن نصرانيٍّ وعكسُه، إذا كانا ذِميينِ أو مستأمنينِ، أو أحدُهما ذِميًّا والآخرُ مستأمنًا، فأما الحربيُّ فإنه لا يتحمَّل عن الذِّمِّي ولا عكسه 1.

فرع

ولا يتعلق مالُ الجنايةِ بذمةِ العبدِ مع رقتبتِهِ في الجديدِ.
ويستثنى من مطلقِ المعيةِ صورةٌ، وهي ما لو أقرَّ السيدُ بأنه جنى على عبدٍ قيمته ألف جنايةَ خطأ، وقال العبدُ قيمته ألفانِ، فنصَّ الشافعيُّ في "الأمِّ" في الإقرارِ أنَّه يلزمُ العبد بعد العتقِ القدرَ الزائدَ على ما أقرَّ بِهِ سيدُه.

ضابط

ٌ: ليس لنا صورةٌ اجتمع فيه التعلق بالرقبةِ والتعلق بالذِّمَّةِ على المذهبِ إلَّا في هذه الصورة.
وتعتبرُ قيمةُ العبدِ وقتَ الجنايةِ على النصِّ، وإنْ كان العبدُ الجاني مكاتبًا وفِي يده مالٌ فدَى نفسه من الَّذي في يده، ويفدِي نفسه بأقلِّ الأمرينِ من قيمتِه وأرشِ الجنايةِ على أظهرِ القولينِ.
وإن لم يكن في يدِه مالٌ وسألَ مستحقُّ الأرشِ الحاكم تَعْجِيزَهُ عَجَّزَه ثم باعَ منه ما يوفِي الأرشَ ويبقى الباقي مكاتبًا.
فإنْ كانَ الأرشُ يستغرق قيمته باعَهُ.
ولو أرادَ السيدُ أن يفديه وتستمرّ الكتابة فله ذلك، وعلى المستحقِّ قبوله.
ولو فداهُ ثم جنى ثانيًا سلَّمهُ للبيعِ، أو فداهُ، وكذا لو تكرر ذلك مرارًا مع تخللِ الفداءِ.
ولو جنى ثانيًا قبل الفداء باعه فيهما أو فداهُ بالأقلِّ من قيمته والأرشِ -وفِي قولٍ قديمٍ بالأرشين- إذا لم يمنع من بيعه مختارًا للفداءِ، فإنْ منعَ لزمَهُ أن يفدي كلًّا منهما، كما لو كان منفردًا.
ولو أعتقَهُ وهو موسرٌ أو باعه بعد اختيارِهِ الفداء أو قبله فداه حينئذٍ حتمًا بأقلِّ الأمرين، كما تقدَّم، لأنَّه فوت محلَّ حقِّه، وهذا إذا أمكنَ دفعُ الفداءِ.
فإن تعذَّر تحصيلُهُ أو تأخَّر لإفلاسِه أو غيبته، فُسِخ البيعُ، وبِيع في الجناية؛ لأنَّ حقَّ المجنيِّ عليه مقدَّمٌ على حقِّ المرتهنِ.

ولو هربَ ولم يعلم سيدُهُ مكانَه، أو ماتَ قبلَ اختيار سيده الفداء فلا شيءَ على سيدِهِ؛ لأنَّ الحق متعلقٌ برقبتِهِ، وقد فاتتْ.
هذا إن لم يمنع سيدُه مِن بيعِهِ عندَ الطلب، فإنْ طلبَ المستحقُّ بيعه فمنعه سيدُهُ فعليه فداؤُه حينئذٍ بتعدِّيه بالمنع، ولأَنهُ مختارٌ للفداءِ فمنعه، وإذا علم سيدُهُ مكانَه وأمكنهُ ردَّه فالمتجه وجوبُ الردِّ؛ لأن التسليمَ واجبٌ عليه.
ولو اختارَ الفداءَ فالصحيحُ أنَّ له الرجوعَ وتسليمه إذا لم تنقصْ قيمتُهُ بعد اختيارِ الفداءِ، فإن نقصتْ لم يمكنْ من الرجوعِ والاقتصارِ على تسليمِ العبدِ قطعًا؛ لأنَّه فَوَّتَ باختيارِهِ ذلك القدر من قيمته.
ولو تأخَّر بيعه تأخُّرًا يضرُّ بالمجني عليهِ، وللسيدِ أموالٌ غيره، فليس له الرجوعُ قطعًا للضررِ الحاصلِ للمجني عليه بالتأخيرِ.
وأمَّا أمُّ ولدِهِ التي لا تباعُ فتقدَّر بالأقلِّ من قيمتِها والأرش على أقوى الطريقتين، فأمَّا أمُّ ولدِهِ التي تُباعُ؛ لأنَّه استولدها وهي مرهونةٌ الرهنَ اللازم، وهو معسرٌ، إذا جنتْ جنايةً توجبُ مالًا متعلِّقًا بالرقبةِ فإنه يقدَّم حقُّ المجني عليه على حقِّ المرتهنِ.
فإذا قالَ الراهنُ: أنا أفديها على صورة لا يكون بها موسر اليسار انعقدَ به الاستيلادُ في حقِّ المرتهن فله ذلك؛ لأنه حينئذٍ يكون بفدائِها مانعًا للمجني عليه من بيعها فتصيرُ كالعبدِ القنِّ.
وإذا فداها استمرَّت مرهونةً، ثم إنْ وفى الدينَ من غيرها نَفَذَ الاستيلادُ حينئذٍ على المذهبِ، وإن بيعتْ في الدينِ استمرَّ عليها حكمُ القنِّ في حقِّ مَن يشتريها، ثم إن عادت للراهنِ نَفَذَ الاستيلادُ على الأظهرِ.
وإذا جنتْ أمُّ الولدِ هذه في حالِ كونِها مرهونة جناية، ثم جناية أخرى وهي مرهونةٌ فلا نقول جناياتها كواحدةٍ؛ لأنه يمكنُ بيعها، بل هذه

كالقنِّ يجني جنايةً ثم أخرى قبلَ الفداءِ، فيقطع فيه بأنَّ السيدَ إمَّا أن يسلمها لتباعَ فِي الجنايتينِ، وإمَّا أن يفديها بأقلِّ الأمرينِ من قيمتها وأرش الجنايةِ على ما تقدَّم في القنِّ.
وليستْ جنايةُ أمِّ الولدِ التي لا تباعُ كواحدةٍ على الَّذِي أحبه الشافعي صاحبُ، المذهبِ، بل تُفرد كلُّ جنايةٍ بحكمِها، وتعتَبَرُ قيمتُها وقتَ الجنايةِ على الأصحِّ.
وحكمُ العبدِ الموقوفِ والمنذورِ إعتاقُه إذا جَنَيَا حكمُ أمِّ الولدِ التي لا تباعُ، ويفدي العبدَ الموقوفَ الواقفُ على أصحِّ الوجوهِ إذا قلنا بالأصحِّ أن الملكَ فيه للَّهِ تعالى، إذا كانَ حيًّا، فإذا كانَ الواقفُ ميتًا فالأرجحُ ما ذكرَهُ في الجُرجانيات أنَّ الفداءَ في تركتِهِ.
وأمَّا المنذورُ إعتاقُهُ فإنَّهُ يفدِيه الناذرُ قطعًا لبقاءِ ملكهِ، كالمستولدةِ، فإنْ ماتَ قبلَ أن يعتقهُ كانَ الحكمُ في جنايتهِ كالحكمِ في جنايةِ الموصَى بإعتاقهِ إذا جنى، بعد موتِ الموصي وقبلَ الإعتاقِ.
قالَ شيخُنا: والحكمُ فيه أنَّ ذلكَ يتفرَّعُ على أَنْ كَتَبَ الموصي بإعتاقِه لمن، وفيه خلاف؛ فإدنْ قلنَا أنهُ للعبدِ كما هو مقتضى نصِّ "الأمِّ" وقالَ في "الروضة" في الخصيصة الرابعةِ: القرعةُ أنَّهُ المذهب لجنايتهِ في كسبِهِ.
وإنْ لم يكُن في يدهِ كسبٌ فيتعينُ هنا أن يعتقَ ويأخذه منه موجَّلًا، ويحتمل الحلول، والحكمُ في العبد المنذور يظهر مما قررناه في الموصى بإعتاقه، ولم أرَ مَن تعرَّضَ لشيء من ذلكَ، وهو من النفائس.
انتهى كلامُ شيخِنا.

فصل في الغرَّةِ الواجبةِ بالجنايةِ على الحاملِ بالجنينِ المضمونِ على الجاني الَّذي ظَهَرَ ميتًا بتلكَ الجنايةِ

الغرَّةُ لغةً تدلُّ على شرفٍ وتقدُّمٍ، وهي هُنَا للعبدِ أو للأمةِ، كأنَّه عبَّرَ عن الذاتِ كلها بالغرَّةِ.
وفِي "الصحيحين" 1 وغيرهما أنَّ امرأتينِ من هُذيلٍ رمتْ إحداهما الأخرَى، فطرحتْ جنينَها، فقضَى فيهِ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بغرَّةِ عبدٍ أو أمةٍ، وفِي حديثِ الشافعيِّ: بغرةِ عبدٍ أو وليدةٍ 2، وفِي روايةٍ في "الصحيحين": رمتْهَا بحجرٍ فأصابَ بطنَهَا 3، وفِي روايةٍ: قضَى في جنينِ امرأةٍ من بني لحيان بغرَّةِ عبدٍ أو أمةٍ 4، وللمغيرةِ بن شعبةَ في ذلكَ حديثٌ في "الصحيحين" 5 وغيرهما، ولحمْلِ بن مالك في ذلك حديثٌ رواهُ الشافعيُّ 6 وغيره.

وأما الأحاديثُ التي جاءَ فيها عبدٌ أو أمةٌ أو فرسٌ أو بغلٌ فالمحفوظُ خلافها، وفيها مرسلٌ، وأحاديث مائةُ شاةٍ أو مائةُ وعشرون شاةٍ ضعاف، وحديث خمسمائة شاةٍ خطأ.
ومَن جنى غير حربي ولو بتخويفٍ على حاملٍ بجنين مسلم بتبعية أحدِ أصولِهِ، فلا يتصوَّر هنا تبعية السابي ولا الدار، حر ولو بإعتاقِهِ دونَ أمِّه، أو مَن وطئ بظن أن أمته حُرَّةٌ ظهر وقد بدا فيه التخطيط ففيه الغرةُ الكاملةُ.
وما ذُكِرَ في جنينِ الحربيةِ أنهُ لا يجب فيه شيءٌ وكذا لو أسلمتْ قبل الإجهاض محلُّه ما إذا لم يكنْ جنينُها مسلمًا بتبعيَّةِ أصل له، وكذلك تجبُ الكاملة في حملِ الذميةِ المحكوم بكفره إذا أسلمتْ قبلَ إجهاضِهِ، كذا جزمُوا به، وقياس مقالة ابن الحداد في المشركةِ يحصلُ فيها عتقٌ من اعتبار حالةِ القربِ أن لا تجب الكاملةُ هنا، وله نظيرٌ في تحمُّلِ العاقلةِ عند انجرار الولاءِ يشهدُ لما قرَّرناهُ.
وأمَّا الجنين اليهوديُّ أو النصرانِيُّ تبعًا لأبويه حيثُ لا حرابة، فالصحيحُ يجبُ فيه ثلثُ غرَّةِ المسلمِ، وفِي وجهٍ غرةٌ كاملةٌ؛ لإطلاقِ القضاءِ في الجنينِ: وفِي وجهٍ لا يجب فيه شيءٌ.
ولو كانَ أحدُ أبويه نصرانيًّا والآخرُ مجوسيًّا فهو كالجنينِ النصرانيِّ على النصِّ.
ومَنْ أحدُ أبويهِ ذميٌّ والآخرُ حربيٌّ تجبُ فيه غرتُه على الأصحِّ.
وفِي الرقيقِ عُشرُ قيمة الأمِّ أكثر ما كانتْ من حينِ الضربِ إلى الإجهاضِ على النصِّ لسيدِهِ، فلو كانتْ مقطوعةً والجنينُ سليمًا وعكسه قوِّمت سليمةً، فإن جنى سيدها عليها وهي حاملٌ مِن غيرِه، ثم عتقت ثم ألقتِ الجنينَ لم

يجب شيء على السيدِ على الأصحِّ.
وسواءٌ انفصلَ الجنينُ ميتًا بجنايةٍ في حياةِ أمِّه أو بعد موتِها بجنايةٍ في حياتها تجبُ فيه الغرةُ، بخلافِ ما إذا ضربَ بطن امرأة ميتةٍ فانفصلَ منها جنينٌ ميتٌ فإنهُ لا غرَّةَ فيه على الأرجحِ، كما قاله البغويُّ.
وإنْ ماتَ حينَ خرج أو دام ألمه فماتَ ففيه الديةُ الكاملةُ، وإن لم يظهرْ منه شيءٌ، ولم ينفصلْ، لم يجب شيءٌ، وإن انفصلَ حيًّا وبقيَ زمنًا بلا ألمٍ، ثم ماتَ فلا شيءَ، ولو ألقتْ جنينينِ ميتينِ برأسينِ وبدنينِ منفصلينِ ففيهما غرتانِ، أو ثلاثةٌ فثلاثةٌ، وهكذا، فلو ألقتْ حيًّا وميتًا، ومات الحيُّ من تلك الجنايةِ وجبَ له ديةٌ كاملةٌ، وغرةٌ للميتِ، ولَو ألقتْ يدًا أو رجلًا ولم تُلقِ بعدها الجنينَ فغرةٌ، فلو ألقت جنينًا بعد ذلك فقيد ذلك العضو وألقته ميتًا بعد الاندمالِ وزوالِ ألمِ الضربِ بها فنصفُ غرة.
وإن خرجَ حيًّا وماتَ بعد الاندمالِ أو عاش فالأرجحُ وجوبُ نصفِ غرَّةٍ، وإن انفصلَ الجنينُ قبل الاندمالِ حيًّا ثم ماتَ من الجنايةِ ففيه ديةٌ، ويدخلُ فيها أرشُ اليدِ، وإن عاشَ فالأرجحُ وجوبُ نصفِ غرَّةٍ إلَّا إذا أسقطت اليدَ عقبَ الضربِ، وأسقطت عقبه الولدَ حيًّا فإنَّه يجبُ نصف الدية.
ولو ألقتْ لحمًا قال القوابلُ فيه صورةٌ خفيَّةٌ فلا غرَّةَ فيه على النصِّ، وفِي قولٍ: تجب غرةٌ إذا قلن: لو بقيَ لتصوَّر، والمعتمدُ عدمُ الوجوبِ.
والغرَّةُ عبدٌ أو أمةٌ مميزٌ بسبع أو ثمانٍ، لا قبل السبعِ على النصِّ، مسلمٌ سليمٌ من عيب مبيع، والنصُّ قبول كبيرٍ لم يعجز بهرمٍ، وبشرط بلوغ قيمة الغُرَّة نصفُ عشرِ الديةِ الكاملةِ على النصِّ، فإن تعدَّتْ فخمسةُ أبعرةٍ، وفِي قولٍ لا يُشترطُ، فإذا فقد قيمتها.

فرع

: يجبُ بالقتلِ كفَّارةٌ، وإنْ كانَ القاتلُ صبيًّا ومجنونًا، وعبدًا، وذميًّا، وعامدًا أو مُخطئًا، ومُتسببًا، فَقَتَلَ مسلم ولو بدارِ حربٍ.
ومَنْ قَتَلَ بالشرطِ من حَفْرٍ وبهيمةٍ ونحوهما وذميٍّ ومستأمنٍ وجنينٍ وعبدِ نفسِهِ ونفسِهِ، وقيل: لا يجبُ في نفسهِ، ويجبُ فيمن قتله بإذنهِ.
ولا تجبُ في المرتدِّ، ولو قتلَهُ مرتدٌ مثلُه، ولا في امرأةٍ وصبيٍّ مجوسيينِ، وباغٍ ولو في غير القتال معَ وجودِ المنعةِ والتأويلِ على النصِّ، وصائل ومقتص منه، وعلى كلٍّ من الشركاءِ كفارةٌ على المنصوصِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بابُ دعوى الدَّمِ والقسامةِ والشهادةِ على الدمِ

القسامةُ مشتقَّةٌ من القسمِ، وسميتْ بها لكثرةِ القسمِ فيها، قاله الجرجانيُّ، وهي بفتحِ القافِ.
قال الجوهريُّ وابنُ فارسٍ: هي اسْمُ الأيمانِ؛ لأن في روايةٍ: "تحلفونَ خمسينَ يمينًا قَسَامةً تستحقُّونَ بها" وقالَ القاضي أبو الطيبِ وغيرُه: هي اسمٌ للحالفينَ.
وهو ما ذكرَهُ الأزهريُّ والرافعيُّ عن أهلِ اللغةِ.
قالَ القاضي أبو الطيبِ وغيرُه: والفقهاءُ يسمُّون الأيمانَ قسامةً.
قال صاحبُ "الفائقِ": وجاءتْ على بناءِ الغرامةِ والحمالةِ لاشتراكِهم في القسمِ.
ورَوَى الدارقطنيُّ 1 والبيهقيُّ 2 عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيهِ عن جدِّه أنَّ

رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "البينةُ على المدَّعِي واليمينُ على مَن أنكرَ إلَّا في القسامة" وفِي إسنادِهِ ضعفٌ، لكنْ قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: إسنادُهُ لينٌ فخففَ أمرهُ.
وأوَّلُ مَن قضى بِها في الجاهليةِ الوليدُ بنُ المغيرةِ، كما قالَهُ ابنُ قتيبةَ، وأقرَّهُ الشارعُ في الإسلامِ.
يشترطُ أن يفصلَ ما يدعِيه من عمدٍ وشبهِ عمدٍ وخطأٍ وانفرادٍ وشركةٍ، فإنْ أطلقَ استفصلَهُ القاضي على النصِّ استحبابًا، وقيلَ يعرضُ عنهُ، ويشترط أن يُعَيِّنَ المدَّعَى عليهِ، فلو قالَ: قتلَهُ أحدُ هؤلاءِ العشرةِ ولا أعرفُ عَيْنهُ فتسمعُ الدعوى على الأصحِّ للحاجةِ، ولا يحلفهم القاضي على الأصحِّ للإبهامِ، ويجري الوجهانِ في دعوى غصبٍ وسرقةٍ وإتلافٍ وأخذِ الضالَّةِ.
والضابطُ بجريانها أن يكونَ سببُ الدعوى قد يخفى متعاطيه على المستحقِّ؛ لأنَّه مما ينفردُ به المُدَّعى عليه.
وشرطُ سماعِ الدَّعوى أن تكونَ مِن مكلَّفٍ ملتزمٍ، وتسمعُ دعوى المعاهَدِ وإن لم يكنْ ملتزمًا إذا ادَّعى بمالٍ استحقَّه على مسلمٍ أو ذميٍّ أو مستأمنٍ مثله، أو ادعى دمَ مورثه الذمي أو المستأمن.
وتُسمع دعوى الحربيِّ وإن لم يكنْ ملتزمًا للأحكامِ، فيما إذا اقترضَ منه حربيٌّ شيئًا أو اشتراهُ منه ثم أسلمَ المعترض أو المشتري، أو دخلَ إلينا بأمانٍ فإن المنصوصَ المعتمدَ أن دَيْنَ الحربيِّ باقٍ بحالِهِ.
ولو اقترضَ منهم مسلمٌ في دارِ الحربِ شيئًا أو اشتراهُ ليبعثَ إليهِم ثمنه أو أعطوهُ شيئًا ليبيعَهُ في دارِ الإسلامِ ويبعثه إليهم، فإنَّهُ يلزمه ذلكَ، وحينئذٍ فتسمعُ الدَّعوى من الحربيِّ، لكنْ يكون في أمانٍ بطلب ذلك فإنَّهُ لا يبطلُ حقه من ذلكَ.

وشرطُ المُدَّعَى عليه أن يكونَ مكلفًا فلا تُسمع الدعوى على صبيٍّ ومجنونٍ، وتسمعُ على المحجورِ عليه بالفلسِ والسَّفهِ والرقِّ، وتسمعُ الدعوى على المستأمنِ وإن لم يكنْ ملتزمًا للأحكامِ كما تقدَّم، وتسمعُ الدعوى على الحربيِّ إذا صدرَ منهُ الإتلافَ في حالِ التزامِهِ.
وإذا ادَّعى انفراده بالقتلِ، ثم ادَّعى على آخر لم تسمعِ الثانيةُ إذا لم يصدقْهُ الثاني، فإنْ صدَّقهُ الثاني سمعتِ الدعوى على الثاني، ويؤاخذُ المقر، ويُعمل بمقتضى إقراره على الأصحِّ.
ثم إن لم يقسم في الدعوى الأولى فلا يمضي حكمها، ولا يُمَكَّنُ من العودِ إليها، وإن مضى حكمها والحكمُ بالمال، فإن وجد منه ما يرفع الأولى كقوله: "ليس الأول قائلًا"، فإنَّهُ يردُّ المالَ المأخوذَ على مستحقهِ.
وإنْ وجدَ منه أنَّ الثاني شريك فيرتفعُ ذلك من أصلِهِ، وتنبني قسامةٌ على الاشتراكِ الذِي ادَّعاهُ آخرُ كما هو قياسُ البابِ.
وإن ذكر عمدًا ثم وصفَهُ لغيره لم يبطلْ أصلُ الحقِّ في الأظهرِ، ولا يحتاجُ إلى تجديدِ دَعْوَى في الأصحِّ.
ثم إنْ فسَّر العمدَ بالخطأ أو بعمدِ الخطأ فهل يقسم أم لا؟ فيه خلافٌ، قال شيخُنا: والذي عندَنا أنَّه تترتبُ صورةُ العدول منَ العمدِ إلى الخطأِ على صورةِ العدولِ من العمدِ إلى عمدِ الخطأ فإنْ قُلنا هناكَ لا يقسمُ، فهنا أوْلَى، وإنْ قُلنا هناكَ يقسمُ، فههنا وجهانِ؛ لأنَّ العمدَ قدْ يلتبسُ بعمدِ الخطأِ، بخلافِ الخطأِ المحضِ، والأصحُّ أنَّهُ يقسمُ لاشتراكِهما في الرجوعِ مِن الأغلظِ إلى الأخفِّ.
انتهى.
وتثبتُ القسامةُ في القتلِ بمحلِّ لوثٍ، وهي قرينةٌ تغلبُ وتوقعُ في القلبِ

صدقَ المُدَّعِي، فإنْ وجدَ قتيلٌ أو بعضُه إذا تحققَ موتُه في محلِّةٍ أو قريةٍ صغيرةٍ لأعدائِه أو أعداءِ قبيلتِه أو تفرَّقَ عنهُ جمعٌ يعتبرُ أَنْ يكونوا على وجهٍ ينحصرُ قبلَ القتيلِ فيهم، وإنما تثبتُ القسامةُ بذلكَ حيثَ لم يعرفْ مَن قتلَهُ ببينةٍ أو بإقرارٍ أوْ بعلمِ الحاكمِ.
وأمَّا إذا وقعَ في الشبه العامِ والخاصِّ أنَّ زيدًا قتلَ فلانًا فهذا لا يثبتُ به عليهِ القتلُ ولكنَّه يكونُ لوثًا في حقِّه.
ولو تقابلَ صفَّانِ لقتالٍ، وانكشفوا عن قتيلٍ فإنِ التحمَ قتالٌ كانَ لوثًا في حقِّ الصفِّ الآخرِ لأنَّه يغلبُ عندَ التحامِ القتالِ أنَّ أهلَ كلِّ صفٍّ يطلبونَ قتلَ الآخرينَ، فإذا تفرَّقُوا عن قتيلٍ كان لوثًا في حقِّ الطالبينَ.
وإنْ لم يلتحمِ القتالُ فهو لوثٌ في حقِّ أهلِ صفِّه إذا لمْ يترامَى الصفَّانِ، فإنْ ترامَى الصفَّانِ وكان ينالُه رَميُ أضدادِهِ فإنَّه يكونُ لوثًا في حقِّ أضدادِه.
وقولُ عدلٍ فيما لا يثبتُ بشاهدٍ ويمين لوث، وكذا قولُ نساء وعبيدٍ بشرطِ التفرُّقِ على النصِّ، وليس قولُ فسقةٍ وصبيان وكفارٍ لوثًا في الأصحِّ.
ولو ظهرَ لوثٌ فقال أحدُ ابنيهِ: قتلَهُ فلانٌ، وكذَّبَهُ الآخرُ، وقد ثبتَ اللوثُ بالشاهدِ الواحدِ بعد الدعوَى، والحالُ أنَّ المدعي قتلُ شبه عمدٍ أو خطأ، فلا يبطلُ هذا اللوثُ بتكذيبِ أحدِ الولدينِ قطعًا، بناءً على أن شهادة العدلِ الواحدِ لوثٌ، ولو ثبتَ اللوثُ في حقِّ أهلِ المحلة أو الجماعةِ كما تقدَّم واتفقَ الأخَوانِ على ذلك، ولكن عيَّن الذي كذَّبَ أخاهُ آخرُ، وقالَ: هذا هو القاتلُ.
ولم يكذِّبْهُ أخوهُ فيما قَالَهُ، فإنَّهُ لا يبطلُ حقُّ الذي كذَّب أخاهُ من الذي عيَّنَهُ لأنَّ المعنَى المقتضي لإبطالِ القسامةِ أنَّ اللوثَ قد انخرمَ الظنُّ به، وإنما انخرمَ الظنُّ في المعينِ لا في أصلِ اللوثِ، لاتفاقِ الأخوينِ على

اللوثِ الثابتِ بالنسبة إلى أهل المحِلَّةِ أو الجماعةِ، ولا سيما إذا كان للقتلِ المدعى به شبهُ عمدٍ أو خطأَ، وكانت عاقلةُ المعينين واحدة، كأب وابن، اختلف الوارثان في تعيينهما من أهلِ المحلةِ والجماعةِ.
وإذا كذَّبه الآخرُ ولم يثبتِ اللوثُ بشاهدٍ واحدٍ بعد الدعوَى ولا يثبتُ الموتُ في حقِّ أهلِ المحلةِ أو الجماعةِ على ما تقدَّمَ، فلا يبطلُ اللوثُ أيضًا على أصحِّ القولينِ؛ لأنَّ الشافعيُّ قطَعَ بهِ في موضعِ منَ "الأمِّ" و"مختصر المزنيِّ" واختاره المزنيُّ، وقدمهُ الشافعيُّ في كلِّ موضعٍ، وصححهُ البغويُّ، والدليلُ يعضدهُ، فهو المعتمدُ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصله من تصحيح بطلان اللوثِ.
وقيل: لا يبطلُ اللوثُ بتكذيبِ فاسقٍ.
ولو قالَ أحدُهما: قتلَهُ فلانٌ وآخر لا أعرفهُ، وقال الآخر: قتلهُ فلانٌ وآخرُ لا أعرفُه، حلفَ كلّ منهما على ما عيَّنُه وله ربعُ الديةِ، ولو ظهر لوثٌ تأجَّلَ قبلَ دونَ عمدٍ وخطأ، وفصل الولي سمعتِ الدعوى بلا خلافٍ، وأقسم قطعًا، ومتَى لم يفصل لم تسمعِ الدعوَى وتثبتُ القسامةُ، فإذا حلفَ الوليُّ غرَّمنا الجاني الديةَ مخففةً مؤجَّلةً في ثلاثِ سنينَ؛ لأنَّ قتلَ العمدِ لم يثبُتْ ولا شبه العمدِ، والمخففةُ أقلُّ ما يجبُ، فألزمناهُ.
قالَ شيخُنا: ولم أرَ أحدًا حرَّرَ هذا الموضعَ علَى ما ينبغي.
انتهى.
ولا يقسمُ في طرفٍ وإتلافِ مالٍ إلَّا في قتلِ عبدٍ على المذهبِ، فلو جرحَ وهو عبدٌ ثمَّ أعتقَ وماتَ حرًّا ثبتتِ القسامةُ للسيدِ قطعًا، والقسامةُ أن يحلفَ الورثةُ أو السيدُ أو هُما على قتلٍ ادَّعاه خمسين يمينًا، وكذا الحكم لو ازدحمَ جماعةٌ ومنهم حاملٌ فأجهضتْ جنينًا فللمستحقِّ بالغرَّةِ أن يحلفَ كما صرَّح به الماورديُّ، وهو مقتضى كلامِ غيرِه، ولا يسمَّى هذا قتلًا، وإنما

يطلقُ القتلُ على مَن تحقَّقت فيه الحياةُ المستقرَّةُ، فجنَى عليه جانٌ فأزهقَ روحَه، وأمَّا الجنينُ فإنَّهُ لا تتحقَّقُ حياتُه، وقد لا يكونُ نفختْ فيه الروحُ.
والغرَّةُ واجبة وتدخلُها القسامةُ، وإن لم يكنِ الحاصلُ قتلًا.

ضابطٌ: ليس لنا موضعَ تثبتُ فيه القسامةُ في غيرِ القتلِ إلَّا في هذا الموضعِ.

ولا يشترط موالاتها على النصِّ ولو تخلَّلها جنون أو إغماءٌ بنى إذا أفاقَ، ولو ماتَ لم يبنِ وارثُه على المنصوصِ.
وإذا كانَ للقتيلِ ورثةٌ وزعتِ الأيمانُ بحسبِ الإرثِ المحتملِ، فإذا كان الورثةُ ابنًا وولدًا خُنثَى، حلفَ الابنُ ثلثي الخمسين، وأخذ النصفَ، ويحلف الخنثى نصف الخمسينَ، ويأخذ الثلث.
ويوقف الباقي، والضابطُ لذلكَ أَنْ يؤخذَ بالاحتياطِ في الطرفينِ؛ الحلف بالأكثر والأخذُ بالأقلِّ، ثم توزَّعُ الأيمانُ بحسبِ الإرثِ، هل هو بحسب الأسماءِ أم بحسبِ السهامِ يظهرُ أثرُه في العولِ، فإذا كانت المسألةُ عائلةٌ من ستةٍ إلى عشرةٍ مثلًا كزوج وأم وأختين لأب، وأختينِ لأمٍّ، فهل يحلفون على أسماء فرائضهم، فيحلف الزوجُ نصف الخمسين، والأمُّ سدسها بجبر المنكسرِ، والأختان للأبِ ثلثيها، والأختان للأم ثلثها بجبر المنكسرِ، أو يحَلفُ كل واحدٍ منهم على نسبةِ سهامِه، فيحلفُ الزوجُ ثلاثةَ أعشار الخمسين، والأمُّ عشر الخمسين، والأختان للأبِ خمسيها، والأختان للأمِّ خمسها؟ فيه وجهان، ذكرهما الماورديُّ وصحَّحَ الثاني.
وقيل: يحلفُ كلٌّ خمسين، ولو بكل أحد مما يحلف الآخر خمسين؛ لأنَّ حقَّه لا يثبتْ بأقلَّ من ذلك، ولو غابَ حلفَ الآخرُ خمسين وأخذَ حصَّته من

الديةِ، وإلَّا صبرَ إلى حضورِ الغائبِ.
والمذهبُ أنَّ يمينَ المدعى عليهِ بلا لوثٍ خمسون وكذا يمينٌ مع شاهدٍ بلا لوثٍ في الأظهرِ، وتجبُ بالقسامة الكاملةِ ولو بالاحتمالِ في قتلِ خطأ أو شبهَ عمدٍ ديةٌ على العاقلةِ، وفِي عمدٍ على المقسم عليه، وفِي القديم: بالكاملةِ ممن تحققَ مدخله قصاصٌ، حيث تجبُ لو ثبتَ بغيرِها، ويقتلُ من الجماعةِ واحدٌ، ولو ادعى عمد الموتَ على حاضرٍ شريك لاثنينِ غائبينَ أقسم عليهِ خمسين وأخذَ منهُ ثلث الديةِ، فإن حضرَ آخرُ ادعى عليهِ وأقسم عليه خمسينَ يمينًا على النصِّ، وعلى مقابله خمسًا وعشرين، فإذا حضرَ الثالث ادعى عليه وأقسمَ خمسين، وعلى مقابله سبع عشرة.
وإن كان ادعى على الحاضر والغائبينَ وهما بمسافةٍ سمع الدعوى عليهما أقسمَ على الجميع خمسين، ولا يعيد شيئًا لمن حضرَ، ومن استحقَّ بدلَ الدَّمِ منَ مسلمٍ أو كافرٍ عدلًا كان أو فاسقًا، محجورًا عليه أو غيره أقسم.
ويقسمُ السيدُ إذا قتلَ عبده على المذهبِ.
ويقسمُ المكاتبُ لقتل عبده ولا يقسم سيده؛ لأنَّ المكاتبَ استحقَّ بدل العبدِ ليستعينَ بالقيمة على أداءِ النجومِ 1، ومن ارتدَّ بعد استحقاقِه بدل الدمِ مالًا بطل تأخيرُ أقسامِهِ.
والأولَى أن لا يعرضَ الحاكمُ عليه القسامةَ إلَّا بعد عودِه إلى الإسلامِ؛ لأنَّه لا يتورَّع في الردَّةِ عن الأيمانِ الكاذبةِ، فإن أقسم في الردَّةِ صحَّ على المذهبِ ومن لا وارث له لا قسامة فيه.

وإن كان هناك لوثٌ إذ تحليفُ بيت المال لا يمكن، لكن ينصبُ الحاكمُ مَن يدعي عليه ويحلِّفه، فإنْ نَكل ففِي القضاء عليه بالنكولِ خلافٌ يأتي بيانه إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

فرع

: إنما يثبتُ موجبُ القصاصِ بإقرارٍ، أو عدلينِ، أو علم الحاكمِ بمشاهدتِه ما يوجبُ القصاصَ والمِلكَ بذلك، أو برجلٍ وامرأتينِ، أو يمين.
وتتعددُ الأيمانُ في الجراحِ كما تتعددُ في القتلِ على المنصوصِ، ولو عفا عن القصاصِ عفوًا يوجبُ المالَ، وقال: اقبلوا مني رجلًا وامرأتينِ لم يقبلْ على النصِّ.
ولو شهدَ هو وهما بهاشمة قبلها إيضاحٌ من جنايةٍ واحدةٍ لم يجب أرشها على المذهبِ.
ويجب أن تكونَ الشهادةُ بالقتلِ مفسَّرةً مصرِّحةً بالمقصودِ، فلو قالَ الشاهدُ: ضربَه بسيفٍ فجرحَه فماتَ لم يثبتِ القتلُ حتَى يقولَ: فماتَ منهُ، أو: فقتلهُ أو ضربهُ بالسيفِ فأنهرَ دمهُ وماتَ مكانهُ.
كما نصَّ عليه في "مختصر المزنيِّ"، فجعلَ: "ومات" مكانَهُ كقولِه "ماتَ من جراحتِه".
ولو قال: ضربَ رأسَهُ فأدماهُ أو قال: سالَ دمهُ، تثبت داميةٌ.
ويشترط في الموضحةِ: ضرَبَهُ فأوضحَ عظمَ رأسِه.
ولو قال: ضربَه فأوضحَ عظمَ رأسه، ولو قال: ضربه فأوضحَ رأسَه، كان ذلك كافيًا على المنصوصِ في "الأمِّ" و"مختصرِ المزنيِّ" وهو الذي جرى عليه الجمهور خلافًا لما فِي "المنهاج" تبعًا لأصلِه من عدم الاكتفاء به.
ويجب بيانُ محلِّها وقدرِها على ما نصَّ عليه في "الأمِّ" ليمكن قصاصٌ،

فإن عجزوا عن التعيين فلا سبيل إلى القصاصِ، ولكنه لا يسقط بمجردِ ذلك.
ويجب أرشُ الموضحةِ عند العجزِ عن التعيين.
ويثبتُ السحرُ بإقرارِ الساحرِ لا ببينةٍ، ثم إنْ قالَ: قتلتُه بسحري وسحري يقتلُ غالبًا، فقد أقرَّ بقتلِ العمدِ.
وإن قال: وسحري يقتل نادرًا، فهو إقرارٌ بشبه عمدٍ.
وإن قال: أخطأتُ من اسم إلى غيره، فهو إقرار بالخطأ، ثم دية شبه العمدِ ودية الخطأ المخففة كلاهما في مال الساحرِ، ولا تطالبُ العاقلةُ بشيءٍ إلَّا أن يصدِّقوهُ.
ولو قالَ أمرضتُه بسحري ولم يمتْ به، بل بسحرٍ آخرَ، ولم يتعرَّض للاندمالِ، فالنصُّ أنَّه يقسم الوليُّ خمسين يمينًا ويأخذُ الديةَ.
وإن تعرَّضَ للاندمالِ دخلتِ البينةُ في أنَّه لم يزل ضمنًا إلى أَنْ ماتَ، ويحلفُ الوليُّ أنَّه ماتَ من سحرِ الساحرِ.
ولو ادَّعى جرحًا وشهد له وارثه غير الأصولِ والفروعِ، فإن شهد بعد الاندمال قبلت شهادتُه.
وإن شهدَ قبلَه لم تقبلْ، ولو أدى أثنان محجومَانِ عن الوراثةِ لجرح قبلَ الاندمالِ ثم صارا وارثينِ قبل أن يقضي القاضي بشهادتِهما فلا تقضى.
وإن كانَ بعده لم ينقضِ القضاءُ.
وإن شهدَ بمالٍ في مرضِ موتِه قبلَ في الأصحِّ، ولا تقبلُ شهادةُ العاقلةِ بفسقِ شهودِ قتيلٍ يحملونَه، ولو شهدَ اثنانِ على اثنينِ بقتلِه فشهدا على الأولينِ بقتلِه حُكِم بشهادةِ الأولينِ الصادرةُ بعدَ الدَّعوى الصحيحةِ.
وإن لم يصدقْهُما الوليُّ خلافًا لما في "المنهاجِ"، لأنَّ دعواهُ القتل على المشهودِ عليهما وطلبُ الشهادةِ بذلك من الشاهدينِ كافٍ في جوازِ الحكمِ.

وإن صدقَ الوليُّ الآخرينَ أو صدقَ الجميعَ أو كذب الجميع بطلت الشهادتان، ولو أقرَّ بعضُ الورثةِ بعفو بعضِهم عن القصاصِ سقطَ كلُّه لعدمِ تبعيضِه.
وإذا اختلفَ شاهدانِ في زمانٍ أو مكانٍ أو آلةٍ أو هبة فلوثٌ على النصِّ خلافًا لما في "المنهاج".

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جارٍ التحميل