التدريب في الفقه الشافعيكتابُ التدبير
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هو لغةً: النظرُ إلى ما تزولُ إليه عاقبةُ الأمرِ، ودُبُرُ الأمرِ آخِرُهُ.
وشرعًا: عتقُ العبدِ عن دبرِ الحياةِ مطلقًا أو مقيَّدًا، سمي بذلك، لأنَّ السيِّدَ دبَّرَ أمر دنياهُ باستخدامِ العبدِ واسترقاقِهِ، وأمرًا في آخرتِه بإعتاقِهِ، والأصلُ فيهِ ما رواهُ "الصحيحانِ" 1 من حديث جابرِ بن عبد اللَّهِ -رضي اللَّه عنهما-: أن رجلًا من الأنصارِ أعتقَ مملوكًا له عن دبرٍ لم يكنْ لهُ مالٌ غيرُهُ، فبلغَ ذلكَ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "مَن يشتريهِ؟ " فاشتراهُ نعيمُ بن عبد اللَّهِ بثمانمائة درهمٍ، فدفعها إليه.
وفي ذلك تقريرُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على التدبيرِ، وكان البيعُ إمَّا لفقرِ السيِّدِ أو لدينٍ عليه، كما جاءَ في رواياتٍ، والمدبِّرُ هو أبو مذكورٍ، والغلامُ يعقوب.
والإجماعُ على صحَّةِ التدبيرِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 439

ويُشترطُ فيه الملكُ، فلا يصحُّ تدبيرُ عبدِ غيرِهِ، فإنْ علَّقَهُ على أن يملكَهُ فالأرجَحُ صحَّتُهُ.
قالَهُ شيخُنا تخريجًا، وقد سبقَ في الوصيةِ نظيرُهُ.
ويُشترطُ كون السيدِ مكلَّفًا حرًّا كاملًا مختارًا، فيصحُّ من السَّفيهِ كما تقدَّمَ في الحجرِ من المالكِ قبل القبضِ بإرثٍ أو وصيَّةٍ، وكذا بعوضٍ وفي زمنِ الخيارِ ممَّن لهُ الملكُ، وحيثُ قُلنَا بالوقفِ صحَّ إذا تبيَّنَ بعدَ ذلكَ أنَّ الملكَ له (1). ويصحُّ تدبيرُ الرَّاهِنِ بعدَ القبضِ، وتدبيرُ سيدِ من تعلَّقَ برقبتِهِ أرشٌ.
قال شيخُنا ذلك كلَّه تخريجًا من تدبيرِ المحجورِ عليه بالفلسِ، فإنَّ المذهبَ صحَّتُهُ خلافَ ما وقعَ في الشَّرحِ و"الروضَة" هنا.
وقد ذَكروا صحَّة تعليق العبد المرهونِ وتدبير المرتدِّ موقوفٌ، ويصحُّ تدبير الحمل وحدَه، وبعض عبدِه، ونصيبه من المشتركِ، ولا سراية فيهما حالًا ولا بعدَ الموتِ، ويصحُّ أن يدبِّرَ مكاتبَهُ كتابةً صحيحةً، والمؤجر والموصى بهِ، والمعلق عتقه بصفةٍ.

ضابط

ٌ: لا يمتنعُ التدبيرُ مع وجودِ الملكِ وأهليةِ المالكِ، إلَّا في صورةٍ واحدةٍ؛ وهي المستولَدَةُ؛ لاستحقاقِها العتقَ بجهةٍ أقوَى من التدبيرِ، وهي الاستيلادُ.
فإن قال للمستولَدَةِ: إن متُّ فأنتِ حرَّة قبل موتِي بشهرٍ مثلًا، عند من قالَ أنَّ هذا تدبيرٌ مقيَّد، أمكنَ صحَّةَ تدبيرِ المستولدَةِ في هذه الصورةِ لفائدَةِ أنَّ كسبها يكونُ لها في الزمنِ الذِي انكشَفَ أنها حرَّةٌ فيه، قبل الموتِ،2

الجزء: 4 - الصفحة: 440

لكن هذا شيءٌ انفردَ به "الحاوِي الصَّغيرُ" 3 وهو وهمٌ، وليسَ هذا بتدبيرٍ، فامتنع التصويرُ.
والتدبيرُ المطلقُ لا نزاعَ فيه 4، كقولِهِ: إذَا متُّ فأنتَ حرٌّ أو مدبرٌ 5، أو أنتَ مدبر، أو دبَّرتُك، وهو صريحٌ على النصِّ المعمولِ به، بخلافِ ما إذا قالَ لمن يريدُ كتابتَه من أرقائه: كاتبتُك.
فلا يكون صريحًا لاحتمالِ كتابة الخراجِ الذي لا عتقَ بعدَهُ، وأما الكتابَةُ فيصحُّ بها التدبيرُ مع النيَّةِ، كقولِهِ: إذا متُّ فأنتَ حرامٌ، أو مالك نفسَكَ، ونحو ذلك من الألفاظِ المحتملةِ 6. والمرادُ بالنيَّةِ هنا -كما قال الماورديُّ-: أن يريدَ بهذه الألفاظِ العتقَ، فإن أَرادَ بها العتقَ صارَ مدبرًا، وإلَّا فلا.
وإذا قالَ لعبدِهِ: "إذا متُّ في ذا الشهرِ أو المرضِ فأنتَ حرٌّ"، لم يكُنْ تدبيرًا مقيَّدًا على النصِّ، ولو ماتَ من غيرِ مرضِهِ ذلكَ لم يكنْ حُرًّا، وإن ماتَ من مرضِهِ أو في ذلكَ الشهرِ كان حرًّا, ولكنه وصيةٌ، وليسَ بتدبيرٍ، وعلى هذا فحقيقةُ التدبيرِ تعليقُ العتقِ بالموتِ المطلقِ.
ويجوزُ معلَّقًا 7 كقولِهِ: "إن دخلتَ الدَّارَ فأنتَ حرٌّ بعدَ موتِي"، ويصيرُ مدبرًا بعدَ التعليقِ قبلَ الدُّخولِ، ولو قالَ: "إن متُّ ثم دخلتَ الدَّارَ، فأنت حرٌّ" لم يكن تدبيرًا، وإنما هذا تعليقُ عتقٍ بصفةٍ، فيشترطُ دخولُهُ بعدَ الموتِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 441

وكذلكَ لو قالَ: "إذا متُّ ومضى شهرٌ فأنتَ حرٌّ"، فليسَ بتدبيرٍ، بل هو تعليقُ عتقٍ بصفةٍ على الأصحِّ المنصوصِ فيهما، وقولهُ: "إن شئتَ فأنت مدبرٌ".
صريحٌ في تعليقِ التدبيرِ على مشيئةِ العبدِ.
وأمَّا قولُهُ: "أنتَ حرٌّ بعدَ موتِي إن شئتَ".
فيحتملُ: إن شئتَ بعدَ موتِ الحريَّةَ، ويحتملُ: إن شئتَ الآنَ التدبيرَ، فلم يتعيَّنْ لتعلُّقِ التدبيرِ بالمشيئةِ، فيراجَع ويعمل بمقتضى نيَّته، فإن لم ينو شيئًا فالأصحُّ حملُهُ على المشيئةِ بعدَ الموتِ.
فإنْ قالَ: "متَى شئتَ" فللتراخِي في الصورتينِ المذكورتينِ، ويكونُ في الأولَى تدبيرًا معلَّقًا، ويكونُ في الثانيةِ تعليقًا محضًا.
وإن قالا لعبدِهما: "إذا مِتنا فأنتَ حرٌّ"، فإنْ ماتَا معًا حصلَ العتقُ بحصولِ الصفةِ، ولا تدبيرَ، وإنْ ماتَا مرتَّبًا فالصحيحُ في "الروضَة" تبعًا للشرحِ؛ أنَّه إذا ماتَ أحدُهما صارَ نصيبُ الثاني مدبرًا على المذهبِ، ولو ارتدَّ المدبرُ لم يبطلْ أيضًا, ولا يمنع الكافر من حملِ مدبرِه ومستولدتِهِ الكافرينِ إلى دارِ الحربِ، سواءٌ جرَى التدبيرُ في دارِ الإِسلامِ أو دارِ الحربِ، وليس له حملُ مكاتبِهِ الكافر قهرًا لظهورِ استقلالِهِ، ولو كانَ لكافرٍ عبدٌ مسلمٌ فدبَّرَه أجبر على إزالَةِ ملكهِ ببيعٍ أو إعتاقٍ، فإن كاتبَهُ اكتفينا بذلكَ، وإن امتنَع من ذلك كله باعَهُ الحاكمُ عليه.
ولو زالَ ملك السيدِ عنِ المدبَّرِ ثم ملكَه لم يعدِ التدبيرُ على المذهبِ، ولو رجعَ عنهُ بقولٍ كـ "أبطلتُهُ"، أو: "فسختُهُ" أو: "نقضتُهُ" أو: "رجعتُ فيه".
صحَّ إنْ قُلنا أنَّه وصيةٌ فيها سائبة التعليق، وهو المنصوصُ عليه في مواضعَ كثيرةٍ.

الجزء: 4 - الصفحة: 442

وإن قُلنا: "تعليقُ عتقٍ بصفةٍ"، وهو المرجوح كما قال شيخُنا: لم يصحَّ الرجوعُ المذكورُ.

فرع

: حبلتْ مُدَبَّرَةٌ من غيرِ السيِّدِ وولدته قبل الموتِ، تبعها ولدُها في التدبيرِ على أصحِّ القولينِ، خلافًا لما في "المنهاجِ" 8 تبعًا للمحرَّر.
ولو دبَّر حاملًا، فإن أتت به لأقلِّ من ستَّةِ أشهرٍ، فليسَ بمدبرٍ، وإن أتت به لستة أشهرٍ فأكثَر، فهو مدبرٌ، هكذا نصَّ عليه بها البويطي، وهو المعتمَدُ، فإن ماتتْ أو رجع في تدبيرها بالقولِ دامَ تدبيرُهُ، ولو دبر حملًا بمفرِهِ صحَّ، وإن باعَ أمةً حاملًا صحَّ، وكان رجوعًا عن تدبيرِهِ، ولا يبيعُ مدبرًا ولده قطعًا.
وجنايتُهُ كجناية لي، وكذا الجنايةُ عليه؛ لأن المدبر رقيقٌ، ويعتقُ بالموتِ، إن لم يذكرِ السيدُ شرطًا آخرَ بعد الموتِ، بحيثُ يبقَى التدبيرُ معهُ، فإن ذكرَ شرطًا آخرَ فلا يعتقُ بالموتِ، بل لا بدَّ بعدَ الموتِ من وجودِ الشرطِ الآخرِ.
ويعتقُ من الثُّلُثِ كلُّه أو بعضه بعد الدينِ، وبعد المقدم على الدين من مؤنِ التجهيزِ، وما يقدَّم عليها، وبعد ما تقدَّم على التدبيرِ من تبرُّعاتٍ منجزةٍ في المرضِ.
وإن علقَ عتقًا على صفةٍ تختصُّ بالمرضِ 9، كـ: "إنْ دخلتَ الدارَ في مرضِ موتِي فأنتَ حرٌّ"، عتقَ من الثلثِ، وإن احتملتِ الصحَّةُ فوُجِدَتْ في المرضِ فمن رأسِ المالِ في الأظهَرِ إذا وجدتْ بغير اختيارِ المريضِ، فإنْ وجدتْ باختيارِهِ كقولهِ: "إن دخلتُ أنا الدارَ فأنتَ حرٌّ"، ثم دخلَ الدارَ في

الجزء: 4 - الصفحة: 443

مرضِ موتِهِ، فإنّه يعتبَرُ من الثُّلثِ.
ولو ادَّعى رقيقُهُ التدبيرَ 10 فأنكرَ، فليسَ برجوعٍ، بل يحلفُ، ولو وُجِدَ مع مدبرٍ مالٌ فقال: "كسبتُهُ بعد موتِ السيدِ"، وقال الوارثُ: "قبلَهُ".
صُدِّقَ المدبرُ بيمينِه، وإن أقاما بينتينِ قدمت بينة المدبرِ على النصِّ 11.


الجزء: 4 - الصفحة: 444

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 39 فصل
جارٍ التحميل