التدريب في الفقه الشافعيصفحات 211-250

قال اللَّهُ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآيةَ، وفيه آياتٌ أُخرى 1. والأحاديثُ فيه كثيرةٌ بالفِعل والقَولِ 2. وأصلُه مُجمَعٌ عليه.
وهو لُغَةً 3: راجعٌ إلى مَادةٍ تدلُّ على فِراقٍ بإرْسالٍ، أو تَرْكٍ، أو حَلِّ وَثَاقٍ.
فمِن الإرسالِ: ناقةٌ أو نعْجَةٌ طالقٌ.

ومِنَ التركِ: طَلَّقْتُ البِلادَ.
ومِن حَلِّ الوَثَاقِ: أطلقتُ الناقةَ مِن عِقالِها، وإطلاقُ 1 الأَسيرَ يحتمِلُها، وطلاقُ الزوجةِ كذلك، وحلُّ الوَثَاقِ فيه معنوِيٌّ.
وقالَ الأعْشى 2 لِزَوْجتِهِ: "أجارتَنَا بِيني فإنَّكِ طالِقَة" 3. ويقالُ: امرأةٌ طالقٌ، وطلَّق الرجُلُ امرأتَهُ تطلِيقًا، وهي طَلقَتْ 4؛ بِفتحِ اللَّامِ وضمِّها، والفتحُ أشهرُ وأفصحُ، تطلُق بِضَمِّ اللَّامِ فيهما.
وعنِ الأخفشِ 5: لا يُقالُ "طَلُقَتْ" بِضَمِّ اللامِ.

وغيرُهُ نقَلهَا لُغةً، ورَجُلٌ مِطلاقٌ، وطُلَقَةٌ: بِضَمِّ الطاءِ وفتْحِ اللَّامِ والقافِ، كثيرُ الطَّلَاقِ.
وشَرْعًا: فِراقُ الزَّوجِ المُكلَّفِ بنفسِهِ أو نائِبِهِ اختِيارًا أوْ قهْرًا شَرعيًّا زوجتَهُ فِي نِكاحٍ صَحيحٍ، أو مَن أُلحقتْ بالزَّوجةِ، وهِيَ الرَّجعيَّةُ 1 بنَوعٍ مخْصُوصٍ على وجهٍ مَخصوصٍ.
فَخَرَجَ بالزَّوجِ: الوليُّ والسيِّدُ والأجْنَبيُّ، فلا مدخَلَ لِوَاحِدٍ منهُم فِي الطَّلَاقِ، وقدْ جاء حديثٌ يَعمُّ ذلك، وسببُهُ سيِّدُ العَبدِ، وهو ما رواهُ ابنُ عباسٍ -رضي اللَّه عنهما- قال: أتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رجُلٌ فقال: يا رسول اللَّهِ! سيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ، وهو يريدُ أن يفرِّقَ بيْننَا، قال: فصَعِدَ النبيُّ 2 -صلى اللَّه عليه وسلم- المِنْبَرَ فقال: "يا أيُّها الناسُ، ما بالُ أحدِكُم يزوِّجُ عبدَهُ أَمَتَهُ ثُمَّ يريدُ أَنْ يُفرِّقَ بينهُما، إنَّمَا الطَّلَاق لِمَنْ أَخَذَ بالسَّاقِ".
رواهُ ابْنُ ماجه بإسنادٍ فيه ابنُ لَهيعةَ 3. = له الأخفش الصغير بالنسبة إلى الأخفش الكبير أبي الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الهجري شيخ سيبويه وأبي عبيدة فلما ظهر علي بن سليمان ولقِّب بالأخفش أيضًا صار سعيد بن مسعدة هو الأوسط، والهجري الأكبر، وعلي بن سليمان الأصغر.
"البداية والنهاية" (10/ 273).

ورواهُ غيرُهُ بإسنادٍ فيه بقيَّةُ بنُ الوَليدِ 1. وعنْ عِصمةَ بنِ مالِكٍ نحوه، وليس فيه أنه زوَّجَه أمَتَهُ، رواهُ الدارَقُطنِيُّ 2. وقد جاءَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي حديثٍ حَسَنٍ فيه ذِكْرُ ابنِ آدَمَ، وفيه: "ولا طَلَاقَ = فقد رواه الحاكم من طريق بقية بن الوليد قال: حدثني أبو الحجاج المهري عن موسى ابن أيوب به، ورواه البيهقي عن الحاكم، ثم رواه البيهقي من طريق موسى بن داود عن ابن لهيعة عن موسى بن أيوب عن عكرمة مرسلًا لم يذكر ابن عباس قال: وروي من أوجه آخر مرفوعًا وفيه ضعف.
وقال البيهقي في "السنن" (7/ 370): وقد روينا حديث عكرمة مرة عن ابن عباس ومرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا: "إنما الطَّلَاق لمن أخذ بالساق" واللَّه أعلم.

لَهُ 1 إلَّا فِيمَا يملِكُ" 2.3

.................................. = والصواب: أن الضمير المتصل في كلمة "جده" يعود على شعيب، وتفصيله هكذا: عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب بن محمد عن جد شعيب، وهو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وهكذا جاء مسمى في أحاديث كثيرة.
وهناك الكثير من أقوال أهل العلم التي تثبت أن الجد هو عبد اللَّه بن عمرو؛ أكتفي منها بما نقله ابن تيمية: نقل شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوي" (8/ 8 - 9) احتجاج الأئمة برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فقال: "وأما أئمة الإسلام وجمهور العلماء، فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا صح النقل إليه: مثل مالك ابن أنس وسفيان بن عيينة ونحوهما، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ونحوهم.
قالوا: الجد هو عبد اللَّه فإنه يجيء مسمًّى" اهـ. وممن ذهب لذلك وقرره: أبو الفرج بن الجوزي، وأبو عبد اللَّه الذهبي، وأبو عبد اللَّه ابن قيم الجوزية، والحافظ ابن حجر.

السبب الثالث من أسباب الطعن في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ما وجد فيها من المناكير: قد تقدم أن عمرو بن شعيب في نفسه ثقة، ولا يستغرب وقوع الخطأ من الثقة، فإن هذا أمر لا يسلم منه أحد لا سيما إذا كان الراوي واسع الرواية، ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف؟! قال أحمد: ما رأيت أحدًا أقل خطأً من يحيى بن سعيد، ولقد أخطأ في أحاديث، ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف؟! ولكننا نقول في مقامنا هذا: هل الأخطاء والمناكير التي وجدت في رواية عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده تنسب إلى عمرو نفسه؟! فقد جاء في "الجرح والتعديل" (6/ 239) عن أبي زرعة أنه قال: "ما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر" اهـ. وحكى الحافظ في "التهذيب" عن يعقوب بن شيبة أنه قال: "ما رأيت أحدًا من أصحابنا ممن ينظر في الحديث وينتقي الرجال يقول في عمرو بن شعيب شيئًا، وحديثه عندهم صحيح، وهو ثقة ثبت، والأحاديث التي أنكروا من حديثه إنما هي لقوم ضعفاء رووها =

وَخَرَجَ بالمكلَّفِ: الصبيُّ، والمجنونُ، ومَنْ زالَ عقلُه بغَيرِ مُحرَّمٍ، والمُغْمَى عليه والنائمُ؛ فلا يَقعُ طلاقُ واحدٍ مِنهُم 1. = عنه، وما روى عنه الثقات فصحيح" اهـ. السبب الرابع في تضعيف رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كونها صحيفة: قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (18/ 8 - 9): "وقد ثبت عن أبي هريرة أنه قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول اللَّه أحفظ مني إلا عبد اللَّه بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعي بقلبي ولا أكتب بيدي".
وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقالوا: هي نسخة..." ثم قال: "وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي، كان هذا أوكد لها وأدل على صحتها" اهـ. وانظر "نصب الراية" (1/ 58)، "الميزان" (3/ 266)، "فتح المغيث" (3/ 155 - 156).

ولا يُتصوَّرُ أن تُطَلَّقَ زوجةُ الصبيِّ إلا فِي صُورةٍ على وجْهٍ ضعيفٍ، وهي: ما إذا أَعْسَرَ بالنفقةِ، وفُرِّق بينهما بذلك 1، فإنَّها فُرقةُ طلاقٍ على وجهٍ شاذٍّ.
ولا يُتصورُ طلاقُ زوجةِ المجنونِ والمُغمَى عليه 2 فِي غَيْرِ الإعْسارِ إلا فيما إذا علَّقَ طلاقَها فِي حالِ التَّكليفِ بِصِفَةٍ، فوُجِدتْ، وهو غيرُ مُكَلَّفٍ.
ويُتصَوَّرُ طلاقُ زوجةِ النائِمِ 3 فِي غيرِ ذلك من وكيلِهِ.
ودخلَ فِي المكلَّفِ: السفيهُ والمريضُ، فإنه يقعُ طلاقُهُما قَطْعًا، والسَّكرانُ فإنه يقعُ طلاقُهُ على المَذهبِ، وهو مُكلَّفٌ على النصِّ المُعتمَدِ عندَ الأصحابِ 4. وما وقَعَ لِصاحِبِ "الرَّوضةِ" 5 فيها 6 وفِي غيرِها مِن أنَّه غَيْرُ مُكَلَّفٍ = فلا صلاة عليه وإذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف للحديث سواء قل زمن الجنون والإغماء أو كثر هذا مذهبنا.

ويقعُ طلاقُه؛ لَيْسَ بمُعتمَدٍ.
ويَقعُ على ما رجَّحوه طَلاقُ مَنْ زالَ عقلُهُ بمُحَرَّمٍ، كمَنْ شرِبَ دواءً 1 مُجَنِّنًا معَ العِلْمِ بالحالِ لا لِغرضٍ صَحيحٍ.
ولو سَكِرَ بمحرَّمٍ، ثُم جُنَّ وهو سَكرانُ لا بِسَببِ السُّكْرِ، فقياسُ ما ذكرُوه فِي الصلاةِ أنهُ يَقعُ طلاقُهُ فِي الزَّمَنِ الذي ينْتَهِي إليه السُّكْرُ لا فيما بعْدَ ذلك 2. والصوابُ فِي المَجنونِ بالمحرَّمِ أو مع السُّكْرِ المُحرَّمِ أنهُ لا يَقعُ طلاقُهُ، وإنْ وقعَ طلاقُ السَّكرانِ غيرِ المجنونِ لِظُهورِ الفرْقِ 3. ونَصَّ الشافعيُّ فِي المَنثورِ فِيمَن نَطَحَ غيرَهُ فانْقلبَ دماغُهُما أنه 4 لا يقَعُ طلاقُهُما.

ومَن وَقَعَ طَلاقُهُ بِسَببِ غَيبَةِ العَقْل بالمُحرَّمِ ينفُذُ تصرُّفُه على فتواهُم قَوْلًا كان أو فِعْلًا عليهِ أوْ لَهُ، ومِنه إسلامُه أو رِدَّتُهُ، لا صلاتُهُ وأذانُهُ كما سَبقَ ونحوُهما.
وكيفَ يَستقيمُ فِي مَجنونٍ دَامَ جُنونُهُ أن تنفُذَ تصرُّفاتُهُ معَ عَدَمِ التمييزِ ويَصيرُ مُتخَبِّطًا فِي أحوالِهِ وأقوالِهِ؟! هذا خرْقٌ لا يَنبغِي المَصِيرُ إليه، ولو خَصَّ ذلك بِحالةِ عمَلِ 1 الدَّواءِ لكَانَ لَه وجْهٌ.
والصوابُ ما قدَّمناهُ وِفاقًا للنَّصِّ والمُحَقِّقيينَ.
وشَمَلَ بنفْسِه أو نَائبِه: الحُرَّ والعَبْدَ والجَرْحَ والجادَّ والهازلَ.
وفِي الهَازلِ وجْهٌ، وتصرُّفُه صَحِيحٌ، ولَو نِكاحًا على الأصحِّ، خِلافًا لِمَا فِي "الحاوي الصغير" 2. واختيارًا: يُخرجُ 3 المُكرَهُ بغير حقٍّ 4، فإنَّهُ لا يَقعُ طلاقُه إذا وُجدَتْ بَقيةُ الشُّروطِ المُعتَبَرَةِ فِي ذلك 5، وهي:

  • أن يكونَ الظالمُ قادِرًا على إيِقاعِ ما هدَّدَه به 1، والمَظلومُ عاجزًا عن الدفْعِ بفِرارٍ ونحوِهِ.
  • وأنْ يغلِبَ على ظَنِّ المَظلومِ أنَّهُ إذا امتنَعَ مِمَّا طَلَبَهُ مِنه أوْقَعَ به المَحذورَ.
  • وأن لا يَعِدَه بِمَا 2 يَظْهَرُ 3 تأخُّرُه 4 كقولِهِ: "إنْ لَمْ تُطلِّقْ فَعَلْتُ بكَ كذَا 5 غدًا"، فأمَّا لو قال: "فعَلتُ بِكَ" أو "أفعلُ بِكَ" قال معه: "الآنَ" أو 6 لَمْ 7 يقُلْهُ، فإنَّه إكراهٌ 8. = عباس وابن عمر وغيرهم، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وأبي ثور وأبي عبيد.
    راجع "الكافي" (2/ 571) و"مغني المحتاج" (3/ 289) و"المغني" (7/ 118).

ويَنبغِي فِي المتأخِّرِ أو 1 القَريبِ جِدًّا أو الذي يغلبُ بِمقتضَى عادتِهِ فِي أمثالِهِ حُصولُهُ أَنْ يكونَ إكْرَاهًا.

  • وأن لا يَظهَرَ مِنَ المَظلُومِ ما يدُلُّ على اختيارِهِ، فإنْ ظَهَرَ وقَعَ الطَّلَاقُ، وذلك بأنْ يعدِلَ عنِ المَطلوبِ إلى غيرِهِ، ولو كان المطلوبُ داخِلًا فيه كقولِهِ: "طلِّقْ 2 واحدةً"، فطلَّق ثلاثًا، أو بالعكسِ، أو "طلِّقْ فُلانةً"، فطَلَّقَ غيرَها، أو بالصريحِ فعَدَلَ إلى الكِنايةِ، أو عكسِهِ، أو مُعَيَّنَة، فأَبْهَمَ، أو عكسِهِ 3.
  • ولا يُشتَرَطُ الفَوريةُ وإن لمْ تحصُلْ دهشةٌ، ولكن يُشتَرَطُ أن لا يَنوِيَ الطَّلَاقَ.

ضابطٌ 4: يَنقلبُ 5 صريحُ الطَّلَاقِ كِنايةً هُنا وفيما إذا كَتَبَهُ، وفِي نحو: "أنتِ كظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ".

والذي يكونُ التَّخويفُ به إكرَاهًا 1 هُو 2 أن يُكرِهَهُ بمَحذورٍ يؤثِرُ العاقِلُ الإقْدامَ على ما طُلِبَ منه؛ حَذَرًا مما خُوِّفَ به، ومنه الشتمُ لذي قَدْرٍ 3 وإتْلافُ المالِ وأخْذُهُ إكْراهًا، ويختلِفُ ذلك باختلافِ النَّاسِ على المُختارِ.
والوكيلُ فِي الطَّلَاقِ لو وُجِدَ فيه الشَّرطُ 4 لَمْ يَقعْ طلاقُهُ على الأصَحِّ 5. ولو قالَ مستحِقُّ القِصاصِ: "طلِّقِ امرأتَك وإلا اقتصَصْتُ مِنكَ"؛

فطلَّقَ 1، وَقَعَ، كذا قالُوه، وعلى فتواهم فهو مكرَهٌ بِحَقٍّ 2. والمُولِي إذا أكرهَهُ القاضي على الطَّلَاقِ المطلوبِ شَرْعًا حتى طلَّقَ 3 وَقَع 4، وكذا لو طلَّقَ القاضي عليه، وهو المُرادُ بقولِنا: "أوْ قهْرًا شرْعِيًّا" 5 6. ومِن هنا 7 يصحُّ بيعُ المَديونِ إجْبارًا، وإسلامُ 8 الحربيِّ والمُرتدِّ لا الذميِّ على الأصَحِّ 9. ولو قال الزوجُ لآخَرَ: "طلِّقْ زوجَتِي وإلا قتلتُكَ" 10 -مثلًا- فطلَّقَها، وَقَعَ؛ لِأنَّه أبلغُ فِي الإذْنِ 11.

وحيثُ قالوا فيه قَوْلَ 1 المُكْرَهِ، فمُرادُهُم مَن حَلَفَ باختيارِهِ، ووُجدتِ الصِّفةُ بالإكراهِ.
والأصحُّ فيه عدمُ الوُقوعِ كما سَيأتي، وليس مرادُهُم ما نحنُ فيه.

ضابطٌ: لا يصِحُّ مع الإكرَاهِ بالشُّروطِ المُعتبَرةِ شيْءٌ مِنَ التَّصرُّفاتِ 2، ولا يَصيرُ مُرتدًّا مَن تلفَّظَ بكَلِمةِ الكُفْرِ مُكرَهًا لِقَولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ 3. ولا يترتَّبُ مع الإكراهِ أثرُ ما أُكْرِه عليه، إلا أن مَن 4 أحدَثَ مُكرَهًا تَجِبُ عليه الطهارَةُ، ونحوُها مما يترتَّبُ على الحَدَثِ.
وكذلك تَبْطلُ صلاةُ مَن تكلَّمَ مُكْرَهًا، ونحوُ ذلك، ويَلزمُهُ القضاءُ إذا أخرَجَ الصلاةَ عن وقتِهَا مُكرَهًا حيثُ تصور.
وكذلك يَفوتُ بالإكراهِ ما وقِّتَ مِن عبادَةٍ وَوَكالةٍ ومساقاةٍ وإجارةٍ.

ويَثبتُ مع الإكراهِ تَحريمُ الرَّضَاعِ، والربيبةِ بوَطْءِ أُمِّها كُرْهًا، وأمةِ الفَرْعِ

بِوَطءِ الأصلِ مُكْرهًا، ويتقرَّرُ بالوَطْءِ مَكرهًا 1 المُسمَّى الصحيحُ، ومهرُ المثْلِ عند فَسادِ التَّسميةِ.
وقد يَجِبُ 2 مَهْرُ المِثْلِ فِي غيرِ ذلك.
وتَزولُ بَكارَةُ مَن وُطِئَتْ حتى زالتْ بكارتُها مُكرَهَةً 3، وتَنتقِلُ إلى حُكْمِ الثَّيبِ.
وتَسقطُ نفقةُ مَنْ أُكرِهَتْ على الخُروجِ مِن منزلِ زوجِها، وحِيْلَ بَيْنَهَا وبينَ الزَّوجِ يومًا فأكثَرَ مَثَلًا، وفِي صاحبِ 4 الوَظيفَةِ نظرٌ، ولم أَرَ مَن جَمَع ذلك.
والمُكْرَهُ على إتلافِ المالِ، وكذا على تسليمِ ما 5 هُو مُؤتَمنٌ عليه طَريقٌ فِي الضَّمانِ على الأصحِّ.
والقياسُ يُقرِّرُ النِّصفَ على مباشِرِ الإتلافِ مُكْرهًا، كما سَيأتِي في 6 القِصَاصِ.
ويَرْتفِعُ التحريمُ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ أُكرِهَ علَيه إلا القتلَ والزِّنى، وسَيأتِي حُكْمُ كُلٍّ فِي بابِه.

ولا يصلُ شَيْءٌ منها إلى الوُجوبِ إلَّا إتلافُ المالِ على ما فِي "الحاوي الصغير" 1. والتحقيقُ خلافُهُ.

وخَرَجَتِ الأَجنبيةُ بقَولِنا: "فِراقُ الزَّوجِ زَوجتَهُ"، فلا يقعُ الطَّلَاقُ على الأجنَبيةِ، ولا بالتعليقِ على غيرِ النِّكاحِ اتِّفاقًا، ولا بالتعليقِ على النِّكاحِ على المَذْهَبَ، ودَخلتِ المرتدةُ بعد 2 الدُّخولِ، فإنَّها إذَا طلقَتْ ثُم عادتْ إلى الإسلامِ فِي العِدَّة تَبيَّنَ وُقوعُ الطَّلَاقِ عليها، وكذلك حُكمُ طلاقِ الكُفارِ إذا قلنا بوقْفِ 3 أنكحتِهِم، وظَهَرَ تقريرُهُ بعدَ الإسْلامِ.

وقولُنا "فِي نكاحٍ صحيحٍ": يدخُلُ فيه نكاحُ الكُفارِ 4 المُصحَّحُ، ويخرُجُ به النكاحُ الفاسدُ، فلا يقعُ الطَّلَاقُ فيه خِلافًا لأبِي إسحاقَ المَرْوزيِّ، فإنهُ أوْقعَ الطَّلَاقَ فيما كان فسادُهُ مُختلفًا فيه للعُلماءِ وهُو النكاحُ بِلَا ولِيٍّ.
ويَنبغِي أن يكُونَ كُلُّ 5 مُختلَفٍ فيه نحوه فِي معناهُ.
ولو طَلَّقَ فيه ثلاثًا افتقرَ إلى مُحلَّلٍ عندهُ، والخلافُ فيما قيلَ الحُكمُ ببُطلانِه أو بِصحَّتِه.

[فإنْ حَكمَ بِبُطلانِه لَمْ يقعْ بعدهُ قَطْعًا أو بصحَّتِه] 1، وقُلنا: لا ينقضُ على ما صحَّحُوهُ، وقعَ قَطْعًا لِدخولِه فِي النِّكاحِ الصَّحيحِ.

وقولُنا: "أوْ مَن أُلْحِقَتْ بالزوجةِ" وهي الرجعيَّةُ، يَشمَلُ الرَّجعيةَ المعينةَ والمُبهمةَ، والتي عاشرَها مطلِّقُها 2 مُعاشرةَ الزَّوجِ بِلَا وَطءٍ، ومَضتِ الأقراءُ أو الأشْهُرُ 3، فإنهُ يَلحقُها طلاقُه ما لَمْ تَنْقَضِ عدَّتُها على فتوى القفَّالِ والقاضِي حُسينٍ وغيرِهما، وله رَجعتُها حينئذٍ عند القاضِي، خِلَافًا للقَفَّالِ، ومَنْ تَبِعه، وقد سَبقَ فِي الخُلعِ 4، وأما البائنُ فلا يَقعُ عليها طَلاقٌ، وإنْ كانَتْ فِي العِدَّة بلا خِلافٍ.

وقولُنا: "بنَوعٍ مَخصوصٍ": نُريدُ به ما يقعُ به الطَّلَاقُ مما يَصدرُ من الزَّوجِ مِنْ صَريحٍ أو كنايةٍ مع النيةِ.

وقولُنا "على وجهٍ مخصوصٍ": يَخرُجُ به ما إذا استَثْنَى بِمَشيئةٍ ونحوِها، وصورهُ 5 الدورِ على مُختارِ ابن سُريجٍ وعيرِه، وسيأتِي ذلك.

ثُمَّ للطلاقِ صَرائحُ و 1 كناياتٌ، ويُنجَّزُ على صفاتٍ مِنْ تَكْرَارٍ وغيرِهِ، وقد يكونُ هناك استثناءٌ بِغَيرِ المَشيئةِ أو بالمشيئةِ 2، وقد يكونُ معلَّقًا، وقد يكونُ مفوَّضًا للزَّوجةِ 3، وهذه أمورٌ مُتَّسعَةٌ، فلنقتصِرْ منها على مقصودٍ حَسنٍ.

فصل في صرائح الطلاق وكناياته

الصريحُ 1 لُغَةً: ما دلَّ على بيانٍ أو خُلوصٍ 2. واصطلاحًا: ما اشتَهَرَ مِنَ الألفاظِ المُستعمَلةِ فِي محالِّها على وجهٍ مخصوصٍ.
وهو محصورٌ 3 هُنَا فِي رُجوعِه إلى واحدٍ مِن خَمسةِ أشْياءَ 4، وهي: الطَّلَاقُ، وكذا السَّراحُ، والفِراقُ على النَّصِّ المشهورِ فيهما، والخُلعُ 5، والمُفاداةُ، وقد سَبقَ 6 مع مَنعِ الطَّلَاقِ 7 بالعِوَضِ 8. فالصَّريحُ نحوُ: أنتِ، أو هذه، أو زَوجَتِي، أو فُلانة: طَالقٌ، أو: مُطلَّقةٌ -

بِفَتحِ الطَّاءِ وتَشديدِ اللَّامِ- أو: "يا طالقُ"، أو: "يا مُطلَّقةُ"، كمَا سَبقَ، أو: "طلقْتُ هذه"، أو: "أوقعتْ عليكِ طلاقِي"، أو: "وضَعْتُ عليكِ طَلاقِي"؛ على الأرْجحِ، أو: "طلاقُكِ لازِمٌ لي" عِند الأكثرِ، أو: "أنتِ لكِ طلقةٌ" عند البغَويِّ، والأرجحُ: أنَّهُ كِنايةٌ.
ويَستوِي فِي صُرَاحهِ 1 ما سَبقَ كلُّه اللغةُ العربيةُ وترجمةُ ذلك بِغيرِ العَربيةِ 2. أو: "فارقتُكِ" أو: "سَرَّحْتُكِ" -بفتحِ الراءِ المشدَّدةِ- وكذا: "أنتِ مُسَرَّحةٌ"، بفَتحِ السِّينِ وتَشديدِ الرَّاءِ، وكذا: "يا مُسَرَّحةٌ"، و: "يا مُفارَقةٌ 3 ". ولا يكونُ شيءٌ من الفِراق والسَّراح صريحًا بغيرِ اللغةِ العربيةِ على الأصحِّ.
ولو أسْقطَ المُبتدأَ فِي الصُّورِ كلِّها، أو حَرْفَ النِّداءِ بأنْ قالَ: "طالقٌ" 4

مَثَلًا، أو المفعولَ بأن قال 1: "طَلَقْتِ" ولمْ يَزِدْ علَيه، فمُقتضَى المَنقولِ أنه لا يقعُ وإنْ نَوى.
وقدْ صَرَّحَ القفَّالُ وغيرُه بذلك فِي "طَلَقْتِ" لِعِلَّةٍ 2 أنه لم يَجْرِ 3 لِلْمرأةِ ذِكْرٌ، ولا دَلالةٌ، فهو كما 4 لو قالَ "امرأَتِي"، ونَوى: "طَالقٌ"، لا يَقعُ، وقد يُتوقَّفُ فِي ذلك عند السُّؤالِ أو الخُصومةِ.
ولو قالَ: "أنتِ طَال" وتَرَكَ القافَ، لمْ يقعْ، وإنْ نَوَى، بخلافِ "يا طَالِ"، فإنه يقَعُ بالنِّيةِ إذِ الترخيمُ مستعمَلٌ فِي النِّداءِ، ذَكرَه البُوشَنْجِيُّ، وهو المُختارُ 5. والعبَّاديُّ أَطلَقَ الوُقوعَ فِي "أنتِ طال"، ففِي "يا طال": أَوْلى 6. وقد سَبقَ الخُروجُ عنِ الصريح فِي "أنتِ علَيَّ كظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ".
ومِمَّا ليس بِصَريحٍ على الأصَحِّ: "أنتِ مُطْلَقةٌ" بإسْكانِ الطَّاءِ أو: "يا مُطْلَقة" بإسْكانِها، أو: "أنتِ طلاقٌ"، أو: "الطَّلَاق" أو: "أنتِ فِراقٌ" أو: "سَراحٌ" أو: "أنتِ طَلْقة" 7. ولو اشتَهَرَ لَفظٌ غيرُ ما سبق كقولِهِ: "حلالُ اللَّهِ عليَّ حَرامٌ" أو: "الحلالُ

عليَّ حرامٌ" أو: "أنتِ عليَّ حَرامٌ" أو قال فِي الحَلِفِ: "الحرامُ يَلزَمُني" أو: "عليَّ الحرامُ لا أفعلُ كذا" أو: "ما فعلتُ كذا" فكِنايةٌ على الأصَحِّ (1). وأمَّا البلادُ التي لَمْ يَشتهِرْ فيها ذلك لِلطَّلاقِ (2)، فليس بِصريحٍ فِي الطَّلَاقِ قَطْعًا.

وحُكمُ الصريحِ:

وقوعُ الطَّلَاقِ بِهِ مِن الزَّوجِ الذِي يقعُ طلاقُهُ، وإن لَمْ ينْوِ إيقاعَ الطَّلَاقِ، لكن يُشترَطُ 3 أَنْ يكونَ قاصِدًا للتلفُّظِ 4 بالجُملةِ التي يقعُ بِها الطَّلَاقُ لِمعنَى الطَّلَاقِ.
فلا أثرَ لتلفُّظِ 5 النائِمِ والمُغْمَى عليه والمَجنونِ، كما سَبقَ؛ لِعدَمِ القَصْدِ.12

وكذا الحاكي عن 1 غيرِهِ.
وكذا الفَقيهُ فِي تقريرِهِ 2 وتدريسِهِ وتصويرِهِ 3. وكذا مَن سَبقَ لسانهُ، أو أُكرِهَ كما سَبَق، أو لُقِّنَ كَلمةَ الطَّلَاقِ بِغَيرِ لُغتِهِ وهو لا يَفهَمُ مَعناها، فإنَّه لا يقعُ الطَّلَاقُ.
وكذا لو قال: "أردتُ معناها عند أهلِها" على الأصحِّ.
ولو قال: "لَمْ أعلمْ أنَّ معناها قطْعُ النِّكاحِ، ولكنْ نَويتُ به الطَّلَاقَ" لَمْ يَقعْ قَطْعًا، كما لو خاطَبَهَا بكلمةٍ لا معنى لها، وقال: "أردتُ الطَّلَاقَ".
وكذا لا يقعُ الطَّلَاقُ على الأرْجحِ فِي صُورةِ الواعِظِ الذِي لَمْ يُعْطَ شَيئًا فقالَ لِلْحاضرينَ: "طلَّقتكُم" ولَمْ يدرِ أنَّ زوجتَهُ فيهِمْ، لأنَّهُ لَمْ يَقصِدْ معنى الطَّلَاقِ الشَّرعِيِّ 4. ولا تُشتَرَطُ مَعرِفةُ الزَّوجةِ، كما لَوْ خَاطبَ امرأةً بالطَّلَاقِ، وهو يَظنُّ أنَّها 5 غيرُ 6 زوجتِهِ فبانتْ زوجتُه، وَقَعَ طلاقُهُ.

وكذا لَو نَسِيَ أنَّ له زوجَةً، أو قَبِلَ له وليُّه أو وكيلُه نكاحَ امرأةٍ فقال: "زَوْجَتي طالِقٌ" أو خاطَبَهَا بالطَّلَاق، فإنَّها تطلُقُ على المَذهبِ.
وإنما يقَعُ الطَّلَاقُ بالصريحِ 1 إذا لَمْ يتلفَّظْ بما يرفعُه مع الانتِظامِ والقصْدِ له قبلَ فراغِهِ مِن جُملةِ الصرِيحِ، فإنْ وُجِد ذلك لمْ يقعِ الطَّلَاقُ نحوَ أن يقولَ: "أنتِ طالِقٌ مِن وَثَاقٍ"، أو: "مِن العَمَلِ"، أو: "سَرَّحتُكِ إلى مَوضعِ كذا"، أو: "فارقتُكِ فِي المنزلِ"، فلا 2 يقَعُ الطَّلَاقُ 3. ويلحقُ باللَّفظِ ما إذا نَواه مع القَرينةِ كما لو حَلَّها مِن وَثاقٍ، ثُم قال: "أنتِ طالِقٌ" وأرادَ: عن الوَثَاقِ، فإنَّه إذا ادَّعى هذه الإرادةَ يُقبَلُ ظاهرًا على الأصحِّ لِلْقرينةِ، وإِنِ انتظَم وأرادَهُ، ولكنْ لَمْ يتلفَّظْ به دُيِّنَ فيما سَبقَ.
وأمَّا فِي التَّعليقِ الرافِعِ لإعمالِ الطَّلَاقِ بالكلِّمةِ بأنْ قال: "أنتِ طالِقٌ"، ثم قال: "أردتُ إن شاء اللَّهُ"، فإنَّه لا ينفعُهُ ذلك ظاهرًا 4، ولا يُدَيَّنُ على المذهبِ.
ويقرُبُ منه: "أنتِ طالقٌ ثلاثًا" ثم يقولُ: "أردْتُ إلَّا واحدةً" أو: "أربعتُكُنَّ طوَالِقُ"، ثم يقولُ: "أردْتُ إلَّا فُلانةً" فلا يُقبلُ ظاهِرًا، ولا يُدَيَّنُ على الأصحِّ 5.

وإنْ كان المنْوِيُّ لا يَرفعُ إعمالَهُ بالكُليةِ، ولكن يُعَلِّقهُ 1 نحو: "أنتِ طالقٌ"، ثم يقولُ: "أردْتُ عندَ دُخولِ الدَّارِ" أو: "إنْ شاءَ زيدٌ" أوْ يُقيِّدُه 2 نحو: "أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدارَ" ثم يقولُ: "أردْتُ فِي هذا الشهرِ"، فإنه يُدَيَّنُ، ولا يُقبَلُ ظاهرًا.
[وإنْ كانَتِ الإرادةُ لِتخصيصِ عُمومٍ كـ: "نسائِي طوالِقُ"، ويريدُ: إلَّا فُلانةً، فإنه يُدَيَّنُ، ولا يُقبلُ ظاهرًا] 3 على الأصَحِّ، إلَّا إذا كان هناك 4 قَرينةٌ تدُلُّ على دعواهُ، بأنْ تُخاصمَهُ زوجتُهُ بجديدةٍ، فيقولُ: "كلُّ امرأةٍ لي طالِقٌ"، ويدَّعِي أنه أَرادَ غيرَ المُخاصِمةِ، فإنَّه يُقبَلُ ظَاهرًا على الأصحِّ 5. وكذا 6 لو ادَّعى فِي المُشتركِ أو ما يقرُبُ منهُ إرادةَ أحدِ مَعنييْنِ 7 نحو 8 أن يقولَ: "أنتِ طالِق ثلاثًا، بعضُهُنَّ للسُّنَّةِ وبعضُهُنَّ للبِدعةِ" 9، ثُم يقول: "أردْتُ واحدةً فِي الحالِ، وآخِرَتَهُنَّ 10 فِي الحالةِ الأُخْرى" فإنه يُقْبَلُ ظاهرًا على الأصحِّ.

وأمَّا إذا لَمْ ينتَظِمْ ما أتى به نحوُ أَنْ يقولَ: "أنتِ طالق طلاقًا لا يقعُ عليكِ" أو "أنتِ طالِقٌ إلا أنتِ أو ثلاثًا إلا ثلاثًا" فلا ينفعُه ذلك ظاهرًا عند التلفُّظِ، ولا يُدَيَّنُ عند إرادتِهِ قَطْعًا (1).

وأما الكِناياتُ

(2): فلا يقعُ بواحدٍ (3) منها طلاقٌ إلَّا أن ينويَ به التَّطليقَ المَفهومَ مِن الصَّريحِ السَّابِقِ، ويُعتبَرُ كونُ النيةِ مقرونَةً مِنْ أوَّلِ اللَّفظِ إلى آخِرِهِ على الأصَحِّ خِلافًا لِما فِي "الحاوي" (4) مِنَ الاكتِفَاءِ بأوَّلِهِ، ولِما (5) فِي "الروضة" (6) مِنَ الاكتفاءِ بآخِرِهِ أيضًا (7).

وضابطُ الكناياتِ:

أن يكونَ اللفظُ إشعارَ قُرْبٍ 7 بالفُرْقةِ، وقد أشار إلى ذلك الشافعيُّ رضي اللَّه عنه فِي "الأم" 8 وغيرُهُ، وذَكَرَ أشياءَ من ألفاظ الكنايات، فقال: وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِمَّا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ سِوَى هَؤُلَاءِ 9 الْكَلِمَاتِ -123456

يعني: الصرائح- فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ حَتَّى يَقُولَ: كَانَ مَخْرَجُ كَلَامِي بِهِ عَلَى أَنِّي نَوَيْتُ بِهِ طَلَاقًا، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: "أنتِ خليَّةٌ" 1 أو: "خلوتِ مني" 2 أو: "أنتِ 3 بريَّةٌ" 4 أو: "برئْتِ مني" 5 أو: "بائنٌ" أو: "بِنْتِ منِّي" 6 أو: "اذهَبِي" أو: "اعزُبِي" [أو: "اغرُبِي" 7] 8 أو: "تَقنَّعِي" أو: "اخرُجِي"، أو: "لا حاجةَ لي فيكِ"، أو: "شأنكِ بمنزلِ أهلِكِ" أو: "الزَمِي الطَّريقَ خارجةً"، أو: "ودعتُكِ" أو: "قد ودعتِينِي" 9 أو: "اعتدِّي" 10 أو: "أنتِ بتَّةٌ" 11 أو: "اسرِي" 12 أو:

"ادلُجِي (1) "، أو: "ذُوقي" أو: "اطعمي" أو: "أنتِ حُرَّةٌ".
وفِي نصٍّ قيل له: "أنتَ مع امرأتِكَ حرامٌ"، فقال: "لا" فقالتِ امرأتُهُ: "بلى" فقال: "شُدِّي يدَيكِ بنفسِكِ" أو: "تَمَتَّعي (2) بنفسِكِ" أو: "لا تَتزوَّجِي إلا خليفةً" فإنْ أرادَ طَلاقًا فهو طلاقٌ، وإن لَمْ يُرِدْه (3) فليس بِطَلاقٍ.

ومِن الكناياتِ: "

بتْلَةٌ 4 "، و: "حبلُكِ على غارِبِكِ" 5، و: "ولَا أَنْدَهُ سِرْبَكِ 6 " 7 و: "فَسَخْتُ نِكَاحَكِ" و: "اسْتَبْرِئِي"، ولو قبل الدخُول فيه، وفي:123

"اعتدِّي" على الأصحِّ 1. وسائرُ صَرائحِ العِتقِ وكناياتُهُ كنايةٌ فِي الطَّلَاقِ و"اسْتَبْرِئي"، وأمَّا: "كُلِي" فلَيْسَ بِكِنايةٍ على الأرْجحِ، خِلافًا لِمَنْ صَحَّحَ أنه كِنايةٌ، فإنه لا إشْعارَ له بالفُرقةِ إلا على بُعْدٍ 2 نحو: "كُلُي مِنْ مالِكِ، لأنِّي فارقتُكِ"، ونحوُه: "سلامٌ عليكِ" عِنْدَ المُفارقةِ، وأمَّا "بارَكَ اللَّهُ فِيكِ"، أو "اسقِينِي"، أو "أَطعمينِي"، أو "زَوِّدِيني"، أو ما 3 أشبه ذلك، فليس بكِنايةٍ على المَنصوصِ المَعمولِ به 4. ومثلُه "أغناكِ اللَّهُ"، أو "قُومِي" أو "اقعُدِي" أو "اغزلِي" أو "لمْ يبقَ بينِي وبينَكِ شَيءٌ"، خِلافًا لِما فِي "زياداتِ الرَّوضةِ" 5 فِي الأخِيرةِ؛ لأنَّه عُمومٌ، وفيه كَذِبٌ أو مبالغةٌ 6. وأمَّا "لا" فِي جَوابِ: "ألَكَ زوجةٌ؟ "، ففِي قولٍ: كِنايةٌ، وفِي قولٍ: ليس بِطلاقٍ وإنْ أرادَه؛ لأنه كذِبٌ مَحْضٌ، وهو المَقطوعُ به عند كَثيرٍ مِن الأصحَابِ، والأرْجَحُ الأوَّلُ، فقد صَحَّحُوا فِي قولِه مُبتدَأً: "لسْتِ 7 لِي بزوجةٍ"، أنه كنايةٌ 8.

وأمَّا "خلَوْتُ منكِ" و"برِئْتُ مِنكِ" و"بِنْتُ مِنْكِ" و"أنَا 1 مِنْكِ طَالقٌ"، فقد ساقَها الشافعيُّ 2 رضي اللَّه عنه فِي الكِناياتِ مَساقًا 3 واحدًا.
واعتبَرَ الجُمهورُ فِي هذه الألْفاظِ زِيادةً على نِيَّةِ أصْلِ الطَّلَاقِ 4 أن يَنوِيَ إضافتَه إلى المَرْأةِ، ولا يُتصوَّرُ انفِكاكُ الطَّلَاقِ الشَّرعيِّ عنْ إضافتِه إلى المرأةِ، فالمُعتمَدُ النَّصُّ.
وقال به أبو إسحاقَ، والقاضي حُسينٌ.
وأمَّا "اسْتَبْرِئِي رَحِمِي 5 مِنْكِ" فهو لَغْوٌ، وإنْ نوَى تَطليقَها 6. وأمَّا "أنتِ على حرامٌ" أو كالمَيتةِ أو الدَّمِ أو الخَمْرِ أو الخِنزيرِ، فإنْ نَوَى به الطَّلَاقَ كان طَلَاقًا، أو الظِّهارَ كان ظهارًا، [أوْ نَوَى بِهما جَميعًا فقيلَ: طَلاق، وقيلَ ظِهارٌ] 7، وصحَّحُوا أنَّه يَتخيَّرُ؛ فما اختارَه منهما ثَبَتَ، والتساقطُ أوْجَهُ، فيكونُ كما لَو لَمْ يَنوِهِما، أو وقُوعهما ولَمْ يَذكرُوهُما.
وإذا لَمْ يَنوِهما أو 8 نوى تَحريمَ عيْنٍ فَعليْهِ كَفَّارةُ يَمينٍ، وكذا لو أَطلَقَ على الأظْهَرِ.

وتلزَمُه كفارةُ يَمينٍ في: "أنتِ عليَّ حَرامٌ شَهْرًا"، وقيل: لَغْوٌ.
ولَو خَاطبَ الرَّجعيةَ بـ: "أنتِ عليَّ حرامٌ" ونحوِه، فلا كفَّارةَ على المَذْهَبِ.
وفِي المُحرِمَة والمعتدَّةِ عنْ شُبهةٍ وجْهانِ، الأرْجحُ الوُجوبُ إنْ لَمْ يَقصِدْ تَحريمَها الحاصِلَ بما ذَكَرَ.
وتحريمُ أَمَتِه الحلالِ له بِغيرِ نيةِ العِتْقِ يُوجِبُ الكفارةَ، ولا أثرَ لِتحريمِ طَعامٍ ولا شرابٍ عند الشافعيِّ رضي اللَّه عنه.
وفِي "فتاوى القفَّالِ" 1 ما يدل على أنه يُشترَطُ لإيقاعِ الطَّلَاقِ بالكِنايةِ معَ النِّيةِ أَنْ لا ينضَمَّ إلى لفظِ 2 الكِنايةِ ما لا 3 يَقتضِي الفُرقَةَ معَ نِيَّةِ الطَلَاقِ بمَجموعِ اللَّفظِ حتى لو قالَ: "اذْهبِي إلى بَيْتِ أبَويَّ"، ونوَى الطَّلَاقَ بمجْموعِ 4 لَفظهِ، لا يَقعُ، وإنْ نَواه بِقولِه: "اذهَبِي" وقَعَ، ويُقاسُ على ذلك غيرُهُ.
وما ذَكرَه مَمْنوعٌ، لِأنَّ قولَه: "إلى بَيْتِ أبَويَّ"، وإنْ لَمْ يَقتضِ الفُرقةَ، فلَيْسَ بِمانعٍ لإعْمالِ "اذهَبِي" مَعَ النِّيةِ 5 نَعَمْ، لَو قالَ: "اذْهَبِي غَيرَ مُطَلَّقةٍ"

ونوَى الطَّلَاقَ بالمَجموعِ لَمْ يَقَعْ، لأنَّ قولَه: "غيرَ مُطَلَّقة (1) "، منافٍ، فهو مانعٌ.

ضابط

ٌ: ليس شيءٌ مِن صرائحِ الطَّلاقِ والظِّهارِ كنايةً فِي الآخَرِ، نَصَّ عليه، واتفَقَ علَيه الأصحابُ.
وفِي "الأمِّ" و"البُويْطِي" إلْحاقُ الإيلاءِ بذلك، وهو متعيَّنٌ.
وأمَّا كناياتُ الطَّلَاقِ وكناياتُ الظِّهارِ، فإنَّها تُستعمَلُ فِي الآخَرِ بالنِّية المعتَبَرَةِ، ولا فَرْقَ بين قولِه: "أنتِ عليّ حرامٌ" أو: كالميتةِ، أو: كأُمِّي، أو: خَلِيةٌ، ونحوها.

قاعدة

ٌ: ما كان صريحًا فِي بابِه وَوَجَدَ نَفاذًا فِي المَحَلِّ المُخاطبِ به لا يكونُ كِنايةً فِي غيرهِ حِينئِذٍ.
فلَوْ قال لِزَوجتِه: "أنتِ طالقٌ"، ونوى الظِّهارَ، أوْ "أنتِ عليّ كظَهْرِ أُمِّي" ونوَى الطَّلَاقَ، لمْ يَقعْ ما نَواه، ويقعُ مُقتضَى الصَّريحِ لِوُجودِ المَحَلِّ المُخاطَبِ الذي ينفُذُ فيه.
1

وقدِ استُثنِي مِنَ القاعدةِ مَواضِعُ:

منها: ما سَبقَ مِنْ قَولِه: "أنتِ عليَّ حرامٌ"، وشِبْهُهُ، فإنه صريحٌ 1 فِي إلْزامِ الكفَّارةِ إذا خَاطبَ به زوجةً، أو أَمَةً، ولو 2 نوَى فِي زَوْجته طلاقًا أو ظِهارًا منها 3، أو فِي أَمَتِه عِتْقَها نَفَذَ ما نواه، ولا تلزمُ الكفارةُ.
والتَّحقيقُ لا استثناءَ، فالصريحُ ما اشْتهرَ 4 فِي معْنَاهُ، ولُزُومِ الكفارةِ ليس معنى: "أنتِ عليَّ حرامٌ" وشبهه، وإنما ذاك حُكْمُ رُتبةِ الشَّرعِ على التلفُّظِ بذلك.
ومنها: قال لِزَوجتِه المُعَيَّنَةِ المُتَمكِّنِ مِنْ فَسخِ نِكاحِها: "فَسَخْتُ نكاحَك"، ونوَى بِذلك طَلاقَها، فقَدْ صَحَّحُوا أنه طلاق 5 مَعَ أن الفَسخَ صَريح فِي رَفْعِ نِكاحِ المَغيبةِ بِحَيثُ تَبِينُ مِنه 6 مِن غَيْرِ طَلاقٍ، فقدْ وجد نفاذًا حينئِذٍ، وقدْ صارَ كِنايةً فِي الطَّلَاقِ، وكأنَّهما 7 لمَّا اشتركَا فِي الفُرْقةِ لَمْ يَكنْ مُغايرًا له مِن كُلِّ وَجْهٍ.
ومنها: وَكَّلَ سيِّدُ الأمَةِ زَوْجَها فِي عِتْقِها، فقال الزوجُ: "أعتقتُكِ" 8 ونوَى طَلاقَها، أو طَلَّق ونوَى العِتْقَ، أو وَكَّلَ الزوجُ السيدَ فِي طلاقِها، فقال

لها السيِّدُ: "طلقتُكِ"، ونوَى عِتْقَها، أو: "أعتقْتُكِ" (1) ونوَى طلاقَها، فاعْتِبارُ النِّيةِ فِي ذلك لاشتِراكِ الطَّلَاقِ والعِتْقِ فِي إِزالةِ المِلْكِ.
ومِنها: "تصدقْتُ" صريحٌ فِي التَّمْليكِ، فإنْ نوَى به الوَقْفَ على الجِهَةِ العامَّةِ انصرَفَ عَن صَريحِ التَّمليكِ إلى ما نَواهُ، كما سبَقَ فِي الوَقفِ، وسببُه: اشتراكُهما فِي إطْلاقِ الصدقةِ كما سَبقَ قَبْلَه، وعلى ما ذُكِرَ مِنَ الجوابِ لا استِثْناءَ، ويَظْهرُ مِن ذلك (2) الجوابُ فِي غيرِه وترَكْنَا أشْياءَ مِمَّا يُستثْنَى على رأيٍ مَرجُوحٍ.

ضابط

ٌ: لا يَقومُ مَقامَ اللفظِ صريحًا كان أو كنايةً فِعْلٌ إلا 3 فِي مَوضِعَينِ: أحدُهما: الإشارةُ مِن الأخْرَسِ، فإنها قائمةٌ مَقامَ لَفظِه فِي جَميعِ العُقودِ والحلولِ 4، إلا فِي إبطالِ الصَّلاةِ، فلَو طَلَّقَ أو باعَ فِي الصَّلاةِ بإِشارتِه عامِدًا 5 عالمًا لَمْ تَبطُلْ صَلاتُه على الأصَحِّ.
ويُمتَحنُ به فيقال: رَجُلٌ طَلَّقَ زَوجتَه، وهو 6 فِي الصلاةِ، فِي حالةِ العَمْدِ12

والعِلْمِ ولَمْ 1 تَبطُلْ صلاتُه، ولا يُعرَفُ فِي غَيْرِ هذا.
وأمَّا الناسِي للصلاةِ وجاهلُ تحريمِ الكلامِ فيها، فإنه قد يُتصوَّرُ فيها 2 ذلك، وأوْقعَ البغويُّ طلاقَه بإشارَتِه المَفهومةِ 3 وإنْ لَمْ يَنوِ الطَّلَاقِ.
والمَعمولُ به أنَّ إشارتَه منها ما هو صَريحٌ، وهي ما يَفهَمُ منها الطَّلَاقَ مَن وقَفَ عليها، ومِنها كنايةٌ وهيَ التِي يَختصُّ بِفَهمِ الطَّلَاقِ منها الذَّكِيُّ.
وقالَ المُتولِّي: إنَّما تُعتبَرُ إشارتُه إنْ لَمْ يَقدِرْ على الكِتابَةِ، فإنْ قَدَرَ كَتَبَ الطَّلَاقَ، وكَتبَ: إني قَصدْتُ الطَّلَاقَ، والمَشهورُ الأولُ.
المَوضِعُ الثاني: الكِتابةُ، ولا بُدَّ فيها مِنَ النيَّةِ، ولو كَتَبَ الصريحَ كَمَا تقدَّمَ.

فصل في الطلاق المنجز على صفات من تكرار وغيره

كان الطَّلَاقُ فِي صَدْرِ الإسلامِ غَيرَ مَحصورٍ بالثلاثِ، ثُم نُسخَ ذلك، وانْحصَرَ فِي حَقِّ الحُرِّ فِي ثلاثٍ 1، ولَو يكونُ زوجتُهُ 2 أَمَةً، ومَنْ فيه رِقٌّ لا يَمْلِكُ إلا طلْقَتَينِ، ولو تكون 3 زوجتُه حُرَّةً.
فإنْ رَقَّ الحُرُّ قَبْلَ أن يُطَلِّقَ زَوجتَه، ثُمَّ جَدَّدَ نِكاحَها، وهو رَقيقٌ لَمْ يَملِكْ عليها إلا طَلْقَتَينِ.
وإنْ كان قد طَلَّقَ قَبْلَ ذلك واحدةً لَمْ يملِكْ إلا واحدةً [على الأصح] 4. وإن طَلَّق ثِنْتَينِ قَبْلَ الرِّقِّ وبانَتْ مِنه فله 5 تَجديدُ نِكاحِها على الأصحِّ.
وإنْ عَتَقَ العَبْدُ قبْلَ أن يُطَلِّقَ زَوْجتَه مَلَكَ عليها الثلاثَ، وإنْ عَتَقَ بعْدَ أَنْ طَلَّق واحدةً مَلَكَ عليها طلقَتَينِ.
ولو طَلَّق ثِنتَينِ ثُمَّ عَتَقَ، لَمْ تَحِلَّ له إلا بمحلَّلٍ على الأصَحِّ.
ولو عَلَّقَ الثانيةَ بعِتْقِهِ لَمْ يَحتَجْ إلى مُحَلِّلِ قَطْعًا.

ولو قال لِزَوْجتِهِ: "إنْ ماتَ سيِّدي، فأنتِ طَالق طلْقتَينِ"، وقال السيدُ: "إنْ مُتُّ فأنْتَ حُرٌّ"، فماتَ السيِّدُ وعَتَقَ، لَمْ يَحتجْ إلى مُحَللٍ على الأصحِّ.

وضابطُ ذلك وما 1 سبَقَ فِي إسلامِ العَبدِ وعِتْقِهِ ونحو ذلك أن يُقالَ: ما يَتعلقُ بالحرِّيَّةِ 2 والرقِّ مِنْ عَدَدٍ فِي ذلك ونحوِهِ أنه إذا تَبدلَ الحالُ مِن حُرِّيةٍ إلى رِقٍّ وعكسِهِ: فإنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِن القدْرِ المُشترَكِ بيْنَ الحالَتَينِ فالعِبرةُ بالحادثِ لا بالزائلِ 3 [وإنْ لَم يَبْقَ شَيءٌ لا مِن القَدرِ المُشترَكِ فالعِبرةُ بالزائل لا بالحادِثِ] 4. ويَدخُلُ فِي هذا بعضُ صورِ القَسْمِ بيْنَ الحُرةِ والأَمَةِ، ثُم تَعتَقُ الأَمَةُ، وبعضُ صورِ العَددِ وستأتِي، ولا يَدخلُ فيه الجَدُّ، فإنَّه لا يَتغيرُ الوَاجبُ فيه بِتَبَدُّلٍ 5 الحالِ مُطْلقًا، ولا عَقْدَ على تكْمِلةِ 6 الأرْبعِ بعد العِتْقِ مُطْلَقًا.
وتَكريرُ لَفظِ الطَّلَاقِ يَكونُ بِتكريرِ الجُملةِ مِن مبتدَإٍ وخَبَرٍ وفِعلٍ وفَاعلٍ.
فالأولُ: نحو: أنْتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ 7.

والثاني نحو: طلقتُكِ طلقتُكِ.
فإن بانَتْ بالطَّلقةِ الأُولى، لِأنَّها بِعِوَضٍ، أو لِأنَّ الزَّوجةَ غيرُ مَدخولٍ بها، فإنه لا يَقعُ شيْءٌ لا غَيرُ تلك الطَّلقةِ بِلَا خِلافٍ 1، إلا فِي صُورَتَينِ يختَصَّانِ بِغَيرِ المَدخولِ بِها 2: إحداهما: إذا لَمْ يدخُلْ بها، ولكن استدخَلَتْ ماءَه ففيها وجهٌ قويٌ: أنها بِمنزلةِ المَدخولِ بها فِي الرَّجعةِ، فكذا 3 فِي وُقوعِ المُتعدِّد مِن الطَّلَاقِ، والأصحُّ خِلافُه.
الثانيةُ: إذا نزَّلْنَا 4 الخَلْوَةَ على القَديمِ منزلةَ الدُّخولِ، وَقَعَ المتعدِّدُ والمَذْهبُ خِلافُه.
وإذا لَمْ تحصُلْ بَينونةٌ، فإن قَصَدَ الاستِئْنافَ بالجُملةِ الثانيةِ وَقعَ طَلْقتانِ، وكذا إنْ أطْلَقَ 5 على أصَحِّ القَوْلَينِ.
وإنْ قصدَ بالثانيةِ تَأكيدَ الأُولَى 6 ووجِدَ الاتصالُ لَم تَقعْ إلا واحدةً.
وسكتَةُ العِيِّ أوِ التنفُّسِ لا تَمنعُ الاتصالَ.

ويُخالِفُ هذا البابُ بابَ الأَيمانِ باللَّه تعالى، فإنه إذا حَلَفَ مَراتٍ على شَيْءٍ واحِدٍ، ثُم حَنِثَ، فإنه لا تَلْزَمُه إلا كفارةٌ واحدةٌ: أكَّدَ أوْ أطْلقَ أو قصَدَ الاستِئنافَ على الأصَحِّ فيهِما؛ لأنَّ المحلوفَ به واحدٌ على شيْءٍ مُتحدٍ.
وفِي تَكريرِ الظِّهارِ لا يَلزَمُ 1 عند الإطْلاقِ إلا ظِهارٌ 2 واحدٌ على الأصحِّ، خِلافًا لِمَا فِي "الحاوي الصغير" 3؛ لأنَّ مُقتضاهُ التحريمُ، وهو حاصِلٌ بالأوَّلِ بخِلافِ الطَّلَاقِ الثاني المُنَجَّزِ.
وفِي تَكريرِ التَّعليقاتِ الفتوى عنْدَ الإطلاقِ: أنه لا يَقعُ إلا واحدةً، ويُتَّبَعُ فيه التأكيدُ معَ الانفِصالِ، وأطْلقُوا فِي "إنْ حلفتُ بطلاقِكِ فأنْتِ طالِقٌ"، وأعادَ؛ أنها تَطْلُقُ بِعَددِ المُعادِ، لِأنَّه فِي كُلِّ مُعَادٍ حَالفٌ مُطْلقًا، فيحِلُّ 4 ما قَبْلَه، ويُؤثَرُ فيما بَعْدَه، وفيه نَظرٌ 5. والأرْجحُ فِي تَكريرِ: "أنتِ عليَّ حَرامٌ" عند الإطلاقِ أنه بِتعدُّدِ الكفَّارةِ، لِأنَّه بِمنزلةِ الحانِثِ فِي كلِّ واحد إلا إذا قَصدَ التأكيدَ.
وإذا قال: "أنْتِ طَالقٌ طَالقٌ"، فكما سَبقَ.
ولو كرَّرَ: "أنْتِ طَالق"، أو: "طلقتُك ثلاثَ مراتٍ"، وقصَدَ بالثَّاني والثالِثِ تأكيدَ الأولِ وَوُجِدَ 6 الاتصالُ، لَمْ تَقعْ إلا واحدةٌ.

جارٍ التحميل