التدريب في الفقه الشافعيصفحات 291-316

يَسعُ التَّطليقَ، ورُجِّحَ، والأرْجَحُ الأوَّلُ.
ولو قالَ: "أنتِ طالقٌ اليوْمَ إذا جاءَ الغَدُ" لَمْ تَطلُقْ عند ابْنِ سُريجٍ وغيرِهِ، وهو الأصحُّ 1. ولو قال الحُرُّ: "مَتى طَلَّقتُكِ أو وَقعَ عليكِ طلاقِي فأنتِ طالق قَبْلَه ثَلاثًا"، أو مَنْ فيه رِقٌّ: "فأنتِ طَالقٌ قبْلَه طَلْقَتَينِ" أو 2 قال: "كلٌّ قبْلَ الدُّخولِ" أو: "لَمْ يَبْقَ إلا واحدةٌ فأنْتِ طَالقٌ قبْلَه" 3. فإنْ لَمْ تَمضِ لَحظةٌ تَسَعُ الحُكْمَ بالوُقوعِ بأنْ أَعْقبَ تعليقَه بالتنجيزِ وقعَ المنجَّزُ قَطْعًا.
وإنْ مَضَتْ ثُم نَجَّزَ، لَمْ يَقعْ على نصٍّ نُقِلَ، وأحدُ النَّقلَينِ عن ابْنِ سريجٍ، ورجَّحَه كثير، لا فِي تَطليقةٍ يطلُبُها فِي الإيلاءِ والحَكَمَينِ فِي الشِّقاقِ، بلْ يقعُ كما يَقعُ الفَسخُ في: "إنْ فسختُ بعتقِكِ فأنتِ طالق قبْلَه ثَلاثًا"، ولا فِي حالةِ نِسيانِ التعليقِ فيقَعُ؛ قلتُه تخريجًا.
ولَو طَلَّقَ الوَكيلُ وقعَ فِي "متى طلقتُكِ" ولا دَوْرَ.

والنَّقلُ الثاني عنِ ابنِ سريجٍ وصحَّحَه جمعٌ أنَّه يَقعُ المُنجَّزُ، وهو المُعتمَدُ فِي الفتوى.

وأما ما عُلِّقَ على الأفعالِ مِن إباحةٍ أوْ صِحَّةٍ كما لو قال: "إنْ وَطِئتُكِ وَطْئًا مُباحًا فأنتِ طَالقٌ قبْلَه" 1 فإنْ وَطِئَها لَمْ تَطلُقْ بِلا خلافٍ.
و"إذا لَمْ أُطَلِّقْكِ فأنْتِ طالقٌ" أو "مَتى" أو "مَهْمَا" أو "أي وقتٍ" أو "كُلَّما"، ومَضَى زمنٌ يُمكِنُ أَنْ يُطلِّقَها فترَكَه باخْتيارِه ذاكرًا تعليقَه وقعَ الطَّلَاقُ.
ويَتكرَّرُ فِي "كُلَّما" بمُضيِّ الأوْقاتِ فِي المَدخولِ بِها.
ولو قال: "إنْ لَمْ أُطَفَقْكِ فأنتِ طالقٌ" لَمْ تطلُقْ إلا باليأسِ، أو بِمَوتِ أحدِهما بعْدَ إمكانِ التَّعليقِ، وقبْلَ التَّطليقِ، فتطلُقُ قُبيلَ المَوتِ، ولَو اتصَلَ جنونُهُ 2 بالمَوتِ خِلافًا لِمَا جَزمَ به فِي "الشرح" و"الروضة" 3 مِن وُقوعِه قُبيلَ الجُنونِ تَبَعًا للإمام والغزَّاليِّ.
ولو فُسِخَ النِّكاحُ ولمْ يَحصُلْ تَجديدٌ 4 وَقعَ قَبْلَه فِي الرَّجعيِّ، وإن جُدِّدَ وَطلَّقَ بَعْدَ التَّجديدِ فقَدْ حَصلَ البُرْءُ على ما جَزمُوا به، وهو مَمنوعٌ، بلْ هُو كما لَم يُجدِّدْ، وكذا إن لَمْ يُطلِّقْ 5 فيه.

وأما التعليقُ بنفْي الضَّربِ ونحوِه: فاليأْسُ فيه بالمَوتِ، لا بالجُنونِ المُتصلِ بِه؛ كذا قالُوه، بعلَّةِ أنَّ الضربَ ونحوَه مِن المَجنونِ كالعاقِلِ، والصحيحُ: خِلافُه (1). وأمَّا لو أبانَها قبلَ الضربِ فقَدْ ذَكرُوا أنه لا يَقعُ شَيْءٌ.
والأرْجحُ وقوعُهُ قَبْلَ البَينونةِ رَجعيًّا.
و"أن" -بفتحِ الهمزةِ- للتَّعليلِ، فَتقعُ فِي الحالِ مِنْ عَارفِ ذلك (2).

وأمَّا التعليقُ على الحَملِ وضدِّه والحَيضِ

يَتبينُ به الحَملُ.
وما ذَكرَه 1 عنْ نَصِّ "الإملاءِ" في: "إنْ كنتِ حاملًا، فأنتِ طالقٌ على مائةِ دينارٍ"، وهيَ حاملٌ فِي غالبِ الظَّن مِن أنَّها إذا أَعطَتْه مِائةَ دِينارٍ تطلُقُ، وله عليها مَهْرُ المِثْلِ، ليس مَعمولًا بظاهِرهِ.
والذي يَبينُ 2 به حملُها أَنْ تَلِدَه لِدُونِ سِتةِ أشْهُرٍ مِن حِينِ التعليقِ، هذا فِي الوَلدِ الكامِلِ.
فإن وَلدتْ مُضغةً فيها تَخطيطٌ، وكان بيْنَ وِلادتِها وبيْنَ التَعليقِ ما زادَ لَحظةً 3 على ثَمانينَ يومًا، فما دُونَها طَلَقَتْ 4. ولا اعْتِبارَ 5 فيها ولا فِي العِدَّةِ مِائة وعِشرينَ يومًا؛ لأنَّ التَّخليقَ الظاهِرَ يَكونُ بعْدَ الثَّمانينَ.
وعلى قِياسِ ما ذَكُرُوه: إذا وَضعتْ مُخلَّقةً لِدُونِ مِائةٍ وعشرينَ مِنَ التَّعليقِ، طَلَقَتْ.
وإنْ وَضَعتْ مُضغةً لمْ يَظهَرْ فيها التَّخطيطُ، لَمْ تَطلُقْ؛ على الأرْجحِ، بِخلافِ انقضاءِ العِدَّةِ، ولَمْ يَذكرُوه.

وإنْ وَلدَتِ الكامِلَ لِسِتَّةِ أَشهُرٍ فما فَوْقَها ودُونَ أرْبعِ سِنينَ 1 أو المُخططةَ لأكثَرَ مما ذَكرْناه، واحَتمَلَ حُدوثُ الحَملِ بعْدَ التعليقِ بِوَطءٍ حادثٍ بَعْدَه، لَمْ تَطلُقْ.
وإنْ لَمْ يَحتِملْ، فظاهرُ القَولَيْنِ فِي الكامِلِ وُقوعُ الطَّلَاقِ، وخُرِّجَتْ عليه المُضغةُ، والخِلافُ مِن أجْلِ الترتيبِ الوَضعيِّ الذي يُمْكنُ انفِكاكُه، وله نظائرُ فِي الوَصيةِ وغيرِها، بخِلافِ الترتيبِ الشرعيِّ مِن النَّسبِ ونحوِه 2، فإنَّه يُقطَعُ بِثُبوتِه 3. وإنْ ولدَتْه لِأربعِ سنينَ فأَكثرَ: لَمْ تَطلُقْ.
وعنْدَ ظُهورِ الحملِ 4 يَجتنِبُ الزَّوجُ زَوجتَه 5 وُجوبًا، وقبْلَه صحَّحُوا أنه لا يحرُمُ الاستمتاعُ، وظاهِرُ النصِّ: التحريمُ، وهو الأرْجحُ.
ويَرتفِعُ التَّحريمُ بأنْ تَحيضَ؛ نصَّ عليه، وهو الأصَحُّ.
وفِي أَثناءِ الحَيضِ له أَنْ يَستمتعَ بغَيرِ الوَطءِ، كما 6 إذا لَمْ يَكنْ تَعليقٌ، فإذا طَهُرَتْ أُبيحَ الوَطءُ بِشَرْطِه.
فإنْ لَمْ تَكنْ حاضَتْ أصْلًا فلا بُدَّ مِن ثلاثةِ أشْهُرٍ وِفاقًا للقفَّالِ، بِخلافِ الاستبراءِ.

فإذَا مَضتْ ولَمْ يَظهَرْ حَمْلٌ فلَهُ الوَطْءُ.
وإنْ كانَتْ آيسةً لَمْ تَحتَجْ إلى الاستِبراءِ إنْ كان يبعُدُ 1 حمْلُها، كما لا يُحتاجُ إليه فِيمنْ حاضَتْ قَبْلَ التَّعليقِ، ولَمْ يَحدثْ بعدَه وَطْءٌ.
ولو علَّقَ الطَّلَاقَ على عَدمِ الحَملِ فِي صَغيرةٍ أوْ آيِسةٍ لا يَحبَلُ مِثْلَهَا طَلَقَتْ فِي الحالِ.
وأمَّا التي يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ حاملًا فيَجبُ اجتنابُها، فإنْ وَلدتْ بِحَيثُ يَتبينُ أنَها كانتْ حَاملًا عندَ التَّعليقِ: فلا طَلاقَ.
وإنْ ولدَتْه بِحيثُ يَتبيَّنُ أنَّها لَمْ تَكنْ حاملًا عِند التعليقِ: طَلقَتْ 2. وإنْ وَطِئَها بعْدَ التعليقِ، وأَتَتْ به بعد الوَطءِ لِستةِ أشْهُرٍ، فأَكْثرَ، ودُونَ أرْبعِ سِنينَ مِنَ التَّعليقِ، فالأصَحُّ أنَّها لا تَطلُقُ، لاحتِمالِ أَنْ تَكونَ حاملًا عِنْدَ التَّعليقِ.
وما صحَّحَه فِي "الروضة" 3 تَبَعًا للشرحِ مِن وُقوعِ الطَّلَاقِ مَمْنوعٌ.
وإنْ علَّقَ الطَّلَاقَ بِيَقِينِ بَراءةِ رَحِمِها مِنَ الحَملِ لَمْ تَطلُقْ بِمُضِيِّ أرْبعِ سِنينَ، ولا تَلِدُ أو تَلِدُ قبْلَ ذلك.
ويَمضِي بعْدَ الوِلادةِ سِتةُ أشْهُرٍ ولا تَلِدُ، ويكونُ ذلك فِي السِّنينَ الأرْبعِ أو تَلدُ الثاني بعْدَ السنينَ الأرْبعِ.

ولو كان لِدُونِ سِتةِ أشْهُرٍ مِن وِلادَةِ الأوَّلِ إنْ وقعَ ذلك، ولَمْ أرَ مَنْ تَعرَّضَ لذلك.
ولَو قال: "إنْ كُنتِ حاملًا بذَكَرٍ 1 " أو: "إنْ كان فِي بَطنِكِ ذَكَر فأنْتِ طَالقٌ واحدةً"، و: "إنْ كُنتِ 2 حاملًا بأُنْثَى" أو: "إن كان فِي بَطنِكِ أُنثَى فأنتِ طالقٌ طلْقَتَينِ" فوَلدَتْ واحدًا مِنهُما بِحيثُ يَظهَرُ أنَّها كانَتْ حاملًا به وقْتَ التَّعليقِ بِتبيُّنِ وُقوعِ ما علَّقَه عليه عند التلفُّظِ بالتعليقِ.
وإنْ ولدَتْهُما تَبيَّنَ وُقوعُ الثلاثِ.
أوْ خُنثَى فَواحدةٌ يَقينًا، وتُوقَفُ الأُخرى حتى يَتبيَّنَ حالُه؛ كذا فِي "الروضة" 3 تَبَعًا للشَّرحِ فِي صُورةِ الذُّكورةِ والأُنوثةِ فيما نحن فيه، وهو يَقتضِي وُقوعَ الطَّلَاقِ عند التَّعليقِ، إمَّا معه أو عَقِبَه 4 على اختلافِ الوَجهَينِ فِي الشَّرطِ والمَشْرُوطِ.
ويَلزَمُ مِن ذلك أَنْ تَطْلُقُ وهو نُطْفةٌ، وليس ذلك بِمُعتمَدٍ، وإنما تَطلُقُ إذا ظَهَرَتِ الذُّكورةُ والأُنوثةُ لِلمَلَكِ الذي يدخُلُ إلَيْها لِحَديثِ أبي سُرَيْحَةَ 5 فِي "صحيحِ مسلم" 6 عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إذا مرَّتْ بالنُّطفةِ ثِنْتانِ وأربعونَ ليلةً، بَعثَ اللَّهُ عز وجل إلَيْها مَلكًا فصوَّرها وخَلَقَ سَمْعَها وبَصرَها

ليلةً، بَعثَ اللَّهُ عز وجل إلَيْها مَلكًا فصوَّرها وخَلَقَ سَمْعَها وبَصرَها وجِلدَها ولَحْمَهَا وعِظامَهَا، ثُمَّ قال: يا ربِّ، ذَكرٌ أَمْ أُنثَى؟ فيَقضِي ربُّك ما شاءَ ويَكتبُ المَلَكُ" (1). فما ظَهَرَتِ الذُّكورةُ والأُنوثةُ للمَلَكِ إلا فِي ذلك الوَقتِ، وفِي رِوايةٍ لِمُسلمٍ 1: "أرْبعونَ أو خمسٌ وأرْبعونَ لَيلةً".

فإنْ قيلَ: علقَ ذلك على ما في عِلْمِ اللَّهِ تعالى.
قُلْنا: التعليقُ يقَعُ على ما يَظهَرُ لِلْخَلقِ، ويُعتبَرُ لِصِحَّةِ التَّعليقِ زِيادةٌ على خَمسٍ وأرْبعينَ لِأنه القَدْرُ الأكْثرُ.

وإنْ قال: "إنْ كانَ حَمْلُكِ" أوْ: "إنْ كانَ ما فِي بَطنِكِ ذَكَرًا فأنْتِ طَالقٌ طَلْقةً"، وإنْ قال: "حَملك" أو: "ما فِي بَطنِكِ أُنْثَى فأنْتِ طَالقٌ طَلقَتَينِ 2 " فوَلدَتْ ذَكَرًا وأُنثى لمْ يقَعْ شَيْءٌ.
وإنْ وَلدَتْ ذَكرَينِ أو أُنثَيَيْنِ لَمْ يَقعْ شَيْءٌ أيضًا، وِفاقًا لِلشَّيخِ أَبي مُحمدٍ، ولِمَيلِ وَلَدِه؛ خِلافًا لِمَا صحَّحه فِي "الروضة" 3 تَبَعًا لِلشَّرحِ مِن الوُقوعِ تَبَعًا للحناطي والقاضِي الحُسينِ؛ لأنَّ انفِرادَ الحَملِ الذي فِي البَطنِ بِما ذُكِرَ (1).

شَرْطٌ ولَمْ تُوجَدِ الوَحدةُ.
وقولُهم: معناه: "وما فِي البَطنِ مِن هذا الجِنْسِ" 1 مَردودٌ، فإنَّ ذلك لا يَتبادرُ إلى الأَفْهامِ، فإنْ قَصَدَ المعلِّقُ ذلك عُمِلَ بِقَصدِه 2. ولو 3 قال: "إنْ ولَدْتِ فأنْتِ طالقٌ" فولَدَتْ ولدًا حيًّا أو مَيتًا ذَكَرًا أو أُنْثَى، وانفَصلَ الوَلَدُ بِتَمامِه طَلَقَتْ.
قال ابنُ كَجٍّ: لَو أَسْقطَتْ ما بانَ 4 فيه خَلْقُ آدَمِيٍّ بِتَمامِه 5 طَلقَتْ، وإنْ لَمْ يَتبيَّنْ فيه خَلْقُ آدَمِيٍّ بِتَمامِه لمْ تَطْلُقْ، ذكرَهُ فِي "الروضة" 6 تَبَعًا للشرحِ، ولَمْ يَتعقَّبْه.
والأرْجحُ عندي: أنَّ النظرَ فِي ذلك إلى العُرفِ، فإنْ عدُّوه وِلادةً طَلَقَتْ، وإلَّا فَلَا.
والنظرُ إلى ما يَثبُتُ 7 به أُمِّيَّةُ الوَلدِ لَه وَجْهٌ، وقدْ يُفرَّقُ بينَ التعليقِ 8 العُرفيِّ والشَّرعيِّ.
ولو قال: "إنْ وَلَدْتِ وَلدًا فأنْتِ طَالقٌ طَلقةً" و"إنْ وَلدْتِ ذَكرًا فأنْتِ

طَالقٌ طَلقَتَينِ"، فوَلدَتْ ذَكَرًا طَلَقَتْ ثلاثًا، لِوُجودِ الصِّفَتينِ؛ نقلَه ابْنُ بِشرِي عن الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه- وجَرَى عليه أصحابُهُ.
ومَحَلُّ ذلك إذا أَطْلقَ بِحيثُ لَمْ يَقصِدْ بوَلدٍ 1 الذَّكَرَ، فإنْ قصَدَه قُبِلَ فِي الظاهرِ.
ثم إنْ قَصدَ بالتعليقِ 2 الثاني تَأكيدَ 3 ما سَبقَ كانَ كمَنْ 4 قال لِزَوجتِه: "أنتِ طَالقٌ طَلقةً، أنْتِ طَالقٌ طَلقَتَينِ"، [وقال: "قصَدتُ بقَولِي: أنْتِ طَالقٌ طَلقتَينِ] 5، واحدةً تُؤكِّدُ الأُولى، وأُخْرَى أوْقَعْتُها" فإنه يُقبَلُ مِنه ظاهرًا على الظَّاهرِ، وحينئِذٍ فلا تَطلُقُ إلا طَلقَتينِ إذا قَصدَ التَّأكيدَ أو أطْلقَ، فإن قصدَ الاستِئنافَ وقعَ ثلاثُ 6. ولو قال: "إنْ ولَدْتِ وَلدًا، فأنْتِ طَالقٌ" أو 7 "إن ولَدْتِ ذَكَرًا فأنْتِ طالقٌ" فولَدتْ ولَدَينِ معًا فِي الأُولى، وذَكَريْنِ معًا فِي الثانيةِ، فإنَّها تَطلُقُ طَلقةً، ولَمْ يخرِّجوا هذا على 8 الخِلافِ السابقِ فِي أنَّ التَّنكيرَ هلْ يَقتضِي التَّوحيدَ، وهو فِي قولِه: "ذَكَرًا" أظْهَرُ منه فِي قولِه: "وَلَدًا".

وأمَّا التعليقُ بالحيضِ:

فإذا قال لِطاهرٍ حاملٍ، أو حَائلٍ صَغيرةٍ، أو كَبيرةٍ غيرِ آيِسةٍ: "إن حِضْتِ فأنتِ طالقٌ" فإنَّها تَطلُقُ بِظُهورِ دَمِ الحَيضِ فِي سِنِّ الإمْكانِ؛ نصَّ عليه الشافعيُّ فِي "المختصر المنبه"، وحكاه الأصحابُ وجهًا 1. ثُمَّ إنْ نَقصَ عنْ أقَلِّ الحَيضِ، ولم يَعُدْ حتى انْقضَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا مِنْ وقْتِ الدَّمِ تَبيَّنَّا أنَّ الطَّلَاقَ لمْ يَقعْ، وإن قال ذلك لِحائِضٍ لَمْ تطلُقْ إلا بأوَّلِ حَيضٍ مُستقبَلٍ، كذا ذكَرُوه.
ومَحلُّ ذلك ما لمْ يُقيِّدْه بِزمانٍ لا يُمكِنُ معه حَيضٌ مستقبَلٌ؛ كما إذا قال للحائضِ: "إذا حِضْتِ غَدًا فأنْتِ طَالقٌ 2 "، فاستمرَّ حَيْضُها حتى جاء الغدُ، ورأتِ الدمَ فيه 3، فإنها تَطْلُقُ، نَصَّ عليه فِي "المختصر المنبه"، فِي بابِ الطَّلَاقِ إلى أَجَلٍ وبِصِفةٍ، فكأنه قال: "إذا استمرَّ بكِ الدَّمُ إلى أَنْ وُجِدَ فِي الغَدِ".
وإنْ قال لحاملٍ: "إنْ حِضْتِ فأنْتِ طَالقٌ" فجاءَها 4 الدَّمُ قبْلَ الطلقِ، فإنَّها تَطلُقُ؛ لأنَّ الدَّمَ الذي تَراهُ الحاملُ 5 بشَرطِه حَيْضٌ على الأصحِّ، ولا تَطلُقُ بِدمِ النِّفاسِ لأنه ليس بحَيضٍ، ولَمْ يذْكُروه.
وإنْ قال ذلك لِلآيسةِ -التي لا يُمكِنُ أَنْ تَحيضَ- لَمْ يصحَّ التعليقُ، ولَمْ يذكرُوه.

وأمَّا المتحيرةُ:

إذا قال لها: "إنْ حضْتِ فأنْتِ طالقٌ"، فإنَّها لا تَطلُقُ حتى تَمضيَ مُدةٌ يُتحققُ أن فيها حَيضًا مُبتدأً، بِناءً على أنَّ كُلَّ شَهْرٍ لها يَشتمِلُ على حَيضٍ وطُهْرٍ، نَظرًا إلى الغالِبِ، ثُم يَنظرُ إلى اليَقينِ بالنِّسبةِ إلى الشَّهرِ الذي لها، وكذا المَجنونةُ التي هي كالمُتحيِّرةِ، ولَمْ يَذكرُوهُما.
وإنْ كان 1 قال: "إنْ حِضْتِ حَيضةً -بفتحِ جاء حَيضة- فأنْتِ طَالقٌ"، لمْ تَطلُقْ حتَّى تَستقبِلَ الحَيْضَ، وتَمضِيَ لها حَيضةٌ، ثُم تَطهُرَ.. نَصَّ عليه فِي "المختصر المنبه" وشاهدُه من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُوطَأُ حائِلٌ 2 حتَّى تَحِيضَ حَيضةً" 3.

[ولو انقطعَ الدمُ بعدَ 1 يومٍ ولَيلةٍ بحَبَلٍ ونحوِه وقعَ الطَّلَاقُ أيضًا.
وفِي المُتحيِّرةِ والمَجنونةِ فِي قوله: "حَيضة"] 2 إنْ كان فِي آخِرِ جُزءِ الطُّهرِ تَطلُقُ إذا انْقضَى الشَّهرُ بعدَه.
وإنْ قال ذلك فِي أثْناءِ الشَّهرِ، فمُقتضَى ما ذكرَه الشَّيخُ أبو حامدٍ وغيرُه فِي عِدَّتِها: أنَّها لا تَطْلُقُ حتى يَمضِيَ شَهْرٌ بَعْدَ الشَّهرِ الذي وقَعَ التعليقُ فِي أثْنائِه، وكان الباقِي خَمسةَ عشرَ يومًا.
وعندِي: أنَّها تَطلُقُ إذا انْقضَى نِصفُ الشَّهرِ الثاني.
وإنْ قال: "حِيضة" بكَسْرِ الحَاءِ فهُو كقَولِه: "إنْ حِضتِ".
ولو 3 قال: "إنْ حِضتِ حَيْضًا فأنْتِ طَالقٌ" فهو كقولِه: "إنْ حِضْتِ" = وأخرجه أبو داود (2157)، والدارمي (2/ 171)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 195)، والبيهقي في "السنن" (7/ 449)، والبغوي في "شرح السنة" (2394) عن شريك، به، لم يذكر فيه أبا إسحاق السبيعي.
وسيأتي بتوسع في كتاب العدة، ويغني عنه ما رواه مسلم (139/ 1441) عن أبي الدرداء، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنهُ أتى بامرأةٍ مُجح على باب فُسطاطٍ، فقال: "لعلهُ يُريدُ أن يُلم بها", فقالُوا: نعم، فقالمارسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هممتُ أن ألعنهُ لعنًا يدخُلُ معهُ قبرهُ، كيف يُورثُهُ وهُو لا يحل لهُ؟ كيف يستخدمُهُ وهُو لا يحل لهُ؟ ".

ويَحتمِلُ أَنْ يُرجَّحَ أنَّها لا تَطلُقُ هُنا 1 إلا بعْدَ يَومٍ وليلةٍ لِوُجودِ حَقيقةِ الحَيضِ بذلك.
ولو قال لِزَوجتَيهِ: "إنْ حِضْتُما حَيضةً فأنتُما طَالقتانِ"، فصححَ 2 فِي "الروضةِ" 3 تَبَعًا للشرحِ أنه يُلْغَى قولُه: "حَيضة" ويُستعملُ قولُه: "إنْ حِضْتُما" فإذَا ابتدأَ بِهِما الدَّمُ طَلَقَتَا.
ونسَبَه فِي "الشرح" إلى الشَّيخِ أبي 4 حامدٍ، وهو وهْمٌ، فالذي فِي تَعليقِ الشيخِ أبي 5 حامِدٍ ذَكَرَ وجْهَينِ: 1 - أحدُهما: لا ينعقِدُ هذا التعليقُ.
2 - والثاني -وقال: إنه الصحيحُ مِن المَذهبِ-: أنَّ الطَّلَاقَ يَقعُ فِي الحالِ كالطَّلَاقِ المُجرَّدِ.
وفِي "الشرح" قالَه صاحِبُ "المهذَّبِ" 6 و"التهذيبِ".
وذلك 7 يَقتضِي أنهما رجَّحاه أو جَزَمَا به، [وليس كذلك، وإنَّما حَكَيَا

وجْهًا] 1، ولَمْ يُرجِّحاه.
والأصحُّ عندنا: أنَّهما إذا حاضَتْ كُلٌّ مِنهُما حَيضةً، وقَعَ عليهما الطَّلَاقُ.
وفِي "الروضة" 2 أنه احْتِمالٌ رآهُ الإمامُ، وليس كذلك، فإنَّ الإمامَ حكاه وَجهًا، وحكاهُ غَيرُه.
ويُنسَبُ أصلُه إلى المُزَنِي فِي قولِه: "إنْ ولَدْتُما ولدًا فأنتُما طالِقَتانِ" 3 ورجَّحَ جَمْعٌ إلْغاءَ هذا التَّعليقِ، ويُنسَبُ أصلُه إلى الرَّبيعِ فِي "إنْ ولدْتُما" 4. ولو قال: "أنتِ طالقٌ ما بيْنَ طُهْرَينِ" ولمْ يَنوِ شَيئًا، وَقعَ أوَّلَ ما تَرى الدَّمَ بعْدَ الطُّهرِ الذي حلَفَ فيه، وإنْ كانَتْ 5 حائضًا وقَع مكانَه، نصَّ على ذلك كلِّه فِي "المختصر المنبه".
وإذا علَّقَ طلاقَها على حَيضِها وقالتْ: "حِضتُ" وكذَّبَها الزَّوجُ صُدِّقتْ بِيَمينِها فِي حَقِّها على المَشهورِ 6، وكذا الحكمُ فيما لا يُعرفُ إلا منها، كقولِه: "إنْ أَضْمرتِ بَعضِي فأنْتِ طالقٌ" فقالتْ: "أَضْمَرْتُه".

ولو علَّق الطَّلَاقَ بِزِناهَا فقالتْ: "زَنيْتُ" لمْ تُصدَّقْ على الأصحِّ؛ لأنَّ مَعرفتَه مُمْكنةٌ.
ولو قال: "إنْ حِضتُما فأنتُمَا طالِقانِ" فقالتَا: "حِضْنَا"، وكذَّبَهما الزَّوجُ صُدِّقَ بيَمينِه، وإنْ صدَّقَهُما طَلقَتَا، وإن صَدَّقَ أحدَهما طَلقَتِ المُكذَّبَةُ، ولَمْ تَطلُقِ المصدَّقةُ 1 2.

فصل (1) في تفويض الطلاق إلى الزوجة

2 إذا قال المكلَّفُ لِزَوجتِه المكلَّفةِ: "طلِّقي نفْسَكِ"، أو: "طلِّقي نفْسَكِ إنْ شئْتِ" فهو تمليكٌ للطلاقِ على الجَديدِ، وفِي القديمِ: توكيلٌ.. هذِه طَريقةُ الخُراسانِيِّينَ، وعلَيْها جَرى الرَّافِعي ومَنْ تَبِعَه.
وأمَّا العِراقيونَ 3 فلَمْ يَذكرُوا هذا الخلافَ، وجَزَمُوا بالتَّمليكِ 4.1

ولَمْ أقِفْ على القَولِ بأنه تَوكيلٌ، وما نُسِبَ إلى الجَديدِ لا يَتأتَّى القَولُ بِظاهِرِه، فإنَّ المرأةَ لا تَملِكُ الطَّلَاقَ أصلًا، ولا يُمكِنُ أَنْ يَكونَ الطَّلَاقُ مِلْكًا للزَّوجِ وللزوجةِ 1، وجعلُوا تَطليقَها نفْسَها مُتضمنًا للقَبولِ، ولو صرَّحتْ بِقَولِها: "قبلتُ" فلا أثرَ له، وهذه أُمورٌ معضِلةٌ.
فالصوابُ فِي التعبيرِ عن ذلك أنَّه يُشبِهُ التَّمليكَ، أو يَجرِي عليه شيْءٌ مِن أحْكامِ التَّمليكِ.
ومِن جُملةِ ذلكَ اعتِبارُ الفَوْرِ كما فِي قَبولِ التمْلِيكِ، وجَعلُوا القَولَ بالتَّطليقِ ما دَامَا فِي المَجلسِ ضَعيفًا، وهو المَذْهَبُ المَنصوصُ فِي "مختصر المزني" 2، بلْ فيه ما يَقتضِي أنَّه إجْماعٌ، [ولَفظُه: "لا أعلمُ خِلافًا أنَّها إنْ طَلَّقَتْ نفْسَها قَبْلَ أَنْ يتفرَّقَا مِنَ المَجلسِ، أو يَحدُثُ قَطْعًا لذلك: أنَّ الطَّلَاقَ يَقعُ علَيْها، فيَحتمِلُ أَنْ يُقالَ لهذا المَوضعِ إجْماعٌ"] 3. ونُصوصُ الشافعيِّ ظَاهرةٌ فِي اعتِبارِ مَجلسِ الخِيارِ الذي يَنقطِعُ بالتفرُّقِ كما فِي البَيعِ، فلا يَجوزُ تركُ هذا النَّصِّ، ويؤوَّلُ بما لا يَصِحُّ.
ويُستثْنَى مِن اعتِبارِ الفَورِ ما إذا صرَّحَ بالتَّراخِي فقال: "طلِّقِي نَفْسَكِ متى شِئْتِ"، فإنَّ لها أَنْ تُطلِّقَ نَفْسَها أيَّ وقْتٍ شاءَتْ، نصَّ عليه، وجَرى عليه مَنِ = ونويا، وقع، وإن لم ينو أحدهما لم يقع، وقال أبو حنيفة: لا تعتبر نيتهما، بل تكفي الرجل، وقولها يبنى على قولها.

اقْتَصرَ على التَّمليكِ 1، ومَنْ أثْبتَ القَولَينِ 2. ولو قال: "وكَّلْتُكِ فِي طلاقِ نَفْسِكِ" تمَحَّضَ 3 حُكْمُ التَّوكيلِ على طَريقِ التَّصريحِ به، وفِي طَريقٍ لَهُم إِثباتُ الخِلافِ، قال القَاضي حُسَينٌ: لأنه يَشوبُه شُعبةُ التَّمليكِ، وإنْ صَرَّحَ بالتَّوكيلِ، وعلى هذا لا يَتمكَّنُ الزَّوجُ مِنْ تَوكيلِها التَّوكيلَ المَحْضَ 4. ولو قال: "ملكتُكِ طلاقَ نفسِكِ" فهو تَمليكٌ قَطْعًا على طَريقتِهم، ولَمْ أرَ مَن ذَكرَه.

ولو قال: "طلِّقي نفسَك ثلاثًا إنْ شِئتِ"، فطَلَّقَتْ نفْسَها واحدةً، وَقعَتْ 5. ولَو قال: "طلِّقِي نفْسَكِ واحدةً إنْ شِئْتِ" فطَلَّقتْ ثلاثًا، وقَعتْ واحدةً.
ولو قَدَّمَ ذِكْرَ المَشيئةِ فِي الصُّورتَينِ بأنْ قال: "طلِّقِي نفْسَكِ إنْ شِئْتِ ثلاثًا" أو قال: "طلِّقي نفْسَكِ إنْ شِئتِ واحدةً" فطَلَّقَتْ 6 في الأُولى واحدةً، وفِي الثانِيةِ ثَلاثًا 7. قال ابْنُ القاصِّ وسَائرُ الأصْحابِ: "لا يقعُ شيْءٌ", لأنَّ مَشيئةَ ذلك

صارتْ شَرْطًا فِي أصْلِ الطَّلَاقِ.
كذا فِي "الروضة" 1 تَبَعًا للشرحِ 2، وفيه: وسَاعَدَه 3 الأصْحابُ، ولَمْ يَتعقَّباهُ 4. وهُو مَرْدُودٌ، والصوابُ وُقوعُ ما أوقعَتْه، فإنَّ "ثلاثًا" فِي الأُولى و"واحدةً" فِي الثانيةِ ليستْ معمولًا لـ"شِئتِ"، وإنَّما هو مَعمولٌ لِقَولِه: "طَلِّقِي" فإنَّ مَفعولَ الإشاءةِ 5 يُحذَفُ غالبًا، والحَمْلُ على الأغْلبِ هو المُعتمَدُ، وما قدَّرُوه فِي ذلك رَكيكٌ بَعيدٌ، والمَفهومُ المُتعارَفُ أنه لا فَرْقَ بيْنَ تَقديمِ المَشيئةِ وتَأخيرِها 6.

وصِيغةُ طَلاقِها لِنَفْسِها: "طَلَّقْتُ نفْسِي".
فإنْ قالتْ: "طلقْتُكَ"، فهُو كِنايةٌ يَحتاجُ إلى نِيَّةِ الطَّلَاق، ولو قالتْ: "أبنْتُ نفْسِي" ونَوَتْ؛ وَقَع.
وليس للمفوَّضِ إليها طَلاقُ نفْسِها إنْ تَعَلَّقَ طَلاقُها, ولَو فَوَّضَ إلَيْها التَعليقَ، كذا قالُوه، والأصحُّ صِحتُه فيما ليس بِحَلِفٍ، وقدْ سَبقَ فِي الوَكالةِ.

وأمَّا التَّخييرُ 1 فلَه شركةٌ مَع التَّمليكِ فنَذْكُرُه عَقِيبَه، فإذا قال المكلَّفُ لِزَوجتِه المُكلَّفةِ: "اختارِي نَفْسَكِ" ونَوى تَفويضَ الطَّلَاق إليها فقالَتْ: "اخْترْتُ نَفْسِي" ونَوتْ طَلاقَها، وقَعتْ علَيها طَلقةٌ رَجعيةٌ، إلا إذا كان هُناكَ ما يَحصُلُ به البَينونةُ.
ولو قال لها: "اخْتارِي"، ولَمْ يَقُلْ "نفسَكِ"، ونَوى تفويضَ الطلاقِ 2 إليها فقالتْ: "اخْتَرْتُ" ففِي "التَّهذيبِ": لا يَقعُ الطَّلَاقُ حتَّى تَقولَ: "اختَرْتُ نفْسِي"، ويُشعِرُ 3 كلامُه بأنَّه لا يَقَعُ، وإنْ نَوَتْ كذا فِي "الروضة" 4 تَبَعًا للشرحِ، وفِي نصِّ الشافعيِّ ما يُخالفُه، وهو قولُه: "لو 5 قال رَجُلٌ لامرأتِه: اختارِي" لا يكونُ طَلاقًا [إلا أَنْ يُريدَه] 6؛ لأنَّه يَحتمِلُ 7 اختارِي مالًا، وقال: ليس الخِيارُ بِطلَاقٍ حتى تُطلِّقَ المُخيَّرةُ نفْسَها؛ ذكَرَه فِي "المختصر المنبه".
وفيه: أنَّ قولَها: "اخترْتُ" مع نِيَّةِ الطَّلَاقِ كافٍ فِي وُقوعِ الطَّلَاقِ، وهذا هو المُعتمَدُ.
وقدْ ذكرَ فِي "الروضة" 8 تَبَعًا للشرحِ عن إسماعيلَ البوشنجيِّ أنها إذا

قالتْ: "اختَرْتُ" ثمَّ (1) قالتْ بعد ذلك "أردتُ اختَرْتُ نَفْسِي" أنه يُقبَلُ قَولُها (2)، يعني: بِيَمِينِها وتَطْلُقُ.
ولو (3) قالتْ: "اختَرْتُ زَوجِي أو النكاحَ" لمْ تَطْلُقْ.
وإنْ قالَتْ: "اختَرتُ الأزْواجَ"، أو: "اختَرتُ (4) أبَويَّ"، أو أخِي أو عمِّي؛ طَلَقَتْ على الأصحِّ، ولَمْ يذكروا نِيَّتَها لطلاقِ نفْسِها.
والقِياسُ: أنَّه لا بدَّ مِن نِيَّتِها لذلك، ولا يَختصُّ ذلك بَلْ يَأْتي فِي الخَالِ وغيرِه مِنَ الأقارِبِ، بلْ يأتِي فِي الأَجانبِ أيضًا إذا كانتْ تَسْكنُ قبْلَ نِكاحِها عند مَنْ ذَكَرَتْ، ونيَّةُ الطَّلَاقِ لابُدَّ مِنها.
وإذا (5) اختلفَا فِي النِّيةِ فادَّعتْها وأنْكرَها الزَّوجُ، أو بالعكسِ، فالقَولُ قولُ مَن أَخبَرَ عن ضَميرِه بِيَمينِه.

ونَختِمُ كتابَ الطَّلَاقِ بثلاثةِ أنْواعٍ:

أحدُها:

شيْءٌ يُذكَرُ فِي ظَرفِ زَمانٍ مِن يَومٍ وغيرِه مِن صِفةٍ مُتجدِّدةٍ فيه، تَطْلُقُ بِه، وليس بتَعليقٍ، وهو إذا قال: "أنْتِ طالقٌ فِي اليومِ الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ ثلاثًا"، فبانَتْ منه فِي صَبيحةِ ذلك اليومِ، ثُمَّ قَدِمَ زَيدٌ، فقدْ ذكَرُوا ما يَقتضِي 6 بُطلانَ البَينونةِ.12345

وكذا لو قال لِلْعبدِ: "أنتَ حُرٌّ فِي اليومِ الذي يَقدَمُ فيه زَيْدٌ" فبَاعَه صَبيحةَ ذلك اليومِ، ثُمَّ قَدِمَ زَيدٌ بعْدَ لُزومِ البَيعِ، فإنه يَتبينُ (1) بُطلانُ البَيعِ لِتَبيُّنِ حُريتِه قبْلَ البَيعِ لِقُدومِ زَيدٍ فِي أَثْناءِ ذلك اليومِ.
ولو ماتَ الزَّوجُ أوْ ماتَتْ هِي فِي بَعْضِ اليَومِ ثُمَّ قَدِمَ فِي بَقيةِ ذلك اليومِ، فلا (2) تَوارُثَ بَينهُما إنْ كان الطَّلَاقُ بَائنًا، وكلُّ ذلك مفرَّعٌ على ما صحَّحُوه فيمَنْ نَذرَ أَنْ يَصومَ اليومَ (3) الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ، فقَدِمَ نَهارًا، والناذِرُ مُفطِرٌ، فإنه يَلزَمُه أَنْ يَصومَ يومًا عنْ نَذْرِه، ويَلزَمُه ذلك مِن أوَّلِ اليومِ وكذا حُكْمُ (4) الأُسبوعِ والشَّهرِ والسَّنَةِ.

النوعُ الثاني:

شَيْءٌ صُورتُه تعليقٌ، ولكنْ قَرينةُ المُجازاةِ مع النِّيةِ تَصرِفُه إلى التَّنجيزِ كما إذا قالتْ لِزَوجِها: "يا خَسيسُ"، فقال: "إنْ كنتُ كذلك فأنتِ طالقٌ" فإنه قصَدَ إسماعَها الطَّلَاق كما أسْمعَتْه المَكروهَ، تَطْلُقُ وإنْ لَمْ يُوجدُ فيه تلك الصِّفةُ، وأما إذا قصَدَ التَّعليقَ أوْ أَطلَقَ فلا يَتَنَجَّزُ شَيْءٌ، وفِي الإطلاقِ 5 وجْهٌ له قُوَّةٌ.
1234

النوعُ الثالثُ

(1): الصادِرُ مِنَ الجاهِلِ والنَّاسِي (2) والمُكرَهِ مِن الزَّوجِ أو الزَّوجةِ أو الأجنبيِّ على ما سيُذْكَرُ مما يُخالِفُ الحَلِفَ لا يَقتضِي الحِنْثَ ولا انحلالَ الحَلِفِ على الأصحِّ فيهما.
فإذا قال: "إنْ فعلتُ كذا فزَوْجَتِي طَالقٌ" ففعَلَه ناسيًا لِلْحلِفِ، أو جاهلًا، كما إذا قال: "إنْ كلمتُ زيدًا فزوْجَتِي طالقٌ" ففعَلَه ناسيًا للحَلِفِ، فكَلَّمه، وهو جاهِلٌ بأنه زَيدٌ، فإنه لا يَقعُ الطَّلَاقُ على الأصحِّ.
ويُستثْنَى مِن ذلك ما إذا قال: "إنْ فعلتُ كذا عامِدًا أوْ ناسيًا فزَوْجتِي طالقٌ" ففعلَه ناسيًا؛ نقَلَ القاضِي الحُسينُ أنه يَحنَثُ بِلا خِلافٍ.
وهذا عِندنَا مَمْنوعٌ؛ لأنَّ النِّسيانَ لا يُمكِنُ الحلِفُ على الامْتِناعِ منه؛ لأنَّ الحَلِفَ ما يَحصُلُ به (3) حَثٌّ أو مَنْعٌ أو تَحقِيقُ خَبر وليس شَيْءٌ مِن ذلك مَوْجودًا (4) فِي هذِه الصُّورةِ، وهكذا لو [قال: "إن] (5) فعلتُ كذا -عالمًا أو جَاهلًا- فزَوجَتِي طالِقٌ".

وأمَّا المُكرَهُ فلا يَحنَثُ أيضًا على الأصحِّ.

فإذا قال: "إنْ فعلتُ كذا -باخْتيارِي أوْ مُكرَهًا- فزَوْجَتِي طَالقٌ" ففعلَه12345

مُكرَهًا، فمُقتضَى ما سبقَ فِي الناسِي أنه يَحنَثُ بلْ أَوْلى؛ لأنَّه عالِمٌ بِحَلِفِه وكان يُمكنُه ألا يَفعلَه ويَحتمِلُ أن لا يَحنَثَ؛ لأنَّ فِعْلَه كَلَا فِعْلَ، وهو الأرْجَحُ.
وأمَّا الزوجةُ فإذا وُجِدَ منها مُخالفةُ الحَلِفِ باختيارِها عَمْدًا مع العِلْمِ، فإنه يقَعُ الحِنثُ، وإن كانَتْ ناسيةً لِلْحَلِفِ فلا حِنْثَ 1، وكذا إنْ كانتْ جاهلةً أو مُكرَهةً وسواءٌ أَشَعرتْ بالحَلِفِ أم 2 لَمْ تَشعُرْ، واشتراطُ الشُّعورِ ضَعيفٌ.
وأمَّا غَيرُ الزَّوجينِ فإن كان يُبالِي بالحَلِفِ 3 بِحيثُ يَمتثِلُ أَمْرَه، ويُراعِي خَاطِرَه، فإنَّه إذا خَالفَ الحَلِفَ ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرهًا، فلا حِنثَ على الحالِفِ أيضًا 4 على الأصحِّ، ولا 5 يُشترَطُ الشُّعورُ هنا أيضًا.
وأمَّا الأجنبيُّ الذي لا يُبالِي بالحالِفِ، فإنه يَحنَثُ الحالِفُ بمُخالفةِ الأجنَبيِّ لِلْحلِفِ ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا، والأرْجحُ فِي المُكرَه 6 أنه لا يَحنَثُ الحالِفُ، خِلافًا لِمَنْ رَجَّح خِلافَ ذلك؛ لأنَّ فِعْلَه كالعدَمِ.
ولو علَّقَ بِدُخولِ طِفْلٍ أو بَهيمةٍ أوْ سنَّورٍ فدخَلَ وَقعَ الطَّلَاقُ، قال الحناطي: ويُحتملُ المَنعُ.
وعندَ تَمحُّضِ التَّعليقِ فِي غيرِ ذلك مما قَدَّمْناهُ يَقعُ عنْدَ وُجودِ الصِّفةِ، ولا يَمنعُ مِن ذلك نسيانٌ ولا جهْلٌ ولا إكراهٌ، ويحتملُ المَنع.

وأمَّا جَهْلُ الحُكمِ فَلا يَمنعُ مِن الحِنثِ للتَّقصيرِ بِتَركِ السُّؤالِ.
سلَّمَنَا اللَّهُ مِنْ آفةِ التَّقصيرِ، وأَصْلحَ عاقِبتَنا فيمَا إليه نَصيرُ، واللَّهُ أَعلَمُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جارٍ التحميل