كتابُ الأيمان
هي جمعُ يمينٍ، وهو والحلفُ والإيلاءُ والقَسَمُ ألفاظٌ مترادِفَةٌ.
وأصلُها في اللغةِ: اليدُ اليُمنَى، وأطلقتْ على الحلِفِ لأنَّهُم كانُوا إذا تحالَفُوا أخذَ كلٌّ يمينَ صاحبِهِ.
وقيل: لأنَّهَا تحفظُ الشيءَ على الحالِفِ كما تحفظُ اليدُ.
وهي في الشَّرعِ: تحقيقُ ما يحتملُ المخالفةَ، أو تأكيدُهُ بذكرِ اسمِ اللَّهِ تعالَى أو صفةٍ من صفاتِهِ.
والأصلُ في البابِ قولُهُ تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية، ﴿وَلَا تَجْعَلُوا عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ والعرضةُ في الأيمانِ أَنْ يحلفَ بِهِ في كلِّ حقٍّ وباطلٍ.
وفي البخاريِّ عن ابنِ عمرَ: أكثرُ ما كانَ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يحلفُ: "لا ومقلِّبِ
الجزء: 4 - الصفحة: 287
القلوبِ" 1.
واجتمعتِ الأمَّةُ على انعقادِ اليمينِ وتعلُّقِ الكفَّارَةِ بهَا.
لا ينعقدُ اليمينُ إلَّا بالحلفِ بِما يُفْهِمُ ذاتَ اللَّهِ تعالى، كقولِهِ: "والذي أعبدُ"، أو"نفسي بيده".
أو باسمٍ من أسمائِهِ، أو صفةٍ من صفاتِهِ.
فمن الاسمِ المختص: "اللَّهُ رب العالمين"، و"الحيُّ الذي لا يموت".
ولا يقبلُ قولُهُ لم أردْ بِهِ اليمين.
وما لم يختصُّ ولكن يقبلُ إطلاقُهُ في حقِّ اللَّهِ تعالى بحيثُ ينصرفُ إليِهِ عندَ الإطلاقِ كالرحيم، والخالق، والرازق، والربِّ ينعقدُ به اليمينُ، سواء قصدَ أو أطلقَ، إلَّا أَنْ يريدَ غيرُهُ.
وما استعملَ فيه وفي غيرِه سواء فإن كانَ المذكورُ اسمًا يعمُّ الواجبَ والممكنَ وليس فيه صفةُ مدحٍ كالشيء، والموجودِ، فهذا لا يكونُ يمينًا، وإنْ نوَى به اللَّهَ تعالَى، وألحق الإمامُ بذلك الحق.
وإن ذكرَ اسمًا يختصُّ بأولي العلمِ كالعالمِ والعليمِ والحكيمِ والحليمِ.
فإنْ نَوَى بهِ اللَّهَ سبحانَهُ وتعالَى كانَ يمينًا.
وإن ذكرَ اسمًا لا يختصُّ بأولي العلمِ، ولكنَّه أخصُّ من النبيِّ ويعمُّ أولي العلمِ وغيرهم كالحيِّ والمتكلِّم، فإن نوى به اللَّهَ سبحانه وتعالى كانَ مترتبًا على ما قبلَهُ، وأولَى بأن لا يكون يمينًا.
والصفةُ كـ (وعظمة اللَّه، وعزته وكبريائه وعلمه وقدرته ومشيئته) يمينٌ، إلَّا أن ينوي بذلك ما يتعلَّقُ بالمخلوقِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 288
ومن الصفةِ: كلام اللَّه، وحق اللَّه.
إلَّا أن يريدَ بالحقِّ العباداتِ.
وحروفُ القسمِ المشهورةِ (باء، وواو، وتاء) كـ (باللَّه، وواللَّه، وتاللَّه)، ولا تختصُّ التاء باللَّهِ، على معنى أنَّه لا يصحُّ القسمُ شرعًا إلَّا إنْ دخلتْ على اللَّهِ، فلو قالَ: (تالرحمن) انعقدتْ يمينهُ وغايتُهُ أنَّه استعمالٌ شاذًّا.
وكذا لو قالَ: تحياة اللَّهِ، ولو قال: تالرحمن، أو غير ذلك مما سبق، انعقدت يمينه على ما سبقَ نبَّه على ذلك شيخُنا.
ولو قالَ: "اللَّه" ورفع أو نصبَ أو جرَّ فليسَ بيمينٍ، إلَّا بنيَّةٍ، وإذا قالَ: أقسمتُ باللَّه، أو أقسمُ باللَّهِ، أو حلفتُ باللَّهِ، أو أحلفُ باللَّهِ لأفعلنَّ كذا، فيمينٌ إن نواها، أو أطلق، فإن قال: قصدتُ خبرًا ماضيًا أو مستقبلًا يصدَّق باطنًا، ويصدَّقُ ظاهرًا على الأظهرِ إذا لم يُعرف له يمينٌ ماضيةٌ، فإن عُرِف، قُبِل قوله في الظاهر أيضًا بلا خلافٍ.
وإنْ قالَ: لغيرِه: أقسمُ عليه باللَّه ليفعلنَّ كذا، فيمينٌ عندَ الإطلاقِ على الأظهرِ، وإن قال: أسألُك باللَّهِ لتفعلنَّ، وأرادَ يمينَ نفسِهِ فيمينٌ، وإلَّا فلا، وإذا قالَ: إنْ فعلتُ كذا فأنا يهوديٌّ، أو بريءٌ من الإسلامِ، فليسَ بيمينٍ.
ومن سبقَ لسانُهُ إلى لفظِها بلا قصدٍ لم ينعقدْ، ويصحُّ اليمينُ على ماضٍ ومستقبلٍ لا يمنعُ الحنثَ فيه، كقوله: واللَّهِ لا أصعدُ إلى السماء.
فلا ينعقد اليمين حينئذٍ على الأصحِّ.
وتكرهُ اليمينُ إلَّا في طاعةٍ، وإلَّا في الأيمانِ الواقعةِ في الدعاوَى، إذا كانتْ صادقة، وإلَّا إذا دعتْ إليهِ حاجةٌ كتوكيدِ كلامٍ وتعظيمِ أمرٍ، ومن ذلك لو ظُنَّ بهِ أو بغيرِهِ سوءٌ، أو جنايةٌ، أو ركوبُ فاحشةٍ، وهو يعلمُ براءتَهُ فحلفَ على نفي ذلك فلا يكرَهُ، بل ينبغي استحبابُ الحلفِ إذا كان يُصَدَّق فيه ليدفعَ ظنَّ السوءِ عن نفسِهِ وعن عِرضِ أخيهِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 289
فإنْ حلَفَ على أن يتركَ واجبًا أو يفعلَ حرامًا عصى ولزمَهُ الحنثُ، والكفَّارَةُ، ويستثنى من الواجبِ الذي يعْصِي بتركِه الواجبُ الذي يمكنُ سقوطُهُ، فإنَّ الإنسانَ إذا حلفَ على تركِهِ لا يعصي لقصَّةِ أنس بن النضرِ، فإنَّه بعدَ قضاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقصاصِ في ثنيَّةِ الرُّبيعِ قالَ أنسُ بن النَّضرِ: "واللَّهِ لا تكسرُ ثنيَّةِ الرُّبيع" فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا أنسُ، كتابُ اللَّهِ القصاص" فرضوا بأرشٍ أخذُوه، فتعجَّبَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: "إنَّ من عبادِ اللَّهِ مَن لو أقسَم على اللَّهِ لأبرَّهُ" 2 فلم يذكرِ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لأنسِ بن النضرِ ولا لأمِّ الرُّبيعِ التي حلفتْ كأنسٍ في بعضِ الرِّواياتِ عصيانًا، ولا ما يدلُّ عليهِ، وجعلهما من عبادِ اللَّهِ الذينِ يبر اللَّهُ قسمهم.
ووجهُ ذلكَ أنَّ القصاصَ مما يمكنُ سقوطُهُ فلا إثمَ عليهِ في الحَلِفِ على عدَمِ وقوعِ ذلكَ إمَّا لثقتِهِ بفضلِ اللَّهِ ولطفِهِ أنَّهُ لا يحنثُه، أو رغبةً إلى مستحقِّ القصاصِ بالعفو، وعلى هذا فلا فرقَ بينَ الجانِي وغيرِهِ.
وإذا حلفَ الإنسانُ على تركِ الواجبِ على الكفايةِ، لم يعصِ؛ لأنَّ الفرضَ لم يتوجَّهْ إليهِ بخصوصِهِ، نبَّه على ذلكَ شيخُنا، ولو حلفَ على تركِ مندوبٍ أو فعلِ مكروهٍ، فيسنُّ حنثُهُ وعليهِ الكفَّارَةُ.
أو تركِ مباع أو فعلِهِ، وكان ذلك المباحُ مما لا يتعلَّقُ به غرضٌ في الامتناعِ منهُ، فالأفضلُ تركَ الحنثِ، ونقلَ الإمامُ عن قطع العراقيين أن الأفضلَ الحنثَ، واختارَهُ والدُهُ، وممن جزَمَ بِه الفورانيُّ في العمد.
ولو حلفَ أن يفعلَ واجبًا أو يترك محرَّمًا فالأفضلُ البقاءُ على اليمينِ، والحنثُ فيهِ مع العلمِ بالحالِ حرامٌ، وعليه الكفَّارةُ إذا حنثَ، والأفضلُ
الجزء: 4 - الصفحة: 290
البقاءُ على اليمينِ أيضًا إذا حلَفَ أن يفعلَ مندوبًا أو يتركَ مكروهًا، ولا يحرمُ الحنثُ.
ومتَى حنث لزمت الكفارةُ.
وللحالفِ تقديمُ الكفَّارَةِ بغيرِ الصَّومِ على حنثٍ جائزٍ، وكذا حرام على الأصحِّ، وله تقديمُ كفارةِ ظهارٍ على العود وقتلٍ على الزهوق بعد حصول الجرحِ، ولا يجوزُ تقديمُ الكفارةِ على الجرح بحالٍ، وفيه احتمالٌ لابن أبي سلمةَ تنزيلًا للعصمة منزلة أحد السببين.
والمنذور يجوزُ تعجيله أيضًا قبل وجود المعلق عليه إن كان ماليًّا، مثل أن يقول: إن شفا اللَّهُ مريضي فلله عليَّ أن أعتقَ عبدًا، أو أتصدَّقَ بكذا، وإن كانَ بدنيًّا فلا يجوزُ.
فرع: يُخَيَّرُ الحالفُ الرشيدُ غيرُ المُفلسِ، والمريضُ في كفَّارةِ اليمينِ بينَ عتقٍ كالظِّهارِ، وبينَ إطعامِ عشرةِ مساكينَ مسلمينَ أحرارٍ غيرِ الهاشِميينَ والمُطَّلبيين ومواليهم، لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ من غالبِ قوتِ بلدِهِ كما في الفطرةِ.
وبين كِسوتِهم بِما يُسمَّى كسوَةً، كقميصٍ، أو عمامَةٍ أو إزارٍ أو منديلٍ.
ولا يُجْزئ الخفُّ ولا القُفَّازانِ، ولا المنطقةِ.
ويشترطُ صلاحيةُ المدفوعِ إليهِ على ظاهِرِ النَّصِّ خلافًا في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، وأما جنسُ الكسوةِ فيجزئ المتخذُ من صوفٍ وشعرٍ وقطنٍ، وكتَّانٍ وقزٍّ وإبريسم، وأمَّا لباسُ الجلودِ والفِرَى فإنْ كانَ في بلدٍ يلبسُ أهلُهُ ذلكَ أجزأَهُ، وإنْ كانَ في بلدٍ لا يلبسُهُ أهلُهُ جازَ على أصحِّ الوجهينِ، فإنْ عجَزَ عنِ الثَّلاثَةِ لزِمَهُ صومُ ثلاثةِ أيامٍ، والأظهَرُ عدمُ وجوبِ تتابعِها، هذا حكمُ الرَّشيدِ غيرُ المفلسِ، والمريضِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 291
فأمَّا السَّفيهُ، فالمنصوصُ أنَّهُ كالمعسِرِ، يكفِّرُ بالصَّومِ، ولو أنَّ رشيدًا حلفَ وحنثَ، ثُمَّ حُجِرَ عليه بالسفَّهِ، فيخرجُ الوليُّ عنهُ، ولو حلفَ وهو رشيدٌ، ثمَّ حُجِرَ عليهِ بالسَّفَهِ ثم حنثَ، فهي مرتَّبةٌ على ما قبلها، وأولى بالمنعِ.
ولو أنَّ العاقلَ الرشيدَ حلفَ وحنثَ ثمَّ جُنَّ، فيخرجُ وليهُ عنهُ من مالِهِ الكفَّارةَ.
وأمَّا المحجورُ عليه بالفلسِ إذا حنثَ لا يتخيَّرُ، بل حكمُهُ حكمُ المُعسرِ، فلهُ الانتقالُ إلى الصَّومِ، إذا أرادَ ذلك، فإنِ انفكَّ الحجرُ ولم يصم وأيسَرَ فالنظرُ إلى حالِ الأداءِ على الأصحِّ، فيثبتُ التخيير حينئذٍ.
وأمَّا المريضُ المرض المخوف إذا حلفَ وحنثَ، فإنْ أخرَجَ الكفَّارَةَ في حياتِهِ بمقتضَى خيرتِه، فلا حجرَ للورثَةِ عليهِ في ذلكَ، وإذا أعتقَ عبدًا عن كفارتِه قيمتُهُ ثلاثمائة درهمٍ مثلًا، ثمَّ ماتَ، وكانَ ثلثُ مالِهِ مائتي درهمٍ مثلًا، قالَ شيخُنا: فإن قلنا يحسبُ من الثلثِ لم يعتَقْ إلَّا ثُلثا العبدِ، ولا يفيدُ الميتَ ذلكَ في خلاصِ ذِمَّتِهِ من الكفَّارَةِ، ولا سبيلَ إلى إبطالِ عتق كلِّه والانتقالِ إلى ما يخرجُ من الثُّلثِ من الخصالِ؛ لأنَّهُ أمرٌ لا نظيرَ له، فاحتجنا إلى تنفيذِ ما فعلَهُ المريضُ لهذهِ الضَّرورةِ، وقُلنا يحسبُ عن رأسِ المالِ لما يلزمُ مِن حسابِهِ مِنَ الثُّلثِ من المحذورِ المذكورِ.
ولمْ أَرَ مَن تعرَّضَ لذلكَ.
انتهى.
وإنْ ماتَ هذا الحالِفُ في المرضِ الحانِثِ فيهِ، ولم يكنْ قد فعلَ شيئًا من الخصالِ المذكورةِ، ولكن أوصَى بفعلٍ معيَّنٍ منها فهذا يمكن اعتبارُهُ من الثُّلثِ، فإن لم يخرجْ من الثُّلثِ ولم تحصل إجازة عدلَ إلى ما خرَجَ من الثُّلثِ.
وإن صدرَ الحنثُ في الصحَّةِ، وقلنا إنَّ المعتَبَرَ في اليسارِ والإعسارِ بحالةِ
الجزء: 4 - الصفحة: 292
الأداءِ، وهو الأصحُّ، فهو معسرٌ إلَّا في الثلثِ، فيعتبَرُ الكلُّ من الثُّلُثِ، ويحتملُ أَنْ يُقالَ القدرُ المشتركُ بين الخصالِ الثلاثِ يعتبرُ من رأسِ المالِ، والزَّائدُ من الثلثِ، وإذا غابَ مالُ الحالِفِ الحانِثِ إلى مكانٍ لا يعدُّ به معسرًا انتظرَهُ ولم يصم.
وإن غابَ إلى مسافةِ القصْرِ فما فوقَها بحيثُ يعدُّ معسرًا جازَ لَهُ أن يُكَفِّرَ بالصَّومِ.
ولا يكفِّرُ عبدٌ غيرُ المكاتبِ بمالٍ إلَّا إذا ملكَهُ سيِّدُهُ طعامًا أو كسوةً، وقلنا يملكُ به وأذنَ لهُ أَنْ يُكفرَ بِهِ، وإلَّا إذا ملكَهُ مالًا وأذن لَهُ أن يشتريَ بِهِ طعامًا أو كسوةً فَفَعَلَ، وأذن له أَنْ يُكفِّرَ بِه فكفَّرَ جازَ.
ولو ماتَ العبدُ وعليهِ كفَّارَةُ يمينٍ، فللسيدِ أَنْ يُكفِّرَ عنهُ بالإطعامِ أو الكسوةِ، وإنْ قُلنا لا يملكُ بالتمليكِ؛ لأنَّ التكفيرَ عنهُ في الحياةِ بنفسِ دُخولِهِ في ملكِه، والتكفيرُ بعدَ الموتِ لا يستدعِي ذلك، ومحلُّ هذا لو أعتقَ عنهُ لم يجزئه على الأصحِّ لإشكالِ الولاء، وحيثُ قُلنا لا يكفِّرُ عبدٌ بمالٍ في غيرِ ما استثني فكفَّرَ بالصومِ، فإنْ ضرَّه، وكانَ حلفَ وحنثَ بإذنِ السَّيدِ صامَ بلا إذنٍ، وإن وجدا بلا إذنٍ لم يصم إلَّا بإذنٍ، وإن أذن في أحدهما، فإن كانَ قد أذنَ في الحلفِ فقط وحنثَ بغيرِ إذنِهِ لم يستقلَّ بالصومِ على الأصحِّ، بل لا بدَّ من إذنِ السَّيدِ في ذلكَ، وفي عكسِهِ وهو الحنثُ بالإذنِ يستقلُّ بالصومِ على المذهبِ.
ومَن بعضُهُ حرٌّ وله مالٌ يكفِّرُ بالإطعامِ أو الكسوةَ لا بالإعتاقِ إلَّا في صورةٍ واحدةٍ وهيَ ما إذا قالَ لَهُ مالكُ بعضِهِ إذا أعتقتَ عنْ كفَّارتِكَ فنصيبِي منكَ حرٌّ قبلَ إعتاقِكَ عنِ الكفَّارَةِ، فنصيبي حرٌّ مع إعتاقكَ عنِ الكفَّارَةِ، فإنَّهُ في الأولى يصحُّ إعتاقُهُ عنْ كفَّارَتِهِ قطعًا، وكذا في الثانيةِ على الأصحِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 293
- ضابطٌ: ليسَ لنا مبعَّضٌ يكفرُ بالإعتاقِ إلَّا هذا.
فصل
حلفَ لا يسكُنُها، أو لا يقيمُ فيها، فليخرجْ في الحالِ من بابِها إن أمكنَهُ، فلو لم يمكنهُ أن يخرجَ مِن بابِها لم يحنثْ بالصُّعودِ للخروجِ، ولو كانَ لها بابانِ لم يحنَثْ بالخروجِ من أحدهما؛ لأنّه أخذَ في الخُروجِ، وإن بَعُدَ مسلكُهُ، فإنْ مكثَ بلا عذرٍ حسِّيٍّ بأنْ أغلقَ عليه البابَ أو منعَ من الخُروجِ، أو خافَ على نفسِهِ أو مالِهِ لو خرَجَ، أو كانَ مريضًا أو زَمِنًا لا يقدرُ على الخروجِ ولم يجدْ من يخرجُهُ أو مرضَ وعجزَ بعد الحلفِ على الأصحِّ من قولي المكره.
أو شرعيٌّ كما لو ضاقَ عليهِ وقتُ الصَّلاةِ، ويعلمُ أنَّه إنْ خرَجَ منهَا فاتتهُ، فإنَّهُ يحنثُ لعدمِ عذرِهِ، ولا يحنَثُ بوجودِ عذرٍ مما تقدَّمَ.
وإن اشتغلَ بأسبابِ الخروجِ كجمعِ متاعٍ، ولبس ثوبٍ، وإخراج أهلٍ لم يحنَثْ، ولا يمكثُ في عود لِنقلِ متاعٍ، أو زيارة، أو عيادة، أو عمارة، ولو حلفَ لا يساكنه في هذه الدارِ فكالتي قبلَهَا، وغير الحالفِ لو خرجَ في الحالِ فلا حنثَ، ولو بني بينهما حائلٌ من طينٍ أو غيرِهِ فالأصحُّ عندَ الجمهورِ يحنثُ، لحصولِ المساكنَةِ إلى تمامِ البناءِ، هذا إذا كانَ البناءُ بفعلِ الحالفِ أو بأمرِهِ أو بفعلِهما أو بأحدِهما.
فأمَّا لو كان البناءُ بأمرِ غيرِ الحالفِ إمَّا المحلوفِ عليهِ أو غيره، فإنَّه يحنثُ الحالِفُ قطعًا؛ لأنَّه لم يفعلْ ولم يأمُرْ بالبناء، لم يكن مشتغلًا برفعِ المُساكنَةِ، فتوجَّهَ إليه الحنثُ قطعًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 294
ولو حلفَ لا يدخلُها وهو فيها، فلا حنثَ بالإقامةِ فيها، أو لا يخرج منها وليس فيها، فلا حنثَ إلَّا بخروجٍ منها بعد دخولِها.
وإن حلفَ لا يتزوجُ، أو لا يتطهَّرُ أو لا يلبسُ أو لا يركبُ، أو لا يقعدُ، فاستدام هذه الأحوالَ حنثَ إلَّا في التزوجِ والتطهُّرِ فلا يحنثُ باستدامتهما.
ولا يحنثُ إذا حلفَ لا يتطيب واستدامه على الأصحِّ، ويحنث باستدامة الوطء والصوم والصلاة على الأصحِّ خلافًا في "المنهاجِ".
وإذا حلفَ لا يدخلُ دارَ كذا، حيث بأن يصيرَ داخل محوط الدارِ بأي وجهٍ كانَ باختيارِهِ، إلَّا في الحجرةِ التي باجها خارجَ الدَّارِ وهي فوقَ الدارِ، ولا يحنثُ بالسطحِ غيرِ المحوطِ، وكذا المحوط من جانبين أو ثلاثةٍ أو أربعةٍ على الأصحِّ بتحويط مانع نيئًا أو خشب ونبق، فأمّا ما ليس بمانع كالقصب وما ضعفُ من الخشبِ فلا يحنثُ بمصيره فيه قطعًا.
فإن كان المحوطُ سقفًا كلُّه حنثَ قطعًا، إذا كانَ يصعدُ إليهِ من الدَّارِ، وكذا إن كان مسقفًا بعضُهُ وصارَ الحالفُ تحتَ المسقفة، فإن صارَ في المكشوفِ من السطح بالتسور أو بالنزولِ من دار الجارِ مثلًا، فإنَّهُ لا يحنثُ.
ولا يحنثُ بدخولِ طاقٍ قدام البابِ على الأصحِّ، ولا يحنثُ بدخولِ يدهِ أو رأسِهِ أو رجلِهِ التي إنْ وضعَ رجلَهُ فيها معتمدًا عليها، وباقي بدنِهِ خارجها حنثَ.
وإذا انهدمَتِ وبقي منها شيءٌ فإن منعَ الهدمُ من سُكنَى الباقي وسكنى المنهدم لم يحنثْ بدخولِ الباقي، ولا بدخولِ المستهدمِ، وإن نفع من سكنى المستهدم دون الباقي على عمارتِه لم يحنثْ بدخول المستهدمِ منها، ويحنثُ بدخولِ الباقي من عمارتِها.
الجزء: 4 - الصفحة: 295
ولو انهدمت بيوتها وبقي سورها، وهو مانعٌ لعلوِّه، فإنَّ الحالفَ يحنثُ بدخولِهِ، وإن كانَ غيرَ مانعٍ لِقصرِهِ فلا يحنثُ بدخولِهِ على الصحيحِ، ولا يحنثُ إذا صارتْ فضاءً، أو جُعلتْ مسجدًا أو حمًّامًا أو بستانًا بعدما انهدمت.
وإذا حلفَ لا يدخلُ دار زيدٍ، حنثَ بدخولِ ما ملكَهُ، وإن لم يسكنْهُ، إلَّا أن يريدَ مسكنَهُ.
وإن حلفَ لا يدخلُ دارَ زيدٍ، أو لا يكلِّمُ عبدَهُ أو زوجتَهُ فباعهما، وزالَ ملك البائعِ عنهما، أو طلَّقهَا بائنًا، لم يحنَثْ.
فلو قالَ دارُهُ هذهِ، أو زوجتُهُ هذه، أو عبدُهُ هذا، فيحنثُ، إلَّا أن يريدَ ما دامَ ملكَهُ، ولا يحنثُ إذا كلَّمهما بعد البيعِ وزوالِ الملكِ عنهما، أو كلمهما بعدَ الطلاقِ البائنِ.
وإن حلفَ لا يدخلها من ذا البابِ، فنُزع ونُصبَ في موضعٍ آخرَ منها حنث بالأوَّلِ على النصِّ دونَ الثَّاني.
وقيل: لا يحنثُ بواحدٍ منهما.
ولو حلفَ لا يدخلُ بيتًا حنثَ بكلِّ بيتٍ من طينٍ أو حجرٍ أو آجرٍّ أو خشبٍ أو خيمةٍ إذا كانَ الحالفُ عربيًّا، فأمَّا العجميُّ إذا قال بالفارسيَّةِ "درخانة نشوم" 3 فعنِ القفَّالِ أنَّه لا يحنثُ بالخيمةِ، ولا ببيتِ الشعرِ؛ لأنَّ العجمَ لا يطلقونَ هذا الاسمَ عليها، بل على المبنيِّ، وعلى هذا جرَى الإمامُ والغزاليُّ والرُّويانيُّ وغيرُهم، ورجَّحَهُ الرَّافعيُّ في "الشرحِ الصغيرِ".
ولا يحنثُ بمسجدٍ وكنيسةٍ وغار جبلٍ لم يتَّخذْ مسكنًا، فأما ما اتُّخذَ من ذلك مسكنًا فإنَّه يحنثُ به على أصلِ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه-.
الجزء: 4 - الصفحة: 296
ولو حلفَ لا يدخلُ على زيدٍ، فدخلَ بيتًا فيه زيدٌ وغيرُهُ حنثَ على.
. . (1) الطريقين، فلو جهل حضورَهُ فخلاف حنث الجاهل، ولو حلفَ لا يسلِّم عليه فسلَّمَ على قومٍ هو منهم واستثناهُ لم يحنثْ، وإن أطلقَ حنث على المذهب، إلَّا أَنْ يُسلِّمَ الحالفُ من الصَّلاةِ فلا يحنثُ سواء أكانَ إمامًا، أو مأمومًا، أَو منفردًا، والمحلوفُ عليه هناك غير مصلٍّ؛ لأنَّ الذي يحلفُ عليه الإنسانُ أنَّه لا يسلِّمُ إنما هو السَّلامُ الخاصُّ الذي يحصُلُ به الأنسُ، وزوالُ الهُجرانِ، وهذا إنَّما يكون في السلامِ في غيرِ الصَّلاةِ، فإنَّهُ هو الذي يحلفُ على تركه (2).
فصل
حلف لا يأكلُ الرءوسَ، ولم يكن له نية، فإنَّه يحنثُ برءوسٍ تُباع وحدها عادةً، ولا يحنثُ بالطَّيرِ والحوتِ والصيدِ إلَّا ببلدٍ تباعُ فيه منفردةً، وكانَ الحالفُ من أهلِ تلك البلد.
فإن كانَ من غيرِ أهلِ البلدِ وحلفَ ولم يبلغه عرفُ تلكَ البلدِ ثمَّ جاءَ إليها، فإنَّه لا يحنثُ بذلكَ.
والبيضُ يُحملُ على مُزايلِ بايضِهِ في الحياة كدجاجٍ ونعامة وحمامٍ، ويحنثُ بأكلِ البيضةِ المتصلةِ التي خرجتْ مِنَ الدَّجاجَةِ بعدَ موتِها على أرجحِ الوجهينِ، لا سمك وجراد 6.
واللحمُ على لحمِ نعمٍ وخيلٍ ووحشٍ وطيرٍ، إذا كانَ مُذَكًّا، فأمَّا لحمُ45
الجزء: 4 - الصفحة: 297
الميتةِ منه فالأرجحُ عدمُ الحنثِ 7.
وإذا اصطادَ الحلالُ لأجلِ المحرمِ الاصطيادَ بالجرحِ الذي يكونُ به حلالًا، فإنَّه يحرمُ على المحرمِ خاصَّةً، فلو حلَفَ هذا المحرمُ أن لا يأكُلَ لحمًا حنثَ بأكلِ هذا اللحمِ على الأقوى؛ لأنَّ هذا الحل لغيرِهِ في حالِ الاختيارِ، بخلافِ الميتةِ فإنَّها لا تحلُّ لأحدٍ في حالِ الاختيارِ.
ويتناولُ اللحمُ لحمَ الرَّأسِ واللسانِ على المذهبِ 8، ولا يتناولُ شحمَ الظَّهرِ والجَنبِ، ولا الشحم الذي يتخلل اللحم على الأصحِّ في الجميعِ عندَ شيخِنَا خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، ولا يتناولُ الكرشَ والكبدَ والطِّحالَ والقلبَ على الأصحِّ.
وأن الأليةَ والسنامَ ليستا شحمًا ولا لحمًا، والدسمُ يتناولُهما، وشحم الظهر والبطنِ وكل دهن مأكول، ولحم البقرِ لا يتناولُ الجاموس على الأصحِّ عند شيخِنا، إلَّا أن يكونَ الحالفُ قد بلغَهُ الأمرُ الشَّرعي في أنَّ هذا بقرٌ شرعًا في الزَّكاةِ والأضحيةُ والهدايا وفدية الجماعِ، فيكون الحلفُ منصبًّا إليهِ حينئذٍ.
وإذا قالَ مُشيرًا إلى حنطَةٍ: لا آكلُ هذه، حنثَ بأكلِها على هيئتها وبطحينها وخبزها، ولو قال: لا آكلُ هذه الحنطةَ حنثَ بها نيَّة ومقلية ومطبوخة 9.
والحنطةُ باقيةٌ مع الطبخِ، ولا يحنثُ بها مطبوخة وزالَ اسمُ الحنطةِ عنها على النصِّ، ولا بطحينها وسويقها وعجينها وخبزها.
الجزء: 4 - الصفحة: 298
ولا يتناول رطبٌ تمرًا ولا بُسْرًا ولا عنبٌ زبيبًا، وكذا السكوتِي.
ولو قالَ لا آكلُ هذا الرطب بتمرٍ فأكلَهُ أو: لا أكلِّمُ ذا الصبيَّ، فكلَّمه شابًّا أو شيخًا حنثَ على النصِّ 10.
والخبزُ يتناولُ كلَّ خبزٍ يسمَّى خبزًا لغةً، ولا يحنثُ بأكلِ الخبزِ الذي يحرُمُ أكلُهُ شرعًا، وهو خبزُ الحشيشة المفترة.
ولو حلفَ لا يأكلُ السويقَ فسفَّهُ، حنثَ إنْ لاكَه ثم ازدردَهُ، فأمَّا لو ابتلعَهُ من غيرِ أَنْ يلوكَهُ فإنَّه لا يُسمَّى أكلًا على الأصحِّ، فلا يحنثُ به حينئذٍ على الأصحِّ، وإن تناولَهُ بإصبعٍ ولاكَهُ ثم ابتلعه حنثَ كما في السَّفِّ، وإلَّا فلا، وإن جعلَهُ في ماءٍ فشربَهُ فلا حنثَ، أو لا يشربه فبالعكس 11. أو لا يأكلُ لبنًا أو مائعًا آخرَ فأكلَهُ بخبزٍ حنثَ، وإن شربَهُ فلا، أو لا يشربُه فبالعكسِ.
أو لا يأكلُ سمنًا، فأكلَ جامدًا أو ذائبًا بخبزٍ حنثَ، وإن شربًا ذائبًا فلا حنثَ، وإن أكلَهُ في عصيدةً، حَنَثَ، إن فاتَ عنه ظاهره 12.
ويدخل في فاكهةٍ بسرٌ، ومنصف، ورطب، ورمان إن وصل إلى حال نضجه، وأترج صلح للتفكُّه، وما أطلق عليه فاكهة في حال رطوبته، فإنَّه يستمرٌّ عليه ذلك الاسم ولو يبس 13.
ونبق وكذا بطيخ أصفر وأخضر، وهو الهنديُّ 14، وإن أطلق بطيخٌ دخل الهنديُّ إن كان الحالف بالديار المصرية، كما قالَهُ شيخُنا، ولب الفستقِ
الجزء: 4 - الصفحة: 299
والبندقِ وغيرهما على الأصحِّ.
ويدخل فيه القِثَّاء والخيار على النصِّ، ولا يدخلُ الليمون خلافًا لما في "المنهاجِ" (1) لأنَّه يصلح به بعض الأطعمةِ كالملحِ، وليس هو من الفاكهةِ، ولا النارنج كما ذكره شيخنا، ويدخلُ في الثِّمارِ اليابسُ لغةً وعرفًا، ولو أطلق تمر وجوز لم يدخل الهنديُّ فيهما (2).
والطعامُ يتناولُ عُرفَ أهلِ بلدِ الحالفِ، فمن كانَ عُرفُ بلدِهِ الطعامُ المطبوخُ كعرفِ الدِّيارِ المصريَّةِ حملَ عليه، ومن كانَ عُرفُهم أنَّ الطَّعامَ هو البرُّ كأهلِ الحجَازِ حمِلَ عليهِ، فلا يحنثُ أحد إلَّا بما يفهمه، ويكونُ ما أطلقَ لغةً وشرعًا إنَّما يلزمُهُ بهِ حِنثٌ بلغَةِ ذلكَ الإطلاقِ وفهمه، هكذا ذكرَ شيخُنا.
ولو قالَ: لا آكلُ من هذه البقرةِ، يتناولُ لحمَهَا وشحمَهَا ومُخَّها، وما ليسَ بلحمٍ ولا شحمٍ كالقلبِ وشحمة العينِ، ونحو ذلك مما يؤكَلُ من الحيوانِ إذا ذكي دونَ ولدٍ ولبنٍ، ولو قالَ: لا آكلُ من هذه الشجرةِ، فتمرٌ وجُمَّارٌ دونَ ورق لم يؤكلْ عادةً، وطرف غصنٍ.
فصل
حلفَ لا يأكلُ هذه التمرةَ 17، فاختلطتْ بتمرٍ فأكلَهُ إلَّا بعضَ تمرِةٍ لم يحنَثْ، وكذلك الحكمُ لو ضاعَ من الجميعِ تمرةٌ وأخذها طائرٌ، وجاز أنها1516
الجزء: 4 - الصفحة: 300
المحلوفُ عليها، هذا إذا لم يتيقن أنَّه أكلها، فإنْ تيقَّنَ أنَّه أكلَها 18 أكل المحلوفَ عليها حنثَ جزمًا.
ويحنثُ بآخرِ تمرة يأكُلُها إذا أكلَ الكُلَّ، كما قالَهُ القَفَّالُ، حتَّى لو كانَ الحلفُ بالطلاقِ، فالعدَّةُ من حينئذٍ لا من وقتِ الاشتغالِ بالأكلِ.
ولو حلفَ ليأكلنَّها، فاختلطتْ لم يبرَّ إلَّا بالجميعِ إن لم يتيقَّنْ إلَّا بذلك، فإن تيقَّنَ بدونِهِ كأنْ وقعتِ التمرةُ في جانبِهِ من الصبرةِ ولا تغُص فيها، وأَكَلَ الحالفُ من ذلكِ الجانب الذي وقعتْ التمرةُ عليهِ فلا حنثَ، حيثُ تيقَّنَ أنَّه أتى عليها.
أو ليأكلنَّ هذه الرُّمَّانة، لم يبرَّ إلَّا بجميعِ حبِّها ولا يحنثُ بتركِهِ قشرها وشحمها.
وإن حلفَ لا يأكُلُ هذه التَّمرةَ فأكلَهَا إلَّا قُمعها أو شيئًا بقي عليها مما جرَتِ العادةُ بتركِهِ فقد حنثَ.
قالَهُ الضمريُّ.
أو لا يلبس هذين، أو لا يلبسُ هذا وهذا لم يحنثْ بأحدهما، أو لا ألبسُ هذا ولا هذا، حنثَ بأحدهِما، وتبقى اليمينُ منعقدةً على الفعلِ الآخرِ على أصحِّ الوجهينِ، حتَّى إذا وجدَ يكفِّرُ أخرَى.
وإن حلفَ ليأكلنَّ هذا الطَّعامَ غدًا فماتَ قبلَهُ من غيرِ أن يقتلَ نفسَهُ فلا شيءَ عليهِ على المذهبِ، وإنْ مَاتَ أو تلفَ الطعامُ في غدٍ بعدَ غلته من أكلِهِ لا يحنثُ على النصِّ مع بقاءِ الوقتِ الذي يمكنُ فيهِ البرُّ لو بقيَ الطَّعامُ.
قال شيخنا: وهو المذهبُ المعتمدُ.
ولو قتلَ نفسَهُ بعدَ مجيءِ الغدِ، فإنَّه يحنَثُ، كما إذا قتَلَ نفسَهُ قبلَ الغدِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 301
وإن ماتَ قبلَ التَّمكُّنِ من غيرِ قتلِ نفسِهِ أو تلفَ الطَّعامُ قَبلَهُ بغيرِ تقصيرٍ منهُ ففيهِ قولَانِ؛ لأنَّهُ كالمُكرهِ، والأظهرُ عدمُ الحنثِ.
وإنْ أتلفَهُ بأكلٍ أو غيرِهِ مختارًا ذاكرًا لحلفِهِ حنثَ، وإن تلفَ بغيرِ تقصيرٍ منه، أو أتلفَهُ أجنبيٌّ ولم يمكنْهُ دفعُهُ فلا يحنثُ على الأصحِّ كالمكرهِ.
وإن حلفَ ليقضينَّ حقَّه عندَ رأسِ الهلالِ، فليأخذ في القضاءِ عندَ دخولِ الشهرِ، ويكفي في ذلك أَنْ يشرعَ في أسبابِ القضاءِ من ذلكَ الوقتِ، فإذا أخذَ في إحضارِ المالِ ذلك الوقتِ وورثه كان ذلك مقتضيًا لبرِّة، وإن لم توجدْ حقيقة قضاء الدَّينِ عند رأسِ الهلالِ، ولهذا لو احتاجَ إلى زمانٍ طويلٍ في الكيلِ أو الوزنِ لم يحنثْ بعدَ الشُّروعِ في ذلكِ من أوَّلِ جزءٍ من تلكَ الليلةِ، فإنْ قدم القضاء على الوقتِ أو مضى بعد الغروبِ قدر إمكانِ ولم يفعلْ ما تقدَّم حنث.
ولو حلفَ لا يتكلَّمَ فسبَّحَ حنثَ على الأرجحِ؛ لأنَّهُ تكلَّمَ، ولكنَّه لم يكلِّمِ النَّاسَ، وهو لم يحلِفْ على أن لا يكلِّمَ النَاسَ، ولا يحنثُ إذا قرأ القرآنَ.
وإن حلفَ أَنْ لا يكلمه، فسلَّمِ عليه في غيرِ الصلاةِ حنثَ.
وإن كاتَبَهُ أو راسلَهُ أو أشارَ إليه بيدِهِ أو غيرها فلا يحنثُ على الأظهرِ.
وإنْ قرأ آيةً وقعدا لِقراه، أو أطلقَ لم يحنثْ، وإلَّا حنثَ.
وإن حلفَ لا مالَ لهُ حنثَ بكلِّ نوعٍ من مالٍ، وإن قلَّ، بحيثُ يكونُ متمولًا حتى ثوبَ بدنِهِ، ومدبَّره، ومعلق عتقه على صفة في حياةِ المعلَّق، وأم ولدِهِ، ومقضي به كذلكَ، ودين حالّ، ومؤجَّلٌ في الأصحِّ، إلَّا الدين الذي للسَّيِّدِ على المكاتب، وإلَّا إذا مات المديون ولم يخلفْ تركة وليسرَ بالدينِ ضامنٌ لأنَّ الدينَ حينئذٍ صارَ في حكمِ العدمِ، لا مكاتبَ كتابةً صحيحةً على الأظهرِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 302
وإن حلفَ ليضربنَّه، فالبرُّ بِمَا يُسمَّى ضربًا، ولا يشترطُ الإيلامُ، إلَّا أن يقولَ: ضربًا شديدًا، فيشترطُ الإيلامُ مع ضربٍ تطلقُ اللغةُ عليه شديدًا، ولا يكفي وضع سوطٍ عليهِ، وعضٌّ، وخنقٌ، ونتفُ شعرٍ؛ لأنَّ ذلكَ لا يسمَّى ضربًا.
وأمَّا اللطمُ والوكزُ فيكفيانِ في البرِّ إذا حلفَ على الضربِ على الأصحِّ.
ولو حلفَ ليضربنَّه مائة سوطٍ، أو خشبةٍ، فشدَّ مائة مما سمَّاهُ، وضربَهُ بها ضربةً، أو بعثكالٍ عليهِ مائة شمراخٍ برَّ بالشدِّ فيما سمَّاه ولا يبرُّ بالعثكالِ فيما إذا حلفَ ليضربنَّه مائة سوطٍ على الصحيحِ، خلافًا لما في "المنهاجِ" 19، وإنَّما يبرُّ فيما تقدَّمَ إذا أصابَهُ الكلُّ أو تراكمَ بعضٌ على بعضٍ، فوصلَ إليهِ ثقلُ الكُلِّ.
ولو شكَّ في إصابةِ الجميعِ برَّ على النصِّ، إذا كانَ الضربُ بحيثُ يغلبُ على الظنِّ وصولُ الجميعِ، إنِ اعتبرنا المماسَّةَ، أو ثقلَ الجميعِ، إنِ اكتفينا بالانكباسِ، وأن لا يغلبَ على ظنِّ الحالفِ أنَّه لم يصل الجميع، بل يكونُ على خلافِ ذلك واحدٌ من أمرين: إمَّا بأن يغلبَ على ظنِّه إصابةُ الجميع، وإمَّا بأن يشكَّ شكًّا مستويًا.
ولو حلفَ ليضربنَّهُ مائةَ مرَّةٍ، لم يبرَّ بذلك، وإن قالَ: لا أفارقَكَ حتى أستوفي حقِّي منكَ، فهربَ قبلَ استيفاءِ المحلوف على استيفائِهِ، وكانَا ماشيينِ، ولم يقصِّرِ الحالفُ في الخُطَى، ولم يقفْ، أو واقفين ولم يمكنهُ اتباعه لم يحنثْ، وكذا إن أمكنَهُ على الصحيحِ، وإن فارقَهُ أو وقفَ حتَّى ذهبَ وكانَا ماشيينِ، أو أبرأهُ أو احتالَ على غريمٍ ثم فارقَهُ، أو اعتبرَ مفارقة
الجزء: 4 - الصفحة: 303
ليوسر حنثَ.
وإنِ استوفَى وفارقَهُ فوجدَه ناقصًا، إن كانَ من جنسِ حقِّه لكنَّه أردأ لم يحنثْ، وإن لم يكنْ من جنسِ حقِّهِ حنثَ إن كانَ عالمًا، وإلَّا فعلى الخلافِ في حنثِ النَّاسِي.
وإذا حلفَ لا يرى منكرًا إلَّا رفعهُ إلى القاضي، فرأى وتمكَّن ولم يرفعْ حتَّى ماتَ الحالفُ حنثَ، ويحملُ على قاضي البلدِ، فإن عزلَ فالبرُّ بالرفعِ إلى القاضِي، وإن قال: لأرفعنَّه إلى قاضٍ، برَّ بكلِّ قاضٍ.
أو لأرفعنَّه إلى القاضي فلان، فرآه ثم عزل، فإن نوى ما دام قاضيًا حنثَ إن أمكنَهُ رفعُهُ فتركَهُ، وإن لم يمكنْهُ فكمكرهٍ، وإن لم ينوِ بَرَّ بالرفعِ إليهِ بعدَ عزلِهِ، ومحلُّ حنثِهِ جزمًا في صورة موتِ الحالفِ، وفيما إذا أمكنَهُ رفعُهُ إلى القاضي ما دامَ قاضيًا فتركَهُ ما إذا لم يرَ المنكرَ بين يدي القاضِي الذي يبرُّ بالرفعِ إليه، فإن رآهُ فإنما يحصل البرُّ بأن يخبره به كما قاله المتولي.
ولو رأَى المنكرَ بعدَ اطلاع القاضي عليهِ، فالأصحُّ -وبه أجابَ البغويُّ- أنَّه يبرُّ بالإخبارِ وصورةِ الرفعِ.
وقد نصَّ في "الأمِّ" 20 على نحو ما قالَ المتولِّي، وعلى ما يساعد هذا التصحيح الذي أجابَ به البغويُّ، ولفظُه: وإن علماهُ جميعًا فعليهِ أن يخبرَهُ إنْ كانَ ذلك مجلسًا واحدًا.
انتهى.
وهو المعتمدُ.
فرع 21: حلفَ لا يبيعُ ولا يشتري، فعقدَ لنفسِهِ أو غيرِهِ حنثَ، ولا يحنثُ بعقدِ وكيلِهِ لَهُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 304
وإن حلفَ أن لا يزوجَ أو لا يطلقَ أو لا يعتقَ أو لا يضربَ، فوكَّلَ من فعلَ ذلكَ لا يحنثُ إلَّا أَنْ يُريدَ أن لا يفعلَ هو ولا غيرُه.
وإن حلفَ أن لا ينكِحَ فلا يحنثُ بعقدِ وكيلِهِ لَهُ على مقتضَى النصِّ، وقالَ به أكثرُ الأصحابِ، وهو المعتمدُ في الفتوَى، خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، وكذا لا يحنثُ بقبولِهِ هو لغيرِهِ.
وإن حلفَ لا يبيعَ مال زيدٍ فباعَهُ بيعًا صحيحًا حنثَ، وإلَّا فلا، وإن حلفَ أن لا يهبَ لَهُ فأوجبَ لَهُ فلم يقبلْ لم يحنثْ على الأرجَحِ، وإنْ قبلَ ولم يقبضْ حنثَ على المعتمدِ في الفتوى.
ويحنثُ بعمرَى، ورُقبى، وهبة تقديريَّة، كقولِه: أعتق عبدك عنِّي مجانًا، وصدقة تطوع.
ولا يحنثُ بالإعارةِ والوصيةِ والوقفِ الذي لا يكونُ في الموقوف حال الوقف عين يملكها الموقوف عليه، وإن حلفَ لا يتصدَّقُ فلا يحنثُ بالهبةِ على الأصحِّ.
وإن حلفَ أن لا يأكلَ طعامًا اشتراهُ زيدٌ، فاشتراهُ زيدٌ وغيرُهُ لم يحنثْ على النصِّ فيهما، ويحنثُ بما اشتراهُ سلمًا.
ولو اختلطَ ما اشترَاهُ بمشترى غيرِهِ لم يحنثْ حتَّى يأكُلَ قدرًا يعتقدُ أنَّهُ أكلَ من المختلطِ وإن لم يبلغْ مقدارَ طعامِهِ فيحنثُ حينئذٍ.
وإن حلفَ لا يدخلُ دارًا اشتراهَا زيدٌ، لم يحنَثْ بدارٍ ملكَ بعضَها بشفعةٍ.
الجزء: 4 - الصفحة: 305
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ