[فيه لُغتانِ: فتحُ الحاءِ وكسرِها] 1.
وهو 2 لغةً: القصدُ، أو قَصْدًا لِمُعَظَّمٍ.
وفِي الشَّرعِ: عبارةٌ عنْ قَصْدِ البيتِ العَتيقِ بإحرامٍ مَخصوصٍ، مُشتمِلٍ على وقوفٍ وغيرِه على وجهٍ مخصوصٍ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
وهو أَحدُ أركانِ الإسلامِ، وهل تجبُ العُمرةُ؟ قولان: أصحُّهُما الوجوبُ 3.
والوجوبُ علي التراخِي إلَّا في موضِعٍ واحدٍ، وهو ما إذا استطاعَ بنفسِه ثُم عُضِب، فإن الاستنابةَ تتضيقُ عليه 1، ولكن لا يُجبَرُ عليها.
ولا يجبُ الحجُّ والعمرةُ إلَّا بسبعِ شرائطَ 2:
(1) الإسلامُ.
(2) والبلوغُ.
3 والعقلُ.
4 والحريةُ.
(5) والاستطاعةُ.
(6) والإمكانُ.
(7) والوقتُ.
هكذا ذكر المَحامِلِيُّ (3) (4).
والإمكانُ مِنْ جُملةِ أمورِ الاستطاعةِ، وسيأتي.
والوقتُ يتعلقُ بالحجِّ، فلا يجبُ ذلك على الكافرِ الأصليِّ على معنى: أنَّا
لا نَطْلُبُ منه الفِعلَ، وإن كان 1 الكافرُ مخاطَبًا بفروعِ الشريعةِ.
ومَن حجَّ ثم ارتدَّ لمْ يَبطُلْ حجُّه على معنى أنَّه لا يُؤمَرُ بالقضاءِ إذا أَسْلمَ، وإلا فالرِّدةُ بمُجرَّدِها تُحبطُ العملَ على معنى ذَهابِ الأجرِ.
نصَّ عليه.
ومَن ارتدَّ قَبْلَ أن يَحُجَّ فتعلُّقِ الحجِّ باقٍ عليه.
ولا يجبُ الحجُّ على صبيٍّ، ولا مجنونٍ لمْ يوجدْ فِي حالِ عَقلِه بعد بُلوغِه ما يَقتضِي إيجابَ الحجِّ، فإن وُجد ثم جُنَّ لمْ يَسقطِ الإيجابُ، حتَّى لو أفاقَ اكتفى في الإيجابِ بما 2 سَبقَ، أو ماتَ قُضيَ مِن تَرِكَتِه، ولا يُستنابُ عنه في حالِ جُنونِه، فإنِ استنابَ وليُّه عنه، فماتَ مجنونًا فأظهرُ القولَينِ: لا يُجزِئُه، [فإنْ كان مع جُنونِه مَعضُوبًا أجزأَ عنه قَطْعًا.
قلتُه تَخريجًا.
وليس لنا موضعٌ يَسقطُ فرضُ الحجِّ وعمرتُه بالنيابةِ عن المجنونِ 3 إلَّا في هذا الموضعِ] 4.
والذي يُجنُّ ويُفيقُ عليه الحجُّ إذا حصلتِ الإفاقةُ زمنًا يقتضِي الإيجابَ، فلا يجبُ على العبدِ، يستوِي المُكاتَبُ والمبعَّضُ وغيرُهما.
وكل مَن لا يجبُ عليه يصحُّ منه إلا الكافرَ، فلا شَرْطَ للصحةِ غيرَ 5 الإسلامِ.
وصحتُه مِن المجنونِ والصبيِّ الَّذي لا يُميِّزُ بإحرامِ وليِّه، ويُحضِرُه المواقفَ ويأمرُه مقدورَه، والمميِّزُ يُحرِمُ بإذنِ وليِّه 1.
فللمباشرةِ شرطانِ:
(1) الإسلامُ.
2 والتمييزُ بإذنِ الوليِّ.
ومَن صحَّ منه مع وجودِ نقصٍ مِن صبًى أو رِقً لا يَسقطُ به الفرضُ إلَّا إذا زالَ نقصُهما ووقفَا (2) في حالةِ الكمالِ 3 أو طافَا في العُمرةِ، فإنه يَسقطُ فرضُهما ويُعيدَان 4 السعيَ، إن كانَا قد سَعيَا في حالةِ النَّقصِ، ولا دَمَ عليهما.
وإنْ أفاقَ المعتوهُ بعد الإحرامِ وقبْلَ الوقوفِ، فإن كان هو الَّذي أَحرَمَ في حالِ عقلِه، ثم أتى بالوقوفِ وبقيةِ الأركانِ وهو مُفيق سَقطَ عنه الفرضُ، وإن كان وليُّه أحرمَ عنه لَمْ يَسقطْ.
وظاهرُ النصِّ فيما 5 إذا أفاقَ في المِيقاتِ ودامتْ له الإفاقةُ حتَّى فرغَ مِن أركانِ الحجِّ أنَّه يُجزئُه عن حجةِ الإسلامِ مع تصوره 6 بأن وليَّه أحرمَ عنه.
وذَكرَ المَحامِلِيُّ -فيما إذا أفاقَ المعتوهُ بعد الإحرامِ وقبْلَ الوقوفِ- وجهَينِ على اختلافِ حالَينِ؛ لِأنَّه إن عادَ إلى الميقاتِ وأحرمَ منه، فقد صحَّ عنه، وإن لَمْ يَعُدْ إلى الميقاتِ وأحرمَ من حيثُ هو 1 فلا يصِحُّ، وعليه الهَدْيُ والقضاءُ في أحدِ القولَينِ، وهو كلامٌ غيرُ مُستقيمٍ.
والاستطاعةُ نوعانِ: استطاعةٌ بنفْسِه، واستطاعةٌ بغيرِه 2. فالأول يعتبَرٌ 3 فيها خمسةُ أُمورٍ: الأولُ: الراحلةُ 4 لمن لا يقوى 5 على المَشي في السفرِ القصيرِ، ويُعتبَرُ مع الراحلةِ ما يقتضِيه الحالُ مِن مَحمَلٍ ونحوِه 6. الثاني: الزادُ وأوعيتُهُ حتَّى السُّفرةُ، وأن يجدَ الزادَ والماءَ 7 في المواضعِ المعتادةِ بعِوَضِ المِثلِ، وأن يبدَ عَلفَ الدابةِ في كلِّ مرحلةٍ 8.
الثالثُ 1: الطريقُ.
الرابعُ 2: البَدَنُ.
الخامس 3: إمكانُ السيرِ.
وما تقدَّمَ في الراحلةِ والزادِ يُعتبَرُ وجودُه ذَهابًا وإيابًا لا لكاسبِ يَومٍ ما 4 ما (4) يكفيه لأيامٍ في السفرِ القصيرِ، والمكيُّ إذا استطاعَ وهو خارجَ مكةَ لا تُعتبَرُ نفقةُ الإيابِ في حقِّه.
وأما الطريقُ: فيُشترطُ فيه الأمنُ في النفْسِ والبُضْعِ والمالِ:
فمَن خافَ مِن سَبُعٍ أو عدوٍّ لا يَلزمُه الحجُّ إن لمْ يجدْ طريقًا سِواهُ.
ومَن خافَ مِن عدوٍّ ولمْ يكنِ الخوفُ عامًّا لأهلِ ناحيتِه 5، فالإيجابُ متوجهٌ إليه، ويُقضَى من تركتِه.
نصَّ عليه.
ويَلزمُ ركوبُ البحرِ إن غَلَبتِ السلامةُ 6.
وأما البُضعُ: فلا يجبُ على المرأةِ حتَّى تأمنَ على نفسِها بزوجٍ أو مَحرمٍ
أو عبدِها، ذَكرَه المرعشيُّ، وهو مُقتضَى كلامِهم في النظَرِ، أو نسوةٍ ثقاتٍ، والواحدةُ كافيةٌ للجوازِ، ولا يجوزُ سفرُها مع النسوةِ في التطوعِ 1 على الأصحِّ 2.
وأما المالُ: فمَن خافَ عليه مِن قاطعٍ أو رَصَدِيٍّ لم يجبِ الحجُّ إن كان الخوفُ عامًّا لأهلِ ناحيتِه، كما تقدمَ.
وأما البَدَنُ: فيُعتبَرُ لاستطاعةِ مباشرتِه أن يَستمسِكَ على الراحلةِ بِلا مشقةٍ شديدةٍ، ويُعتبَرُ وجودُ قائدٍ في 3 حقِّ الأعْمى.
وأما إمكانُ السيرِ: وهو أن يَبقَى مِن الزمانِ عندَ وُجودِ الزادِ والراحلةِ ما يُمْكنُ السيرُ فيه 4 إلى الحجِّ السيرَ المعهودَ، فإنْ لَمْ يَبْقَ ذلك لمْ يَلزمْهُ الحجُّ، وهو الَّذي تقدَّمَ في شرائطِه.
وأما 5 الوقتُ: فلا بد من، وأن يُوجَطَ المعتَبرُ في الإيجابِ في الوقتِ، فلو فلو استطاعَ في شهرِ رمضانَ، ثم افتقرَ قبْلَ مجيءِ شوالٍ، فلا استطاعةَ، وكذا لو افتقرَ بعد حجِّهم وقبلَ الرُّجوعِ لمن 6 يُعتبَرْ في حقِّه الذَّهابِ والإيابِ.
والثانية 1: الاستطاعةُ بغيرِه، فمَن لا يستمسكُ 2 على المركوبِ لإحدى العللِ الثلاثِ وهِي:
(1) العضبُ في البَدَنِ.
(2) أو كِبَرُ سِنٍّ.
3 أو ضعفُ خِلقةٍ.
فتلحقُه مشقةٌ عظيمةٌ بالركوبِ، وهو يجِدُ ما يَستأجرُ بِهِ مَن يحجُّ عنه فاضلًا عن نفقةِ مَن تَلزمُه نفقتُه يومَ الاستئجارِ، فيلزمُه ذلك (3).
ولو لمْ يجِدْ أجيرًا إلَّا بأكثرَ مِن أُجرةِ المِثلِ، لمْ يَلزمْه.
ومَن بِه إحدى العِللِ الثلاثِ إذَا لمْ يجِدْ مالًا، ووجدَ مَن يَبذلُ له الطاعةَ بالبدَنِ مِن قريبٍ أو أجنبِيٍّ 4 فيلزمُه ذلك 5 لَا في بذْلِ المالِ، ولَا فِيما إذا كان الولدُ ماشِيًا أو مُعوِّلًا على الكسبِ والسؤالِ.
وقياسُ ما سَبَقَ أَنْ يُلزَمَ في السفرِ القصيرِ في الماشِي القويِّ، ومَن يَكسِبُ ما يَكفيه لأيَّامٍ.
والحاجُّ عن غيرِه بِلا رِزقٍ ولا أُجرةٍ هُو المُتطوعُ.
ولا يَحُجُّ أحدٌ عن المعضوبِ 1 إلَّا بإذنِه؛ [على ما صحَّحُوه وهو مُشكِلٌ، والأقوى جوازُه بغيرِ إذنِه] 2، والمرزوقُ مَن يقول له: حُجَّ عنِّي، ويُعطيهِ 3 نفقةَ الطريقِ، ولو استأجرَ بالنفقةِ لمْ يصحَّ لجهالتِها، والأجيرُ مَن يستأجرُه لِيَحُجَّ عنه، فتكونُ إجارةً لازمةً، فجميع ذلك صحيحٌ جائزٌ، ويقعُ الحجُّ عن المحجوجِ عنه، ويَسقطُ بذلك فرضُه.
باب المواقيت
وقْتُ الإحرامِ بالحجِّ: شوَّالٌ، وذُو القَعدةِ، وعَشرُ ليالٍ مِن ذِي الحَجةِ، فلو 1 أحرمَ به قبْلَ وقتِه انعقدَ عُمرةً 2، أو فيه بحَجَّتَينِ انعقدَ بأحدِهما 3، ولا يُنشأ فيه حجةٌ ثانيةٌ، فلا أصلَ له.
ووقتُ العُمرةِ: جميعُ السَّنةِ لا لِمُحرِمٍ بِحَجٍّ 4، أو 5 لعاكفٍ بمنًى لرمْيِ أيامِ التشريقِ.
والمختارُ جوازُ إدخالِ العُمرةِ على الحجِّ، خلافًا لما صحَّحُوه.
والأقربُ خلافُ ما جَزمُوا به أنَّه يجوزُ أن يُحرِمَ العاكفُ بمنًى بالعُمرةِ؛ إذ ليس هو متلبسًا بإحرامٍ، ويُمكنُ الجمعُ بين العَمَلَينِ.
ولا يُتصورُ إحرامٌ لعملِ 1 حجٍّ في غيرِ الوقتِ السابقِ، إلَّا في صورةٍ واحدةٍ: وهِي ما إذا أُحصرَ بعد الوُقوفِ، فتحلَّلَ، ثم انكشفَ الإحصارُ:
فالجديدُ: لا يجوزُ البِناءُ.
والقديمُ: يجوزُ البِناءُ، فَعَلى القَدِيمِ: يُحرِمُ إحْرَامًا ناقصًا 2، ويأتي ببقيةِ الأعمالِ.
وأما الميقاتُ المكانِيُّ:
فللمُقيمِ بمكةَ الحجُّ 3 وإنْ قَرَنَ نفسُ مكةَ، وقد صحَّ إحرامُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابِه مِن البَطْحاءِ 4.
وأما العُمرةُ: فلا بد فيها مِن الخروجِ إلى أدْنى الحِلِّ ولو بخُطوةٍ.
وأفضلُ أطوافِ 5 الحلِّ: الجِعِرَّانةُ، ثُم التَّنعيمُ، ثُم الحديبيَةُ 6، ثُم 7 بعدُ بعدُ بطنُ وادٍ.
فإنْ أَحرمَ بالعمرةِ في الحَرمِ وعمِلَ الأعمالَ فالإحرامُ صحيحٌ قطْعًا، والأصحُّ صحةُ بقيةِ الأعمالِ ولزومُ دمٍ.
وأما الأفاقِيُّون: فميقاتُ المتوجِّهِينَ مِن المدينةِ: ذُو الحُليفةِ.
ومن الشامِ ومصرَ والمغربِ: الجُحْفةُ.
ومن تِهَامة اليمنِ: يَلَمْلَمُ.
ومن نَجْدِ اليمنِ ونجْدِ الحجاز: قَرْنٌ 1.
ومن المشرقِ ذاتُ عِرْقٍ، وهل ثبت بالاجتهادِ أو بالنَّصِّ؟ خلافٌ.
والمستحبُّ: أن يُحرِمُوا مِن العَقيقِ، وهو قبل ذاتِ عِرْق، ومَنْ مسكَنُهُ بينَ الحرَمِ والميقاتِ فميقاتُه مسكنُه، ومَنْ سَلَكَ طريقًا لا ميقاتَ فِيهِ أَحرمَ عند مُحاذاة واحدٍ، فإنْ لمْ يُحَاذِ 2 مِيقاتًا أَحرمَ إذا بقِيَ بينه وبينَ الحَرمِ مَرْحلتانِ.
باب وجوه (1) أداء الحج والعمرة
يُفعلُ الحَجُّ والعُمرةُ على أربعةِ أنواعٍ، عنْ فرْضِ الإسْلَامِ، والقضاءِ، والنَّذْرِ، والنَّفْلِ 2.
ولا يجتمعُ فرضُ الإسلامِ والقضاءُ [إلَّا في صورتَينِ: حجَّ صبيٌّ، أو اعتمرَ، فأفسدَ، ثم بلغَ، فعليهِ فرضُ الإسْلامِ والقضاءُ] 3.
وكذلك في الرقيقِ يَعْتِقُ.
كذا 4 قالوا.
وتَرِدُ عليهم صورتانِ، وهما الفواتُ في الصَّبِي والرِّقِّ 5، فإنَّهُ 6 يَلزمُ القضاءُ كالفسادِ، ويتَصورُ الفواتُ في العمرةِ تبعًا في القِرَانِ فالصورُ ثمانيةً.
والمرادُ بالنذرِ غير 7 قولِ مَنْ لمْ يَحُجَّ 8: "للَّه عليَّ أَنْ أحُجَّ هذِه السنةَ"،1
فإنه يَخرجُ به عنْ فرضِه ونذرِه.
ولا يجوزُ أن يَحُجَّ أحدٌ عن أحدٍ، ولا أن يَعتمِرَ عنه 1 إلَّا بعد أن يؤدِّيَ عن نفسِهِ حَجَّةَ الإسلامِ وعُمْرَةَ الإسْلامِ والقضاءِ والنَّذرِ، فَإِنْ أحرمَ عن غيرِه قبْل ذلك انصرفَ إلى فرضِهِ.
ويجوزُ أن يَحجَّ عَن غيرِه إذا كان قد حجَّ عَن نفْسِه وإنْ لَم يَعتمِرْ عَن نفسِه، وكذا في العُمرةِ.
والقضاءُ مقدَّمٌ 2 على النذرِ، فلو نَوَى عن النَّذرِ انصَرفَ إلى القضاءِ.
والنَّذرُ مقدَّمٌ على النَّفلِ، فلو أحرمَ بالنَّفلِ انصَرفَ إلى النَّذرِ 3.
[وكذا لَو أحْرمَ بالنَّفلِ وعليهِ فرضٌ، انصَرفَ إلى الفرْضِ] 4، وتقعُ الفروضُ دَفعةً واحدةً للمعضوبِ مِن جماعةٍ.
وذَكرَ المَحامِلِيُّ في الصرورة 5 -وهو الَّذي لم يَحُجَّ- صورتَينِ، يتقدَّمُ فيهما عُمرةٌ غير 6 فرْضٍ على عُمرةِ الفرضِ، وكلامُهُ في ذلك منتَقَدٌ 7، وسيأتي في الفَواتِ.
ويؤدَّى الحجُّ والعمرةُ على ثلاثةِ أنواعٍ:
1 إفرادٌ.
2 وتمتُعٌ.
3 وقِرانٌ.
ويقعُ الإحرامُ في أشهرِ الحجِّ مُطْلَقًا ومُعينًا، والتعيينُ أَولى في الأصحِّ، ثُم المُطْلَقُ يُصرفُ بالنيةِ إلى نُسُكٍ مُعينٍ أوكِلَاهُما (1).
1 - فالإفرادُ: أن يُفرِدَ الإحرامَ بالحجِّ، فإذا فَرَغَ مِن أعمالِه أَحرمَ بالعمرةِ وأتى بأعمالِها (2). 2 - والتمتُّعُ: المُوجِبُ للدمِ: أن يُحرمَ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ مَنْ على مسافةِ القصرِ مِنَ الحَرَمِ، إلَّا المكيَّ الَّذي لم يَتوطَّنْ بلذا بالمسافةِ المذكورةِ أو فوقَها (3)، أو لمْ يَصِرْ مُقيمًا عند المُتَولَي، ثم بعدَ فراغِه مِنَ العُمرةِ يُحرِمُ
بالحجِّ تلك السنةَ بلا عَودٍ إلى ميقاتِ الأفقِي 1 2.
ولا يُعتَبَرُ أن يكونَ النُّسكانِ في شهرٍ واحدٍ، ولا عن شخصٍ واحدٍ، ولا نِيَّةُ 3 التمتُّعِ على الأصحِّ في الثلاثةِ، ولا التمتعِ بين النُّسكينِ، خلافًا لما أَغربَ به المَحامِلِيُّ 4، جازمًا به.
وإذا فُقِد واحدٌ مِنَ الشروطِ ولكنْ تقدمتِ العمرةُ فهو متمتعٌ لا دَمَ عليه 5.
3 - والقِرانُ على أربعةِ أنواعٍ 6:
1 - أحدُها: أن يُحرمَ بالحجِّ والعمرةِ معًا.
2 - الثاني: أن يُحرمَ بالعمرةِ في أشهُرِ الحجِّ ثُم يُدخلَ عليها الحجَّ قبْلَ الطوافِ.
3 - الثالثُ: أن يُحرمَ بالعمرةِ قبْلَ أشهُرِ الحجِّ [ثُم يُدْخِلَ الحجَّ في أشْهُرِهِ] 1، وهذا ممنوع عندَ عامَّةِ الأصحابِ؛ خِلافًا للقفَّالِ وغيرِهِ مِمنْ قَطَعَ أو صحَّحَ.
4 - الرابعُ: أن يُحرمَ بالحجِّ، ثُم يُدخلَ العُمرةَ عليه، فالجديدُ منْعُهُ 2، والمختارُ جوازُه لِصحَّة ذلك مِن فِعْلِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقد قالَ: "خُذُوا مناسِكَكُم عنِّي" 3، ثم يمتدُّ الجوازُ ما لَم يَشرعْ في طوافِ القُدومِ على الأرْجَحِ.
وأفضلُها: الإفرادُ، [وإن 4 لَم يَعتمرْ في سَنَةِ الحجِّ] 5 خِلافًا لِمَن اعتبرَ ذلك جازمًا به مُحتجًّا 6 بأن تأخيرَ العُمرةِ عن سنةِ الحجِّ مكروهٌ إذ يُمنع ويُقَابَلُ بأن سَفرينِ لنُسُكينِ أبلغُ في المشقَّةِ، ثُم التمتعُ، ثُم القِرانُ، والمختارُ تفضيلُ القِرانِ 7،
ووجوبُ الدمِ لا يَمنعُ 1 مِن ذلك، ولا دَمَ بالقِرانِ على حاضِرِي المسجِدِ الحَرَامِ، [ولا على مَن عادَ مِن القارِنينَ إلى المِيقاتِ قبْلَ عرفةَ على نصِّهِ في الإملاءِ] 2. وَمَنْ تمتَّعَ ثم قَرنَ فعليه دَمانِ ولو في تِلك السُّنَّةِ.
ويَشتملُ الحجُّ والعمرةُ على أركانٍ وواجباتٍ وسننٍ ومحرماتٍ ومكروهاتٍ.
باب أركان الحج والعمرة (1) وواجباتهما وسننها
2
أركان الحجِّ سِتَّةٌ 3:
1 - [أولُها 4: الإحرامُ، وهو غَيرُ النيةِ، فلا يصحُّ الإحرامُ 5 إلَّا بالنيةِ، وليس هو التجرُّدَ عنِ المَخيطِ ونحوِه، فذاكَ واجبٌ يُجبرُ بالدمِ، وإنما هو صفةٌ حاصلةٌ للداخِلِ في حجٍّ أو عُمرةٍ بنيةٍ معتبَرةٍ، تَبْطُلُ هذِهِ الصفةُ بالرِّدَّةِ.
2 - الثاني: الوقوفُ بعرفةَ لحظةً بعْدَ زوالِ الشَّمسِ مِن 6 اليومِ 7 التاسعِ مِن ذِي الحجَّةِ إلى طُلوعِ فجرِ النحرِ، ولو معَ النومِ، أو مرورٍ لطلبِ غَريمٍ1
ونحوِه، إلَّا 1 مع الإغماءِ، ولو حَصلَ الغَلطُ لا لِشِرْذِمِةٍ قليلةٍ، فوَقَفُوا في العاشِرِ صَحَّ 2، لا في الثامِنِ أو الحادي عشرَ ولا في غيرِ المكانِ، وهذانِ الركنانِ متى فُقِدَ أحدُهما لم يَحصُلِ الحجُّ 3.
3 - الثالثُ: طوافُ الإفاضةِ 4 ويَدخلُ وقتُه بانتصافِ ليلةِ النحرِ لِمَن وقفَ، وإلا فلابدَّ مِن تقدُّمِ الوقوفِ، ولا آخِرَ لوقتِهِ.
4 - الرابعُ: السعيُ بَينَ الصَّفا والمروةِ سَبْعًا؛ يُحسبُ الذَّهابُ مرةً، والعودُ أخرى، والمعتبرُ الابتداءُ بالصفا 5. وللحاجِّ أن يُقدِّمَ السعيَ بعْدَ طوافِ القُدومِ ما لَمْ يقِفْ بِعرفاتٍ، وله أَنْ يؤخِّرَه حتَّى يَفرغَ مِن طوافِ الإفاضةِ، ويَتعينُ هذا التأخيرُ فيما إذا وقفَ ولَمْ يكنْ سَعَى.
5 - الخامسُ: الحلْقُ في وقتِه، وهو انتصافُ ليلةِ النحرِ 6، ولو قَبْلَ
طَوافِ الإفاضةِ والرمي، بشرط 1 تقدُّمِ الوقوفِ.
6 - السادسُ: الترتيبُ لا في الحلْقِ والطوافِ، كذا قيل ينبغي أن يُعَدَّ مِنَ الأركانِ كما في الوضوءِ والصلاةِ، وهو ممنوعٌ، فالإحرامُ صفةٌ دائمةٌ، والوقوفُ مؤقتٌ، والسعيُ يقعُ قَبْلَهُ مرةً، وبَعدَه بعْد طوافِ الإفاضةِ أُخرى، وطوافُ الإفاضةِ مؤقَّتٌ 2، وإنْ كان لا يقعُ إلَّا بَعْدَ الوقوفِ، وكذلك الحلقُ مؤقتٌ، ويَتقدمُ على الطوافِ، فانتفى الترتيبُ.
وما سِوَى الوقوفِ إنْ كان 3 في العُمرةِ، ويقوَى اعتبارُ التَّرتيبِ فِيها فإنَّه 4 إذا أَحرمَ طافَ ثُم سَعى ثُم حلَقَ.
وأما الواجباتُ: وهي 5 التِي تُجبَرُ بالدَّمِ فخمسةٌ: 1 - الأولُ: الإحرامُ مِن الميقاتِ، إلَّا ناسيًا، كذا استثنَى المَحَامِلِيُّ 6،
وهو راجحٌ، والمعروفُ أنَّ الدَّمَ واجبٌ على الناسِي والجاهِل، ولكنْ لا إِثمَ، وهذا الواجِبُ يَشتركُ فِيهِ الحَجُّ والعُمرةُ، ويَسقطُ فيه الدمُ بالمجيءِ إلى الميقاتِ قَبْلَ التلبُّسِ بنُسكٍ، وبقيةُ ما يذكرُ مختصٌّ بالحجِّ إلَّا طوافَ الوداعِ.
2 - الثاني: المبيتُ بمُزدلفةَ، والمعتبرُ حُضورُ ساعةٍ في النِّصفِ الثَّانِي، نصَّ عليه.
وتُستثنى ستةُ مواضعَ:
1 - مَن انتَهَى إلى عَرَفَةَ ليلَةَ النَّحرِ، واشتَغَل بالوقوفِ عن مَبيتِ مُزدلِفَةَ.
2 - أو أفَاضَ مِن عرفاتٍ إلَى مكَّةَ، فَطافَ الإفَاضَةَ 1، ففاتَهُ 2 المبِيتُ عندَ القفَّالِ 3، وفِيهِ احتِمالٌ راجِحٌ.
3 - أو لَهُ مالٌ يخافُ ضياعَهُ.
4 - أو مريضٌ يتعهَّدُهُ.
5 - أو يطلُبُ آبِقًا.
6 - أو يشتغِلُ بأمرٍ يَخافُ فوتَهُ.
3 - الثالث: الرَّمْيُ، وهو يشمَلُ 4 رَمْيَ جمرةِ العقَبَةِ، ورَمْيَ أيَّام التَّشريقِ،
وجمعْنَاهَا كُلَّها لِيُفهَمَ أنَّ تارِكَها كُلَّها يلزمُهُ دَمٌ واحِدٌ؛ على أصحِّ الأقوال، كَمَا هُو مُقتضى كلامِ الجُمْهورِ 1 خِلافًا للبغوِيِّ، حيثُ رجَّح تعدُّدَ الدِّماءِ بتعدُّدِ 2 الأيَّام.
ويدخلُ وقتُ 3 رمْي جمرةِ العقبةِ بِانتِصافِ ليلَةِ النَّحْرِ لِمنْ وَقَفَ وإلَّا فلا بُدَّ مِن تقدُّم الوقُوفِ.
والأفضلُ: أَنْ يرمِيَ بعدَ طُلُوع الشمْسِ، وينتهي وقتُ الاختيار بغروبِها، ويدخُلُ رفي بقيَّةِ الأيَّام بِزوالِ الشَّمسِ، وينتهِي في الكلِّ وقتُ الاختيارِ بِغروبِها، فلو رَمَى ليلًا كان أداءً، والمتروكُ يُتداركُ سابقًا على وظيفةِ الوقتِ ويقعُ أداءً فَمَا دَخَلَ وقتُهُ يبقى جوازُهُ إلى آخِرِ أيَّام التشرِيقِ.
ضابطٌ: ليس لنا عبادةٌ مؤقتة لها وقتُ فضيلةٍ ووقتُ اختيارٍ ووقتُ جوازٍ إلَّا هنا، وما تقدَّم في الصَّلاةِ.
ويزدادُ رمْيُ جمرةِ العَقَبةِ أنَّ الأفْضَلَ تأخِيرُهُ عنْ أوَّلِ وقتِهِ إلى طُلُوع
الشمسِ، ولهُ شَبهٌ بِشِدَّةِ الحرِّ، ونحوِهِ مِمَّا الأفضلُ فيهِ التأخيرُ عنْ أوَّلِ الوقْتِ.
ويرْمِي جمرَةَ العَقَبةِ سبْعًا، وكلَّ جمرةٍ مِنْ أيَّام التَّشريقِ سَبْعًا سَبْعًا، ويجِبُ التَّرتيبُ، فيبدأُ بالتِي تلِي مسجِدَ الخَيْفِ، ثُم الوسْطى، ثُم جمرةِ العَقَبَةِ.
والواجبُ الرمْيُ بما يُسَمَّى حَجَرًا، فلا يجوزُ بالإثْمِدِ، والزَّرْنِيخِ، والجِصِّ، والجواهِرِ المُنْطبعةِ من ذهبٍ وفضَّةٍ 1، ونُحاسٍ، وصُفْرٍ، وشِبْهٍ، ويجوزُ بحجَرِ الحدِيدِ لَا 2 بالحديدِ بعدَ استخراجِهِ، ويجوزُ بالعَقِيق، والفيْرُوزج، والياقوتِ، والبِلَّور، والمَرْمَرِ، دونَ اللؤْلُؤِ.
4 - الرابع: مبيتُ ليالِيَ مِنًى 3، ومنهُم مَن رجَّح أنَّه مستحَبٌّ، والمعتبرُ فِيهِ معظمُ الليْلِ، ثُم إنَّما يلزمُ مبيتُ الليلةِ الثالثةِ لِمن غربتِ الشمسُ وهو مُقيمٌ بِمِنًى، وحينئِذٍ يلزمُهُ رمْي اليَوْمِ 4 الثَّالِثِ أيضًا.
وللرُّعاةِ وأهْل السِّقايةِ أن يَدَعُوا المبيتَ بِمِنًى ليالِيَ التَّشْرِيقِ، فإنْ غربَتِ الشَّمْسُ والرُّعاةُ 5 بِمِنًى لزِمَهُمُ المبِيتُ 6.
وكذلك لا يلزمُ المبيتُ مَن له عُذرٌ مِن جهةِ غَرِيم يخافُ منهُ أو مريضٍ يتعهدُه وغيرُهما كما تقدَّم في مبيتِ مُزدلفةَ.
5 - الخامس: طوافُ الوَدَاع 1، وإنَّما يُعَدُّ مِنْ واجباتِ الحَجِّ -وكذا العمرةِ- إذا عُدَّ مِنَ المناسِكِ حتَّى لا يلزمَ الخارجَ من مكةَ بمُجرَّد الخروج.
والأرجحُ أنهُ ليس مِن المناسِكِ 2، فهُو واجبٌ مستقِلٌّ على مَن أراد مُفارقةَ مكَّةَ إلى مسافةِ القصْرِ، وإنْ لم يكُنْ حاجًّا ولا مُعْتَمِرًا، ورُجِّحَ وجوبُهُ لدونِها 3 إلَّا إنْ خَرَجَ للتَّنعيم أو لعرفاتٍ، ولا خِلافَ أنَّ الحاجَّ والمقيمَ 4 والمعتمرَ لو أقام بمكَّةَ لا وَدَاعَ عليهِ.
ويستقرُّ الدَّمُ بتركِهِ إذا بَلَغَ مسافَةَ القَصْرِ.
ورُخِّصَ للحائِضِ أَنْ تنفِرَ بغيرِ وَدَاع ولو طهُرَتْ قبلَ مسافةِ القصْرِ 5 ولا يلزَمُها العودُ على النَّصِّ.
وأما الجمعُ بعرفَةَ بينَ الليل والنَّهارِ لِمن وَقَفَ بالنَّهار فهُو واجِبٌ على قولٍ مَرجُوحٍ.
وكذلك ركعتَا الطوافِ تُجبرُ بالدَّم على قولٍ ضعيفٍ 1، ذكرهُ المَحَامِلِيُّ، بمجرَّدِ التَّأخِيرِ.
والمعروفُ أنَّهما لا يَفُوتانِ أبدًا، لكِنْ لو ماتَ أمْكَنَ إيجابُ الدَّم تفريعًا على القولِ المرْجُوح بوجُوبِهِما.
وأمَّا التجرُّدُ عنِ المخِيطِ ونحوِ ذلك فيُذكرُ في بابِ محرَّماتِ الإحْرَام.
والتحللُ مِنَ الحَجِّ يحصُلُ بِفِعْلِ الأركانِ، وواحدٍ مِن الواجِبَاتِ، وهو رَمْيُ جمرةِ العَقَبَةِ.
وأقرَبُ ما له مدخَلٌ في التَّحللِ مِنَ الأركان: طوافُ الإفاضَةِ، والحلْقُ، فإذا أتَى باثْنينِ مِنَ الثَّلاثةِ المذكورةِ وهِي الطوافُ والحلْقُ ورمْيُ جمرةِ العَقَبَةَ، فهو التَّحلُّلُ الأوَّلُ.
ولا بُدَّ مَعَ الطوافِ مِن السعْي إنْ لمْ يكُنْ سَعَى، ويحلُّ بِهذا التَّحللِ ما عدا الجِمَاع وعقْدِ النِّكَاح، وفِي قولٍ مرجوح 2: يحِلُّ عقْدُ النِّكَاح، فإذا أتَى بالثَّالِثِ كان التَّحللُ الثانِي وحلَّ بِهِ ما بَقِيَ مِن المُحرَّماتِ 3.
وليس للعُمْرةِ إلَّا تحللٌ واحدٌ بركنٍ وهو الحَلْقُ.
ضابطٌ: لا يحلُّ شيءٌ منَ المحرَّمات بغيرِ عُذرٍ قبل التحللِ الأولِ إلَّا حلقُ بقيَّةِ شعرِ البدَنِ 1، [فإنَّه يحلُّ] 2 بعدَ حلقِ الرُّكنِ أو سقوطِهِ لِمن لا شَعَرَ على رأسِهِ، وعلى هذا صارَ للحَجِّ ثلاثُ تحلُّلَاتٍ ولم يتعرَّضوا لذلك، وقياسُهُ: جوازُ التَّقليم 3 حينئِذٍ كالحلْقِ إذْ هُو شبههُ، وفيه نظرٌ.
وأما السنن:
- فما سَبَقَ مِن الأغسالِ المسنونةِ 4.
- وأن يكونَ غُسلُ دُخولِ مكَّة بذِي طُوى لِمن مرَّ عليه.
- وللرجُلِ لبسُ رداءٍ وإزارٍ أبيضينِ 5 جديدِينِ وإلَّا فمغسُولَينِ.
- وتطييبُ 6 البدنِ قبلَ الإحرام، ولو للنِّساءِ على الأصحِّ، ولا تضُرُّ
استدامتُهُ بعدَ الإحْرَام، ولا انتقالُهُ بالعَرَقِ 1.
- وليس تَطْيِيبُ 2 الثوبِ بمُستحبٍّ، خِلافًا لمَا في "المحرر" 3 تَبَعًا للتَّتِمَّة و"النِّهايةِ"، بل هو جائزٌ في الأصحِّ.
- وأن تخضِبَ المرأةُ يديْهَا إلى الكُوعينِ بشيءٍ مِن الحِنَّاءِ وتمسحَ وجْهَهَا بِهِ 4.
ومن السنن:
- الركعتانِ قبلَ الإحْرَام.
- وأن يحرِمَ إذا سَارَ؛ لصحتِهِ عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفِي قولٍ: عقبَ الصَّلاةِ، لحديثٍ في "سنن أبي داود" 5.
والتلبيةُ والإكثارُ منها.
والصلاةُ على النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عند الفراغ منها.
وسؤالُ الجنّةِ والاستعاذةُ مِن النَّارِ.
وتستمرُّ التلبيةُ إلى رَمْي جمرةِ العَقَبَةِ، ولا تُستحبُّ في طوافِ القُدُوم والسَّعي بعدَهُ 1 على الجدِيدِ.
والأفضلُ: دُخولُ مكَّةَ بالنَّهارِ ماشيًا.
وأن يدخلَ مِن الثَّنِيَّةِ العُليا والمسجِدِ في أوَّلِ الدُّخول 2 مِن بابِ بنِيْ شيْبَةَ 3.
وأنْ يرفعَ يديْهِ إذا وَقَعَ] 4 بصرُهُ على البيتِ، ويقولَ: "اللهُمَّ زِدْ هَذَا البيتَ تَشْريفًا وتَعْظيمًا وتَكْريمًا 5 [ومَهَابةً، وزِدْ مَن شرَّفهُ وعظَّمهُ مِمَّن حجَّهُ أو اعتمرهُ تَشْريفًا وتَكْريمًا وتَعْظيمًا] 6 وبِرًّا"، ولو زَادَ في الدُّعاءِ = وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن، وهو صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخرة، ضعفه أحمد وغيره.
للبيتِ: "برًّا"، و 1 في الشَّخصِ: "مهابة" كان حَسَنًا خِلافًا لِمن أنْكَرَ ذلك 2، فقدْ أسندَهُ الطبرانِيُّ عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 3.
وأن يبدأَ بالطوافِ أوَّلَ دخولِهِ، إلَّا إذا دَخَلَ والإمامُ يُصلِّي بالنَّاس المكتوبةَ، أو أقيمتِ الجماعةُ، أو خافَ فوْتَ صلاةِ فريضةٍ، ولو قضاءً، كما قال المَحَامِلِيُّ 4.
لكن القضاءُ في صلاةِ الفرضِ لا يفوتُ، إلَّا أَنْ يُريدَ بالقضاءِ الواجِبَ على الفورِ، لِتَرْكِها بغيرِ عُذْرٍ، وكذا لو خَافَ فَوْتَ سُنَّة مؤكَّدةٍ كركعتَي الفجرِ ونحوها، أو قَدِمَتِ امرأةٌ جميلةٌ أو شريفةٌ وهِي لا تَبْرُزُ للرِّجال، فتؤخِّرُه إلى الليل.
وطوافُ القُدُوم سُنَّةٌ على المشهورِ؛ وإنَّما يُسنُّ لحاج أو قارنٍ دَخَلَ قبلَ وقتِ دُخولِ 5 الإفاضةِ.
فأمَّا المعتمرُ فطوافُهُ واقعٌ عنْ فرضِ العُمْرَةِ، وكذا الحاجُّ بعدَ دخولِ وقتِ الإفاضةِ، أو القارِنُ.
وسننُ الطوافِ والسَّعي تُعدُّ مِن سُنن الحجِّ والعمرةِ، والخُطبُ وسننُ الوقوفِ والخروجِ إلى المُزدلِفَةِ، وما يتعلَّقُ بالمزدلفةِ وسننِ الرمي وما يتعلَّقُ بمِنى يُعَدُّ مِن سُنَنِ الحجِّ أيْضًا.
فصل فِي بيان ذلك
للطَّوافِ بأنواعِهِ واجِباتٌ وسُننٌ:
أما 1 الواجباتُ 2: فسَتْرُ العورةِ، والطهارةُ، كَمَا للصَّلاةِ، لكِنْ لو أحدَثَ هُنا تطهَّرَ وبَنَى، إلَّا بالإغْماءِ 3 فلْيَسْتَأْنِفْ، [ذكره الماوردِيُّ] 4. وفِي الجنونِ بطريقِ الأوْلى.
وما تقدَّم مِنْ سَتْرِ العورةِ والطهارةِ شرطٌ.
وعَدَّ المَحَامِلِيُّ مع شرْطِ الطَّهارةِ أَنْ لا يكونَ مُنكَّسًا 5 وسيأتي.
ومِنَ الواجِباتِ: أَنْ يكونَ الطوافُ فِي المسجِدِ ولو اتَّسَعَ، لكِنْ إذا اتسَعَ إلى الحِلِّ فلْيتوقَفْ [فِي الطَّوافِ] 6 فِي الحِلِّ، لأنَّه مِن خصائِصِ مسجِدِ الحَرَام.
وأنْ يبتدئَ مِنَ الحَجَرِ الأسْوَدَ فيُحاذِيهِ بِجمِيع بدنِهِ، وأنْ يمُرَّ تِلقاءَ وجهِهِ.
وأنْ يجعلَ البيتَ على يسارِهِ.
وأن يكونَ خارجَ البيتَ والشَّاذِرْوَانِ والحِجْرِ بِموضِعٍ غيرِ مُرتفِعٍ على 1 البيْتِ كسقفٍ ونحوِهِ.
وأن يطوفَ سبعًا، ومُقتضى ذلِكَ أنَّه لا يُتعبدَ بطوفَةٍ تطوَّعًا.
ولا تجبُ النيةُ على الأصحِّ فِي طوافٍ يتعلَّقُ بالنُّسكِ، وهُو طوافُ الركنِ والقُدوم، لكِنْ يُشترطُ أَنْ لَا يصرِفَهُ إلى غرضٍ آخرَ مِن طَلَبِ غريمٍ ونحوِهِ على الأصحِّ.
وأمَّا ما لا يتعلقُ بالنُّسك: فتُعْتَبَرُ فيهِ النيةُ، ومنهُ طوافُ الوداعِ والتَّطوُّعِ 2.
وأمَّا المنذورُ: فهُو كالرُّكن [فِي أنَّه ينصرفُ طوافُ 3 التَّطوع إليه] 4، وإنْ لَم يتعيَّنْ زمنُهُ فِي الأصحِّ، ولا تجبُ الموالاةُ على الأصحِّ، وركعتاهُ تقدم حكمُهُما.
ومِن سُننِهِ 1: النيةُ فيما لا يجبُ فيه، والمشيُ، فإن 2 كان يحتاجُ لظهورِهِ لِيُسْتفتى 3 ركبٌ، وكذا يجوزُ الرُّكوبُ لعذرٍ مِن مرضٍ ونحوِهِ.
ومِنَ السننِ: استلامُ الحَجَرِ الأسودِ بِيدِهِ فِي ابتداءِ طوافِهِ، وتقبيلُهُ، ووضعُ الجبهةِ عليهِ، وللزَّحمةِ يُمَسُّ باليدِ فيقبِّلُها، فإنْ لم يصِلْ أشار بِها، وإنْ لم يتمكَّنْ مِنَ الاسْتلام بِاليدِ فاستَلَمَ بخشبةٍ ونحوِها كان مُسْتحبًّا له 4، وتقبيلُ طَرَفِ الخشبةِ.
وفِي اليمانيِّ يستلمُه، ويقبِّلُ 5 اليدَ بعدَ استلامِهِ، ويُراعي ذلك فِي كُلِّ طوفةٍ 6، وفِي الأوتارِ آكَدُ.
والذِّكْرُ المأثورُ فِي الابتداءِ وغيرِهِ.
والرَّمَلُ للرجُل، وهُو الإسراعُ فِي المَشْيِ مَعَ تقارُبِ الخُطا فِي ثلاثِ
طَوَفَاتٍ مِنْ أوَّلِ طَوافٍ يعقبُهُ سعيٌ 1، ويمشِيْ على هينتِهِ فِي الأخِيرةِ.
ويضطبعُ الرَّجُلُ فِي الطَّوافِ المذكورِ، والسعيُ بعدهُ لَا فَي الرَّكعتينِ.
والاضطباعُ: أَنْ يجعلَ وَسَطَ ردائِهِ تحتَ منكبِهِ الأيمنِ، وطرفَيهُ 2 على عاتِقِهِ الأيسرِ.
وأن يقرُبَ الطائفُ مِنَ البيتِ، فإنْ لم يمكِنْهُ الرَّمَلُ مَعَ القُرْبِ أبْعَدَ ورَمَلَ، فإنْ كان فِي البُعد نساءٌ لا تُؤْمَنُ ملامستُهُنَّ قرُب 3، وتَرَكَ الرَّمَلَ.
وأنْ يقرَأ فِي الركعتينِ بعدَ الفاتِحةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ والإخلاصَ فِي الثانِيةِ، وأنْ يُصليَّهُما 4 خلفَ المَقَام، وإلَّا ففِي الحِجْرِ، وإلا ففِي المسجِدِ، وإلا ففِي أيِّ موضِعٍ شاءَ مِن الحَرَمِ وغيرِهِ.
ويجهرُ فيهما ليلًا، ويُسِرُّ نَهارًا، والأقْوَى بحْثًا يُسِرُّ مُطلقًا كالجِنازةِ.
ويُستحَبُّ أَنْ يصلِّي عَقِبَ كُلِّ طوافٍ ركعتَيهِ 5، فإنْ طافَ طوافيْنِ أو أكثرَ ثُم صلَّى لكُلِّ طوافِ ركعتَينِ 6 جاز.
وقال المَحَامِلِيُّ فيمن طَافَ طَوَافينِ قِيل إنَّه 1 يُصلِّي عقِبَهُما 2: أربَعَ ركعاتٍ.
وقِيلَ: إنَّه يُصلِّي عَقِبَ كُلِّ طوافٍ ركعتينِ، وحكايتُهُ الوجهينِ غريبٌ، ومُقتَضَى الثانِي أنَّه لا يجوزُ ما ذكرَهُ مِن 3 الوجهِ الأولِ، ولم أرَهُ لغيرِهِ.
ومِن السننِ:
العودُ للحجرِ 4 الأسودِ وتقبيلُهُ 5 بعدِ الركعتينِ، ثُم الخروجُ للسعي مِن بابِ الصَّفا.
ومِن سُننِ السَّعي: الرُّقِيُّ على الصَّفا بقدْرِ قامَةِ رَجُلٍ، وأن يستقبلَ البيتَ 6 ويهلِّلَ ويكبِّرَ ويحمَدَ 7 على ما جاء فِي السُّنَّةِ 8.
ويدْعُو ويعيدُ الذِّكْرَ ثلاثًا.
والمختارُ يدعو بعدَ الثالثةِ لِصحتِهِ عنِ النبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ثم إذا نَزَلَ مِن الصَّفا فالسُّنةُ أَنْ يسْعَى الرَّجُلُ فِي 1 موضِع السَّعي، وهو قبلَ المِيلِ الأخضرِ بِسِتَّةِ أذرُع إلى ما يلي 2 المِيلَين الأخضرَيْنِ 3، ثُم يمشِي على عادتِهِ، ويقولُ فِي سعيهِ: "ربِّ اغفِرْ وارحَمْ وتجاوزْ عمَّا تعلمُ، إنَّك أنت الأعزُّ الأكرَمُ" 4.
ويَرْقَى على المروةِ بقدْرِ قامةِ رجُل 5 ويدعُو ويذكُرُ 6 كمَا تقدَّم.
والواجِبُ قطعُ المسافةِ بينهما بأن 7 يُلْصِقَ العقِبَ بأصْلِ ما يذهَبُ منهُ ثُم يُلصِقُ أصابع رِجْليهِ بما 8 يذهبُ إليهِ.
= ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا.
ومِن سُننِ الحجِّ: أَنْ يخطُبَ وَلِيُّ الأمْرِ بمكَّةَ فِي السَّابع مِن ذِي الحِجَّةِ بعدَ صلاةِ الظُّهرِ خُطبةً واحدةً يأمُرُ الناسَ فِيها بالغُدُوِّ إلى مِنًى ويعلِّمُهُم مَا بينَ أيدِيهِم مِن المَنَاسِكِ.
ويُسَنُّ أَنْ يخطُبَ فِي الحَجِّ فِي ثلاثةِ 1 مَوَاضِعَ أُخَر 2:
(1) يومُ عرفَةَ بِمسجِدِ إبراهِيمَ 3 بعدَ زوالِ الشمسِ وقبلَ صلاةِ الظهرِ، ولتكُنْ هنا خُطبتانِ يذكرُ لهم 4 فِي الأولى ما أمامَهُم مِنَ المناسِكِ، ويُحرِّضُهم على إكثارِ الدُّعاءِ والتَّهليلِ بالموقِفِ، ويُخفِّفُ، ويجلِسُ، ثُم يقومُ إلى الثَّانيةِ ويأخُذُ المؤذِّنُ فِي الأذانِ، ويُخفِّفُها 5 بحيثُ يفرغُ مع 6 فراغِهِ مِنَ الأذانِ، ثُمَّ يُصلِّي الظُّهرَ والعصرَ، والجمعُ للسَّفرِ الطَّويلِ عَلَى الأصَحِّ.
(2) ثمَّ خُطبةٌ واحِدةٌ يومَ النَّحرِ بِمِنًى.
(3) ثُمَّ أُخرى يومَ النَّفْرِ الأوَّلِ بِمِنًى.
ويُعلمُهُم فِي كلِّ خطبةٍ ما أمامَهُم مِن المناسِكِ إلى الخطبةِ الأُخرى، وكلُّ الخطبِ أفرادٌ، وبعدَ صلاةِ الظُّهرِ، إلَّا يومَ عرفَةَ، فإنَّها خُطبتانِ، وقبلَ الصلَاةِ.
وأغرب المَحَامِليُّ 1 فقال فِي الخُطبِ الأرْبَع: كلُّها بعدَ الزَّوالِ وقبلَ الصَّلاةِ.
وأغرب المَرْعشِيُّ فقال فِي خُطبتي مِنًى: إنَّهما بعدَ الصَّلاةِ.
ومِمَّا أغرب بِهِ أيضًا أنَّه يَفتَتِحُ بالتكبيرِ خطبةَ مكَّةً، وخُطبتَيْ مِنًى.
ضابطٌ:
الخُطبُ كلُّها عشرةٌ، سبعٌ: خطبتانِ، وثلاثٌ: واحدةٌ واحدةٌ.
السبع: الجمعةُ، وعرفَةُ، والعيدانِ، والخُسُوفانِ، والاسْتِسقاءُ.
والثلاث: خطبَةُ مكَّةَ، وخُطبتَا مِنًى.
وقبل الصلاةِ: مِنها الجُمُعةُ، وعرفَةُ.
وبقيَّتُها 2 بعَدَ الصَّلاةِ على المشهورِ 3. وفِي الاستسقاءِ: الأمْرانِ.
وقد تعرِضُ الخطبةُ لأمرٍ مُهمٍّ كَمَا كان يفعلُ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس فِي جمِيع الخُطبِ فرضٌ إلا الجُمُعةُ.
ومن السنن:
المبيتُ بمِنًى ليلةَ اليوم التَّاسِع، فإذا طَلَعتِ الشمسُ على ثَبِيرٍ سارُوا إلى عرفاتٍ، فإذا 1 وصلُوا نَمِرَةَ، ضُربتْ قُبَّةٌ للإمَام 2، فإذا زالتِ الشمسُ ذهَبَ الإمامُ بالنَّاسِ إلَى مسجِدِ إبراهِيمَ، وفَعَلَ ما تقدَّم مِن الخطبةِ والصلاةِ، ثُم يذهبُونَ إلى المَوقِفِ.
والسنةُ: أَنْ يقِفُوا عندَ الصَّخَرَاتِ، ويستقبِلُوا الكعبَةَ، والوقوفُ راكبًا أفضلُ.
والسُّنةُ: الإكثارُ مِن التَّهليل والدُّعاءِ حتَّى تغرُبَ الشمسُ، فإذا غَرَبَتْ وذهبتِ 3 الصُّفرةُ قليلًا دَفعوا مِن عرفاتٍ.
والجمْعُ بينَ الليلِ والنَّهارِ بعرفاتٍ لِمن وَقَفَ بالنَّهارِ سُنَّةٌ على أصحِّ القوليْنِ.
والسُّنةُ: أن يَدْفعُوا مِن عرفاتٍ بِسَكينةٍ ووقَارٍ على طرِيقِ المَأْزِمَيْنِ، ومَنْ 4 وَجَدَ فُرجةً أسْرَع، وتُؤخَّرُ المغرِبُ إلى أَنْ تُصلى مع العِشاءِ بمُزدلِفَةَ جمْعًا بسببِ السَّفرِ الطَّويل على الأصحِّ، ويبيتُ بِها إلى أَنْ يطلُعَ الفجرُ الثَّانِي، ويأخذَ مِنها الحَصَى لرمْيِ يوم النَّحر؛ نَصَّ عليه، وأخذ بِهِ الأكثرون.