التدريب في الفقه الشافعيصفحات 16-45

الزوجَ بذلك.
فإنْ عاد إليها أو أرسَلَ إليها وكيلَهُ فاستأنَفَ تسليمَهَا عادتْ لها النفقةُ.
وإذا مضى زمنُ إمكانِ العودِ ولمْ يعدِ الزوجُ إليها، ولم يُرسلْ إليها وكيلَهُ عادتْ لها النفقةُ أيضًا، وأظهرُ القولينِ أنَّ الصغِيرةَ لا تجِبُ نفقتُها على زوجِها سواءٌ كان كبيرًا أو صغيرًا.
وتجبُ للكبيرةِ على الصغيرِ، وقد سبقَ فِي أولِ البابِ، والمرادُ بالصغيرةِ والصغِيرِ مَن لا يتأتَّى جِماعُهُ، والكبير مَن تأتَّى منه الجِماعُ لِيدخلَ المراهِقُ 1. ولو 2 أحرمتْ بالحجِّ أو العمرةِ بِغيرِ إذنِ زوجِها فلَا يخلو إمَّا أن تخرجَ أم لا: فإنْ خرجتْ ولم يكنْ معها سقطَتْ نفقتُها، وإن لم تخرجْ فَلَا تسقطُ؛ لأنَّها فِي قبضتِهِ، وهو قادرٌ على تحليلِها.
وإنْ خَرَجَ معها لم تسقطْ نفقتُها على الصحيح.
وإن أحرمتْ بإذنِهِ وخرجتْ ولم يكن معها سقطتْ نفقتُها على أظهرِ القولينِ.
وإن كان معها لم تسقطْ نفقتُها على أقوى الطريقين.
ولا فرقَ فِي الخروجِ بين أن يكونَ بإذنهِ أو لا، إذا كان إحرامُها بإذنِهِ، ولا أثَرَ للنهي عنِ الخُروجِ 3. وللزوج منْعُها مِنْ صومِ التَّطوعِ، فإنْ أبتْ سقطتْ نفقتُها فِي الأصحِّ، وله منْعُها عن القضاء الموسَّع، وفيه وجهٌ لا يمنع.

وليس له منْعُها مِن تعجيلِ الفرائضِ فِي أولِ وقتِها ولَا مِن السُّننِ الراتبةِ ما لم تُطِلْ، ولا مِن صوم عرفةَ وعاشوراءَ.
وله منْعُها مِن صومِ الكفارةِ، فإن صامتْ سقطتْ نفقتُها كُلُّها، وقيل: يسقُطُ نِصفها للتمكِين من الاستمتاع فِي الليلِ، والأظهرُ الأوَّلُ كما لو سلَّمت ليلًا فقط، أو نَهارًا فقط فلا نفقةَ على أرجحِ الوجهينِ (1).

فصل

تجبُ النفقةُ للرَّجعيَّةِ، وكذلكَ الكسوةُ، وسائرُ المؤناتِ كالزوجةِ، إلَّا آلةُ التنظيفِ، فإنَّ الزوجَ ممتنعٌ عنها.
ولا فرقَ بينَ أَنْ تكونَ الرجعيةُ حرَّةً أو أمةً، حائلًا أو حاملًا.
ولا تسقطُ نفقتُهَا إلَّا بما تسقطُ به نفقةُ الزوجاتِ 2. وإذَا كانَتْ حاملًا استمرَّتِ النفقةُ إلى انقضاءِ عدَّتِهَا بوضعِ الحملِ، أو غيرِهِ، فلو ظهَرَ بِهَا أماراتُ حملٍ بعدَ الطلاقِ فأنفقَ، ثم ظهرَ أنَّهُ لم يكُنْ حمل استَرَدَّ ما دفعَهُ إليهَا بعدَ انقضاءِ عدتِها، وتُسأَلُ عنْ قدرِ الأقراءِ، فإن عيَّنَتْ قدرَهَا صُدِّقَتْ بيمينِهَا إنْ كذبَها الزوجُ، وإن صدقَها، فلا يمينَ عليها 3. ولا تجبُ للبائنِ بخُلْعٍ، أو طلاقٍ ثلاثٍ إن كانت حائلًا، وإن كانتْ حاملًا وجَبَ لها النفقةُ والكِسوةُ، والأظهرُ أنَّ وجوبَهَما لها بسببِ الحملِ، وقِيلَ:1

للحملِ خاصةً -وقد تقدَّمَ شيءٌ من هذا أولَ البابِ.
ولا تجبُ للمُعْتَدَّةِ عنِ الوفاةِ، ولو كانتْ حاملًا، سواءٌ قلنا: للحاملِ أو للحملِ، لأنَّ نفقةَ القريبِ تسقطُ بالموتِ.
ولا نفقةَ للحامِلِ عنْ شبهةٍ، ولا للمنكُوحَةِ نِكَاحًا فاسدًا.
ولو أنفقَ على زوجتِهِ ثمَّ بانَ فسادُ النكاحِ لم يستردَّ ما أنفقهُ، سواءٌ كانتْ حاملًا أو حائلًا (1).

وفِي كيفيَّةِ نفقةِ العدَّةِ وجهانِ:

1 - أصحُّهُمَا: التقديرُ، كزمنِ النكاحِ.
2 - والوجهُ الثانِي: الكِفايةُ.
ولا تجبُ النفقةُ حتَّى يظهرَ الحملُ، فإذا ظهرَ وَجَبَ الإنفاقُ يومًا بيومٍ -على الأرجحِ.
وقيل: عندَ الوضع.
والأصحُّ من الطريقينِ: أنها لا تسقطُ بمضيِّ الزمانِ.

فرع

ٌ: مَن وجبتْ عليه نفقةُ الزوجةِ غيرَ الرجعيَّةِ من زوجٍ وفرعٍ لزوجةِ أصلٍ وجبَ عليه إعفافُه، أو أصلٍ لفرعٍ فِي نفقتِهِ، على وجهٍ قطعَ به المَحَامليُّ والمهذب وهو خلافُ الأصحِّ، فإنَّه إذا أعسرَ الزوجُ -ومنه إعسارُه بإعسارِ فرعِهِ أو أصلِهِ فيما تقدَّمَ- كانَ للزوجةِ الخيارُ فِي فسخِ النكاحِ على المنصوصِ المشهورِ المعتَمَد، ولم يثبت العِراقيون وبعضُ1

المراوِزَةِ مَا يخالفه، وخالفهم أكثرُ المراوزةِ، فإثباتُ القولين فِي طريقتِهم أصحُّ، والمعتمدُ القطعُ.
وإن رضيَتْ بالإقامَةَ معهُ ليسارِهِ صارَتْ دينًا فِي ذمَّتهِ ولو امتنعَ من الدفعِ معَ اليسارِ فلا فسخَ على الأصحِّ، سواءٌ كان حاضرًا أو غائبًا.
وقيل: لها الفسخُ إلحاقًا لهُ بالمعسرِ 1. ويجري الوجهانِ فيما لو غابَ عنهما وهو موسِرٌ فِي غيبتِه، ولا يوفِّيها حقَّها، فالأصحُّ: لا فسخَ، وكان المؤثر تَغَيُّبُهُ لخرابِ ذمَّتِه، ولَكِن يبعثُ القاضِي إلى حاكِم بلدِهِ ليُطالبَهُ إذا علِمَ موضِعَهُ 2. وعلى الوجهِ الآخَرِ: لها الفسخُ إذا تعذَّرَ تحصيلُها، واختارُه جماعةٌ من أصحابِنا 3، فعلى الصَّحيحِ: لو جهِلْنَا يسارَهُ أو إعسارَهُ يكونُ الحكمُ كذلكَ ولا فسخَ، لأنَّ السببَ لم يتحققْ، ولو كانَ حاضرًا ومَاله غائبًا فلا يخلُو: إمَّا أن يكونَ بمسافةِ القصرِ، أو دُونَها، فإنْ كان المالُ بمسافةِ القصرِ فلها الفسخُ، ولا يلزمُها الصَّبْرُ.
وإنْ كانَ دونَ مسافة القصرِ فلا فسخَ لها، ويلزمُ بالإحضارِ 4. وإذا تبرَّعَ بالنفقةِ مُتَبرِّعٌ لم يلزمِ الزوجةَ قبولُها، ولها الفسخُ على الأصحِّ، كما لو كانَ له دينٌ على إنسانٍ فتبرعَ غيرُهُ بقضائِهِ لا يلزمُه القبولُ، لأنَّ فيهِ مِنَّةً للمُتبرِّع 5.

وعنِ ابنِ كَجٍّ: أنَّه لا خيارَ لها لعدَمِ تضرُّرِها بفواتِ النَّفقةِ، فلو تبرَّع على الزوجِ وملكُه الزوجُ بذلك أو بالنذرِ بإعطائِه فلا فسخَ لها 1. وَمَنْ وجدَ النَّفقةَ بقرضٍ فليسَ لها أن تفسخَ وكذلكَ لا فسخَ عندَ وجود ضامنٍ موسرٍ لما وَجَبَ حالًا بالإذنِ، وكذا بغيرِ الإذنِ على وجهٍ خرَّجَهُ شيخُنا فِي النَّذرِ للدفعِ للزوجةِ، وقدرتُهُ على الكسبِ كقدرتِهِ على المالِ، ولا يثبتُ لها الفسخُ إلَّا إذا عجزَ عن نفقةِ المُعسرينَ، فلو قدرَ عليها وعجزَ عن نفقةِ المتوسطين أو الموسرينَ فلا فسخَ لها 2. والمعتَبَرُ هنا من لايملكُ ما يُباع فِي دينِه، ولا كسبَ له أوْ لَهُ كسبٌ ينقطعُ يومين فأكثر.
فإن كانَ ينقطعُ يومًا وبعضَ الثاني ثُمَّ يكتسبُ قَبْلَ تكملةِ يومين ما يفِي بالحالِ فلا فسخَ لها، لأنَّ الضرَرَ حينئذٍ يسيرٌ، ومِلْكُ المؤجَّلِ لا يمنعُ الفسخَ إلَّا إن قَرُبَ أجلُهُ بيومٍ وبعضِ الثاني، وحُكْمُ الإعسارِ بالكسوةِ والمسكنِ حُكْمُ الإعسارِ بالنفقةِ على الأرجحِ.
ولا يثبتُ الخيارُ بالإعسارِ بالأدمِ على الأصحِّ عندَ الأكثرينَ، وعن الداركي: يثبتُ، وقال الماورديُّ: إن كانَ القوتُ مما ينساغُ دائمًا بلا أدمٍ فلا خيارَ لها، وإلَّا فيثبت وهو حسنٌ 3. وإذا أعسرَ بالمهرِ ففيهِ أقوالٌ 4، أصحُّها: إنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ ثبتَ لها الفسخُ وإن كانَ بعدَهُ فلا.

وإذَا ثبتَ لها الخيارُ فلا تستقلُّ بالفسخِ بالإعسارِ، بل يرفعُ أمرَها للحاكمِ ليثبتْ إعسارَه.
فإذا ثبتَ عندهُ إعسارُهُ أمهلَهُ ثلاثةَ أيَّامٍ على الأظهرِ، ثمَّ يخيَّرُ صبيحةَ اليومَ الرَّابعِ بينَ أَنْ يتولَّى الفسخَ بنفسِهِ أو يأذنَ لها فيهِ، فلو سلَّم نفقةَ اليومِ الرَّابعِ فلا فسخَ لما مضَى، وليسَ لها أن تقولَ: "آخُذُ هذا عن نفقةِ بعضِ الأيامِ الثلاثةِ، وأفسخُ بتعذُّر نفقة اليوم"؛ لأنَّ الاعتبارَ فِي الأداءِ بقصدِ المُؤَدِّي لا إلى قصدِ القابضِ، فلو رضي الزوجُ بذلك وجعلها كما قالتْ جازَ لها الفسخُ على أقوَى الاحتمالينِ، ولو عجزَ عن نفقةِ اليومِ الخامسِ كانَ لها الفسخُ على الأظهرِ، قال الداركيُّ: ولا تمهل اكتفاءً بالإمهالِ السابق خلافًا للروياني حيثُ قال: يُمهلُ مرةً أخُرى حيثُ لم يتكرَّرْ منهُ، فإنْ تكرَّرَ لمْ يُمهَلْ إمهالًا بعدَ إمهالٍ، والأصحُّ الفسخُ فِي الحالِ 1. وإذا مضى يومانِ بلا نفقةٍ ووجدَ نفقةَ اليومِ الثالثِ وعجزَ فِي الرابعِ ثبتَ على أصحِّ الوجهينِ، والثاني: يستأنفُ 2. ويجوزُ لها الخروجُ فِي مدةِ الإمهالِ لتحصيلِ النفقةِ بكسبٍ أو تجارةٍ أو سؤالٍ، وليسَ له منعها من الخروجِ على الصحيحِ المنصوصِ، وعليها أن تعودَ إلَى منزلِهِ بالليلِ 3. وإذا مضتِ المدَّةُ ورضيتْ بإعسارِهِ أو المقام معه، ثم أرادتِ الفسخَ فليسَ لها ذلك، لأنَّ الضررَ لا يتجددُ.

وليسَ لولي الصغيرةِ والمجنونةِ الفسخُ، وإن كانَ فيه مصلحتُهما، وينفقُ عليهما منْ مالِهما، فإنْ لم يكنْ لهما مالٌ فنفقتُهُما على مَن عليه نفقتُهُما لو كانتا خليتينِ، وتصيرُ نفقةُ الزوجةِ ديْنًا عليه يطالبُ به 1 إذا أيسرَ 2. وكذا لا يفسخُ الوليُّ بإعسارِ الزوجِ بالمهْرِ 3. وإذا امتنعَ على الوليِّ ذلك فِي الصغيرةِ والمجنونةِ 4؛ فلأن يمتنعَ ذلك عليهِ فِي البالغةِ العاقلةِ من بابِ أولَى.
ولو أَعْسَرَ زوجُ الأمةِ بالنفقةِ فلها الفسخُ كما يفسخُ بِجَبِّهِ؛ ولأنها صاحبةُ حقٍّ فِي تناولِ النفقةِ، فإنْ أرادتِ الفسخَ لم يكنْ للسيدِ منعها، فإنْ ضمنَ النفقةَ فهو كالأجنبيِّ يضمنها 5. ولو رضيتْ بالمقامِ أو كانتْ صغيرةً أو مجنونةً، فلا فسخَ للسيدِ على الأصحِّ، ولا يلزمُ السيدَ حينئذٍ نفقةُ الكبيرةِ العاقلةِ، بل يقولُ: افسخِي أو اصبرِي على الجوعِ 6. وإذا أعسرَ زوجها بالمهرِ فالفسخُ للسيدِ؛ لأنَّه محضُ حقِّه 7.

فصل

1 تجبُ النفقةُ لقرابةِ البعضيةِ فيجبُ للفروعِ على الأصولِ وبالعكسِ، وسواءٌ فِي الأصولِ والفروعِ الذكورِ والإنات، والوارث وغير الوارث والمسلم والكافر من الطرفينِ، والعالي من الأصولِ والسافلِ من الفروعِ إذا كان الذي يجبُ عليه موسرًا، وهو من يفضلُ عن قوتِه وقوتِ عيالِه فِي يومِهِ وَلَيْلَتِهِ ما يصرفُه إلى القريبِ 2. ولا يختصُّ بالقوتِ بل يعم الواجباتِ.
قال القاضي الحسينُ: لا يلزمُ أحدًا نفقةُ أحدٍ من الأقرباءِ حتى يفضلَ من مؤنتهِ من طعامِه ومسكنِه وملبسِه وما يُقامُ عليه ويستعملُه فِي وضوئهِ وأكله وشربِه ما لاغناءَ لمثلهِ عنهُ، فإنْ وقَعَ لهُ خلل فِي شيءٍ من هذا فلا يكلَّفُ نفقةَ ابنٍ ولا أبٍ، لأنَّها مواساةٌ والمواساةُ إنما تليقُ بمن يفضلُ عن حاجةِ ما هُوَ معهُ، وإلَّا فهو محتاجٌ للمواساةِ.
انتهى.
ويباعُ فِي نفقةِ القريبِ ما يُباعُ فِي الدَّيْنِ مِنْ عقارٍ وغيرِهِ؛ لأنَّ نفقةَ القريبِ مقدَّمةٌ على وفاء الدينِ، وهما يباعانِ فِي الدَّيْنِ، ففيما هو مقدَّمٌ عليه أوْلَى لما فيهِ من حفظ الروح 3. وإذا لم يكنْ لمن تجبُ عليه نفقةُ القريبِ مالٌ، لكنه كسوبٌ يمكنه أن يكتسبَ ما يفضلُ عنه، فيلزمُه أن يكتسبَ لنفقةِ قريبِهِ لأنَّه يلزمُه إحياءُ نفسِه

بالكسبِ، فكذا إحياءُ بعضِه.
ولا تجبُ لمن يملكُ كفايتَهُ ولا لمن يقدر على أن يكتسبها لأنَّه غنيٌّ بكسبِهِ حيثُ كانَ كسبُهُ يكفيهِ، فإن كانَ لا يُحَصِّلُ قدرَ الكفايةِ استحقَّ القدرَ المعجوز عنهُ صاحبُه 1. ومن لا مالَ له ولا كسبَ، وكانَ صغيرًا أو مجنونًا، أو زَمِنًا، أو مريضًا، أو أعمَى، فيلزمُ القريبَ نفَقتُهُ.
وإن لم يكنْ به نقصٌ فِي الحكمِ ولا فِي الخِلْقةِ، لكنه لا يكتسبُ مع القدرةِ على الكسبِ، فإن كانَ من الفروعِ لم تجبْ نفقتُه على المذهب، وإن كانَ من الأصولِ وجبت على الأظهرِ 2. ولا تتقدَّرُ نفقةُ القريبِ، بل هي علَى قدرِ الكفايةِ، وتسقطُ بمضيِّ الزمانِ إلَّا إذا نُفِيَ الولدُ، ثم استلحقه فإنَّ الأُمَ ترجعُ عليه بالنفقةِ.
ولا تصيرُ دينًا فِي الذِّمَّةِ 3 سواء تعدى بالامتناعِ من الإنفاقِ أمْ لا.
ويستثنَى ما إذا أذنَ القاضي فِي استقراضها، أو أقرضَها، ومحلُّ الرجوعِ إذا استقرضتْ وأنفقتْ فلو تأخَّرَ الاستقراضُ بعدَ إذنِ القاضي ومضى زمنٌ لم يستقرضْ فيه فلا.
ويستثنَى أيضًا ما لوْ لمْ يكنْ هناكَ حاكمٌ واستقرضتِ الأمُّ عنهُ، وأشهدتْ، فعليهِ قضاءُ مَا استقرضَتْهُ، وإنْ لم تشهدْ فوجهانِ بمقتضَى كلامِ الرَّافعيِّ فِي

بابِ زكاةِ الفطرِ ترجيحُ أنَّها لا ترجعُ.

فرع

: يجبُ على الأمِّ أن تُرضعَ ولدَها اللبأَ 1، وهو اللبنُ النازلُ أوَّلَ الولادةِ؛ لأنَّه لا يعيشُ بدونِه غالبًا، ولها أَنْ تأخذَ عليهِ الأجرةَ، ثم إنْ لم يوجدْ بعدَ سقي اللبأ مرضعةٌ غيرُها لزمِهَا الإرضاعُ، وكذا لو لمْ يوجدْ إلَّا أجنبيةٌ لزمها الإرضاعُ.
وإنْ وجَدَ غيرها وامتنعتِ الأمُّ من الإرضاعِ لم تُجْبَرْ عليه سواء كانتْ فِي نكاحِ الأبِ أم لا، وسواء كانت ممن يرضع مثلُها الولدَ أمْ لا.
وإن رغبتْ فِي الإرضاعِ وهي فِي نكاحِ الأب، فليسَ لهُ المنعُ على الأصحِّ.
فإن توافقَا علَى الإرضاعِ وتبرعَتْ به فذاكَ.
وإن طلبتْ أجرةَ مثلٍ أُجيبتْ إنْ لم تتبرعْ أجنبية بالإرضاعِ، أو أرضعتْ بأقلَّ من أجرةٍ المثلِ فتقدَّمُ على الأمِّ حينئذٍ، وكذا تقدَّم على الأمِّ إذا طلبتْ أجرة المثلِ وطلبتْ الأم فوقها 2. وإذا اجتمعَ لِلأصلِ المحتاجِ اثنانِ من الأولادِ 3، واستويا فِي القربِ، والوِراثةِ أو عدمِها، والذكورةِ والأنوثةِ، فالنفقةُ عليهما بالسويَّةِ، سواء استويا فِي اليسارِ أو تفاوتَا، وسواءٌ أيْسَرَا بالمالِ أو الكسبِ، أو أحدُهما بالمالِ،

والآخرُ بالكسبِ، فإن كانَ أحدُهما غائبًا أخذَ قسطَه من مالِه، فإنْ لمْ يكُنْ لَهُ مالٌ اقترضَ عليه 1. وإنِ اختلفَا فِي شيءٍ مِنْ ذلكَ فأصحُّ الطريقينِ النظر إلى القربِ، فإن كان أحدُهما أقربَ فالنفقةُ عليه سواءٌ كانَ وارثًا أو غيره، ذكرًا أو أنثى، فإنِ استويا فِي القربِ فالنفقةُ على الوارثِ منهما على الأصحِّ 2.

وإذا اجتمع للفرعِ المحتاج قريبانِ من أصولِهِ، فإن اجتمعَ أبوهُ وأمُّهُ، وكانَ الولدُ صغيرًا، أو معتوهًا كبيرًا، فالنفقةُ على الأبِ قطعًا، وإن كان كبيرًا عاقلًا فالنفقةُ على أبيهِ على الصحيحِ 3. وإن اجتمعتِ الأمُّ وواحدةٌ من آباءِ الأبِ فالصحيحُ أنها على الجدِّ 4. وإنِ اجتمعَ اثنانِ من الأجدادِ والجَّداتِ: فإنْ كان أحدُهما يُدلي بالآخرِ فالنفقةُ على القريبِ، وإلَّا فأرجحُ الأوجُهِ: اعتبارُ القربِ 5. وإذا اجتمعَ للمحتاجِ واحدٌ منْ أصولِهِ وآخرُ من فروعِهِ فالنفقةُ على الفرعِ على أصحِّ الأوجهِ وإن بعدُ 6. وإنِ اجتمعَ على الشخصِ الواحدِ محتاجونَ ممنْ تلزمُه نفقتُهم نظرَ، إنْ وفا ومالُه أو كسبُه بنفقتهم فعليه نفقةُ الجميعِ، قريبِهم وبعيدِهم، فإنْ

لم يفضلْ عن كفايةِ نفسِه إلَّا نفقةُ واحدٍ قَدَّم نفقةَ زوجتِهِ على نفقةِ الأقاربِ، ثم بعدها الأقربَ فالأقربَ 1. وإذا لم يكنْ لهُ زوجةٌ، وله أبٌ وأمٌّ خاصة، وهما محتاجانِ وعندهُ ما ينفقُ على واحدٍ فتقدَّمُ الأمُّ على الأصحِّ لعجزِها، وفِي زكاةِ الفطرِ يقدَّمُ الأبُ عليها على الأصحِّ؛ لأنَّها تطهرٌ، والأبُ به أولَى 2.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باب الحضانة

هي بفتحِ الحاء، مأخوذةٌ من الحِضن بكسرِها، وهو الجَنْبُ؛ لأنها تضمُّه إلى حضنِها، وتنتهي بالتمييز، ثم بعده إلى البلوغِ تسمَّى كفالةً، كما قاله الماورديُّ 1. والأصلُ فيها قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
ومن السُّنةِ ما رواه الحاكم وأبو داود عن ابنِ عمرٍو: أنَّ امرأة قالت: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحِجْري له حواءً، وإنَّ أباهُ طلقني، وأراد أن ينتزِعَهُ مِنِّي.
فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكِحي" 2. والحضانةُ هي القيامُ بحفظِ مَن لا يميزُ ولا يستقلُّ بأمرِه وتربيتِه بما يصلحُه

ووقايته عمَّا يؤذيه، فيشملُ الطفلَ والكبيرَ والمجنونَ، وهي نوعُ ولايةٍ وسلطنةٍ، ولكنها بالإناثِ أليقُ؛ لأنَّهُنَّ أشفقُ وأهدى إلى التربيةِ وأصْبَرُ على القيامِ بها، وأشدُّ ملازمةً للأطفالِ، والأمُّ أولَى لوفورِ شفقتِها، للحديثِ المتقدِّم.

وقال المحامليُّ (1): الأمُّ أولى بالحضانةِ من الأبِ ما لم يبلغِ الولدُ سبعَ سنينَ إلَّا فِي ثمانِ مسائلَ:

أحدُها: أن يقولَ كلُّ واحدٍ منهما: "أنا أمسكُ الولدَ" 2، فالأبُ أولى.
والثاني: أن يكونَ الأبُ مأمونًا دونَ الأمِّ.
والثالثُ: إذا لم تكمُلِ الحريةُ فِي الأمِّ، ويكونُ الأبُ حرًّا.
الرابعُ: إذا افترقَ الدارُ بهما، فالأبُ أولَى.
والخامسُ: إذا تزوجتِ الأمُّ، فالأبُ أولى.
والسادسُ: إذا كانَ الأبُ مسلمًا والأمُّ ذميَّةٌ.
والسابعُ: إذا كانَ الأبُ مسلمًا، والأمُّ مرتدَّةٌ.
والثامنُ: إذا كانتِ الأمُ مجهولةَ النسبِ، فأقَرَّتْ بالرقِّ لإنسانِ.
انتهى 3. ومحلُّ تخصيصِ الأبِ بالحضانةِ فِي هذه المسائلِ ما إذا لمْ يُوجدْ من أمهاتِ الأمِّ لإدلائهنَّ بإناثٍ مَن هي متصفةٌ بصفاتِ الحضانةِ، فإنْ وجدتْ1

واحدةٌ منهنَّ متصفةً بالصفةِ المذكورةِ فهي مقدَّمةٌ على الأبِ.
ومحل انتقال الحضانةِ عن الأمِّ بالتزويجِ، إذا تزوجت ممن لا حقَّ له فِي الحضانة، فإن تزوجتْ بمن له حقٌّ فِي الحضانة، ورضي زوجُها بأنْ تحضن الولدَ، فحقُّها باقٍ.
ويُزاد على المحاملي فِي انتقالِ الحضانةِ عنِ الأمِّ: إذا كانتْ مجنونةً فلا حضانةَ لها، وكذلك لا حضانةَ لها إذا كانتْ برصاء، أو جذماء (1) كما أفتى به الصلاحُ العلائيُّ، وقال إنه ذكر بعضُ من يثق من أصحابه أنَّ الرُّوياني قال فِي "البحرِ": إنَّ الحاضنةَ إذا كان بها مرضٌ أو جذامٌ سقطتْ حضانتها.
وكذلك لا حضانة لها إذا كانت برصاء أو جذماء، وكذلك لا حضانةَ لها إذا كانتْ عمياءَ، كما أفتى به عبدُ الملكِ بن إبراهيمَ الفرضيُّ الهمدانيُّ من تلامذةِ الماورديِّ، وجرى عليهِ شيخُنا الوالدُ -رضي اللَّه عنه-.
وفِي "فتاوَى ابنِ الصباغِ": إن كان الولدُ صغيرًا فلها الحضانةُ؛ لأنَّهُ يمكنُهَا أَنْ تحضنَه، وإن كانَ كبيرًا فلا.
انتهى.
والمعتمدُ المنعُ كما تقدَّمَ ولا يختصُّ ذلكَ بالأمِّ بل متَى وجدَ مانعٌ من موانعِ الحضانةِ فِي غيرِ الأمِّ من مستحقِّي الحضانةَ فلا حضانةَ له إن كانَ ذكرًا، ولا حضانةَ لها إن كانتْ أُنثى.

قال المحامليُّ: ويتعلق بالنسبِ اثنى عشرَ حكمًا:

أحدُها: توريثُ المالِ.
والثاني: توريثُ الولاءِ.1

والثالثُ: تحريمُ الوصيةِ.
والرابعُ: تحمُّلُ الدِّيةِ.
والخامسُ: ولايةُ التزويجِ.
والسادسُ: ولايةُ غسلِ الميتِ.
والسابعُ: ولايةُ الصلاةِ عليه.
والثامنُ: ولايةُ الحضانةِ.
والتاسعُ: ولايةُ المالِ.
والعاشرُ: طلبُ الحدِّ.
والحادي عشر: سقوطُ القصاصِ.
والثاني عشرَ: تغليظُ الدِّيةِ.
انتهى 1.

وفِي قوله: "توريثُ الولاء": تجوُّزٌ، فإنَّ الولاءَ لا يورثُ، وإنما يورثُ به.
وأطلقَ تحريمَ الوصيةِ، ومحلُّها إذا أوصَى لوارثِه بمقدارِ إرثِه، فإنَّ الوصيةَ لاغيةٌ حينئذٍ، أما إذا أوصَى له بعين هي قَدْرُ حصَّته فهي صحيحةٌ، ولكن يحتاجُ إلى إجازَةِ بقيةِ الورثةِ.
وكذلكَ إذا أوصَى له بزائدٍ على إرثه فتصحُّ الوصيةُ، وتحتاجُ إلى الإجازةِ، ومحل تحمُّلِ الديةِ إذا كانَ المتحملُ غيرَ أصلٍ ولا فرعٍ، ومحلُّ سقوطِ القصاصِ إذا قتلَ الأصلُ فرعَه، ومحلُّ ولاية المال الأبُ أو الجدُّ وإن علَا.
ويزادُ على المحامليِّ مسائلٌ أخر: إرثُ القصاصِ، وإرثُ الحقوقِ التي لا

ترتفعُ بالموتِ، وقد ذكرهما شيخُنا فِي الفرائضِ والسفيه فِي الإسلامِ أو الكفرِ للأصولِ.
ووجوبُ النفقةِ للأصولِ والفروعِ.
والإعفافُ لأصلِه الذكر.
وإذا ملَكَ أصلَهُ أو فرعَهُ عتقَ عليه.
وعدمُ قبولِ الشهادةِ من أحدِهِمَا للآخرِ فِي الأصولِ والفروعِ.
وكذلكَ الحكمُ من أحدِهِما للآخرِ، واعتبارُ مهرِ المثلِ.
وعدمُ إجزاءِ الزكاةِ إذا دُفِعَتْ لمن تجبُ عليه نفقتُه من أصلٍ أو فرعٍ.
ووجوبُ الحجِّ على المغصوبِ إذا وجدَ ولدًا يحجُّ عنهُ.
وبيعُ مالِ الابن من نفسِه، وكذا ابنُ الابنِ، وإن سَفل.
وتحريمُ موطوءة أحدهما على الآخرِ، وثبوتُ المحرميَّة، واعتبارُ الكفاءَةِ، وتزويجُ الجد بنتَ ابنِهِ من ابن ابنِه.

ثم بعد الأم أمهاتها لإدلائهنَّ بالإناثِ كما تقدَّم، يُقدَّمُ الأقربُ منهنَّ فالأقربُ، ثم تقدَّم أم الأبِ ثمَّ أمهاتها المدليات بالإناثِ، ثم أم أبي الأب، كما ذكرَ، ثم أبي الجدِّ كذلكَ.
وتقدَّمُ الأختُ من أي جهةٍ كانت على الخالةِ، وتقدَّمُ الخالةُ على بنتِ الأخِ والأختِ؛ لأنَّها كالأمِّ، وتقدَّمُ بنتُ الأخِ والأختِ على العمَّةِ، وتقدَّمُ الأختُ الشقيقةُ على الأختِ للأب، وعلى الأختِ للأمِّ، وتقدَّمُ الأختُ من الأبِ على الأختِ من الأمِّ، على الأصحِّ المنصوصِ، والأصحُّ تقدَّمُ الخالةُ والعمَّةُ من أبٍ على الخالةِ والعمَّةِ للأمِّ، والأصحُّ سقوطُ كلِّ جدَّةٍ لا ترثُ،

وهي من تُدْلي بذكرٍ بين أُنْثيين كأم أبي الأم.
ولا تسقط الأنثى غير المحرمِ على الأصحِّ كبنت الخالةِ وبنتِ العمِّ، وبنتِ العمةِ، وأما بنتُ الخالِ فقد مثَّل بها الرافعيُّ، وفيه نظر؛ فإنَّها تدلي بذكر غير وارثٍ، وقد تقررَ أنَّ من كانتْ بهذهِ الصفةِ لا حضانةَ لها.
وإذا لم نثبتها لأم أبي الأم لهذا المعنى مع وجودِ الولادَةِ فيها فبطريقِ الأوْلى بنتُ الخالِ بخلافِ بنتِ الخالةِ والعمةِ؛ فإنَّها تدلي بأنثى، وبخلافِ بنتِ العمِّ، فإنَّها تُدْلي بذكرٍ وارثٍ، وإنما تثبت لبنت الخالةِ والخالِ وبنتِ العمِّ وبنتِ العمَّةِ الحضانةُ فِي ذكرٍ لا يشتهى وإلَّا فلَا حَضَانةَ لهنَّ.
وكأنَ المرادَ أنَّه لا تثبتُ لهنَّ الكفالةَ لأنَّها بعدَ سنِّ التمييزِ الذي بعدهُ يحصلُ الاشْتِهاءُ.
هذا حكمُ الإناثِ المنفرداتِ المستحقاتِ للحضانةِ.
فأما الذُّكورُ؛ فتثبتُ الحضانةُ للذكرِ المحرمِ الوارثِ على ترتيبِ الإرثِ، فيقدَّمُ الأبُ، ثم الجدُّ للأبِ، وإن علَا، ثم الأخُ الشقيقُ، ثم الأخُ للأبِ، ثم الأخُ للأمِّ، ثم ابن الأخِ الشقيقِ، ثم ابنُ الأخِ للأبِ، ثم العمُّ الشقيقُ، ثم العمُّ للأبِ، ثم العمُّ للجدِّ.
وكما ثبتَ للمحرمِ الوارثِ ثبتَ للوارثِ غيرَ المحرمِ كابنِ العمِّ وابنه، وابن عمِّ الأبِ وابن عمِّ الجدِّ.
ولا حضانةَ للمعتقِ على الصحيحِ، وإن كان وارثًا غير محرم، لعدم القرابة التي هي منوطُ الشفقةِ.
ولا يسلَّمُ إلى الوارثِ غير المحرم مشتهاةٌ حذرًا من الخلوةِ، ولكن تسلَّم إلى ثقةٍ يُعَيِّنها هوَ؛ لأنَّ الحقَ لهُ، هذا إذا قُلنا "إنَّ لهُ الحضانةَ" كما جزَمَ به

النوويُّ تبعًا للرافعيِّ، ولكن الذي قطعُ به الشيخُ أبو حامدٍ أنَّه لا حقَّ له فِي الحضانةِ مخافةَ الافتتانِ بها، وتابعهُ غالبُ العراقيينِ، وقيدوا استحقاقَ العصبةِ الحضانةَ بأن يكون مَحْرمًا، وقال الجرجانِيُّ فِي "التحرير": لا خلافَ فيه، وجرى عليه جمع من المراوزةِ.
فإنْ لم يوجدْ الإرثُ والمحرميةُ أو لم يوجدِ الإرثُ، فالأصحُّ لا حضانةَ، كابن الخالِ وابنِ الخالةِ، وابنِ العمةِ.
وإذا اجتمعَ الذُّكورُ والإناثُ مِن مستحقِّي الحضانة قدِّمتِ الأمُّ للحديثِ السابقِ، ثم أُمهاتُها المدلياتِ بالأمهاتِ؛ لأنهنَّ فِي معنى الأمِّ، ثم بعد ذلكَ يقدَّمُ الأبُ على أمهاتِهِ على الصحيحِ.
وتقدَّمُ الأصولُ على الحواشي على ظاهرِ المذهبِ، فإنْ لم يوجدْ من ذكرِ من الأصولِ فيقدمُ الأقربُ على الأصحِّ ذكرًا كان أو أنثى، فإن لم يوجدِ الأقربُ، واستوى اثنان أو جماعةٌ فِي القربِ، كأخٍ وأختٍ فالأصحُّ التقديمُ بالأنوثةِ، وإن استويا فِي كلِّ وجهٍ أقرعَ قطعًا للنزاعِ.
ولا يستحقُّ الحضانةَ رقيقٌ، ولو كان مكاتبًا، ولا منْ فيه رقٌّ، إلَّا مستولدةُ الكافرِ إذا أسلمتْ، فإنَّ ولدَها يتبعها فِي الإسلامِ، ولها حضانتُه، فإنْ كانَ الولدُ حرًّا، فالحضانةُ لمن له الحضانةُ بعدَ الأمِّ الحرَّةِ من أبٍ وغيرِه، وإن كان رقيقًا فحضانتُه لسيدِه.
ولا حضانةَ لمجنون سواء كان جنونُه مُطبقًا أو منقطعًا، إلَّا أن يَقِلَّ جنُونُه، كيومٍ فِي سنتين مثلًا، فلا يمنع، ولا لفاسقٍ؛ لأنَّه لا يلي، ولا لكافرٍ على مسلمٍ، ولا لمتزوجةٍ بمن لا حقَّ له فِي الحضانةِ.
وإذا كانت مستأجرةً للحضانة مدة إجارة لازمة، ثم تزوَّجتْ فِي أثناء المدةِ، فنقلَ النوويُّ تبعًا للرافعيِّ -في آخرِ الخلعِ عن فتاوَى القاضي

الحسين-: أن الأبَ لا ينزعهُ منها بتزوجِها؛ لأنَّ الإجارةَ عقدٌ لازمٌ.
وإذا تزوَّجتِ بمن له حقٌّ فِي الحضانةِ ورضيَ زوجُها بذلكَ، فحضانتُها باقيةٌ كما تقدَّمَ، فلو منعها سقطتْ حضانتها كما قاله الماورديُّ والإمامُ وغيرُهما.
ومن شروطِ الحضانةِ أَنْ لَا يكونَ مغفَّلًا، كما عدَّه الجرجانيُّ فِي الشافي وهو حسنٌ، وعدَّ الماورديُّ والقاضي أبو الطيب فِي كتاب "اللقيط" من الشروطِ: الرشدَ، فالسفيهُ ليس أهلًا لحضانةِ الطفلِ، وقد نصَّ الشافعيُّ رضي اللَّهُ عنهُ على هذا ففِي "مختصرِ المزنى" 1 أنَّهُ إذا كانَ الأبُ غيرَ رشيدٍ، انتقلتِ الحضانةُ إلى الجدِّ.
انتهى.
وهل يشترطُ لاستحقاقِ الحضانةِ أَنْ تُوضعَ الولدَ إذا كانَ رضيعًا، وكانَ لها لبنٌ؟ فيه وجهانِ: صرَّح ابنُ الرِّفعةِ بالاشتراطِ تبعًا لظاهرِ الشَّرحِ، فعدَّ من الموانِعِ فقد الرَّضاعِ منها إمَّا بامتناعِها أو بعدَمِ اللبنِ منها، وفيهِ نظرٌ، والمسألةُ إنَّما أخذَها الرَّافعيُّ من التهذيبِ، ولا تكادُ تعرفُ إلَّا لَهُ ومن تبعهُ.
وكلامُ الجمهورِ يقتضِي الجزمَ بأنَّهُ لا يشترطُ كونُها ذاتَ لبنٍ، وهو الصوابُ.
فإنْ غابتِ الأمُّ أو امتنعت فالصحيحُ -خلافًا لما في "المنهاج" 2 - انتقالُ الحضانةِ للجدَّةِ أم الأمِّ، كما لو ماتَتْ أو جُنَتْ.
وإنَّمَا يُحْكم بأنَّ الأمَّ أحقُّ بالحضانةِ من الأب فِي حقِّ منْ لا تمييزَ لَهُ أصلًا، وهو الصغيرُ فِي أولِ أمره، والمجنونُ، فأَمَّا إذا صارَ الصغيرُ مميزًا

فيخيرُ بينَ الأبوينِ، إذا افترقَا، ويكونُ عندَ من اختارَ منهمَا، وسواءٌ في التمييز الابنُ والبنتُ، وسنُّ التمييزِ غالبًا سبعُ سنينَ، أو ثمانٍ تقريبًا 1. قال الأصحابُ: وقد يتقدَّمُ التمييزُ على السَّبْعِ أو يتأخَّرُ عن الثمانِ، ومدارُ الحكمِ على نفسِ التمييزِ لا على سنِّه.
وإنَّما يخيَّرُ بين الأبوينِ إذا اجتمعَ فيهما شروطُ الحضانةِ المتقدِّمةِ، فإنِ اختلَّ فِي أحدِهما بعضُ الشروطِ فلا تخيير، والحضانةُ للآخرِ، فإنْ زالَ الخللُ أُنشئ التخيير 2. ويجري التخييرُ بين الأمِّ والجدِّ عندَ عدمِ الأبِ، ويجري أيضًا بينها وبين مَن على حاشيةِ [النسب] 3 كالأخِ والعمِّ على الأصحِّ، ويجري أيضًا بين الأبِ والأختِ لغير الأبِ، وبين الخالةِ على الأصحِّ.
وإذا اختارَ أحدَ الأبوينِ، ثم اختارَ الآخر حوِّلَ إليهِ، فإن عادَ واختارَ الأوَّلَ أعيدَ إليهِ 4. وإذا اختارَ الأبَ وسلِّمَ إليهِ، فإن كان ذكرًا لم يمنعهُ من زيارة أمِّه، وإن كان أنثى منعها من زيارةِ أمِّها لئلا تعتاد البروز، ولا يمنعُ أمَّها منَ الدخولِ عليها، ثم الزيارةُ تكونُ فِي الأيامِ على العادَةِ لا فِي كلِّ يومٍ، وإذا دخَلَتْ لا تطل المكثُ.
ولو مرضَ الولدُ ذكرًا كان أو أنثَى، فالأمُّ أولَى بتمريضِه، فإنَّها أشفقُ وأهدَى إليهِ، فإنْ رضيَ بأنْ تمرضَ فِي بيتِهِ فذاكَ، وإلَّا فينتقلُ الولدُ إلَى بيتِ

الأمِّ.
ويجبُ الاحترازُ عنِ الخلوةِ إذا كانتْ تمرِّضُه فِي بيتِ الأبِ، وكذا إذا زارتْ الولدَ فإنْ لم يكنْ هناكَ ثالثٌ خرجَ حتى تدخُلَ 1. وإذا اختارَ الأمَّ، فإن كانَ ذكرًا أوى إليها ليلًا، وكان عندَ الأبِ نهارًا، يؤدِّبه، ويعلمُه أمورَ الدينِ والمعاشِ والحرفةِ.
وإن كان أنثى كانتْ عندَ الأمِّ ليلًا ونهارًا، ويزورُها الأبُ على العَادَةِ، ولا يطلبُ إحضارَها عندَهُ، وهكذَا الحكمُ إذا كانَ الولدُ عندَ الأمِّ قبلَ سنَ التخييرِ 2. وإذا اختارَ الأمَّ فليسَ للأبِ إهمالُهُ بمجرَّدِ ذلكَ، بل يلزمُهُ القيامِ بتأديبِه وتعليمِهِ، إمَّا بنفسِه وإمَّا بغيرِه، ويتحملُ مؤنتَهُ، وكذلك المجنونُ الذي لا تستقلُّ الأمُّ بضبطِه يلزمُ الأبُ رعايتَه، وإنَّمَا تقدَّمُ الأمُّ فيما يتأتى منها وما هو شأنُها 3. وتأديبُه وتعليمُه واجبٌ علَى وليِّه، أمًّا كانَ أو جدًّا أو قيمًا، وتكونُ أجرةُ ذلكَ فِي مالِ الصَّبيِّ، فإنْ لمْ يكُنْ لهُ مالٌ، فعلى مَن تلزمُهُ نفقتُه 4. وإذا خيَّرناهُ فاختارهما أقرع بينهما، وإن لم يَخْتَرْ واحدًا منهما فالأصحُّ أنَّ الأمَّ أحقُّ به، لأنَّه لم يخترْ غيرها، وكانت الحضانةُ لها فيستصحب، وبه قطع فِي "البسيطِ" 5.

وما تقدَّم من أنَّ الأمَّ أولَى من الأبِ قبلَ التمييزِ، وأنَّه يخيَّرُ بينهما بعده، هو فيما إذا كان الأبوانِ مقيمينِ فِي بلدٍ واحدٍ، فأمَّا إذا أراد أحدُهما سفَرًا، فإنْ كانَ سفرَ حاجةٍ، كحجٍّ وغزوٍ وتجارةٍ، لم يسافرْ بالولدِ، لما فِي السَّفرِ من الخطَرِ والمشقَّةِ، بلْ يكونُ معَ المقيمِ إلَى أَنْ يعودَ المسافرُ.
وإنْ أرادَ سفرًا يختلفُ فيهِ بلدُها، كانَ مع الأمِّ على مختارِ النوويِّ (1)، وهو قضيةُ كلامِ الأصحابِ.
وإن كانَ سفرَ نقلةٍ، فللأبِّ انتزاعُه مِنَ الأمِّ، ويستصحبهُ معهُ، سواءٌ كانَ المنتقلُ الأبَ أو الأمَّ، أو أحدَهما إلى بلدٍ والآخرُ إلَى بلدٍ آخرَ احتياطًا للأنسابِ، بشرطِ أمنِ الطريقِ وأمنِ البلدِ المقصودِ، وسائرُ العصباتِ من المحارمِ كالجدِّ والاخِ والعمُّ بمنزلةِ الأبِ، فيما تقدَّم احتياطًا للنسبِ، وكذَا غيرُ المحَارِمِ كابنِ العمِّ إنْ كانَ الولدُ ذكرًا، فإنْ كانَ أنثَى لمْ تُسلَّمْ إليه.
قالَ المتولِّي: إلَّا إذا لم تبلغْ حدًّا يشتهى مثلُها.
وفِي "الشامل" أنَّه لو كان له بنت ترافقُه سلِّمتْ إلى بنتِه أي المكلَّفةِ الثِّقةِ، وأما المَحْرَمُ الذي لا عُصوبَة فيه كالخالِ والعمِّ للأمِّ فليسَ لَهُ نقلُ الولدِ إذا انتقَلَ؛ لأنَّهُ لا حقَّ لهُ فِي النَّسبِ (2).

فصل

3 يجبُ على السَّيدِ نفقةُ رقيقِهِ قوتًا وأدمًا وكسوةً وسائرُ مؤناتهِ، قِنًّا كانَ أو12

مدبرًا، أو أم ولدٍ، وسواء الصغيرُ والكبيرُ والزمنُ والأعْمَى والسَّليمُ، والمرهُونُ، والمستأجَرُ، وغيرُهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، وقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "للمملوكِ طعامُه وكسوتُه ولا يكلَّفُ من العمل ما لا يُطيق" رواه مسلمٌ.
ويجب على سيِّدِه شراءُ الماءَ لطهارتِهِ على الأصحِّ، كما تجبُ عليه فطرتُه، ولا تتقدَّر نفقة الرقيقِ، بل هي على الكفايةِ، وأصحُّ الأوْجُهِ اعتبارُ كفايةِ نفسِه، ويراعي رغبته وزهادتُه وإن زاد ذلك على كفايةِ مثلِهِ غالبًا 1. وجنسُ نفقة الرقيقِ غالبُ القوتِ الذِي تطعمُ منهُ المماليكُ فِي البلدِ من الحنطَةِ والشعيرِ، وغيرهمَا، وكذا الأدمُ الغالبُ، والكسوةُ من القطنِ والكتَّانِ والصوفِ وغيرهمَا، ويراعَى حالُ السَّيِّدِ فِي اليسارِ والإعسارِ، فيجبُ ما يليقُ بحالِهِ من رفيعِ الجنسِ الغالبِ وخسيسِهِ.
وَلا يجوزُ الاقتصارُ على ستْرِ العورَةِ، وإنْ كانَ لا يتأذَّى بحرٍّ ولا بردٍ.
ولو تَنَعَّمِ السَّيدُ فِي الطَّعامِ والأدمِ والكسوةِ استحبَّ أَنْ يدفعَ إليهِ مثلَهُ، ولا يلزمُه 2. ولا يجبُ عليه نفقةُ مكاتبِهِ.
ولو اشتركَ جماعةٌ فِي رقيقٍ فالنفقةُ عليهمْ بحسبِ أنصبَائِهمْ.
ولا تصير نفقة الرقيق دينًا، بل تسقطُ بمضيِّ الزمانِ 3. وإذا امتنَعَ السيدُ من الإنفاقِ على رقيقِهِ أو غابَ، وكانَ مطلقُ التصرُّفِ باعَ الحاكِمُ فيها مالَهُ.

وهل يبيعُ شيئًا فشيئًا، أم يستدينُ عليهِ، فإذَا اجتمَعَ عليهِ شيءٌ صالحٌ باعَ عليه؟ وجهانِ، أصحُّهما الثَّاني 1. فإن لم يجدْ له مالًا أمرَهُ بإزالةِ ملكِهِ عنهُ.
فإن لمْ يفعَلْ باعَهُ الحاكمُ عندَ تعذُّرِ إيجادِه، ويبيعُ منهُ بقدرِ الحاجةِ.
فإن لمْ تتعذَّرْ إجارتُه أجَّرهُ حينئذٍ 2. وأمُّ الولدِ تؤجَّر، أو تزوج، فإن لم يمكنْ ففِي بيتِ المالِ، وأمَّا المحجورُ عليهِ فيجبُ أن يفعلَ وليُّهُ الأحظَّ من بيعِه أو بيعِ غيره من مالِهِ فِي نفقتِهِ، أو الإقراضِ عليه.
وللسيِّدِ إجبار أمتِهِ على إرضاعِ ولدِها منهُ أو منْ غيرِهِ مملوكٌ له مِن زوجٍ أو زنًا؛ لأنَّ لبنها ومنافعها لهُ.
وليسَ لهُ أَنْ يُكلِّفهَا إرضاعَ غيرَ ولدها معهُ بأجرةِ ولا بغيرهَا، إلَّا أن يفضل لبنُها عن ريِّ ولدها لقلَّةِ شربه، أو لكثرةِ اللبنِ، أو لاجتزائِه بغيرِ اللبنِ فِي أكثرِ الأوقاتِ، ولو ماتَ ولدُها أو استغنى عَنِ اللبنِ فلَهُ ذلكَ.
وله إجبارُها على فِطامِهِ قبلَ الحولينِ إذا اجتزَأ الولدُ بغيرِ اللبنِ.
وله إجبارُها علَى الإرضاعِ بعدَ الحولينِ، وإنْ كانَ يجتزئ بغيرِ اللبنِ إلَّا إذا تضررتْ بِهِ، وليسَ لها الاستقلالُ بالفطامِ والإرضاعِ 3. هذا حكمُ الأمةِ، وأمَّا الحرَّةُ فلهَا حق فِي تربيةِ الولدِ، فليسَ لواحدٍ من الأبوينِ الاستقلالُ بالفطام قبلَ الحولينِ، وعلى الأبِ الأجرةُ إذا امتنعتْ الأمُّ

منَ الفطامِ إمَّا لَهَا وإمَّا لغيرِها.
وإن اتفقَا على الفطامِ جازَ إذا لم يتضرَّرِ الولدُ، وأمَّا بعدَ الحولينِ فيجوزُ لكلِّ واحدٍ منهما الفطامُ إذا اجتزأ بالطعامِ، ويجوزُ أن يُزادَ فِي الإرضاعِ على الحولينِ إذا اتفقا 1. ويجوزُ المخارجةُ، وهيَ ضربُ خراجٍ معلومٍ على الرَّقيقِ يؤدُّونَهُ كلَّ يومٍ أوْ كلَّ أُسبوعٍ مما يكتسبُهُ، وليسَ للسيِّدِ إجبارُ العبدِ عليها، ولا للعبدِ إجبارُ السيدِ، كالكتابةِ 2. ولا يجوزُ للسيِّدِ أن يكلِّفَ رقيقَهُ من العملِ ما لا يُطيقُ الدوامَ عليهِ، ولا يجوزُ أَنْ يُكلِّفَهُ عملًا يقدرُ عليه يومًا أو يومين، ثم يعجزُ عنهُ.
وإذا استعملَهُ نهارًا أراحَهُ ليلًا، وكذا بالعكسِ، ويريحُهُ فِي الصيفِ وقتَ القيلولةِ، ويستعملُهُ فِي الشتاءِ النهارَ معَ طرفِي الليلِ، وعلى العبدِ بذلُ المجهودِ وتركُ الكسلِ 3.

فصل

مَن ملكَ دابةً لزمَهُ علفُها وسقيُهَا، ويقومُ مقامَ العلفِ والسَّقي تخليتها لترعى، وترد الماءَ إنْ كانتْ مما يرعى، ويكتفَى به لخصبِ الأرضِ ونحوِهِ، ولم يكنْ مانعٌ.
ويحرُمُ تحميلُ الدابةِ ما لا تطيقُ الدوامَ عليهِ، وإن كانتْ تطيقُهُ يومًا ونحوُه كما سَبَقَ فِي الرَّقيقِ 1. ولا يجوزُ نَزْفُ لبنِ الدابَّةِ بحيثُ يضرُّ ولدَها، وإنَّما يحلبُ ما فضلَ عن ريِّ ولدِها.
قالَ الرُّوياني: ويعني بالريِّ ما يقيمه حتَّى لا يموتَ.
قال المتولي: ولا يجوزُ الحلبُ إذا كان يضرُّ البهيمةَ لقلَّةِ العلفِ.
قال: ويكره تركُ الحلبِ إذا لمْ يكنْ فيهِ إضرار بها؛ لأنَّه تضييعٌ للمالِ.
قال: والمستحبُّ أن لا يُستقصى فِي الحلبِ، ويدع فِي الضرع شيئًا وأن يقصَّ الحالبُ أطفاره لِئلَّا يؤذيها 2. انتهى.

ويجب على مالكِ النحلِ أن يبقِي فِي الكوارةِ شيئًا من عسلِها لتأكُلَهُ، فإن كانَ فِي الشِّتاءِ وتعذَّرَ خروجُها كان المتبقي أكثر، فإن قامَ شيءٌ مقامَ العسلِ فِي غذائِهَا لم يتعيَّنِ العسل 3. وقد قيل: تُشوى دجاجة وتُعلق بباب الكوارة.
وعلَى مقتنِي الكلبِ المباحِ اقتناؤه أَنْ يطْعِمَهُ أو يرسلَه أو يدفعَهُ لمنْ له

الانتفاعُ بِه، ولا يحلُّ حبسُه ليهلكَ جوعًا.
ودودُ القزِّ يعيشُ بورقِ التوت فعلى مالكه تخليتُه ليأكلَ منهُ، فإن عزَّ الورقُ اشترى له مِن مالِ مالكِهِ كالرقيقِ.
والظاهرُ أنَّهُ يجبُ أَنْ يلبسَ الخيلَ والبغالَ والحميرَ ما يَقيهَا الحرَّ والبردَ الشديدَ إذا كانَ ذلِكَ يضرُّ بهَا.
وغيرُ ذواتِ الأرواحِ كالعقارِ والقنى والزرعِ والثمارِ لا يجبُ القيامُ بعمارتِها على مالكِها المكلَّف المطلقِ التصرُّفِ إذا لمْ يتعلقْ به حق لغيره، فأمَّا إذا أجَّرَ دارَهُ ثم احتلَّت فعليه عمارتُها إن أرادَ دوامَ الإجارةِ، فإن لم يفعلْ يخيَّرُ المستأجر 1. ولا يكرهُ تركُ زراعةِ الأرضِ لكن يكرهُ تركُ سقي الزرعِ والأشجارِ عندَ الإمكانِ لما فيهِ من إضاعةِ المالِ، وصحَّحَ الروياني التحريمَ، وجرى عليه فِي المهمات، ثم فصَّل فقال: الصوابُ أن يُقالَ: إنْ كانَ سببُ الإضاعةِ تركَ الأعمالِ فلا تحريمَ؛ لأنَّها قد يشقُّ عليهِ، وإنْ لم يكنْ إعمال كإلقاءِ المتاعِ فِي البحرِ حرم.
قال المتولِّي 2: ويكرهُ أيضًا تركُ عمارةِ الدارِ إلى أَنْ تخربَ، ولا تكرهُ عمارةُ الدورِ وسائرِ العقارِ للحاجةِ، والأوْلى تركُ الزيادةِ، وربَّما قيلَ تكرهُ الزيادة.
وأمَّا المحجورُ عليهِ فعلى وليِّه عمارةُ دارِهِ وحفظُ شجرهِ وزرعِه بالسَّقي وغيره، وأمَّا الوقفُ فعلى ناظرِهِ حفظُ رقبتِهِ ومستغلاته ولو غابَ الرشيدُ عن

مالِهِ غيبةً طويلةً ولا نائبَ له، فهلْ يلزم الحاكمُ أن يُنيبَ من يعمرُ عقارَه ويسقي زرعهُ وثمره من ماله أم لا، والظاهرُ اللزومُ؛ لأنَّ عليه حفظَ مالِ الغائبِ كالمحجورينَ.
ويكرهُ للإنسانِ أَنْ يدعوَ على نفسِهِ وولده وخادمِهِ ومالِهِ، واللَّهُ أعلمُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جارٍ التحميل