التدريب في الفقه الشافعيصفحات 165-204

وشرطوا للوجوبِ أَنْ لا يحتاجَ المالكُ لوضْع جُذُوعِهِ، وأنْ لا يزيدَ الجارُ فِي ارتفاع الجِدارِ، ولا يبنِي عليه أزجًا، ولا يضعُ عليهِ ما يضُرُّ الجدارَ، وأنْ لا يَمْلِكَ لما يُسْقِفُ عليه شيئًا مِن الجدرانِ، أو لا يملِكُ إلَّا جدارًا واحِدًا.
وقيل: لا تجِبُ إلَّا أن يملِكَ 1 صاحِبُ الجُذُوع ثلاثَةَ جُدُرٍ، واحتاج لِرابع 2. وعاريةُ كتابٍ كَتَبَ صاحِبُهُ عليهِ 3 سماعَ غيرِهِ، أو كتَبَ بإذنِهِ، تجِبُ على رأي الزُّبيريِّ ليكتبَ نُسخةَ سماعِهِ 4. وقد تجِبُ جَزْمًا عند تعيُّنِها لدفْع المفسدةِ كوجودِ مريضٍ مُلْقى فِي 5 الطريقِ، ودفْنِ ميتٍ فِي أرضِهِ حيثُ تعذَّرَ الاستِئْجارُ.
ولا بُدَّ مِن لفظٍ دالٍّ على الإذْنِ فيها كـ: "أعرْتُك"، أو: "خُذْهُ لِتنتفِعَ بِهِ"، أو ما أشبهُهُ، أو "أعِرْنِي" فتعطِيه 6، فيُعتبرُ اللفظُ مِن طرفٍ على المرجَّح 7. واعتبرَهُ الغزالِيُّ مِن جهة المُعيرِ 8، ولم يعتبرْهُ المُتولِّي مِن الطرفَيْنِ، واكتَفَى بالدِّلالةِ على الإذنِ، كبسْطِ فُرُشٍ للضيفِ ونحوِهِ، بخلافِ فُرشٍ

مبسوطٍ لغيرِ مُعينٍ، فإنَّه لا يكونُ عاريةً لِمن جَلَس بلا تَعَدٍّ.
واستعمالُ الظرفِ المبعوثِ فيهِ الهديةِ بأكلِ ما فِي القصْعةِ ونحوِهِ يكونُ بالعارية عندَ العبَّادي.
والأرجحُ أنه يكون.
هبةً للمنفعةِ أيضًا، فلا 1 يكونُ ضامِنًا، كمَا أنَّ هبةَ 2 منافِع الدارِ لا تكونُ إعارةً للدارِ على الأرْجَح.
ولا تصِحُّ مِن صبيٍّ ولا سفيهٍ إلَّا فِيما يتعلَّقُ ببدنِهِ غير مقصودٍ، وإلَّا فِي مثْل إذْنِ الأبِ فِي خدمةِ الصغيرِ فِيما لا يقصدُ، ولا مِن العبدِ ولو مكاتبًا إلَّا بإذْنِ سيدِهِ.
ولا يستعيرُ الصبيُّ ولا السفيهُ ولا العبدُ ولو مُكاتبًا 3 إلَّا بإذْنِ سيدِهِ.
ولا تَجوزُ إعارةُ طعام 4 لأنَّ منفعتَه باستهلاكِهِ.
وللمستأجِرِ أن يُعيرَ، وكذا الموقوفِ عليه، والموصَى له بالمنفعةِ.
وليسر للمُستعِيرِ أَنْ يُعيرَ بغيرِ 5 إذنٍ 6 فِي الأصحِّ؛ ولكِنْ 7 لهُ أن يستنِيبَ

كمن يرسلُهُ فِي حاجتِهِ 1 على دابَّةٍ استعارَهَا للرُّكوبِ إذا لم يكنْ أثقلَ منهُ.
وتَصِحُّ مِن صاحِبِ الكلبِ إعارتُهُ لأنه مُختصٌّ بمنفعتِهِ، وكذا الهَدْيُ والأُضحيةُ المنذورانِ 2 للرُّكوبِ، وكذا جلدُ الأُضحيةِ.
ولا تَصحُّ إعارةُ الدراهِم والدَّنانيرِ على الأصحِّ، لأن منفعتَهُما للتزيينِ وهِي ضعيفةٌ 3، فإنْ صَرَّح بالاستعارةِ للتزيينِ صحَّ فِي جوابِ المُتولِّي ومَن تَبِعَهُ.
والتحقيقُ: لا فرْقَ.
وأمَّا تُفاحةٌ للشَّم 4 ونحوِ ذلك، فيظهرُ الجوازُ بخِلافِ الإجارةِ لاعتبارِ 5 المقابلة فِيها.
وتحرمُ إعارةُ الصيدِ مِن المُحْرِمِ، والجاريةِ للاسْتمتاع، وكذا الحسناءِ للخِدمةِ مِن غيرِ مَحْرَمٍ، أو امرأةٍ، وتفسدُ، خِلافًا للغزالِيِّ.
وتكرهُ استعارةُ أحدِ أصولِهِ للخِدمةِ، وكذا المسلِم مِنَ الكافِرِ 6. ولا بُدَّ مِن تعيينِ نوع المنفعةِ فِيما يُنتفعُ بِهِ بأنواع؛ فإنْ عمَّم فوجهان، الأرجحُ الجوازُ، و"أعرتُك حِمارِي لِتعلِفَهُ" ونحوه، إجارةٌ فاسدةٌ تُوجبُ

أجرةَ المِثلِ دونَ ضمانِ الرَّقبةِ (1). ومِن ذلك يُعلمُ أنَّ النفقَةَ على المالِكِ دونَ المُستعيرِ، وهو الصَّوابُ، خِلَافًا للقاضِي الحُسين.
وإنْ تبرَّع المستعيرُ بِها لم يرجِعْ، ويصحُّ عند القاضِي أبي الطَّيْبِ، ومَن تبِعَه إعارةُ الشاةِ لأخذِ لبَنِها، والشجرةِ لأخْذِ ثمرتِها، ونحو ذلك.
وتصحُّ إعارةُ الفحْلِ للضِّراب قطعًا، وليس لنا عاريةُ عينٍ لعينٍ إلَّا فِيما ذُكر، ولا يُعتبر تعيينُ المُستعارِ عندَ العارِيةِ عند المتولِّي.

وقواعِدُ البابِ ثلاثٌ

(2):

الأولى

: الانتفاعُ بحسبِ الإذْن فِي التَّعميم والتَّخصِيصِ والمُعتادِ، وينتفعُ مثلَ المأذونِ ودونهُ ما لم يُنْهَ (3).

الثانية

: وجوبُ ردِّها ومَؤنَتُه عندَ ارتِفاع العارِيَةِ وضمانُها على المُستعيرِ، ولو123

أرْكبَ تصدقًا ويضمنُ 1 عند حصولِ التَّلف لا بالاستعْمَالِ الجائِزِ، إلَّا فِي عَقْدِ الظَّهْر عند القفَّالِ، وإلَّا 2 فِي الهَدْي والأُضحيةِ، ويضمنُ المُعيرُ أيضًا 3. وليس لنا عاريةٌ جائِزةٌ -مَعَ العِلْم بالحالِ- يضممنُ المُعيرُ فِيها إلَّا فِي هذهِ الصورةِ.
ويُسْتثنى مِن القاعدةِ على المرجح: المستعارُ للرهْنِ إذا تَلِفَ فِي يدِ المرتَهِنِ 4 والمستعارِ مِن مستأجِرٍ خِلافًا لترجيح الهروِي أو من موصًى 5 لهُ بالمنفعةِ على الأصحِّ 6. وخرَّجْتُ على ذلك: المستعارُ من موقوفٍ عليه أو مِن 7 مالِكِ منفعةٍ بصداقٍ أو خُلْعٍ أو صُلْحٍ أو سَلَمٍ، فإنَّ جَمِيع ذلك لا ضمانَ حيثُ لا تعدٍّ لا بتأييدِ المُستعيرِ على يدِ مُستحقِّهِ للمنفعةِ ليستْ ضامنةً للعينِ.
وكذلك لا ضمانَ فِي جِلْدِ الأُضحيةِ، والكلبُ لَا ضمانَ فيهِ، ولا فِيما استعارهُ الصَّبيُّ والسفيهُ، إلَّا إذا أتلفاهُ] 8.

ولا 1 ضمانَ فِي إعارةِ الدَّراهِم والدَّنانِيرِ إذا 2 فرَّعنا على بُطلانِ العارِيةِ على الأفقهِ إذْ لَا منفعَةَ لَهَا تُستعارُ بِسببها 3، فلم تُوجدِ العارِيةُ؛ خلافًا لِمن صحَّح خِلافَ ذلك.
وعلى هذا تنطَبِقُ قاعدتُهُم: الفاسدُ كالباطِل إلَّا فِي الحجِّ، والعارِيةِ، والخُلْع، والكِتابةِ.
ولا يميلُ للبطلانِ 4 الذِي لَا ضمانَ فيهِ بما يستعيرُهُ الصبِيُّ والسفيهُ؛ لأنَّ عَدَمَ الضمانِ جاء مِن تفريطِ المُعيرِ.
وكلُّ عقدٍ توجَّه 5 الإبطالُ فيهِ لِعدم أهلِيَّةِ العاقِدِ يُخالِفُ 6 الفاسِدَ كما فِي الإجارةِ والرهنِ، ونحوِهِما، فيَضمنُ الواضِعُ فِي الباطِلِ دونَ الفاسِدِ.
وكذا يخالِفُ الفاسدُ الباطلَ فِي البَيْع مِن غيرِ الأهلِ أو بما لَا يُقصدُ 7، فيُحَدُّ لو وَطِئَ مع العِلْم، بِخِلافِ الفاسِدِ للشبهةِ فيهِ فكثيرٌ ما يردُ على قاعدتِهِم.

ولهم ضابطٌ، وهو (1) فاسدُ كلِّ عقدٍ كصحيحِهِ فِي الضَّمانِ وعدمِهِ، فإنْ أُريد بالفاسِدِ ما يعمُّ الباطِل استثني ما سبق فِي الدراهِم والإجارةِ والرهنِ من غيرِ الأهْل كالصَّبيِّ والسفيهِ.
واستثنى القاضِي الحُسينُ مِن الضَّابِطِ الشِّرْكةَ، فإنْ صحيحَهَا لا ضَمانَ فيهِ بأجرةٍ بِخِلافِ فاسِدِها، والمسابقةُ والمناضلةُ صحيحُهُما مضمونٌ بِما سُمِّي، وفاسِدُهُما لا ضمانَ فيهِ.
والأصحُّ فِيهما وجوبُ الأُجرةِ.
ومِمَّا يُستثنى: الهبةُ الصحيحةُ لا ضمانَ فيها، والفاسدةُ تُضمنُ على رأي مرجوح.
[وضمانُ العاريةِ] (2) بقيمةِ يَوْمِ التَّلفِ على الأصحِّ، كالمُسْتِام عندَ قومٍ (3). وسبقتْ قاعدةُ المضموناتِ فِي القَرْضِ.

القاعدةُ الثالثةُ:

الجوازُ مِنَ الجانِبينِ فِي المُطْلَقةِ والمُقيدةِ، إلَّا إذا استعار أرضًا لدفْنِ ميتٍ محترَم ودُفِنَ: فإنه لا يرجِعُ ما 4 لم يندرِسْ أثرُ المدفونِ.123

ولم يُجَوِّزوا له الرجوعَ وَطَلَبَ 1 الأُجرةِ مِنَ المُستعيرِ إلى الاندِراسِ، ولو قيل بهِ لم يبعُدْ، إلَّا 2 إذا استعار للرَّهنِ وَرَهَنَ، وقَبَضَ المُرْتَهِنُ، وقد سبق التنبيهُ على هذا 3 فِي باب الخيار.
ويُزاد على ذلك كلُّ موضِعٍ تجِبُ فيهِ العاريةُ فَلَا رجوعَ فيها.
وإذا استعار لِوضع الجُذُوع حيثُ لَا وجوبَ، فلهُ الرُّجوعُ على الأصحِّ، فيتخيَّرُ بينَ الإبقاءِ بأجرةِ المِثلِ والقلْع 4 وضمانِ أرْشِ النقْصِ.
وتنفسِخُ التِي يرجِعُ فيها 5 بالموتِ 6 والجنونِ والإغماءِ وحَجْرِ السَّفهِ 7. وإذا رَجَعَ المُعيرُ والزرعُ فِي الأرضِ، فإنْ كانَ يُعتاد قَطْعُهُ كُلِّف قَطْعَهُ، وإلَّا بَقِي بأجرةٍ المِثل على الأصحِّ، وإنْ كان بناءً أو غراسًا 8 موضوعًا بِمُقتضى العارِيةِ، ولم يمكنْ رفعُهُ إلَّا بنقصٍ، ولم يُشترطِ القلْعَ، فالنصُّ أنَّه يتملَّكُهُ 9 بقيمةِ يومِ التلفِ 10.

وفهِمَ الأصحابُ مِنَ النَّصِّ دفْعَ الضررِ، فخيَّروا 1 مالكَ الأرضِ أو مَنِ انتقَلَ إليه منهُ بينَ أَنْ يقلعَ ويضمَنَ 2 ما نَقَصَ مِن ثمرتِهِ وقيمتِهِ قائمًا بالصِّفةِ المذكورةِ.
ومَؤُنةُ القَلْع على صاحِبِ البِناءِ على الأصحِّ، وبينَ أَنْ يتملَّك بالقيمةِ، وبين أن يبقى بالأجرة، وما اختارَهُ المالِكُ مِن ذلك، ووافقه عليه صاحِبُ البناءِ، أو مَن انتقل إليهِ منه فُعِلَ.
فإنْ أبى، فإنْ كان الذِي اختارهُ صاحِبُ الأرضِ القلعَ وضمانَ أرْشِ النقص كُلِّف صاحِبُ البناءِ 3 القلعَ مجَّانًا على وجهٍ، والأصحُّ 4 بالأرْشِ.
وإنِ 5 اختارَ التملُّكَ بِالقيمةِ أُجيبَ إليهِ على مُقتضَى النصِّ، وقال به كثيرٌ مِن الطريقينِ كالشَّفيع، ورجَّح جمعٌ تكليفَ التَّفرِيع على ما سَبَقَ.
وإنِ اختارَ الإبقاءَ بالأُجرةِ فأبى، كُلِّف التفريعُ على ما سَبَقَ.
وإن لم يختَرِ المُعيرُ شيئًا أعرَضَ الحاكِمُ عنهما على الأصحِّ.
وإذا قَلَعَ المُستعيرُ باختيارِهِ لزِمهُ تسويةُ الحُفَرِ على الأصحِّ، إلَّا أن يشترِطَ القَلْعَ.

فائدة:

شروطُ التخييرِ بينَ الخِصالِ الثلاثِ فِي الأبوابِ كلِّها:

أن لَا يكونَ لصاحِبِ البناءِ شركةُ منفعةٍ فِي الأرضِ أو رقبتِها، فإنْ كان تعذَّر القلعُ والتمليكُ بِالقيمةِ عندَ المُتولي.
والتحقيقُ أنه لا يتعذَّرُ بل يتملَّكُ بقدْرِ نصيبِهِ مِنَ الأرضِ، ولا يتعذَّرُ الإبقاءُ بالأُجرةِ.
وأن لا يكونَ البناءُ والغِراسُ وقفًا؛ فإنْ كان تعذَّرَ تملَّكَه 1 بِالقيمةِ.
وأن لا تكونَ الأرضُ موقوفةً، فإن كان، تعذَّرَ التملُّكُ بِالقيمةِ 2 والقلْع وضمانِ أَرْشِ النَّقْصِ مِن مالِ الوقفِ، وكذا مِن مالِ النَّاظِرِ، لتحقُّقِ فواتِ الأُجرةِ لِمُتَوَهِّم.
وأن يكونَ وُضِع بِحقٍّ 3 فِي غيرِ مِلكٍ أو فِي مِلكٍ ارتفع سببُهُ، فإنْ وُضِع بغصِبٍ أو شراءٍ فاسدٍ تعذَّرَ التملُّكُ 4 بالقيمةِ على الأصحِّ لإمكانِ القَلْع مَجَّانًا.

وما وُضع فِي مِلْكٍ لم يرتفِعْ سببُهُ، أو بِما 1 انقطع المِلْكُ فِيهِ كما فِي صورةِ بائِع الأرضِ أو واهبها أو نحو ذلك يبقى البناء والغراس له، فتتعذر الخصال كلها، ويتعين الإبقاء بغير أجرة.
وما ارتفَعَ سببُهُ بِرَدٍّ بعيبٍ أو رُجُوعٍ فِي هبةٍ أو أَخْذٍ بشفعة فِي مفْرُوزٍ بقسمةٍ صحيحةٍ مَعَ بقاءِ الشُّفعةِ، فإنه يأتِي فِيهِ التَّخييرُ كما فِي العارِيةِ.
فأما فِي الفَلْسِ 2: فإنِ اتفَقَ الغُرماءُ والمُفلسُ 3 على القلْع 4 قُلِع، ويلزمُهُ تسويةُ الحُفَر 5 وغَرْمُ أرْشِ نقْصِ الأرْضِ مُقدمًا.
وعند الشيخ أبي حامِدٍ: بالحِصَّةِ.
وإن اختلفا فُعِلت المصلحةُ.
فإنِ امتنعوا فلا يرجعُ البائِعُ إلَّا على أَنْ يتملَّكَ البنَاءَ والغِراسَ أو يُقلعَ بالأرْشِ.
فإنْ كان الغِراسُ اشتراهُ المُفلسُ وغَرَسَهُ، ورَجَعَ فيهِ صاحِبُهُ فلِصاحِبِ الأرْضِ قلْعُهُ مجَّانًا على وجهٍ، لأنَّ صاحِبَهَ باعهُ مُفردًا.

والزرعُ تقدَّم حُكْمُه إذ ليس يُطلبُ للبقاءِ، فإنْ كان يَبْقى سِنِين 1، فهو كالغِرَاسِ.
والجذعُ تقدَّم ولَا يأتِي فيهِ التَّمليكُ إذِ الجِدارُ تابعٌ لا يصلُحُ أَنْ يكونَ مَتْبوعًا.

فرعٌ: إذا اختلَفَ المالِكُ 2 مع الزَّارع 3 أو الرَّاكِبِ، فادَّعى المالِكُ الإجارَةَ وغريمُهُ الإعارَةَ قبلَ مُضِيِّ مُذَةٍ لِمثلِها أجرةٌ، فالقولُ 4 لنا فِي الإجارةِ بيمينِهِ 5، وبعدَ المُضيِّ القولُ للمالِكِ بِيمينِهِ فِي إلزامِ 6 أُجرةِ المِثلِ 7، لَا فِي إثباتِ 8 المُدَّةِ والمُسمَّى 9.

ولوِ انعَكَسَ التَّقديرُ 1 فالقولُ للمالِكِ بِيمينِهِ، ولا 2 فِي دَعْوى الغَصْبِ.
وحيثُ حَصَلَ الاختِلافُ فِي الجِهةِ لَا يضرُّ على الأصحِّ، وتفارِيعُ هذا تُعرفُ مِنَ الدَّعاوَى 3.

باب الغصب

هو لغةً: أخذُ الشيءِ ظُلمًا، وقِيل: أخْذُ الشيْءِ جهْرًا بغلبةٍ وقوةٍ، والشيْءُ مغصوبٌ وغصْبٌ أيضًا.
وشرعًا: الاسْتيلاءُ على حقٍّ مُحتَرَمٍ لِغيرِهِ تعدِّيًا، ولو فِي مِلْكِهِ كغَصْبِ الرَّاهِنِ أو المُؤجِّرِ مِلْكَهُمَا 1. وقد يُلحقُ بِهِ فِي حُكْمِهِ التَّعدِّي فِيما كانتِ اليدُ فِيه لحقٍّ 2 مِن وديعةٍ ورهنٍ واستعمالِ مَن لم يقصِدِ التَّعدِّي، كَمَنْ لَبِسَ ثوبَ وديعةٍ ظنَّه له، ولا يُلحقُ بِهِ استنِقاذُ مالِ مسلِمِ مِن حرْبِيٍّ، فلَا يضمنُ على النصِّ المقطُوع بِهِ.
والأصلُ فِي تحريمِهِ قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا 3 تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ 4. والعموماتُ فِي تحرِيم الظُّلْم تتناولُ الغصْبَ، وقد قال النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي

خُطبتِهِ فِي حَجَّته: "إنَّ دماءَكُم وأموَالَكم وأعراضَكُم حرامٌ عليكُم" رواه الصحيحان 1. وعنِ السَّائِبِ بنِ يزيدَ، عن أبِيهِ، قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يأخُذُ أحدُكُم متاعَ أخيه جادًّا ولا لاعِبًا، وإذا أخَذَ أحدُكم عَصَا أخِيهِ فلْيَرُدَّها إلَيهِ" رواه أبو داود والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ 2. وعن أنسٍ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يَحِلُّ مالُ امرئٍ مسلِمٍ إلا بطِيبِ نفسِهِ" رواه ابنُ ماجه 3.

.................................. = الحارث بن محمد الفهري لا يعرف مجهول، وفيه أيضًا عبد اللَّه بن منيب الربعي قال الرازي يحل ضرب عنقه.
حديث ابن عباس: أخرجه البيهقي (6/ 97) من طريق ابن أبي أويس عن أبيه عن ثور ابن زيد الأيلي عن عكرمة عن ابن عباس... الحديث، وفيه: "لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفسٍ...". وابن أبي أويس، هو إسماعيل، قال في "التقريب": "صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه".
وقال الشيخ الألباني رحمه اللَّه عن هذا الإسناد: (هذا إسناد حسن، أو لا بأس به في الشواهد، رجاله كلهم رجال الصحيح..) اهـ. من "الإرواء" (5/ 281). قلت: نعم، رجاله رجال الصحيح، ولكن ابن أبي أويس قد تكلم فيه بما يقدح في صحة حديثه، ولهذا طرحَ النسائيُّ حديثه، وقال الدارقطني: "لا أختاره في الصحيح"، وإن كان البعض قد أثنى عليه، ولكن: قال الحافظ في "هدي الساري" (ص 410): (وروينا في "مناقب البخاري" بسندٍ صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له في ينتقي منها، وأن يُعْلمَ له على ما يحدث به ليحدث به، ويُعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا إن شاركه فيه غيره، فيعتبر به) اهـ. وأبو إسماعيل، وهو عبد اللَّه بن عبد اللَّه: "صدوق يهم" - كما قال الحافظ في "التقريب".
وأخرج الدارقطني، حديث ابن عباس من وجهٍ آخر بإسناد واهٍ فيه العرزمي، وهو متروك! حديث عمرو بن يثربي: أخرجه أحمد (3/ 423)، (5/ 113)، وابنه عبد اللَّه في "زوائده على المسند" (5/ 113)، والطبراني في "الكبير" - كما في "المجمع"، وفي "الأوسط"، والطحاوي في "المشكل" (4/ 41 - 42)، والدارقطني (3/ 25)، وفي "شرح المعاني" (2/ 340)، والبيهقي (6/ 97): كلهم من طريق عمارة بن حارثة عن عمرو بن يثربي... الحديث، وجاء فيه: "ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه...". =

وعن سعيدِ بنِ زيدٍ عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِن الأرْضِ ظُلْمًا طَوَّقه اللَّه إيَّاهُ يَوْمَ القِيامةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" أخرجهُ الصحيحان، واللفظُ لمسلِم 1. ولهُما عن عائشَةَ -رضي اللَّه عنهما- بِمعناهُ 2. وللبخارِيِّ عنِ ابنِ عُمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامةِ إلَى سَبْع أرَضِينَ" 3. ولِمُسلِم عن أبِي هُريرةَ -رضي اللَّه عنه- بمعنى ما تقدَّم 4. وليس فِي الأحادِيثِ: "مَنْ غَصَبَ".
وعلى الغاصِبِ الرَّدُّ 5 فِي كُلِّ وقتٍ ما دام التَّعدِّي قائِمًا مَعَ بقاءِ المغصوبِ أو بعضِهِ فِي المملوكِ أو المُختَصِّ، ولو حَدَثَتْ 6 فِيهِ صِفةٌ أو انتقَلَ مِن عينٍ إلى عيْنٍ أُخرى كبيضٍ تفرَّخ وبذْرٍ زَرَعَه، أو حَدَثَ المِلكُ عنده

كجلدٍ دَبَغَهَ أو خمرٍ صار خَلًّا.

ويُستثنَى مِن وُجوبِ الرَّدِّ ثَمانِ صُورٍ:

إحداها: إذا مَلَكَ الغاصِبُ بالغصْبِ وذلك فِي حربيٍّ غصبَ مالَ حربيٍّ، ولا يُملكُ بالغصبِ إلَّا فِي هذِهِ الصورةِ إذْ لَا احتِرَام هنا.
الثانية: غَصَبَ خَيطًا وَخَاطَ بِهِ جِراحةَ حيوانٍ مُحتَرَمٍ، فلا يُنزعُ ما دام حيًّا وكذا لو بَلِيَ.
الثالثة: غَصَبَ لَوحًا، وأدخلَهُ فِي سفينةٍ، وكانت فِي لُجَّةٍ، وخِيفِ مِن نَزْعِهِ هلاكُ مُحتَرَمٍ مِن السَّفينةِ أو غيرِها، ولو للغاصِبِ على الأصحَّ، فلا يُنزع فِي هذِهِ الحالةِ، ولا يُنزعُ لوحٌ أدخلهُ فِي بنائِهِ وَعَفِنَ.
الرابعة: الخمرةُ غيرُ المحترَمَةِ -وهي التِي تُعصَرُ على قصْدِ الخمْرِ- إذا غُصبتْ من مُسلم لا تُرَدُّ عليهِ، وتُراق بِخِلافِ الذِّمِّي، إلَّا إذا أظهَرَ شربَها أو بيعَها.
والتحقيقُ: لا تُستثنى هذِهِ، فلا يُتحققُ فيها الغصبُ الشرعيُّ.
الخامسة: غَصَبَ عصيرًا فتخَمَّر عنده يُرِيقُهُ ولا يردُّه، والتحقيقُ حملُهُ على ما قبلها.
السادسة: الخلْطُ الذِي لا يُمكنُ تمييزُ المغصوبِ معه لا يجِبُ فيهِ الردُّ، ويكونُ كالهالِكِ حُكما، ويملِكُهُ الغاصِبُ على ما صرَّح بِهِ جماعةٌ، وهو

خلافُ أصلِ الشَّافِعِي فِي البابِ، والأرجحُ ثبوت الشِّركةِ فيردُّ منه 1 مع أرْشِ النقْصِ فِي الخلْطِ بالأردَإِ، وفِي الأجودِ يُباع، ويُقسم الثَّمنُ على نسبةِ القِيمةِ، ولا يرد منه وهذه مَحلُّ الاستثناءِ.
السابعة: كلُّ عينٍ غرَّمناِ 2 الغاصِبَ بَدَلَها لِما أحدَثَ فِيها إمَّا على الأصحِّ أو على رأي، وهِي باقيةٌ: لا يجِبُ ردُّها على وجهٍ، وذلِك كَمَا فِي الحِنطةِ تبتلُّ بحيثُ تسْرِي إلى الهلاكِ ونحوِ ذلك، والتحقيقُ: لا تُستثْنَى ولا الأُولى، إلَّا أن يُرادَ بزوالِ التَّعدِّي ما كان مأذونًا فِيهِ شرْعًا.
الثامنة: إذا نَقَلَ التُّرابَ عنِ الأرْضِ غَصْبًا ولا غَرَضَ لهُ فِي ردِّهِ لَا يردُّه 3 إلَّا بإذْنِ المالِكِ على الأصحِّ 4، وفِي حَفْرِ البِئْرِ لهُ طمُّها إلَّا إذا رضي المالِكُ بِعدَمِ 5 الطَّمِّ، ولا غَرَضَ إلَّا رفْعُ خطرِ ضمانِ ما يسقطُ فيها بالحفْرِ، وكذا لو مَنَعَهُ مِن الطَّمِّ عند المُتولِّي، خِلافًا للإمام.

ضابطٌ: مَؤُنَةُ الردِّ واجِبةٌ على الغاصِبِ بِلا 6 خِلافٍ إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ وهِي الخمرةُ المُحتَرَمةُ، فإنَّ الواجِبَ فيها التَّحلِيةُ 7 عندَ المُحقِّقِين.

وَقَطَع الشيخ أبو محمَّدٍ بِوجُوبِ مُؤْنتِهِ وهِي واجبةٌ (1) لأنَّ صاحِبَها يَغْرَمُ على نقلِها ما يضمنُ مِثلَهُ، وينبغِي أن يَجْرِي ذلك فِي الكلْبِ ونحوِهِ، ولم يذكرُوه، بل جَزَموا بوُجوبِ مَؤُنة الرَّدِّ.

والغاصبُ ضامنٌ وإن كان غيرَ مكلَّف إلَّا فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ:

أحدها: الحربِيُّ إذا غَصَبَ مالَ مُسلم أو ذِمِّيٍّ فإنْ أسلم أو عُقدتْ له ذِمَّةٌ بعدَ الفواتِ فلا ضمانَ أيضًا، وإنْ كان قبلَهُ وَجَبَ الردُّ، ويُعلقُ الضمانُ حينئذٍ.
الثاني: الباغِي إذا غَصَبَ شيئًا فِي حال القِتال و 2 أتلفَهُ أو تَلِفَ فِي حال القِتال بسبب 3 لقتال كما لو اختُطِف منه آلةُ حرْبٍ 4 فَخَرَقها أو رماها البَحْر مثلًا، فلا يضمنُ على أصحِّ القولين، كما لا يضمنُ 5 العادِلُ قطعًا.
الثالث: أهلُ الشَّوكةِ بِلا تأويل 6 حُكمهُم فِي ذلك كالبُغاةِ على الأصحِّ.
الرابع: أهلُ الشَّوكةِ مِن المُرتدِّينَ، فيهم القولان كالبُغاة، وأظهرُهما 71

عند بعضِهم: لا ضمان، خِلافًا للمزنِيِّ والبغويِّ 1. الخامس: غَصَبَ العبدُ غيرُ المكاتَبِ شيئًا 2 لمالِكِه، وأتلفَهُ لا ضمانَ عليه.
السادس: غَصَبَ مَا لَا قيمةَ له، ولكنه مِن جِنس المتقوَّم، وأتلفهُ، لا ضمانَ، نصَّ عليه.
السابع: غَصَبَ عبدًا يجبُ قتْلُهُ لحقِّ اللَّه تعالى بردَّةٍ ونحوِها، فقتَلَهُ أو تَلِفَ فِي يدِهِ بالحالةِ المذكورةِ لا ضمانَ عليه.
الثامن: جميعُ المختصَّاتِ من خَمْرٍ وكلب وسِرْجِين، ونحوها، إذا أُتلفت أو تَلَفَتْ 3 تحت اليدِ العاديةِ لا ضمان فيها، سواء كانت لمسلِمٍ أو ذِمِّيٍّ.
التاسع: منفعةُ الكلبِ المغصوبِ لا تُضمنُ أيضًا وصيدُهُ للغاصِبِ.
العاشر: الصبيُّ الذي لا تمييزَ له أو المجنونُ 4 الضاري اختَطَفَ 5 شيئًا وأتلفَهُ، ففِي تعلُّقِ 6 الضمانِ بِهما وجهان، ذكره الشيخُ أبو محمد، ولو أَمَرَهما آمِرٌ فأتلفَاهُ، تعلَّق الضمانُ بالآمرِ دونَهما على الأصحِّ.

وتظهرُ بقيةُ مقاصِدِ البابِ بِذِكْرِ ثلاثِ قواعِدَ:

(1) إحداها

الاستيلاءُ المُضَمَّنُ مدارُه على العُرف والإتلافُ المُضَمَّنُ يكونُ بِالمباشَرَةِ والسَّببِ 1 والشَّرْطِ ولا يعتَبَرُ قصدُ الاستيلاءِ إلَّا فِي دُخولِ العقارِ عند غَيبة المالِكِ، ولا القبض فِي البيع ونحوِهِ، فيضمنُ بركوبِ دابةٍ وجلوسٍ على فراشٍ تعدِّيًا، وإن لم يُنقل على الأصحِّ 2. فإنِ 3 اشتَرَك مع المالِكِ فِي الجلوسِ ضمِن النصْفَ كما فِي دُخول العَقارِ معه بلا إزعاج إلَّا إنْ كان الداخِلُ ضعِيفًا لا يُعَدُّ مُسْتوليًا، فلَا يضمنُ شيْئًا.
والإزعاجُ فِي العقارِ أو فِي بعضِهِ مُضَمَّن لما حصل الإزعاجُ فيه.
وإن لم يدخلِ الظالِمُ والحرُّ لا يضمنُ بالاستيلاء، ولا ما عليه، ولَا مركوبُهُ، ولوِ استولى على حيوانٍ فتبِعَهُ ولدُهُ الذي من شأنِهِ أن يتبَعَهُ، أو هادي الغنم، فتَبِعَهُ الغنمُ: لا يضمن التابع على الأصحِّ إذا لم يَستَوْلِ عليه.
لكنْ إذا مات الولدُ بسببِ تعذُّر شُربِ اللبنِ عليه، فقياسُ ضمان السَّخْلةِ والفرْخ فِي صورةِ 4 ذبْح الشاةِ والحمامةِ لِفقْدِ ما يصلُحُ له أن يضمَنَ هُنا.

ولو مَنَعَ الظالمُ المالكَ مِنْ سَقْي ماشيتِهِ أو غرسِهِ أو زرعِهِ فَفَسَدَ، فالأرجحُ الضمانُ، خلافًا لما صححه فِي "الروضة" 1. ويضمنُ لو فَتَحَ زِقًّا فانْدَفَقَ 2 ما فيهِ بالفَتْح، أو تَقَاطَرَ شيئًا فشيئًا حتَّى ابْتَلَّ أسفلُهُ وسَقَطَ 3، أو أذابتْهُ الشمسُ فَضَاع، أو جَرَدَ عناقِيدَ العِنبِ للشمس، أو حَلَّ رِباطَ سفينةٍ فغرِقَتْ بالحَلِّ لا بِهُبوبِ الرِّيح فيها، أو وبالزِّقِّ 4، وفيه نظرٌ 5. ويضمنُ بفتحِهِ عن غيْرِ عاقِل فيخرُجُ حالًا أو تثِبُ 6 هِرَّةٌ فتأكُلُ الطيرَ حالًا، أو هيَّجه حتى طار.
ويضمنُ القَفَصَ لو كسرهُ الطائرُ المضمونُ أو كَسَرَ قارورةً فِي خروجِه.
ويضمنُ زرعًا تُتْلفِه البهيمةُ المضمونةُ خِلافًا للعِراقيين ولو نَهارًا خِلافًا للقفال، قلتُه تخريجًا، لأنه متعدٍّ.
ولو حَفَرَ بئرًا فِي محلِّ عدوانٍ فتردَّتْ فيها بَهيمة أو عبدٌ فهو ضامنٌ له، وهذا مِن مِثْلِ الشرط، وتمامُ ذلك فِي الجنايات.
ولا يضمنُ بأن يفتَحَ حِرْزًا، أو يدلَّ سارقًا.

وكلُّ يدٍ أثبتت على يدِ الضامِنِ مِن غيرِ أن تُزيلَ ضمانَهُ فهِي ضامنةٌ وإنْ جهِل صاحِبُها 1 الغصْبَ.
والقرارُ على مَن تلف المغصوبُ عنده بإتلافِهِ أو بتقصيرِهِ لا إنْ ذُبح بإذن الغاصِبِ وهو جاهِلٌ، فالقرارُ على الغاصِبِ.

ولا يستقِرُّ على اثنينِ إلَّا فِي صورتينِ: (1) إحداهما: إذا قَدَّم الطعامَ المغصوبَ لإنسانٍ وقال: "هُو فِي مِلْكي" فأكلهُ وهو جاهِلٌ بالحالِ، فغُرِم الآكلُ، لا يرجِعُ على الغاصِبِ، على الأظهرِ، وإن غُرِّم الغاصِبُ لا يرجِعُ على الآكِلِ على المذهبِ.
2 الثانية: فِي الهبةِ، لا يرجِعُ الواهِبُ إذا غُرم على المُتَّهِبِ، نصَّ عليه خِلافًا للمتأخِّرِين، ولا يرجِعُ المُتَّهِبُ إذا غُرم على الواهِبِ على أصحِّ القولينِ.
وأما مَن تَلِف عندهُ لا بإتلافِهِ ولا بتقصيرِهِ، فإنْ عَلِم فالقرارُ عليه، وإن جَهِل فلا قرارَ عليه، إلَّا إذا وَضَعَ يدهُ على أنه ضامِنٌ، كما لو استعارَ أو اشتَرَى أو استام فالقرارُ عليه.
وفِي العاريةِ والسَّوم لا يتقرَّرُ عليه الزائدُ عن (2) القيمةِ التي يضمنُها،

ويرجِعُ بِهِ على الغاصِبِ، كما يرجِعُ المذكورون بأُجرةِ منافِع لم يستوفوها لا بِما استوفوا، ولا بِالمهرِ (1) عن الوطْءِ.
ويرجِعُ المُشترِي بقيمةِ الولدِ المنعقِدِ حُرًّا، وبأرْشِ نقْصِ الولادةِ، ونقْصِ بنائِهِ وغراسِهِ إذا قَلَعَ لا بِما أنفق على العبدِ وأدَّى مِن (2) خَراج الأرضِ، كذا قالوه.
والتحقيقُ: أنه يرجعُ به على مَن أخذهُ منه.

(2) القاعدةُ الثانيةُ

المقتضِي لِلزومِ ضمانِ البدلِ فيما يُضْمَنُ بَعْدَ ردِّ المغصوبِ لِهِلَاكٍ أو حيلولةٍ 3 والْهَلَاكُ:

  • إما حسًّا: كموتِ العبدِ، وإحراقِ الثوبِ.
  • أو حُكْمًا: كعصيير تخمَّر، ومائِع تنجَّس، وحِنطةٍ ابتلَّتْ، ونحو ذلك مما يَسْري إلى الهلاكِ، أو تعذَّر فيهِ ردُّ العينِ، كما فِي صورةِ الخيطِ واللوح والخَلْطِ.
    ومن الحكميِّ: أن يجنِيَ العبدُ 4 فِي يدِ الغاصِبِ بِما 5 يوجِبُ مالًا متعلِّقًا12

برقبتِهِ، ويضمنُ الغاصبُ أقلَّ الأمرينِ مِن قيمتِهِ، وأرْشِ الجِنايةِ.
ولو تَلِفَ عنده غَرِم قيمتَهُ لمالِكِهِ وغَرِمَ للمجنِيِّ عليه قيمتَه إن كانت أقلَّ مِن أرْشِ الجِنايةِ (1).

ضابط

ٌ: ليس لنا موضعٌ يُغرمُ فيه بدلان بالنِّسبة إلى متلفٍ واحدٍ إلَّا فِي 2 ثلاثِ صورٍ: هذه.
والصيدُ المملوكُ يقتلُهُ المُحْرِمُ، فإنه يغرمُ الجزاءَ، وقيمتُهُ لمالِكِهِ.
وإذا وطِئَ زوجةَ أصلِهِ أو فرعِهِ بشبهةٍ، فإنه يَغرم مَهْرينِ إن كان بعد الدُّخول، ومهرًا ونصفًا إن كان قبلهُ.
ولو 3 رُدَّ الجانِي فبِيع فِي الجنايةِ فِي يدِ المالِكِ، وصُرف الثمنُ كلُّه للجنايةِ رَجَع المالكُ بأقصى القِيم إنْ زاد، خِلافًا لقولِهِم يرجِعُ بالثَّمنِ، وإن لم يَرد الأقصى فبالثَّمنِ.1

ومن الإتلافِ 1 الحكميِّ على وجه: إعتاقُ المالكِ بإذنِ الغاصِبِ مع الجهل، فإنَّه ينفُذُ على الأصحِّ، ولا يبْرَأُ الغاصِبُ على وجهٍ مرجوحٍ.
وينبغي أن يُلحقَ بذلك الوقفُ.
وكلُّ ما يُزيل المِلكَ والحيلولةَ كإباقِ 2 العبدِ وضياع الثوبِ، ونقْلِ المغصوبِ إلى بلدٍ آخَرَ، وفِي الصورِ كُلِّها يغرمُ الغاصِبُ القيمةَ للحيلولةِ 3 كما يغرمُ لو ظفَرَ بِهِ فِي غيرِ بلدِ الغصْبِ مع بقاءِ المغصوبِ، ويملِكُ المالِكُ القِيمةَ ولا يملِكُ الغاصِبُ المغصوبَ.
وليس لنا موضعٌ يجتمعُ فيه ملكُ البدل والمُبدل 4 إلا هذا، وما يرد فيه 5 البدلُ كسِرايةِ العينِ إلى الهلاكِ على وجهٍ، وما يُنْقَلُ مِن العصيرِ إلى الخَلِّ، ومِن البيضِ إلى الفرْخ ونحوه، على وجهٍ مُصحح 6، إذ الأصحُّ: إيجابُ ردِّ الخَلِّ ونحوِهِ، وغُرْمُ أرْشِ النَّقْصِ.
وإذا زالتِ الحيلولةُ ردَّ المالِكُ القيمةَ، ويتعينُ حقُّ الغاصِبِ فِي عينِ ما دفَع على الأصحِّ، فيتقدم بِها على الديونِ [عند الفَلَسِ فإنْ لم يوجدْ تَقَدُّمٌ] 7 فإنْ كان مُفلسًا يقدمُ الغاصِبُ بالقيمةِ فِي ثمنِ العبد على النصِّ فِي "الأم"،

ولعلهُ معنى الحبْسِ الذِي نقله القاضِي الحُسين عن 1 النصِّ لا الحبس الصُّوري عندَ اليسارِ، فقد 2 صُحِّح خلافُهُ.

والضمانُ عند الهلاك -إن كان المغصوبُ مِثْليًّا- يُضمنُ بمثلِهِ، كما سبق فِي القرْضِ إلَّا فِي صورٍ: إحداها: إذا ظَفَر به المالِكُ فِي غيرِ بلدِ التَّلفِ وكان المغصوبُ مما يزدادُ 3 بالانتِقالِ وطالَبَهُ 4 فِي موضِع الزيادةِ، فلا يغرمُهُ المِثل، وله تغريمُه قيمةَ بلدِ التَّلفِ، وإن 5 لم يكن هناك زيادةٌ بل مساواةٌ، أو نقصانٌ، فله طلبُ المِثل كما فِي القمْح يغصِبُهُ فِي موضِع، فيتلفُ فِيهِ، ثُم يجِدُهُ فِي موضع قيمتُهُ مساويةٌ لبلدِ التَّلف 6، أو ناقصةٌ عنها، والتمثيلُ بالدراهِم 7 يرشُد لهذا.
الثانيةُ: الحُلي لا يضمنُه بمثلِهِ، وإنما يضمنُهُ مع صنعتِهِ بنقْدِ البلدِ، وصحَّح البغويُّ أنه 8 يضمنُ الوزنَ بالمِثل، والصنعةَ بنقْدِ البلدِ لأنَّها متقوَّمة.

الثالثة: إذا خَرَجَ المِثليُّ 1 عن أن يكونَ له قيمةٌ بأنْ غَصَبَ ماءً فِي مفازةٍ فطالبهُ بِهِ على شطِّ نَهَرٍ ونحوِهِ 2، أو جَمْدًا فِي الصيفِ وطالبه فِي الشتاءِ، فإنه يغرمُ القيمةَ، وأما رِخَصُهُ فلا ينقلُه إلى القِيمةِ.
الرابعة: إذا اتُّخِذَ مِن المِثْليِّ غيرُ مِثليٍّ 3، كحِنطة اتخَذَ منها خُبزًا، وأتلفهُ وكان المتقوَّمُ أكثرَ قيمةٍ؛ يضمنُ القيمةَ على الأرْجَح، خِلافًا للعِراقِيين فِي تضمِينِ المِثليِّ 4. وأما إنْ حَصَلَ مِن المثليِّ مثليٌّ فالمالكُ مُخيرٌ، وقال البغويُّ: يغرمُ المِثلَ الزائِدَ فِي القِيمةِ.
وإذا أعوزه المِثلُ لِفقدِهِ أو لأنهُ لا يُباع إلَّا بزيادةِ عَدَلَ إلى القِيمةِ، والمعتَبرُ أقصى القِيم مِن وقتِ الغَصْبِ إلى وقتِ الإعوازِ على الأصحِّ من وجوهٍ كثيرةٍ، وليس ذلك 5 للحيلولةِ حتَّى لو وَجَدَ المِثْلَ بعد غرمها لا يردّها.
والأصحُّ فِي تفسِيرِ المِثليِّ 6 ما ثَبَتَ 7 فِي الذِّمة بِسَلَمٍ مقدَّرٍ بكيل أو

وزنٍ 1 إلَّا أن القمحَةَ والتَّمرةَ لَا ينطلِقُ عليهما 2 التفسِيرُ 3 ويُضَمَّنَانِ بالمِثل عند القفَّالِ.
والضمانُ المتعلَّقُ بِذِي اليدِ العاديةِ يقتضِي ضمانَ الأجزاءِ إلَّا فِي صورةِ العصيرِ الذي أغلاه ونقصتْ عينُهُ دون قِيمتِهِ، ولَا 4 السِّمَنِ المُفْرِطِ، ولا ينْجَبِرُ غيرُ المُفرطِ بسِمَنٍ حادثٍ بخِلافِ تَذَكُّرِ ما نَسِي أو تعلَّمه، وشفاءِ المريضِ، ونَبْتِ السِّنِّ والشَّعرِ ففِي كلِّ ذلك 5 ينجَبِرُ.
وأما إعادةُ صَنْعةِ الحُلِيِّ فملحقٌ بالسِّمَنِ المضمونِ على الأرجَحِ، ولا ينجَبِرُ الورقُ الساقِطُ والصُّوفُ المأخوذُ بنباتِ غيرِهِ، والمُحرَّم مِن آلةٍ أو غناءٍ لا يُضمن، ولا يعتَبَرُ فِي القيمةِ نِطاحُ الكبشِ وهِراشُ الدِّيك.
وأما آلةُ الملاهِي فلا يضمنُ إبطالَ تأليفِ أجزائِها إذ لا تعدِّي فِي ذلك، بل يجبُ إبطالُهُ، فإنْ لم يتمكنْ أبطلهُ كَمَا تيسَّر، وتُضمنُ المنافِعُ، وإن فاتَتْ، إلَّا منفعةَ الحُرِّ والبُضْعِ، فإنَّهما لا يُضمنان إلَّا بالتفويتِ 6. ولا تُضمنُ منفعةُ الكلبِ ولو بالتفويتِ، ولا تسقطُ الأُجرةُ بِرَدِّ صيدِ العبدِ على ما صححوهُ، لأنَّه قد يستعملُه فِي شيْء غيرِهِ.

وأما الفرسُ المغصوبُ من صاحِبِهِ الغازِي الذِي شَهِدَ الحربَ (1) راجلًا فالسهمُ له، والأرجحُ هُنا لا أجرةَ على الغاصِبِ حيثُ كان السهمُ مُساويًا لها (2)، أو زائدًا، و (3) نقصانُ الكسادِ لا يُضمن على المشهور.

(3) القاعدةُ الثالثةُ

يتخلصُ الغاصبُ من عهدةِ ما غَصَبَهُ بالردِّ، أو ما فِي معناه فردُّ المغصوبِ إلى مَن له تسلُّمُهُ شرعًا تَخَلُّصٌ حتى القاضِي مع رُشْدِ المالِكِ على الأقيسِ، وكذا بِرَدِّ الدَّابَّةِ إلى الاصْطَبْلِ؛ إذا عُلِم المالكُ عند المتولِّي، وهو معمولٌ به إذا حَصَل الاستيلاءُ.
وفِي معنى الردِّ أكْلُ المالِكِ المغصوبَ ضِيافةً، وقتلُهُ قِصاصًا، و 4 إعتاقُهُ نيابةً، وهو نافذٌ بلا 5 غُرم على الأصحِّ، وإيلادُهُ بالتزوِيج، كذا ذكروه، والمستولدةُ تُضْمَنُ، فإنْ أريد: إذا لم يبقَ للغاصِبِ استيلاءٌ، فهي من صورةِ الردِّ.
وكذا قبضُهُ بالهبةِ -لا بالإيداع عندَ المالِكِ- والرهنُ والإجارةُ والتوكيلُ والقتلُ دفعًا، ويبرأُ الغاصِبُ والمستعيرُ بما إذا أودعهما المالكُ لا بأن يرهنَ عندهما أو يُؤجِّرَ أو يُوكِّلَ أو يُزوِّجَ أو يُبرئ مع بقاءِ العَينِ.123

ولا براءة بالقِراضِ إلَّا إذا سَلَّمَ المضمونُ ثمنَ ما اشتراه للقِراضِ على الأصح، وشرَطَ الماورديُّ على هذا أن يعاقِدَ 1 على عينِهِ، وفيه نظرٌ.
والكلبُ ونحوه مما يُرَدُّ إذا تلِف عند الغاصِبِ لا خلاصَ عن تعدِّيه إلا بالمحالَلَةِ، والقولُ للغاصِبِ بيمينِهِ فِي قدرِ القِيمةِ، وهكذا كلُّ غارِم، وبقيةُ الاختِلافِ يظهرُ فِي 2 الدَّعاوي.

باب الشفعة

هي لغة: مأخوذةٌ من الشَّفعِ 1؛ إمَّا للنصيبِ أو للشريكِ الآخِذِ، وقيل: مِن الشفاعة، ويُقال: أصلُها مِن التقويةِ 2. وشرعًا: حقُّ تَمَلُّكٍ قهري يثبتُ للشَّريكِ القدِيم على الحادِثِ المالِكِ مِن غيرِهِ بالمعاوضة فيما يقبَلُ القسمةَ إجبارًا مِن أرضٍ وتابِعها ببذْلٍ على وجهٍ مخصوصٍ.
وأصلُها: الأخبارُ الصحيحةُ: فعن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قَضَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشُّفْعةِ فِي كلِّ ما لم يُقْسم، فإذا وقعتِ الحدودُ وصُرِّفتِ الطُّرقُ فَلَا شُفْعَةَ.
أخرجهُ البخاريُّ 3. وأخرج مسلمٌ عن جابِرٍ -رضي اللَّه عنه-: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الشُّفعةُ فِي كلِّ شِركٍ فِي أرضٍ أو رَبْع أو حائِطٍ، لا يصلحُ لهُ أن يبيعَ حتَّى يعرِضَ على شَريكِه، فيأخُذُ 4، أو يدَعُ، فإنْ أبى فشريكُهُ أحقُّ بِهِ حتَّى يْؤذِنَهُ" 5.

وفِي روايةٍ لمُسلم: "لا يحِلُّ له أَنْ يبيعَ حتَّى يؤذِنَ شريكَه فإذَا بَاعَ ولَمْ يؤذِنْهُ فهُوَ أحقُّ بِهِ" 1. وفِي روايةٍ صحيحةٍ -فِي غيرِ مُسلم-: "فهو أحقُّ بِهِ بالثَّمنِ" 2. وأخرج أبو داودَ والنَّسائِيُّ وابنُ ماجه من حديثِ أبي هُريرةَ -رضي اللَّه عنه- أَن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا قُسِّمَتِ الأرْضُ وحُدَّتْ 3 فَلا شُفْعَةَ فِيْهَا" 4.

لا تثبتِ الشفعةُ فِي المنقُولاتِ 5 ابتداءً، إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ تبَعًا، وهِي

المفتاحُ.
وأما بذرٌ دائمُ النباتِ، وحجرُ الطاحونِ الفَوْقانِي، فإنه بمنزلةِ الثوابِتِ التِي فيها الشُّفعةُ كالأبوابِ ونحوِها.
وكذا الكِمامُ وكذا الثمرةُ التي دخلتْ فِي عقدِ المعاوضةِ تبعًا لِغَيْرِ المؤبَّرةِ، ولو تأبَّرتْ قبل الأخْذِ على الأصحِّ.
ويأخُذُ ما حَدَثَ بعدَ العقدِ إذا لم يكن مؤبَّرًا، ونحوِهِ حين الأخْذِ 1. وكذا يأخُذُ مِمَّا صار منقولًا مِن الثابِتِ عند العقدِ.
ولا يأخُذُ الزرعَ بالشفعَةِ إلَّا إذا كان يُجَزُّ مرارًا فجزَّتُهُ الظاهرةُ للمشتَرِي وأصولُهُ كالشجرِ، فيؤخذُ 2 بالشُّفعةِ، فإنْ ظَهَرَ شيءٌ بعدَ البيع فهو كالثمرةِ الحادِثةِ تؤبَّرُ، قلتُهُ تخريجًا فيما ظَهَرَ.
وكذا ما سبق فِي بذْرٍ دائِمِ النباتِ الكُمين.
والضابِطُ لِما يؤخذُ بالشُّفعةِ مع الأرضِ كلُّ ما دَخَل تبعًا فِي بيعِها أو الدارِ أو البُستانِ أو الطاحونِ ونحوِها، وما حَدَثَ مِن المأخوذِ إذا كان تابعًا عندَ الأخْذِ.
فلا شُفعةَ فِي الأبنيةِ تُباع مفردةً، ومنهُ الطِّباقُ والبناءُ فِي أرضٍ مستأجرةٍ أو محتكرةٍ.

ولا شفعةَ فِي [البِناء المملوكِ في] 1 أرضِ سوادِ العِراقِ.
وكذا لا شُفعةَ فِي بيع جِدارٍ مع أُسِّهِ أو شجرةٍ مع مغرسِها 2 دون المُتخلِّلِ.
والمسلَكُ المعتَبَرُ عندَ الشَّافعِيِّ -رضي اللَّه عنه-، فِي إثباتِ الشُّفعة فِي الأرضِ 3 وتابِعِها: قَبولُ القسمةِ إجبارًا، وذلك بأنْ لَا يكونَ فيها ردٌّ، وأن يُنتفع بالمقسوم بعدَ القسمةِ على نحوِ ما كان قبلَها، فما لا يقبلُ ذلِك مِن الجانِبينِ لا شُفعةَ فيه 4. وما يقبلُهُ من الجانبين فيهِ الشُّفعةُ منهما، إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ، وهي الممرُّ المُشتَرَكُ دونَ الدَّارِ المَبِيعةِ لا شُفعة فيه إذا لم يكنِ للمشتَرِي فتْحُ بابٍ مِن موضع آخَرَ 5.

وما يقبلُ ذلك مِن جانِبٍ كعُشر (1) دارٍ لا تصلحُ للسُّكنى فلِصاحِب الأكثرِ (2) إجبارُهُ على القِسمةِ، فإذا باع الأكثَرَ ثبتَتِ الشُّفْعةُ لصاحِبِ الأقلِّ دونَ عكسِهِ.

وقواعِدُ البابِ ثلاثٌ

(3):

الأولى

: لا شُفعةَ إلَّا لشرِيك 4، فأمَّا الجارُ فلا شُفعةَ له عندَ الشافعِيِّ -رضي اللَّه عنه- إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ لا يكونُ فِيها شريكًا عند الأخْذِ، وهِي ما لو صدرتْ قسمةٌ غيرُ مُسقطةٍ للشُّفعةِ 5 مِن وكيلِهِ، أو منهُ وهُو غيرُ عالِم بالحالِ، أو صدرتْ بينَ شفيعَينِ لِغيبةِ ثالِثٍ، فللشَّفيع الأخذُ، لِوجودِ الشَّركةِ عند البيع 6، ولم يوجَدْ ما يُسقِطُها، فإنه تختلُّ بعضُ القِيمة، ثُم الأخذُ كما نصَّ عليه فِي قِسمة الشفيعينِ، فلا استِثناءَ.
وكلُّ شريكٍ كبيرٍ أو صغيرٍ، ولِيٍّ أو وكيلٍ فِي طرفٍ، أو عامِلِ قِراضٍ، أو وارِثِ123

مريضٍ باع عَينًا لمسلمٍ أو ذِمِّي، ولو على مسلم معينٍ، ولو كالمسجِدِ فِي نحوِ ما وَهَبَ له، أو غيرِ معينٍ كما لِبيتِ المالِ، فلهُ الشُّفعةُ إلَّا أربعةً: بائِع المشفوع 1 مِن نصيبِهِ، والوصِيُّ، والقيِّمُ فيما باعاه، والحمْلُ.
فإنِ انفَصَل بعد أخْذِ وارثٍ، فلَا يأخُذُ لهُ وليُّه، أو قبلَ أخذِهِ، أو لم يكنْ هناك أَخْذٌ 2، فليس لولِيِّهِ أن يأخذَهُ على وجهٍ.
والتحقيقُ: أنَّ وليَّه يأخُذُ فِيهما بالمصلحةِ 3. والوقفُ لا يضُرُّ كما فِي جمِيع صورِ ما يُوقف المِلْكُ فيهِ، وما ملك بِشركةِ الوقفِ لا شُفعةَ فِيهِ، وتثبتُ للشُّركاءِ ولو كان فِيهِم المشتَرِي بِقدرِ حِصصِهِم على ما صحَّحوهُ، والقولُ بأنَّها على عددِ رءوسِهِم.
قال الشافِعِيُّ -رضي اللَّه عنه-، فِي "الأم": به أقُولُ.
واختارهُ المُزنِيُّ وصححهُ الزَّازُ، وهُو الأرجحُ.
ولو عَفَى واحِدٌ ولو عن بعضِ حِصتِهِ أو غاب أخَذَ مَن بَقِي الكُلَّ أو تَرَك إلَّا إذا حَضَرَ غائِبٌ بعد أخْذِ واحدٍ، فلهُ مُساهمتُهُ [وله أخذُ الثُّلثِ] 4 فِي ثلثِهِ مُستوِينَ فِي المِلكِ، ثُم إذا حضَرَ الثالِثُ فلهُ أَنْ يأخُذَ مِن أحدِهِما ثُلُثَ ما فِي يدِهِ، ولهُ أَنْ يأخُذَ مِن كلِّ واحِدٍ 5 مِنهما ثُلَثَ ما فِي يدِهِ، ولهُ أن يأخذَ مِن

الأوَّلِ فقط نصفَ ما فِي يدِهِ إذا كان الثانِي قد أخَذَ الثُّلثَ، ولهُ أن يضُمَّ ما أخذه مِن الثانِي إلى ما فِي يدِ الأوَّل، ويقسمانِهِ (1) نِصفينِ فتكونُ سِهامُ الشِّقْصِ صحيحةً ثمانيةَ عَشرَ، وفِي جمِيع هذِهِ الصورِ العفوُ عن بعضِ الحقِّ لا يُسقطُ الشُّفعةَ.

القاعدةُ الثانيةُ:

الذي يأخُذُه الشفيعُ هو الشِّقْصُ المملوكُ بالمُعاوضِةِ 2 وإن كانت غيرَ محضةٍ مِلْكًا لازمًا أو آيلًا إلى اللُّزوم مُتأخرًا عن مِلكِ الشَّفِيع، أو عن سببِ تملُّكِهِ 3 عند التَّوقُّفِ فِي مِلكِهِ فيأخُذ ما كان من ذلك مُثْمَنًا أو ثمنًا ولو فِي بيعٍ ضمنيٍّ، وما جُعِلَ رأسَ مالِ سَلَمٍ أو إقراضٍ 4 عند المُتولِّي، وفيه نظرٌ.
أو 5 جعل أُجْرَةً أو جُعْلًا بعدَ تَمَام العَمَل أو عِوضَ نجْم كتابةٍ إن جازَ الاعْتِياضُ عنهُ، وهو النَّصُّ، خِلافَ ما صححوه مِن منْعِهِ ما لم تنفسِخْ الكِتابةُ قبلَ الأخْذِ عندَ الماوردِيِّ، والأرجحُ الإطلاقُ.
وتثبتُ فِي هبةِ الثوابِ المعلوم إذ هِي بيعٌ، وكذا فِيما جُعِلَ صداقًا أو1

عِوض خُلع أو مُتعةٍ أو عتقٍ أو صُلْح عن دَم أو عِوَضَ سهمِ غنيمةٍ أو رَضْخٍ.
ولا تَثبُتُ فيما لا عِوضَ فِيهِ كهبةٍ أو إرثٍ أو وصيةٍ ولو فِي الموصى به للمستوْلَدَةِ إنْ خَدَمَتِ الولدَ مُدةً معينةً على ما رجحوه.
وتثبتُ فِي شِقْصٍ أوصى بِهِ لِمنْ يحجُّ عنهُ، ولو تطوُّعًا، وإنْ شارك التطوعَ صورةَ المُستولدَةِ 1 فِي الخُروج مِن الثُّلُثِ، لكن المقابلة هنا ظاهرة، قلتُهُ تخريجًا.
ثُم مُقابِل الشِّقْصِ إن كان مالًا 2 مِثْليًّا أُعطي الشَّفيع مثلَهُ مما قُدِّر ولو وزنًا فِي المكِيل الرِّبويِّ فإنْ فُقد المِثْلِيُّ أو كان متقوِّمًا فقيمتُهُ، أو منفعةً فأجرةُ المِثْلِ.
وفِي الصداقِ والخُلع مهرُ المِثل، وفِي المُتعةِ مُتعةُ مِثلِها، وفِي الدَّم الأرْشُ ولو إِبِلًا، وليس لنا موضِع يُعارض بإبِلِ الدِّيةِ إلَّا هذا، وفيه نظرٌ.
وتُعتَبَرُ قِيمةُ المتقوَّمِ وما بعدَهُ وقتَ جَرَيانِ سببِهِ ويلحَقُ حَطُّ زمنِ 3 الخِيارِ وبِالعيبِ.
وإنْ باع بِمؤَجَّلٍ صَبَرَ إلى حُلول الأجَلِ، أو أخَذَ بِهِ حالًّا، وينقُصُ تصرُّفُ المُشتَرِي.
وإذا باع أَخَذَ الشَّفيعُ بما شاء، ولهُ منْعُهُ مِن ردِّهِ بِالخِيارِ الثابِتِ له وحدَهُ،

جارٍ التحميل