التدريب في الفقه الشافعيصفحات 85-124

وكذا على عبده غيرِ المرهونِ أو المرهونِ حيثُ لا 1 يقيِّدُ.
ولا ينفكُّ شيءٌ مِنَ الرَّهنِ إلَّا بفراغ الذِّمةِ مِنَ الدَّين، فإن حَصَلَ الفراغ ولو بِالحوالةِ على الراهِنِ انفَكَّ.
وينفكُّ البعضُ بتعدُّدِ العقدِ أو المستَحِقِّ أو مَنْ عليه الدَّينُ أو مالِكِ العارية أو التركةُ لَا إنْ رهنت.
وينفكُّ البعضُ بتلفِهِ 2، أو فكِّ المرتَهِنِ فيه.

باب التفليس

هو لغة: النداءُ على المُفلِسِ بِصفةِ الإفلاسِ.
وشرعًا: الحجرُ على مَن عليه ديونٌ حالَّةٌ لا يفِي بِها 1 مالُهُ.
وعن كعبِ بنِ مالكِ أن النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجَرَ على معاذٍ فِي 2 مالِهِ وباعَهُ فِي دَيْنٍ كان عليه.
رواهُ الدارقطنِيُّ 3.

وقد جاءتْ قضيةُ 1 معاذٍ فِي مُرسلٍ مطولةً.
يجِبُ على الحاكِمِ أن يحجُرَ 2 على المديونِ إذا طَلَبَ ذلك أصحابُ الديونِ الحالةِ الزائدةِ على مالِهِ.
فإن كان الدَّينُ المذكورُ لمحجورِ الحاكِمِ حَجَرَ مِنْ غير طلب.
وأطلق جماعةٌ الحَجْرَ بطلب غريمٍ إذا كانتِ الديونُ زائدةً على مالِهِ 3، ولم يعتبِرُوا قدْرَ دَيْنِ الطالِبِ، وهو قوِيّ، ويحجُرُ بالتماسِ المفلِسِ على الأصحِّ.
والدَّينُ المؤجَّلُ لا يحلُّ بالحَجْر 4 -على المشهورِ- ولا بالحجْرِ الغريبِ قطعًا، ولا بالجنونِ -على الأرجح 5 - خِلافًا لِمَا وَقَعَ فِي "الروضة" 6، ولا بِحجر السَّفَهِ، ولا بِالمرضِ قطعًا، [ولا بالحجر على = وقال ابن حجر في "التلخيص" (3/ 37): ورواه أبو داود في "المراسيل" من حديث عبد الرزاق مرسلًا مطولًا، وسمى ابن كعب "عبد الرحمن" قال عبد الحق: المرسل أصح من المتصل، وقال ابن الطلاع في "الأحكام": هو حديث ثابت.
انتهى.
وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (3/ 27): والمشهور في الحديث الإرسال.

المأذون] (1) ولا بِرِقِّ المُكاتَبِ على الأظهر.
والنصُّ أنه يحلُّ على الحربيِّ إذا استُرِقَ، وهو أقوى مِن المكاتَبِ لابتدائِهِ، وقطعِهِ (2) الزوجيَّة.
ويَحِلُّ بالرِّدَّةِ إنْ أزلنا المِلْكَ بِها، أو قلنا: موقوفُ قتيلٍ عَلَى الرِّدَّةِ.
ويحِلُّ بموتِ المديونِ بِلا خِلاف إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ على وجهٍ، وهِي مِن قَتْلِ الخطأ، أو شِبْهِ العمْدِ، إذا لم يوجَدْ للجانِي عاقلة، ولا مالَ فِي بيتِ المالك، أو ثَبَتَ باعترافِهِ، فإنَّهُ تؤخذُ الدِّيةُ مِن الجانِي مؤجَّلةً، ولو (3) مات حلَّتْ على الأصحِّ.
ولا تحلُّ بموتِ صاحِبِ الدَّيْنِ بِلَا خِلافٍ إلَّا فِي صورةٍ على وجهٍ: وهِي ما إذا خالَعَهَا على إرضاع ولدِهِ مِنها، وعلى طَعَامٍ وَصَفَه فِي ذِمَّتِها، وذَكَر تأجيلَهُ، وأَذِن فِي صَرْفه للصَّبِيِّ، ثُمَّ مات المختلِعُ.
وكذا يحِلُّ بموتِ الصبيِّ على وجهٍ.
ولا يحلُّ بموتِ ثالثٍ غير صاحِبِ الدَّينِ والمديون على وجْهٍ إلَّا فِي هذِهِ الصُّورةِ، وما يتعلَّقُ بالضَّمانِ يأتِي فِي بابِهِ.

ويثبت بحَجْرِ الفَلَسِ أمران:

1 أحدُهما: عدمُ نفوذِ تصرفِهِ فِي المالك المُعينِ أو منفعةِ المالك بما23

يفوتُ ولو بعَوَضٍ زائدٍ، ولو كان حادثًا 1 إلَّا فِي صورتينِ:

  • الاستيلادُ، فإنَّه ينفذُ منهُ قاله فِي "الخلاصة".
  • الثانيةُ: إذا أصْدقَتْ أَبَاهَا عَتَقَ عليها ساعَةَ ملكَتْهُ؛ نصَّ عليه، وقياسُهُ فِي الهِبةِ والوصيةِ والإرثِ كذلك، ولهُ أن يعاملَ فِي الذِّمة ولو بحال عينًا 2. (2) الأمرُ الثَّانِي: لغريمِهِ فِي المعاوضةِ المَحضةِ -لا حَالَ الحَجْرِ 3 مع العلم بالحجر- الرجوعُ إلى عَيْنِ 4 متاعِهِ إذا كان باقيًا على مِلْكِ المُفلِس، ولو بالعودِ خِلافًا لِمَا رجَّحه فِي "الروضة" 5.

ولا يرجِعُ فيما لم يكُن على مِلْك المفلِسِ 6 إلَّا فِي ثلاثِ صور: (1) إحداها 7: لو زال بالقرضِ فلهُ أَنْ يرجِع، كما لِلمفلِسِ أَنْ يرجِع.
(2) الثانية: باعه ثُمَّ أفلس فِي زمنِ الخِيار تفرِيعًا على زوالِ المِلكِ.

(3) الثالثة: وَهَبَهُ لمن يملكُ الرجوعَ عليه، قلتُها تخريجًا على صورة الفرض، ويلحقُ بِها ما يقرُبُ منها.

وإن لم يكن قد زال المِلْك 1 رجع إلَّا فِي سِتَّةِ مواضِعَ، ثلاثٌ منها: (1) أن يتعلَّقَ بِهِ حقُّ شُفعةٍ.
(2) أو رهنٍ.
(3) أو جنايةٍ تُوجِبُ مالًا مُتعلِّقًا بالرقبة.
فإن حَصَلَ عفْوٌ أوبراءةٌ رَجَعَ ولو فِي بعضِهِ.
(4) الرابعة: الكتابةُ، فإن حَصَلَ ارتِفاعُها بتعجِيزٍ ونحوهِ رَجَعَ.
(5) الخامسة: إحرامُ البائِع إذا كان المَبِيع صيدًا فلو حَلَّ رَجَعَ قبلَه فِي هذا، وعفوُ الشَّفِيع قِياسًا.
(6) السادسة: إذا خُلِطَ بأجودَ، أو بغيرِ جنسِهِ، ولم يتميَّزْ.
وحيثُ ثَبَتَ الفسخُ يكونُ على الفورِ.
ولا بُدَّ مِن لفظٍ يقتضِي الفسْخَ ولو فِي الثَّمنِ لا البيعَ والعتقَ والوطءَ، ويثبتُ الرجوعُ على ما سَبَقَ فيمنْ مات مُفلسًا وإنْ لم يتقدَّم حَجْرٌ.
وحيث قَبَضَ البائِع بعضَ الثمنِ وبَقِي بعضُ المبيع كعبدينِ قيمتُهُما سواءٌ

وَجَدَ أحدَهما 1 وقد قَبَضَ نصفَ الثمنِ يأخُذُ الباقِي بِما بقِي على المذهبِ، وهي مِن إحدى المسائِلِ التِي يُقضى فيها بالحصْرِ والإشاعةِ 2، وسنذكُرُ قاعدَةَ الحصرِ والإشاعةِ فِي القِرَاضِ إن شاء اللَّه تعالى.

باب الحجر

هو لغة: المنعُ.
وشرعًا: منعٌ مِن تصرُّفٍ خاصٍّ لسببٍ خاصٍّ قال اللَّه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.

وهو أنواع

: منها: الحَجْرُ على الراهِنِ فِي المرهونِ، وعلى المُفلِسِ والمُقِرِّ على نفسِهِ على وجهٍ 1. والحجْرُ الغريبُ على المشْتَرِي 2 فِي جمِيع أموالِهِ؛ إذا لم يكنِ الثمنُ حاضرًا فِي المجلِسِ إذا سَلَّم له المَبيعَ.
ومن أغربِها: الحَجْرُ على الأبِ بِمنعِهِ 3 مِنْ عِتْقِ السُّرِّيَّةِ التِي أعفَّه بِها

ولدُهُ بعد طلاقِهِ زوجةً ثمَّ زوجةً على وجهٍ، وحجرُ المريضِ، والمكاتَبِ، والمرتدِّ، والعبدِ، وغيرِها.
وأحكامُها فِي أبوابِهَا.
ومقصودُ الباب: حجرُ الجنون والصِّبيِّ والسَّفَهِ 1. فالجنونُ سالبٌ للتكلِيفِ 2، لَا فِيما يرجِعُ إلى المال كالزَّكاةِ والنفقةِ والغرامةِ، وسالبٌ للعبادةِ، ولِكلِّ ولايةٍ.
ولا تصِحُّ معهُ عبادةٌ إلَّا حجَّ الوليِّ واعتمارَهُ عنهُ، ولا إسلامٌ إلَّا تَبَعًا لأحدِ أصولِهِ، ولا قبضُ عينٍ ولا ديْنٍ 3 إلَّا فِيما يُنْفَقُ عليهِ 4 بزوجيةٍ أو عِوَضِ خُلْعٍ ونحوِهِ بإذنٍ، ولا عتقٌ ولا سببُهُ إلَّا الاستيلادُ.
ويتقرَّرُ المَهْرُ بوطئِهِ.
ويترتَّبُ الحكمُ على إرضاعِهِ.
وعَمْدُهُ فِي الجِنَاية يجرِي عليه حُكْمُ العمْدِ فِي الأصَحَّ، لا فِي استيفائِهِ قِصَاصًا وَجَبَ له على ما رُجِّحَ، والأرجحُ خلافُهُ.
ولا جزاءَ فِي قتْلِهِ صيدَ حَرَمٍ أو إحرَامٍ على الأظهرِ، والأقيسُ الوجوبُ،

ومثلُهُ فِي القَلْمِ والحَلْقِ.
ويفسد الحَجُّ بجِماعِهِ، ويتعلَّقُ بِهِ القضاءُ.
ويرتفعُ حَجْرُهُ بالإفاقةِ 1، ثُمَّ إنْ أفاقَ -وهو دُونَ البُلوغ- استمرَّ حَجْرُ الصبيِّ، أو أفاق بعدَ أَنْ بَلَغَ فَلَا بُدَّ مِن ظهورِ رُشْدِهِ 2. وكذا لو جُنَّ وهو سفيهٌ، ولو جُنَّ بعدَ الرُّشدِ، ثُمَّ أفاق عَادَ إلى التَّصرفِ.
والصِّبا مانعٌ مِن التكليفِ لَا فِيما يرجِعُ إلى المالِ -كَمَا تقدَّم- ومِن كُلِّ ولايةٍ، ولا يمنعُ مباشرةَ شيءٍ مِن العباداتِ بعدَ التَّمييزِ، وفِي الحَجِّ بإذنِ الولِيِّ إلَّا أنَّه لا يصِحُّ إسلامُهُ استقْلالًا، والمختارُ صحتُهُ دونَ ردَّتِهِ، خِلافًا لتفرِيعِهِم.

ضابطٌ: كُلُّ مَن صَحَّ إسلامُهُ صَحَّت ردَّتُه جزْمًا إلَّا هذا.
ولا تقبلُ روايتُهُ على الأصحِّ، ولا شهادتُهُ قَطعًا، ويكفِي تحمُّلُهُ فيهِما قبلَ البُلُوغ على الأصَحِّ.
ويُعتمدُ إذْنُهُ فِي دخولِ الدَّارِ والهديَّةِ وإنْ لم تكُنْ قرينةٌ إذا كان مأمونًا.

وحُكمُهُ حُكمُ المجنونِ فِي القبْضِ، وما ذُكِر بعدَه إلَّا فِي إسقاطِ الجزاءِ فِي قَتْلِ الصيدِ والقلْم إذا كان مُمَيِّزًا.
ويملِكُ بالاحتِطابِ والاصْطِيادِ، وقياسُهُ: أن يأتيَ ذلك فِي المجنونِ.
وفِي إحياءِ الصَّبيِّ المواتَ نظرٌ، ولُقطتُهُ تأتِي فِي بابِها، ويلحقُهُ النسبُ عندَ الإمكانِ -وإنْ لمْ يُحْكمْ ببلوغِهِ- وقياسُهُ: ثبوتُ الاستيلادِ فِي أَمَتِهِ، والصوابُ الحُكمُ ببلوغِهِ فيهِما؛ خِلافًا لجزمِهِم.
ولا تصِحُّ عليه دَعْوَى، ولا يصِحُّ منهُ إقرارٌ إلَّا فِي دَعْوى العُنَّةِ على مُراهِقٍ يتأتَّى منهُ الجِماعُ، على وجهٍ حَكاه الحَنَّاطِيُّ 1، وقال به المُزَنِيُّ، ونَقَلَ فيه نصًّا 2، وغلَّطُوهُ فِيهِ، وقياسُ تصحيحِ بَيْعِ الاختِيارِ مِنهُ أن يُقبلَ إقرارُهُ بِهِ، ولم يذكرُوه.
ولا يَصِحُّ منه عقدٌ -ولو وصية- وتدبيرًا وأمانًا على المذْهَبِ، وكَذَا بَيعُ 3 الاختِيارِ على الأصَحِّ 4.

وعندَ الاضطرارِ تقرُبُ صِحَّةُ شرائِهِ ولم يذكُروهُ.
والبلوغُ باستِكمالِ خمسَ عشرَةَ سنةً، ولا بلوغَ فِي الخُنْثى مَعَ إشكالِهِ إلَّا بِهِ على المذهبِ، وغيرُهُ بالإنزالِ، وللنِّساءِ بِالحيضِ.
وأمَّا الحَبَلُ فإنَّه كاشفٌ عنْ بُلوغ الحامِلِ بالإنزالِ السابِقِ، وحينئِذٍ يزولُ إشكالُ الخُنثى، فيكونُ بالغًا بالإنزالِ السابِقِ، ولِذَكَرِ الكُفَّار بإنباتِ العانةِ.
والسَّفَهُ لا يمنعُ التَّكليفَ، وحجْرُهُ مانعٌ مِن كلِّ ولايةٍ، ولو فِي النِّكاح على المشهورِ، ومِن التَّصرُّفاتِ المالِيةِ دَفْعًا وجَلْبًا إلَّا فِي مواضِعَ: الوصيةِ، والتدبيرِ، على الأظهرِ فِيهِما، والخلعِ إذا حُجِر 1 عليهِ فِي الطَّلاقِ.
ويصِحُّ شراؤُهُ لِلمخْمَصةِ على الصوابِ.
ومصالحتُهُ عنِ القِصَاصِ فِي النَّفسِ وعقدِ الجزيةِ بدِينارٍ، وفِي بذْلِ الفداءِ قِياسًا، ويصِحُّ نِكاحُهُ بإذن الولِيِّ على الأصحِّ 2. وكذا إن 3 لم يأذنِ الوليُّ ولم يجِدْ حاكِمًا على وجهٍ، ويقوَى إذا خافَ العَنَتَ لا سِيِّما إن كان محصلًا لا 4 البيعَ والشِّراءَ وغيرهما، وإن أذِنَ الوليُّ على الأصحِّ، وكذلك فِي الاختِيارِ ويعتدُّ بِقبضِهِ ما خَالَع عليهِ بإذْنِ الولِيِّ على الأصحِّ.

وقياسُهُ أن يجرِيَ فِي كُلِّ دَيْنٍ، والأعيانُ أوْلَى.
ولو أكلَتِ السفيهةُ مَع زوْجِها على العادةِ سقطت نفقتُها، وإن لم يأذن الوليُّ خِلَافًا لِمَا فِي "المنهاج" 1 فتزويجُهُ فِي ذلك إِذنٌ كالأمَةِ لَا إِن كان المزوِّجُ غيرَ مُتَوَلِّي المالِ.
ومما يصحُّ على وجهٍ عِتْقُهُ فِي مرضِ الموْتِ وشراؤُهُ فِي الذِّمَّة وقبولُهُ التَّبَرُّعَ وعقدُهُ بالوكالَةِ على وجهٍ 2 لكنَّه صُحِّح 3 فِي قبولِ النِّكاح.
ولا يُقبلُ إقرارُه بالمالِ والنِّكاح 4 ويُقبلُ بِكلِّ ما يستقِلُّ بإنشائِهِ وبالنسبِ فيُنفقُ عليهِ 5 مِن بيتِ المالِ، وبما 6 يوجِبُ العقوبةَ، فلو عفِي على 7 مالٍ لَزِم فِي الأصحِّ.
وإذا رَشَدَ ارتفع عنه الحجرُ، فإن سَفِهَ بعد ذلك فِي المالِ أعادَهُ الحاكِمُ، وهُو الذِي يلِيهِ حينئذٍ.
ويتولَّى غيرُهُ الأبُ، ثُمَّ الجدُّ ثُمَّ الوصِيُّ، ولو فِي النِّكاح للسفِيهِ والمجنونِ، ويُعْتِقُ الوليُّ ما لزم محجورَه مِن كفارةٍ، ولا يُتصورُ عِتْقُ عبدٍ

صبيٍّ فِي غير هذا، وفِي هبةٍ أو وصيةِ جميع من يعتِقُ عليه حيث 1 لا تجِبُ النفقةُ حالًا وفِي إرثِهِ ولو جُزْءًا منه، ولا يَسْري، ويجرِي ذلك فِي المجنونِ والسفيهِ، ويختصَّانِ بنفوذِ عتقٍ بتعليقٍ 2 فِي حالِ التَّصرُّفِ، وينفُذُ استيلادُ السفيهِ.
وليس الصَّرفُ 3 فِي الخيرِ ونفِيسِ الطَّعامِ تَبْذيرًا.

باب الصلح

هو لغة: قطعُ المنازعَةِ.
وشرعًا: عقدٌ قاطعٌ لخصومةِ متخاصِمَينِ على وجهٍ خاصٍّ 1 قال اللَّه تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
وعن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصُّلْحُ جائِز بين المُسلمِينَ إلَّا صُلْحًا أحلَّ حرامًا أو حَرَّم حلَالًا".
رواهُ أبو داود 2 مِن حديثِ أبي هريرةَ، وفيه كثيرُ بنُ زيدٍ، وفِي الاحتجاجِ بِهِ خِلافٌ 3.

ورواهُ الترمذيُّ 1 مِن حديث عَمْرٍو المُزنِيِّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ 2. وفِي إسنادِهِ: كثيرُ بنُ عبد اللَّه 3، وقد تكَلَّم فيه الأئمة 4. وروى الدارقطنيُّ 5 من حديث أبي هُريرةَ: "الصُّلْحُ جائِزٌ بينَ المُسْلِمينَ".
= وتعقبه الخطيب بما ملخصه أن الحديث عند أبي داود من رواية كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، وعند الترمذي من رواية كثير بن عبد اللَّه بن عمرو ابن عوف عن أبيه، عن جده، فهما اثنان اشتركا في الاسم وسياق المتن، واختلفا في النسب والسند، فظنهما ابن حزم واحدًا.
وكثير بن زيد لم يوصف بشيء مما قال، بخلاف كثير بن عبد اللَّه.

قال: وهذا صحيحٌ (1).

الصُّلْحُ أنواعٌ

منها: الصُّلحُ بينَ المُسلِمِين والكُفَّارِ، والصُّلحُ 4 بين الإمامِ والبَاغِيةِ، وبينَ الزَّوجينِ عندَ الشِّقاقِ، ونحو ذلك.
وصُلْحٌ فِي المُخاصماتِ 5، وهو مقصودُ البابِ.
ثُمَّ قيل: هو رُخصةٌ، وقيل: أصلٌ بذاتِهِ، مندوبٌ إليهِ.
وظاهِرُ النَّصِّ أنهُ فرعٌ على البيع، وجعلَهُ الأكثرونَ مُتَفَرِّعًا باعتبارِ أنواعِهِ2

على البيع والإجارةِ والهِبةِ والإبراءِ، وزَادَ بعضُهُم: العَارِيةَ، وزِدْتُ الجَعَالةَ، والسَّلَمَ، والمعاوضةَ غير المحضة، والقُرْبة.
فإنْ جَرَى على غيرِ ما ادُّعي بِهِ لا بمنفعةٍ فبيع أو بمنفعةٍ فإجارةٌ، أو على بعضِهِ فهِبةٌ فِي العينِ، و 1 إبراءٌ فِي الدَّينِ مُبْرِئٌ للأصيل 2، ولا يبرأُ الأصِيلُ بإبراءِ الكفِيلِ إلَّا فِي هذا الموضِع.
ومِن هذا النَّوع: "صالِحْني عن دَيْنِك الذِي لكَ على فُلانٍ على قدْرٍ عليّ" فيبرأُ المديونُ، ولم يتعرَّضُوا لهُ فِي هذا النَّوع، أو على منفعةِ ما ادُّعِي بِهِ أو على 3 منفعةِ بعضِهِ، فعارِيةٌ جائِزةٌ، نصَّ عليه.
ولو قيل بلزومِها لم يبْعُدْ، أو على أَنْ يَرُدَّ المُدَّعَى عليه 4 عند المُدَّعِي الآبِقَ إنْ عَلِمَ فَجَعَالةٌ، فيُحتملُ 5 صِحةُ الصُّلح، وتكونُ لازمةً، ويُحتملُ أن تلزمَ بالعملِ كما تلزَمُ الهبةُ بِالقبضِ، ويُحتمل أن لا يصح؛ لِتنافِي موضُوع الصُّلْح مِن اللزُوم موضوعَ الجَعَالةِ، والأقربُ الأوَّلُ، ولهُ شاهدٌ مِن إصداقِها 6 ردَّ عبدِها الآبقِ.

وأمَّا السَّلمُ فهُو وإنْ كان بَيعًا 1 لكِنَّه مُختصٌّ بأحكام 2 ويكونُ لفظُ الصُّلْح فيهِ كَمَا فِي إجارةِ الذِّمةِ.
وأمَّا المعاوضةُ غيرُ المحضةِ فالصُّلحُ عن القِصاصِ الواجِبِ على المُدَّعِي للمُدَّعَى عليه بما 3 أقَرَّ لَهُ 4 بِهِ، ولا مدخَلَ لِلْفظِ البيع فِيهِ.

ضابطٌ: البيعُ مخالفٌ لِلْصُّلْح فِي ذلك، وفِي كُلِّ ما 5 تفرَّع على غيرِ المَبِيع 6.

ومنهُ القربةُ فِي أرضٍ وُقِفَتْ مسجِدًا وادَّعاها شخصٌ، وأنكر الواقِفُ [فَصالَحَهُ شَخْصٌ] 7، فإنَّهُ يجوزُ لأجلِ جِهةِ القُربةِ.
ومِمَّا يخالِفُ فيه الصُّلحُ البيعَ اعتبارُ سَبْقِ الخصومةِ لِصحَّةِ الصُّلح،

ولِصحتِهِ مع ذلك شَرْطٌ آخرُ وهُو: تقدُّم الإقرارِ.
ومع الأجنبيِّ للخصمِ يجوزُ مع الإنكارِ إنْ قال: أقَرَّ، وَوَكلني فِي مصالحَتِكَ.
وإنْ صالَحَ الأجنَبِيُّ لنفسِهِ فِي الدَّيْنِ لا يجوزُ.
وأمَّا فِي العينِ فيجوزُ إن قال 1 إنَّهُ مبطلٌ فِي إنكارِهِ، وقدَرَ على الانتِزَاع ولُغِي الصُّلْح مِن مؤجَّلٍ على حَالِهِ 2، ومُكَسَّرٍ على صحيحٍ، والحطُّ معهُ، ولُغِي عكسُهُ أيضًا لا الحطُّ معه.
وأحكام الزُّقاق النافِذِ وغيرِ النافِذِ ونحو ذلك يُذكر فِي إِحياءِ المواتِ.
والتنازع يُذكر فِي الدَّعاوَى، واللَّه أعلم.

باب الحوالة

هِي بِفتح الحاءِ مِن التحويلِ، وأغربَ مَن ذَكَر كسرَهَا، ويُقالُ فيها: إحالةٌ.
وهي لغة: الانْتِقالُ والتَّغييرُ 1. وشرعًا: تَحَوُّلُ دَيْنٍ 2 مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ مع صِدْقِ فراغ الذِّمة المتحوَّلِ عنها منه.
عن أبي هريرةَ -رضي اللَّه عنه- أَنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 3 قال: "مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبعَ أحدُكُم على مليءٍ فَلْيَتْبَعْ" رواهُ الشافعيُّ 4 -رضي اللَّه عنه- والصحيحان 5.

ولفظُ البخاريَّ: "فإذا" بالفاء 1. ورواه أحمدُ وابنُ ماجه مِن طريقِ ابنِ عمرَ -رضي اللَّه عنهما- ولفْظُهُ 2: "فإذا أُحِلْتَ على مَلِيءٍ فاتَّبِعْهُ" 3. وليسَ فِي حديثِهِ لفظُ الحوالةِ فِي الأمْرِ، وإنْ كان هُو المرادَ.
وفِي حقيقتِها آراءٌ، أصحُّها: أنه بيعُ دَيْنٍ بدينٍ مُستثْنَى للحاجةِ، وإن لم تصحَّ بلفظِهِ على الأصحِّ، ولم يثبُتْ فِيها ما يثبُتُ 4 فِيهِ مِن خيارٍ وتقابضٍ فِي رِبويٍّ ونحوِ ذلك.
وفِي نصِّه أنَّها بيعٌ، فقيل 5: بيعُ عينٍ بعينٍ تقديرًا، وقيل: بيعُ عينٍ بدَيْنٍ

تقليلًا 1 للتقدِيرِ وقُدر فِي الأوَّل، لأنَّ المُثْمَنَ 2 فِي الأكثر عينٌ دونَ الثَّمنِ.
والرابعُ: أنَّها ليستْ بيعًا، نصَّ عليه أيضًا، فعلى هذا هِي استيفاءٌ مِنَ المُحِيل وقرضٌ للمُحالِ 3 عليه تقديرًا.
وقيل: لا يُمَحَّضُ 4 واحدٌ مِن المعْنيَيْنِ 5، والخلافُ فِي المُغلَّب منهما، واختاره جماعةٌ، وهو بعيدٌ، وعلى تغليبِ البيع إنْ جَرَتِ الأوجهُ السابقةُ فيه كانتِ الجملةُ تسعةَ 6 أوجهٍ، وعلى كونِهِ مغلوبًا 7 إن جَرَتِ الأوجُهُ وهُو بعيدٌ، فالجملةُ عشرةُ أوجهٍ.
والحادِي عشر 8: أنَّها ضمانٌ بإبراءٍ، وعلى التغليبِ إنْ جاءَ هُنا تكثُرُ الأوجهُ، وهُو 9 أبعدُ، وعلى الأصحِّ تصحُّ الإقالةُ فِيها؛ ذكرهُ الخوارِزْمِيُّ 10

فِي "الكافي".

ويُعتبرُ فِي صِحتِها سبعةُ أمور

1 - الأولُ: رضا المُحِيل والمُحتال، لا المُحال عليه، على 3 الأصحِّ المنصوصِ 4. 2 - الثاني: وجودُ دَينٍ على المُحالِ عليهِ على 5 الأصحِّ، وعلى مقابِلِهِ يُشترطُ رضاهُ قطعًا.
3 - الثالثُ: اللفظُ الدالُّ على الرِّضا، وصريحُهُ: "أحلتُك على فلانٍ بالدَّينِ الذي لكَ عليَّ" فإنِ اقتَصَرَ على: "أحلتُك على فلانٍ"؛ فالأصَحُّ أنه = صوفيًّا حسن الظاهر والباطن.. قال أيضًا: وطلب الحديث بنفسه وعلق منهُ طرفًا صالحًا.. قال: وبيته بيت العلم والصلاح.
قال: وأقام بخوارزم يُفيد الناس وينشر العلم.. "طبقات الشافعية الكبرى" (7/ 289).

كنايةٌ.
وَذَكَرَ المتولِّي "نقلتُ حقَّك على فلان" أو: "جعلتُ ما أستحِقُّه على فلانٍ لك عن دَيْنِكَ عليَّ" أو: "ملَّكتُك الدَّينَ الذي لِي 1 عليه بحقِّكَ" والأُوليان تظهرُ فيهِما الكِنايةُ.
4 - الرابع: كونُ الدَّينِ قابِلًا للاستِبْدالِ، فكُلُّ 2 دَيْنٍ يتعيَّنُ قبضُهُ لصحَّةِ العقْدِ أو يمتنِعُ الاستبدالُ عنهُ فِي غيرِ الكِتابةِ لا تَصِحُّ الحَوالةُ بِهِ ولَا عليه، كما فِي الرِّبَا والسَّلم وإجارةِ الذِّمَّةِ.
5 - الخامس: لزومُ الدَّينِ أو إيالتُه 3 إلى اللُّزوم، فتَصِحُّ بكُلِّ دَيْنٍ غيرَ ما سبق مِما لزم، أو يؤُولُ إلى اللُّزوم، كالثَّمنِ 4 مُدَّةَ الخيارِ.
واختار الشيخُ أبو عليٍّ انقطاعَ الخيارِ بحوالَةِ المُشترِي البائِعَ على ثالثٍ، وانقطاعَ خيارِ البائِعِ بحوالةِ رجُلٍ على المشتري.
وتصحُّ بنجوم الكتابةِ، وإنْ منعنا الاستِبدالَ مع أنَّ النصَّ جوازُهُ، ولا 5 تَصِحُّ على النُّجوم.

وتصحُّ على دَيْنٍ للسيِّدِ على المكاتَبِ بمعاملةٍ أو 1 نحوها.
ولا يصحُّ بجُعْلِ الجَعَالة قبلَ تمام العملِ.
وتصحُّ بالمِثْليِّ، وكذا المُتَقَوَّمِ على الأصحِّ.
وقِيل فِي جوازِها فِي المَكيلاتِ والموزوناتِ قولانِ، ذكرهُ المرعشيُّ، وهو غريبٌ.
6 - السادس: اتفاقُ الدَّيْنينِ جِنسًا وقَدْرًا، وحلولًا وتأجيلًا، وقدرَ الأجلِ وصحةً وتكسرًا 2 وجودَةً، ورداءة، فتبطُلُ عندَ اختِلافِ ذلك مُطلقًا.
7 - السابع: العِلمُ بما ذُكر فِي السادِسِ، فتبطُلُ الحوالةُ بإبِل الدِّيةِ، وعليها على الأصَحِّ.
ومتَى أفلَسَ المُحالُ عليهِ أو كان مُفْلِسًا أو جَحَدَ: لم يرجِع المُحتالُ 3.

وتنفسِخُ الحوالةُ بثبوتِ حُرمةِ المبيع، وبِحَلِفِ المُحتال إنْ جَحَدَ، ورده 4 بِالخِيار، والإقالةُ والتَّحالُفُ والعيبُ إن أحال المُشتَرِي لا البائع وهو مشْكِلٌ بِما إذا أحال زوجتَهُ بِصداقِها، ثم فَسَخَ النكاحَ بعيبٍ أو رِدَّهِ، فإن المصَحَّحَ فِيها بقاءُ الحَوَالةِ مع أنَّه نظيرُ حوالةِ المُشترِي.

باب الضمان

هو لغة: الالتزامُ أو 1 الحفظُ، وهو مِن التَّضمينِ بأنْ يجعَلَ شيئًا فِي شيْءٍ.
وشْرعًا: التزامٌ خاصٌّ على وجهٍ خاصٍّ، وفِيهِ معنى الحِفظِ بكونِهِ وثيقةً.
وإن شئتَ قلتَ: لفظٌ يقتضِي تضمينَ دَينٍ فِى ذِمَّةٍ، كانتْ فارغةً مع بقائِهِ فِي الذِّمَّةِ المَشغولةِ بِهِ 2، وإنْ شئتَ ألحقتَ بِهِ.
أو التزامُ إحضارِ ما يُستَحَقُّ حضورُهُ، وأخرجنا بِـ "لفظ" 3 ما حَصَلَ فيه الضمانُ لوضع 4 اليَدِ ونحوِهِ.
ولا يصحُّ أَنْ يُقالَ فيه "ضَمُّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ"؛ لأنَّ النُّونَ أصليةٌ فيهِ، إلَّا إذا لُمِحَ الاشتقاقُ الأكبرُ.
ويُقالُ: فيه 5 "ضامِنٌ" و"ضَمينٌ" و"زَعيمٌ" و"حَميلٌ" و"كَفيلٌ" و"صَبيرٌ"

و"قَبيلٌ" من القَبالَةِ.
لكِنْ قيل إنَّ العُرْفَ أنَّ "الضمينَ" فِي الأموالِ غيرِ العظيمةِ 1 و"الزَّعيمِ" فيما عظُم مِنها، و"الحَمِيلُ" فِي الدِّياتِ، و"الصَّبيرُ" فِي الجميع، وهو غيرُ مشهورٍ، وكذا "القَبيلُ" واشتهر "الكَفيلُ" فِي الإحضارِ 2. وأصلُ البابِ -قبل الإجماع- قولُه تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.
وقرَّره رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي شريعتِهِ المؤيدةِ بقولِهِ: "الزَّعِيمُ غارِمٌ" رواه أحمدُ والترمذيُّ، وابنُ ماجه، بإسنادٍ حسَّنه التِّرمذيُّ، وهو صحيحٌ 3.

وقد تحمَّل رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.. رواه أبو داودَ وابنُ ماجه 1. وصَحَّ تكفُّلُ أبي قتادةَ الميتَ 2 بحضرتِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 3. وكذلك اتَّفَقَ لعليٍّ -رضي اللَّه عنه- = وقال الترمذي عقب حديث (2120): وروايةُ إسماعيل بن عياشٍ عن أهل العراق وأهل الحجاز ليس بذلك فيما تفرد به لأنهُ روى عنهُم مناكير، وروايتُهُ عن أهل الشام أصح، هكذا قال مُحمدُ بنُ إسماعيل.. سمعتُ أحمد بن الحسن يقُولُ: قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: إسماعيلُ بنُ عياشٍ أصلحُ بدنًا من بقية، ولبقية أحاديثُ مناكيرُ عن الثقات.. وسمعتُ عبد اللَّه بن عبد الرحمن يقُولُ: سمعتُ زكريا بن عدي، يقُولُ: قال أبُو إسحاق الفزاري: خُذُوا عن بقية ما حدث عن الثقات، ولا تأخُذُوا عن إسماعيل بن عياشٍ ما حدث عن الثقات ولا غير الثقات.

بإسنادٍ حسنٍ.
والضَّمانُ عقدٌ يستقِلُّ به الضامنُ الحُرُّ الرشيدُ ولو فِي مرضِهِ وغيرُ الحُرِّ بإذْنِ السيِّدِ.
وأما فِي كفالةِ البدن فلا بُدَّ مِن رِضى المكفولِ ببدنِهِ إنْ كان حيًّا حُرًّا أهلًا للإذن، وإلَّا فإذْنُ وليِّهِ، وفائدةُ الإذنِ مِن الأصيلِ (1) فِي ضمانِ الذِّمةِ الرجوعُ إذا أدَّى الضامِنُ، وإن لم يأذنِ الأصيلُ فِي الأداءِ على الأصَحِّ.

ويُستثنى مِن الرُّجوع مع وُجودِ الضَّمانِ بالإذْنِ سِتُّ صُورٍ:

1 - إحداها: ضَمنَ عبدٌ مَا فِي ذِمَّةِ سيدِهِ لأجنبيٍّ، وأدَّى بعدَ العِتقِ، فلا يرجِعُ على الأصحِّ، ولو أدَّى قبلَ العِتقِ فلا رجوعَ قَطْعًا، ولا يُسْتثنى 2 لأنهُ مِن مال 3 السيدِ.
2 - الثانية: ضمِنَ السيدُ عبدَهُ غير المكاتَبِ، وأدَّاهُ قبل عِتقِهِ، أو مكاتبًا1 = صل عليها، فقال: "هل عليه دينٌ؟ " قالُوا: لا، قال: "فهل ترك شيئًا؟ " قالُوا: لا، فصلى عليه، ثُم أُتي بجنازةٍ أُخرى، فقالُوا: يا رسُول اللَّه، صل عليها، قال: "هل عليه دينٌ؟ " قيل: نعم، قال: "فهل ترك شيئًا؟ " قالُوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثُم أُتي بالثالثة، فقالُوا: صل عليها، قال: "هل ترك شيئًا؟ " قالُوا: لا، قال: "فهل عليه دينٌ؟ " قالُوا: ثلاثةُ دنانير، قال: "صلوا على صاحبكُم" قال أبُو قتادة: صل عليه يا رسُول اللَّه وعلي دينُهُ، فصلى عليه.

وأدَّاه بعد تعجيزِهِ 1 لا يرجِعُ، قلتُهُ تخريجًا.
3 - الثالثة: ضمِنَ عن أصلِهِ الذَّكَرِ صَدَاقَ زوجتِهِ بإذنِهِ، ثُم طَرَأ ما يُوجِبُ الإعفافَ قبل الدُّخول، وامتنعَتِ الزَّوجةُ مِن تسليم نفسِها حتَّى تقبِضَ الصَّداقَ، فأدَّاه الضامِنُ، فإنَّهُ لا يثبُتُ لهُ الرجوعُ، ولو أيسر المضمونُ، قلتُهُ تخريجًا، وكذا لو ضَمِنَ عند وجوبِ الإعْفافِ بالإذْنِ ثُم أدَّى، وفِي صحة الضمانِ هنا توقُّفٌ.
4 - الرابعة: إذا أنْكَرَ 2 الدَّيْنُ، أو قال: "أقْبَضَكَ الأصيلُ" فثَبَتَ عليه بالبيِّنةِ وأدَّى؛ لم يرجِعْ.
5 - الخامسة: إذا لم يُشهد، وأنكر المضمُونُ له لم يرجِع، وإن صدَّقه الأصيلُ إذا لم يؤَدَّ بحضورِهِ، وإذا أخَذَ المالَ من الضَّامِنِ ثانيًا رَجَعَ على الأصَحِّ، ولا 3 يُسْتثنى.
6 - السادسة: إذا أدَّى الضامِنُ بالإذنِ مِن صِنفِ الغارِمِينَ المدفوعَ له بسببِ 4 الضمانِ لا يرجِعُ.. قاله الرافِعيُّ رحمه اللَّه، وهو الصوابُ خِلافًا للبغويِّ 5.

ويُعتَبَرُ فِي صِحةِ الضمانِ أربعةُ أمورٍ:

1 - كونُ الضامِنِ أهلًا للتَّبَرُّع، وينفُذُ مِن المريضِ حيثُ لا إذْنَ فِي الثُّلثِ، ولا يصِحُّ ضمانُ العبدِ إلَّا بإذْنِ سيدِهِ، يستوي فِي ذلك مأذونُ التِّجارةِ، والمُكاتب والمُبَعَّض حيثُ لا مُهَايأةَ أو 1 ضمِنَ فِي نوبةِ السَّيِّدِ.
2 - الثاني: معرِفةُ المضمونِ لهُ دونَ معرفةِ 2 المضمونِ عنهُ على الأصَحِّ.
3 - الثالثُ: كونُ الحقِّ لازِمًا أو موجودًا آيَلًا إلى اللُّزوم، كالثَّمنِ فِي حالِ الخِيارِ، لا كنِجْم الكِتابةِ وجُعْلِ الجَعَالة قبلَ تمام العَمَلِ.
4 - الرابِعُ: كونُهُ معلومًا 3، ومِن واحدٍ إلى عشرةٍ تسعةٌ كالإقرارِ، ويصِحُّ ضمانُ الدَّرَكِ على النَّصِّ 4 بعد قبْضِ الثمنِ، فيُشترطُ عِلمُ الضَّامِنِ بالثمنِ، فإنْ خَرَجَ مُستَحَقًّا، ولو بِشُفعةِ رَجَعَ على الضَّامِنِ، لَا إنْ بان الفسادُ بشرطٍ ونحوِهِ، أو ردًّ بعيبٍ، أو انفسخ بالتَّلفِ قبلَ القبضِ.

وأما كفالةُ البدنِ فإنَّها لا تصِحُّ 1، لحَدِّ اللَّه 2 تعالى، وتصِحُّ لغيرِ ذلك على المذهَبِ، لَا إنْ كان عليه مالٌ لا يُضمنُ كنَجْمٍ وجُعْلٍ، وحيثُ صحَّتْ لا يُشترطُ العِلمُ بقدرِ المالِ 3. ويصِحُّ ضمانُ كُلِّ عينٍ تلزمُ مَؤُنَةُ ردِّها، وكذا ضمانُ تسليمِ المَبيع قبلَ القبْضِ، وإنْ عيَّن فِي التَّسليم مكانًا تَعَيَّنَ 4، وإلَّا حمل على مكانِها، وينبغِي أن يُقيد 5 بِما إذا صلُح ولا غُرْمَ فِي كفالةِ البدنِ والأعيانِ على الأصَحِّ، ومَتَى برِئَ الأصيلُ ولو بالحوالَةِ عليه، بَرِئَ الضامِنُ.
ويصِحُّ ضمانُ الحالِّ مؤجَّلًا، وقد جاء ذلك فِي تحمُّلِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي تقدم.

ويصِحُّ ضمانُ المؤجَّل حالًّا، ولا يثبُتُ الحلولُ لكن لو مات الأصيلُ طولِب الضَّامِنُ على الأرجح بِخلافِ المُؤَجَّل 1 فَي غيرِ هذِهِ، فلا تحِلُّ 2 على واحِدٍ بموتِ غيرِهِ، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.

باب الشركة

هي بكسْرِ الشِّين وإسكانِ الرَّاء.
وأصلُها قبلَ الإجماع: ما صحَّ مِن تقريرِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لذلك.
وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- يرفعُهُ قال: "إنَّ اللَّه عز وجل يقولُ: أنا ثالثُ الشَّريكينِ ما لم يَخُنْ أحدُهُما صاحبَه، فإنْ خانَهُ خرَجْتُ مِن بينِهِما" رواهُ أبو داود فِي "سننه" 1.

الشِّرْكةُ لغةُ: الاختلاطُ والامتزاجُ شيوعًا أو مجاورةً.
وفِي الشرع: ثبوتُ 1 الحقِّ فِي الشيءِ الواحِدِ لمتعدِّدٍ.
ثم قد تكونُ قهرًا كما فِي الإرْثِ.
وقد تكونُ اختيارًا كما فِي الابتياع والإيهابِ 2 ونحوِهِما 3. وقد تكونُ 4 فِي الأعيانِ والمنافِع.
وقد تكونُ فِي مجرَّدِ الحقوقِ عامًّا كالشوارع ونحوِها مِن المُسبَّلاتِ للعُمُوم، وقد تكونُ خاصًّا 5 كحَقِّ 6 التَّحَجُّرِ، والشُّفعةِ، وحدِّ القذْفِ والقِصاصِ.
وفِي المُقتنياتِ 7: كالكلبِ الذي يُقتنى، وجِلدِ ميتةٍ لم يُدبغْ 8 ونحوِها.
= ثم رواه الدارقطني (3/ 35) من طريق جرير، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه.. مرسلًا.
قال الحافظ في "تلخيص الحبير" (3/ 49): وصححه الحاكم، وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان والد أبي حيان، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وذكر أنه روى عنه أيضًا الحارث بن يزيد، لكن أعله الدارقطني [في "العلل" (10/ 402 - 403)] بالإرسال، فلم يذكر فيه أبا هريرة، وقال إنه الصواب.

وبعضُها يقبلُ الإسقاطَ، وبعضُها لا يقبلُهُ.
والذي يقبلُهُ منهُ 1 ما إذا أسقط واحدٌ حقَّه سَقَطَ الكُلُّ، وهو القِصاصُ، ومنه ما إذا أُسْقِط بَقِي 2 للباقِي الكُلُّ، وهو الشُّفعةُ، وحَدُّ القذْفِ.
وليس لنا مِنَ الحقوقِ ما يبقى فيهِ القِسْطُ بعد إسقاطِ واحدٍ حقَّه إلَّا فِي حقِّ التَّحَجُّرِ -قلتُهُ تخريجًا- وحدُّ القذْفِ على وَجْهٍ.

ثُم الشركةُ منها: حرامٌ، ومنها: مكروهٌ، ومنها: مستحبٌّ، ومنها: جائزٌ: فالحرامُ: الشركةُ فِي الأمور المُحَرَّمةِ كالخمرِ والأموالِ المُحَرَّمةِ.
ويُذكر مع هذا: ما لا يجوز من الشِّرْكة: كـ "شركةِ المُفاوضة"، وهي أَنْ يشتَرِكا ليكونَ بينهُما ما يحصلُ مِن غُنْم 3، وعليهما ما يلزمُ مِن غُرْم 4.

و"شركةِ الأبدانِ"، كشركةِ المُحترفةِ 1، ليكون الكسبُ بينهم 2. و"شركة الوجوه" 3، إمَّا بينَ وجيهينِ، أو بينَ وجيهٍ وخاملٍ للبيع، لِيحصُلَ الرِّبحُ بالوَجاهةِ 4. والمكروهةُ: مشاركةُ مَن لا يحترِزُ مِن الرِّبا والمَكْسِ 5 ونحوهما 6. والمستحبةُ: اشتراكُ المُسافِرِينَ فِي الزَّادِ مجلسًا مجلسًا.
والجائزةُ: شركةُ العَنَان 7، وهي مقصودُ الباب، ولا تصحُّ إلا بخمسِ شرائِطَ 8:

1 - أن يكونَ المالانِ مِثْلِيَّيْن، ولو دراهمَ مغشوشةً على الأصحِّ.
2 - وأن يكونَ المالانِ مِن جنسٍ واحدٍ، بصفةٍ واحدةٍ، بحيث تتفِقُ القيمةُ، خِلافًا لما نُقل عن العِراقِيينَ فِي قَفِيزينِ 1 مُختلِفَي القِيمةِ.
3 - وأن يُخلطَا بحيثُ لا يمكِنُ تمييزُهُما.
4 - وأن يسبقَ الخلطُ العقدَ.
5 - وأن لا يُشترطَ الربحُ والخُسرانُ إلَّا على قَدْرِ المالَيْنِ.
ولا بُدَّ مِن الإيجابِ والقبولِ والإذنِ فِى التصرُّفِ، لا مجردَ "اشتركنا"، وكلٌّ منهما وكيلٌ فِي نصيبِ صاحِبِهِ.
ومتى فسدتْ لم يرجِعْ أحدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ عملٍ، إلَّا إذا شُرِط لأحدهما زيادةٌ فِي الرِّبح، لاشتراطِ 2 زيادةٍ فِي العملِ، وزاد عملُهُ فيرجِعُ، لَا إنْ زاد عملُ الآخَرِ على الأصحِّ.
وكلٌّ مِن الشريكين أمينٌ، والقولُ قولُهُ فِي: "اشتريْتُ هذا للشركةِ" أو "لنفسي".
وفِي الرِّبحِ والخُسرانِ وفِي التلفِ والردِّ، إلَّا إذا ادَّعى ردَّ الكُلِّ، وأراد طَلَبَ نصيبِهِ، فلا يكونُ القولُ قولَه، فِي طَلَبِ نصيبِهِ، ولا يُقبلُ قولُ أحدِهما فِي أنه قَسْمٌ.

باب الوكالة

هي بفتح الواو وكسرها: التفويضُ، وتقعُ على الحِفظِ.
وفِي الشرع: تفويضُ أمرٍ يقبلُ النيابةَ مِن أهلِهِ لأهلها على وجهٍ مخصوصٍ.
وهي مجمعٌ عليها.
وقد صَحَّتْ مِن فِعْل النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي أمورٍ كثيرةٍ.
وقد وَكَّل عُروةَ البارقيَّ فِي شراءِ شاةٍ، أخرجه البخاريُّ 1، وليس على شرطِهِ، بل لإيراد 2 حديثِ: "الخيلُ مَعقُودٌ فِي نواصِيهِا الخيْرُ 3 " 4، لأنه سمعه ضِمْنه، وقد أخرجهُ الترمذيُّ بإسنادٍ حسنٍ.

جارٍ التحميل