ومنْعُ البائِع مِن الرُّجوع بالإفْلاسِ، والزوجِ بالتَّشطِيرِ، وإنما يتملَّكُ بلفظٍ، نحو: "أخذتُ بالشُّفعةِ" مع بذْلِ الواجِبِ، أو رِضا المُشتَرِي بكونِهِ فِي ذِمتهِ أو قضى القاضِي لا بالإشهادِ.
والتحقيقُ: أنَّ قضاءَ القاضِي لا بُدَّ معه مِن دَفْع الثَّمن.
وإذا لم (1) يُعلمه الشَّفيعُ تعذرَ الأخذُ بالشُّفعةِ، ويأخُذُ بِالحصَّةِ إنْ باع بيْعَ (2) مَا لَا شُفعةَ فِيهِ، أو تَلِفَ ما يفرَدُ بِهِ (3) العقدُ (4)، ولا يُفرَّق شِقْصُ (5) عقدٍ ابتداءً، وله أخْذُ حِصَّةِ أحدِ المُشتَرِيَّيْن، أو أحدِ البائِعَيْنِ.
القاعدةُ الثالثةُ:
الشفعةُ بعدَ معرفةِ البيع، ولو ببلوغ خبرِ مقبولِ الروايةِ على الفورِ على المشهورِ 6: إلَّا إذا غاب الشفيعُ 7، أو أجَّلَ الثمنِ، أو كذَب المُخبِرُ فِي جِنسه، أو زاد، أو كذَب فِي قدْرِ المبِيع أو فِي المُشتَرَى.12345
والفورُ بالعادةِ بِنفسِهِ أو وكيلِهِ 1 ولَا يضرُّ إتمامُ حالِهِ فِي حمَّام أو نفلٍ 2 أو أكْلٍ، ولَا الاشتغال بِهما فيهما 3، ولَا أَنْ يسلمَ أو دعا بالبَركةِ أو بحَثَ عنِ الثَّمنِ 4 لَا إن قال: "اشتريْتُ رَخِيصًا".
فإنْ لم يقدِرْ على ما سَبَقَ، أشْهَدَ.
وإنْ تَرَك المقدورَ أو صَالَحَ عنْ شُفعتِهِ عالمًا بِبُطلانِ ذلك، أو أزالَ مِلكَه عن حِصتِهِ، ولو جاهلًا بِالحالِ، أو عن بعضِها 5 مع العِلْم سقطتْ شُفعتُهُ، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
باب القراض
وهو لغة: راجعٌ إلى مادةِ المُقارضةِ 1 بِمعنى المُساواةِ 2 لتساوِي المتعاقِدَيْنِ فِيما يقومُ بِهِ العقدُ مِن مالٍ و 3 عملٍ.
أو بمعنى المُقاطعةِ، لأنَّ كُلَّ واحِدٍ قاطَعَ الآخَرَ على شيءٍ.
وقيل: القراضُ راجِعٌ إلى مادةِ قَرَضَ بِمعنى قَطَعَ لأنَّهُ قَطَعَ له قِطعةً مِن مالِهِ، وقِطعةً مِن الرِّبْح، وهو مُفارقٌ للقَرْضِ 4.
ويُسمى مُضاربةً فِي لغةٍ، إمَّا لضرْبِ كُلِّ واحِدٍ فِي الرِّبح بسهْم، أو من جهةِ تَصَرُّفِ العامِل برأيهِ، ولم يُلمح فيهِ للسفرِ 5، لأنهُ قد يكونُ فِي الإقامةِ.
ويُقالُ: للمالِكِ: "مُقارِضٌ" بكسْرِ الرَّاء، ولِلعامِلِ بِفتحِها، وللعامِل "مضارِبٌ" بِكسرِها.
ورُدَّ قولُ مَن أطلق ذلك على المالِكِ.
وشرعًا: عقدٌ بإيجابٍ وقبولٍ مِن أهلِهِ مُنجَّزٌ [على نقدٍ مضروبٍ مُعينٍ] 1، ولو مع الإشاعةِ أو الخلطِ، معلومٌ يستقلُّ المُعاملُ 2 فيه باليدِ والتصرفِ بالتجارةِ على ربحٍ لا يخرجُ عنهما 3 مشروطٌ 4 منه حصةٌ للعامل معلومةٌ بالجُزئية 5.
وأصلُها 6 -غيرُ العموماتِ المقتضيةِ لإباحةِ التجارةِ وابتغاءِ الفضلِ- ما روي عن ابنِ عباسٍ -رضي اللَّه عنهما-.
قال: كان العباسُ إذا دفع مالًا مضاربةً اشترط على صاحبِهِ أن لا يسلكَ به بحرًا، ولا ينزلَ به واديًا، ولا يَشتَرِي به ذاتَ كبدٍ رطْبةٍ، فإنْ فَعَلَ فهو ضامنٌ، فرُفِع شرطُهُ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأجازه.
رواه الدارقطني 7 وغيره، وفِي إسنادِهِ أبو الجارود، وهو ضعيفٌ 8.
وجاءتْ رواياتٌ صحيحةٌ عن جماعةٍ مِن الصحابة؛ عُمَرَ وغيرِهَ -رضي اللَّه عنهم- بإجازةِ القِراضِ 9.
ولا يُعلمُ فيهِ خِلافٌ بينهم، فيكونُ إجماعًا أو حُجةً 1.
واحتُج له بالقِياسِ على المُساقاةِ 2.
وهو فِي الابتداءِ يُشبهُ الوكالَةَ بجُعْل، وفِي الانتهاءِ يُشبهُ الشِّرْكةَ إنْ لم يُوقَفْ مِلكُ العامِلِ مِن الرِّبح على القسمةِ، وإن وَقَفْناه -وهو الأصحُّ- فهو يُشبهُ الجَعَالة.. ذكره فِي "التتمة".
وفيه نظرٌ.
وحكى 3 الماورديُّ قولَينِ للشافِعِيِّ -رضي اللَّه عنه-: فِي أنَّ العاملَ وكيلٌ مستأجَرٌ أو شريكٌ مساهِمٌ، وسيظهرُ لك أثرُ ذلك.
ولم أصرِّحْ فِي التعريفِ بِـ "خالص" وإنْ شرَطَهُ الجمهورُ 4؛ لأن الأرجحَ صِحةُ القِراضِ على الدراهِم المغشوشةِ، وعلى ذلِك عملُ النَّاسِ 5. = بالدنانير والدراهم فوجب لما لم يكن له في كتاب اللَّه ولا في سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أصل أن يجاز منه ما أجمعوا عليه ويوقف على إجازة ما اختلفوا فيه منه، وقد رويت أخبار عن عمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي اللَّه عنهم تدل على تصحيح المضاربة.. ثم ساق ذلك عنهم بإسناده إليهم.
ويفسُدُ بوقوعِهِ على ما خالَفَ 1 التَّعريفَ، لكنْ لا يضُرُّ شرْطُ 2 عمل غلام 3 المالِكِ معهُ.
ويفسدُ بالتَّضييقِ، بأن عيَّن شراءَ ما يندُرُ 4 وجودُهُ أو سلعَةً 5، لا إن عَيَّن مَنْ يبيع منهُ أو يشتَرِي.
ويفسدُ بالتوقيتِ، لا إنْ مَنَعَ مِن الشراء فقط، كما سبَقَ فِي البيع 6.
ولا يصحُّ على نقدٍ تعلَّق بِهِ رهنٌ لازمٌ لِغيرِ العامِلِ أو كان معينًا فِي معاوضةٍ غير 7 مقبوضٍ، قلتُهُما تخريجًا.
ويصحُّ بشرطِ أن يكونَ الربحُ بينهُما 8 على الأصحِّ، حمْلًا على التَّنْصِيفِ 9، وكذا على أن النصفَ للعامِل، لا عكسُهُ، على الأصحِّ 10.
ويفسُدُ إنْ شَرَطَ رِبحَ النصفِ ونحوه لِعامِلٍ أو مالكٍ، وما شرط صحيحًا لا يُغيَّرُ إلى غيرِهِ إلَّا بفسْخ وتجدِيدِ عقدٍ.
نقل عن "العدة".
وإذا فسَدَ نَفِذَ تصرُّفُ العامِل، ولهُ أُجرةُ المِثل، إلَّا إذا قارضَهُ على أن الرِّبحَ لِغيرِ العامِل فَلا شئَ لِلعامِل فِي الأصحِّ 1.
ولا يُقارِضُ العاملُ بغيرِ إذْنِ المالِكِ، فإنْ فعَلَ فالمشروطُ مِن الرِّبح مستحقٌّ للأولِ، كالغاصِبِ إذا اشتَرَى فِي الذِّمَّة، وللثانِي: أجرةُ المِثل، وبالإذْنِ والسَّلْخ جاز، ولْيكُن 2 شرِيكًا فِي العَمَل، والرِّبحُ ممنوعٌ 3.
ويجوزُ تعدُّدُ العامِل والمالِكِ ويتصرَّفُ العامِل بالغِبطةِ ويبيعُ بالعَرَضِ لا بِالنَّسِيئةِ إلا بإذنٍ، وحينئِذٍ يُشْهِدُ، فإنْ تَرَكَهُ ضَمِن 4.
ولا يشتَرِي بأكثرَ مِن رأس المال، ولا بِغيرِ إذنِ مَن يعتقُ على المالِكِ أو زوجتِهِ 5 6.
ولا يُسافِرُ بالمالِ إلَّا بإذنٍ 7 وليست 8 نفقتُهُ، ولو سافر فِي المال 9.
وعليهِ تولِّي ما جَرَتْ عادةُ العامِل بتولِّيهِ، ويستأجِرُ على غيرِه 1.
وينفرِدُ المالِكُ بالأعيانِ الحادِثةِ مِن ثمرةٍ ومهرٍ، ونحوهما، وهذا يشهَدُ، لأنَّ العامِل وكيلٌ مُستأجَرٌ.
ولا يطأُ جاريةَ القِراضِ إلا بإذْنٍ ولو لم يكن فِي المال رِبْحٌ على ما رَجحوه، وهو بعيد، وكذا تزويجُها، وذاك لأنهُ شَرِيك.
ولو قُتِل عبدُ القراضِ لم ينفَرِدْ أحدُهُما بالقِصاصِ إن قُلنا إنهُ شَريكٌ، والأصحُّ لا يسقُطُ.
والخسرانُ بالكساد يُحسبُ مِن الرِّبح، وكذا النُّقصانُ بآفةٍ حدثَتْ بعد التَّصرُّفِ 2.
ولا يستقِرُّ مِلك العامِلِ على ما شرطَهُ لهُ إلَّا بفسْخ العقدِ أو انفساخِهِ بموتٍ أو جنونٍ أو إغماءٍ أو باستِرْدادِ المالِكِ شيئًا مِن المالِ بعدَ ظُهورِ الرِّبح؛ لِحصولِ الشُّيوع فِي المُستَرَدِّ، ولا ينحصِرُ ما استَرَدَّه فِي رأسِ مالِهِ.
ولو استَرَدَّ شيئًا بعدَ ظُهورِ خُسرانِهِ لم يلزم أخْذُ حِصَّةِ المُستَرِدِّ لو رَبِح مِن بعدُ 3، واللَّه تعالى أعلم.
قاعدة
: الإشاعةُ ثابتةٌ هنا قطعًا، وكذلك في 1 الحقوقِ المُشاعةِ، والانحصار قطعًا بالقسمة، وكلُّ سببٍ يقتضي تعلُّقَ حقٍّ لمنفردٍ.
والانحِصارُ على الأصحِّ فِي التفلِيسِ سَبَقَ.
وفِي الوصيَّةِ أيضًا إذا أوصى بِثُلِثِ عَيْنٍ، فاستُحِقَّ ثُلُثاها، ينحصِرُ حقُّ الموصَى له فِي الباقي.
والإشاعةُ على الأصحِّ فِيما عدا ذلك.
ففِي البيع فِي نحو قول الشَّرِيك: "بعتُ النِّصفَ" الأصحُّ 2 يُشاع فِي نصيبِهِ ونصيبِ غيرِه، فيبطلُ فِي نصيبِ غيرِه، وفِي نصيبِهِ تولَّى تفريق الصفقة.
وفِي الشُّفعة فِي صورةِ الغائِبِ التي تصِحُّ مِن ثمانيةَ عشرَ.
وكذا فِي الصَّداقِ والخُلع وعدم القِصاصِ بين المُبعضين، وفِي الإقرارِ.
والعامِلُ مصدَّقٌ فِي الردِّ والتلفِ، وفِي أنَّه اشتَرَى للقِراضِ أو لنفسِهِ، وفِي الرِّبح والخُسرانِ وقدْرِ رأسِ المالِ.
فإنِ 3 ادَّعى أن بعضَ ما أحضره رأسُ مال وبعضَه ربحٌ، وادعى المالِكُ أنَّ
الكُلَّ رأسُ المالِ، فالأرجحُ 1 عندهم تصديقُ العامِلِ، والأرجحُ تصديقُ المالِكِ.
وخرَّجها الماوردِيُّ على أنَّه شَريكٌ، فيصدَّق، أو وكيلٌ، فيصدَّق المالِكُ، وهو يؤيِّدُ 2 ما رجَّحناهُ.
وإذا اختَلَفَا فِي القَدْرِ المشروطِ تَحَالَفَا والمرجُوعُ إليهِ أُجرةُ المِثْلِ 3، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
باب المساقاة
هي لغة: راجعةٌ إلى مادَّةِ السقْي؛ لأنَّ العامِلَ يَسقِي الشجرَ.
وشرعًا: معاملةٌ مؤقتةٌ على وجهٍ مخصوصٍ من شجرٍ موجودٍ يتعهدُهُ العامِلُ بالسَّقْي والعملِ، على حصةٍ للعامِل معلومةٍ مِن ثمرتِهِ الكائِنةِ عليه أو الحادِثةِ فِي المُدة.
وفِي "الصحيحين" (1) عن ابنِ عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: عامَلَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهلَ خَيْبَرَ على شَطْرِ ما يخرُجُ منها من ثمرٍ أو زرعٍ.
ومدارُها على سبعة أشياء:
1
1 - 2 - العاقدانِ.
3 - والصيغةُ.
4 - والشجرُ.
5 - والعملُ.
6 - والمدةُ.
7 - والمشروطُ مِن الثمر للعامِلِ بسببِ عملِهِ.
أما العاقدان
: فإنْ كانتِ الأشجارُ مملوكةً لآدميٍّ مُعينٍ، فلابُدَّ مِن وجودِ أهليَّتِهِ للتَّصرُّفِ إنْ عَقَدَ أو 1 وكَّل 2.
والمحجورُ عليهِ أمرُ 3 العقدِ لوليِّهِ لِمصلحةٍ، وكذا الإمامُ فِي بُستانِ بيتِ المالِ، وما لا يُعرفُ مالكُهُ، والغائِبِ الذي تعلَّق أمْرُهُ بالإمام، وفِي الوقفِ: الأمرُ للناظِرِ.
وما يُفعلُ مِن مُقابلةِ البياضِ بأُجرةٍ كثيرةٍ وإعطاءِ العامِل الجزءِ الكثِيرِ الزائِدِ على أُجرةِ المِثل بِفاحِشٍ تَبعُدُ صحتُه من الوليِّ والناظِرِ، ونحوهما، إنْ لَمْ يَلْمَحْ تنزيْلَ الكُلِّ كالصِّفقةِ.
ويُعتَبَرُ فِي العامِلِ إطلاقُ التَّصرُّفِ، وإلا فيعقِدُ على المحجورِ عليه المُتأهِّل للعمل وليُّه.. قلتُهُ تخريجًا من إجارتِهِ للرعْي ونحوِهِ، وفيه نظرٌ، لاستقلالِهِ بِاليدِ هُنا.
ولا يمتنعُ أن يكونَ العامِلُ شريكًا إذا شُرِط له مِلكُ جُزْءٍ (1) غير (2) ما يستحِقُّهُ بالشِّرْكة.
وأما الصيغة
ُ: فلابُدَّ منها على المشهورِ، نحو: "ساقيتُك على هذِهِ الأشجارِ بِكذا"، أو "عقدتُ مَعَكَ عقدَ المُساقاة" أو ما يؤدِّي معنى ذلك.
وينبغِي أَنْ يُكْتَفَى (3) بِـ "عقدتُ مَعَك (4) عقْدَ كذا" فِي سائِرِ العقُودِ، وقد يتوقَّفُ فِي النِّكاح.
ولابُدَّ مِن القبول لِلزُوم العقْدِ، فَلَا يجْرِي فِيهِ الوجهُ الضعيفُ فِي الوَكَالةِ ونحوِها، ولا تنعقِدُ بلفظِ الإجارةِ على الأصحِّ (5).
وأما الشجر
ُ: فهو النخلُ والعنبُ لا غيرُهما مِن الأشجارِ على12345
الجدِيدِ (1)، إلَّا تبعًا لواحِدٍ مِنهما على الأصحِّ، وإلا المُقْلُ (2) على وجهٍ جَزَمَ به المَحَامِلِيُّ (3) وغيرُه، وهو راجحٌ، خلاف ما صَحَّح فِي "الروضة" (4).
ضابط
ٌ:
يُخالفُ النَّخلُ والعنبُ سائِرَ الأشجارِ 5 فِي خمسةِ أشياء 6:
1 - الخَرْصُ 7.
2 - والزكاةُ.
3 - والعَرَايا.
4 - والمساقاةُ.
5 - وجوازُ الاستقراضِ.
[وزاد النخلُ على العنبِ التأبيرَ.
ذَكَرَ ذلك المَحَامِلِيُّ، وما ذكره فِي جوازِ1234
الاسْتِقراضِ] (1) لا يُعرفُ، بل جوازُ القرض يعُمُّ سائرَ الأشجارِ (2). ويشترطُ تعيينُ الأشجارِ ورؤيتُها، ومعرفةُ أشجارِ النَّوعينِ إنْ شُرط تفاوتٌ فِي حِصَّة العامِل.
وأما العمل
ُ 3: فعلى العامِلِ السَّقْيُ، وتوابِعُهُ مِن الأعمالِ، وما يحتاج إليه الثمار لزيادتِها أو صلاحِها، وهو مُنحصِرٌ فِي مقصودِ المُساقاةِ، فلا يُشترطُ عليه ما ليس مِن عملِها.
ولا تُصحُّ على وَدِيّ ليغرِسَهُ ويكونَ الشَّجْرُ بينهُما 4، ولا على أن يكونَ الفأسُ والتَّورُ ونحوُهما على العامِلِ، بل ذلك على المالِكِ.
وعليه بناءُ الجِدارِ، وحَفْرُ النهرِ الجدِيدِ، وفِي رَدْم ثُلْمةٍ يسيرةٍ يُتبعُ العُرْفَ ولابُدَّ 5 مِن انفرادِ العامِلِ باليدِ.
ولا يضرُّ شرطُ دخولِ المالِكِ على الأصح، ولا عملُ غلامِهِ على النَّصِّ إنِ اختَصَّ العامِلُ بِالتدبِيرِ، ونفقتُهُ على المالِكِ، إلا إِن شُرِطَتْ على العامِلِ،12
ويجب تقديرُها حينئِذٍ على وجهٍ وعلى وجهٍ يُحملُ على الوسطِ المُعتادِ، قَطَع بِهِ الشيخُ أبو حامد للتَّسامُح بذلك.
ولا يصِحُّ شرطُها مِن (1) الثِّمارِ على الأرجَح إلَّا إنْ شَرَطَ لها جزءًا معلومًا.
وليس للعامِل أَنْ يُساقِيَ غيرَهُ إذا كانتِ المُساقاةُ على عينِهِ.
وتنفسِخُ بموتِ المُعيِّنِ، وكذا بِهَربِهِ عند تعطُّل العمل؛ قلتُه تخرِيجًا.
وإنْ مات والمُساقاةُ على ذِمَّتِهِ لم تَنفسِخْ على الأصحِّ، ولا يُجْبَرُ الوارِثُ على العمل فإنْ كان هُناك تَرِكة استأجَرَ الحاكِمُ كما فِي موتِ (2) العامِل والمُساقاةِ على ذِمَّتِهِ، وللمالِكِ فِي الهربِ الإنْفاقُ ويأذنُ الحاكِمُ ليرجِعَ، وعندَ عدم الحاكِمِ يُشهِدُ [وحينئِذٍ يرجِعُ] (3)، وإلَّا فَلَا (4).
وأما المُدَّةُ:
فلابُدَّ مِن بيانِها، ولا يصحُّ التوقيتُ بإدْراكِ الثِّمارِ على الأصحِّ، وإنْ قُطِعتِ الثِّمارُ والمُدةُ باقيةٌ عمل العامِلُ فِي بقيةِ المُدةِ، وإنِ انقضَتْ وقد أَطْلعَتِ اسْتَحَقَّ العامِلُ نصيبَهُ مِن الثَّمرةِ 5، وعلى المالِكِ التعهُّدُ إلى الإدْراكِ، والشَّرْطُ فِي المُدَّةِ أَنْ تبقى الأشجارُ فِيها غالبًا.1234
وأما الثَّمَرَةُ:
فلابُدَّ أَنْ تكونَ مِمَّا 1 يحصُلُ غالبًا، ولو فِي آخِرِ سنةٍ، وأنْ تكونَ مخصوصَةً بالمالِكِ والعامِلِ بِالحُريَّةِ كما سَبَقَ فِي القِراضِ.
وتجوزُ المساقاةُ بعد خُروج الثَّمرةِ وإنْ بَدَا صلاحُها على النَّصِّ فِي "الأم" ما دامتِ الحاجةُ إلى المُساقاةِ موجودةً، خِلافًا لِمَا صححوهُ مِن المَنْع بعدَ بُدُوِّ الصَّلَاح، وإذا خرجَتِ الثِّمارُ مُستحقَّةً رَجَعَ العامِلُ على الذِي ساقاهُ بِأُجرةِ المِثْل على الأصَحِّ 2.
فصل
لا تصِحُّ المزارعةُ 1 المُستقِلةُ، وهي المُزارعةُ على الأرضِ بِبعضِ ما يخرُجُ مِنها، والبَذْرُ مِن المالِكِ، ولا المخابرَةُ، وهي كما تقدَّم، لكنِ البَذْرُ مِن العامِل، والمختارُ صحتُهما.
وأما المُزارعةُ -تبعًا للمُساقاةِ- فصحيحةٌ عندِ 2 اتِّحادِ العامِل وعُسْرِ 3 إفرادِ النَّخِيلِ بِالسَّقي والأرضِ بالعمارةِ.
باب الإجارة
1
هي لغةً: اسمٌ للأُجرةِ، وهي بكسرِ الهمزةِ، وشذَّ مَن حَكَى ضمَّها.
وشرعًا: عقدٌ يشتملُ 2 على نَقْلِ منفعةٍ متقوَّمَةٍ مباحةٍ معلومةٍ 3 خاليةٍ من مانِعٍ بِمقابِل مُتموَّلٍ 4 مَعلومٍ أو منفعةٍ كذلك على وجهٍ مخصوصٍ.
ويُقالُ: آجَرَه -بِالمَدِّ- يؤجِرُهُ إيجارًا ومُؤاجرةً فاستأجَرَ.
والموجِبُ مُؤْجِرٌ، والقابِل مستأجِرٌ 5، ومؤاجِرٌ -بكسر الجيم فيهما- والعين مؤجَرَةٌ، والعبدُ مؤجَرٌ 6، بِفتح الجِيم.
ويُقالُ: أجرَه، غيرَ ممدودٍ -قيل: وهو أكثرُ- يأجُرُهُ بِضمِّ الجِيم وكسرِها
أجرًا إذا أعطاه أجرهُ.
ويقال: بِضَم الجِيم فِي المضارع إذا أجَرَه شيئًا أو صار أجِيرًا، ومِنه قولُهُ تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾.
وإذا استأجرتَ أجيرًا لِعملٍ فأنت آجِرٌ بالمعنى الأولِ، لأنَّك تُعطي الأجرةَ، وهو أجيرٌ بالمعنى الثانِي.
والأجيرُ فعيلٌ بمعنى مؤاجِر، أو أجر.
ويُقالُ مِن المقصورِ لِما يُستأجرُ: مأجورٌ.
والأصلُ فيها: قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 1.
وقد استأجَرَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر الصديقُ -رضي اللَّه عنه- رجلًا من بَنِي الدِّيل.
رواه البخاريُّ فِي "صحيحِهِ" 2 من طريقِ عائشةَ -رضي اللَّه عنها-.
وعن ثابِتِ بنِ الضَّحاكِ -رضي اللَّه عنه- أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهى عنِ المُزارعةِ وأَمَرَ
بِالمؤاجرةِ، وقال: لَا بَأسَ بِها.
[رواهُ مُسلِم فِي صحِيحِهِ 1.
وأمَّا حديثُ: "أعْطُوا الأجِيْرَ حَقَّهُ قبْلَ أَنْ صطَّ عَرَقَهُ" فرواه ابنُ ماجة مِن حديثِ] 2 ابنِ عُمرَ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ 3.
والأحاديثُ فيها كثيرةٌ 1.
وقال بها 2 العلماء كافةً، إلا مَن لا يعتدُّ بخلافِهِ 3. = ورواه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (1/ 265) والطحاوي في "مشكل الآثار" (8/ 13) من طريق محمد بن عمار المؤذن عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
وقال ابن عدي: وهذا يعرف بابن عمار هذا، وليس بالمحفوظ، ورواه عبد اللَّه بن جعفر المديني، عن سهيل، عن أبيه، عن أبى هريرة، وعبد اللَّه ليس بشيء في الحديث.
وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-: ذكره البيهقي في "السنن الصغرى" (2134) قال: وروينا في حديث حماد عن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن استئجار الأجير حتى يتبين له أجره.. وإسناده منقطع وفيه ضعف، وقد أخرجه البيهقي في "الكبرى" (6/ 120) وأحمد (3/ 59، 68، 71). وله شاهد من حديث جابر -رضي اللَّه عنه-: رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (34) والخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 33) من طريق محمد بن زياد الكلبي، حدثنا شرقي بن القطامي، عن أبي الزبير، عن جابر قال قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" وقال: لم يروه عن أبي الزبير إلا شرقي تفرد به محمد بن زياد ضعيفان.
قال ابن عدي: وليس لشرقي هذا من الحديث إلا قدر عشرة، أو نحوه، وفي بعض ما رواه مناكير.
ولا بُدَّ لَهَا مِن الصِّيغةِ 1 إيجابًا وقبولًا مُتَّصِلًا 2. والإيجابُ 3: "أجرتُك بكذا" 4، أو "أكريتُك كذا" 5 أو "ملكتُك أو بِعْتُكَ مَنْفعتَهُ" 6 [لا "بعتُ منفعته" على الأصح] 7 و"أجرتُ منفعته"، صحيحٌ على
الأصح؛ إذ موردُها المنفعةُ على المشهور، وقال أبو إسحاق: العينُ لتُستوفَى مِنها المنفعةُ (1) (2).
ضابط
ٌ:
لا يكونُ فِي الإجارةِ استيفاءُ عينٍ مستحقَّةٍ للمؤجر 5 إلَّا تابعةً لمنفعةٍ فِي عشرِ صورٍ للحاجةِ:
1 - المرأةُ للإرضاع.
2 - والبئرُ لِيستقى ماؤُها.
3 - والعقارُ مِن بستانٍ أو دارٌ أو حَمَّامٌ يُستأجَرُ، وفيه بئرٌ فيُسقى منها.
4 - وكذا الأرضُ للزراعةِ 6 ولها شِرْبٌ، استمرَّتِ العادةُ بإجارتِها معه، وإلَّا فلابُدَّ مِن شرطِهِ.123478
5 - والقناةُ للزِّراعةِ 1 بمائِها.
6 - وكذا عند العادةِ: الحِبْرُ على النَّاسِخ، والخيطُ على الخيَّاطِ، والمِرْوَدُ 2 على الكحَّال.
7 - والمرهمُ وتابعه عل الجرائِحِيِّ ونحوِهِ.
8 - والصبغُ على الصبَّاغ.
9 - ويُقاس عليه: الغسَّالُ والقصَّارُ.
10 - والطَّلْعُ على المُلقِحِ.
فإنِ اضطرَبَتْ وَجَبَ البيانُ، فإنْ لم يُبين بطلتِ الإجارةُ، وألحقوا بذلك على وجهٍ: الدُّهنَ على المرضِعَةِ، إنْ جرى عُرْفُ البلدِ بِهِ.
ولا يُستأجر فحْلٌ لضرابِهِ 3 على الأصحِّ.
ولا بِرْكةُ حيتانِ لأخْذِ السمكِ منها؛ على النصِّ فِي "الإملاء" فإن استأجَرَهَا لِيحبِسَ 4 فِيها الماءَ، فيَجتمِعَ السمكُ فيأخُذَه، صحَّ على الصحيح، كاستِئْجارِ شبكةٍ للصيدِ ونحو ذلك مِمَّا يقعُ على منفعتِهِ، ويأخذ بِها 5 مباحًا.
والموجِر 6 لنفسِهِ أو بوكيلِهِ هو المالِكُ للمنفعةِ الرشيدُ، إلَّا فِي عشرةِ
مواضِعَ:
1 - المبيعُ قبل القبضِ ونحوِهِ.
2 - والمؤجِرُ قبل القبضِ مِن غيرِ المؤجِرِ.
3 - والمرهونُ مع حلول الدَّينِ بِغير إذنِ المرتَهِنِ.
4 - والعبدُ الذي تعلَّقتِ الجنايةُ برقبتِهِ كذلك.
5 - ومِلْكُ المُفلس.
6 - والمغصوبُ حيثُ لَا قُدرة للعاقِدِ على الانتِزاع.
7 - والآبِقُ.
8 - والزوجةُ الحرةُ بغير إذنِ الزوج.
9 - والمستأجرُ فِي إجارةِ الذِّمةِ.
10 - والموقوفُ عليه إذا كان الناظِرُ غيرَهُ.
ولا يمتنعُ على الموصَى له بالمنفعةِ حياتَهُ أن يؤجِّرَه؛ خِلافًا لما فِي الرافعيِّ، ومَن تبِعَه.
وللمقطِع أَنْ يؤجِّرَ إقطاعَه خِلافًا لمن منع.
والحُرُّ الرشيدُ يؤجرُ نفسَه، وكذا يؤجِرُ مستأجِرَه على الأصحِّ.
ضابط
ٌ:
لا يقابَلُ شيءٌ مما يتعلَّقُ ببدن الحُرِّ بالعِوض اختيارًا إلَّا فِي ثلاثِ صورٍ:
1 - منفعتُه.
2 - ولبنُ المرأةِ، وبُضْعُها.
3 - وإجارةُ العبدِ نفسَهُ تقدمتْ فِي بيع العبدِ المأذونِ.
والإمامُ أو نائبُهُ يؤجِّرُ ما تعلَّق ببيتِ المال، أو المصالِح أو الذِي لَا يتعيَّنُ مالِكُهُ أو لا يُعرف، أو ما يتعلَّق 1 بِمحجورٍ 2 تحتَ نظرِهِ أو غائِبٍ، وعند النِّزاع بينَ الشَّريكينِ المُفضِي للتَّعطيل، أو 3 موقوفِ المُفلس، ومستولدتِهِ عندَ امتناع المُفلس، ومستولَدَةِ الكافِرِ المُسلِمةِ، والوقف الذِي لا ناظِرَ لهُ أو شَرْطُ نظرِه له، والولِي يؤجِّرُ عن محجورِه، وكذا ناظِر الوقفِ الخاصِّ.
والمستأجِرُ مَن صَحَّ تصرُّفُه فيما يستأجِرُهُ بإطلاقِ تصرفٍ أو وِلايةٍ.
والإجارةُ وإن وردتْ على المنفعةِ فقد تكونُ على العينِ كالدَّارِ والدابَّةِ المُعينةِ، واستأجرتُك لِتعمَلَ بِهِ كذا 4.
ولا يُشتَرَطُ تسليمُ الأُجرةِ [فِي هذِهِ.
وتكونُ عَيْنًا ودَيْنًا ومنفعةً، وقد تكونُ فِي الذِّمة] 1، كإلزام ذِمَّةِ غيْرِهِ خياطةً أو بناءً أو كُحْلًا 2 بلفظ السَّلَم أو 3 الإجارةِ؛ كاستئِجارِ دابةٍ موصوفةٍ لِحمْلٍ.
ولا بُدَّ مِن قَبْضِ الأُجرة فِي المجلِسِ، وحكمُها كرأسِ مالِ السَّلم 4.
ولا يجوزُ أن تُجعلَ الأجرةُ شيئًا يحصلُ بعمل الأجِيرِ كاستِئْجارِ سلَّاخ بِجلدِ ما يسلخُهُ، أو طحانٍ بِجزءٍ مِن دقيقِ ما يطحنُهُ، أو بنخالتِهِ، أو المرضعةِ بحصَّةٍ مِن الرقيقِ المُرضعِ بعد فِطامِهِ 5، وأمَّا فِي الحال فيجوزُ ولو لشريكِهِ 6.
قاعدتان
:
إحداهما
:
لا تصِحُّ إجارةُ 1 العين لزمانٍ غير الزمان الذى يتصلُ بالعقدِ، إلا فِي أربع صورٍ:
1 - إحداها: إجارتُها مِن المستأجِرِ مُدَّةً تلِي 2 مُدةَ إجارتِهِ والعِبْرَةُ بِمن يدُهُ مستمرةٌ لا بمن وقَعَ العقدُ معه؛ خِلافًا للقفَّالِ.
2 - الثانية: كِراءُ العقِبِ على الأصحِّ.
3 - الثالثة: الأجيرُ المعينُ للحجِّ غيرِ 3 المَكيِّ فِي غيْرِ أشهُر الحجِّ فتقدمُ 4 إجارتُه عند جماعةٍ على خروج النَّاسِ 5 وإن بعُد ذلك وينتظرُ خُروجهم، وعند الكثيرِ لا تصحُّ إلَّا وقتَ إمكانِ الخُروج، والسيرِ على العادةِ، أو الاشتغالِ بأسبابِهِ، وبِمكةَ لا يستأجِرُ إلَّا فِي أشهُر الحجِّ، وفِي غيرها يجوزُ فِي غيرِ أشهُر الحجِّ قطْعًا.
4 - الرابعة: استأجَرَ عبدًا أو بَهيمة لعملٍ مدة على أن ينتفعَ بِهما الأيامَ دونَ الليالي؛ يصحُّ بخلافِ الحانوتِ؛ لانه إجارةُ مستقبَلٍ واغتُفِرَ 6 فِي الحيوانِ؛
لأنه 1 لا يُطيقُ دوامَ العملِ.
والأقربُ أن الإجارةَ غيرُ منقطعةٍ، واغتُفِر 2 الاستثناءُ؛ لأنهُ تصريحٌ بمقتضى الإطلاقِ، وكذلك ما جرتْ فيهِ العادةُ ينقطعُ لقضاءِ حاجةٍ أو استراحةٍ ونحوهِما، كما يكونُ فِي 3 زمنِ الطهارةِ، وصلاةِ الفرضِ والنافلةِ 4 فيُستثنى 5 من إجارةِ العملِ 6 مُدَّة.
والسبتُ فِي استئجار اليهوديِّ مستنثى إن اطرد عُرْفهم به 7 كما أفتى به الغزاليُّ، ويقاس عليه الأحدُ للنصرانِي.
والإجارةُ التي يتصلُ زمنُها بالعقد لابُدَّ من إمكان الانتِفاع بالعينِ عُقيب العقدِ إلَّا فِي صورتين:
- الأولى 8: الدارُ المشحونةُ بالأمتعةِ إذا لم يمضِ فِي التفريغ زمنٌ لمثلِهِ أجرةٌ.
- الثانية: الأرضُ للزَّرع وعليها 1 الماءُ الذِي ينحسرُ فِي وقتِ الزَّرع عادةً، وأما استئجارُ الأرضِ بمصرِ التِي لَا ماءَ لها إلَّا النيلُ الغالِبُ قبلَ الزيادةِ أو بعد الزيادةِ وقبل الرأي، فظاهِرُ النصِّ إبطالُ إجارتِها للزِّراعة، وأخَذَ بهِ بعضُهُم، وأجاز الماوردِيُّ فِي الثانيةِ.
وصحتُها 2 يلزمُ منهُ تأخيرُ 3 المنفعةِ المستأجَرِ لها عن العقدِ، فإنِ اغتُفِر ذلك كان مُستثنى وهُو الأصلحُ، والأحوطُ أن توقَعَ الإجارةُ فِي ذلك على أن ينتفع بِها ما شاء 4. وأما الأرضُ التي لا ماء لها إلَّا فِي 5 الغالِبِ 6 فإنَّهُ إذا أَجَرَها أرضًا بيضاءَ لا ماءَ لَها يصنعُ بِها المستأجِرُ ما يشاءُ غيرَ البناءِ والغِراسِ، فإنهُ يصحُّ وتلزمُهُ الأجرةُ إذا استولى، زَرَعَ أو لم يزرعْ، وله الزرعُ إن أمكنَهُ، نَصَّ على ذلك كله.
القاعدةُ الثانيةُ:
المعجوزُ عنهُ شرْعًا مطلقًا أو نيابةً، كالمعجوز عنه حسًّا.
فلا يصحُّ الاستئجارُ لقَلْع سِنٍّ صحيحةٍ.
أو استئجارُ حائضٍ إجارة عينٍ لأمورِ فِي المسجِدِ ممتنعةٍ عليها، حتى لو استأجَرَ عينَها لأمورٍ تحتاجُ إلى مُكْثٍ فِي المسجِدِ، أو تردد فيه فحاضتْ، انفسخ العقْدُ.
ولو استأجَرَ لِقلْعِ سِنٍّ متألمةٍ 1، فَسَكَنَ الوجَعُ انفسخَتِ الإجارةُ.
وما لا تدخُلُهُ النيابةُ مِن القُرَبِ المُفتقرةِ إلى النية لا يصحُّ الاستئجارُ عليه كالإمامةِ لصلاةٍ مفروضةٍ أو نافلةٍ.
ويستأجِرُ لفرضِ الكفايةِ [وإن تعيَّن على الأصحِّ، كتعليم مُعين وتجهيزِ ميتٍ، ولا يستأجِرُ لفرض الكفاية] 2 شائعًا: كالجِهادِ، فلا يُستأجرُ المسلمَ له.
والقضاءُ والتدريسُ والإقراءُ تصدِّيًا فهما 3 لغيرِ مُعين.
وأما الشِّعارُ غيرُ الفرضِ كالأذانِ، فيستأجِرُ له الإمامُ وغيرُهُ مِن المسلمين، ثُم إنِ استأجَرَ الإمامُ مِن بيتِ المالِ لم يفتقِرْ إلى بيانِ المُدةِ.. ذكره البغوِيُّ.
وليس لنا موضعٌ يُستأجَرُ فيه لعمل بِلا نِهايةٍ ولا مُدَّة إلا هذا، إذ الإجارةُ تُقَدَّر بعملٍ لهُ نِهاية كخياطةٍ أو بناءٍ أو بزمانٍ معينٍ، لكنْ لا يزيدُ على مدة بقاءِ
ذلك الشيء غالبًا.
وتنفسِخُ الإجارةُ بانْهِدام الدَّار.
ويثبتُ الخيارُ بانقطاع ماءِ الأرضِ المستأْجَرةِ للزِّراعةِ وبالغصبِ والإباقِ، وإن سَكَتَ وانقضَتِ المُدَّةُ لزمتِ الأجرةُ فِي الانقِطاع دون غيرِهِ، وكذا حُكْم بعضِها، وليس الخيارُ فِي ذلك ونحوِهِ على الفورِ.
ولا تنفسِخُ 1 الإجارةُ بالأعذارِ -كما إذا استأجر دابةً ليركَبَ عليها فمرِضَ- ولا بموتِ أحدِ العاقِدينِ إلَّا فِي أربعِ صورٍ:
1 - الموقوفُ عليه المؤجِرُ بطريقِ النظرِ المشروطِ له فِيما يتعلَّق بِهِ.
2 - والمُقْطعُ.
3 - والموصى له بالمنفعةِ حياتَهُ.
4 - والأجيرُ المُعينُ.
والمستأجرُ أمينٌ كالأجيرِ والحَمَّام.
وتستقرُّ الأجرةُ بالتَّسليم مَعَ 2 مُضيِّ المُدة، أو إمكانِ العملِ فِي إجارةِ الذِّمة أو الأجِيرِ للعمل 3.
وتستقِرُّ أُجرةُ المِثلِ فِي الفاسِدةِ، بما يستقِرُّ بِهِ 4 المُسمَّى فِي الصحيحةِ.
وإذا خاط قَبَاء وقال: "أذِنْتَ لي هكذا"، وقال صاحِبُهُ: "بل أذنتُ فِي قميصٍ"، فالقولُ لِصاحِبِهِ بيمينِهِ، فإذا حَلَفَ فلا أُجرةَ عليه، وعلى الخَيَّاطِ أرْشُ النقصِ.
ضابط فِي الإبدال:
مُتَعَلِّقاتُ الإجارة مستوفٍ، ومستوفًى منه، ومستوفَى به 1:
فالمستوفِي: يجوزُ إبدالُهُ بِمِثلِهِ وبأخفِّ منهُ.
والمستوفَى منه: المعين لا يُبدلُ وفِي الذِّمةِ يُبدل، وفِي الدابَّةِ المُعينة عما فِي الذمة تُبدلُ بالعيبِ والتوقُّف 2، وليس للمؤجِرِ الانفرادُ بذلك على ما صححوه، والنصُّ فِي "الأم": له ذلك، وهو الأرجحُ.
ويجرِي ذلك فِي تقدُّم المستأجِرِ بمنفعتِها عند الفَلَس.
وجزموا بجوازِ إجارتِهِ إياها، وبالاعتِياضِ 3 عن منفعتِها بعد تسلُّمِها 4، وقواعِدُ المذهبِ شاهدةٌ بمنعِهما.
والمستوفَى به: كالصبيِّ المُعَيَّنِ لِلإرْضاعِ لا يُبدلُ على النَّصِّ، ويَنفرِدُ
على هذا بالمِنْفعةِ دُونَ الورَثةِ لو ماتَ أبُوه المُستأجِرُ له المُرضعةَ، وقِيل: تكونُ مُوروثةً.
وقد صرَّحَ بالخلافِ فِي ذلك فِي نظيرِهِ فِي الخُلْعِ: المَاورْدِيُّ، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
باب الجِعالة
هي بكسرِ الجِيمِ.
وهي لُغةً: اسمٌ لِمَا يُجعَلُ للإنسانِ على شيْءٍ يَفعلُهُ، وكذا الجُعْلُ والجَعِيلةُ.
وشرْعًا: التزامُ مُطلَقِ التصرُّفِ عِوَضًا مَعْلُومًا، قابِلًا للمُعاوضةِ، على عَملٍ مُعيَّنٍ مَعلومٍ 1، أو مَجهولٍ، لِمُعيَّنٍ أوْ غيرِ مُعيَّنٍ.
وأصلُها مِنَ القُرآنِ قولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ 2﴾ 3 بناءً على أن شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا مَا لَمْ يَرِدْ ناسخٌ، وفيه اختلافُ تَرجيحٍ.
ومِنَ السُنةِ:
حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ -رضي اللَّه عنه- فِي رُقيةِ اللَّدِيغِ بالجُعْلِ على قَطيعٍ مِنَ
الغَنمِ، وأنَّه رَقاهُ بالفَاتحةِ مِرارًا حتى بَرِئَ، وأَعطَوْهُم جُعْلَهم، وأنَّهم لَمْ يَقسمُوه 1 حتى أتَوُا النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قالَ لهم: "قدْ أصبْتُمْ، اقسِمُوا 2 واضْرِبُوا لِيْ مَعَكُمْ سَهْمًا" رواهُ الصحيحانِ 3 وغيرُهما 4.
ويُستنبَطُ مِنه جَوازُ الجِعالةِ على ما يَنتفِعُ به المَريضُ مِن دَواءٍ أوْ رُقيةٍ ولَمْ أرَ مَنْ صرَّحَ بِه.
وأصلُ الجِعالةِ مُتفقٌ علَيه.
ومِنْ صُورِها 5: "مَن ردَّ عَبدِي"، أو: "بَنى لِي حَائطًا"، أوْ: "دَلَّنِي على مالِي" أوْ: "أخبَرَنِي بكذا" -عند القَفَّالِ خِلافًا لِلْبَغوِيِّ- أوْ: "رَدَّ عَبْدَ فُلانٍ":
فلَهُ عليَّ كذا.
ولا بُدَّ فِي الكُلِّ 1 أَنْ يكونَ العِوَضُ مَعْلُومًا 2 إلا فِي صُورةِ العِلْجِ، فسيَأتِي فِي السِّيَرِ.
وإنما يَستحِقُّ الجُعْلَ أو 3 حِصَّةً مِنَ المَردودِ عِنْدَ المُتولِّي مَن سَمِعَ النِّداءَ مِن المُلتزِمِ أوْ مِمَّنْ أَخبَرَ عنه إنْ صدَّقَه الأصْلُ 4.
ولَو كانَ السامِعُ صغيرًا أو مَجنونًا إذا عَمِلَ السامعُ العَملَ المَقصودَ بنَفْسِه أو بِوَكيلِه أوْ بِعَبْدِه أوْ بِمُعاوِنِهِ لَه خاصةً [مَعَ بَقاءِ العَقْدِ، ولا بَرَأَةَ بالقِراضِ إلا إذا سلَّمَ المضمونُ ثَمنَ ما اشْتراهُ على الأرْجَحِ] 5 ولو ردَّهُ 6 مَنْ كانَ فِي يَدِه كالآبِقِ لا كالدَّراهِمِ ونحوِها، أوْ دلَّه مَنْ ليس فِي يَدِه فِي صُورةِ مَنْ دلَّنِي.
ولَوْ عَمِلَ جَماعةٌ سامِعُونَ فهُو بَيْنَهم، فإنْ تَفاوَتَ جُعْلُهم، فلِكُلِّ قِسْطٍ جُعْلُهُ.
ويَستحِقُّ القِسْطَ مِن المُسمَّى فِي خَمْسِ صُورٍ:
1 - إحداها: إذا عاوَنَ 1 المعيَّنُ غيرَه، ولمْ يَقصِدْ 2 العمَلَ للْمُعيَّنِ.
2 - الثانيةُ: رَدَّهُ 3 مِن مَكانٍ أقْربَ مِن المُعينِ، ولا يُريدُ إنْ زَادَ.
3 - الثالثةُ: قال فِي عَبدَيْنِ: "مَنْ ردَّهُما فلَهُ كذا" فَردَّ واحدًا مِنْهُما، فلَهُ النِّصْفُ.
4 - الرابعةُ: خَاطَ نِصْفَ الثَّوبِ، ثُم احْتَرَقَ وهو فِي يَدِ المَالِكِ، فإنه يَستحِقُّ نِصْفَ المَشْروطِ.
صرَّحَ به ابنُ الصَّباغِ.
وقياسُه فِي الصبيِّ يُعلمُ بعضَ المَطْلوبِ، ثُم يَموتُ الصبيُّ أنه يَستحِقُّ القِسْطَ مِن المُسَمَّى خِلافًا لِقَوْلِهم: "يَستحِقُّ أُجْرةَ مِثْلِ 4 ما عَمِلَ".
5 - الخامسةُ: ماتَ العبدُ 5 أو المَالِكُ فِي أَثناءِ العَملِ، فالمُستحَقُّ القِسطُ حتى فِي ردِّ بَعضِ المَسافةِ إذا تَمكَّنَ صاحبُه منهُ بِسبَبِ ما سَبقَ مِنَ العَملِ.
وقِياسُه فِي المَالكِ إذا فَسَخَ فِي أثْناءِ العَملِ أنَّ العَاملَ يَستحِقُّ 6 القِسْطَ لِما مَضى، خِلافًا لِقَوْلِهم: "يَستحِقُّ أُجرةَ المِثْلِ".
وأمَّا فِي المُستقبَلِ، فلا شَيْءَ إن عَلِمَ بَالفَسخِ، ثُم عَمِلَ، وإنْ لَمْ يَعْلمْ حتَّى
تَمَّمَ 1 العَملَ، فإنْ كانَ مُعيَّنًا استحَقَّ على الأرْجحِ، وإنْ كانَ غَيرَ مُعيَّنِ وأَعلَنَ المَالِكُ النِّداءَ بالرُّجوعِ، فلا شَيْءَ لَه، وإلَّا فَلَهُ.
ذكرَهُ المَاورْديُّ والرُّويانيُّ.
وكذا الحُكْمُ فيما قَبْلَ العَملِ؛ خِلافَا لِمَا وقَعَ فِي" الشرحِ" 2 و"الرَّوضةِ" 3.
ويَستحِقُّ أُجرةَ المِثْلِ عِندَ فَسادِ العِوَضِ 4 أو 5 ذِكْرِ المُدةِ أو الفَسخِ بالتحالُفِ لِلاخْتلافِ فِي قَدْرِ المَشروطِ، والقَوْلُ لِلْعامِل بِيَمينِه فِي أنه سمِعَ النِّداءَ، والقَولُ لِلْمالكِ فِي أنَّه لَمْ يَعملْ، وأنَّ المَردودَ ليس هو المعيَّنَ، وأنه لَمْ يَشْتَرِطْ 6 شَيئًا، والمردودُ أمانة، ولو اتفقَ العامِل عليه لَمْ يَرجعْ.
والتحقيقُ: أنَّه يرجعُ إذا استأذَنَ الحاكِمَ أو ما فِي مَعناهُ، ومَتى رَفعَ يَدَه باختِيارِه عَنِ الضالَّةِ قَبْلَ التَّسليمِ ضَمِنَ، واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلَمُ.