كتابُ الأضحيةِ
هي بضمِّ الهمزةِ وكسرِها وتشدَّدُ ياؤُها وتخفَّفُ، ويقال: ضحيِّةٌ وجمعُها ضحايَا، وهي ما يُذبَحُ من النَّعمِ تقرُّبًا إلى اللَّهِ تعالى يومَ عيدِ النَّحرِ وأيامَ التَّشريقِ بقصدِ التضحية.
قال إبراهيم المَرْوَرُّوذيُّ: وهي مشتقَّةٌ من الضحوةِ، وهي اسمٌ لزمانٍ يعقبُ طلوعَ الشمسِ وارَتفاعِها، وقيل: مشتقة من الضحى، وهو مكانُ ذبحِها.
وقيل: إنَّما سُمِّيتْ أضحيةً لأنَّها تُذبحُ وقتَ شروقِ الشَّمسِ.
انتهى.
والأصل في الباب قبل الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ على أشهرِ الأقوال، وثبتتْ فيه أحاديث في الصحيحين وغيرهما.
هي سُنَّةُ كفايةٍ لغيرِ الحمل، وإنَّما تتعلقُ هذه السنة بالحرِّ المسلمِ القادرِ
الجزء: 4 - الصفحة: 263
عليها، ويعتَبَرُ اليسارُ عندَ جوازِ الذَّبحِ في يوم العيدِ.
ولا تلزمُ الأضحيةُ إلَّا بالنذرِ، بأن يقول: "جعلتُ هذه الشاةَ ضحيةً".
فإن قال: "الأضحية لازمة لي"، أو: "التزمتُ الأضحية" كانَ كفاية قطعًا، ولا تلزم إلَّا بالنيةِ.
ويكرهُ لمريدها إذا دخلَ عشر ذي الحجة، أو أرادها في أثناء العشرِ أن يزيل شعره أو ظفره أو شيئًا من بدنِه من جلدة ونحوها لغير حاجةٍ، بعذر، تشبُّهًا، حتى يضحِّي، وسُنَّ أن يذبحَها بنفسه إن أحسنَ الذبحَ، وإلَّا فليشهدها، ولا تصحُّ إلّا بالحيوان الزكوي، وهو الإبلُ، والبقرُ، والغنمُ 1.
وشرطُ الإجزاء في الإبلِ أن تَطْعَنُ في السادسةِ، وبقرٍ ومعز في الثالثة، وضأنٍ في الثانيةِ ما لم تجذع قبل ذلك، فإن أجذع قبل ذلك كان كافيًا، ويصحُّ بالذكرِ والأنثى والخصي.
ويجزئ البعيرُ عن سبعةٍ، والبقرةُ عن سبعةٍ، والشاةُ عن واحدٍ، وأفضلُها الإبلِ، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز 2.
والتضحيةُ بسبع شياه أفضلُ من بدنةٍ أو بقرةٍ، وشاةٌ أفضلُ من الشركة فيها.
وشرطُها سلامةٌ من عيبٍ يفسدُ اللحمِ، وينقصُ الثَّمن، فلا تجزئ العجفاءُ ولا مقطوعةُ بعضِ الأذنِ، ولا بعضُ الذنبِ، ولا بعضُ الضرعِ، ولا بعضُ الأليةِ، ولا بعضُ اللسانِ، ولا التي خُلِقتْ بلا أُذُنٍ 3.
ويستثنى منه ما إذا قُطِعَ بعضُ الأذنِ وبقيَ متدليًا، فإنَّه لا يمنعُ على
الجزء: 4 - الصفحة: 264
الأصحِّ.
ولا تجزئُ العرجاءُ البينُ عرجُها، والعوراءُ البينُ عورُها بذهابِ الحدقةِ، أو النور كله أو غطَى البياضُ أكثرَ الحدقةِ.
فأما ضعفُ البصرِ فلا يمنعُ.
ولا تجزئُ المريضةُ البيِّنُ مرضُها، ولا الجرباءُ البيِّنُ جربُها، كثيرًا كانَ الجربُ أو قليلًا.
وأمَّا التَّولاءُ، وهو المجنونةُ فإنْ كانتْ هزيلةً امتنعتِ الأضحيةُ بِها، إلحاقًا لها بالعجفاء.
وتجزئُ الأضحيةُ بالحامل على المنصوصِ ما لم يحصُل نقصٌ فاحشٌ، فإنْ نهكها الحملُ وتفاحشَ نقصان اللحمِ فهذه يمتنع الأضحية بِها.
ولا يضرُّ فقدُ قرونٍ، وكذا شقُّ أذنٍ وخَرْقُها وثقبُها في الأصحِّ، فإنِ انكسرَ القرنُ وأثَّرَ الانكسارُ في اللحمِ كانَ كالجربِ.
ويدخلُ وقتُ التضحيةِ إذا طلعتِ الشَّمْسُ بائنة يومَ النحرِ، ثم مضى قدرُ ركعتين وخُطبتين خفيفات، ويبقى حتى تغربَ آخرَ التشريقٍ، والسنَّةُ عندَ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه- التَّعجيلُ في صلاةِ النحرِ 4.
وإذا نذرَ بمعينة مُجزئة عن الأضحيةِ أو غير مجزئة، فقال: "للَّه عليَّ أَنْ أضحي بهذه" لزمَهُ ذبحها في هذا الوقتِ، وبعد أيام التشريقِ إذا أخَّرها عن هذا الوقت على النصِّ، فإن تلفت قبله فلا شيء عليه، وإن أتلفها لزمه أكثر الأمرين من قيمتها، وتحصيلُ مثلِها، ويذبَحُها فِي ذلكَ الوقتِ أو بعدَهُ إذا فاتَ كما تقدَّم 5.
الجزء: 4 - الصفحة: 265
وإن نذرَ في ذمتهِ لربِّه ذبحه فيه عيَّن أم لم يعيِّن، فإن فاتَ الوقتُ ضحَّى بعد ذلك الذي عيَّنه عن نذرِهِ الذي كانَ في الذِّمَّةِ، فإنْ بلغتْ قبلَ الذبحِ بقي الأصلُ عليهِ علَى المذهبِ، وإنْ تلفتْ بعد أيامِ التشريقِ مع إمكانِ الذَّبحِ في وقتِهِ فإنَّه يبقى الأصلُ قطعًا.
وتشترطُ النيةُ عندَ الذَّبحِ 6 إنْ لم يسبقْ تعيينٌ غيرُ موجبٍ، فإن سبقَ جازَ تقديمُ النيةِ على الذبحِ على الأصحِّ، وإن سبقَ تعيينٌ موجبٌ، لم يغنِ عن النيةِ على الأصحِّ، ويجوز بعدَهُ تقديمُ النيَّةِ على الذبحِ على الأصحِّ، ولو وكَّلَ بالذبحِ نوى عند إعطاءِ الوكيلِ أو ذبحه.
ويجوزُ من الوكيلِ ولو فوضَ النيةَ إلى الوكيلِ المسلمِ العاقلِ المميزِ الضَّاحي جاز.
وله الأكلُ من أضحيةِ التطوُّعِ، إذا لم يرتدَّ، فإن أرتدَّ لم يكنْ لهُ أَنْ يأكُلَ من أضحيتِهِ التي تطوَّع بِها قبلَ الرِّدَّةِ شيئًا، وله إطعامُ الأغنياء المسلمين ولا يمتنعُ تمليكُهم على ظاهرِ النصِّ 7.
وأما الأضحيةُ الواجبةُ بالنذرِ غير المجازاة في معين، فيجوزُ الأكلُ منها على قولِ أكثرِ الأصحابِ، وقال في "العدة" أنَّه المذهبُ.
ويأكُلُ المسلمُ من أضحيتِهِ التي تطوَّعَ بها ثلثها على الجديدِ، ونقلَ الماورديُّ عنِ القديمِ أنَّه يأكُلُ ويدَّخِرُ ويُهدي النصف، ويتصدَّقُ على الفقراءِ بالنصفِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 266
وأظهَرُ القولينِ: وجوب التصدُّق ببعضِها (1)، وهو الذي ينطلقُ عليه الاسمُ من اللحمِ لا الشيء التافه، والأفضلُ أن يتصدَّقَ بكلِّها إلَّا لُقَمًا يتبرَّكُ بأكلها، ويتصدَّقُ بجلدها أو ينتفعُ به.
وولد الأضحيةِ الواجبةِ بذبحٍ ولهُ أكلُ كلِّهِ، وإن منعنا الأكل من أمِّه؛ لأنَّه ليس بأضحيةٍ مستقلَّةٍ، والنذرُ إنَّما يتوجَّهُ إلى الأمِّ، وله شُرْبُ فاضلِ لبنِها، أي عن ولدِها، وعن القدر الذي ينهك لحمها، ولا يجوزُ للعبدِ ولا للمُدَبَّر ولا للمستولَدةِ الأضحية، فإن أذنَ السيِّدُ وقعتِ التضحيةُ عنهُ.
ولا يضحِّي المكاتَبُ بلا إذنٍ، ويضحي المبعَّضُ من الذي ملكه ببعضه الحرِّ.
ولا تضحية عن الغير بغير إذنِهِ إلا في مسائل:
أحدها: إذا كانتِ الشاةُ معيَّنةً بالنذرِ فذبحها أجنبيٌّ في وقتِ التضحيةِ، فالمشهورُ أنَّهُ تقعُ الموقعَ، فيأخذُ صاحبُ الأضحيةِ لحمها ويفرِّقُه، ولا يشترطُ ذبحُه؛ لأنَّ الذبحَ لا يفتقرُ إلى النيَّةِ.
الثانية: الولي إذا ضحَّى من مالِهِ عن الذي تحتَ حجرِهِ من الأطفالِ والسُّفهاءِ، والمجانين، فمقتضى نصِّ الشافعيِّ في "الأمِّ" الجوازُ 9.
الثالثةُ: الأضحيةُ الواقعةُ من واحدٍ في البيتِ، تحصلُ بها سنة الكتابة لأهلِ البيت، وإن لم يصدر من بقيةِ أهلِ البيتِ إذنٌ.
الرابعةُ: الإمامُ يضحِّي عن المسلمينَ من بيتِ مالِهِم، كما صرَّحَ به الماورديُّ.8
الجزء: 4 - الصفحة: 267
ولا تضحيةَ عن الميتِ مطلقًا على الأرجحِ الذي يقتضيه مذهبُ الشافعيِّ سواءٌ أوصَى بها أم لم يوصِ، خلافًا لما في "المنهاجِ" (1) تبعًا لأصلِهِ.
فرع
: العقيقةُ في اللغةِ كما قَالَ الأصمعيُّ: اسمٌ للشعرِ على رأسِ المولودِ، قال أبو عبيدٍ: وكذلك كلُّ مولودٍ من البهائمِ، فإنَّ الشعرَ الذي يكونُ عليهِ حينَ يولدُ يُسمَّى عقيقةً.
وهي في الشَّرعِ: اسمٌ لما يذبحُ يومَ حلقَ رأسِهِ تسميةً لها باسمِ ما يقارنها.
والأصلُ في العقيقةِ قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عن الغلامِ شاتانِ وعنِ الجاريَةِ شاةٌ" رواهُ أصحابُ السُّننِ الأربعةِ، وصحَّحه الحاكمُ وابنُ حبَّان 11.
والسُّنَّةُ أن يعقَّ الأصلُ عن فرعِهِ بشاتينِ 12، إن كانَ المولودُ ذكرًا، أو بشاةٍ عن الأنثى، وأولى الأصولِ بالفرعِ الأبُ، ثم أبوهُ، ثم الجدُّ للأمِّ.
ولو ذبحَ الأبعدُ معَ وجودِ الأقربِ ويسارِهِ وقعَ ذلك الموقع، ولو كان الأصلُ كافرًا والمولود مسلمًا بإسلامِ أمِّهِ مثلًا، أو كانَ الجدُّ قد أسلَمَ وله ولدٌ بالغٌ لم يُسلمْ، ثم حصلَ للولدِ الكافرِ ولدٌ، فإنَّه يتبعُ الجدَّ في الإسلامِ، ويُسنَّ لأبيهِ أن يعقَّ عنهُ كما يتعلَّقُ به إخراج زكاةِ الفطرِ عنهُ على الأصحِّ.
ولا بدَّ في المولودِ أن يكون حرًّا ينسبُ إلى أصلِهِ، فلو كان رقيقًا فلا تتعلَّق سنَّةُ العقيقةِ لوالدِهِ؛ لأنَّه لا تلزمهُ نَفَقَتُهُ ولا بمالكهِ؛ لأنَّه لا ينتسبُ لصاحبِ10
الجزء: 4 - الصفحة: 268
الفراشِ، فلا تسنُّ فيهِ عقيقةٌ لصاحبِ الفراشِ فلا يسنُّ ولكن يسنُّ لأمِّه أن تعقَّ عنهُ إذا كانتْ نفقته تلزمها.
ولو عقَّ عنِ الغلامَ بشاةٍ كانَ آتيًا بأصلِ السُّنَّةِ، والسنةُ في الشاتينِ أن تكونَا متكافئتين، وينبغي أن تتأدَّى السُّنةُ بسُبْعِ بقرةٍ، أو بدنةٍ.
والقولُ في سنِّ الشاةِ وسلامَتِها والأكلِ والتصدُّقِ منها، كما في الأضحيةِ، لكنْ يستحبُّ إعطاءُ الرِّجْلِ للقابلةِ، ويُعطَى منها للجزَّارِ، ويملِكُ الأغنياءُ ما يهدى لهم من العقيقة، بخلافِ الأضحية، فخرجتِ العقيقةُ عنِ الأضحيةِ في التثليثِ والأكلِ، وفيما ذُكرَ.
ويسنُّ أن يطبخُ من لحمها طبخًا حلوًا تفاؤلًا بحلاوةِ أخلاقِ الولدِ، ولا تكسرُ عظامُها تفاؤلًا بسلامةِ أعصابِهِ.
ويسنُّ أن تذبحَ يومَ سابعِ ولادتِهِ 13، فإنْ وُلدَ قبلَ الفجرِ فذلك اليومُ يحسبُ، وإن ولدَ بعد الفجرِ فلا يحسبُ، ويسمَّى في السَّابعِ من ولادتِهِ، ويستحبُّ أَنْ يبدأ بحلقِ رأسِهِ فيه، ثم يذبحُ على المنصوصِ.
وقطعَ به جماعةٌ، فهو المذهبُ.
ويسنَّ أن يتصدَّقَ بزنةِ شعرِهِ ذهبًا أو ورِقًا 14 وأن يؤذَّنَ في أذنِهِ اليمنى حينَ يولد، ويقيم في اليُسرَى، ويحنَّكَ بتمرٍ، فإن لم يكنْ تمرٌ فشيء آخرُ حلوٌ ولو قيل: إن وجد رطبًا حنَّك به، لكان مناسبًا، كحال الصائم، والتحنيكُ مختصٌّ بالصِّبيانِ، فلم يجئ في السُّنَّةِ تحنيكُ الإناثِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 269
ويستحبُّ 15 أن يكونَ التَّحنيكُ بوترٍ من واحدةٍ أو ثلاث، وأن يكونَ المحنِّكُ من الصالحينَ، فإن لم يكنْ رجلٌ فامرأةٌ صالحةٌ.
الجزء: 4 - الصفحة: 270
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ