3 - الثالِثةُ: كلُّ مَن أَدْلَى بِوَاسطةٍ حجَبتْهُ تِلكَ الواسِطةُ إلَّا أولادَ الأمِّ.
4 - الرابعةُ: مَن أَدْلَى بأَبَوينِ مُقدَّمٌ 1 عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأبٍ إذا كانَا مُتَساوِيَيْنِ 2 فِي الرُّتبةِ.
5 - الخامسُ: البعيدُ مِن الجِهةِ المُقدَّمةِ 3 مُقدَّمٌ عَلَى القَريب مِنَ الجِهةِ المؤَخَّرةِ، فإنِ اتحدَتِ الجِهةُ قُدِّمَ الأَقْربُ، فيُقدَّمُ 4 ابنُ أخٍ 5 لِأبٍ عَلَى ابْنِ 6 أخٍ شَقيقٍ -عَلَى المَذْهبِ- وكذلكَ فِي بَنِي العَمِّ.
6 - السادسةُ: كلُّ عصَبةٍ يحجُبه أصحابُ الفُروضِ المستغرِقةِ مَا لَمْ يَنقلِبْ إلَى الفَرْضِ كما تقدَّمَ.
وأقْوَى العَصَباتِ: الابنُ ثُم ابنُهُ وإن سَفَلَ، ولا يَرِثُ مع 7 ذَكَرٍ مِنْ هذِه الجِهَةِ أحَدٌ مِن غَيرِ جِهَتِه بالتَّعصِيبِ مُطْلقًا, ولَا بالفَرضِ إلَّا الأبَوَانِ والجَدَّانِ والزَّوجَانِ، ثُم بَعدَ جِهةِ البُنُوةِ أقْوَى العصَباتِ الأَبُ، وهُو حَاجِبٌ لِلجَدِّ، ويستوِي الجَدُّ والأخُ العاصِبُ، ويُقَدَّم أخٌ شقيقٌ على أخٍ لِأبٍ.
فالأخُ 1 الشقيقُ يحجُبه ثلاثةٌ: الابنُ، وابنُ الابنِ وإن سَفَلَ، والأبُ.
وأمَّا الأخُ لِلْأبِ: فيحجُبه هؤلاءِ، والأخُ الشَّقيقُ وكذا أختٌ شَقيقةٌ مَعَ مَن ذَكَرْنَا فِي التعصِيبِ مَعَ غَيرِه، وكذا فِي بَعضِ مَسائِلِ الجَدِّ والإخْوَةِ.
وأمَّا الأخُ لِلأُمِّ: فلَا يرِثُ إلَّا عِندَ الكَلالَةِ، وهُو فقْدُ الأصْلِ الذَّكرِ 2 والفرعِ مُطْلَقًا، فيَحجُبه ستةٌ: الأبُ، والجَدُّ وإنْ عَلَا، والابنُ، والبنتُ، وابنُ الابنِ، وبنتُ الابنِ، وإنْ سَفَلتْ.
وأمَّا ابنُ الأخِ الشَّقيقِ: فيَحجُبه كُلُّ مَنْ يحجُبُ الأخَ لِلْأبِ، ويحْجُبُه أيضًا الجَدُّ والأخُ لِلْأبِ [وإذا سَفَلَ حَجَبه العالِي مِنْ بَنِي الأخِ لِلْأبِ كمَا سَبق.
وأمَّا ابنُ الأخِ لِلْأبِ 3: فيَحجُبه كلُّ مَن يَحجُبُ ابنَ الأخِ الشَّقيقِ، ويَحجُبه ابنُ الأخِ الشَّقيقِ] 4.
والعُمومةُ مؤخَّرةٌ عَن عصَبةِ بَنِي الأخْوةِ مُطْلقًا، وقِسْ على ما سَبق العَمَّ وابنَه، ثُم عَمَّ الأبِ، وابنَه، ثُم عَمَّ الجَدِّ، وابنَه، والجَدَّةُ أمُّ الأُمِّ: لَا يَحجُبُها إلَّا الأمُّ، ومِنْ جِهةِ الأبِ تَحجُبُها الأمُّ والأَبُ.
والقُرْبى مِن كلِّ جِهةٍ تَحجُبُ البُعدَى مِن تِلْكَ الجِهَةِ.
والقُربَى مِن جِهةِ الأُمِّ تَحجُبُ البُعدَى مِن جِهَةِ الأَبِ.
والقُرْبى مِنْ جِهةِ الأبِ لا تَحجُبُ البُعْدَى مِن جِهَةِ 1 الأمِّ عَلَى الأَظْهَرِ.
وكذَا لَا تَحجُبُ القُرْبى مِن جِهةِ آباءِ الأَبِ البُعْدَى مِن جِهةِ أُمهاتِ الأبِ عَلَى مَا ذكَرهُ البَغوِيُّ.
وبنتُ الابْنِ يَحجُبُها الابنُ، وتَسقُطُ ببِنتينِ 2 إنْ لَم تُعصَّبْ، وحُكمُ مَنْ سفَلَ مِنهُنَّ تُقدَّمٌ 3.
والأختُ الشَّقيقةُ يَحجُبُها مَن يَحجُبُ أخَاها إلَّا أنَّها لَا تُحجَبُ بفُروضٍ مُستغرِقةٍ حيثُ فُرضَ لَها، وكذَا الأختُ لِلْأبِ، وتَسقطُ بأُختَينِ شَقيقتَينِ إنْ لَمْ تُعصَّبْ، وفِي بعضِ مسائِلِ الجَدِّ والإخْوةِ.
والأخْتُ لِلأُمِّ يَحجُبها مَن يَحجُب أخَاها.
وذُو الوَلاءِ يتأخرُ عَن عصَباتِ النسَبِ والفُروضِ المُستغرِقةِ، فلَا شَيءَ لَه حِينئذٍ.
وأمَّا مَن لا عصَبةَ لَه مِن النَّسبِ فإنَّ مالَه أوِ الفاضلَ عَن الفُروضِ لِذَوي وَلائِه.
والوَلاءُ (1) نَوعانِ: مُباشَرةٌ وانجِرارٌ:
ولا يُتصورُ ثُبوتُ ولاءِ الانجِرارِ عَلَى مَن ثَبتَ علَيه ولاءُ المباشرةِ، والوَلاءُ فِي النَّوعَينِ لا يُورثُ وإنما يُورثُ بِه.
فمَن عَتَقَ بالمُباشَرةِ بِتَنجيزٍ (2) أوْ تعليقٍ أو كِتابةٍ أوْ بيعِه مِن نفْسِه أوْ بالتَّبعِيَة كالحَمْلِ بعِتقِ الأُمِّ فمِيراثُهُ بالشَّرطِ السَّابِقِ لِمُعتقِهِ رَجُلًا كانَ أوِ امرأةً.
ولَا تَرثُ امرأةٌ (3) بوَلاءٍ إلَّا مِن عَتيقِها أوْ مِمَّنْ تَنتمِي إلَيه بنَسبٍ أوْ ولَاءٍ، فإنْ لَمْ يَكنِ المُعتِقُ مَوجُودًا أو قامَ بِه مَانعٌ فالمِيراثُ [لمُعْتِقِ المُعْتِقِ، ثُمَّ] (4) لِعصَبتِهِ الذِينَ يتَعصَّبُون بأنفُسِهِم.
وترتيبُهم هُنا كمَا سَبقَ فِي النَّسبِ إلَّا فِي خَمسِ مَسائلَ:
إِحدَاهَا: أخُو المُعتِقِ شقيقُهُ أوْ لِأَبِيه مُقدَّمٌ هُنا عَلَى الجَدِّ.
الثَّانيةُ: ابنُ الأخِ المذكورُ مقدَّمٌ عَلَى الجَدِّ هُنا عَلَى الأصحِّ.
الثَّالثةُ: العَمُّ الشَّقيقُ أو لِلْأبِ مُقدَّمٌ عَلَى أبِ الجَدِّ نَصَّ علَيهِ.1234
الرَّابعةُ: ابنُ العَمِّ المَذكورِ يَنبغِي أَنْ يُقدَّمَ عَلَى 1 أبِ الجَدِّ، قُلتُه تَخرِيجًا.
الخامسةُ: ابنُ عَمٍّ عاصِبٍ أخٌ لِأمٍّ مُقدَّمٌ 2 عَلَى ابنِ عَمٍّ فِي رُتْبتِه لَيس أخًا لِأمٍّ فإِن لَمْ يُوجَدْ أَحدٌ مِن عصَباتِ المُعتِقِ أوْ وُجِدَ 3 وقامَ بِه مَانعٌ فَالمِيراثُ لِمُعتِقِ المُعتِقِ ثُم لِعصَباتِه 4 كذلكَ.
فإنْ لَم يوجَدْ أَحَدٌ لجِهةِ 5 ولاءِ المُباشَرةِ فالمِيراثُ 6 لِبيتِ المَالِ.
فإنْ لَمْ يَكنِ المَيِّتُ عَليه وَلاءُ مُباشرةٍ ولَكنْ أصْلُه علَيه وَلاءٌ فالمِيراثُ لِمعتِقِ أَصلِهِ إذًا كانَ الرِّقُّ مسَّ أَحدَ آباءِ المَيتِ دُونَه، ويَثبتُ 7 الوَلاءُ فِي هذَا لِمُعتقِ الأُمِّ.
فإنْ عَتَقَ الأبُ انجرَّ الولاءُ مِن مَوالِي الأُمِّ إلَى مَوالِي الأبِ، وكذا لَو أُعتِقَ 8 الجَدُّ دُون الأبِ، فإنَّه يَنجرُّ إلَى مَوالِي الجَدِّ.
ويُقدَّمُ فِي ذلك الأقربُ فالأقربُ.
وعندَ الاسْتواءِ يُقدَّمُ مُعتِقُ الذَّكَرِ عَلَى مُعتِقِ الأُنثَى.
ولَو مَلَكَ الوَلَدُ أبَاه فعَتَقَ علَيه جَرَّ وَلاءَ إخْوَتِه دُون نفْسِه عَلَى المَنْصُوصِ.
ضَابطٌ:
لا يُتصورُ أَنْ يكُونَ الوَلَدُ حُرًّا أصْليًّا لَا ولَاءَ علَيه، والأبَوَانِ رقِيقَانِ 1 إلَّا فِي ثَلاثِ صُورٍ:
1 - السَّبيُ: بِأنْ يُسترَقَّ الأبَوانِ والأَولادُ أَحْرارٌ.
2 - والغُرورُ: بأنْ يُغَرَّ عَبدٌ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ، فأَوْلادُه قَبْلَ العِلْمِ بالحَالِ أَحْرارٌ.
3 - وفِي اللَّقِيطة 2 يُغَرُّ بالرِّقِّ بعْدَ الوِلادَةِ كمَا سَبقَ.
تنْبيهٌ: يَتعلقُ بِالولَاءِ بِنتٌ وابنٌ مَلَكَا أبَاهُما فَعَتَقَ علَيهِما، ثُم اشْتَرى الأبُ عَبْدًا وأَعْتقَه، وماتَ الأبُ ولَمْ يُخلِّفْ إلَّا البِنتَ وحْدَها، فلَها مِن مَالِه النِّصفُ والرُّبُعُ والثُّمُنُ عَلَى الأصحِّ.
ولَوْ مَاتَ الأخُ أوِ العَتيقُ، ولَمْ يُخلِّفْ إلَّا البنتَ المَذكُورةَ فلَها مِن مِيراثِه النِّصفُ، والرُّبُعُ عَلَى المَشْهُورِ، وضعِّفَ مَا فِي "البُويطِي" مِنْ أنَّ لَهَا مِن مَالِ أَخِيها النصفَ والرُّبُعَ والثُّمنَ.
ولو مَلَكَ أُختانِ أُمُّهما، ثم الأُمَّ، وأجنبي الأبَ وأعتقاه، ثم ماتت إحدى الأختين ولم تُخلِّفْ إلا أختَها والأجنبيِّ، فلأخْتِها ثلثا 1 مالِها والثلثُ للأجنبيِّ عند المحقِّقِين.
وقيل: خمسةُ أَسباعِه لِلأُخْتِ، وسُبُعَاهُ لِلَأجْنَبيِّ.
وقال ابنُ الحَدَّادِ: لِلأُخْتِ النصْفُ والثُّمُنُ، ولِلْأَجْنَبيِّ الرُّبُعُ.
وأمَّا الثُّمُنُ الزَّائِدُ فلِبَيتِ المالِ، ونُقِلَ عَن الأكْثَرِ.
فصل في الجد والإخوة أشقاء أو لأب
إنْ لمْ يكُنْ معَهُم ذُو فَرضٍ، وكانُوا دُونَ مِثْلِ 1 الجَدِّ، فالقِسْمةُ خَيرٌ لَه، وذلكَ فِي خَمْسِ صُورٍ:
أختٌ، أخٌ، أُختانِ، أخٌ وأختٌ، ثلاثُ أخَوَاتٍ، والكُلُّ أشِقَّاءُ، أوْ لِأبٍ، أوْ مِن الجِهَتَينِ، وهُو مَع الأُختِ، وإنْ تَعددتْ هُنا بمَنزِلَةِ أَخِيها، وإنْ كُانُوا مِثْلَيه استَوى لَهُ الثُّلُثُ والمُقَاسَمَةُ 2.
وذلكَ فِي ثَلاثِ صُورٍ: أخَوانِ، أخٌ، وأُخْتانِ، أربعُ أخَواتٍ، وإنْ زادُوا عَلَى مِثْلَيْه، ولَا تَنحصِرُ صُوَرُهُ فُرِض لَه الثُّلُثُ.
وأمَّا الإِخوةُ فإنْ كانَ فِي الأشِقاءِ ذَكَرٌ فلَا شَيْءَ لِأَحَدٍ مِنَ الأخْوةِ لِلْأبِ 3 ولَكنْ يُعِدُّهُمُ الشَّقيقُ عَلَى الجَدِّ لِينقصَ حَظَّ الجَدِّ فِي القِسْمةِ.
وإنْ لَمْ يكنْ فِي الأشِقَّاءِ ذَكَرٌ وأَخَذَ الجَدُّ حِصَّتَه كَمُلَ لِلشقيقةِ النصفُ، والباقِي لِلإخوَةِ لِلأب الذَّكَرِ أو الذُّكورِ بالسَّوِيَّةِ، وكذَا 4 الأُنْثَى، أوِ الإناثُ.
وعِندَ اجْتِماعِهم للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، ويكمِلُ للشَّقِيقَتَينِ الثُّلُثَينِ، ولا
يفضُلُ عَن ذلك شَيءٌ، وإنْ كان مَعهُم ذُو فَرضٍ أُعطِيَ فَرْضَه 1. ولِلْجدِّ خَيرُ الأُمورِ الثَّلاثَةِ وهِيَ سُدُسُ جَميعِ المَالِ، وثُلُثُ مَا يَبْقَى، والمُقاسَمةُ مَعَهُم 2 عَلَى ما سَبقَ، فإنْ لَمْ يَبقَ بَعدَ الفَرضِ إلَّا السُّدسُ أو دُونَ السُّدُسِ أوْ لَمْ يَبقَ شَيءٌ فُرضَ للْجَدِّ السُّدسُ وسَقطَتِ الإخْوةُ والأَخَواتُ إلا فِي صُورةٍ واحدةٍ، وهِي الأكْدَرِيَّةُ 3.
وصورَتُها: زَوجٌ، وأمٌّ، وجَدٌّ، وأُختٌ واحدةٌ شقِيقةٌ، أو لِأبٍ: فلِلأمِّ الثُّلثُ، ولِلزَّوجِ النَّصفُ، ولِلْجدِّ السُّدُسُ، هذا مُقتضَى 1 الأصْلِ، لكِن مُقتضَى آيةِ الصَّيفِ 2: أنَّ لِلْأخْتِ النِّصفَ، فيُفرضُ لَها، وتُعالُ المَسألةُ إلى تسعةٍ 3، ثم يُضمُّ نصِيبُ الجَدِّ إلى نصِيبِ الأخْتِ ويقسمانِهِ 4 للجَدِّ مِثْلَا حظِّها، وتصحُّ مِن سَبعةٍ وعِشرينَ، ولِذلكَ كدَّرتِ الأصلَ السَّابقَ 5. = للأخت أيضًا والجد يأخذ سدسًا عائلًا وهو واحد، وكذا الأم، وإنما جعلوا للأم السدس كيلا يفضلوها على الجد.
.................................. = ولكن زيد بن ثابت -رضي اللَّه عنه- خالف القاعدة وفرض للأخت النصف، وأعال المسألة من 6 إلى 9، ثم ضم سهام الأخت إلى الجد وقسّم السهام بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وبهذا أخذ مالك والشافعي -رحمهما اللَّه.
للزوج: النصفُ فرضًا لانعدام الفرع الوارث مطلقًا, وللأم الثلث فرضًا لانعدام الفرع الوارث مطلقًا والعدد من الإخوة، وللجد: السدس، وهو الباقي من التركة، والأخت لأب: النصفُ فرضًا لانفرادها وانعدام من يعصبها أو يحجبها.
وأصل المسألة: 6، وعالت إلى 9.
فللزوج: 3 أسهم، وللأم: سهمان، وللجد: سهم واحد، والأخت لأب: 3 أسهم.
فمجموع سهام الجد والأخت 4، للجد حصتان، وللأخت حصة واحدة، والملاحظ أن عدد الأسهم 4 لا يقبل على عدد الرؤوس 3، ونلاحظ أن بين 4 و 3 تنافرًا، فنصحح المسألة فنضرب عدد الرؤوس 3 في أصل المسألة بعد العول 9 فيصبح أصل المسألة الجديد هو: 27.
فللزوج 9: أسهم، للأم 6: أسهم، للجد 8: أسهم، للأخت 4: أسهم.
وبجمع نصيب الجد والأخت 12 يقتسمانه: للذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون للجد 8 أسهم، وللأخت 4 أسهم.
ملاحظة: إذا بدّل أحد الورثة الآخرين خرجت عن حكم المسألة الأكْدَرية، ويمكن أن تكون بدل الأخت لأب أختًا شقيقة، وقد قيل في المسألة الأكْدرية في الألغاز الفقهية: بدأ أهل ميت يقسمون تركة ميتهم، فأقبلتْ عليهم امرأة فقالت:
ما بال قوم غدوا قد مات ميتهم... فأصبحوا يقسمون المال والحللا
فقالت امرأة من غير عترتهم... ألا أخبِّركم أعجوبة مثلا
في البطن مني جنين دام يشكركم... فأخروا القسم حتى تعرفوا الحملا
فإن يكن ذكرًا لم يعط خردلة... وإن يكن غيره أنثى فقد فضلا
بالنصف حقًّا يقينًا ليس ينكره... من كان يعرف فرض اللَّه لا زللا
إني ذكرت لكم أمري بلا كذب... فلا أقول لكم جهلا ولا مشكلا
ولَوْ كانَ هُناكَ أُختانِ لَمْ تَكنْ أكْدريَّةً 1، إذْ يَحجُبانِ الأُمَّ مِن الثُّلُثِ إلَى السُّدسِ، فلِلجَدِّ حينئذٍ خيرُ الأُمورِ الثَّلاثةِ، ولا عَوْلَ.
فصل في تأصيل المسائل وتصحيحها
إنْ لَمْ يَكنْ 1 فِي المَسألةِ صاحبُ فرضٍ ولا عِتْقٍ، فالأصلُ يُعرفُ مِنَ الرُّءُوسِ مِنْ واحدٍ أوْ أكْثَرَ 2.
وعِند اجتماعِ الذُّكورِ والأناثِ يُفرَضُ كُلُّ ذَكَرٍ اثنين 3.
ففي 4 ابْنٍ وبِنْتٍ مَثلًا أَصلُها مِن ثَلاثَةٍ 5.
وأمَّا الوَلاءُ فإنْ لَمْ يَتفاوتْ فعَدَدُ رُءُوسِ المُعتَقِين أصلُ المسألةِ ذُكُورًا كانُوا أوْ إِناثًا أو مُجْتَمِعينَ، وإن 6 تَفاوتَ فَأصْلُ المَسألةِ مِنْ مَخارجِ المَقاديرِ كالفُروضِ، ولَمْ يَذكرُوهُ.
ثُم فِي الحالتَينِ يُنَزَّلُ كلُّ واحدٍ مِمَّنْ يَرثُ بالوَلاءِ كأصْلِه، ويُعرفُ ذلكَ بِمَخارجِ المَقادِيرِ.
ثُم بالقِسمةِ عَلَى عَددِ رُءوسِ كُلِّ جِهَةٍ.
وإنْ كانَ فِي المسألةِ صَاحبُ فرضٍ، فأصلُها مِن مَخرجِ ذلك الفَرضِ.
والمَخرجُ عِبارةٌ عَن عَددِ واحدِ 1 ذلك الفَرْضِ: فمَخرَجُ النصفِ مِن اثنَينِ والثُّلُثِ والثُّلُثَينِ مِن ثَلاثةٍ، والرُّبُعِ مِن أرْبعةٍ، والسُّدُسِ مِنْ سِتةٍ، والثُّمنِ مِن ثَمانيةٍ، وكذَا كُلُّ كَسْرٍ فالخُمُسُ مِنْ خَمسةٍ، والسُّبُعُ مِن سَبعةٍ، والتِّسعُ مِن تِسعةٍ، والعُشرُ مِن عَشرةٍ.
وإنْ 2 كانَ فِي المَسألةِ فَرضانِ فَأكثرُ فعِندَ تَماثُلِ المَخرجَينِ، يُكتفَى بِواحدٍ وعِند التَّداخُلِ يُكتفَى بِالأكثَرِ، وكذَا يُكتفَى بِه فِي زَوجةٍ وأُمٍّ وأَبٍ، فأَصْلُها مِن أرْبعةٍ، وعنْدَ التوَافُقِ يُضربُ وَفْقَ أَحدِهِما فِي الآخَرِ، [فالمُرْتفِعُ مِن الضرْبِ أصْلُ المَسألةِ، وعنْدَ التَّبايُنِ تَضرِبُ أحدَهُما في الآخَرِ] 3 فمَا بلَغَ فهُو أصْلُها، فالمُتماثِلانِ أَمْرُهُما 4 ظاهرٌ.
ومِن أمثِلةِ ذلكَ نِصفٌ، ونِصفٌ فِي زَوجٍ، وأختٍ شقيقةٍ، أو لأبٍ، وثلثٌ وثُلثانِ فِي شَقِيقتَينِ وأخَوَينِ لِأُمٍّ.
والمُتداخِلانِ عَددانِ يَفنَى أكثرُهما بإسقَاطِ أقَلِّهما منه مرَّتَينِ فأكثرَ [أوْ يُساوِيه بِزيادةِ الأقَلِّ علَيه مَرتينِ فأكثرَ] 5، كما في مَخرجِ السُّدسِ والنِّصفِ فالأصْلُ سِتةٌ.
والمُتوافقانِ عدَدَانِ قَلِيلُهما فَوقَ 1 نِصفِ كَثِيرِهِما ويُوافقُه بِجُزءٍ 2 صَحيحٍ كَسِتَّةٍ وثَمانِيَةٍ.
والمُتبايِنَانِ مَا لَا مُوافقَةَ بينَهُما بجُزءٍ صَحيحٍ، كثَلاثةٍ وثَمانيةٍ.
وجُملةُ أُصولِ مَسائلِ الفُروضِ سَبعةٌ عنْدَ المُتقدِّمينَ وتِسعةٌ عندَ المُتأخِّرينَ فالمُتفَقُ علَيه: اثْنانِ وثلاثةٌ وأرْبعةٌ وسِتَّةٌ وثَمانيةٌ واثْنَا عَشرَ وأرْبعةٌ وعِشرونَ.
وزَادَ المُتأخِّرونَ ثَمانيةَ عَشرَ وسِتةً وثَلاثِينَ فِي الجَدِّ والإخوَةِ:
فالأوَّلُ فِي كُلِّ مَسألةٍ فِيها 3 سُدُس وثُلُث ما بَقِيَ.
والثاني فِي كُلِّ مَسألةٍ فِيها رُبُع وسُدُس وثُلُث ما بَقِيَ.
واستصوبَ الإمامُ والمُتولِّي طَريقةَ المتأخِّرينَ، وهِي حَسنةٌ مُختارةٌ.
والذي يَعُولُ مِن هذِه الأُصولِ ثلاثةٌ: السِّتةُ وضِعفُها، وضِعفُ ضِعفِها، فالستةُ تُعُولُ إلى سبعةٍ كزَوجٍ وشَقِيقَتَينِ، وإلى ثَمانيةٍ كهؤُلاءِ مَع أُمِّ، وإلى تِسعةٍ كالجَميعِ مَع أَخٍ لِأُمٍّ، وإلى عَشرةٍ كالمُتقدّمين بِزيادةِ أخٍ لِأُمٍّ، وتَعولُ الستةُ بالأَوتارِ والأشْفَاعِ.
وأمَّا ضِعْفُها وهو اثنا عشرَ، فلَا يَعولُ إلَّا بالأَوتارِ إلَى ثلاثةَ عشرَ، كزَوجةٍ وأُمٍّ وشَقِيقَتَينِ، وإلَى خَمسةَ عشرَ، كهؤُلاءِ مَع أخٍ لِأُمٍّ، وإلى سَبعةَ عشرَ وهو
نِهايةُ عَولِها كالمُتقدمين بزيادةِ أخٍ لأمٍّ 1.
وأمَّا ضِعْفُ اثنَي عشرَ وهو أربعةٌ وعِشرونَ فَلا يَعولُ إلا مرةً واحدةً إلى سَبعةٍ وعشرينَ كما فِي "المِنْبريةِ" التي قالَ فِيهَا أَميرُ المُؤمنينَ علِيٌّ -رضي اللَّه عنه- صارَ ثُمُنها تُسعًا وهي بِنتانِ وأبَوانِ وزَوجةٌ.
فإذَا عَرفتَ أصْلَ المسألةِ وانْقسمَت 2 السِّهامُ 3 على المُستحقِّينَ لَمْ يُحتجْ إلَى التصحيحِ 4.
وإنْ لمْ تَنقسِمْ فإمَّا أن يَنكسِرَ عَلَى فَريقٍ أوْ فَريقَينِ أوْ ثلاثةٍ أوْ أربعةٍ ولا يَزيدُ الكَسرُ على ذلكَ.
فإنِ انكَسرَ عَلَى فَريقٍ، فلَا نَظرَ بَيْنَ سِهامِهم ورُءوسِهم إلَّا بالتوَافُقِ 5 أوِ التَّبايُنِ.
فعِندَ التَّوافُقِ: تَضربُ وَفْقَ الرُّءوسِ فِي أصْلِ المَسألةِ مع عَوْلِها، إنْ كانَتْ عَائلةً، فمَا بلَغَ مِنه 6 تَصحُّ، كأُمٍّ وأَربعةِ أَعْمامٍ، لَها الثُّلُثُ، ومَخْرجُه
مِن ثَلاثةٍ لَها واحدٌ مِن الثَّلاثةِ، والباقي سَهمانِ عَلَى أرْبعةِ أعْمامٍ، لَا تَصحُّ، ولكِن يُوافِقُ بالنِّصفِ، فتَضربُ وَفْقَ الرُّءوسِ، وهُو اثنانِ فِي ثلاثةٍ بِستةٍ، ومِنها تَصحُّ لِلأُمِّ سَهمانِ ولِكلِّ عَمٍّ سَهمٌ.
ومِثالُ التبايُنِ أمٌّ وخَمسةُ أعمامٍ.
وإنْ وَقَعَ الكسْرُ عَلَى فَريقَينِ، فالنظرُ بَين السِّهامِ والرُّءوسِ بما سَبَقَ، فعندَ التوافُقِ تَرُدُّ المُوافِقَ إلى وَفْقِه، وتَترُكُ المُبايِنَ 1 بِحَالِه، ثُم تَنظُرُ فِي الوَفْقِ 2 وغيرِه بالأعمالِ الأربعةِ السابقةِ.
فعِندَ التَّماثُلِ تَكتفِي بوَاحدٍ، وعِنْدَ التَّداخُلِ بالأكثَرِ، وعِندَ التَّوافُقِ يُضرَبُ وَفْقُ أَحدِهِما فِي الآخَرِ، وعِندَ التبايُنِ تَضربُ أَحدَهُما فِي الآخَرِ، ثُم تَضرِبُ المِثْلَ أوِ الأكثَرَ أوِ الحاصِلَ مِن الضَّربِ فِي أصْلِ المَسألةِ بِعَوْلِها إنْ كانتْ عائلةً فَما بلَغتْ 3 فمِنه 4 تَصحُّ.
ويُقاسُ بِذلكَ مَا 5 إذَا انْكسرَتْ 6 عَلَى ثَلاثِ فِرَقٍ أوْ أرْبَعٍ وعِندَ 7
حُصولِ التَّوافُقِ فِي كُلِّ الفِرَقِ طَريقَانِ.
قال البَصريونَ: تَقِفُ أحدَهُما وتَرُدُّ مَا عَدَاه إلى الوَقْفِ، ثُم تَنظرُ فِي الأوْقافِ بِالأعمَالِ الأرْبعَةِ السَّابقَةِ 1، ويُضرَبُ 2 الحَاصِلُ [فِي العدَدِ المَوْقُوفِ، ثُم الحَاصِل] 3 فِي أصْلِ المَسألَةِ بِعَوْلِها 4.
وقالَ الكُوفيونَ: يُقابَلُ بَيْنَ العَددِ المَوْقوفِ، وبَيْنَ آخَرَ، ويُضرَبُ وَفْقُ أحدِهِما فِي جَميعِ الآخَرِ، ثُم يُقابَلُ الحاصلُ بعَددٍ ثالثٍ، ويُضرَبُ وَفْقُ أحدِهما فِي جَميع 5 الآخَرِ، [ثُمَّ يُقابَلُ الحاصِلُ بالرَّابعِ، ويُصرَفُ وَفْقُ أَحدِهما فِي الآخَرِ] 6، ثُم يُضربُ الحاصِلُ فِي أصْلِ المَسألةِ بِعَوْلِها.
وإنْ وافَقَ أحدُ الأعدادِ لَمْ يُوقَفْ 7 إلا المُوافِقُ، ويُسمى المَوقُوف المُقيد.
فصل فِي قسمة (1) التركات
الدَّراهمُ والدَّنانيرُ والمَكِيلاتُ والمَوْزُوناتُ تُقسَّمُ بالأَجْزاءِ.
والعَبيدُ والجَوارِي، وغيرُ ذلك مِنَ المُتقوَّماتِ تُقسَّمُ بالقِيَمِ.
والأراضِي والعقَاراتُ تُقسَّمُ على أرْبعةٍ وعِشرينَ قِيراطًا.
وقد يُنْظَرُ فيها إلى القِيَمِ، وعندَ البَغادِدَةِ تُقسَّمُ الأرَاضِي ونحوُها على عِشرينَ قِيراطًا 2.
والطريقُ فِي قِسْمةِ 3 ذلكَ كُلِّه أَنْ تُؤَصَّلَ المَسألةُ 4، ويَنظرَ مَا لِكُلِّ واحدٍ مِنَ الوَرثةِ مِنَ السِّهامِ ويَنسِبَه إلى أصْلِ المَسألةِ ومَا عَالتْ إلَيهِ، ويَأخُذَ لَه مِن التَّركةِ بِتلك النِّسبةِ ففِيما 5 سَبقَ مِن عَولِ السِّتةِ إلَى عَشرةٍ، ولَو كانتِ التركةُ خَمسةَ عَشرَ دِينارًا تُنسبُ سهامُ الزَّوجِ، وهي ثلاثةٌ إلى العَشرةِ 6 تجِدُها خُمُسَها ونصفَ خُمُسِها فلَه خُمُسُ التَّرِكةِ ونصفُ خُمُسِها، وهو أربعةُ دَنانيرَ1
ونِصفٌ، وقِسِ البَاقِي.
طَريقٌ ثَانٍ: تَضربُ سهامَ مَن تريدُ معرفةَ نصيبِه فِي عددِ التَّركةِ، وتَقسِمُ ما حصَلَ مِنَ الضَّربِ على أصْلِ المَسألةِ بِما عالَتْ إلَيهِ، فمَا خَرجَ لِسَهمٍ، فهو نَصيبُ ذلك الوارثِ.
طَريقٌ ثَالثٌ:
تَقْسِمُ التَّركةَ على أصْلِ المَسألةِ ومَا عَالَتْ إلَيه، فمَا خَرجَ لِسَهمٍ تَضربُ فِيه سِهامَ مَن تُريدُ أَنْ تَعرِفَ [نَصيبَه، فمَا بَلغَ فَهو نَصيبُه.
وإنْ كانَ بَيْنَ أصْلِ] 1 المَسألةِ بِما عَالَتْ إلَيهِ وبَيْنَ التَّرِكةِ مُوَافقةٌ، فَطَريقَانِ آخَرَانِ:
إمَّا أَنْ تَضرِبَ سِهامَ الوَارِثِ فِي وَفْقِ 2 التَّرِكَةِ وتقسِمُه على وَفْقِ المَسألةِ فَما خَرجَ لِسهمٍ فهُو نَصيبُه.
وإمَّا أَنْ تَقْسِمَ وَفْقَ التَّركةِ عَلَى وَفْقِ المَسألةِ، فمَا خَرجَ لِسهمٍ 3 فاضرِبْ فِيه 4 سِهامَ الوَارثِ، فمَا بلغ فهُوَ نَصيبه.
وإنْ كانَ فِي التَّركةِ كَسرٌ بَسَطْتَها مِن جِنسِ ذلك الكَسرِ، والعَمَلُ كما
سَبقَ، ومَا دُونَ الكَامِلِ مِن دِينارٍ وغَيرِه يُقْسَم عَلى أرْبعةٍ وعِشرينَ قِيراطًا.
وعِندَ العِراقِيِّينَ على العِشرينَ كما سبَقَ.
وإذَا أَخَذَ بعضُ الورَثةِ بحقِّه 1 ثَوبًا بِرضَا البَقيةِ -وبَقيةُ 2 التَّركةِ عددٌ مِن الدَّراهمِ مَعلومٌ- فالطريقُ في مَعرفةِ قِيمةِ الثَّوبِ أَنْ تَضربَ بسِهام 3 الآخِذِ 4 الوارِثِ 5 في عَددِ الدَّراهمِ، فمَا بلغَ يُقسَمُ على ما بَقِيَ مِنَ السِّهامِ بعْدَ سِهامِ الآخِذِ فَما خَرَجَ لِسَهْم 6 فهُو قِيمةُ الثَّوبِ.
فصل في المناسخات
1
إذَا مَاتَ بعضُ الورَثةِ قَبْلَ قِسمةِ التَّركةِ، وورِثَهُ الباقُونَ علَى نِسبةِ إرْثِهم مِن الأوَّلِ، فُرضَ أنَّ الميتَ الثاني لَم يكنْ.
وكذا لَوْ ورِثَه بعضُهم وغيرُ الوارِثين 2 ذُو فَرْضٍ في الأُولَى 3 كما إذَا مَاتَ عَن زوجةٍ وابنَينِ مِنْ غَيرِها ثم مَاتَ أحَدُ الابْنَينِ.
وقَدْ يكُونُ مِيراثُ الباقِينَ 4 مِن المَيِّتينِ بالفُروضِ، ويُفرضُ الميِّتُ الثاني كأنْ لَمْ يَكُنْ، كما إذَا ماتَتْ عَن زوجٍ وأخُتَينِ 5 لِأبَوينِ وأُختٍ لِأَب، ثُم نَكحَ الزوجُ الأخْتَ للأبِ فماتَتْ عن الباقِينَ أو مَاتتِ امرَأةٌ عنَ زَوجٍ وأُمٍّ وولَدَي أُمٍّ وأُخْتٍ شَقيقةٍ، ثُمَّ نَكحَ الزَّوجُ الأخْتَ الشَّقيقةَ فمَاتَ 6 عَن الباقِينَ 7.
وأمَّا إذَا تفَاوَتَتِ 1 الأنْصِبَاءُ أوْ كانَ ورَثَةُ الميِّتِ الثانِي غَيرَ ورَثَةِ الميِّتِ 2 الأوَّلِ وهُمْ 3 بعْضُ ورَثَةِ الميِّتِ 4 الأوَّلِ ويرِثونَ مِن الثَّاني 5 على خِلَاف مَا يرِثُونَ مِن الأوَّلِ فيُحتاجُ حِينئِذٍ إلَى التصحيحِ.
والطريقُ في ذلكَ كُلِّه 6 أَنْ تُصحِّحَ مسألَةَ الأوَّلِ ومسألةَ الثَّاني، وتَستخْرِجَ نَصيبَه مِنْ مسألَةِ الأوَّلِ.
فإنِ انقسَمَ علَى مَسْألتِه فذاكَ.
وإنْ لَمْ يَنقسِمْ وهو مُبايِنٌ لِمسألةِ المَيتِ الثَّاني فتَضْرِب 7 مَسألةَ الميِّتِ الثاني 8 في مَسألةِ الميِّتِ الأوَّلِ بَعَوْلِها، فمَا بَلَغَ فَمِنه تَصحُّ المَسألتانِ، ثُم مَنْ لَه شَيءٌ مِن الأُولى 9 أَخَذَهُ مَضْروبًا في الثانيةِ، ومَن لَه شَيءٌ مِن 10 الثَّانيةِ أخَذَهُ مَضْروبًا في نصيبِ الميتِ.
وإنْ كانَ بيْنَ نصيبِهِ ومسألتِهِ مُوَافقةٌ فاضْرِبْ وَفْقَ مسألتِهِ في المسألةِ
الأُولى فمَا بَلَغَ فمِنه تَصِحانِ، ثُم مَن لَه شَيءٌ مِن الأُولَى يأخذُهُ مَضْرُوبًا في وَفْقِ الثانيةِ، ومَنْ لَه شَيءٌ مِنَ الثَّانيةِ يأخذُهُ مَضْروبًا في وَفْقِ نَصيبِ الميِّتِ، وعلَى ذلكَ فقِسْ 1، واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلَمُ.
باب الوصية
1 هي لغةً: راجعةٌ إلى مادة وَصَيْتُ الشيءَ أَصِيتُهُ 2، إذا وَصَلْتُهُ؛ لِأَنَّ الإنسانَ لَمَّا 3 أوْصَى وصلَ مَا كَان مِن أمْرِ حَياتِه بمَا بعْدَ مَوتِه، ويقالُ: وَصَّى بِكَذا [وأوْصَى بكذَا] 4 لِفُلانٍ بمعنًى واحدٍ، وأوْصَى إليه إذَا جعَلَه وصيَّه 5. والاسم: الوصايةُ -بفتح الواو وكسرها- وأوصيتُهُ ووصَّيتُهُ إيصاءً 6 وتوصيةً 7 جعلهُ وَصِيَّهُ، والاسم: الوَصَاةُ -بفتحِ الوَاوِ، وقولُهم: استَوْصَى
فلانٌ بأمرِ فلانٍ، معناه: قامَ بِه مِن غَيرِ وصِيَّةٍ 1.
وهِيَ في الشَّرعِ: إثباتُ حقٍّ معلَّقٍ 2 بالمَوتِ -لفظًا أو 3 تقدِيرًا- مِنْ تبَرُّعٍ عَير تدبيرٍ، ومِن تصرُّفٍ يُنجَرُّ 4 ذلك بوَفاةِ المَيتِ بعْدَ وُجودِ شَرطِهِ، ويَلْحَقُ بها حُكمًا بما نَجَزَهُ مِن التَّبَرُّعاتِ في مرضِ الموتِ، والملحق به.
ومَن يجعلُ التدبيرَ وصيةً -وهو الذِي نختارُه- لا يذكر مَا يخرجه 5.
ودليلُها: قولُه تعالى في أرْبعةِ مَواضعَ في المَواريثِ 6: ﴿مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ﴾ 7.
وفِي "الصحيحينِ" عنِ ابنِ عُمر -رضي اللَّه عنهما- أَنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَا حَقُّ امرئٍ مُسلِمٍ لَه شيءٌ ويُوصِي فِيه 8 [يبيتُ لَيلَتَينِ إلَّا ووصيتُه مكتُوبةٌ عندهُ" 9.
وفِي رِوايةٍ لِمُسلمٍ: "له شيءٌ يُريدُ إنْ 1 يُوصِي فِيه" 2.
ومعنى "ما حقُّ": ما الحزْمُ، أو: ما المعْرُوفُ مِن الأخْلاقِ إلَّا هذا.
والإجماعُ علَى مَشرُوعيةِ الوصيةِ.
وكانتْ واجبةً بقَولِه تَعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ثُم نُسخَ ذلك بالمَوارِيث 3.
ولا تجبُ الوصيةُ إلَّا إذَا تَعيَّنَتْ طَريقًا لأَداءِ ما في الذِّمَّةِ مِن زكاةٍ أو حجٍّ أو دَينِ آدَميٍّ أو لردِّ وديعةٍ أو عارِيةٍ أو مَغصوبٍ، ونحوِ ذلك.
وتُستحبُّ في الجِيرانِ 4 لا سيمَا لِلأقْربِ غَيرِ الوَارثِ 5، والمَحْرَمُ أَوْلى، ثُم بالرَّضاعِ، ثُم بالمُصاهَرَةِ.
وتَجُوزُ إذَا انتفتِ المعصيةُ، ولَم يَظهَرْ قصدُ القُربةِ، و 6 كانتْ بمقصُودٍ
ولَم يَظْهرْ (1).
وتحرُمُ عندَ وُجودِ المعصيةِ فيها.
وتُكْرَهُ بالزيادةِ على الثلثِ للأجْنبيِّ كما صَرَّح بِه البغويُّ والمُتَوَلِّيُّ.
ومدارُ البابِ عَلى مَعْرِفَةِ مَن يُوصِي، ومَن يُوصَى لَه (2)، وما يُوصِي بِه، وحكمِهُ، والرُّجوع عنِ الوصِيَّةِ، ونَصيبِ الوصيِّ (3).
أما مَن يُوصِي بالتبرُّعِ، فيُعتبرُ فيه ثلاثةُ أمورٍ:
أحدُها: التكليفُ، فلا تصحُّ وصيةُ المجنونِ ولا الصبيِّ -وإنْ كانَ مميِّزًا- وتصِحُّ وصِيَّةُ السَّفِيهِ كما سبَقَ في الحَجْرِ، وكذَا المُفلِسُ على ما جزَمُوا بِهِ 4.
وقياسُهُ: صحتُها في المَرْهونِ والمَبيعِ قَبْلَ القَبْضِ والرَّقيقِ المُتعلِّقِ برَقَبتِه بَدلُ جِنايَتِه.
الثاني: الحُرِّيةُ، فلا تصحُ وصيةُ الرَّقيقِ -ولو مُكاتَبًا- وإن عَتَقَا علَى مَا صحَّحُوه 5، ولكنْ تصْحيحُها مِنَ المكاتَبِ حَسنٌ، إذْ لا ضَررَ علَى السيِّدِ فيها إذَا123
مَاتَ بعْدَ عِتقِهِ، وتصِحُّ مِن المُبَعَّضِ فيمَا هُو أَحَقُّ ببعضِهِ الحُرِّ، ولَم يَذكرُوه.
وأمَّا مَن كانَ حُرًّا عنْدَ الوَصيةِ الصَّحيحةِ، ثُم رَقَّ، ولَمْ يُعلمِ الموصَى به إذا (1) كان المالُ عندنا (2) بأمَانٍ، فالظاهرُ بقاءُ الوصيةِ، ولَم يتعرضُوا لَه.
الثالثُ عَدمُ الرِّدةِ عندَ المَوتِ، فلا تصحُّ وصيةُ المُرتدِّ (3) إذا قُتلَ، أوْ ماتَ علَى الرِّدَّةِ، وكذا لا تنفُذُ وصيتُهُ قَبْلَ الردَّةِ، ولَم يَذكرُوه، وتصِحُّ مِنَ الكافِر غَيرِ المُرتدِّ مُطْلقًا في غيرِ مُنْكَرٍ (4) (5).
وأما مَن يُوصى له
بقعةٍ 1 لِمعصيةٍ، ولا بِما يُستصبَحُ به في الكَنيسةِ على النصِّ 2، وأجازَه الشيخُ أبو حامدٍ إذَا قَصَدَ انتفاعَ أهلِ الذِّمةِ دُونَ تَعظيمِها 3.
وإنْ كانتِ الوصيةُ لِمعيَّنٍ، فيُشترطُ أَنْ يكونَ أهلًا للخِطابِ، أوْ يُتصورَ لَه المِلْكُ بعِبارَةِ 4 وليِّه، أو بإرثِهِ، فتصحُّ لعبدِ الأجنبيِّ، ثُمَّ إنْ لمْ يُعتقْ مِنه شَيءٌ 5 فالوصيةُ لمالكِهِ عندَ مَوتِ المُوصِي، وكذَا لَوْ عُلِّق بعدَ مَوتِ المُوصِي، لكِنْ لَوْ أوْصَى لِحُرٍّ فَرَقَّ لَمْ تَكنِ الوصِيةُ لِسيِّدِه مُطْلقًا، بلْ مَتى عتَقَ يَومًا مِنَ الزَّمانِ فهِيَ لَه 6.
وإنْ مَاتَ رَقيقًا بعْدَ مَوتِ المُوصِي كانتِ الوصيَّةُ لوَرَثَتِه علَى قَولٍ، وعلَى الأظْهَرِ يَكونُ فَيْئًا علَى قِياسِ مَا ذَكَرُوهُ في مَالِ مَن استُرِقَّ بَعْدَ نقْضِ أمَانِهِ 7؛ قلتُه تَخْريجًا.
وإنْ عَتَقَ مَنْ كانَ رَقِيقًا عِندَ الوَصيةِ قَبْلَ مَوتِ المُوصِي، فالاستِحقاقُ 8 لَهُ.
وإنْ عَتَقَ بعْضُه استَحَقَّ بقَدْرِ حُريتِهِ، والباقِي لِسيدِهِ، قلتُه 1 على قِياسِ ما إذَا أوْصَى لمبعَّضٍ ولَا مهَايأَةَ، فإنَّ المُوصَى بِه بينهُما، وعندَ المُهَايَأةِ يَختصُّ بصَاحِبِ 2 النَّوبةِ يومَ مَوتْ المُوصِي؛ علَى الأصحِّ.
وإنْ أَوصى لِنصفِهِ الحُرِّ، صحَّ على الأصحِّ، ومثلُه: لَو أوْصَى لِنِصفِهِ الرقيقِ.
وإنْ كانَ العبدُ المُوصَى لَه للمُوصِي، فإنْ أَوْصَى لَه برَقَبتِه أوْ بجُزْءٍ مِن رقَبتِه صَحَّ 3.
ولَو أوْصَى لَه بثُلُثِ مَا في يَدِه، ولا مالَ لَه سِواهُ، كانَ مُوصًى لَه بثُلُثِ رَقَبتِه.
وكذَا لَو أوْصَى لَهُ بثُلُثِ مَالِه صحَّ 4 وأَطْلَقَ، ولَهُ مَالُ غَيرِ 5 رقَبتِه، فإنَّ 6 ثُلُثَ الرقَبةِ مُوصًى لَه 7 بِه علَى الأصَحِّ.
وثالِثُها: تُجمعُ الوصيةُ في رقَبتِه 8.
وإنْ فَضَلَ بعْدَ عِتقِه شَيءٌ مِنَ الثُّلُثِ صُرفَ إلَيه، ولَو صرَّحَ المُوصِي بذلك عُمِل بِه جَزْمًا 1.
ولَو أوْصَى لَه بعَينِ 2 مالٍ أوْ بِدراهِمَ مَعدودةٍ ومَاتَ، وهو في 3 مِلكِهِ فهُوَ وصيةٌ لِلْوَارثِ، والوَصيةُ لِعَبدِ الوَارثِ وصيةٌ للوَارثِ، وستَأْتِي 4.
ولَو أَوْصَى لِمُبعَّضِ الرِّقِّ مِنه لِلْوَارثِ ولَا مُهايَأةَ ولَمْ يُجِزْ بَقيةُ الورَثةِ بطَلَتْ كلُّها، ورأى الإمامُ تبعيضَها، وهو حَسنٌ، والمُوصَى بِه للمُكاتَبِ مُستحَقٌّ لَهُ.
وإنْ عَتَقَ بَعْدَ مَوتِ المُوصِي بما يُسْتَتْبَعُ بِه كَسْبُه، وإلَّا فَهِي لِسَيدِه.
وتَجُوزُ الوصيةُ للذِّمِّيِّ، وكذا للْحَربيِّ في الأصحِّ 5، فإنْ رَقَّ فَقَدْ سبَقَ
حكمُه، وللمرْتدِّ على المَنصُوصِ 1.
فإنْ ماتَ المُوصِي وهو مُرتدٌّ، فقَبِلَ، ثم ماتَ مُرتدًّا، لَمْ يُعْتدَّ بقَبُولِه، وكانَتْ مِن تَرِكةٍ الْموصِي 2؛ قلتُهُ تَخْريجًا.
وتَصحُّ للقَاتِلِ مُطْلَقًا علَى المَذْهبِ 3، لَا لِمَنْ يقتُله 4، فتِلْكَ باطلةٌ للْمَعصيةِ 5.
والوصيةُ لِلْحمْلِ صَحيحةٌ 6 إنْ كانَ مَوْجودًا عندَ الوَصيةِ، فإِنِ 7 انفصَلَ 8 لِدونِ سِتةِ أشْهُرٍ مِن حِينِ الوَصيَّةِ، أوْ لِمَا فَوْقَ ذلكَ، ودُونَ أرْبعِ سِنينَ، وهِي لَا تُوطَأُ علَى الأصحِّ، أوْ تُوطَأُ، وهُما تَوأَمَانِ 9، وانفصلَ
أحدُهما لِدُونِ سِتةِ أشْهُرٍ، وإلَّا فَلَا استِحقاقَ لَه، ولَو أوْصَى لِمَا يحدُثُ مِن حَمْلِها لَمْ يَصحَّ علَى الأصحِّ 1.
وتَصِحُّ الوَصيةُ لِلْمسجِد، ويُتركُ مُطْلقًا على عِمارَتِه ومَصالحِه، وإنْ قالَ: أردتُ تَمليكِه صحَّ على الأصَحِّ 2؛ لأنَّ لَهُ مِلْكًا وعلَيه وَقْفًا.
ولَا تَصِحُّ الوصيةُ للدَّابةِ على قَصْدِ تَمْليكِها، وكذا لو أَطْلقَ 3.
وإنْ قالَ: "لِتُصْرفَ في عَلَفِها" صَحَّتْ، وصُرِفَ في عَلفِها، ولَو انتقلَتْ عنْ مَالِكِها 4.
والوصيةُ للوارِثِ 5 بقَدْرٍ زائدٍ على إِرْثِهِ يَتوقَّفُ علَى الإِجازَةِ علَى الأظْهَرِ، وفِي قَولٍ: تَبطُلُ، وبِمِقْدَارِ إرْثِه لَاغِيةٌ، وبِعَينٍ هِي قدْرُ حِصَّتِهِ صَحيحةٌ، وتَحتاجُ إلى الإِجَازةِ في الأصحِّ [فِي مَرَضِ المَوْتِ] 6.
وإنْ وقَفَ علَى وارثِهِ، أوْ أَبْرأَهُ مِن دَيْنٍ علَيه، أوْ وهَبَه شَيئًا في مَرَضِ مَوْتِه، فإنَّه يَتوقَّفُ على إِجازةِ بَقيةِ الوَرَثةِ، إلَّا في صُورةٍ واحدةٍ، وهِي مَا لَو وَقفَ مَا يَخْرُجُ مِن ثُلُثِه علَى جَميعِ ورَثَتِه على قَدْرِ نَصيبِهم، فإنَّه يَنفُذُ، ولا يَحتاجُ إلى الإجازةِ على الأصحِّ، والاعتِبارُ بكَونِه وارِثًا يَومَ الموْتِ.
والوصيةُ لِغَيرِ الوارثِ بما يَخْرُجُ مِنَ الثُّلثِ نافذِةٌ، والزَّائدُ (1) يَحتاجُ إلى إجازةِ الورَثةِ، وإجَازتُهُم تَنفيذٌ لا ابتِداءُ عَطيةٍ على الأظْهَرِ، فلا تُحسَبُ مِن (2) ثُلُثِ (3) مَن يُجِيزُ دي مرضِهِ للمُوصِي، ولا يَتوقَّفُ على إجازَةِ ورَثَهِ مَن يُجيزُ في مرضِهِ لوارِثِه، قلتُه تخْريجًا.
والردُّ والإجازَةُ إنَّما يَنفُذَانِ بعْدِ مَوتِ المُوصِي، وكذلكَ ينظرُ إلى الثُّلُثِ يومَ الموتِ دُونَ يومِ الوصيةِ؛ على الأصحِّ.
ولا تصحُّ الوصيةُ للميتِ، ولو ماتَ المُوصَى له قَبْلَ مَوتِ المُوصِي بطَلتِ الوصيَّةُ (4).
وأما ما يُوصَى (5) به: فيُشترطُ أن يكونَ:
مَقْصُودًا، فلا يصحُّ بما لا يُقصَدُ مِن دَمٍ ونحوِهِ.
مُباحًا، فلا تصحُّ بسِلاحٍ لِحَربيٍّ ونحوِهِ.
قابِلًا للنَّقْلِ، ولو بجِهةِ 6 الالتِقاطِ، فتصِحُّ بمالِهِ من كَلْبٍ يُقتَنى، وجَرْوٍ12345
تُتوقعُ منفعَتُهُ، وخَمرةٍ 1 مُحْترمَةٍ، وسِرْجِينٍ، وشَحمِ مَيتةٍ ولَحْمِها.
ولا تصحُّ بِحدِّ قذْفٍ مُطْلقًا، ولا بِقِصَاصِ لِغَيرِ مَن هُو عَلَيه، خِلَافًا لِمَنْ أطْلقَ المَنعَ، ولا بِحقِّ شُفعةٍ وخِيارٍ ونحوِه.
وأنْ يكونَ مُختصًّا بالمُوصِي، فلَا تَصِحُّ بِمِلْكِ غَيرِه؛ علَى النَّصِّ المعمولِ بِه خِلَافًا لِمَا صُححَ في "الرَّوْضة".
ولَو أوصَى به إنْ مَلَكَهُ 2 صحَّتْ في الأصحِّ، وقِياسُ الصُّورَتَينِ يَأتي فِي المُختَصِّ، ولَمْ يَذكرُوه.
وتَصِحُّ بِحَملٍ وثَمَرةٍ مَوجُودَينِ، وكذا بالحَادِثَينِ في الأصَحِّ، وبِمَنافِعِ دَارٍ وعَبدٍ مُؤَقتًا ومُطْلقًا، وبآبقٍ، ومَغصوبٍ، وطَيرٍ مُنفَلِتٍ 3، ومَجْهولٍ كعبدٍ وبِأحَدِ عَبْدَيهِ.
ومِن ذلك يُعرفُ أنَّه اتُّسِعَ في الوصيةِ ما لا يُتَّسعُ به في غيرِها.
وتصحُّ بِطَبْلِ حربٍ أو حَجيجٍ، لا بلهوٍ لَم يَصلُحْ لمُباحٍ، وعند الإطْلاقِ يُحمَلُ علَى الطَّبْلِ المُباحِ 4، بِخلافِ عُودٍ مِن عِيدانِهِ ولَو عُودَ لَهْوٍ لا يَصلُحُ لِمُباحٍ، وعُود بِناءٍ، فإنَّها تَبطلُ عِندَ الإطْلاقَ، لانْصرَافِ مُطْلَقِ العُودِ في الاستِعمالِ لِعُودِ اللَّهْوِ 5، والطبلُ يقَعُ علَى الجَميعِ.
وأمَّا حُكْمُ ما يُوصَى بِه فقَدْ سبَقَ مَا يَتعلقُّ بالوَارثِ وما يَزيدُ على الثُّلُثِ في حقِّ غيرِ الوارثِ.
ويُستحبُّ أن ينقصَ مِن الثلثِ.
وقال الشافعيُّ رضي اللَّه عنه في "الأُم" 1: "إِذَا تَرَكَهُمْ أَغْنِيَاءَ اخْتَرْتُ لَهُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ، وَإِذَا لَمْ يَدَعْهُمْ أَغْنِيَاءَ كَرِهْتُ لَهُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثُ".
وهذا حَسنٌ خِلافًا لِمن ضعَّفه، ويُعتبرُ الثُّلثُ وقتَ الموتِ.
وضَابطُ ما يُحسَبُ مِن الثُّلثِ في حَقِّ غَيرِ الوارِثِ: هُو كُلُّ تَصرُّفٍ فَوَّتَ مَالًا حَاصِلًا أو كَمِينًا 2، كما في ثَمَرِ 3 المُساقَاةِ ومَنافِعِ غَيرِ بَدَنِ المَريضِ بِغيرِ عِوضِ المِثْلِ لِكَونِه بغَبْنٍ فَاحِشٍ، أوْ مَجَّانًا بِلَا استِحْقَاقٍ شَرْعِيٍّ، أوْ فَوَّتَ يَدًا كما في البَيعِ بِمُؤجَّلٍ ولَو بأكْثَرَ مِن قِيمتِه أو اختِصاصًا كما في السِّرجِينِ ونحوِه، وكان التصرُّفُ منجَّزًا في مَرَضِ المَوتِ.
ومِنه ما إذَا قَبضَ في المرضِ ما 4 وهَبَه في الصِّحَّةِ أوْ مُضَافًا لِمَا 5 بعْدَ المَوتِ، بحيثُ لَا يَظْهَرُ أثرُه 6 في الصِّحَّةِ.
فإنْ ظَهَرَ فَمِنْ 1 رَأسِ المَالِ كما إذَا بانَ بِالمَوتِ، عَتَقَ قَبْلَ المَرَضِ 2 بتعلِيقٍ مُعتبَرٍ، مِمَّا لَيس 3 بتصرُّفٍ، بلْ هو إتْلافٌ كأكْلِ 4 المَريضِ ونَحوِه، لا يُحسَبُ مِن الثُّلُثِ.
وكذا الإتلافُ الشَّرعيُّ بالاسْتيلادِ، فعِتْقُ المُستَولَدَةِ وأوْلادِها الحادِثينَ 5 الأرِقَّاءِ لَه مِن رأسِ المالِ ومَا لا يُفَوِّتُ مالًا حاصِلًا لَا يُحسَبُ مِن الثُّلُثِ كما في عفْوٍ عنْ قِصاصٍ بِلا مَالٍ، وتَرْكِ شُفعةٍ، أوْ رَدٍّ بعَيبٍ، أو إجازَةِ وصيةٍ، أوِ التزامٍ 6 عقدٍ: حيثُ لا يكونُ المُفَوَّتُ في مِلْكِه.
وكذَا الرِّبحُ في القِراضِ، وإعارةُ نفسِه أو إجارتُها بدونِ أُجرةِ المِثْلِ.
وكذا لَو نُكِحَتِ المريضَةُ بأقلَّ مِنْ مَهرِ المِثْلِ ولَم يكنِ الزَّوجُ وارِثًا.
ومَا حصَلَ فواتُهُ لا مِن وضْعِ التَّصرُّفِ بلْ بِمقتَضَى الأصْليَّةِ أو الفَرْعيَّةِ كما إذا مَلَكَ الحُرُّ في مَرضِ مَوْتِهِ أباهُ أو ابنَهُ بِلَا عِوَضٍ، فإنَّه يعتِقُ مِن رأسِ المَالِ على المَذهبِ المُفتَى بِه، خِلَافا لِمَا صحَّحُه في "المُحررِ" 7 و"المِنهاجِ" 8.
ويَلحقُ بغيرِ العِوَضِ إِذا مَلَكَهُ بِمُعاوضَةٍ غيرِ مَحْضَةٍ مِن صَداقٍ وخُلْعٍ وصُلحٍ عن قِصاصٍ، قلتُه تَخْريجًا.
وإنْ مَلَكَهُ بِعِوَضٍ فقدْرُ العِوَضِ مِنَ الثُّلثِ.
ومَا كانَ مِنَ التصرُّفاتِ بِعِوَضِ المِثْلِ أوْ بمَا يُتسامَحُ بمِثْلِه حَتَّى في خُلْعٍ وإصْدَاقٍ 1 ونحوِه مِن المُعاوضَةِ غَيرِ المَحْضَةِ، فلَا يُحسَبُ مِن الثُّلُثِ، إلَّا في صُورةٍ واحدةٍ، وهِي البيعُ بمؤجَّل كما سبقَ.
ومَا كانَ باستِحقاقٍ شرعيٍّ، فإنَّه مِن رأسِ المالِ، كثَمنِ ماءٍ لِطَهارةٍ 2، ونحوِهِ، وزكاةٍ، وحَجٍّ 3 وعُمرةٍ، وكفَّارةٍ، ونذْرٍ، إلَّا إنْ صَدرَ في مَرَضِ المَوتِ، فإنَّه يَجرِي مَجرَى التَّبَرُّعاتِ فيهِ علَى الصَّوابِ، قلتُه تخْرِيجًا، وفِي "البحرِ" ما يَقتضِيه.
ولَو 4 وفَّى بعضُ الغُرَماءِ في مَرضِه لَمْ يُزاحمْه مَنْ بَقِي ولَو كفَّر في المُخيَّرةِ في 5 الحِنْثِ بخَصْلةٍ زَائدةٍ علَى غَيرِها فالقدْرُ المُشترَكُ لازِمٌ، فهُو مِن رأْسِ المَالِ علَى الأقْيَسِ، والزائِدُ مِنَ الثُّلُثِ على الأصحِّ.
وإذَا دَخَلَ الصَّوْمُ في التخْييرِ كفِدْيةِ الحَلْقِ إذَا عَدَلَ إلى غَيْرِ الصَّوْمِ مَعَ
القُدْرةِ علَيه 1 يَنبغي أَنْ يُحسبَ الكُلُّ مِنَ الثُّلُثِ، ولَمْ يَذكُروه.
وإذَا اتَّسَعَ الثُّلُثُ لِجَميعِ مَا يُحسَبُ مِنه مِن المنجَّزِ والمُعلَّقِ 2 نَفَذَ الكُلُّ، وفِي المخْتَصِّ مِن سِرْجينٍ ونحوِه يَنفُذُ الكُلُّ إذَا مَلَكَ مُتمَوَّلًا.
وكذَا الحُكْمُ على الصَّوابِ، لَو أوْصَى بثُلُثِ مَالِه لِشخْصٍ، ولِآخَرَ بكلابٍ 3، خِلافًا لِمَا صحَّحَه فِي "الرَّوضةِ" 4 تَبَعًا لابْنِ الصَّبَّاغِ مِن إعْطاءِ المُوصَى لَه بِالكلابِ ثُلثَها فقطْ مَع بَقاءِ ثُلُثَي المالِ وإنْ كَثُرَ لِلْورَثةِ.
وإذَا لَمْ يَكنْ لَه إلَّا كلبٌ وأخَذَ فأَوْصَى به 5 نَفذَتِ الوصيةُ في ثُلُثِه.
وإنْ كانَ لَه ثَلاثُ كلابٍ، فأوْصى بِوَاحدٍ مِنْها فإنَّه يُدفعُ لَه نَظرًا 6 إلى العَدَدِ علَى ما صحَّحُوه.
والأرْجحُ: النظرُ إلَى قِيمتِها بِتقْدِيرِ مَالِيَّتِها كنَظِيرِه 7 في صَدَاقِ الكُفَّارِ أوْ يُقدَّرَ حَيوانًا مُتَقوَّمًا كما رجَّحه طَائفةٌ في نَظيرِه مِن تَفريقِ الصَّفْقةِ.
وإذَا لَمْ يَكنْ لَه كلبٌ، فالوَصيةُ لَاغيةٌ.
وأمَّا إذَا أضَافَ الثُّلُثَ فإنَّه يُقدَّمُ المُنخزُ الأوَّلُ فالأوَّلُ، وعندَ عَدَمِ المَعيةِ