كتابُ الدَّعوَى والبيناتِ
الدَّعوَى لغةً: الطلبُ، ومنهُ قولُهُ تعالَى: ﴿وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾، وأَلِفُها للتأنيثِ، فلا تنوَّنُ، وتُجمعُ على دعاوَى، بفتحِ الواوِ وكسرِها.
وشرعًا: إخبارٌ بنزاعِ حقٍّ أو باطلٍ بمجلسِ الحُكمِ.
والبيناتُ: جمع بيِّنةٍ، وهم الشهودُ؛ سُمَّوا بذلكَ لأنَّ بهم تتبيَّنُ الحقوقُ، والأصلُ في ال
بابِ
قولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
ومن السنةِ ما رواهُ الصحيحانِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لو يُعطَى الناسُ بدعواهم؛ لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهُم، ولكن اليمينُ على المدَّعي عليه" 1.
ورواهُ البيهقيُّ بلفظ: "البينةُ على المدعِي، واليمينُ على من
الجزء: 4 - الصفحة: 389
أنكرَ" وإسنادُهُ حسنٌ 2.
لا بدَّ من المرافعةِ إلى القَاضِي، والدعوَى إن كانَ المستحَقُّ عقوبةً كالقصاصِ، وحدِّ القذفِ، والمحكم كالقاضِي إذا رضيا بحكمِهِ، والسيدُ يسمعُ الدعوَى على عبدِهِ، وإن لم يكنْ قاضيًا، وإذا استحقَّ عينًا فله أخذُها، إن لمْ يخفْ فتنةً، وكذا إنْ خافَ فتنةً خفيفةً لا ينتهي الحالُ فيها إلى ارتكابِ مفسدةٍ مقتضيةٍ للتحريمِ، وإلَّا فإن كانَ المستحِقُ رشيدًا، فلهُ التركُ، فلو أرادَ الخلاصَ، فلا بدَّ من الرفعِ إلى قاضٍ أو محكمٍ، فإنْ كانَ المتكلمُ في ذلكَ وليًّا لمحجورٍ عليه، أو ناظرَ وقفٍ وجبَ الرفعُ.
وإنْ كانَ المستحَقُّ دينًا على غيرِ ممتنعٍ من الأداءِ طالَبَهُ، ولا يحلُّ أخذَ شيءٍ له أو على منكرٍ، أو محجورٍ عليه لسفهٍ أو جنونٍ، أو غيرِ ذلكَ من وجوهِ الحجرِ، غيرَ الفلسِ، ولا بينة أخذ جنسِ حقِّه إن كانَ مثليًّا، فإن كانَ متقوَّمًا فحكمُهُ حكمُ غيرِ الجنسِ، وهو أنَّه يأخُذُ غيرَ جنسه على المذهبِ إذا فقدَه، فكذا هنا.
وغيرُ الجنسِ إذا لم يكن مثليًّا يأخذ قيمته من الدراهِمِ والدنانيرِ، ولا يعدلُ إلى العوضِ إلَّا 3 عندَ عدمِ النقدِ المذكور.
وإذا كانَ المديونُ محجورًا عليه بفلسٍ، وهو منكرٌ ولا بيَّنةَ، فإنَّ صاحبَ الدينِ لا يأخذُ من مالِه إلَّا قدرَ حصَّته بمقتضى المضاربة إن علمَ قدرَ حصته من ذلك، فإن لم يعلم قدر حصَّته امتنع عليه الأخذُ لئلَّا يأخذ ما يستحقُّه الغرماءُ دونه،
الجزء: 4 - الصفحة: 390
والحكم في الميتِ المديونِ كذلك، وإن لم يُحْجَزْ عليه في حياتهِ.
وإن كان على مُقِرٍّ ممتنعٍ من الأداءِ، أو منكِرٍ وله بينةٌ فكذلك، وفي وجهٍ: يجبُ الرفعُ إلى القاضِي، وإذا جازَ الأخذُ فلهُ كسرُ بابٍ، ونقبُ جدارٍ، لا يصل إلى المالِ إلَّا به 4، إذا كانَ البابُ أو الجدارُ للمديونِ المقصر بما ذكر، وأن يكونَ المديونُ غيرَ محجورٍ عليه بفلسٍ، وغيرَ راهنٍ الدَّارَ التي يُفعلُ في بابِها وجدارِها ما ذُكر الرَّهنَ اللازمَ بالقبض المعتبر، ولم يطرأ على المديونِ المقصِّرِ حَجْرُ سفهٍ.
قال شيخُنا: والوقوف على إجازَةِ الكسرِ والنَّقبِ أولى.
ثم إذا كان المأخوذُ من جنسِ الحقِّ مَلَكَهُ بمجردِ أخذِهِ عن حقِّه، ومن أخذه يبيعه بثمنِ المثلِ من نقدِ بلدِ الأخذِ حالًا أو معينًا، ويستوفي من النقدِ إن كانَ دينُه من ذلك النقدِ، وعندَ الاستيفاءِ بملك الذي استوفاه من النقدِ، وإن كانَ دينُهُ غيرَ نقدٍ فإنَّه يشتري بالنقدِ من جنسِ الدينِ الذي له بقيمةِ المثلِ، ويستوفي الدينَ الذي له ويملكه عند الاستيفاءِ، ولا يحتاجُ بها البيعِ إلى إذنِ القاضِي حيث كانَ القاضِي جاهلًا بالحالِ، ولا بينةَ، والمأخوذُ مضمون عليهِ في الأصحِّ إنْ كانَ منْ غيرِ الجنسِ، فإن كانَ من الجنسِ ضمنَهُ قطعًا، وإذا تعذَّرَ عليهِ جنسُ حقِّه فعدَلَ إلى غيرِ جنسِهِ جازَ، وإذا أخذَهُ صارَ ضامنًا لهُ قبلَ أن يبيعَهُ، وبعدَ أن يبيعَهُ إلى أَنْ يُسلِّمَهُ، فإذا سلَّمَهُ لا يكونُ ضامنًا له، ويصيرُ ضامنًا لما استوفَى من ثمنِهِ ضمانَ يدٍ مترتبةٍ على الاستيفاءِ.
والمذهبُ المعتمدُ أنَّه لا يجوزُ لزيد أن يأخُذَ من مالِ بكرٍ ما لعمرٍو على بكرٍ، حيث كان لزيد على عمرو مال، خلافًا لما في "الروضة" 5 تبعًا للشرحِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 391
والأظهرُ أنَّ المدعي مَن يخالفُ قولَهُ الظاهر أو قرب منه، وفي قولٍ: مَن يخلّى وسكوتُهُ، والمدعى عليه بخلافِه فيهما 6.
واعلم أنَّ الظاهرَ غيرُ مطردٍ، فإنَّ مَن يدعي عدالة من شهدَ له من مستوي الحالِ لا يخالفُ قوله الظاهرُ، وهو مدعٍ قطعًا، وكذلك دعواه حريةَ من شهدَ لهُ أنَّ الظاهرَ في الناسِ الحريةُ، وقد جعلناهُ مدعيًا، فإذا أسلمَ زوجانِ قبل وطءٍ وجاءانا مسلمَيْنِ، فقال الزوجُ: أسلمنا معًا، فالنكاحُ باقٍ، وقالت: مرتبًا، على وجهٍ يقتضي انفساخَ النكاحِ.
فالأظهرُ أنَّ القولَ قولُ الزوجَةِ بيمينِها؛ لأنَّ الظاهرَ هنا هو المعتادُ في إسلامِ الزوجينِ، وهو التعاقُبُ، وخالفَ في ذلك شيخُنا، فرجَّح أنَّ القولَ قولُ الزوجِ بيمينِهِ 7.
ومتى ادَّعى نقدًا ولم يعين فيه جهةً يتعينُ فيها الحلولُ، فلا بدَّ من التعرُّضِ للحلولِ.
ويشترطُ بيان النوعِ، ويكفي ذكرُهُ عنِ الجنسِ إذا عُرِفَ من ذِكْرِ النوعِ الجنسُ المدعَى وقدر إلَّا في الدينارِ والدراهِمِ، فلا يحتاجُ إلى ذكر القدرِ، ويحملُ على الدينارِ الشَّرعيِّ والدِّرهمِ الشرعيِّ، وصحَّةٍ وتكسيرٍ إن اختلف الغرضُ بهما، وإن كانَ مغشوشًا فلا بدَّ من ذكرِ القيمةِ.
وإن ادعى عينًا تنضبطُ بالصفاتِ المعتبرَةِ في السَّلمِ، كحيوانٍ وجب ولم تكن حاضرةً في مجلسِ الدَّعوى وصفها بصفةِ السَّلَم، إلَّا إذا كانَ الحيوانُ قد استحقَّ بوصيَّةٍ، بأن قال الموصي: أعطوه بنتَ مخاضٍ من إبلي، وله بنتا
الجزء: 4 - الصفحة: 392
مخاضٍ فأكثر، فإنَّه إذا ماتَ ومنع الوارثُ المستحَقَّ مما أوصَى له مورِّثُهُ به يدعى الموصى له حيئذٍ باستحقاقِ بنتِ مخاضٍ من إبلِ الموصي، ولا يتعرَّضُ لوصفِها؛ لأنَّ الموصِي لم يتعرَّضْ لذلكَ 8.
ومما يستثنَى أيضًا: ما أثبتَهُ الشارعُ بسنٍّ لا بصفةٍ، فيما أوجبَهُ من المواشِي في الزَّكاةِ، فإنَّه إذَا ادَّعى المستحقونَ المحصورونَ على المالكِ بذلك، أو ادَّعى به حسبة حيث لم ينحصرِ المستحقُّونَ بناء على سماعِ دعوَى الحسبةِ، فإنَّه إنما يتعرَّضُ في الدعوى للسنِّ الذي أوجبَهُ الشارعُ، فيقولُ المستحقُّون المحصورون: نستحقُّ على هذا بنتَ مخاضٍ من النصابِ الذي وجبِ عليه فيه الزكاة، وهو خمسٌ وعشرون من الإبلِ السائمةِ التي حالَ الحولُ عليها وهي ملكه.
ومما يستثثَى أيضًا: إذا قال مسلمٌ مكلَّفٌ رشيدٌ: إن شفَى اللَّهُ مريضي، أو ردَّ غائبِي، فللهِ عليَّ أَنْ أتصدَّقَ على الفقيرِ الفلانِي ببنتِ مخاضٍ من إبلي.
وفي إبلِهِ بنتا مخاضٍ فأكثرَ، فإذا وجبَ عليه ذلك ومنع الفقيرَ مستحَقَّهُ، فالفقيرُ يدَّعي عليه بأنَّه يستحقُّ عليه بنتَ مخاضٍ من إبلِهِ، بمقتضَى النذرِ الذي صدَرَ منهُ، ولا يتعرَّضُ لوصفِ بنتِ المخاضِ؛ لأنَّ الناذِرَ لم يتعرَّضْ في النذرِ لوصفِها.
وإن كانَ المدعى بِه عينًا غير نقدٍ، وهي مما لا يضبطُ بالصفَّةِ كالمختلطَاتِ التي لا ينضبطُ قدار أخلاطها، فيصفها على وجهٍ يحصل به التمييزُ، ولا يصفها بصفاتِ السلم.
وإن كان المدعى بِه دينًا غيرَ نقدٍ، فإن كانَ دينًا ثبتَ بأمرٍ اختياريٍّ من بيعٍ
الجزء: 4 - الصفحة: 393
وأجرةٍ وسلمٍ وقرضٍ، فلا يكونُ هذا إلَّا منضبطًا، فيذكرُ الصفةَ المعتبرةَ فيه، وفي.
. . 9 يرد المثلَ من حيث الصورةِ في المتقوَّمِ، فلا بدَّ من مراعاةِ القيمةِ، فلا بدَّ من.
. . 10 وإن كانَ المدعَى به دينًا ثبتَ بغيرِ الاختيارِ، كما في إبلِ الديةِ والغُرَّةِ في الجنينِ وما انتقلَ من العينِ إلى ذمَّةِ المالكِ في زكاةِ المواشِي.
وأما زكاةُ الفطرِ فإنَّها لا تكونُ إلَّا في الذِّمَّةِ، فهذا إنما يضبطُ بما ضبطَهُ به الشارعُ، ولا يتعدَّى إلى غيرهِ، وإذا كانتِ العينُ تالفةً كفى الضبطُ لصفاتٍ إن كانتْ مثليَّة، ولا يشترطُ ذكرُ القيمةِ.
فإن كانتْ مبيعةً لم يقبضها المشتري، لم يذكر الأوصاف وادَّعى الثمنَ فقط إن كان أقبضهُ أو بما أقبض منه، ولو كانت مثلية لكنها تضمن بالقيمةِ كما في المستعارِ، فإنَّه لا بدَّ من ذكرِ القيمةِ.
وكذا حيثُ توجَّه الطلبُ بالقيمةِ في المثليِّ، كما ذكرَهُ شيخُنا في الغصبِ، وإن كانتْ متقوَّمةً شرطَ ذكر القيمةِ فقط.
فإنَّ الواجبَ عندَ تلفِ العينِ إنَّما هو القيمةُ.
هذا إذا لم تكنِ العينُ مبيعةً لم تُقبضْ.
فإنْ كانتْ مبيعةً لم تقبضْ وتلفتْ في يدِ البائعِ، فإنَّ الواجبَ إنَّما هو الثمنُ للمشتري على البائعِ، إن كانَ البائعُ قد قبضَهُ، فيُذكرُ في الدَّعوَى الثمنُ لا القيمةُ كما تقدَّم.
ولو كانتْ باقيةً، ولكنها في بلدٍ آخرَ، وهي البلدُ التي غصبها فيها، وكان لنقلِها مؤنةٌ فإنَّه يذكرُ قيمتها لأنها المستحقَّة في الحالةِ المذكورةِ.
ويشترطُ في صحَّةِ الدَّعوى الالتزامُ، فيقولُ ويلزمهُ التسليمُ، إلَّا 11 إذا قصَدَ
الجزء: 4 - الصفحة: 394
بالدعوى تحصيلَ المدعى به.
ولا تصحُّ الدَّعوى بالمجهولِ إلَّا في مسائلَ؛ أفردناها بتصنيفٍ ورتَّبناها ترتيبَ أبوابِ الفقهِ.
وتُسمعُ الدعوَى بالمختصاتِ كالكلبِ الذي يقتنى، والسرقين، والسرجين، ونحو ذلك طلبًا للردِّ لا للضمانِ.
وإنِ ادَّعى نكاحًا لم يكفِ الإطلاقَ في الأصحِّ على الجديدِ، وعلى مقابله فلا بدَّ مِن تقييدِه بالصحَّةِ، وحيث قُلنا بالجديد، فيقولُ: نكحتُها بوليٍّ يصحُّ عقدُهُ، وإن كانَ فيها رقٌّ يقولُ: زوجنيها مالكُها الذي له إنكاحُها، وإن كان حرًّا قال: وأنا عاجزُ عن الطَّولِ، وخائف من العنتِ وهي مسلمة.
إذا كان الزوجُ مسلمًا حرًّا كان أو عبدًا، وإن كانَا كافرينِ وحصلَ الإسلامُ، فلا بدَّ من التعرُّضِ لفقدِ طولِ حرَّةٍ، ووجود خوف العنتِ عندَ اجتماعهما على الإسلامِ، كما هو مقرَّرٌ في موضعِه.
وفي المبعَّضَةِ يقولُ: تزوجتُها بوليٍّ ومالكٍ، ويذكر ما تقدَّمَ من الشروطِ، ويذكرُ مع الوليِّ شاهدَي عدلٍ ورضاها، إنْ كانَ يشترطُ.
ويستثنَى من التفصيلِ أنكحةُ الكُفَّارِ، فلا يحتاجُ في الدَّعوى بها إليه، بل يقولُ: هذه زوجتِي.
وإن ادَّعى استمرارَ نكاحِها بعد الإسلامِ فيذكرُ ما يقتضِي تقريرُه بعد الإسلامِ.
وإنِ ادَّعى عقدًا ماليًّا كبيعٍ وهبةٍ كفى الإطلاقِ على الأصحِّ.
ولا بدَّ من التقييدِ بالصحَّةِ كما سبقَ، ومَن قامتْ عليه بينةٌ ليس له تحليفُ المدعي إلَّا في صورتينِ:
الجزء: 4 - الصفحة: 395
إحداهما: إذا قامتِ بينةٌ باعتبارِ المديونِ، فإن لصاحبِ الدينِ تحليفَهُ على الأصحِّ بجوازِ أَنْ يكونَ لَهُ مالٌ في الباطنِ.
الثانيةُ: إذا أقامَ 12 المدعي للعينِ بينةً أنها ملكه، وقال الشهودُ: لا نعلمه باعَ ولا وذهب، فإن الشافعيَّ قال: أُحلِّفُهُ أن هذه الدَّابَّةَ ما خرجتْ من ملكهِ بوجهٍ من الوجوهِ، ثم أدفعُها له.
انتهى.
وهاتانِ الصُّورتانِ يرجع أمرهما إلى أن الشهادَةَ التي لا تعتمد معاينةً ولا سماعًا، وإنما تعتمد ظاهرًا من إعسارٍ، واستصحابًا للملكِ لا بدَّ معها من الحلفِ بطلب الخصمِ، فإن ادَّعى أداءً وإبراءً، أو شراءَ العينِ أو هبتها، أو اقباضها، حلفَ على نفيهِ إذا ادعَى حدوثَ شيءٍ من ذلك بعدَ قيامِ البينةِ، ومضى بعد قيام البينة زمان إمكان حدوثِهِ، وادَّعى صدورَه قبل قيامِ البينة وقبل حكم القاضِي.
فأمَّا إذا ادَّعى حدوثَ شيءٍ مِن ذلكَ بعد قيامِ البينةِ وقبل إمكانِ حدوثِهِ، فلا يلتفتُ إليه، وإذا كانتِ البينةُ من جهةِ المدعي شاهدًا ويمينًا فلا يحلفُ المدعي على نفي ما ادَّعاهُ المدَّعى عليه، من الإبراءِ، والأداءِ، لأنَّ الحلفَ مع الشاهدِ قد يعرضُ فيه الحالفُ لاستحقاقِ المدعَى به، فلا يكلَّفُ بعد ذلك الحلفَ على نفي ما ادَّعاه المدعي عليه لسبق ما يقتضي ذلك في الحلفِ مع الشاهدِ، ويحلفه إذا ادَّعى علمُهُ بفسقِ شاهدِهِ، أو كذبه على الأصحِّ.
وإذا استمهلَ ليأتي ببينةٍ لم يمهَل على النصِّ، وعلى ذلك عملُ الناسِ، ويقضى للمدعي بما توجَّه.
فإنْ أتَى المدَّعى عليه بما يخالفُ ذلكَ عمل بمقتضاهُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 396
وإذا ادَّعى رقَّ بالغٍ عاقلٍ، فقالَ: أنا حرُّ الأصلِ، فالقول قولُهُ بيمينِهِ.
ولو ادَّعى رقَّ مَن لم يكلَّف ليس في يدِه لم يقبل إلَّا ببينةٍ إلَّا أن يصدِّقَهُ مَن هو في يدِه، فإنَّه يقبل ما ادَّعاهُ بغير بينةٍ، ويكفي في ذلك تصديقُ صاحبِ اليدِ، أو في يده حكم له به إن لم يعرفِ استنادها إلى التقاطِ ولا غيره، فلو أنكرَ الصغيرُ وهو مميزٌ أو بعد بلوغِهِ لم يؤثر إنكارُه، ولكن يحلفُ المدعي واليمينُ واجبةٌ على الأرجحِ.
وقيلَ كالبالغِ في احتياجِ المدعي إلى بينةِ الرِّقِّ.
ولا تُسمعُ الدعوَى بدَينٍ مؤجَّلِ لازمٍ متحققٍ لزومه لمن ادَّعى عليه في الأصحِّ إذا كانتِ الدَّعوى به على طريقِ الاستقلالِ، فإن كانت على سبيلِ التبعيةِ سمعتْ، كما إذا ادَّعى على القاتلِ بقتلٍ خطأٍ أو شبه عمدٍ، فإنَّه تُسمع قطعًا.
وكما إذا كان بعضُ الدينِ حالًّا، وبعضه مؤجَّلًا، فإنَّه تُسمع الدعوى بالكلِّ كما جزمَ به الماورديُّ.
وأمَّا المؤجَّلُ غير اللازمِ فلا تُسمع الدعوى به جزمًا كنجومِ الكتابَةِ والثمنِ في مدَّةِ الخيارِ، وكذا لو كانَ لازمًا لكن لم يتحقق لزومُهُ لمن ادَّعى به عليه كالدية اللازمة للعاقلةِ المؤجلة في ثلاثِ سنين، لا تصحُّ الدعوى به جزمًا.
فصل
أصرَّ المدعى عليه الذي هو أصلٌ في الدعوَى على السُّكوتِ عن جوابِ المدعي 13، جُعِلَ كمنكرٍ ناكلٍ بعدَ أن يقولَ له القاضِي: أنتَ بمنزلةِ المنكرِ، واليمينُ بها جهتِكَ، ويُصرُّ على السُّكوتِ حينئذٍ، وإن كان المدَّعى عليه وكيلًا
الجزء: 4 - الصفحة: 397
فيجعل كالمنكرِ، ولا يجعل كالناكلِ؛ لأنَّ اليمينَ لا تتوجَّهُ إليهِ.
وأمَّا المدعى عليه من جهة ما يتعلَّقُ بمن هو في ولايتِهِ فلا يحلُّ لهُ السُّكوتُ، ويجبُ عليه أن يجيبَ بما يعرِفُهُ من الحالِ، فإنْ أصرَّ على السُّكوتِ، وكان أبًا أو جدًّا أو وصيًّا من جهةِ أحدِهِما، عرَّفَهُ الحاكمُ: أنَّ هذا الذي تعمَّدَه من السُّكوتِ لقصدِ التعنُّتِ والإضرارِ قادحٌ في الولايةِ، فإن أنتَ بادرتَ إلى الجوابِ وأقلعتَ عن هذا التعنُّتِ فأنت على ولايتِكَ، وإلَّا فلا ولايةَ لكَ.
وإنْ كانَ المدَّعى عليهِ قيِّمًا من جهةِ الحاكمِ زبرهُ الحاكمُ وأقامَ غيرَهُ عندَ إصرارِه بإصرارهِ، ولا يجعلُ كالمنكرِ.
فإنِ ادَّعى عشرةٌ فقال: لا يلزمني العشرةُ، لم يكفِ حتَّى يقولَ: وما دونَ العشرةِ 14، وإن أسند المدعي العشرةَ إلى عقدٍ بأنْ قالَ: استحق عليه عشرة دراهم ثمن مبيع ابتاعَهُ مني.
فيكفي المدعى عليهِ أن يقولَ: لا يلزمني العشرةُ، ولا يحتاجُ أن يقولَ: وما دونها.
وكذا يحلفُ.
فإنِ اقتصرَ على نفي العشرةِ، وأصرَّ عليهِ فناكلٌ، فيحلفُ المدعي على استحقاقِ شيءٍ منها، فإنِ ادَّعى عليه ثانيًا بما دونَ العشرةِ بجزء فأنكر ونكل، حلف المدعى على استحقاق ما دونَ العشرةِ بجزءٍ، وكذا لو قالَ في الجوابِ: ولا ما دونَ العشرةِ، ونكلَ في الحلفِ عن قولِهِ: ولا ما دونَ العشرةِ، فإنَّه يحلفُ المدعي على استحقاقِ ما دونَ العشرةِ بجزء يأخذه.
وإذا ادعى مالًا مضافًا إلى سببٍ 15 كأقرضتُك كذا.
كفاه في الجواب: لا
الجزء: 4 - الصفحة: 398
يستحقُّ عليَّ شيئًا.
وإنِ ادَّعى عليه شفعةً كفاهُ 16: "لا شفعةَ لك عندي".
ويحلفُ على حسبِ جوابِه هذا، فإن أجاب بنفي السبب المذكورِ حلفَ عليه على النصِّ.
وقيل: له الحلفُ بالنفي المطلقِ، ولو كان بيده مرهونٌ أو مكرًى وادَّعاه مالكُهُ وثبت مِلكُهُ؛ وجب على واضع اليد حينئذٍ تسليمه إليه، وإن لم يظهرْ ملكُ مالكِهِ، فلا يكفي في الجوابِ أن يقولَ: لا يلزمني تسليمه لئلَّا يكون مبطلًا في دعواه، فيتعطَّل على المالكِ الوصولُ إلى ملكِهِ بمجردِ مقالةٍ قد يستعملُها المبطلُ.
وإن اعترفَ بالملكِ وادَّعى الرهنَ أو الإجارَةَ، فلا تقبلُ إلَّا ببينةٍ، فإن عجزَ عنها وخاف إن اعترفَ بالملكِ جحْدَ ذلك كفاهُ: لا يلزمني تسليمه إليك.
وإذا ادعى عليه عينًا فقالَ 17: ليستْ هي لي، فلا يكونُ كافيًا في الجوابِ، ويُقال له: الجوابُ أن تقولَ: ليستْ للمدعي.
أو: هيَ لَهُ.
فإن ذكرتَ واحدًا منهما عُملَ بمقتضاهُ، وإنْ أصررتَ على قولِكَ: ليستْ لي.
جعلناك منكرًا، وقبلْنَا البينةَ عليكَ، وجعلناكَ بعدَ عرضِ اليمينِ عليكَ ناكلًا، وأحلفنَا المدَّعي وحكمنَا بانتزاعِ ذلكَ منكَ.
وكذلكَ لو قالَ: "هي لرجلٍ لا أعرفُهُ" 18 لا يكونُ جوابًا كافيًا، ويقالُ لهُ: قد توجَّهَ عليكَ جوابٌ عدلتَ عنهُ، فإنْ أقمتَ عليه جُعلتَ ناكلًا، وأُحلفَ المدعي وحُكمَ له بانتزاعِها من يدكَ، وإن قال: لمحجوري، أو: وقفٌ على الفقراءِ، أو: مسجدِ كذا، وهو ناظرٌ عليهما، فلا تنصرفُ الخصومةُ عنهُ، ولا تنزعُ منهُ، بل يقيمُ
الجزء: 4 - الصفحة: 399
المدعي البينةَ في مسألةِ وليِّ المحجورِ، وناظرِ الوقفِ على الفقراءِ والمسجدِ، وتقدَّم الحكمُ في قولِهِ: ليستْ هي لي، أو: لرجلٍ لا أعرفُهُ.
وإذا أقرَّ به لمعيَّنٍ حاضرٍ 19 يمكنُ مخاصمتُهُ سئل، فإنْ صدَّقَهُ فلا تنصرفُ الخُصومةُ إليهِ بذلك، وللمدَّعِي أن يطلبَ يمينَ المدعَى عليه؛ بناءً على أنَّه يغرمَ له البدلَ لو أقرَّ لَه، وهو أصحُّ القولينِ، فإنِ حلفَ انصرفتِ الخصومَةُ عنهُ، وإن نكلَ حلفَ المدعي واستحقَّ الغرمَ.
وإن أقرَّ له غرمَ له البدلَ على أصحِّ القولينِ، وإن كذَّبَهُ فلا تنصرفً الخصومَةُ عنِ المدعى عليهِ وتركَ المدعَى بهِ في يدِه.
وقيلَ: يسلم إلى المدعي، وقيل: يحفظهُ الحاكمُ لظهورِ مالكٍ.
وقيلَ: يجبرُ المقرُّ له على أخذِهِ، أو الإبراءِ منه.
وإنْ أقرَّ به لغائبٍ فالأصحُّ انصرافُ الخصومة عنه، وحينئذٍ فإنْ لم يكنْ للمدعِي بينةٌ توقَّف الأمرُ إلى أن يحضُرَ الغائبُ، وإن كان له بينةٌ فيقضى له، والمرادُ بانصرافِ الخصومَةِ وإيقافِ الأمرِ بالنسبةِ إلى رقبةِ العينِ المدعاةِ، أمَّا بالنسبةِ إلى تحليفِ المدعَى عليه فلا تنصرفُ على الأصحِّ، بل له تحليفُهُ من أجلِ تغريمِ البدلِ لو أقرَّ لَهُ بها، ونكلَ، فحلفَ المدعي اليمينَ المردودة.
والمذهبُ المعتمدُ أنَّه قضاءٌ على حاضرٍ، وما قُبِلَ إقرارُ عبدٍ به، فالدعوى عليهِ وعليهِ الجوابُ، وما لا يقبلُ إقرارُهُ فعلى السيدِ، وقد تكونُ على السيدِ والعبدِ، والحالةُ هذه كضمانِ الإحضارِ، والنسبِ، والنكاحِ إذا أريدَ إثباتُهُ نفسه.
الجزء: 4 - الصفحة: 400
فرع
: تغلظُ يمينُ مدعٍ، ومدعًى عليه فيما لا يثبتُ بالشَّاهدِ واليمينِ (1)، وفي ما لا يبلغُ عشرينَ دينارًا عينًا، أو قيمةً، وحقُّ مال يبلغُ ما ذكر، وإن رأى القاضِي جرأةً في الحالفِ غلَّظَ فيما دونَ ذلكَ.
قال شيخُنا: والذي يظهرُ أنَّ التغليظَ بذكرِ الأسماءِ والصِّفاتِ يفعلهُ القاضِي فيما دونَ النصابِ، وإنْ لم تظهرْ جُرأةُ الحالِفِ.
وقدْ ذكَرَ شيخُنا في اللعانِ ما يسنُّ فيه التغليظُ بالزَّمانِ والمكانِ؛ ومن التغليظِ أَنْ يقولَ: واللَّهِ الذي لا إله إلَّا هوَ عالمِ الغيبِ والشهادَةِ الرَّحمنِ الرحيمِ، الذي يعلمُ السِّرَّ، ما يعلم من العلانيةِ.
أو يقول: واللَّهِ الطالبِ الغالبِ المدركِ المهلكِ الذي يعلمُ السرَّ وأخفَى.
واعلم أنَّ اليمينَ إمَّا أن تكونَ في جانِبِ المدَّعى عليه، أو في جانب المدَّعِي، فإن كانت في جانبِ المدَّعى عليه في الإثباتِ فيحلفُ على البتِّ، أوَ في النفي والمطلوبِ بالدعوى لاقاه ابتداءً، ويمكنُ اطلاعُهُ على سببِ الملاقاةِ حالة ضرورةٍ، وليسَ مما يغيبُ غالبًا عنِ المدعَى عليه، فإنَّ الحلفَ فيهِ يكونُ على البتِّ، وإن لم يلاقِهِ ابتداء؛ لأنَّه وارثٌ ولأنَّه لا تعلق له بالسببِ المدعَى به عند ضرورةٍ، أو لاقاهُ ابتداءً لكنْ لا يمكنُ اطلاعُهُ على سببِ الملاقاةِ، وليسَ من شأنِهِ أن يشتهرَ، فإنَّ الحلفَ يكونُ فيه على نفي العلمِ، وإن كانتِ اليمينُ من جانبِ المدعي، فهي على البتِّ دائمًا، إلَّا إذا كانتْ لدفعِ معارضٍ لا لإثباتِ المطلوبِ مع تصوُّرِ الحلفِ على نفي العلمِ.
ضابط
ٌ: لا يكونُ اليمينُ في جانبِ المدَّعي في غيرِ الردِّ إلَّا في خمسةِ20
الجزء: 4 - الصفحة: 401
أبواب: بابُ القسامَةِ، وبابُ اللعانِ، وبابُ اليمينِ مع الشَّاهِدِ، وبابُ الأمناءِ المدَّعين للردِّ على مَن ائتمنهم غير المرتهنِ والمستأجرِ والمتلفِ مطلقًا، ويدخلُ 21 في هذا البابِ ما يدَّعيه المالكُ في الزكاةِ؛ لأنَّه جعل أمينًا على ما خوَّلَهُ اللَّهُ تعالى.
وكذلكَ يدخلُ فيه ما ائتمنتِ المرأةُ عليهِ من حيضٍ وولادَةٍ على ما هو مفصَّلٌ في موضعِهِ، والبابُ الخامسُ: بابُ التحالفِ، فإنَّ اليمينَ جعلتْ فيه في الإثباتِ في جانبِ المدَّعي، وهو خارجٌ عنِ الأبوابِ السابقةِ من وجهينِ:
أحدهما: أنَّ جميعَ الأبوابِ السابقةِ اليمينُ فيها يعملُ بها في ذلك الشيءِ، بخلافِ الإثباتِ في التحالفِ، فإنَّه لا يثبتُ للمدعي حقًّا، ولهذا أسقطَهُ بعضُ الأصحابِ بيمين 22 الإثباتِ.
والثانِي: أنَّ 23 جامع بين النفي والإثباتِ بخلافِ الأبوابِ السابقةِ.
وإذا ادَّعى دينًا لمورثِهِ 24 فقال: "أبرأني مورِّثُكَ وأنتَ تعلمُ أنَّهُ أبرأنِي من هذا الدينِ المدَّعى به".
حلفَ على نفي العلمِ بالبراءةِ، وكذلك إذا ادَّعى عينًا يستحقُّها بطريقِ الإرثِ من مورثِهِ، وأتَى بالدَّعوى على وجهها، فقال المدعى عليه: "اشتريتُها من مورِّثك".
أو: "وهبنيها" -أو نحو ذلك- "وأنتَ تعلمُ ذلك" فإن الوارثَ يحلفُ على نفي العلمِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 402
ولو قال 25: جنَى عبدُك عليَّ بما يوجبُ كذا جنايةً متعلِّقةً برقبتِهِ، فسلمهُ ليُباعَ فيها.
أو فأقدْهُ بأقلِّ الأمرينِ.
فيحلفُ السيدُ إذا أنكرَ على البتِّ على الأصحِّ.
ولو أمرَ السيدُ عبدَهُ الذي لا يميزُ، أو الأعجميَّ الذي يعتقدُ وجوبَ طاعةِ السيِّدِ في كل ما يأمرُ بِه، فالجانِي هو السيِّدُ، ويحلفُ على البتِّ قطعًا.
ولو قال 26: جنتْ بهيمتُك علىَّ أو على زرعي -ونحو ذلك- مما يوجب عليكَ كذا من جهةِ تقصيرِك.
فأنكَرَ على البتِّ، وحكمُ العبدِ المجنونِ الضاري بطبعِهِ كالبهيمَةِ، حتَّى يحلفَ السيِّدُ على البتِّ إذا قصَّرَ في حفظِهِ، وأتلفَ هذا الضَّارِي شيئًا.
وما حلفَ فيه على البتِّ لا يشترطُ بجوازِهِ اليقين، بل يجوزُ البتُّ بناءً على ظنٍّ مؤكَّدٍ يحصلُ من خطِّه أو خطِّ أبيهِ، وإنما يحلفُ المدعى عليه إذا طلبَ المدعي يمينَهُ، فإن لم يطلبْ ولم يقلع عنِ المخاصمةِ فلا يحلفه القاضي 27، وهذا حيث احتيجَ إلى طلبِ اليمينِ، فإنْ لم يكنْ كذلكَ، كما لو كانتِ الدَّعوى لمحاجيرَ الحاكمِ، وكذا يمين الردِّ واليمين مع الشاهدِ، ويمين الأمناءِ الذينَ يدعونَ التَّلفَ، والردُّ على من ائتمنهم.
وغيرُ الأمناءِ المذكورينَ الذين تفيد يمينهم ما لم يكنْ، فلا يحتاجُ في ذلكَ إلى طلبِ الخصمِ.
ومما يعتبرُ في الحلفِ استحلافُ القاضِي، فلو حلفَ الخصمُ بعد طلبِ خصمِهِ على ما سبقِ، وقبلَ استحلافِ القاضِي، لم يعتدَّ باليمينِ.
نصَّ عليه الشافعيُّ.
واتفقَ عليه الأصحابُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 403
وتعتبرُ نيَّةُ القاضِي المستحلفِ الموافقة لظاهِرِ اللفظِ الواجب في الحلف؛ إن لم يكنِ الحالفُ محقًّا في الذي نواهُ، فإن كانَ محقًّا فيه فالعبرةُ بنيَّتِهِ لا بنيةِ القاضِي، والحالفُ هو كلُّ مَن يتوجَّه عليه دعوى صحيحة لو أقرَّ بمطلوبها ألزم، فإذا أنكرَ حلفَ عليه.
ويستثنى من ذلكَ القاضِي، فلا يحلفُ، وقال الماورديُّ: كلُّ مَن نهي عن الكتمانِ كانَ القولُ قولُهُ بيمينٍ.
واليمينُ يفيدُ قطعَ الخصومَةِ في الحالِ، إلَّا البراءَةَ، فلو حلفه ثم أقامَ بينةً حكمَ بها، ويستثَنى من ذلك صورةً واحدةً، وهي ما إذا ادَّعى إنسانٌ أنَّه أودعَ عندَ إنسانٍ شيئًا، فأجابَ المدعى عليه بنفي الاستحقاقِ، وحلفَ على ذلك، فإنَّ هذا الحلفَ يفيدُ البراءةَ، حتى لو أقامَ المدَّعي بينةً بأنَّه أودَعهُ الوديعةَ المذكورَةَ، فلا أثرَ لها؛ لأنَّ نفيَ الاستحقاقِ قد وقعَ الحلفُ عليه، ولم تقمِ البينةُ بما يخالفُهُ.
وإذا قالَ المدعَى عليهِ: قد حلَّفني مرَّةً، فليحلفْ أنَّه لم يحلِّفْنِي.
فالأصحُّ أنَّه يمكَّنُ منهُ.
فإنْ قالَ القاضِي: قد حلَّفني له مرَّةً في هذا المدَّعَى به، وكان القاضِي يعرفُ ذلك، لم يحلِّفْهُ قطعًا.
وإذا نكلَ حلف المدعي وقُضِيَ له بما يقتضيهِ الحالُ، وإنما يحصُلُ النكولُ بأنْ يعرضَ القاضِي اليمينَ عليه، فيمتنعُ، وفُسرَ العرضُ بأنْ يقولَ: قُلْ: واللَّهِ.
والامتناعُ بأنْ يقولَ: لا أحلفُ.
أو: أنا ناكلٌ، ولو قالَ لهُ القاضِي: قُل: باللَّهِ.
فقال: بالرحمنِ.
كان ناكلًا.
وإذا صرَّح بالنكولِ، فلا بدَّ فيهِ من الحكمِ بأنَّه ناكلٌ، فإن سكتَ زمنًا يسمعُ 28
الجزء: 4 - الصفحة: 404
قولَهُ: لا أحلف، أو: أنا ناكلٌ.
من غيرِ ظهورِ أنَّ السكوتَ لدهشةٍ أو غباوةٍ ونحوهما حكمَ القاضِي بنكولِهِ (1).
وقولُهُ للمدعِي: احلف.
حكم بنكول المدعى عليه.
وهذا لا بدَّ أن يتقدَّمَهُ طلبٌ من المدعي المحكومِ له بنكولِ المدعَى عليه.
فإذا طلبَ تخيير (2) القاضِي، فإن شاءَ حكمَ بنكول المدعَى عليه، وإن شاء قال للمدعي: احلف.
وحيث حكم بنكول المدعَى عليه لا يعودُ إلى الحلفِ الذي كانَ في جانبِهِ إلَّا برضَى المدعي بحلفِه.
وفي اليمينِ المردودَة قولانِ:
أحدُهما: أنها كالبينةَ الكاملةِ بقيودِ أَنْ يكونَ في حقِّ المدعَى عليه خاصَّةً، وأن لا يكونَ في حدِّ الزِّنا، وأنْ يكونَ الحلفُ على الإثباتِ، وأن لا تكونَ بالنسبةِ إلى تعارُضِها معَ البينةِ التحقيقيَّة، بل تقدَّمُ البينةُ التحقيقيةُ عليها على الصوابِ، وأظهَرُ القولينِ أنَّها كإقرارِ الرادِّ في غيرِ حلف الزنا.
فإن قُلنا: إنَّها كالبينةِ، سمعتُ بينةَ المدعَى عليه بالإبراءِ، والأداءِ.
وإن قلنا: كالإقرارِ، فكذلكَ على الصحيحِ، وقيل: على هذا القولِ لا تُسمعُ.
فإن لم يحلفِ المدَّعِي 31، ولم يتعللْ بشيءٍ سقط حقُّه من اليمينِ المردودَةِ في ذلك المجلسِ وفي غيرِهِ، وليسَ لَهُ مطالبةُ الخصمِ إنْ كانَ حلفهُ، ويثبتُ له حقًّا يأخذُهُ من المدَّعَى عليه، وأن لا يكونَ هناكَ حقٌّ للَّهِ تعالَى2930
الجزء: 4 - الصفحة: 405
مؤكَّدٌ يسقط عن المدعي بحلفِهِ.
فإن تعللَ بإقامَةِ بينةٍ (1) أو مراجعةِ حسابٍ أُمهلَ ثلاثةَ أيامٍ، وقيل: أبدًا، وإن استمهلَ المدعَى عليه حين استحلفَ لم يمهل على الأصحِّ، وقيل: يمهلُ ثلاثةَ أيَّامٍ، وإنِ استمهل المدعَى عليه في ابتداءِ الجواب ذكرَ الهرويُّ أنَّه يمهلُ إلَى آخرِ المجلسِ.
قال شيخُنا: وهذا مخالفٌ لما يظهرُ من كلامِ الشافعيِّ وأصحابِهِ، ومخالفٌ لمقتضَى قواعدِ الشريعةِ، فإنَّ الدعَوى قد توجَّهتْ إليهِ، فيحتاجُ إلى الجوابِ على الفورِ، والإمهالُ إلى آخرِ المجلسِ توقيتٌ لا دليلَ عليهِ.
وأطالَ الكلامَ على ذلك.
ومَن طُولبَ بزكاةٍ (2) فادَّعى دفعها إلى ساعٍ آخرَ، أو غَلطِ خارصٍ، وقلنا بالوجهِ المرجوح بإلزامِهِ باليمينِ، فنكلَ وتعذَّرَ ردُّ اليمينِ لعدمِ انحصارِ المستحقِّينَ، فالأَصحُّ على المرجوحِ: أنها تُؤخَذُ منهُ.
وإذا ادَّعى وليُّ صبيٍّ دينًا له، فأنكرَ ونكَلَ لم يحلَّف، وقيل: يحلَّفُ.
وقيل: إن ادَّعى ثبوتَهُ بسببٍ باشرَهُ حلفَ.
فصل
إذا ادَّعى اثنانِ عينًا في يدِ ثالثٍ 34، لم تكنْ يدُهُ مبنية على يديهما، ولا يدُ3233
الجزء: 4 - الصفحة: 406
واحدٍ منهما تنافي دعوى الآخر، وأقامَ كلُّ واحدٍ منهما بينةً بما ادَّعاهُ، ولا ترجيحَ، سقطتا، حيث لم تشهدَا بسبب يقتضي التشريكَ.
وفي قولٍ: تستعملانِ، فتنزعُ العينُ ممن هي في يدهِ.
ثمَّ في كيفيَّةِ الاستعمالِ أقوالٌ:
أحدُها: تقسمُ، فيجعلُ بينهما نصفينِ.
والثاني: يقْرَعُ، ويرجحُ جانبُ مَن خرجتْ قرعتُهُ ويحتاجُ إلى الحلفِ بعدَها.
والثالثُ: يوقفُ حتى يتبيَّنَ، أو يصطلحا.
والضابطُ الذي يتمسكُ به الفقيهُ في المواضعِ التي تجري أقوال الاستعمالِ فيها، والتي لا تجرِي أقوالُ الاستعمالِ فيها، أن.
. . 35 الأعيانِ المملوكَةِ أو الحقوق من منفعةٍ أو رهنٍ أو اختصاصٍ، ولا تجري في المواضع والقصاصِ.
وإذا تعذَّرَ واحدٌ من الأقوالِ في كيفيَّةِ الاستعمالِ حملَ على ما يمكنُ من بقية أقوالِه، ولو كانتْ في يدهما، وادَّعى كلُّ واحدٍ منهما كلها له، وأقاما بينتين بقيتْ كما كانتْ بالبينةِ لا كما كانتْ باليدِ، ولو كانتْ بيدِ واحدٍ منهما فأقام غيرُهُ بينةً وهو بينةً قدِّمت بينةُ ذي اليدِ، ولا يحلفُ معها 36.
فإن أقامَ الخارجُ بينةً بأنَّ الداخلَ غصبَها منهُ واستعارَها منهُ أو استأجرَها منهُ، قُدِّمت بينةُ الخارجِ على الأصحِّ المقتضِي للنصِّ.
ولا تسمعُ بينةُ الداخلِ إلَّا بعدَ بينةِ الخارجِ 37 إلَّا إذا كان في إقامةِ بينةِ
الجزء: 4 - الصفحة: 407
الداخلِ دفع ضررٍ عنهُ بتهمةِ سرقةٍ ونحوِها، فتسمعُ قبلَ بينةِ الخارجِ 38 كما إذا وجدنا إنسانًا خارجًا بمالٍ من حرزِ غيرِهِ، فقالَ صاحبُ الحرزِ: سرقَ من حرزي هذا المالَ، وقال الذي بيده المال: "هذا مالي"، وأقام بينةً بذلكَ قبل إقامةِ الخارجِ البينة، فإنَّها تُسمعُ لما تقدَم.
ولو أزالَ يده ببينةٍ 39 ثم أقام بينة بملكِهِ مستندًا إلى ما قبل إزالة يده سمعتْ إن أسندت الملك إلى حالة قيام بينة، ثم يديمونه إلى وقتِ الشهادَةِ، وقدمتْ حينئذٍ، ولو أقامَ بينةً بالملكِ المطلقِ من غيرِ الإسنادِ المذكورِ سمعتْ، لكنَّه يكونُ خارجًا.
ومَن أقرَّ لغيرِهِ بشيءٍ يمكن أن يدعيَه لنفسِه 40، ثم ادَّعاهُ، لم يُسمعْ منه، إلَّا إن قالَ: مَلَكَهُ بهبةٍ صدرتْ منِّي.
أو قال: وهبتُهُ لهُ وملكَهُ.
وادعى في كلٍّ من الصُّورتينِ أنَّه لم يحصُلِ القبضَ المعتبر، وأنَّه اعتقدَ الهبةَ بمجردها، يحصلُ بها الملك من غيرِ قبضٍ، فتسمع حينئذٍ دعواهُ، والقولُ قولُهُ بيمينِهِ في ذلكَ على مقتضَى النصِّ.
ومن أُخذَ منهُ مالٌ ببينةٍ 41 ثمَّ ادَّعاهُ لم يشترطْ ذكرُ الانتقالَ على الأصحِّ إذا شهدتِ البينةُ بالملكِ، وأطلقتْ أو إضافته إلى سببٍ لا يتعلَّقُ بالمأخوذِ منه، ومحلُّ الخلافِ في غيرِ الدَّاخِلِ والخارجِ.
فإنَّ العينَ إذا أخذتْ منهُ ببينةِ الخارجِ ثم أقامَ الداخلُ البينةَ الشاهدةَ له بالملكِ مستندًا إلى ما قبل القضاءِ للخارجِ وشهدتْ بدوامِ الملكِ إلى حينِ الشَّهادَةِ فلا يشترطُ فيه ذكر الانتقالِ
الجزء: 4 - الصفحة: 408
بلا خلافٍ، كما قالَ شيخُنا.
وزيادَةُ عدد شهودِ أحدِهما 42، أو صفةٌ في بينةِ أحدِهما لا ترجِّحْ على الجديدِ، ولو أقامَ أحدُهما رجلينِ، والآخرُ رجلًا وامرأتينِ، فالأشهرُ أنَّه لا ترجيحَ أيضًا، فلو كانَ للآخرِ شاهدٌ ويمينٌ، رجحَ الشاهدانِ على الأظهَرِ، فإن كانَ مع جانبِ الشاهدِ واليمينِ يد، فالأصحُّ تقديمُ الشاهدِ واليمين، ولو شهدتْ لأحدهما بملك من سنة، وللآخرِ من أكثر، فالأظهر ترجيحُ الأكثرِ، فإن كانَ الملكُ في يدِ صاحبِ الأكثَرِ ترجَّحَ الأكثرُ قطعًا.
ولو تعرَّضتِ البينتانِ لسببِ الملكِ ونسبته إلى واحدٍ، كما لو شهدَتْ بينةٌ أنَّه اشتراهُ منْ زيدٍ من سنةٍ، وشهدتِ الأخرى أنَّه اشتراهُ من زيدٍ من سنتين، قدِّمتْ بينةُ السنتين قطعًا، ولصاحبها الأجرةُ والزيادَةُ الحادثةُ من يومِ الأكثرِ.
ولو أُطلقتْ بينةٌ وأُرِّخَتْ بينةٌ 43، فالأظهرُ ترجيحُ المؤرَّخة على الأظهرِ تقدم بينة الداخلِ على الأصحِّ 44، والأظهرُ أنها لو شهدتْ بملكهِ أمس، ولم تتعرَّض للحالِ لم تسمع حتى تصرح بالحالِ، أو تذكرَ ما يقتضيهِ من قولهم: لم يزل ملكه 45.
وتجوزُ الشَّهادَةُ بملكِهِ الآن 46، وما ذكر معه استصحابًا لما سبقَ من إرثٍ وشراءٍ وغيرهما، مما يعرفً الشاهدُ فيه ملكَ المورِّثِ وملكَ البائعِ، وملكَ
الجزء: 4 - الصفحة: 409
غيرِهِما من واهبٍ وموصٍ ونحو ذلكَ، ولو شهدُوا بأنَّ مورثه مات، وهو مالكٌ له أو باعهُ بايعه وهو مالك له كفى ذلك.
ولو شهدوا أنَّه أقرَّ أمس بالملكِ للمدعي، قبلتِ الشَّهادَةُ واستديمَ حكمُ الإقرارِ، وإن لم يصرَّحِ الشاهدُ بالملكِ في الحالِ، ولو أقامها مطلقةً بملكِ دابَّةٍ أو شجرةٍ بحيث لم يسند إلى زمنٍ ماضٍ لم يستحقَّ ثمرةً موجودَةً عندَ إقامتِها، ولو لم تعدل، والمرادُ بالموجودَةِ التي لا تدخلُ في البيعِ الصادرِ على الشجرةِ، بأن تكونَ مؤبَّرَةً في ثمرةِ النخلِ، أو برزتْ في العنبِ والتينِ، أو خرجتْ في نورٍ ثمَّ تناثرَ النورُ عنها، كالمشمشِ والتُّفاحِ، ولا يستحقُّ ولدًا منفصلًا، ويستحقُّ حَملًا موجودًا عند إقامَةِ البينةِ على الأصحِّ.
ولو اشترَى شيئًا 47 فأخذَ منه ببينةٍ رجعَ على بائعهِ بالثمنِ إذا لم يصدقِ المشتري البائع حالة البيعِ على أنَّ المبيعَ ملكه وإذا رجعَ المشتري حينئذٍ ردَّ على البائع النتاجَ والثمرةَ إن كانَ البيعُ فاسدًا، وإن كانَ صحيحًا فلا ردَّ ولا رجوعَ بالثمنِ، هذا هو المعتمدُ خلافًا لمن قالَ خلافَ ذلك.
ولو ادَّعى ملكًا شهدوا لهُ مع سببهِ، لم تبطلْ شهادتُهم بذلك، لكن لا ينفعُه ذلك في إثباتِ السببِ لو أرادَهُ من أجلِ الترجيحِ على القولِ بذلكَ حتَّى تعادَ الدَّعوَى به، ثم تقومُ الشهادَةُ به على الأصحِّ، وإن ذكرَ سببًا وهم سببًا بطلتْ شهادتُهم، ولا يصيرونَ مجروحينَ على الأصحِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 410
فصل
قال: أجَّرتُكَ البيتَ شهرًا 48، ويعيِّنه بعشرةٍ، فقالَ المستأجِرُ: بل أجَّرتني جميعَ الدارِ ذلك الشهرِ بعشرةٍ، وأقاما بينتينِ تعارضتا، إذا لم يكونا مؤرَّخَتين بتاريخين مختلفين، واتفقا على أنَّه لم يَجْرِ إلَّا عقدٌ واحدٌ، والحكمُ المفتى به على التساقطِ، حيثُ تعارضتا أنهما يتحالفانِ على النصِّ، كما لو لم يكنْ هناكَ بينةٌ، وعلى قولٍ: الاستعمالُ لا يأتي قول القسمةِ، ولا قول الوقفِ.
وشذَّ البندنيجي فحكى قولًا بتقديمِ بينةِ المستأجرِ، وإنما هو من تخريجِ ابن سريج، ومحلُّه في غيرِ مختلفتي التاريخ، ولم يخصَّه ابنُ سريجٍ ببينةِ المستأجِرِ، وإنما مدارُهُ على البينةِ الشاهدةِ بالزيادَةِ، وأمَّا مختلفتا التاريخِ ففيهما قولانِ:
أحدهما: تقديمُ البينةِ السابقةِ التاريخِ، وهو الأظهرُ.
والثاني: تقديمُ متأخرَةِ التاريخِ.
وموضعُ القولينِ إذا لم يتَّفقَا على أنَّه لم يجر إلَّا عقدٌ واحدٌ.
ولو ادَّعيا شيئًا في يدِ ثالثٍ 49، وأقامَ كلُّ واحدٍ منهما بينةً أنَّه اشتراهُ منهُ، ووزنَ له ثمنه، فإنِ اختلف تاريخٌ حُكِمَ للأسبقِ إذا لم يصدر البيع المتأخرِ في حالةِ الخيارِ الثابتِ للبائعِ، إمَّا وحدهُ ومع المشتري.
وحيث حكم للأسبقِ بالعينِ التي في يدِ البائعِ فيحكمُ للمتأخِّر على البائعِ بدفعِ الثمنِ الذي وزنه لهُ، وإلَّا تعارضتا له، ويرجعُ كلٌّ منهما بالثمنِ الذي وزنه، وإنما تساقطتا فيما فيه التعارضُ، وهو الرقبةُ دونَ الثمنين.
الجزء: 4 - الصفحة: 411
ولو قالَ كلٌّ من المُدَّعيين 50 استحقَّ عليك ألف درهم ثمن هذا الثوب الذي بعتُه لك بالثمنِ المذكورِ، وهو ملكي، وسلمته لكَ، وأطالبك بدفعِ ثمنه، وأقامَا البينتين، فإنِ اتحدَ تاريخُهما بتعيينِ وقتٍ يضيقُ عنِ إمكانِ تقديرِ ما وقعتْ الدعوتانِ به فيتعارضانِ في الثمنِ فلا يلزمُ المشتري شيءٌ من الثمنينِ لتعارُضهما في مقابلِ الثمنِ.
وإنِ اختلفَ اختلافًا يمكنُ فيه تقديرُ ما وقعتِ الدعوتانِ بهِ لزمَهُ الثمنانِ، وإنْ أطلقتا أو إحداهما وجبَ لكلِّ واحدٍ نصفُ الثمنِ مطلقًا على النصِّ.
ولو ماتَ عن ابنينِ مسلمٍ ونصرانيٍّ 51، فقالَ كلُّ واحدٍ منهما: ماتَ على دِينِي وإرثُه لي، فإن عُرِفَ أنَّه كانَ نصرانيًّا صُدِّقَ النصرانيُّ، فإن أقاما بينتينِ مطلقتينِ تشهدُ إحداهُما أنَّه ماتَ مسلمًا، والأخرى أنَّه مات نصرانيًّا، قدِّمَ المسلمُ.
وكذلك يُقدَّمُ المسلمُ إذا شهدتْ إحداهُما بأنَّه مسلمٌ، وشهدتِ الأخرَى بأنَّه نصرانيٌّ، وإن شهدتْ إحداهُما بأنَّ آخرَ كلمةٍ تكلَّم بها كلمةُ الإسلامِ ومكثت عندهُ إلى أن 52 ماتَ ودفنَ.
وشهدتِ الأخرَى بأنَّ آخرَ كلمةٍ تكلَّمَ بها كلمةُ الكفر، ومكثتْ عندَهُ إلى أَنْ ماتَ ودفنَ، فههنا يقعُ التعارضُ، وإن لم يعرفْ دينُهُ وأقامَ كلٌّ منهما بينةً أنَّه ماتَ على دينِهِ؛ قال شيخُنا: الصوابُ تقديمُ بينةِ المسلمِ، لأنَّ الإسلامَ يطرأُ على التنصُّرِ فيقطع التنصُّرَ، ولا سبيلَ إلى أن التنصُّرَ يطرأُ على الإسلامِ فيقطعُهُ، إنما ذلك الردَّةُ، ولا ميراثَ معها.
الجزء: 4 - الصفحة: 412
ولو ماتَ نصرانيٌّ عنِ ابنينِ؛ مسلمٍ ونصرانيٍّ 53، فقالَ المسلمُ أسلمتُ بعدَهُ، فالميراثُ بيننا، وقال النصرانيُّ: قبلَهُ، صُدِّقَ النصرانيُّ بيمينِهِ.
فإن أقامَ كلٌّ بينةً بدعواهُ، قدِّم النصرانيُّ إلَّا إن شهدتْ بينةُ المسلمِ بأنها علمتْ منه دينَ النصرانيةِ حينَ موتِ أبيهِ، وبعدَ موتِ أبيهِ، وأنها لم تستصحبِ الحالة التي كانت قبل موتِ أبيه، فإذا شهدتْ بذلك قدمتْ بينةُ المسلمِ.
فلو اتفقا على إسلامِ الابنِ بها رمضانَ، وقال المسلمُ: مات الأبُ في شعبان، وقال النصرانيُّ: في شوَّالٍ، صدِّقَ النصرانيُّ، وتقدَّم بينةُ المسلمِ على بينتِهِ إلَّا إذا شهدتْ بينةُ النصرانيِّ برؤيته حيًّا في شوَّالٍ، وأنها لم تستصحبِ الحياةَ الأصليةَ فتقدمُ بينةُ النصرانيِّ حينئذٍ.
وإن ماتَ عن أبوينِ كافرينِ 54، وابنينِ مسلمينِ، قال كلُّ فريقٍ: مات على ديننا، فإنْ كانَ كفر الأبوينِ بالتكفيرِ الأصليِّ ثابتًا بالبينةِ، أو سلمه الفرعُ المنازع وليس هناك أصل للميتِ يسلم، فالقولُ قول الأبوينِ بلا خلافٍ، وإن كان كفر الأبوين الكفرَ الأصلي غير ثابت، ولا يُسلمه الفرع فالفتوى على التوقُّفِ حتى يتبينَ الحالُ، أو يصطلحوا.
ولو شهدتْ 55 أنَّه أعتق في مرضِ موتِهِ سالمًا، وأخرى غانمًا، وكلُّ واحدٍ ثلثُ ماله، فإنِ اختلفَ تاريخٌ قدِّم الأسبقُ، وإن اتحدَ أقرعَ.
ويستثنى منهُ ما إذا كانَ الاتحادُ بمتقضى تعليقٍ وتنجيزٍ بأن يقولَ: إن أعتقتُ غانمًا، وسالمٌ حرُّ، ثم يعتقُ غانمًا فيعتقُ سالمٌ مع عتقِ غانمٍ بناءً على
الجزء: 4 - الصفحة: 413
أنَّ الشرطَ والمشروطَ يقعانِ معًا، وهو المرجَّح، وهذا تاريخٌ متحدٌ ولا إقراعَ، ويتعيَّنُ السابقُ، وإن أطلقتا، فقيلَ: يقرع، وقيل: قولانِ مرجحان؛ الإقراع والتنصيف، والمذهبُ المعتمدُ الإقراع لا التنصيف 56. ولو شهدَ أجنبيانِ 57 أنَّهُ أوصى بعتقِ سالمٍ وهو ثلثُه ووارثانِ حائزانِ عدلانِ: أنَّه رجعَ عن ذلك، ووصى بعتقِ غانمٍ وهو ثلثه، ثبتَ لغانمٍ، فإن كانَ أحدُهما تقبل شهادتُهُ في الواقعِةِ لم يثبتِ الرُّجوعُ فيعتقُ سالمٌ، والأصحُّ يعتقُ غانم كلُّهُ؛ لأنَّ الشاهدينِ الفاسقينِ أو أحدَهما يعتقدانِ أنَّ سالمًا ملكُهُما، وإنما منعهما من التصرُّفِ فيهِ ظاهرًا الشهادةُ التي هي عندهما غيرُ معمولٍ بها، لما عرفا من الرجوعِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 414
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باب إلحاق القائف
هو لغةً: متتبعُ الآثارِ والاشتباهِ، والجمعُ قافة.
والأصلُ فيه: حديثُ عائشةَ الثابتُ في "الصحيحين" 58 قالتْ: دخل عليَّ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو مسرورٌ فقال: "أيْ عائشةُ، ألم تري أنَّ مجزِّزًا المدلجِي دخلَ فرأَى أسامةَ وزيدًا عليهما قطيفةٌ قد غطَّيا رؤوسهما، وقد بدتْ أقدامُهما فقال: إن هذهِ الأقدامَ بعضُها من بعضٍ".
الجزء: 4 - الصفحة: 415
قال الشافعيُّ (1): فلو لم تكنِ القافةُ عِلمًا ولها اعتبارٌ، وعليها اعتمادٌ لمنعهُ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّه لا يقرُّ على خطأٍ، ولا يُسَرُّ إلَّا بالحقِّ.
شرطُ القائفِ
مسلمٌ، عدلٌ، بصيرٌ، ناطقٌ، سميعٌ، غيرُ أصلٍ لطالبِ الإلحاقِ، ولا فرعٍ له، وغيرُ عدوٍّ لمن ينفيهِ عنهُ إذا كانَ طالبًا للإلحاقِ.
وأنْ يكونَ فقيهًا فيما يتعلَّقُ بالنسبِ الذي يلحقُ به، أمينًا، مجربًا بالكيفيَّةِ التي نصَّ عليها الشافعيُّ، حيث قال:
ولا يقبلُ قولُ القائفِ حتَّى يكونَ أمينًا، فإذا أحضرنا القائفَ والمتداعيينِ للولدِ وذوي أرحامِهم، إن كان المدَّعون له موتَى، أو كانَ بعضُ المدعين له ميتًا فأحضرنا ذوي رحمِهِ، أحضرنا احتياطًا أقربُ الناسِ نسبًا وشبهًا في الخلقِ والسنِّ والبلدِ بالمدعينَ له، ثم فرقنا بين المتداعيينِ منهم، ثم أمرنا القائفَ يلحقَهُ بأبيهِ، أو أقربِ الناسِ بأبيهِ، إن لم يكُنْ لهُ أبٌ، وإن كانتْ معهُ أمٌّ أحضرنا لها نساءً في القُربِ منها كما وصفتْ، ثم بدأنا فأمرنا القائفَ أَنْ يلحقَهُ بأمِّه، لأنَّ 62 القائفَ في الأمِّ معنى، ولكن يستدلُّ به على صوابِهِ في الأبِ إن أصابَ فيها، ويستدلُّ على غيرِه إن 63 أخطأ فيها.
انتهى.60
الجزء: 4 - الصفحة: 416
والمذهبُ اشتراطُ حرٍّ ذكرٍ، لا عددٌ، ولا كونُه مُدْلجيًّا 64، بل يجوزُ من سائرِ العربِ، فإنْ تداعَى اثنانِ، كلٌّ منهما أهلٌ للاستلحاقِ إنِ انفردَ مجهولًا لا يعرفُ نسبُهُ، ويصحُّ أن يستلحقَهُ مَن يدعي أنَّه ولدُهُ على ما سبقَ من الشرائطِ في اللقيطِ عرض ذلك المجهولُ على القائفِ إذا كانَ غيرَ مكلَّفٍ.
وإنِ اشتركَ اثنانِ في وطءٍ بشبهةٍ، أو دخلَ ماؤهما في امرأةٍ بشبهةٍ، أو استدخلتْ ماءهما 65 بشبهةٍ، فولدتْ ممكنًا منهما، ونازعاهُ عُرضَ على القائفِ.
ولو كانَ مكلَّفًا، وكذا إنِ ادَّعاهُ أحدُهما والآخرُ ساكتٌ أو منكرٌ ولا بدَّ من حكمِ الحاكِمِ في صحَّةِ إلحاقِهِ بالقافَةِ بخلافِ المجهولِ المتقدِّم وسواء كانتْ زوجةُ أحدِهما فوطئها وطلَّق، فوطئها آخرُ بشبهةٍ أو نكاحٍ فاسدٍ، أو أمتهُ وباعها فوطئها المشتري ولم يستبرئ واحدٌ منهما.
وكذا لو وطئ منكوحَةً -على المذهبِ- بأن يكونَ الزوجُ قال لزوجتِهِ: "وطئكِ فلانٌ بشبهةٍ وهذا الولدُ منه"، ويعترفُ المنسوبُ إليه وطءُ الشبهةِ بذلكَ، ويدعي الولدَ فيعرض الولدُ حينئذٍ على القائفِ.
وقيل: يلحقُ الزوجُ النسبَ ويلاعن، ولا يرى القافة، فإذا ولدته لأقلَّ مدَّةِ الإمكانِ لكلِّ واحدٍ، ولم يزد على أكثرِ مدَّته، عرض فإن تخلَّلَ بين وطئهما
الجزء: 4 - الصفحة: 417
حيضةٌ، فللثاني إلَّا أن يكونَ الأولُ زوجًا في نكاحٍ صحيحٍ، وإلَّا أن يكونَ قد حصلَ بعد طلاقِهِ حيضةٌ أو حيضتانِ، فإنَّه لا يكونُ للثانِي بل يعرضُ على القائفِ، وسواء فيهما اتفقَا إسلامًا وحرِّيةً أم لا.
الجزء: 4 - الصفحة: 418
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ