باب إحياء الموات والحقوق المشتركة العامة وما يتبعها
المَواتُ والمَوَتانُ: بفَتحِ المِيمِ والواوِ، والميتُ والميتةُ: الأرضُ التي لَم تُعمَرْ قَطُّ 1، ويُطلَقُ الميتُ والميتةُ على التي لَمْ يُصبْها ماءٌ 2.
ومقصودُ البابِ الأولُ 3، والترجمةُ فيها مَجازٌ مِن جِهَةِ الإحْياءِ والمَواتِ.
عن عائشةَ -رضي اللَّه عنها- أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن أَعْمَرَ أرْضًا لَيْسَتْ لِأحَدٍ، فَهُو أحَقُّ
بِهِ 1 " 2. رواه البخاريُّ.
وعن سَعيدِ بنِ زيدٍ 3 -رضي اللَّه عنه- عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن أحْيَا أرْضًا مَيِّتةً فهِيَ له، وليْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حقٌّ".
رواهُ أصحابُ السُّننِ إلَّا ابنَ ماجه، وقال الترمِذِيُّ: حديثٌ حَسنٌ غريبٌ 4.
وعنْ جابرٍ -رضي اللَّه عنه-: عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أَحْيَا أرضًا مَيِّتةً فَهِي لَهُ".
رواه الترمذيُّ.
وقال: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، والنسائيُّ 1.
وفِي البابِ أحاديثُ غَيرُ هذِه عَن جَماعةٍ مِنَ الصحابةِ رضي اللَّه تعالى عنهم.
وفِي رواية لِجابرٍ: "مَنْ أحْيَا أرضًا ميتةً فلَه بِهَا أجْرٌ" 2. رواهُ أحمدُ وهو = قال ابن عبد البر في "التمهيد" (22/ 283): "هذا الاختلاف على عروة يدل على أن الصحيح في إسناد هذا الحديث عنه الإرسال".
وقال الدارقطني في "كتاب العلل" (4/ 414 - 415): والمرسل عن عروة أصحُّ.
وذكره أيضًا في "العلل" (5/ 25/ ب) وقال: "يرويه الزهري، وابن أبي مليكة، وهشام ابن عروة، واختُلف عنهم، فأما الزهري: فروى حديثه زمعة بن صالح، عنه، عن عروة، عن عائشة، وغيرُه يرويه عن الزهري مرسلًا، وأما ابن أبي مليكة... "، وذكر الاختلاف فيه، ثم قال: "والصحيحُ عن هشام، عن أبيه مرسلًا".
يدلُّ على استِحبابِ الإحْياءِ، وفِي رِوايةِ الشافعيِّ مِن حَديثِ طُاوسٍ مُرسلًا: "هذه (1) الأرضُ للَّه ولرَسولِهِ، ثُمَّ هِي لكُم منِّي" (2). وهذا خِطَابٌ لِلْمُسلمِينَ.
الأرضُ قِسمانِ: أرضُ مُسلمِينَ وأرْضُ كفَّارٍ.
1 -
القسمُ الأولُ: عَامِرٌ وغَيْرُ عَامرٍ:
فالعامرُ: مَمْلوك، أوْ مَوقوفٌ.
وغيرُ العامِرِ: إنْ 3 لَمْ يُعمَرْ قَطُّ، ولمْ يَتعلَّقْ به حَقٌّ يَملِكُه المُسلمُ بالإحياءِ، وكذا إنْ عَمَرَ جَاهليةً على ما رجَّحُوهُ، وإذا 4 لَمْ يُعْلَمْ كَيفيةُ استيلاءِ المُسلمِينَ علَيهِ، فإنْ عُلِمَ عُمِلَ بِمُقتضاه مِنْ غَنيمةٍ أو فَيْءٍ.12 = عبد الرحمن بن رافع بن خديجٍ، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه، يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحيا أرضًا ميتةً، فله بها أجرٌ، وما أكلت العافية، فله بها أجرٌ".
والتحقيقُ لا يُملَكُ بالإحياءِ مُطْلَقًا لِتَحقُّقِ سَبْقِ المِلْكِ (1).
ويَمْلِكُ المُسلِمُ ما عَمَّرَهُ كافرٌ فِي مَواتِ الإِسْلامِ، إذا نَقَلَ مالَه، وإنْ لَمْ يأذنِ الإمامُ فِي الصُّورِ كُلِّها (2).
وليْسَ لَنا مَوضِعٌ يُعتبَرُ فيه إذنُ الإمامِ فِي الإحياءِ [فِي غيرِ الحِمى، لأنَّه نقضٌ] (3) إلا فِي صُورتَينِ على وجهٍ ضعيفٍ (4):
إحداهُما: فِي عِمارَةِ الكافرِ إنْ بَقِيَ أثَرُها.
الثانيةُ: إحياءُ ذِي العهْدِ فِي بِلادِ الإسْلامِ.
2 -
القسمُ الثاني: أرضُ الكفارِ،
ما كان مَعمُورًا منها مِلْكٌ لا مَدخَلَ للإحياءِ فيه ومَا لَمْ يَكنْ 5 مَعمُورًا قَطُّ يملِكُه الكَافرُ بالإحْياءِ، وكذا المُسلِمُ، فيما لَم يَذُبَّ عنه المُسلمِينَ.
وما استولَيْنَا علَيه مِن مَواتِهم بِقِتالٍ، فأصحابُ الغَنيمةِ أحقُّ بإحيائِه، أو بِصلْحٍ فأهْلُ الفَيءِ أحَقُّ بإِحيائِه يُحْيِيهِ الإمامُ لَهم.
وما صُولِح الكفَّارُ عليه على أنَّ البَلَدَ لَهُم، فيَختصُّونَ بإِحياءِ مَواتِه، وإنْ لَمْ1234
يُشرَطْ فِي الصُّلحِ على الأصحِّ إذا كان مِن مَرافقِهم.
وضَبَطَه بعْضُهم بأنْ يَذبُّوا عنه، وفيهِ نَظرٌ.
ولا يُمْلَكُ بالإحياءِ ما تَعلَّقَ به حَقٌّ خاصٌّ أو عامٌّ، كحَرِيمِ الدَّارِ، وهو مِلْكٌ لِصاحِبِها على الأصحِّ، ولا يُفرَدُ بالبَيعِ كشِرْبِ الأرضِ، وهو مَوضِعُ مَطْرَحِ 1 الترابِ ونحوِه، والمَمرِّ فِي جِهَةِ الباب وكَحَريمِ البِئْرِ نَحوِ مَوْضِعِ الدُّولابِ 2، ومُتردِّدِ البَهيمةِ ووُقوفِ النَّازِحِ، وصَبِّ 3 الماءِ ونحوِه.
وحُريمُ القَناةِ الذي لو حُفِر لَنَقصَ مَاؤُها أو خِيفَ انهيارُها 4.
وحَريمُ القريةِ مُجتمَعُ النادِي ومُرتكَضُ الخَيلِ ومَناخُ الإبِلِ، ومَطْرَحُ الرَّمادِ، ونحوه، وما قَرُبَ مِن المَرعى المستقلِّ بِه، وكذا المحتطَبُ، وكلّ ذلك فِي حَريمِ الأملاكِ بالمَواتِ 5.
والدارُ المَحفوفة 6 بالمَساكِنِ لا حَريمَ لَها 7.
ومِنَ الحُقوقِ العامَّةِ: الطُرُقُ والمُصلَّى خَارِجَ البَلَدِ، ومنه عَرفاتٌ، فلا
تُملَكُ بالإحياءِ على الأصحِّ 1، وأَلْحَقَ صاحبُ "الرَّوضةِ" 2 فِيها، وفِي "المنهاجِ" 3: مِنًى ومُزدلِفَةَ 4 بِعَرفاتٍ.
وفِي نَصِّ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه- نقَلَه الحاكِمُ والبَيهقِيُّ فِي "مناقبِه" 5 -يَدُلُّ على جَوازِ البِناءِ بِمنًى، وقدْ جَرى على ذلك عَملُ الناسِ.
ومِن الحُقوقِ العامَّةِ التي لا تُملَكُ بالإحياءِ: المَعادِنُ الظاهرةُ كالنَّفْطِ ونحوِها 6.
ومنها: حافَّاتُ الأنْهارِ، وأما المعدِنُ الباطِنُ فلا يُملَك بمُجرَّدِ الحَفْرِ والعَملِ على الأظْهرِ، لكنْ مَنْ أحيَا مَواتًا، فظَهرَ فيه مَعدِنٌ باطنٌ يَملِكُه قَطْعًا.
ولَيس مِن الحقِّ المَانعِ مِنَ الإحياءِ 7 تحجُّرٌ بِبَعضِ عَمَلٍ، ولا أعلامٌ بنَصْبِ أحْجارٍ، وهو أحَقُّ به ما لَمْ يطُلْ، ولا يصِحُّ بيعُه، ويَنقُلُه لِغَيرِه ويُورَثُ
عَنه.
فإنْ طَالتِ المُدَّةُ أمَرَهُ السُّلطانُ بالإحياءِ أو 1 التركِ، فإنِ استَمْهلَ أمْهلَه مَا يَرَاهُ مِن القريبِ 2، ولا يُتقدَّرُ بثلاثةِ أيامٍ فإذا مَضى بَطَلَ حقُّه.
وما أقْطَعَه الإمامُ مِنَ المَواتِ ولَمْ يُقدَرْ 3 على إِحيائِه يَصيرُ المُقْطَعُ أحَقَّ به، ولَو أحْياهُ غيرُه مَلَكَهُ.
ومدارُ الإحياءِ على القصْدِ والعُرْفِ 4، فمَن قَصدَ مسجِدًا أوْ عَمَرَهُ على العادةِ فِي مِثْلِ ذلك صارَ مَسجِدًا مِن غَيرِ احتياجٍ إلى تَلفظٍ بِوَقْفٍ لاقْتِرانِ الفِعلِ بالقَصدِ ويَزولُ مِلْكُه عنِ الآلةِ، باستِقْرارِها فِي مَواضعِها وكذا قَبْلَ استِقْرارِها إذا صَرَّحَ بأنها للْمَسجدِ، نقَلَ ذلك المَاوَرْديُّ فِي الوَقْفِ.
وفيما ذَكَرَ 5 فِي الآلةِ قَبْلَ استِقرارِها نَظرٌ.
والظاهرُ: أنه لا يملِكُ البُقْعةَ 6 تَقديرًا، ويَجرِي مِثلُ ذلك فِي البِئْرِ المَحفورةِ فِي المَواتِ للسَّبيلِ وما يُحيى بِقَصْدِ 7 المَقبرةِ المُسَبَّلةِ ونحوِ
ذلك 1، قلتُه تَخريجًا.
والحافِرُ للارْتِفاقِ أحَقُّ إلى أن يَرتَحِلَ، ويَجِبُ بَذْلُ الفاضِلِ عن شُرْبِه، وشُرْبِ آدَميٍّ مُحْترَمٍ مَعه لِمَنِ احْتاجَ إلَيهِ لِشُرْبِ آدَمِيٍّ مُحْترَمٍ، وعَنْ شُرْبِه ومَواشِيه وزَرْعِه لِماشِيَةِ غَيرِه.
والمَحفورةُ للمِلْكِ مَمْلُوكةٌ، وكذا ماؤُها على الأصحِّ.
ويَجِبُ بَذْلُ الفاضِل فِي مُستقَرِّهِ للرُّعاةِ، وكذا لِلْماشِيةِ إذا لَمْ يَجِدْ صاحبُها ماءً مُباحًا، وكانَ هُناكَ 2 كَلأٌ يُرعَى مِنه، ولا يَأخُذُ عِوَضَه على الأصحِّ.
والمَحفُورةُ بِلَا قَصْدٍ مَمْلوكةٌ على الأصحِّ.
ومِن ذلك يُعلَمُ 3 أنَّ القَصْدَ غَيرُ مُعتَبَرٍ فِي حُصولِ المِلْكِ، وإنَّما يُعتبَرُ فِي تَعيِينِ 4 ما قُصِدَ، فيُعتبَرُ فيه حِينئذٍ العُرْفُ، وإنَّما يَحصُلُ فِي الصُّوَرِ كلِّها الإحياءُ فِي البِئْرِ إذا وَصلَ إلى الماءِ.
ولا بُدَّ مِنَ البِناءِ المُعتادِ إنْ كانَتِ الأرضُ حفرةً 5.
ويُعتبَرُ فِي القَناةِ مَع الحَفْرِ وخُروجِ المَاءِ جَريانُه.
وفِي حَفْرِ النَّهرِ إذا انْتَهى إلى القَدِيمِ مِن غَيرِ أَنْ يَجرِيَ الماءُ كفَى عِندَ المُتوَلِّي، وهُوَ الأقْوَى، خِلافًا لِلبغَوِيِّ.
وفِي المُزارَعةِ: تُعتبَرُ تَسويةُ الأرضِ، وجَمْعُ تُرابٍ، أوْ نَصْبُ حَجَرٍ، أوْ شَوكٍ حَوْلَها، وتَرتيبُ ماءٍ إنِ احْتيجَ إلَيه.
وفِي المَسْكَن: يُعْتَبَرُ التَّحويطُ، وتَسقيفُ بعْضِه، ونَصْبُ البابِ.
وفِي الزَّريبةِ: التَّحويطُ، ونصْبُ البابِ، ويُعتبَرانِ فِي البُستانِ مَع غَرْسِه، وتَرتيبُ ماءٍ إنِ احتيجَ إليه، وحيثُ اعتِيدَ تَرْكُ تَحْويطِه يَكفِي جَمْعُ تُرابٍ ونَحوِه حَوْلَه، واللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
فصل
1
منفعةُ الشَّارعِ الأصليةِ السُّلوكُ، ويَجوزُ الوقوفُ فيه، والجُلوسُ، لاستِراحةٍ 2 ونحوِها، وكذا المُعامَلةُ إنْ لَمْ يُضيِّقْ على المارَّةِ 3.
ولَه أن يُظلِّلَ عليه بِمَا لا يَضرُّ، والسابِقُ أَحَقُّ، وإنْ طَالَ عُكوفُه حتى يَتْرُكَ الحِرْفةَ 4 أوْ يَنتقِلَ أوْ يُفارِقَ بِحيثُ تَنقطِعُ عنه 5 الآفَةُ 6.
ولا يَبنِي فِي الشارعِ دِكَّةً، ولا يَغرِسُ شَجرةً، وإنْ لَمْ يَضُرَّ على الأصحِّ.
ويُقْطِعُ الإمامُ مِنَ الشارعِ لِلارتِفاقِ ما يَراه بِلَا عِوَضٍ 7.
وجَوَّزَ أبو إسحاقَ أخْذَ العِوَضِ عَن مَقاعِدِ الأسواقِ، وقال: خَالفتُ 8 أصحابِي فِيه، وفِي أخْذِ العِوَضِ عن حَدِّ القَذْفِ وحَقِّ الشُّفعةِ.
وليس لِلمُقْطَعِ أَنْ يَبنِيَ فيه، ولَا يَتملَّكَه؛ خِلافًا لِمَا فِي "الشرحِ"
و"الرَّوضةِ" 1 فِي الدِّيَاتِ.
ويَجوزُ أن يَبنيَ فيه مَسجِدًا لا يَضرُّ بالمارَّةِ.
كذا قالُوه 2، والقِياسُ: منعُه.
ويَشرَعُ فيه المسلمُ الجَنَاحَ بِحَيثُ لا يَضرُّ.
والزُّقاقُ غَيرُ النافِذِ مَمْلوكٌ لِأهلِه، وشِركَةُ كُلِّ أَحَدٍ تَختضُ بما بيْنَ رأسِ الدَّرْبِ، وبابِ دَارِه، ومَن 3 فتحَ فيه بابًا مَنْ لا بَابَ لَه فِي الدَّربِ، فلَهم 4 مَنعُه، ولَو كانَ هُناكَ مَسجدٌ أوْ بئرٌ مُسبَّلةٌ عُلِمَ سَبْقُ المِلْكِ فِيهِما.
ولَو قالَ المُلاصِقُ "افتَحْهُ 5 وأسْمِرْهُ"، مُنِعَ على الأَفْقَهِ، خِلافًا لِما صحَّحَه فِي "المُحرَّرِ" 6.
ومَنْ فَتحَ فيه 7 مِنْ أهْلِه بابًا وسَدَّ القَديمَ لَمْ يُمنعْ إنْ كانَ الحَادِثُ إلى رأسِ السِّكَّةِ أقْربَ، وإلا مَنَعَهُ مَنْ له منعُهُ شِركةٌ، وكذا يَمْنعُه مِن إشْراعِ الجَناحِ، وإنْ لَمْ يَضرُّ، ولا يُمنعُ مِن فَتْحِ بابٍ مِن إحدى دَارَيْهِ لِلْأُخْرَى، ولَو كانَا فِي دَرْبَينِ غَيرِ نَافِذَيْنِ على الأصحِّ.
والمَنفعَةُ فِي المَسجدِ للصلاةِ، والاعتكافِ، وتعْلِيمِ القُرْآنِ، والعِلْمِ، والفتوى، وهو أحقُّ فِي التَّعلِيمِ.
والفَتْوى 1 فِي ذلك المَوضِعِ كما فِي الجَالِسِ 2 فِي الشَّارعِ لِلْمعامَلةِ، خِلافًا لِنَقْلِ 3 المَاوَرْديِّ فِي جَعْلِهِ كالجَالسِ للصلاةِ يَصيرُ أحَقَّ بِه فِي مرَّةِ السَّبقِ، إلا إنْ فَارقَ بغَيرِ عُذْرٍ.
وفِي مَعْدِنٍ ظاهرٍ يُقدَّمُ السابقِ بِقدْرِ الحَاجةِ عادةً.
وإنْ ازْدَحمَ اثنانِ فِي الصُّوَرِ كلِّها أُقْرِعَ.
والأعلى يَستقِي مِن ماءٍ جَرَى بِنفْسِه إلى الكَعْبِ، ويُمنَعُ مَن قَطَعَ مِنْه، والمُحرزُ منه فِي طرفٍ مَمْلوكٍ على الأصحِّ.
ويَحمِي الإمامُ والوُلاةُ فِي النَّواحِي لِنَحْوِ نَعَمٍ الصَّدقةِ بِمَا لا ضَررَ فيه، ولِغَيرِه مِنَ الأَئِمةِ نقْضُهُ بالمَصْلحةِ، لا النَّقيع -بالنون 4 - حِمَى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لأنَّه نصٌّ.
ويَتصرَّفُ كُلُّ أَحَدٍ فِي مِلْكِه بالعَادةِ 5، وبِخلافِها إذَا احْتاطَ، وأَحْكمَ، ولَمْ يَضرَّ بِدقٍّ مُزعجٍ، ولا دُخَانٍ ونحوِه.
ويُمنَعُ الذِّمِّيُّ مِن بِناءٍ مُساوٍ لِبناءِ جِيرانِهِ المُسلِمينَ.
باب الوقف
هُو لُغةً: تَرْكُ تَصرُّفٍ 1 بِمعنى التَّحبِيسِ والتَسبيلِ، يقال: "وقَفْتُ كذا وحبَّستُه"، و"حبَّستُ": أكثرُ استعمالًا، ويقالُ: "أوْقفْتُه" فِي لُغةٍ رَديئةٍ.
وشَرْعًا: تحبيسُ مالٍ يمكنُ الانتفاعُ به مع بقاءِ عَينِه، بقَطْعِ التصرُّفِ فِي رقَبتِه على مَصرِفٍ مُباحٍ مَوجودٍ.
ومَنْ يَعتبِرُ اتصالَه يَزيدُ فيهِ "بِما يَقتضِيه" ومَنْ يَعتبِرُ القُرْبةَ يزيدُ فيهِ "تَقرُّبًا إلى اللَّه تعالى".
وأصلُه: ما روا ابنُ عُمرَ -رضي اللَّه عنهما- أنَّ 2 عُمَرَ بْنَ الخطابِ -رضي اللَّه عنه- أَصابَ أرضًا بِخيْبَرَ فأتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أَصبْتُ أرْضًا بَخَيبَرَ لَم أُصِبْ مالًا قَطُّ هُو عِندي أنفسَ مِنْه فما تأمُرنِي؛ قال له النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنْ شِئْتَ حبَّستَ أصلَها وتصدَّقتَ" قال: فتَصدَّق بِها عُمَرُ أنه لا يُباعُ أصْلُها ولا يُورَثُ ولا
يُوهَبُ، وذكرَ مَصارِفَها.
أخرجَه الصحيحانِ 1.
وفِي روايةٍ للبخاريِّ 2 قال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تصدَّقْ بأصلِهِ لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ، ولَكِنْ تُنفَقُ ثَمرتُهُ" 3.
وفِي "الصحيحينِ" مِن طَريقِ أبي هُريرةَ -رضي اللَّه عنه- أَنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي حقِّ خالدٍ أنَّه احتَبسَ أدْراعَهُ وأَعْتادَهُ فِي سَبيلِ اللَّهِ 4.
وفِي "صحيحِ مسلمِ" عَنْ أبي هريرَةَ -رضي اللَّه عنه- عَنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قالَ: "إذَا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُهُ إلا مِن ثلاثٍ: مِن 5 صَدقةٍ جَاريةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنتفعُ به، أوْ ولَدٍ صَالحٍ يَدعو لَه" 6.
والصدقةُ الجاريةُ مَحمولةٌ عِندَ العُلَماءِ على الوقْفِ.
وذَكَرَ المَحَامِلِيُّ أنَّ التبرُّعاتِ ستة:
1 - الصدَقةُ.
2 - والوَقْفُ.
3 - والهِبةُ.
4 - والعُمْرَى.
5 - والرُّقبى.
6 - والوَصيةُ.
ويُزادُ عليه: الإباحةُ.
والمرادُ التبرعُ بالأعيانِ غَيرِ (1) العِتْقِ ومُقدِّماتِه.
ويُعتَبَرُ فِي الوقْفِ أَنْ يَصدُرَ مِنْ مالكٍ مُطْلَقِ التصرُّفِ أوْ وَكيلِه إلا فِي خَمْسِ صُوَرٍ:
1 - إحداها: ما يقِفُه الإمامُ مِنْ أملاكِ بيْتِ المَالِ على ما يَقتضِيه النَّظرُ، صرَّحَ به القَاضِي الحُسَينُ، والنَّصُّ فيما بعدَها يَشهَدُ لَه.
2 - الثانيةُ: ما يقِفُه الإمامُ مِنْ رِقابِ أراضِي الفَيْءِ، نَصَّ عليه وأَخذَ بِه الجُمهورُ.1
3 - الثالثةُ 1: ما يقِفُه الحاكِمُ مِن بَدَلِ الوَقْفِ المُتْلَفِ المُبتاعِ بِقِيمتِه.
4 - الرابعةُ 2: ما يقفُه الحاكمُ مِن رِيْعٍ اشَترَطَ أنه يُشترِى به ويوقَفُ.
5 - الخامسةُ 3: ما يقِفُه مَن شُرِطَ له ذلك مِن ناظِرٍ أوْ وصِيٍّ، وإنْ لَمْ يَكنْ حاكمًا، وما شُرِط أَنْ يُشتَرَى ويَكونَ وَقفًا، أوْ له حُكمُ الوَقفِ، لا يَحتاجُ إلى لَفْظٍ.
ولا بُدَّ لِلْوقْفِ مِنَ الصِّيغةِ فِي غَيرِ هذه، إلا فيما سَبقَ فِي إحياءِ المَواتِ، وفيما يَأخذُه الإنسانُ مِنَ الناسِ لِيَبنِيَ بِه زَاوِيةً أوْ رِباطًا، فإنه إذا بنَى يَصيرُ وقْفًا على ما كان يَأخُذُ له، ذَكرَ ذلك الشيخُ أبو مُحمَّدٍ على طَريقةِ ابْنِ سُريجٍ، وذَكرَ الإمامُ أنه لا حاجةَ إلى لَفْظٍ فِي مَصيرِ ما يُجعَلُ شَارعًا.
ومِن صَرائحِ الصِّيغةِ: "وقفْتُ" أو "حَبَّسْتُ" أو "سَبَّلْتُ" أو "تصدَّقتُ به صدقة مُحرَّمةً أو مَوْقوفةً، أوْ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ".
ومِن الكِنايةِ: "حرَّمْتُ" أو "أبَّدْتُ".
ويحتاجُ إلى 4 نِيةِ الوَقفِ.
و"تصدقْتُ" إنْ نَوى بِه وَقْفًا على جِهَةِ عامَّهٍ، صحَّ، وإنْ نَواه على مُعيَّنٍ لَمْ
يَكنْ وقْفًا، بلْ هو تَمليكٌ، ولا يَحتاجُ إلى قَبولٍ إذا وقَفَ على غَيرِ مُعيَّنٍ 1، ولا 2 على المُعيَّنِ على ظَاهرِ النَّصِّ المُختارِ، وقَطَعَ بِه جَماعةٌ 3، خِلافًا لِما صَحَّحه فِي "المحرَّرِ" 4، تَبَعًا لِلْإمامِ وغيرِه.
وعلى الوَجْهَينِ: إذا ردَّ بَطَلَ حقُّه، خِلَافًا للبَغويِّ، وما قاله حَسَنٌ، ولو ردَّه ثم رَجَعَ قَبْلَ حُكمِ الحاكِمِ بِرَدِّه كان له ذلكَ، قالَه الرُّويانيُّ، وفيهِ نَظرٌ.
ولا يُشتَرَطُ قَبولُ النَّظرِ 5 الثاني، ولا عَدَمُ رَدِّهِم على الأرْجَحِ.
ولا أَنْ يَقولَ الواقِفُ: أخرجْتُه مِنْ مِلْكي، علَئ المَشهورِ، ولا أن يَقبِضَه المَوقُوفُ عليه قَطْعًا، خِلافًا لِما 6 شذَّ به المَرْعَشيُّ والجُرجانيُّ.
وإذا بَطَلَ بالردِّ فهو مِن صُوَرِ مُنقطِعِ الأَوَّلِ، وهو بَاطلٌ على الأصَحِّ، ويَصِحُّ مُنقطِعُ الوسطِ، والآخِرِ على الأصحِّ.
ويُعتبَرُ فِي المَوقُوفِ أن يكونَ عَينًا مُعينةً مَمْلوكةً قابلةً للنَّقْلِ تُعَدُّ 7 عَيْنًا كثمرةٍ أوْ مَنفعةٍ تُستعارُ لها، كفَحلٍ لِضِرابٍ، وإنْ كانتْ مُنتظَرةً كما فِي العَبدِ والجَحْشِ الصغِيرَيْنِ، والمُؤْجَرِ.
ولا يصحُّ وقفُ الكلْبِ والمُستولَدةِ والمُكاتَبِ، ولا الحُرِّ نفسَهُ.
ويصحُّ فِي المُدَبَّرِ ومعلِّقٍ للعِتْقِ.
ولا يَبطُلُ الوَقْفُ عِندَ وُجودِ الصِّفةِ فيهما على الأصحِّ، خِلَافًا لِلْبغَويِّ والرَّافِعِيِّ ومَن تَبِعَهما، لِخُروجِه عَن مِلْكِ الواقِفِ قَبْلَ وُجودِ الصِّفةِ.
ويصحُّ وقْفُ البِناءِ والغِراسِ وإنْ لَمْ تَكنِ الأرضُ مَمْلوكةً لِمالِكِهما 1، ووقْفُ 2 مَا لَمْ يَرَهُ على الأصحِّ فَيهما، ولا خِيارَ له عِندَ الرُّؤيةِ.
ويُعتبَرُ فِي المَوقوفِ عليه المعيَّنِ أن يكونَ أهلًا للمِلْكِ غيرَ مستحِقٍّ القْتلَ لِحَقِّ اللَّهِ تعالى، فلا يَصحُّ على الجَنينِ 3 خِلافًا لِما جَزمَ به الزازُ، ولا على العَبْدِ نفْسَه 4 ولَوْ مُكاتَبًا، خِلافًا لِلْمُتولِّي ولا على مُرتدٍّ وحربيٍّ 5، على الأصحِّ فِي الثلاثةِ.
وقياسُهُ: أن لا يصحَّ على زانٍ محصَنٍ وتاركِ صلاةٍ، وإنْ أطْلَقَ الوقْفَ على العبدِ 6 كانَ وقْفًا على سيِّدِه، والوَقْفُ على البَهيمةِ لاغٍ، وإنْ أطْلَقَه.
ويَبْطُلُ وَقْفُ الإنسانِ علَى نفْسِه على الأصحِّ المَنصوصِ، ولأ يُستثْنَى مِنْ ذلك ما ذَكرَه ابنُ يُونُسَ ومَن تَبِعه: مِن 7 أَنْ يَقِفَ ذلك على صِفَةٍ تَنْحصِرُ فيه
كالأفْقَهِ مِنْ بَنِي فُلانٍ؛ لأنَّه لَو وَقفَ على وَلَدِه، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ولَدِه على وَارثِه، وكان بَعْدَ وَلدِه هو أحَدُ ورَثتِه ففِيها وجْهانِ:
فابنُ سُريجٍ والزُّبيرِيُّ (1) المُجيزانِ وقْفَ الإنسانِ على نفْسِه، قالَا: يأْخُذُ قَدْرَ إرْثِه وقْفًا، ومُخالِفُوهُما مَنعُوا ذلك، ذَكرَه المَاورْدِيُّ.
والإبْطالُ فِي صُورةِ ابْنِ يُونُسَ أوْلَى، نَعَمْ يُستثْنَى مِن ذلك ما إذَا وَقفَ الإمامُ مِن بَيتِ المَالِ أرْضًا لِجَامِكيةِ الإمامةِ مَثلًا، فإنَّه يَصحُّ، قُلْتُه تَخريجًا.
ولَو شَرطَ مَن وقَفَ مِلْكَه النَّظرَ لِنفْسِه وأُجْرةً (2) على النَّظرِ غَيرُ زَائدةٍ علَى أُجْرَةِ المِثْلِ جَازَ على الأصحِّ (3)، ولَو وقَفَ وَقْفًا (4) على الفُقَراءِ ثُمَّ صارَ فقِيرًا جازَ أَنْ يَأخُذَ مِنه، وكذا لَو كانَ فَقِيرًا عنْدَ الوقْفِ، قُلتُه تخْريجًا.
ومدارُ الوَقفِ على الشُّروطِ المُعتبرَةِ:
- ومِنها: أَنْ يَشرُطَ صَرْفَ الرِّيعِ لِقَومٍ سَنَةً ثُمَّ لآخَرِينَ.
- ومِنها: شَرَطَ أن لا يُؤجَّرَ أوْ لا يُؤَجَّرَ 5 إلا كذا.
- ومِنْها: شَرَطَ اخْتصاصَ المَسجدِ لِطائفةٍ على ما صحَّحَه فِي1234
"المُحررِ" 1، وليس مِنْها شَرْطُ الخِيارِ، ولا أن يَبيعَه مَتى شَاءَ أوْ يَرْجعَ فِيه، بلْ يَبْطُلُ الوَقْفُ بذلكَ.
وقاعدةُ البابِ: العَملُ لِلظُّهورِ 2 والاتِّصالِ مَا أمْكنَا، وعنْدَ الانقطاعِ فِي غَيرِ الأوَّلِ يُصرَفُ لِفُقَراءِ أقْرَبِ الوَاقفِ لِمِلْكِه ولَو بوَكيلِه، وكذا إنْ تَعذَّرَ معرفةُ تصرُّفِه 3.
والحقيقةُ مقدَّمةٌ، وقد يُصارُ إلى المَجازِ عند تعينِهِ، ويُحمَلُ المُشترَكُ على جَميعِ مَعانِيهِ.
والذِي 4 صَرَّحَ فيه بالتَّرتيبِ أوْ بالتشريكِ تَسويةً أو تفصيلًا يُعمَلُ به، وكذا مِن جِهَةِ الظُّهورِ كـ "ثم" لِلترتِيبِ و"الواو" لِلتشْريكِ.
وفِي قولِه: "بَطنًا بَعْدَ بَطْنٍ"، ونحوِه، تردُّدٌ، والأرجحُ: التشريكُ خِلافًا لِمَنْ رَجَّح الترتيبَ فيه وفِي: "طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ".
والوقْفُ على الأوْلادِ لا يَتناولُ أولادَهم، إلا إذا لَمْ يَكنْ هُناكَ غيرُهُم، فيَتعينُ المَجازُ للتَّصحيحِ.. قالَه المُتولِّي.
ولو وَقَفَ على وَرَثَةِ زَيْدٍ وهو حيٌّ لَمْ يَصِحَّ، ويَتعيَّنُ 5 المَجازُ.. قالَه المَاوَرْدِيُّ؛ لِإمْكانِ وُجودِ الحَقيقةِ فيها بِخِلافِ أوْلادِ الأوْلادِ.
والوقفُ على المَوالِي 1 يُقسَّمُ بَيْنَ الأَعْلَى والأسْفَلِ المُوجُودِينَ حَمْلًا لِلْمشترَكِ على جَميعِ مَعانِيه.
وما يَعْقُبُ الجُمَلَ أو المُفْرداتِ يعودُ إلى الكُلِّ مَا لَمْ يَظهر الانقطاعُ بِطُولٍ أوْ عَطفِه بـ "ثُم"، ونَحوِه، وعلى زيدٍ وعَمْرٍو، ثُم مِن 2 بَعدِهِما لِلْفُقراءِ نَصيبُ مَنْ مَاتَ لِلآخَرِ.
والتَّوليةُ لِمَنْ شَرَطَ، فإنْ سَكتَ عنه فلِلْحاكِمِ، وليس لِلْمَوقُوفِ عليه أَنْ يؤجِّرَ إلا إذا شَرَطَ له ذلك.
باب الهبة
هي لُغةً: "إعطاءُ شَيْءٍ 1 بِلَا عِوَضٍ".
يُقالُ: وَهَبْتُ له 2، ووُهِبْتُ مِنْه، والأوَّلُ أجْوَدُ، وَهَبًا وَوُهْبَانًا -بإسكانِ الهَاءِ وفَتْحِها- وهِبةً، فالمَصادرُ ثلاثةٌ.
والاسمُ الموهِب والموهِبة 3: بكسر الهاء 4 فيهما.
والاتِّهابُ: قَبولُ الهِبةِ، والاستيهابُ سُؤَالُها.
ووهَّابٌ ووهَّابةٌ: كَثيرُ الهِبةِ.
وشَرعًا: "تَمْليكٌ صادرٌ مِنْ أهْلِه فِي الحَياةِ، غيرُ واجبٍ على شَيْءٍ مَخْصوصٍ بِلَا عِوَضٍ".
فتَخرُجُ الوَصيةُ، إذِ التَّمليكُ فيها بعْدَ المَوتِ، ويَخرجُ الواجِبُ مِن زَكاةٍ أوْ نَفقَةٍ أوْ فِدْيةٍ أو كَفَّارةٍ أوْ نَذْرٍ، فإنه لا يُسمَّى هبةً.
وأصلُها -قَبْلَ الإجْماعِ- قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
وفِي حديثِ وفْدِ هَوازِنَ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنِّي رَأيتُ أَنْ أَرُدَّ إلَيهِم سبيَهُمْ، فمَنْ أحَبَّ مِنْكمْ أَنْ يُطيِّبَ ذلك فلْيَفْعَلْ" أخرجهُ البخاريُّ مطوَّلًا 1.
والأحاديثُ فِي الهَديةِ والصَّدقةِ والعُمْرَى والرُّقبى كثيرةٌ.
والهبةُ تَعُمُّ الكُلَّ.
وتمتازُ الهديةُ بالنَّقْلِ إكْرامًا.
ويَحصُلُ 2 المِلْكُ فيها بالبَعثِ والقَبْضِ إلَّا فِيمَا يُهدَى لِغنيٍّ 3 مِنْ لحْمِ تَطوُّعِ أُضحيةٍ، أو هَدْيٍ، أوْ عَقيقةٍ، فإنَّه لا يمْلِكُه وإنْ جَازَ له الأكْلُ 4.
وتَمتازُ الصَّدقةُ بالدَّفعِ للمُحْتاجِ طَلَبًا لِثَوابِ الآخِرةِ.
وقدْ تكونُ بالمُختصاتِ كجِلْدِ مَيتةٍ لَمْ يُدبَغْ ونَحوِه.
وكذا الهِبةُ على رأيٍ سيأتِي.
والعُمْرَى والرُّقبى يُحكمُ فِيها بِحُكمِ الهِبةِ، وإنْ زادَ فِي العُمْرَى: "إذا مِتُّ
عادَتْ إليَّ أوْ إلَى ورَثَتِي"، وفِي الرُّقبى: "إنْ مِتَّ قَبْلِي عادَتْ إليَّ، وإنْ مِتُّ قَبلَكَ (1) استقرَّتْ علَيْكَ".
ويفسدُ الشَّرْط علَى الأصَحِّ.
ضابط
ٌ: ليس لَنا شَرطٌ فاسِدٌ مُنافٍ لِمُقتضَى الحالِ يَصحُّ العَقْدُ مَع وُجودِه إلَّا فِي العُمْرى والرُّقبى.
وقال الغزَّاليُّ: المالُ إنْ بُذِلَ لِغَرضٍ آجِلٍ فَهُوَ صَدَقَةٌ، أوْ عَاجلٍ، فهُو هِبةٌ بثَوابٍ مَشروطٍ، أو مُتوقَّعٍ، أوْ للتَّودُّدِ، فهُو هَديةٌ، أو عَلى عَمَلٍ فاسِدٍ، أوْ شَرْطٍ مُحرَّمٍ فَهُوَ رِشْوةٌ.
ومَا ذَكرَهُ فِي الهِبةِ بالثَّوابِ المَشروطِ المَعْلومِ، مُخالِفٌ لِلْأَصحِّ أنها بَيْعٌ، وعنْدَ جَهالةِ المَشروطِ تَفسُدُ الهِبةُ على الأصحِّ، وما ذَكرَهُ فِي الهَديةِ 2 يَشمَلُ غَيْرَ المَنقولِ.
ويُعتبَرُ الإيجابُ والقَبولُ فِي الهِبةِ خَاصةً، والمَوهُوبُ يكونُ عَينًا ودَيْنًا 3 ومَنْفعةً وحقًّا.1
والدَّيْنُ لا يُوهَبُ لِغَيرِ مَن عليه، وهِبَتُهُ مِمَّنْ (1) علَيه اِبْراءٌ لَه والمَنافِعُ تقدمتْ فِي "العارِيةِ" والحَقُّ فِي القَسْمِ يأتي فِي "عِشْرَةِ النِّساءِ" إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
وكل عَينٍ جَازَ بَيْعُها يَجوزُ هبتُها، وما لا يَجوزُ بَيعُهُ لا يَجُوزُ هبتُهُ إلا فِي خَمْسِ صُوَرٍ، يَصحُّ فيها الهِبةُ دُونَ البَيعِ:
1 - مَا لا يُتموَّلُ، لِقِلَّتِه على الأرْجحِ.
2 - والثِّمارُ قَبْلَ بُدُوِّ الصلاحِ، والزَّرعُ قَبْلَ اشتِدادِ الحَحث مِنْ غَيرِ شَرْطِ القَطْعِ فِيهِما.
3 - وهِبَةُ الكَلْبِ الذي يُقتَنى على النَّصِّ فِي "الأُمِّ"، خَلافَ ما صحَّحُوه.
4 - وجلدُ المَيْتةِ -على رأيٍ مَجزومٍ به 2 فِي الأَوانِي فِي "الرَّوضةِ" 3، خِلافَ ما صُحِّحَ 4 فِي الهِبة 5؛ تَبَعًا لِأصْلِه.
5 - والخَمْرةُ المُحتَرَمةُ على رأيٍ قَويٍّ.
1
ومَدارُ البابِ على ثَلاثةِ أشياءَ:
أحدُها: حُصولُ المِلْكِ بالقَبضِ المُعتَبَرِ إلَّا فيما تَقدَّمَ في 1 المُختصاتِ، ولا بُدَّ مِن إِذْنِ الواهِبِ فِي القَبْضِ، ولو مَاتَ أحدُهما قَبْلَ القَبضِ لَمْ يَنفسِخْ على الأصحِّ، ويَتخيرُ الوارِثُ.
الثاني: لا يَجِبُ الثوابُ فِي غَيرِ المَشروطِ ولَو وَهَبَ لِلْأَعلَى 2.
الثالثُ: يَرجعُ قَبْلَ القَبضِ مُطْلَقًا 3 وبَعْدَ القَبضِ فِي غَيرِ الفَرعِ بالتَّقَايُلِ 4 جَزْمًا، والفسخِ على رأيٍ والعكس 5.
وأمَّا الرُّجوعُ قَهْرًا فلا يَثبُتُ إلا لِلأَصْلِ مع فرعِهِ 1 لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَحلُّ لِمَنْ أَعْطَى عَطيةً أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إلَّا فِيمَا أعْطاهُ الوالِدُ لِوَلدِهِ" حديثٌ حَسنٌ أوْ صحيحٌ 2.
وإذا رَجعَ الأصْلُ فله الزائدُ المتصِلُ فَقط.
ويرجعُ فِي بَيْضٍ تفرَّخَ وبِذْرٍ زُرعَ، ويَمتنِعُ الرُّجوعُ بعد زَوالِ المِلْكِ بِغَيرِ التَّحرُّم 3، ولا يَعودُ بِعَودِه على الأصحِّ بِخِلافِ الفَلَسِ والرَّد 4 بالعَيبِ
لِتقصيرِ الوَالدِ بِتَرْكِ الرُّجوعِ 1.
وكذا يَمتنِعُ بِحَجْرِ الفَلَسِ 2 على الفَرعِ وارتِدادِهِ ورَهنِ المَوهُوبِ مَقبوضًا وكتابتِه لا إنْ زَالَ المَانعُ 3.
ويَحصُلُ الرُّجوعُ بقولِه: "رَجعْتُ" ونحوِه لا بِالبَيعِ، والعِتْقِ، والوَطْءِ.
ويَنبغِي العَدْلُ بَيْنَ الأوْلادِ فِي الهِبَةِ، وترْكُهُ مَكروهٌ لا كَراهةً 4 شَديدةً، ويُسَوَّى بيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثَى على الأصحِّ.
باب اللقطة
هِيَ بِفتحِ القَافِ -على المشهُورِ- وقياسُ ذلك لِكَثيرِ الالتِقاطِ، وقال الخليلُ: هِيَ بإِسْكانِها.
وهيَ لُغةً: الشيءُ المَلْقُوطُ، ويقالُ أيضًا: "لُقاطة" بِضَمِّ اللَّامِ، ولَقَطٌ بفَتْحِ اللامِ والقَافِ، ولِلْمُلتقِطِ: لُقَطةٌ -بِفَتحِ القَافِ.
وشرْعًا: ما وُجِدَ مِنْ مَالٍ أوْ مُختَصٍّ ضَائعٍ لِغَيرِ حَربيٍّ ليس بمُحْرَزٍ، ولا مُمْتنِع بِقوَّتِه، لا يَعرِفُ الواجدُ مَالكَه 1، ويُفارقُهُ الضائعُ الذي لا يَجرِي عليه حُكْمُ اللُّقَطةِ بأنه المُحْرَزُ الذي لا يُعرَفُ مَالكُه، ويَلحَقُ به المُمتنِعُ لقوتِهِ.
ولُقَطةُ الحَرَمِ، كما تقدَّمَ عنْ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ -رضي اللَّه عنه- قال: جَاءَ رَجلٌ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسألَه عنِ اللُّقَطةِ، فقالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا ووِكاءَهَا، ثُمَّ عرِّفْها سَنَةً، فإنْ جَاءَ صاحِبُها وإلا فشأنَكَ بِهَا" قالَ: فضالَّةُ الغَنَمِ؟ فقال 2: "هِيَ لَكَ، أوْ لِأخيكَ، أوْ للذِّئبِ" قالَ: فضالَّةُ الإِبِلِ؟ فقالَ 3: "مالَكَ ولَها؟! معَها سِقاؤُها
وحِذاؤُها، ترِدُ الماءَ وتأكُلُ الشجَرَ حتى يلْقَاهَا ربُّها" أخرجَه الصحيحانِ 1.
وفِي لَفْظٍ لِمُسلمٍ: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَن لُقَطةِ الذَّهبِ والورِقِ، قال: "اعرِفْ عِفَاصَهَا ووكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً، فإنْ لَمْ تُعْرَفْ فاستنْفِقْهَا، ولْتكُنْ وديعةً عِندَك، فإنْ جاءَ طَالبُها يَومًا 2 مِنَ الدَّهْرِ فأدِّها إلَيْه" 3.
وفِي لَفْظٍ لِمُسلِمٍ: "فإنْ جَاءَ صاحبُها يعرِفُ 4 عِفاصَهَا وعدَدَها ووكاءَها فأعطِهَا إياه، وإلا فَهِيَ لَكَ" 5.
لا يَجِبُ الالتقاطُ على الأظْهَرِ، والمُختارُ عِنْدَ عِلَّة 6 الضَّياعِ: الوُجوبُ.
وقدْ 7 يَتعيَّنُ فِي الرَّقيقِ إذا تعيَّنَ طَريقًا لِحِفْظِ رُوحِهِ، ولَمْ يَذكرُوه.
وحيْثُ لَمْ يَجِبْ يُستحبُّ 8 لِمَنْ يثِقُ بِنَفْسِه، ويُكرَهُ لِلْفاسِقِ، ولا يجبُ الإشهادُ على الأصحِّ ويُستحَبُّ.
والشيءُ الملْقُوطُ الذي يُمْلَكُ بشَرْطِهِ 9: جَمادٌ، وحَيوانٌ ممتنِعٌ وغَيرُ
مُمتنِعٍ، ومِنْه رَقيقٌ غَيرُ مُميِّزٍ، وكذا مُميِّزٌ زَمنَ (1) نَهْبٍ.
وأمَّا المُمتنِع (2) بقُوَّتِهِ كالإبِلِ أو بعَدْوِهِ أو بطَيَرانِهِ (3) فيُلتَقطُ لِلْحِفظِ، لا للتملُّكِ والتصرُّفِ فيه، إلَّا فِي صُورةٍ واحدةٍ، وهي ما إذا وَجَدَ بَعِيرًا فِي أيَّام مِنًى مُتَقَلَّدًا فِي الصَّحْراءِ تقْليدَ الهدَايَا، فيعرِّفُه (4) أيامَ مِنًى.
فإنْ خافَ فَوْتَ وقتِ النَّحْرِ نَحَرَهُ، على النَّصِّ، وفِي قولٍ: يَرْفعُ الأمرَ إلى الحاكِمِ (5).
ومَدارُ اللُّقَطةِ على أربعةِ أشياءَ:
1 - أولُها: الأمانةُ.
2 - وثانيها: التعريفُ المعتبَرُ 6.
3 - وثالثُها: التملُّكُ بَعْدَه.12345 = الحول والتصرف، وأظهر هذه الأقوال: الثاني، وقيل: يملكها بمجرد النية.
راجع "الحاوي" (8/ 15)، و"حلية العلماء" (5/ 529)، و"المنهاج" (ص 83).
4 - ورابعُها: إجْراءُ حُكمِ القَرْضِ على التَّملُّكِ 1 المَذكورِ.
والمُغلَّبُ فيها الاكتسابُ 2 للنَّفسِ على الأصحِّ، فيَلْتَقِطُ 3 الفاسِقُ، والذِّميُّ، والصَّبيُّ، وكذا المَجنونُ -صرَّحَ بِه المَحَامِلِيُّ 4 - والمكاتَبُ، والمُبَعَّضُ، وهي لَه، ولِسيِّدِه، إن 5 لَمْ يَكنْ بينَهما مُهايَأَةٌ، فإنْ كانَتْ مُهايَأَةٌ فلِمَنِ التُقِطَتْ فِي نَوبَتِه 6. ولا يصِحُّ التقاطُ المَملوكِ إلا فيما سَبقَ، وتُرعى شَائبةُ الأمَانةِ، فتُنزَعُ مِنَ الفاسِقِ، وتُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ، وكذا الذِّميُّ عِنْدَ البَغوِيِّ.
وفِي نَزْعِها مِنَ العَدْلِ فِي دِينِهِ نظرٌ، ويَنتزعُها 1 الوليُّ مِن مَحجُورِه 2، ويَضمَنُ إذَا قَصَّرَ فِي الانتِزاعِ حتى تَلِفَتْ فِي يَدِ مَحجورِه.
والعَبْدُ ضامِنٌ، ولَو أَخذَها السيدُ مِنه أوْ أجْنَبيُّ 3 كانَ لَيْطًا مُسْقِطًا للضَّمانِ، ولَمْ يَجعلُوهُ فِي يَدِ العَبدِ مُحرَّزًا، إلا فِي رأيٍ قويٍّ، فعَلَيهِ لا 4 يَلتقِطُ.
ومَنْ أَخذَها بِقصدِ الخِيانَةِ فهو ضَامِنٌ، ولا يَتملَّكُ.
وحيثُ ثبتَتِ الأمانةُ فهِيَ مُستمرِّةٌ إلى التملُّكِ، ولا يَضرُّ فِي الأثناءِ قصْدُ الخِيانةِ على الأصحِّ.
الثانِي: التعريفُ وهو واجِبٌ، وما يَفسُدُ كالهَريسةِ إنْ 5 شاءَ أَكَلَه أوْ باعَه وحفِظَ ثَمنَه.
وفِي الشَّاةِ والكَسيرِ مِنْ 6 غَيرِها إنْ شاءَ أمْسكَ 7 أوْ باعَ وحفِظَ الثَّمنَ، أوْ أكلَ، فإنْ وَجَدَ ذلك فِي العُمرانِ فلَيْسَ له الأكْلُ لِنَدارَتِه 8.
واستثْنَى الإمامُ مِنْ وُجوبِ التعريفِ ما 1 وُجِدَ مِنَ 2 الهَريسةِ ونَحوِها فِي الصَحراءِ إذا أَكَلَ.
ويَنبعِي 3 لِلْملتقِطِ أن يَفهَمَ عِفاصها -وهو وِعاؤُها مِنْ جِلدٍ أوْ خِرقَةٍ- ووِكاءَها وهو الخَيْطُ الذي تُشَدُّ به، وجِنْسُها ونَوْعُها.
ويُستحبُّ تقييدُها بِالكِتابةِ.
ثم يُعرِّفُها سَنَةً بِحسَبِ العَادةِ إلا فِيما لا يُتموَّلُ، فيَستقِلُّ به فِي الحالِ.
وفِي المُتموَّلِ القَليلِ الذي يَغلِبُ على الظنِّ أن فاقِدَهُ لا يَكثُرُ أسفُهُ 4 عليه، يُعرِّفُه قَدْرًا يَغْلِبُ على الظَّنِّ إعراضُه عنه، ويُعرِّفُه فِي الأسواقِ، وأبْوابِ المساجِدِ ونحوِها، فِي كُلِّ يَومٍ مَرَّتينِ، ثُم مرَّةً، [ثم فِي كلِّ أُسبوعٍ مرَّتَينِ] 5، ثُمَ مَرَةً، ثُم فِي كُلِّ شَهْرٍ.
ولْيكُنِ التعريفُ بالبُقعةِ التي وُجِدَ فِيها، وفِي الصَّحراءِ إنْ كانَتْ هُناكَ قافِلةٌ تَبِعَهُم وإلا فَيُعرِّفُه فِي البَلَدِ التِي 6 تَقصِدُها.
ومُؤنةُ التعريفِ على المُلتقِطِ القاصِدِ للتَّملُّكِ، وفِي الفاسِقِ ونحوِه يُضَمُّ إلَيْهِ مَنْ يُراقِبُه.
وفِي لَقْطِ المَحْجُورِ يُعَرِّفُ الوَليُّ.
الثالثُ: إذَا مَضَى التعريفُ المُعتبَرُ يَمْلِكُ المُلتقِطُ ما التقَطَه بنَحْو "تملَّكْتُ" ومَا أشْبَهَه.
وفِي المُختَصاتِ ككَلْبٍ يُقتَنى ونحوِه يُنقَلُ الاختِصاصُ إلَيه 1 بلَفظٍ دالٍّ عليه، ولَمْ يَذكرُوه.
الرابعُ: إجراءُ حُكمِ القَرْضِ [على المُتمَلَّكِ] 2 المَذكورِ، فلا يَتملَّكُ أمَةً تحِلُّ له، ويتملَّكُ الوليُّ لِمَحجُورِه حيثُ يَجوزُ الاستِقراضُ له.
وإذَا ظَهرَ المَالِكُ قَبْلَ التَّملُّكِ رُدَّتْ عليه بِزِيادَتِها [المُتصلةِ والمُنفصلةِ.
وإنْ تلِفَتْ على حُكْمِ الأمانةِ فلا ضَمانَ] 3، وإنْ ظَهرَ 4 بعْدَ التملُّكِ رُدَّتْ عليه بزِيادَتِها المتصلةِ دُونَ المنفصلةِ الحادِثَةِ على مِلْكِ المُلتقِطِ.
فإنْ تلِفتْ بعْدَ التَّملُّكِ أوْ خَرجَتْ عَن مِلْكِ المُلتقِطِ بِبَيعٍ 5 ونحوِه رَدَّ المِثْلَ 6 فِي المِثْليِّ، والقِيمةَ فِي المتقوَّمِ باعْتبارِ قِيمةِ وقْتِ التملُّكِ.. كذا قالُوه 7.
وقياسُ القَرْضِ أَنْ يغرمَ المِثْلَ مِن حيثُ الصُّورةُ وإنْ وَجَدَها ناقِصةً فلَه الأَرْشُ، ومَتَى وصَفَها حتَّى غَلَبَ على الظَّنِّ صِدقُه جَازَ دَفْعُها إليه، ولا يَجِبُ على الأصحِّ.
فإنْ دَفَعها بالوَصفِ فجاءَ آخَرُ، وأقامَ بيِّنةً حُوِّلتْ إليه، فإنْ تلِفتْ عنْدَ الآخِذِ 1، فصاحبُ البيِّنةِ يُضمِّنُ مَن شاءَ مِنْهُما، والقَرارُ على الآخِذِ بالوصفِ.
باب اللقيط
هو لُغةً: الصغيرُ الذِي يُوجَدُ ضَائعًا لا كَافِلَ له، وهو بِمَعنى مَلقُوط، ويقالُ: مَنبوذٌ، وهو المَطْروحُ.
وشرْعًا كاللُّغةِ بِزيادة: أنه لا يُعرَفُ نَسبُه ولا رِقُّه.
وهو مُحتاجٌ إلى الكَفالةِ، وهو قَبْلَ 1 التَّمييزِ، واستأْنَسُوا له مِن القُرآن بقولِه 2 تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
وروى مالكٌ فِي "الموطأ" 3 عَنْ سُنين 4 أبي جَمِيلةَ 5 -رضي اللَّه عنه- أنَّه وَجَدَ مَنبوذًا 6 فِي زَمنِ عُمرَ بْنِ الخطابِ -رضي اللَّه عنه- قال: فَجِئْتُ به إلى عُمرَ بنِ
الخطَّابِ] 1، قال: مَا حملَكَ على أخْذِ هذه النَّسمةِ؟ فقالَ 2: وجدتُها ضائعةً فأخذتُها، فقال عريفُهُ 3: يا أميرَ المؤمنِينَ، إنَّه رجُلٌ صالحٌ، فقال: إنَّه لكَ 4. قال: نَعمْ، قالَ عُمَرُ: اذْهَبْ فهُو حُرٌّ، ولَك ولاؤُهُ، وعليْنَا نفَقتُه 5.
وفِي رِوايةِ الطبَرانِيِّ: "ونفقتُه مِنْ بَيْتِ المالِ" 1.
التقاطُ المَنبوذِ فَرْضُ كِفايةٍ 2، ويَجِبُ الإشْهادُ علَيه، وعلَى ما مَعَهُ، على النَّصِّ.
ولَمْ يَتعرَّضُوا لِلْبالِغِ المَجنونِ الضائعِ، وفِي إلحاقِهِ بالصغيرِ المذكورِ نظرٌ.
وهذا الالتقاطُ مَحْضُ وِلايةٍ، فلا يَثبُتُ لِغَيرِ مُكلَّفٍ، ولا لِعَبدٍ ولَوْ مُكَاتَبًا أو مُبَعَّضًا على الأرْجَحِ، ولا لِمَحجُورٍ عليه بِسَفَهٍ.
والكافِرُ يَلْتقِطُ الكافِرَ إذا لَمْ يَكنْ فاسقًا فِي دِينِه، [ويتبرَّعُ مِن غَيرِ أهلِهِ] 3.
وإنِ ازْدحَمَ اثنانِ على الأَخْذِ جَعلَهُ الحاكِمُ عنْدَ مَنْ يَراهُ مِنْهُما أوْ مِن غيرِهما.
= مُحمدٍ، عن أبيه قال: قال علي -رضي اللَّه عنه-: "المنبُوذُ حُر" يعني اللقيط، "فإن أحب أن يُوالي الذي التقطهُ والاهُ، وإن أحب أن يُوالي غيرهُ والاهُ".
قال أبُو جعفرٍ: فمعنى قول علي رضي اللَّهُ عنهُ هُو حُر كمعنى قول عُمر -رضي اللَّه عنه- هُو حُر في حديثه الذي رويناهُ قبل هذا الحديث.
وفي قول علي فإن أحب أن يُوالي الذي التقطهُ والاهُ، وإن أحب أن يُوالي غيرهُ والاهُ ما قد دل أن قول عُمر -رضي اللَّه عنه- لأبي جميلة "لك ولاؤُهُ" بمعنى: بجعلنا إياهُ لك لا أن لك ولاءهُ بالتقاطك إياهُ دُون مُوالاته إياك، واللَّه عز وجل نسألُهُ التوفيق.