والسابقُ إلى الأخْذِ مُقدَّمٌ.
وإنْ أخذَاه (1) مَعًا قُدِّمَ الغَنيُّ علَى الفَقيرِ.
وظَاهرُ العَدَالَةِ على المَستورِ، والبلديُّ أو القرويُّ على البَدَوِيِّ فِيمَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي البادِيةِ، فإنِ استوَيَا أُقرِعَ بينهُما.
ومَدارُ البابِ على تعريفِ أرْبعةِ أُمورٍ:
(1) دِينُ اللَّقيطِ.
(2) وحُرِّيتُه.
(3) وحِفْظُه مع ما يتعلقُ بِمالِه.
(4) وأمرُ نَسبِه.
1 -
أمَّا الأولُ:
فهُو مُسلِمٌ [إنْ وُجِدَ حيثُ سَكَنُ مُسلِمٍ] 2، كذَا قالُوه 3 4، والمرَادُ عِنْدَ الإِمكانِ أَنْ يَكونَ مِنْه، وهذَا إذَا لَمْ يُقِمْ ذِمِّيٌ بيِّنةً على نَسبِه، فإنِ استلْحَقَه بِلَا بيِّنةٍ لَحِقَه فِي النَّسَبِ بِشُروطِه الآتيةِ، ولا يُحكَمُ بِكُفرِه، والمَوجودُ فِي دَارِ كُفرٍ لا مُسلِمَ فيها كافرٌ، وهذه تُعرَفُ بتَبَعِيَّةِ الدَّارِ.1
ولِلتَبَعِيَّةِ (1) فِي الإسلامِ غيرَها (2) جهتانِ:
إحداهما: تَبَعيةُ غَيرِ المُكلَّفِ -ولو جُنَّ (3) بَعْدَ البُلوغِ- أحدُ أصولِهِ فِي الإسلامِ، ولَو حدَثَ بَعْدَ إسلامِ جَدَّةٍ مِن كافِرَيْنِ؛ قلتُه تخريجًا.
الثانيةُ: غَيرُ (4) المكلَّفِ إذا سبَاهُ مُسلِمٌ، وليْسَ فِي العَسكرِ أحَدُ أبَويْهِ، فهُو مُسلِمٌ، ومَن كَفَرَ بعد التَّكليفِ مِن التابِعينَ، فهُو مُرتَدٌ إلا تَاجَ الدارِ، فإنه يكونُ أصْليًّا.
2 -
وأمَّا الأمْرُ الثاني:
فهُو حُرٌّ 5، إلا فِي صُورةٍ واحدةٍ، قلتُها تخْريجًا، وهِيَ ما لَو وُجِدَ فِي دارِ الحَرْبِ ولا مُسْلمَ فِيها، ولا ذِمِّيَّ، فإنه يكونُ رَقِيقًا بِأخْذِ المُلتقِطِ له، ولَوْ يكونُ الآخِذُ حَربيًّا على وَجْهِ القَهْرِ، ثُم يَجرِي علَى حُكْمِ الغَنيمةِ أوِ الفَيْءِ إنْ كانَ الآخِذُ 6 لَه مُسْلمًا.
ومَتى أقامَ أحَدٌ ولَوِ المُلتقِطُ بيِّنةً على رِقِّ مَن قُلْنا "إنه حُرٌّ" وَثَبَتَ 7 النسبُ فهو مِلْكُهُ.1234
فإنْ لَمْ يَتبيَّنِ السببُ، فقَولانِ مُرَجَّحانِ، أرْجَحُهُما: لا يَكفِي.
ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ رِقَّهُ مَعَ يَدٍ لا يُعرَفُ استنادُها 1 لِلالتِقاطِ فهُوَ رَقيقُه إنْ كان غَيرَ بالغٍ، ولَوْ بلَغَ فأَنكَرَ، لَمْ يُؤثِّرْ إنْكارُه.
ويُقبَلُ إقْرارُ المكلَّفِ بالرِّقِّ 2، إذا لَمْ يَثبُتْ رِقُّه لِغَيْرِ المُقرِّ لَه، ولَمْ يَسبِقْ مِنْه إقْرارٌ بِالحرِّيةِ، ولا إقراٌ بالرِّقِّ لِمَنْ كذبَه.
ولا يُمنَعُ الإقْرارُ بِمُجرَّدِ 3 تصرُّفٍ سابقٍ، ويُعمَلُ 4 حِينئِذٍ بالإقْرارِ فِي المُستقبَلِ، لا فيما يَضُرُّ بِغيرِ مُنكرٍ فِي تصرُّفٍ سابِقٍ.
وإنْ 5 كانَتِ امرأةٌ زُوِّجَتْ 6 ثُمَّ أقرَّتْ بالرِّقِّ؛ فأوْلادُها قبْلَ الإقْرارِ أحْرارٌ، وتَعتدُّ بثلاثةِ قُروءٍ للطلاقِ ونحوِه، وبشَهريْنِ وخَمسةِ أيامٍ لِلْموتِ؛ لأنَّ عِدةَ الوَفاةِ لا تتوقفُ على الوَطْءِ، فلَمْ يُؤثِّرْ ظَنُّ الحُرِّيَّةِ فِي زِيادتِها، وتُسلَّمُ 7 لَيْلًا ونَهارًا كالحُرَّةِ، ويُسافَرُ 8 بها بِغَيرِ إذْنِ مَالِكِها.
وفِي ذلك أبْياتٌ مَشهورَةٌ وهيَ هذِه 9:
سلِ الحَبْرَ عن حُرٍّ (1) تزوَّج حُرَّةً... حَصَانًا تُريك الشَّمسَ مِن طلعةِ البدْرِ بتوليةِ القاضِي على مَهْرِ مِثلِها... ومَن طَلَبَ الحسناءَ لم يَغْلُ بالمَهْرِ فأولدَهَا حُرًّا وعبدًا وحرًّة... على نسْقٍ فِي عقدِها السابِقِ الذِّكْرِ على أنه ذو الطَّول واليُسر والغِنى... ولَلْموتُ خيرٌ من حياةٍ على فقْرِ وعدَّتُها لو طُلِّقتْ وهْيَ حائلٌ (2)... ثلاثةُ أقراءٍ عِدَّةُ الكامِلِ الحُرِّ على أنه لو مات عنها تفجَّعتْ... بخمسةِ أيامٍ وشهرٍ إلى شهْرِ وقيل بقَرْءٍ واحدٍ وهي حيضةٌ... وذلك من ذاتِ الرقيقة تستبْرِ نعم وله (3) تسليمُها دُونَ حِرْفةٍ... نهارًا وليلا باتفاق أولي الأمْر وبوطئِهَا (4) شرقَ البلادِ وغربِها... بدون إذْنِ مولى نافِذِ النَّهي والأمْرِ ولا عجبَ إن أعوز الحبرَ حكمُها... فإنَّ خفايا الشرعِ تنبو عن الحصْرِ
3 -
وأما الثالثُ:
فيَلزمُ الملتقِطَ حفظُ اللَّقيطِ، ورِعايتُه، وحفظُ مالِه استقلالًا مِنْ غَيرِ إذْنِ الحَاكمِ.
ويحرُمُ عليه نبذُهُ، وليس له تسليمُهُ 5 للحاكمِ.1234
وليس له نقلُ اللَّقيطِ المَوجودِ فِي بَلدةٍ أوْ قريةٍ إلى باديةٍ لِخُشونةِ العَيْشِ، وفَواتِ تَعلُّمِه ما ينْفَعُه 1.
ويُنقَلُ مِنْ بَلَدٍ 2 إلى أُخْرَى لا إلى قَريةٍ، ويُنقَلُ مِنْها إلى البلَدِ، ومِن مالِه وثيابِهِ وما لُفَّ علَيه أو جُعِلَ فِي جَيْبِه ويَدِه وفَرْشُه وما غُطِّيَ بِه ودَابةٌ عَنانُها بِيَدِه أوْ مَشدودةٌ فِي وسَطِه أوْ ثِيابِه أوْ دَنانيرُ مَنثورَةٌ 3 فَوْقَه أوْ مَصبوبةٌ تَحْتَه، وخَيمةٌ أوْ دَارٌ هو فيها وَحْدَهُ 4 لَا الضَّيْعةُ ولا ما قَرُبَ مِنه، أو دُفِنَ تَحْتَه.
ونَفقَتُه فِي مَالِه، ويُنفَقُ مِنْه بإِذْنِ الحَاكِم، فإنْ لَمْ يُعرَفْ له مَالٌ فنَفقَتُه فِي بَيْتِ المَالِ.
فإنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ شَيْءٌ أوْ كانَ هُناكَ ما يُصرَفُ لِأَهَمَّ 5 مِنْه قَامَ 6 المسلمونَ بِكِفايَتِه وهُو فَرْضٌ.
فإنْ تَيسَّرَ اقْتراضٌ فُعِلَ وإلَّا قَسَّطَ الإمامُ نفَقَتَه على مُوسِرِي 7 النَّفَقةِ، فإنْ كَثُروا فالتَّعيينُ 8 إلى رأيهِ، فإنِ استَوَوا تَخيَّرَ 9.
4 -
وأمَّا الرَّابعُ:
فاللَّقِيطُ فِي النَّسبِ كسائِرِ المَجهولِينَ.
وكلٌّ مِنَ اللَّقيطِ ومَجهولِ النَّسبِ يُلحَقُ بغَيرِ بيِّنةٍ 1 إذا استَلْحَقَه 2 بأنَّه ولدُهُ المكلَّفُ الذَّكَرُ بِشَرْطِ الإمْكانِ، وأنْ يُصدِّقَه إنْ 3 كان مُكلَّفًا حيًّا، وإلا فلا حاجَةَ إلى تصْدِيقِهِ، ولا يؤثِّرُ إنكارُهُ لو صارَ مُكلَّفًا.
ويصِحُّ 4 استِلْحاقُ الصغيرِ 5 بعْدَ مَوتِهِ، وكذا البالِغُ على الأصحِّ.
ومِنَ الشُّروطِ أن لا يَكونَ المَجْهولُ مَنْفيًّا باللِّعانِ عَنْ فِراشِ نِكاحٍ صَحيحٍ لِغَيرِ المُستلْحِقِ.
ضابطٌ: ليس لنا مَجهولٌ لا يَستلْحِقُهُ إلَّا واحدٌ معيَّنٌ غَيرَ هذَا.
ومِنَ الشُّروطِ أَنْ يكونَ كلٌّ مِنَ المُستلحِقِ والمستلحَقِ حُرًّا 6 لا 7 وَلاءَ عليه، فلَوِ استلحَقَ مَن عليه ولاءٌ مَجهولًا لَمْ يَلْحَقْ 8 بغَيرِ بيِّنةٍ على النصِّ،
في 1 "المُختصَرِ"، وهُو المعتبَرُ عنْدَ الأكْثَرِ، خِلافًا لِما اقتضاهُ إيرادُ "الشرْحِ" و"الرَّوضةِ".
وحُكْمُ العَبْدِ كذلك على مُقتضَى النصِّ خِلافَ مَا صحَّحُوه.
ولَوِ استلحَقَ حُرٌّ لا ولاءَ عليه عبْدَ غيرِهِ أو عَتيقَ غَيرِهِ لَمْ يَلْحَقْ إنْ كان صغيرًا، وكذا إنْ كان كَبيرًا وصدَّقَه على الأرجَحِ.
وفِي الجَميعِ لو صدَّق المَولَى، وَ 2 أقامَ بيِّنةً لَحِقَ.
والمرأةُ لَوِ استَلْحَقَتْ بِبَيِّنةٍ لَحِقَها، ولَحِقَ زوجَها عنْدَ الإمكانِ إنْ أقامَتْ بيِّنةً أنَّها ولدتْهُ على فراشِهِ.
ومَن قال: "هذا أَبِي"، فلا بُدَّ مِن تَصديقِ الأبِ العاقِلِ، فإنْ كان مَجنونًا، فينبعِي 3 أن يَصِحَّ.
وإنِ استلحَقَ اثنانِ بالغًا تعيَّنَ 4 نَسَبُهُ مِمنْ صدَّقَه.
وإنْ كان صغيرًا واستلحَقاهُ 5 معًا، أوْ أقامَا بَيِّنَتَيْنِ عُرِضَ على القائفِ كما سيأتِي فِي بابِه.
وحيث لَمْ يَظهَرْ مِن جهَةِ القائِفِ 1 يَنتسِبُ 2 الوَلدُ بعْدَ التَّكليفِ.
وإنْ أَلْحَقَ النَّسَبَ بغَيرِهِ كأخِي أوْ عمِّي -والمُلْحَقُ به مَيِّتٌ- فَلَابُدَّ مِنَ الشُّروطِ السابقةِ إلا الذُّكورةَ 3، فإنَّها لا تُشْتَرَطُ، بلْ تَصِحُّ هنا، إذا وُجِدَ فيها الشَّرْطُ الزائِدُ هنا، وهو صُدورُ الإقرارِ مِن الوارِثِ الحائِزِ بأن يكونَ مُعتِقَهُ.
ويَثْبُتُ بإقرارِ غَيرِ الحائِزِ 4 [مُوافقَةُ مَن تَجوزُ مَعها، ولَوْ] 5 بِمُوافقةِ الإمامِ على الأصحِّ.
ويَثْبُتُ النَّسَبُ بإِلْحاقِ الإمَامِ فيمَنْ لا وارِثَ لَهُ، واللَّه سبحانه وتعالى أَعلَمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ