التدريب في الفقه الشافعيكتاب الكتابة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هي لغةً: راجعةٌ إلى مادَّةِ كتب، بالتاء المثنَّاة من فوق، وهي دالَّةٌ على معنَى الضمِّ والجمعِ، وأطلقتْ على هذا العقدِ لما فيه من انضمامِ نجمٍ إلى نجمٍ، وقيل: سميتْ كتابةٌ لأنَّها توثَّقُ بالكتابَةِ من حيثُ إنَّها منجمةً.
وشرعًا: عقدٌ مع الرَّقيقِ على منجَّمٍ في ذمته بنجمينِ فصاعدًا يترتبُ عليه استقلالُهُ، ثم حرِّيتُهُ بفراغِ ذمته من العوضِ، وأصلها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه-: أظهر معاني قوله ﴿خَيْرًا﴾ قوة على الكسبِ وأمانة.
وفي "الصحيحين" 1 من حديث بريرةَ أنَّها دخلتْ على عائشةَ -رضي اللَّه عنها- فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسعِ أواقٍ في تسع سنينَ، كل سنةٍ أوقية،

الجزء: 4 - الصفحة: 445

فأعينيني.
وذكرتْ عائشةُ القصةَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأقرَّ على الكتابَةِ.
وجاءت أحاديثُ كثيرةٌ تدلُّ على أنَّها مشروعةٌ، فَعَلَها جمعٌ من الصحابةِ وغيرُهُم، وذلك إجماعٌ، فتستحبُّ إذا طلبَها الرَّقيقُ البالغُ العاقلُ الكسوبُ الأمينُ، ممنْ تصحُّ منه الكتابةُ (1). والصارِفُ عن ظاهرِ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أنَّه أمرٌ بعد حظر (2)، من جهة أنَّه عوضٌ ملكَهُ بملكِهِ، فتحوَّلَ بها حكمُ الرَّقيقِ عمَّا كان عليه، فكان كقولهِ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ونحوه، فلا وجوبَ، وقد أشارَ إلى ذلكَ الشافعي رضي اللَّه عنه في "الأمِّ"، وجاءَ الندبُ من قضيةِ القربةِ، وفي قولٍ: تجبُ.
ولا تستحبُّ عندَ فقد الأمانَةِ أو الكسبِ، ولا تكرهُ (3)، ولو فُقِدَا على الأصحِّ، ولا يُجبرُ الرقيقُ عليها مطلقًا قطعًا.
ومدارُ البابِ على معرفةِ مَن يوجب الكتابةَ ومن يقبلها، والصيغةُ، والعوض، والأحكامُ المترتبةُ على ذلك (4).

أما مَن يوجبُ الكتابَةَ:

فهو المالكُ الحرُّ المتأهلُ لذلكَ 6، أو وكيلُهُ، فيبطلُ من غيرِ المالكِ، ومنه وليُّ الصبيِّ والمجنونِ والسفيهِ، أبًا كانَ أو جدًّا أو وصيًّا أو حاكمًا، إلَّا في صورةٍ واحدَةٍ، فتصحُّ، وهي: الإمامُ يُكاتِبُ عبدَ2345

الجزء: 4 - الصفحة: 446

بيتِ المالِ.
قالَه شيخُنا تخريجًا من عتقِ الإمامِ عبدَ بيتِ المالِ كما سبقَ.
وإذا جازَ العتقُ بغيرِ مالٍ فبمالٍ أولَى.
وتبطلُ من المكاتبِ ولو أذنَ السيدُ على الأظهرِ، لعدمِ تأهُّلِه للولاء، وتبطلُ من المبعَّضِ إذا ملكَ بعضَهُ الحرُّ رقيقًا، كما لا يصحُّ إعتاقُهُ على المذهبِ المذكورِ في كفَّارَتِه بالعتقِ، بخلافِ الاستيلادِ؛ لأنَّه قهريٌّ، والقياس التسويةُ.
وتبطلُ من مالكِ صبيٍّ أو مجنونٍ أو سفيهٍ، أو مرتدٍّ، أو مكرهٍ، وتصحُّ من مالكٍ ذمِّيٍّ أو حربيٍّ، ويبطُلُ الزائد على الثلثِ عندَ عدمِ الإجارَةِ إذا صدرَ من مريضٍ مرضَ الموتِ، أو ممن يجري مجراهُ، فإذا ماتَ عن عبدٍ كاتبه في الحالةِ المذكورةِ على مثلِ قيمتِهِ ولم يخلفْ غيره، ورد الورثةُ الزائدَ فثلثه مكاتِبٌ، فإذا أدَّى حصَّته من النجومِ عتقَ، ولا يزادُ في الكتابَةِ بقدرِ نصفِ ما أدَّى على الأصحِّ المنصوصِ.

وأمَّا القابلُ:

فهو العبدُ البالغُ العاقلُ المختارُ 7، إذا لم يتعلَّقْ بشيءٍ منه حقٌّ من خيارٍ وعدمِ قبضٍ في المبيعِ ونحوهِ، وكرهنٍ مقبوضٍ وجناية أرشٍ متعلِّقة برقبتِه وإجارة ووصية بمنفعةٍ ودينٍ في مأذونٍ له في التجارَةِ، أو في رقيقِ التجارةِ، ولم يأذنْ صاحب الدينِ، فيبطلُ بمخالفة شيء مما ذُكِر.
وتصحُّ كتابةُ المدبَّر والمعلَّق عتقه بصفةٍ، والمكاتبُ كتابةً فاسدَةً، والمستولدَةُ، ثم إنْ كانَ من تصحُّ كتابتُهُ ملكًا كله لواحدٍ، فأورد الكتابةَ على بعضِهِ فهي فاسدةٌ إلَّا في صورةٍ واحدةٌ، وهي ما إذا أوصَى بكتابتِه فلم يخرج من الثلث إلَّا بعضُهُ، فإنَّه يصحُّ كتابةُ ذلك الذي خرَجَ للضرورةِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 447

وأمَّا الصيغةُ

(1): فهي أن يقولَ الموجبُ: كاتبتكَ على كذَا مُنجَّمًا، إذا برئت منهُ أو فرغتَ ذمتكَ منهُ، فأنتَ حرٌّ.
ولو قالَ: "كاتبتكُ على كذا منجمًا الكتابة التي يحصلُ فيها العتقُ".
كانَ كافيًا في الصراحَةِ، ولو تركَ لفظ التعليقِ ونواهُ جازَ، ولا يكفي لفظُ كتابة بلا تعليقٍ ولا نيةٍ على المذهب، ويقولُ القائلُ: قبلتُ.

وأما العوض

ُ 9: فشرطُهُ أَنْ يكونَ دينًا مؤجَّلًا، ومنفعة نفس المكاتبِ لا تقبلُ دينًا ولا تأجيلًا، ويشترطُ اتصالهما بعقدِ الكتابَةِ، وكونُ العوضُ نجمينِ فأكثرُ، ولا يكونُ من منفعةِ نفسِ المكاتِبِ إلَّا نجم واحد، ويعتبرُ معه غيرها، ويستثنَى من ذلكَ المبعَّضُ، على الأرجَحِ عندَ شيخِنا، فإنَّهُ تصحُّ كتابتُهُ بغيرِ تنجيمٍ، سواء أكان حالًّا أمْ كانَ مؤجَّلًا إلى أجلٍ واحدٍ؛ لأنَّ المعنى المقتضي لتعين التأجيلِ والتنجيمِ وهو أنَّ الرقيقَ الكامل لا يملكُ مفقود هنا، فإن المبعض يملك ببعضه الحُر، وذلك الذي يملكهُ يوفي منه ما كان حالًا، ولا عجز حينئذٍ بخلافِ الرقيقِ الكاملِ.
ولو كاتَبَ على خدمةِ شهرٍ من العقدِ ودينار عندَ انقضائِه صحَّت، ولو قالَ: كاتبتكَ وبعتكَ هذا الثوبَ بألف ونجَّمَ الألف وعلَّق الحريةَ بأداءِ ما تعلَّقَ بالكتابَةِ أو بفراغِ الذِّمَّةِ منهُ فالأظهَرُ صحَّةُ الكتابَةِ، والمذهبُ بطلانُ البيعِ.
ويستثنَى من ذلكَ ما إذا كانَ المكاتبُ مبعَّضًا، وكان بينهُ وبين سيدِه مهايأةٌ، وكان ذلك في نوبةِ الحريَّةِ، فإنَّه يصحُّ البيعُ أَيضًا.8

الجزء: 4 - الصفحة: 448

ولو كاتبَ عبيدًا على عوضٍ منجم على أنَّهم إذا أدَّوا عتقوا صحَّتِ الكتابَةُ على النصِّ، ومعناهُ على أنَّ مَن أدَّى حصَّتَهُ عتقَ، ولو كاتباهُ معًا أو وكَّلا صحَّ إن اتفقتِ النُّجومُ، وجعل المالُ على نسبةِ ملكيهما، فلو عجزَ فعجَّزه أحدهما وأرادَ الآخرُ إبقاءه (1) فكابتداء عقدٍ، وفي طريقٍ: يقطع بالجوازِ بالإذن، ولو أبرأهُ منَ نصيبِهِ أو أعتقَهُ عتقَ نصيبه، وقوم الباقي، إن كانَ موسرًا.

وأمَّا الأحكامُ المترتِّبَةُ على ذلك:

فمنها ما يتعلَّقُ بالسَّيِّدِ، ومنها ما يتعلَّقُ بالمكاتِبِ.

فمما يتعلَّقُ بالسيِّدِ

الجزء: 4 - الصفحة: 449

الذي يجبُ حطُّهُ ما يقعُ عليهِ اسمُ المالِ.
وينبغي أن يكونَ الموضوعُ قدرًا يليقُ بالحالِ على العتقِ دونَ القليلِ الذي لا وقع له، كما قالَهُ أبو إسحاق المروزي.
وقد نظرَ الشافعيُّ آية الإيتاءِ بقولِهِ تعالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ والمصحح في المتعةِ أنَّ الحاكمَ يقدرها باجتهادِهِ، فكذلَكَ هاهنا، ويستحبُّ الرُّبعُ، وإلَّا فالسُّدسُ، وإلَّا فالسبعُ.


ويحرمُ على السيدِ وطءُ مكاتبتِهِ 13، ولا حدَّ فيه، ويجبُ مهرٌ واحدٌ، وإن تكرَّرَ، إلَّا إذا خُيِّرَتْ فاختارَتِ الصَّداقَ أو العجزَ، فإنِ اختارتِ الصداقَ وقبضتْهُ، ثم أصابها فلها صداقٌ آخرُ، وكلما خُيِّرَت فاختارَتِ الصداقَ ثم أصابها فلها صداقٌ آخرُ، وإنْ عجزَتْ سقطَ، والولدُ حرٌّ، ولا تجبُ قيمتُهُ على الأظهَرِ، وصارَتْ مستولَدَةً، ومكاتبةً، فإن عجزَتْ عتقتْ بموتِهِ.
وولدُ المكاتبةِ موقوفٌ، يعتقُ بعتقِ الأمِّ، ويرقُّ برقِّها، وحقُّ الملكِ فيه للسيدِ، وفي قولٍ: لها علقة بالولدِ، بحيثُ تكونُ أحقَّ بكسبِهِ، وأرشُ جنايتِهِ عليه، ومهرٌ على واطئ ابنتها, ولو كان السيدَ.
والأظهَرُ أنَّ أرشَ جنايتِهِ عليه 14، وكسبه ومهره إذا كانَ الولدُ أنثى فوطئت وطئًا يوجبُ مهرًا، أو حصلتْ تسميةُ مهرٍ وتشطر بطريقة أو تقرَّر بطريقة ينفق من ذلك عليه، ومهما فضل وقف فإن ماتَ فللسيدِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 450

وإن عتقَ بعتقِ الأمِّ فله، وكذا إن عتق لا بعتقها, لكن إذا رقَّتِ الأمُّ بعد ذلك عاد ذلك للسيِّدِ.


ومما يتعلَّقُ بالمكاتب:

أنَّه لا يعتقُ شيءٌ منهُ حتَّى تفرغَ ذمَّتُهُ من جميعِ النُّجومِ، أو يعتقَهُ السيدُ، ويؤخِّرَ النجومَ دينًا عليهِ على النصِّ في "الأمِّ".
وإن خرجَ المؤدِّي مستحقًّا رجع السيدُ بمستحقه، ولو خرجَ في غيرِ النجمِ الأخيرِ أو في الأخيرِ بان بذلك الخروج مستحقًّا أنَّه لا عتقَ، وإن كانَ قالَ عند أخذهِ: أنتَ حرٌّ، على وجهِ الخبر.
وإذا خرجَ معيبًا فله ردُّه، وأخَذ بذله، وإذا أدَّى المكاتِبُ بعد ذلكَ على الصفةِ المستحقة حصلَ العتقُ حينئذٍ.
ولا يتزوجُ المُكاتِبُ إلَّا بإذنِ سيدهِ، ولا يطأ جاريتَهُ بغيرِ إذنِ سيدِهِ، وكذا بإذنِه على الجديد.
وله شراءُ الجوارِي للتجارَةِ، فإن وطئها فلا حدَّ، والولدُ نسيب لشبهةِ الملكِ.
فإن ولدتْهُ في الكتابَةِ أو بعدَ عتقِه لدون ستة أشهرٍ تبعه رقًّا وعتقًا, ولا تصيرُ الأمةُ مستولدَةً لهُ في الحالِ على المذهبِ، وقيل: إنها في الحالِ يتوقفُ في أمرِها، فإن عتقَ المكاتِبُ فقد استقرَّ لها أمية الولدِ، وإن رقَّ صارتْ رقِّيَّتُهُ للسيدِ الأصليِّ، وإن ولدتْهُ بعد العتقِ لفوقِ ستة أشهرٍ من الوطءِ وبعد العتقِ واستبرأها من الوطء الماضي فالولدُ حرٌّ وهي أمُّ ولدٍ 15. ولو عجَّلَ النُّجومَ لم يجبر السيدُ على القبولِ إن كان له، وفي الامتناعِ

الجزء: 4 - الصفحة: 451

غرضٌ كمؤنةٍ تلزمُه، أو خوف عليه؛ بأن كان زمان نَهْبٍ أو كان طعامًا يريدُ أن يأخذَهُ عند المحلِّ طريًا، وإن لم يكنْ عليه ضررٌ فيُجبرُ إما على القبضِ، أو الإبراءِ، فإنْ أبَى قبضَه القاضِي 16. ولا يصحُّ بيعُ النجومِ، ويصحُّ اعتياضُ الحالِ عن المؤجَّلِ على النصِّ، وكذلك استبدال العينِ عن المؤجلِ، ولا يصحُّ بيعُ رقبةِ المكاتِب 17.


والكتابَةُ لازمَةٌ 18 من جهةِ السيدِ ليسَ له فسخَها إلَّا أن يعجَزَ المكاتِبُ عن الأداءِ، أو يمتنعُ من إعطاءِ النجمِ الذي حلَّ مع قدرتِهِ عليه.
ويستثنَى من ذلك ما إذا عجزَ عن القدرِ الواجبِ في الإيتاء، فليس للسيدِ تعجيزُهُ؛ لأنَّ للمكاتبِ عليه ملكه، لكن يرفعه المكاتبُ إلى الحاكمِ حتَّى يرى رأيَهُ ويفصلُ الأمرَ بينهما.
وجائزةٌ من جهةِ المكاتبِ، فله تركُ الأداءِ، وإن كانَ معهُ وفاءٌ, وله الفسخُ مطلقًا، فإذا عجَّزَ نفسه، فللسيدِ الصبرُ والفسخُ بنفسهِ، وإن شاء بالحاكمِ 19. ولا تنفسخُ الكتابَةُ بجنونِ المكاتِب 20 ويؤدي القاضي إن وجد لَه مالًا ورأَى المصلحةَ في الحريَّةِ، فإن رأى أنَّه يضيعُ إذا عتقَ، فلا يؤدي ما يقتضي الحرية لحصولِ الضررِ للمكاتِبِ المجنونِ بذلك.
ولو استقلَّ السيدُ بأخذ النجمِ الحالِّ من مالِهِ أو أدَّاهُ المجنونُ لسيدِهِ

الجزء: 4 - الصفحة: 452

فأخذَهُ منهُ على قصدِ أخذه عن النجمِ، فإنَّه يصحُّ، هذا هو المعروفُ عند العراقيينَ، وغيرهم، وفي نصِّ "مختصرِ المزني" ما يدلُّ عليه، وهو محمولٌ على أنَّ الخبلَ حدثَ للرقيقِ بعدَ الكتابَةِ، ويستقلُّ بكلِّ تصرُّفٍ لا تبرع فيه.
ولا خطرَ إلَّا الكفارة بالمالِ، فلا تستقلُّ بها مع أنها ليستْ تبرّعًا.
وأمَّا ما فيه تبرعٌّ أو خطرٌ فلا يستقلُّ به، ويستثنى من التبرُّع ما تصدَّقَ به على المكاتبِ من لحمٍ وخبزٍ، مما العادَةُ أن يؤكَلَ ولا يباعُ، فإنَّ المكاتِبَ إذا أهدى شيئًا من ذلك لأحدٍ كان للمهدَى إليه أكله على النصِّ، لصحَّة الحديثِ فيه في قضيةِ بريرة، ويستثنَى من الخطرِ خطرٌ الغالبُ فيه السلامةُ، ويفعلُ للمصلحةِ كتوديج البهائم وكيها، وقطع السلع منها، والفصد، والحجامة، وختن الرقيق، وقطع السلعة التي في رقيقه، وفي قطعها خطرٌ، لكن في بقائِها أكثر، أو كانَ في قطعِها خطرٌ، وفي إبقائِها خطرٌ.
وله أن يؤدِّبَ عبدَهُ ولا يحدُّه على النصِّ كما سبقَ، ويصحُّ بإذن سيدِهِ التبرُّع والخطرُ، وفي العقدِ كالبيعِ نسيئةً على المشهورِ، ويصحُّ الإقراضُ بإذنِ السيدِ قطعًا.

ضابط

ٌ: العتقُ يكونُ بالتنجيزِ بمالٍ أو بغيرِهِ، وقد سبقَ في بابِهِ مع السراية، ويكونُ بالتعليقِ في الحياةِ على مالٍ أو غيرِ مالٍ، ومنه الكتابة الباطلة المصرحُ فيها بالتعليق ممن يصحُّ منه، ويكونُ بالتعليقِ بما بعدَ الموتِ على غيرِ مالٍ، أو بمالٍ، ويكونُ العتقُ بالكتابةِ.


والكتابَةُ صحيحةٌ وفاسدَةٌ 21، فالصحيحةٌ تعليقٌ في عقدٍ يغلبُ فيه معنى المعاوضةِ، والفاسدةُ يغلبُ فيها التعليقُ، وفيها سائبة المعاوضةُ، وقد سبقَ

الجزء: 4 - الصفحة: 453

نظيرُهُ في الخلعِ بالنسبة إلى الزوجِ، وأنَّ العرقَ نزَّاعٌ، فالكتابةُ الصحيحةُ سبقَ بيانُها، الفاسدةُ هي التي صدرَ فيها الإيجابُ والقبولُ ممن تصحُّ عبادتُه، واشتملتْ على قصد الماليةِ، ولم يؤخذ فيها بقية ما يعتبرُ في الصحيحةِ لذكر شرطٍ فاسدٍ أو عوضٍ فاسدٍ، مقصود غير شرعي، كخمرٍ ونحوِهِ، أو مجهول يمكن دفعه أو لم يؤجلِ العوضُ، أو أخلَّ بنجمٍ، أو أَجلٍ مجهولٍ، أو كاتبَ بعضَ عبدٍ فيه رقٌّ لغيرِهِ أو له، ولا بدَّ فيها مع كونِ المالكِ مكلفًا مختارًا أن يكونَ حرًّا، فكتابةُ المكاتِبِ عبدَهُ باطلَةٌ، ولو أذنَ السيدُ على المذهبِ.
وكذا المبعَّضُ كما سبقَ، وهي كالصحيحةِ في استقلالِ المكاتبِ بالكسبِ حتَّى فيما يوهَبُ له، ويوصَى له به، ويلتقطه، ويرضخُ له، ونحوها، وتبرعاتُه وخطره كالصحيحةِ، وقال البغويُّ: لا يتصرَّفُ فيما في يدهِ، وهو ضعيفٌ، وكالصحيحةِ في أنَّه يصرف إليه أرشُ الجنايةِ عليه، وعلى رقيقِه، وله مهر جاريته، حيث يجبُ بعقدٍ أو وطءٍ أو موت، والمكاتبةُ كذلك، ولها مهرُ نفسِها فيما ذُكِرَ.
وإذا حصلَ العتقُ في الفاسدةِ بأداءِ المالِ تبعَهُ ما بقي من الكسبِ، ويتبعُ الولدُ أَيضًا على المذهبِ، وإذا استقلَّ سقطتْ نفقتُهُ وقياسُهُ سقوطُ فطرَتِهِ، وفي "الروضة" تبعًا للشرحِ تجبُ فطرتُهُ، وهو ممنوعٌ.


وتخالف الفاسدةُ الصحيحةَ في نحوِ مائةِ موضعٍ أو أكثرَ، نذكرها على ترتيبِ أبوابِ الفقهِ:

يجبُ أن يشتري له ماءَ الطهارَةِ ونحوه، إذا لم يستقلَّ كما هو مصحح في القنِّ.
ويزكِّي عنهُ زكاةَ التجارَةِ.
قالهما شيخُنا تخريجًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 454

ويُخرجُ عنه زكاةَ الفطرِ إذا لم يستقلَّ، ويمنعهُ من صومِ الكفَّارَةِ إذا حلفَ بغيرِ إذنِهِ، وكان يضعفُ بالصومِ.
خرَّجَه شيخُنا من القنِّ.
ويمنعُهُ من المسافرَةِ للتجارَةِ وغيرِها على المذهبِ.
وخرَّجَ شيخُنا منعهُ من الإحرامِ وتحليلِه إذا أحرمَ بغيرِ إذنِهِ، ولَهُ هو أن تحللَ.
ومن المنقولِ يتبعه وإن لم يرضَ، ولم يعجز نفسه، ويكون البيع فسخًا ولا تكفي الكتابةُ الفاسدُة في العبدِ المسلمِ للكافرِ.
ومن المخرج إذا كاتبَ البائعُ في الخيارِ له أولهما، لم يكنْ فسخًا للبيعِ، فإنِ اتَّفقَ عتقُهُ بالأداءِ حالة الخيارِ كان فسخًا.
ولو اطلَّعَ على عيبٍ به بعد أن كاتبَهُ فاسدًا يردُّه، ويكونُ فسخًا، وكذلك التقائل والتحالف، ويجعله رأس مال سلم، ويكون فسخًا, ولو أحضرَه في السلم جاز، وكان فسخًا، ويقرضه، ويكونُ ذلكَ فسخًا للكتابَةِ.
ويرتهنهُ، ويكونُ فسخًا, ولا يقبضُ المرهونُ من سيدِه بوكالةِ المرتهنِ، وكذلك في الصرفِ وقبض غيره في بيعٍ وسلمٍ وقرضٍ ودينٍ ونحوها.
ويباعُ في دينِ المفلس، ويكون فسخًا، ومن المنقولِ انفساخها بجنونِ السيِّدِ والحجرِ عليه بالسَّفَهِ، وهو في الصلحِ عليه كالعقدِ المرتب عليه، ولا تصحُّ له الحوالةُ عليه بالنجمِ.
ومن المخرج: لا يقبل التوكيل بها, ولا تصدرُ من الوكيلِ لغلبة التعليقِ، ويحتملُ الجوازُ لسائبة المعاوضة، ولا يوكل السيد من يقبض له النجوم، ولا يوكل العبدُ من يؤدِّي عنه شيئًا من النجومِ رعايةً للتعليقِ بقوله: فإذا أديتَ إلي.
ولا يعتقُ بإعطاءِ وكيله، ويصحُّ إقرارُ السيدِ به لغيره، ويقبل إقرارُ السيدِ على المكاتبِ كتابةً فاسدةً، بما يوجبُ الأرشَ بخلافِ الصحيحةِ، ولا يأخذ

الجزء: 4 - الصفحة: 455

بالشفعةِ من سيدِهِ؛ لأنَّه لا يعامله على ما ذكره البغويُّ وقوى خلافًا للإمامِ والغزالي.
ويجعله أجرة في الإجارَةِ، ويكون فسخًا، ويجعل جعلًا في الجعالَةِ ويكونُ فسخًا، ويوقفُ ويكون فسخًا, ولا يأخذ من الوقفِ على الرقاب، ويصحُّ أن يهبَهُ أو يهديَهُ أو يتصدَّقَ به -علم فساد الكتابة أو جهلهُ- ويكونُ فسخًا، وإذا كاتَبَ الفرعُ ما وهبَ له أصلُهُ بعدَ قبضِهِ بإذنِهِ، فللأصلِ الرجوعُ فيه، ويكونُ فسخًا.
وتنفسخُ بموتِ السيدِ ويوصي به من غيرِ تقييدٍ بالعجزِ، ويكون الإيصاءُ فسخًا, ولا يوصى بنجومِه، نصَّ عليه.
ولا يوصي بأن يكاتبَ عبدَهُ فلانُ كتابةً فاسدةً، والصادرةُ في المرضِ لا تخرجُ من الثلثِ، ولا يأخذ من الوصية للرقابِ ولا يصرفُ فيها من سهمِ المكاتبينَ على الأصحِّ المنصوصِ، ولا يمتنعُ من النظرِ إلى مكاتبته كتابةً فاسدةً، والمعتبرُ في الفاسدَةِ جواب خطبتها من السيدِ، ويزوجُ السيدُ المكاتبةَ كتابةً فاسدةً إجبارًا، والأرجحُ أنَّهُ يكونُ فسخًا.
وللسيدِ منعُ الزوجِ من تسلُّمها نهارًا كالقنَّةِ، ويسافرُ السيدُ بالمكاتبَةِ كتابةً فاسدةً، وله منعُ الزوجِ من السَّفَرِ بها, وليس للمكاتبة كتابةً فاسدةً حبس نفسها لتسليم المهرِ الحال، وللسيدِ أن يفوض بضعها, وله حبسها للفرض، وتسليم المفروض لا لها، وإذا زوجها بعبدِه لم يجب المهرُ، ويجوزُ جعلُ المكاتبِ كتابةً فاسدًة صداقًا، ويكونُ فسخًا، وإذا كاتبتْهُ الزوجةُ كتابةً فاسدَةً ثم وجد ما يقتضي رجوع الكلِّ أو النصفِ رجع إلى الزوجِ الذي أصدقَه لها، ويكونُ فسخًا، والتحالفُ في الصداقِ والرد بعيبٍ أو إقالة، وغير ذلك سبق نظيرُهُ في البيعِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 456

ويخالعُ عليهِ ويكون فسخًا، وفي الردِّ والإقالةِ والتحالفِ وغيرها ما سبقَ، وإذا علقَ الطلاقَ بإعطاء المكاتب كتابةً فاسدةً وقع بائنًا وملكه وانفسختِ الكتابةُ.
ولو قالَ: "إن أعطيتني عبدًا" أو "هذا العبدُ" -وهو مكاتبٌ كتابةً فاسدةً- طلقت فيهما بائنًا.
ويُرد العبد في الأولى، ويملِكه في الثانيةِ بخلافِ الصحيحةِ.
وإذا فسختِ الكتابةُ الفاسدةُ في الأمةِ لم يجب الاستبراءُ، كذا في "الروضة" تبعًا للشرحِ، وتعقبه شيخُنا بأنَّه لم يتجددْ للسيدِ فيها ملكٌ ولا حل، فلا معنى للاستبراءِ، ولكن الذي تخالف فيه الفاسدة الصحيحة في ذلك أنَّه لا يحرُمُ وطؤها, ولا الاستمتاعُ بها, ولا النظرُ إلى ما بينَ سُرَّتها وركبتها, ولا مهر بوطئها, ولا تعزير، ويستمرُّ تحريمُ أختِها وعمتها وخالتها في الوطء بملكِ اليمينِ، وفي عقدِ النكاحِ.
وأرشُ جنايةِ المكاتبِ كتابةً فاسدةً يتعلَّقُ برقبتِه ابتداءً، ولو جنَى عليه السيدُ فلا أرشَ لهُ.
ولا يدعى في قتلِ عبدِهِ في محلِّ اللوثِ، ولا في غيرِه، ولا يقسم، وذلك يتعلَّقُ بالسيدِ، وإذا حجرَ على السيدِ بالردَّةِ وقلنا أنَّه حجر فلس كما صححوه، ومالهُ لا يفي بديونِه فلبائعه الرجوع فيه، ولا يمنعه من ذلك الكتابةُ الفاسدَةُ.
ويُباعُ في الدُّيونِ، وإذا سرقَهُ سارقٌ وهو نائمٌ بحيثُ لو انتبه لا قدرة له بدفعِ يدِ السارقِ فإنَّه يثبتُ الاستيلاءُ عليه، ويقطع على الأرجحِ، وبحنث 22 سيده بأنَّه لا مال له، ولا عبد، ولو حلف: لا يكاتب، أو: ليكاتبنَّ اليومَ، أو: لا

الجزء: 4 - الصفحة: 457

يكلم مكاتب فلان، فإن البرَّ والحنثَ يتعلَّقانِ بالصحيحةِ دونَ الفاسدَةِ.
ولو حلفَ لا يكاتبُ عبدَهُ كتابةً فاسدةً لم يحنثْ بالصحيحةِ، ويحنثُ بالفاسدَةِ، ويكاتبُهُ السيدُ كتابةً صحيحةً، ويكونُ فسخًا للفاسدَةِ، ويتعيَّنُ في الفاسدةِ أداءُ المسمَّى، وإن كاتبَ على أداءِ مالِ غيرِهِ فلا بدَّ من إذنِ مالكِ المالِ في الإعطاءِ.
ويعتقُ بعضهُ فيما إذا كانتْ بعض عبد كتابة فاسدةً ووجدَ ما يقتضي العتقُ، ويسري إلَّا أن يكونَ مرهونًا والمالك معسر، أو تعلَّق برقبتِه أرش جنايةٍ والمالكُ معسرُ.
وفي الشريكينِ إذا كاتَبَ أحدُهما وأداه وأدَّى الآخر بحصَّتِه عتق نصيبُ مَن كاتبه، وفي السرايةِ ما سبقَ، ولا يجبُ الحط فيها، بل لا يجوزُ قبل العتقِ، ولا يصحُّ الإبراءُ من المسمَّى في الكتابةِ الفاسدَةٍ، ولا يعتقُ به ولا يعتقُ بأداءِ غيره عنه تبرُّعًا إلَّا إذا فسدتْ لظهورِها مع غيرِ العبدِ.
فإنَّه بأداءِ مَن صدرتِ الكتابةُ معه بمقتضَى التعليقِ، ولا يملكُ السيدُ ما أدَّاه غير العبدِ، ويرجعُ السيدُ عليه بقيمتِه يوم العتقِ، ويرجعُ هو على السيدِ بما أدَّى إن كانَ مالًا، أو مختصًّا، خلاف ما أطلقوه من أنَّه لا يردَّ الخمرَ ونحوهِ، فإن تجانسَ المالانِ فأقوالُ التقاصّ، ويرجعُ صاحبُ الفضلِ به، وللسيدِ فسخُ الفاسدةِ بنفسِهِ، وبالرفعِ إلى الحاكمِ، ليحكمَ بإبطالِها أو فسخِها.
وإذا عتقَ لا عنْ جهةِ الكتابَةِ لم يستتبعْ كسبًا ولا ولدًا, وله إعتاقُه عن كفارَتِهِ على المنصوصِ.
وتنفسخُ بإغماءِ السيدِ وجنونِه، وموتِه، ولا يعتقُ بالأداءِ إلى الوارثِ، نصَّ عليه، وفي كتبِ المتأخِّرين: إن قال: إن أديتَ إلى وارثي بعد موتي فأنت حرٌّ،

الجزء: 4 - الصفحة: 458

عتقَ بالأداء إليه، وما ذكروه تعليقٌ ليس عن كتابةٍ فاسدةٍ.
ولا يعتقُ بتعجيلِ النُّجومِ على الأصحِّ، ولا بتأخيرها عن المحلِّ المعتبر في التعليقِ، ولا بالأخذِ من وكيلِه، وقد أشارَ إليه المرعسي، ويعتقُ بأخذِ السَيدِ في حالِ جنونِهِ، كذا ذكروهُ.
قال الرافعيُّ: وينبغي أن لا يعتقَ لأنَّه لم يأخذْ من العبدِ.
قال شيخُنا: ويزادُ عليهِ أنَّ العبدَ لم يؤدِّه، والعيبُ في المدفوعِ في الكتابَةِ الفاسدةِ لا يضرُّ، ولا يرد به إذِ المرجعُ إلى القيمةِ.
وإذا كاتَبَ عبيدًا صفقةً كتابَةً فاسدَةً، وقال: إذا أديتم إليَّ كذا فأنتم أحرارٌ، لم يعتقْ واحدٌ منهم بأداءِ حصَّتِه على الأقيسِ، وتنفسخُ بموتِ غيرِ السيدِ وغير المكاتبِ، وهو من جعلِ القبض منه أو قبضه شرطًا في العتقِ بها.
وللكافرِ حملُ المكاتبِ كتابةً فاسدةً إلى دارِ الحربِ، وهي جائزةٌ من الجانبينِ، ولا تستحبُّ إذا طلبَها العبدُ مطلقًا، بل تحرمُ إذا صدرتْ على خمرٍ أو خنزيرٍ، ونحو ذلك، ويكتفى في الصحيحةِ بنيةِ قولِهِ: فإذا أديتَ إليَّ فأنت حرٌّ، وإن لم يتلَّفظْ بِه، بخلافِ الفاسدَةِ؛ لأنَّ التعليقَ لا يصحُّ بالنيةِ، وإنَّما صحَّ في الصحيحةِ لغلبةِ المعاوضَةِ.
قال شيخُنا: ولم أرَ من تعرَّضَ لذلكَ، وهو من النفائسِ.
ولو عينَ في الفاسدَةِ موضعًا للتسليمِ تعين مطلقًا من أجلِ التعليقِ.
ولو قالَ السيدُ: هذا حرامٌ، لم يؤثِّر في الفاسدَةِ المشتملةِ على الحرامِ، ولو اشترَى المكاتبُ كتابةً فاسدةً من يعتقُ على سيدِه عتقَ في الحالِ، ولا تحالفُ في الاختلافِ في الفاسدَةِ لأنَّها جائزةٌ من الجانبينِ، ولو اختلفا بعد العتقِ فلا تحالفَ أَيضًا، لثبوتِ التراجعِ والتقاصّ المتقدم يجري في غير هذا، وشرطه أن يكونَ في دينين من نقد واحدٍ حالَّين، أو مؤجَّلينِ بأجلٍ واحدٍ على الأرجحِ خلافًا للبغويِّ.

الجزء: 4 - الصفحة: 459

وأظهَرُ الأقوالِ: التقاصِّ سقوط الدينينِ بلا رضًا.
والثاني: لا بدَّ من رضاهُما.
والثالثُ: برضا أحدِهما.
والرابعُ: لا.
. . 23


الجزء: 4 - الصفحة: 460

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بابُ أمِّ الولدِ

هي لغةً: الأنثَى ذات الولدِ، وشرعًا مَن ولدتْ ما ظهرَ فيه تخطيطُ آدميٍّ، وما ألحق بذلك وحبلتْ به من مالكِ كلِّها أو بعضِها غير المكاتبِ، أو من حرٍّ أصلٍ للمالكِ إذا لم يسبقِ استيلاد الفرع.
وأصلُ البابِ: من القرآن قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾، ولمَّا قرأها عمر بن الخطَّابِ -رضي اللَّه عنه- على الصحابَةِ قال: وأيُّ قطيعةٍ أقطعُ من أن تباعَ أمُّ امرئٍ منكمْ، وقد أوسعَ اللَّهُ لكم.
قالوا: فاصنعْ ما بدا لكَ.
قال: فكتبَ في الآفاقِ: أن لا تباعَ أمُّ حرٍّ، فإنَّه قطيعةٌ، وإنَّه لا يحلُّ.
رواه البيهقيُّ 24. ومن السُّنَّةِ ما ثبتَ عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ماتَ ولم يتركْ عبدًا ولا

الجزء: 4 - الصفحة: 461

أمةً 25. ووجهُ الدلالةُ منهُ أنَّ ماريةَ أمَّ إبراهيمَ عليه السلام كانت حيَّةً، ولم يثبتْ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نجز عتقها في حياتِه، ولا علَّقَه بوفاتِه، ولم تعد متروكة، فدلَّ على أنَّها عتقتْ حينئذٍ.
وسببُه الاستيلاد السابق.
وثبتَ عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّهم سألوه: إنَّا نصيبُ السبيَ، فنحبُّ الأثمانَ، فكيفَ ترى في العزلِ؟ فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وإنَّكُمْ لتفعلونَ ذلك؟! ما عليكم ألَّا تفعلوا ذلك، فإنَّها ليستْ نسمة كتب اللَّه أن تخرجَ إلَّا وهي خارجةٌ" 26 وتقرير دلالته أن الاستيلادَ لو لم يمنعْ البيع لم يكن لعزلهم لمحبَّةِ الأثمانِ فائدة.
وجاءتِ أحاديثُ صريحةٌ في المقصودِ، بعضها حسنٌ، وبعضها مرسلٌ، وبعضها ضعيفٌ.


من أحبلَ أمته الخالصةَ 27 لهُ أو المشتركَةَ على ما سيُبيَّن، أو حبلت منه باستدخالها ذكرَهُ وهو نائمٌ، أو مغمًى عليه ونحوه، أو استدخلتْ ماءه المحترم فولدتْ حيًّا أو ميتًا أو ما تجبُ فيه غُرَّة عتقتْ بموتِ السيدِ الذي حبلتْ منهُ وألقتْ ما تقدَّم، إلَّا إن كان سيدها مكاتبًا أو مبعَّضًا، أو راهنًا رهنًا لازمًا، وهو معسرٌ أو مأذونٌ له في التجارَةِ وركبتهُ الدُّيونُ، أو كانتِ الأمةُ جانيةً جناية توجبُ مالًا متعلِّقًا برقبتها، أو مالكُها معسرٌ.
ولا الوارثُ إذا أحبلَ أمة التركةِ التي انتقلتْ إليه وحدَه وهو معسرٌ وتعلَّقَ

الجزء: 4 - الصفحة: 462

بها الدينُ.
والجاريةُ المنذور التصدُّق بثمنها 28، أو بها، والموصى بإعتاقِها الخارجة من الثلثِ إذا وطئها الوارثُ وحبلتْ منهُ، فإنَّ كلَّ أمةٍ من ذكرٍ من المكاتبِ إلَّا 29 هذا لا يعتقُ بموتِ السيدِ.
والمرادُ بالمشتركةِ الجاريةُ التي استولدها أحدُ الشريكينِ، فإنَّه ينفذ استيلادُه في حصَّته التي ليس بها مانع مما تقدَّمَ، ويسري الاستيلادُ إلى حصَّةِ شريكِهِ إن كان موسرًا، وكذلك لو كانَ الشريكُ الأصلُ مع فرعِه سرى الاستيلادُ إلى نصيبِ فرعِهِ، ولو كانَ الأصلُ معسرًا وبايع بعض الأمةِ إذا استولدها قبلَ أن يقبضَها المشتري وكانَ موسرًا بالثَّمن، فإنَّه يسري إلى حصة المشتري، وينفسخُ البيعُ، ويسقطُ الثمنُ.
وإذا أحبلَ السيدُ أمةً مكاتبةً أو حبلتْ منهُ، ثبتَ الاستيلادُ، وكذلكَ الأصلُ الكاملُ الحرية إذا استولدَ أمةَ فرعِهِ، التي ليستْ مستولدةً للفرعِ، ولو وطئ مكاتبةَ فرعِهِ التي ليست مستولدة للفرعِ، ولو وطئَ مكاتبة فرعه واستولدها صارت مستولدةً لهُ على ما صحَّحه البغويُّ خلافًا للهرويِّ.
ولو كانتِ الأمةُ مشتركةً بين فرعِه وغيره، نفذ الاستيلادُ في نصيبِ الفرعِ، وسرى إلى نصيبِ الشريكِ، إذا كان المستولد موسرًا.
ولو أحبلَ أمةَ غيرِهِ أو حبلتْ منه بنكاحٍ 30، فالولدُ رقيقٌ، ولا تصيرُ أمَّ ولدٍ إذا مات، فإنْ نكحَهَا أجنبيٌّ ثم ملَكَهَا ابنُه لم ينفسخِ النكاحُ، وكذلكَ لو نكحَ

الجزء: 4 - الصفحة: 463

جاريةَ فرعِهِ، والناكحُ رقيقُ، ثم عتقَ لا ينفسخُ النكاحُ على الأصحِّ، فلو أولدها ثبتَ الاستيلادُ، وينفسخُ النكاحُ على الأرجحِ.
أو أمةَ غيرِهِ بشبهةٍ، فالولدُ حرٌّ إذا اشتبهتْ عليه بأمتِهِ أو زوجتِهِ الحرة أو بأمةٍ مشتركَةٍ بينه وبين غيره، أو بأمة فرعه أو مشتركة بين فرعه وغيره، فأمَّا لو اشتبهتْ عليه بزوجتِه الأمة فلا يكون الولد حرًّا, ولا تصيرُ أمَّ ولدٍ على الأظهرِ 31. وله وطء أمِّ الولدِ أي: لم يمنعه من وطئها مانعٌ، فإن منعه من ذلكَ مانعٌ كما إذا كانَ مبعضًا فليسَ له وطؤها، إلَّا بإذن مالك بعضه، وليس له وطء التي لم ينفذ فيها الاستيلاد لرهن وضعي، أو شرعي، فيما يخلفه المديون، أو بجنايةٍ كما سبقَ.
وكذلك المكاتبةُ إذا استولدها سيدُها ليس له وطؤها لوجود الكتابة، وله استخدامُ أمِّ الولدِ بأرشِ جنايةٍ عليها، وكذا تزويجها بغير إذنها في الأظهرِ، ويحرمُ بيعُها وهبتها، ورهنها، إلَّا إذا باعها من نفسها، فإنَّه يصحُّ على الأرجحِ، وإلَّا إذا ارتفعَ الاستيلادُ بالسبي بأنْ كانتْ كافرةً ليستْ مستولدةَ مسلمٍ، وسبيناها فيجوزُ بيعها لأنَّها صارتْ قنَّة، ويجوزُ بيعها لعلقة رهنٍ وضعيٍّ أو شرعيٍّ أو جناية.
ولو ولدتْ من زوج أو زنًا أو وطء شبهةٍ، لا يكونُ الولد به حرًّا، فالولدُ للسيدِ وحكمه حكمُ أُمِّه، ويعتق بموتِه، هذا إذا لم تبع الأمَّ، فإن بيعتْ في رهنِ أو جنايةٍ كما تقدَّم فولدتْ من زوجٍ أو زنًا أو شبهة لا حرية فيها للولدِ ثم ملكها المستولد وأولادها فإنَّه لا يثبتُ لهم حكم أمهنَّ! على الأصحِّ؛

الجزء: 4 - الصفحة: 464

لأنها جاءتْ بهم في حالٍ هي فيه غير ثابتٍ لها حكمُ الاستيلادِ، وأولادها قبل الاستيلادِ من زوجٍ أو زنًا أو شبهةٍ لا حرية فيها للأولادِ، لا يعتقونَ بموتِ السيدِ وله بيعُهُم لحدوثهم قبل أن يثبتَ لها سببُ الحرية.
وعتق المستولدةِ من رأس المالِ 32. وعلى إطلاق الإعتاقِ نختمُ هذا الكتابَ، ونرجو من ربنا الخلَّاقِ إعتاقنا يومَ الحسابِ، فإنَّه الكريمُ الوهاب، وحسبنا اللَّهُ ونعم الوكيل، فنعم الحسيب، ونعم الكفيل.
قالَ مصنفُهُ رحمهُ اللَّهُ: وكانَ الفراغُ مِن تكملةِ هذا الكتابِ المبارك في يوم الاثنينِ المبارك الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة، سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وحسبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ.


الجزء: 4 - الصفحة: 465

فصول الكتاب · 39 فصل
جارٍ التحميل