التدريب في الفقه الشافعيكتاب (1) الخلع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هُو بِضَمِّ الخَاءِ.
لُغَةً: فِراقُ المَرأةِ على بَدَلٍ.
ويُقالُ: "اختِلاعٌ" مِن اخْتَلَعَ، و"مُخالَعةٌ" مِنْ خَالَعَ، وخَالَعَتِ المَرْأةُ بَعْلَها: أَرادتْه 2 على طلاقٍ 3، بِبَذْلٍ مِنْها له، فهِيَ خَالِعٌ.
والاسْمُ الخُلْعةُ بِضَمِّ الخَاءِ وإسْكانِ اللَّامِ.
وقَدْ تخَالعَا 4 فاخْتَلعَتْ فهِيَ مُختلِعةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ.1

الجزء: 3 - الصفحة: 187

والرَّجُلُ مِنِ اخَتَلَعَ مُخْتَلِعٌ بكَسْرِ اللَّامِ أيضًا.
وسُمِّيَ بِذلكَ لِأنَّ الزَوجينِ كُلٌّ مِنهُما لِباسُ الآخَرِ اسْتِعارةً أوْ تَشبيهًا 5، شاهِدُهُ ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ثُمَّ بالفِراقِ على العِوَضِ خَلْع لِلِّباسِ مِن الجَانِبيْنِ بالتَّراضِي.
واختَصَّ بِذلكَ دُونَ بَقيةِ وُجوهِ الفِراقِ للامْتِيازِ وطُرِدَ فِي الخُلعِ مع الأجْنَبيِّ، وفُرِّقَ بيْنَه وبَيْنَ خَلْعِ اللِّباسِ الحَقيقيِّ بضَمِّ الخَاءِ، وبَقيةِ 6 التَّصاريفِ.


وشَرْعًا: فِراقُ الزَّوجةِ بِبَذلٍ قابِلٍ لِلْعِوَضِ 7، يَحصُلُ لِجِهَةِ الزَّوجِ على وجهٍ مخصوصٍ.
ويُسمَّى "افتِداءً"، وما تَفتدِي به المرأةُ: "فِديةً".


وأصلُه قبْلَ الإجْماعِ قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 8.

الجزء: 3 - الصفحة: 188

ولمَّا شَكَتْ زَوجةُ 9 ثابتِ بْنِ قُيْسٍ مِنه، قالَ [لَها 10 رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أترُدِّينَ عليه حَدِيقَتَهُ؟ " قالتْ: نَعَمْ، فقالَ] 11 رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لثابتٍ: "اقبَلِ الحديقَةَ وطَلِّقْها تَطْليقَةً 12 " رواهُ البخارِيُّ 13. وعَرَّفْنَا الخُلعَ الصَّحيحَ، وقُلْنا: "بِبَدلٍ"، ولَمْ نقيِّدْه بَمذكورٍ، لِيتناولَ ما إذا 14 اخْتلَعَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ، فإنَّه يَثبُتُ مَهْرُ المِثْلِ للزَّوجِ على ما رجَّحَه جَمْعٌ مِنَ المَراوِزَةِ وبعْضُ العِراقِيِّينَ، وعليه جرَى المُتأخِّرونَ.
وأخْرَجْنَا بـ "قابِلٍ لِلْعِوضِ": بَدَلًا لا يَقْبَلُ العِوضَ كخَمْرٍ ومَجهولٍ ومَغصوبٍ ونحوِها، فإنَّه يُفْسِدُ الخُلْعَ.
ويَجِبُ للزَّوجِ مَهْرُ المِثْلِ 15 إلا إذا كان فِي خُلْعِ الكفَّارِ 16 فِي الخَمْرِ ونحْوِه، فإنه قابِلٌ لِلْعِوَضِ عِندهم، فيكونُ الخُلْعُ به 17 صَحيحًا، كما فِي أنْكِحَتِهم، حتى لو حَصلَ إسْلامٌ بَعْدَ قَبْضِ الخَمرِ كلِّه فإنه لا شَيْءَ له عليها، وإنْ كان الإسلامُ قَبْلَ قَبضِهِ وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ للتعذُّرِ، وفِي قَبضِ بعضِهِ قِسْطُ مَهْرِ المِثْلِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 189

وليس لنا خُلْعٌ بِخَمرٍ ومَغصوبٍ ونَحوِهما يَقعُ الطلاقُ بِسببِ ذلك رَجْعيًّا 18. ولا مهر إلا فِي صُورةِ الخُلعِ مَع غَيرِ الزَّوجةِ مِنْ أبٍ أوْ أجْنبيٍّ "على هذا الخَمْرِ" [أو: "على هذا المَغصوبِ"] 19 أو: "على عَبدِها هذا"، أو "على صَداقِها"، ولَمْ يُصرِّح بنِيابةٍ ولا استِقلالٍ أو "على عَبْدِ زَيدٍ 20 "، وإنَّما يَجِبُ مهرُ المِثْلِ فِي البدَلِ الفَاسدِ [فِي غَيْرِ هذا] 21 إذا كان البدلُ مَقصُودًا، فإنْ كان غَيْرَ مَقصودٍ كالدَّمِ فإنه يَقعُ رَجعيًّا.
وقلنا: "يَحصُلُ لِجِهَةِ الزَّوجِ": لِيَدخُلَ مَالكُ الزَّوجِ غَيرِ المكاتَبِ، فإنَّ البَدَلَ لا يَحصُلُ للزَّوجِ، بَلْ لِسيِّدِه، وقَدْ يَسقطُ عَنِ العَبْدِ أو الحُرِّ إذا حَصَلَ 22 الخُلْعُ على ما فِي ذِمَّتِه مِنْ صَداقٍ أوْ غَيرِه، وقَد يكونُ البدَلُ إرْضاعَ ولَدِ الزَّوجِ 23 ونحوَ ذلك، وجِهَةُ الزَّوجِ تَشملُ ذلك كلَّه.

الجزء: 3 - الصفحة: 190

وقلْنَا: "على وَجْهٍ مَخصوصٍ"، لِيشمَلَ ما يُعتبَرُ فِي العاقِدَينِ ونحو ذلك.


ويَنقسِمُ الخُلْعُ إلى:

  • صحيحٍ يُوجِبُ البَيْنونةَ والمُسمَّى أوْ بعضَهُ، وقدْ يَطرأُ عليه ما يُوجِب مَهْرَ المِثْلِ مِن تَلَفِ المُعيَّنِ فِي العَقدِ قَبْلَ القَبْضِ ونحوِه، أو فسخٍ بتخَالُفٍ، أو ردِّ المُعيَّنِ بِعَيبٍ.
  • وإلى فاسِدٍ يُوجِبُ البَينونةَ ومَهْرَ المِثلِ.
    ووَراءَ ذلك حالتَانِ 24: إحداهما 25: يَقعُ الطلاقُ فِيها رَجعيًّا.
    والثانيةُ: لا يَقعُ الطلاقُ فيها.
    فأمَّا الصحيحُ فلا بُدَّ مِن صُدورِه مِن مكلَّفَيْنِ مُختارَيْنِ أحدُهما الزَّوجُ، ولو سَفيهًا أو عَبْدًا أوْ وكيلُ الزَّوْجِ على بُضْعِ زَوْجةٍ -ولَو رجعيةً 26 - على أصحِّ القَوْلَينِ، أوْ مُرتدةٌ إذا عادَتْ إلى الإسْلامِ قبْلَ انقِضاءِ العِدةِ على النَّصِّ المَعمولِ بِه، وفِيه مِن الوقْفِ ما يُشكِلُ فِي العِوَضِ 27.

الجزء: 3 - الصفحة: 191

ضابط

ٌ: ليس لنَا امرأةٌ لا تَصحُّ رَجعتُها ويَصِحُّ خُلْعُها غَيْرَ المُرتدةِ على رأيٍ رُجِّحَ إلا فِي مَوضعٍ واحدٍ، وهو 28: ما إذا كانتِ المُطَلَّقةُ طَلاقًا رَجْعيًّا حاملًا مِن وَطْءِ شُبهةِ أَجنبيٍّ سابِقٍ أوْ لاحِقٍ، فلا يَجوزُ 29 رَجعتُها فِي حالةِ الحملِ 30 -على وجْهٍ صَحَّحه المَاورْديُّ والبغَوِيُّ- ويَصِحُّ خُلْعُها، والأرْجحُ صِحةُ رَجْعتِها حينئِذٍ فعَليْه لا يُستثنَى 31. وليس لنَا امرأةٌ يَلحَقُها الطلاقُ، ولا يصِحُّ خُلْعُها مَعها مَع صِحةِ تَصرُّفِها، ولا مَع أجنبيٍّ إلا مَنْ طَلَّقها رَجعيًّا، وعاشَرَها كالزَّوجِ بِلَا وَطْءٍ وانْقضتِ الأقْراءُ أوِ الأَشهُرُ وقُلْنَا بِطريقةِ القَفَّالِ 32 أنه يَلحقُها الطَّلاقُ، ولا يُراجعُها 33، فإنه لا يصِحُّ 34 خُلْعُها؛ لِأنَّها بَائنٌ، إلَّا فِي الطلاقِ؛ قلتُه تَخريجًا.
ولا استِثناءَ على ما أفْتَى به القاضِي الحُسينُ 35 مِن صِحَّةِ رَجْعتِها حينئذٍ، وهو الأرْجَحُ، ولَمْ يَذكُرْه المُتأخِّرونَ، ولَمْ تَصحَّ ليَ الطريقةُ 36 الأُولى عنْ أحَدٍ مِن الأصْحابِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 192

ويُعتبَرُ فِي باذِلِ العِوَضِ مِن الزَّوجةِ أوِ الأجنبيِّ إطلاقُ تَصرُّفِه فيه إنْ كان مُعيَّنًا، وأهْليةُ الالتِزامِ لِما التَزَمَه 37 فِي الذِّمَّةِ.
فيَصحُّ خُلْعُ الأَمَةِ بِإِذْنِ سيِّدِها على ما عيَّنَه أو ما قدَّرَه، وكذا بِغيرِ إذْنِ سيِّدِها إذا اختَلعَتْ على دَيْنٍ على الأَظْهرِ، فإنَّها تتبعُ بِه إذا عَتقَتْ ولا حَجْرَ للسيِّدِ فِي ذلك، خِلَافًا لِمَا فِي "المُحررِ" 38 مِنْ إيجابِ مَهْرِ المِثْلِ.
وخُفعُ المُكاتَبةِ بإذْنِ سيِّدِها [على ما عيَّنَه أو ما قدَّرَه، وكذا بِغيرِ إذْنِ سيِّدِها] 39 صحيحٌ كتَبرُّعِها 40 بإِذْنِه.
وخُلْعُ 41 المَريضةِ مَرضَ المَوتِ بِمَهْرِ المِثْلِ أوْ بِمَا دُونَه نافِذٌ، والزَّائدُ 42 يُعتبَرُ مِنَ الثُّلثِ فِي حَقِّ غَيرِ الوَارثِ، ومَع الوَارثِ 43 كابْنِ عَمٍّ، ومجدد نكاحها يَتوقَّفُ على إِجازةِ بَقيةِ الوَرثةِ كالزَّائدِ على الثُّلُثِ فِي حَقِّ غَيرِ الوَارِثِ 44.


الجزء: 3 - الصفحة: 193

ويَجُوزُ الخُلْعُ على الصَّداقِ وأقَلَّ مِنْه وأَكثرَ مِنْهُ.

وهُو مَكروهٌ إلا فِي ثلاثِ صُورٍ:

1 - إحداها: عِنْدَ خَوْفِ أن لا يُقيمَا حُدودَ اللَّهِ عز وجل، ومِنه حَالةُ 45 الشِّقاقِ، وكَراهةُ صُحْبتِه لِسُوءِ خُلُقِه أو دِينِه، وكذا عِند الشَّيخِ أبي حَامدٍ مَنْعُه حَقًّا مِنْ نَفقةٍ 46 ونَحوِها، فتُخالِعُه لِتَتخلَّصَ منه 47. 2 - الثانيةُ: ضَرَبَها تأْدِيبًا فافْتَدَتْ 48. 3 - الثالثةُ: إذا حَلَفَ الحُرُّ بالطلاقِ الثَّلاثِ، أوِ العَبدُ بِطلْقَتَينِ: على فِعْلِ شَيءٍ أوْ نَفْي 49 فِعْلِه؛ مُطْلَقًا أو مُقيدًا بِزَمانٍ، ولَمْ يَحصُلِ الحِنْثُ، واحتاجَ إلى إِزالةِ الحَلِفِ فخَالَعَ 50 بِحِنْثٍ 51 بَانَتْ مِنه، فإنه لا كَراهةَ ويتخلَّصُ مِن الحَلِفِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 194

ولا يَحنثُ لَو تَزوجَها، ثم وُجِدَتِ الصِّفةُ، ولَو وُجِدتِ الصِّفةُ حَالَ 52 البَيْنونةِ فَهُوَ أَوْلَى إلا فِي نَحْوِ أن لا 53 يَطأَها، فيَتعيَّنُ [فِي غَيْرِ الأَمَةِ التي مَلَكَها] 54 أن لا يَقَعَ عَمْدًا إلا بعد أَنْ يَتزوَّجَها.
وإذا 55 كان الحَلِفُ بالطَّلْقةِ التي لَمْ يَبْقَ لِلْحالِفِ غيرُها فأتَى بِلَفْظِ الخُلْعِ مَع الزَّوجَةِ المُتأهِلَّة لِذلك على اعْتِقادِ 56 أنَّه فَسْخٌ على مَذْهبِ مَنْ رأَى ذلك وهُو القَولُ 57 القَديمُ 58. واختارَهُ أبُو مَخْلَدٍ البَصريُّ، وقال: إنَّ الفَتوى عليه، ونَصَرَ أدلتَهُ الشيخُ أبو حامِدٍ وغيرُهُ 59. وجَرَى الحالِفُ على اعْتِقادِ أنَّ الصِّفةَ لا تَعودُ لَمْ يَمتنعْ 60 ذلك، وفِيه بَحْثٌ 61. ولا يَصِحُّ الخُلْعُ حِينئذٍ مَع الأجنَبيِّ عند الأصحابِ على القَوْلِ بأنَّه فَسْخٌ،

الجزء: 3 - الصفحة: 195

ولو قِيلَ بِصحتِه لَمْ يَبعُدْ، كما هو مَشهورُ الحَنابلةِ 62. وإذا صدَر لَفْظُ الطلاقِ فهُو طلاقٌ قَطْعًا.
والجديدُ: أنَّ لَفْظَ الخُلعِ طَلاقٌ 63، وهُو مِن صَرائحِ الطلاقِ على مَنصوصِ "الإملاءِ" [ورجَّحه جماعةٌ 64. ونَصَّ في "الأُمِّ" على أنَّه كِنايةٌ] 65، ورجَّحَه الرُّويانيُّ وغيرُه، والعملُ عِند

الجزء: 3 - الصفحة: 196

المُتأخرِينَ على الأوَّلِ.
والمُفاداةُ كالخُلْعِ على الأصحِّ.
ولا يُشتَرَطُ فِي صَراحتِهما 66 ذِكرُ العِوَضِ على طَريقةِ الأكثَرينَ خِلافًا لِما وَقَع فِي "الرَّوضةِ" 67 وغيرِها.
ولَفْظُ الفَسخِ وبَقيةُ الكِناياتِ فِي الطَّلاقِ 68 كِنايةٌ قَطْعًا، وقيلَ: مَعَ ذِكْرِ العِوَضِ صَريحٌ فِي الطلاقِ؛ ذَكرَه الشَّيخُ أبو حامدٍ؛ وهُو غَريبٌ، وعليه يُنَزَّلُ ما فِي "التَّنبيهِ" 69.

الجزء: 3 - الصفحة: 197

ولَفْظُ البَيعِ والشِّراءِ والإِقالةِ كِنايةٌ فِي الخُلعِ كـ "بعتُكِ نفسَكِ بِكذَا" أوْ 70 نحوِه 71، وقالَ أبُو عاصِمٍ العَباديُّ 72: يَقعُ الطلاقُ مَع ذِكْرِ العِوَضِ صَريحٌ.
ولِلْخُلْعِ على الجَديدِ ثلاثةُ أُصولٍ فُروعُهُ نازِعةٌ إليها.
ويَختلِفُ الحُكْمُ فِي الفُروعِ بِسَببِ ما يَغلِبُ مِن الأصُولِ، إذِ العُرْفُ يُراعَى، وهِيَ المُعاوَضةُ، والتَّعليقُ، والجَعَالةُ.
وتغلَّبُ مِنْ جَهةِ 73 الزَّوجِ المُعاوَضةُ، وفيه 74 شَائبةُ التعليقِ، إلا إذا صَرَّحَ بالتعليقِ فيُغلَّبُ التَّعليقُ، وقدْ يُراعَى 75 حِينئذٍ الأصْلانِ.
= به الفسخ لا يقع به شيء، لأنه لم يقم عندي دليل على جواز فسخ النكاح بالتراضي كالبيع، وإنما يفسخ النكاح بالأمور المقتضية لفسخه للضرورة، لأنه عقد مبني على الدوام بخلاف البيع، ولكني مع ذلك لما وقعت هذه المسألة لم ينشرح صدري، لأن أحكم ببقاء العصمة بين هذين المتخالعين، لمخالفة جمهور العلماء، ولا شك أن الاختيارات الفقهية منها ما يقوى قوة شديدة تنشرح النفس للفتوى والحكم به، ومنها ما هو دون ذلك؛ يحصل الورع عن تقلده، والقصد طاعة اللَّه، وإخلاص العمل بما يرضيه، كما تورعت عن الحكم بهذه المختلعة لهذا الرجل، كذلك أتورع عن تمكينها بالاتصال بغيره حتى تحصل فرقة صحيحة بغير لفظ الخلع المجرد عن النية عملًا باستصحاب العصمة، وانشرحت نفسي للحكم عليها بالمنع من تزويجها بهذا المقتضى.

الجزء: 3 - الصفحة: 198

ويغلَّبُ مِن جِهَتِها المُعاوضةُ، وفيه شائبةُ الجَعالةِ فإذا بَدأَ 76 الزَّوجُ بـ "طلقتُكِ على كذا" أو: "خالعتُكِ على كذا" غُلِّبتِ المُعاوضةُ فيَجوزُ رُجوعُه قَبْلَ قَبُولِها.
ويُعتبَرُ قَبولُها لَفْظًا على الفَورِ إذا لَمْ يَرجِعْ، ويُغتفَرُ تَخلُّلُ كلامٍ يَسيرٍ أَجنبيٍّ على الأصحِّ، مِمَّنْ لَمْ يَأتِ بالعبارةِ 77 المَطلوبةِ منه.
وأمَّا مَن أَتى بِها فيُغتفَرُ مِنه ذلك 78 قَطْعًا.
ويُشتَرَطُ مُوافقَةُ قَبولِها لإيجابِه فِي العِوَضِ وعِدَدِ الطلاقِ إلا فِي صُورةٍ واحدةٍ وهيَ: ما إذا نَقَصَتِ العِدَدُ، فلَو ذَكرَ عِوَضًا فنَقصتْهُ 79 أوْ زَادَتْه، أوْ قال: "طلقتُكِ ثلاثًا بألْفٍ" فقبِلَتْ واحدةً بثُلُثِ الألْفِ، فإنه لا يَقعُ الطلاقُ، كما لا ينعقِدُ البَيْعُ ونحوُهُ فِي ذلك.
وإنْ نَقصَتِ العَدَدَ فقط بأنْ قال: "طلقتُكِ ثلاثًا بألْفٍ" فقبِلَتْ واحدةً بالْأَلْفِ، فالأرْجَحُ وُقوعُ الطلاقِ لاستِقلالِ الزَّوجِ بالطلاقِ ولُزومِها الألفَ لتوافُقِهما على العِوَض.
وإن صرَّحَ بالتَّعليقِ لَمْ يَكنْ له أَنْ يَرجِعَ قَبْلَ وُجودِ المعلَّقِ عليه فِي جَميعِ الصِّيَغِ تَغليبًا لِلتَّعليقِ، كما لا يَرجعُ عنِ التَّعليقِ إذا خَلا عَن العِوَضِ فِي

الجزء: 3 - الصفحة: 199

نحْوِ: "إنْ دخلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ" 80، ولا يحتاجُ هُنَا إلى القَبولِ لَفْظًا، بَلْ يحتاجُ إلى وُجودِ الصِّفةِ المعلَّقِ علَيها.
ومِن ذلك: لَو علَّقَ على القَبُولِ.
ولَو وُجِدَتِ الصّفةُ 81 بزِيادةٍ فِي الإِعطاءِ أو الضَّمانِ وقَعَ الطَّلاقُ، بخِلافِ ما مَرَّ فِي "خالعتُكِ" نَظَرًا للتعليقِ هُنا، وهُناكَ لِلْمعاوضةِ، ثُم إنْ كان التَّعليقُ بـ "متى"، أو "متى ما"، أو "أيُّ وقتٍ"، أو "أيُّ زمانٍ أعطيتَنِي كذا"، أو "ضمنتَ لي كذا"؛ فإنه لا يُشترَطُ وُجودُ الصفةِ فِي المَجْلسِ لأنَّ هذِه الصِّيَغَ صَريحٌ فِي التَّراخِي.
ومِن ذلك: "أنتِ طَالقٌ على ألفٍ متَى شِئْتِ"؛ فإنها لا تَطْلُقُ حتى تَشاءَ ذلك، والأمرُ فيه على التَّراخِي، إلا أن يُقَيِّدَ فِي جَميعِ ذلك بِزَمانٍ أو مَجلِسٍ فيُعتبَرُ ما قيَّدَه، ولَمْ يَذكُروه.
وإنْ كانَ التعليقُ بإنْ أوْ إذَا، اعتُبِرَ الفَوْرُ فيما عَلَّقَ علَيْه كما سَبَقَ نَظرًا لِلْمعاوضةِ التي لَمْ يُصَرَّحْ فيها بالتَّراخِي ولو كانَتْ أَمَةً، خِلافًا لِلْمُتولِّي فِي نَحوِ أَنْ يَقولَ لَها: "إنْ أَعطيتِني 82 ألفًا فأنتِ طالقٌ" فإنه لا يُشترَطُ عنده 83 إِعْطاءُ الأَمَةِ ذلك على الفَورِ لِعَدمِ قُدْرتِها فِي الغالِبِ على ذلك بِخِلافِ الحُرَّةِ، وسَوَّى بينَهُما فِي نَحوِ: "إنْ أَعطيتِيني 84 خَمْرًا" وما ذَكرَه ضعيفٌ.

الجزء: 3 - الصفحة: 200

وفِي "أَنْتِ طَالِقٌ على ألْفٍ إنْ شِئْتِ"، تُعتبَرُ مَشيئةُ 85 المُخاطَبةِ 86 بذلك على الفَورِ، ولا يَكفِي قَبُولُها.
ولا يَجِبُ أَنْ يُجمَعَ بيْنَ المَشيئةِ والقَبولِ، وفِي "طلِّقِي نفسَكِ إن ضمِنْتِ لِي أَلْفًا" يُعتبَرُ الفَورُ، فتقولُ: "طلقتُ وضمِنْتُ" أو "ضَمِنتُ وطلقتُ"، وإذا قال: "إنْ أَبْرَأتِيني 87 مِن صَداقِكِ" أوْ "أَبرأتِيني، فأنْتِ طَالقٌ" فأَبْرأتْهُ مَع الجَهل بمِقدارِ ما أبْرَأَتْ منه فإنه لا يَقعُ الطلاقُ تغْلِيبًا للتَّعليقِ ولَمْ تُوجَدِ الصِّيغَةُ 88، وكذا فِي السَّفيهةِ، وَقَلَّ مَنْ تَعرَّضَ لِذلك.
ولا تَلبيسَ 89 بالخُلعِ على المَجهولِ فإنَّه يَقعُ [الطلاقُ 90، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ تغْليبًا لِلمُعاوَضةِ، ولا بِالخُلْعِ مع السفِيهةِ، فإنَّه يَقَعُ] 91 رَجْعيًّا لأنَّه لَمْ يَطْمَعْ مَع العِلْمِ بِسفَهِها فِي مالٍ، فإنْ لَمْ يَعلَمْ بِحَيثُ لَمْ يُعَدَّ مُقصِّرًا فإنه لا يَقَعُ الطلاقُ؛ قُلْتُه تَخْريجًا نَظَرًا لِشائِبةِ التَّعليقِ.
وإذا عَلَّقَ الطَّلاقَ بِإعْطاءِ الخَمْرِ فأَعْطَتْه الخَمْرَ، ولَو كان مَغْصوبًا طَلَقَتْ نَظرًا للتَّعليقِ، وبَانَتْ إنْ كانَتْ رَشيدةً، ويَجِبُ علَيها مَهْرُ المِثْلِ نَظَرًا لِلْمُعاوضةِ التي هِيَ غَيرُ مَحضةٍ، وهِيَ المُرادةُ هُنَا.

الجزء: 3 - الصفحة: 201

وفِي الصَّداقِ والصُّلحِ عنِ الدَّمِ وهي التي لا يَفسُدُ العقدُ 92 فيها بِفسادِ العِوَضِ، بَلْ يُنتقَلُ إلى البَدَلِ.
وفِي نَحْوِ: "إنْ أَعطَيْتِيني 93 عَبْدًا فأنْتِ طالقٌ" فأَعْطَتْه عَبدًا تَمْلِكه ولها بَيْعُه، طَلَقَتْ نَظَرًا للتَّعليقِ، ولا يَمْلِكُه نَظرًا لِلْمُعاوَضةِ؛ لِأنَّه مَجْهُولٌ، ويَجِبُ له مَهْرُ المِثْلِ نَظرًا لِعَدَمِ تَمَحُّضِها.
وهُو مِنْ مُشكِلاتِ البابِ؛ لِأنَّ الإعْطاءَ إنْ كانَ [مَحمُولًا على التَّمليكِ فإذَا لَمْ يُوجَدْ أَشْكَلَ 94 وقُوعُ الطلاقِ.
وإنْ كان] 95 مَحْمولًا 96 على مُجرَّدِ الإقْباضِ فلا مُعاوَضةَ حِينئِذٍ، فإنَّه لَو قالَ: "إنْ أقْبضْتِيني 97 كذا"، كان كالتَّعليقِ بالدُّخولِ ونَحْوِهِ على الأصحِّ، فيقَعُ عند وُجودِ الصِّفةِ رَجعيًّا.
والمَسْلكُ فِي الجَوابِ -مَع ضَعفِه- الحَمْلُ على الأَعَمِّ مَعَ النَّظرِ إلى التعليقِ مِن وَجهٍ، والمُعاوضةِ مِنْ وَجْهٍ كمَا تَقدَّم.
ومِثْلُ ذلك "إنْ أَعْطَيتِيني ألفَ دِرْهمٍ مَثَلًا" وأَطْلقَ، فإنَّه مِنْ جِهَةِ التَّعليقِ

الجزء: 3 - الصفحة: 202

يُحمَلُ على الدَّراهمِ 98 المَضروبَةِ 99 الوَازنةِ، واعْتَبرَ الغَزَّاليُّ ومَنْ تَبِعَه كَونَها خَالصةً 100. فلَوْ أَتَتْ بِها، وكانَتْ 101 غيرَ غالِبِ نَقْدِ البَلَدِ طَلَقَتْ، ومَلَكَهُ الزَّوْجُ نَظَرًا للتَّعليقِ مَع كَونِ المُعلَّقِ علَيه مَغلُوبًا 102 وله ردُّه، وطَلَبُ الغَالِب نَظرًا للمُعاوضةِ.
ولَوْ أَعْطَتْه أَلْفًا مَغشوشةً وهي الغالبُ لَمْ تَطْلُقْ فإنْ بَلغَ 103 خَالصُ المُعطَى ألفًا طَلَقَتْ ولها اسْتِردادُه وإِعطاءُ 104 ألفٍ مَغشوشةٍ نَظرًا لِلْمُعاوضةِ؛ كذا قالَهُ الغَزَّاليُّ، وصحَّحَه المُتأخِّرونَ، وهُو عَجيبٌ؛ فالمَغشوشُ الذي لا يَبلُغُ خَالصُه أَلْفًا لا تَطْلُقُ بإِعْطائِه، ثُمَّ هُوَ المُستقِرُّ آخِرًا، والمَسْلَكُ فيه ما تقدَّمَ مِن النَّظرِ للتعْليقِ أوَّلًا، والمُعاوَضةِ آخِرًا، والأصَحُّ وِفاقًا لِلْبغَويِّ والمُتولِّي وقوعُ الطَّلاقِ بالمَغشوشِ، ولا استِردادَ، لأنَّه الغَالبُ، والمُعاملةُ بِه جَائزةٌ.
وإنْ كان الغالبُ الخَالِصةَ فلا تَطْلُقُ إلا إذا أَعطَتْه مِن المَغشوشِ ما يَبلُغُ خالِصُهُ ألفًا، ويُمْلَكُ المُعْطَى، ولا نَظَرَ إلى الغِشِّ لِحَقارَتِه، ولَه الرَّدُّ

الجزء: 3 - الصفحة: 203

والرُّجوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ على ما صحَّحُوه.
والقياسُ: إلى ألفٍ خالصةٍ.
والمُعتبَرُ فِي الإعْطاءِ التسليمُ له ولَوْ بالوَضعِ بيْنَ يَدَيْه، وكذا فِي الإقْباضِ، ولا بُدَّ مِنَ الاخْتيارِ فِيهما 105. وما وَقعَ فِي "المِنهاجِ" فِي الإقْباضِ مِن اعْتِبارِ أَخْذِهِ بِيَدِه، ولَو كانَتْ مُكرَهَةً 106 وَهْمٌ فيهما على الفَتْوى، فذاك في: "إنْ قبضْتِ 107 " وفي: "إنْ أَعطيتِيني هذا المَغصُوبَ" أوْ "هذَا الحُرَّ" فأَعْطَتْه، يَقَعُ بَائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ على الأصحِّ.
وأمَّا مِن جِهَةِ الزَّوجةِ، فإذا بَدأتْ بِقَوْلِها: طَلِّقْنِي على كذا، فلَها الرُّجوعُ قَبْلَ جَوابِه نَظرًا لِلْمُعاوضةِ، ويُشتَرَطُ أَنْ يُطلِّقَها فِي مَجْلِسِ التَواجُبِ، ولو كانَتْ صِيغتُها بمِتَى ونحوِها على الأصحِّ تَغْلِيبًا للمُعاوَضةِ مِنْ جِهَتِها إلا إذا صَرَّحتْ بالتراخِي معَ مَتى أوْ مَع غَيرِها، فإنه لا يُشتَرَطُ الفَورُ، ويَلزَمُ 108 المُسمَّى إذَا أَجَابَها فِي زَمَنِ التَّراخِي؛ قُلْتُه تَخْريجًا.
وليس لنَا صُورةٌ يَلزَمُ فِيها 109 المُسمَّى مَع التَّراخِي مِن جِهَتِه 110 غَيرَ هذِه

الجزء: 3 - الصفحة: 204

الصُّورةِ.
وأمَّا: "طَلِّقْنِي فِي هذا الشَّهْرِ 111 ولكَ ألْفٌ"، أوْ "فِي غَدٍ ولَكَ أَلْفٌ"، فَطَلَّقَ فِي الشَّهرِ أو فِي الغَدِ، فإنه يَقَعُ بَائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ، وكذا "قبْلَ الغَدِ" عِنْدَ المتأخِّرينَ.
والأرْجحُ فِي هذه أنه يَقَعُ رَجعيًّا 112 وِفاقًا لِلْماوَرْديِّ وغَيرِه.
ولو قالتْ: "طَلِّقْني ثلاثًا بِأَلْفٍ" فَطلَّقَ 113 واحدةً، وهو يَمْلِكُ الثلاثَ استَحَقَّ ثُلُثَ الألْفِ، نَظرًا 114 لِنظيرِه فِي الجَعالةِ فِي "مَنْ رَدَّ عَبيدِي الثلاثةَ فلَه كذا"، فرَدَّ السامعُ مِنهُم واحدًا، فإنه يستحِقُّ ثُلُثَ الجُعْلِ.
وإنْ طَلَبَتْ عَددًا مِن الطلاقِ بِعِوَضٍ سَمَّتْه، فأجَابَها أوْ زادَ فِي العِوَضِ العَددَ 115 أوْ أفادَ 116 البَينونةَ الكُبْرى، فإنَّه يَستحِقُّ المُسمَّى كُلَّه إلا فِي صُورةٍ واحدةٍ تُفيدُها الكُبْرى، ولا تَستحِقُّ المُسمَّى كلَّه، وهي: ما إذا لَمْ يَبْقَ 117 عليها إلا طَلقةٌ، فقالتْ: "طَلِّقْني ثَلاثًا بألف هذه فِي هذا النكاحِ، وثِنْتانِ فِي نِكاحٍ آخَرَ بَعْدَ زَوجٍ" فأَفادَها الكُبرى، فإنه لا يَستحِقُّ علَيها إلا ثُلُثَ الألْفِ على ما صحَّحوه.

الجزء: 3 - الصفحة: 205

ونَصَّ فِي "المُختصَرِ" على أنَّه يَستحِقُّ علَيْها مَهْرَ المِثْلِ وهو الأقوَى.
ويَستحِقُّ المُسمَّى فِي التَّعليقِ أيْضًا، فإذا قال: "إنْ دَخَلْتِ الدارَ، فأنْتِ طَالقٌ بألْفٍ" فقَبِلَتْ على الفَورِ، ثُم وُجِدَتِ الصِّفةُ وإنْ تراخَتْ، فإنه يَستحِقُّ المُسمَّى على ما صحَّحُوه.
وإنَّما يَستحِقُّ المُسمَّى فِي التعليقِ فِيما 118 إذا لَمْ ينقُصْ فِي جَوابه عن مُسمَّاهَا، فإنْ نَقصَ بأنْ قالَتْ: "طلِّقْنِي واحِدةً بألْفٍ" فقال: "طلَّقتُكِ بخَمْسِ مِائَةٍ" فالأصحُّ وُقوعُ الطَّلاقِ؛ لأنَّه قَادِرٌ عليه 119 بِغَيرِ عِوَضٍ، فلِذلك 120 يَنقُصُ العِوَضُ، والأصحُّ أنه يَستحِقُّ خَمْسَ مِائةٍ لِرِضاهُ بذلكَ.
ويَنبغِي فِي نَظيرِه مِن الجَعَالة 121 لو صَرَّحَ بِرِضاهُ بِنِصفِ العِوَضِ وعَمِلَ على ذلك التَّصريحِ [أن لا يَستحقَّ إلا النِّصفَ، ولَمْ يَذكرُوه فلْتُضَفْ إلى صُوَرِ 122 التَّقسيطِ] 123 في الجَعَالةِ.
وأمَّا إذا نَقصَ عَن مَذْكُورِها فِي عَدَدِ الطلاقِ، [ولَمْ يُفِدِ الكُبْرى فإنَّه يُقسِّطُ المُسمى على ما ذَكرتْه مِن العَددِ] 124. وإنْ زَادَ علَى العَددِ الشَّرْعيِّ، فإذا قالتْ: "طَلِّقْنِي عَشْرًا بألفٍ" فطَلَّقَ

الجزء: 3 - الصفحة: 206

واحِدةً استَحَقَّ عُشْرَ الأَلْفِ، أوْ ثِنْتَينِ، وهو حُرُّ فخُمُسَ الألْفِ، فإنْ طلَّقَ ثَلاثًا، فقَدْ أَفادَ الكُبْرَى، وقدْ سَبقَ أنَّه يَستحِقُّ الكُلَّ.
وفِي قَولِها: "طلِّقْني ثَلاثًا بألْفٍ" لَو طَلَّقَ واحِدةً ونِصفًا، فالأرْجَحُ استِحقاقُه ثُلُثَي الألفِ لا نِصفَه خِلَافًا لِمَا رَجَّحَه فِي "الرَّوضةِ" مِن استِحقاقِهِ النِّصْفَ.
وقياسُه: لَوْ قَالتْ: "طِلِّقْنِي 125 نِصْفَ طَلْقةٍ بِألْفٍ" فأَجابَها، أنه يَستحِقُّ الألفَ خِلافًا لِما رجَّحُوه مِن استِحقاقِه مَهْرَ المِثْل.
وأمَّا "طَلِّقْ نِصْفِي" أوْ يَدِي، ونَحوُ ذلك: بِكذَا، فأَجابَها 126 فإنه يَستحِقُّ مَهْرَ المِثْلَ 127 لِفسادِ الصِّيغةِ.
والخُلْعُ معَ الأبِ أو الأجنبيِّ بما ذَكَرَ أنه مِن مَالِها مُصَرِّحًا بالاستِقلالِ يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ على الأبِ أو الأجنبيِّ.
وكذا الخُلْعُ مَع واحِدٍ مِنْهُما على البَراءةِ 128 مِن صَداقِها على أنَّه ضَامِنٌ لِمَا 129 أدْرَكَه فيه، فإنه يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ على الأبِ أو الأجْنبيِّ على النَّصِّ فِي "الأُمِّ" المعمولِ به عندَ الجُمهورِ، ولا يَبرأُ مِنَ الصَّداقِ قَطْعًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 207

وكذا لَوْ (1) خَالَعَه الأَبُ أو الأَجْنبيُّ على عَبدِها هذا، وقال: "عليَّ ضَمانُهُ"، فإنه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ على الأظْهرِ.


وأمَّا الحالةُ التي يَقَعُ الطلاقُ فِيها رَجْعيًّا، فالعِبارةُ الوافيةُ فيها أن يُقالَ: لا يَجِبُ فِيها بَدلٌ، لِيشمَلَ غَيْرَ المَدخولِ بها، والمُستوفَى عددُ (2) طَلاقِها، وذلك فِي صُورٍ:

مِنها: الخُلعُ مَع السَّفيهةِ أو السَّفيهِ مِنْ أَبٍ أو أَجْنَبيٍّ مع عِلْمِ الزَّوجِ بالسَّفهِ 132، لا فِي التَّعليقِ، كما سَبقَ.
ومنها: الخُلعُ بِشَرطِ الرَّجعةِ [على المَذْهَبِ، فإنْ قالَ: "متَى شِئْتِ رددْت البَدَلَ، وكان لي الرَّجعةُ"] 133، فالنَّصُّ المَعمولُ به وقوعُه بائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ.
وقيلَ: هِيَ كالتِي قَبْلَها.
وفِي قَولِها: "طِلِّقْني وأَبرأْتُكَ مِنْ صَداقِي" فَطَلَّقَها، يَقَعُ 134 رَجْعيًّا، ويَبرأُ عنْدَ وُجودِ العِلْمِ بالمُبرإِ مِنْه.
وإنْ عَلَّقتِ الإبراءَ، فقالتْ: "إنْ طَلقْتَنِي فأنْتَ بَريءٌ مِنْ صَداقِي"،130131

الجزء: 3 - الصفحة: 208

فطلَّق (1) يَقَعُ رَجعيًّا إنْ عَلِمَ أنَّ تَعْليقَ الإبراءِ لا يصِحُّ.
فإنْ ظنَّ الصِّحةَ وَقَعَ بائنًا بِمَهْرِ المِثْلِ، هذا هو المُعتمَدُ خِلافًا لِمَنْ أَطلَقَ خلافَ ذلك، وقدْ سَبقَ فِي أولِ البابِ صُور يَقَعُ فِيها رَجْعِيًّا.


وأمَّا الحَالةُ التي لا يَقعُ الطلاقُ فيها (2) مِمَّنْ (3) عُدِمَ التَّوافُقَ، ومِن (4) غَيرِه فِي صُوَرٍ سَبقتْ:

ومنها: الخُلْعُ مَعَ المَجنونةِ أوِ الصَّغيرةِ، ولَوْ كانَتْ مُميِّزةً فقبلَتْ عند الإمامِ والغزَّاليِّ، ورجَّحَ البغويُّ فيها 139 وقوعَه 140 رَجْعيًّا.
ونَصَّ فِي "الأُمِّ" فِي الخُلْعِ مع المَجنونةِ أو الصغيرةِ على وقُوعِه رَجْعيًّا 141.135136137138

الجزء: 3 - الصفحة: 209

[ومِمَّا لا يَقعُ فيه الطَّلاقُ إذا اخَتلَعَ شَخْصٌ بالنِّيابةِ عنِ الزوجةِ فبَانَ كَذِبُه فِي النِّيابةِ.
وكذا لا يقعُ فيما إذا نَقَضَ وكيلُ الزَّوجِ عن المقدَّرِ له، فإنْ نقَصَ عن مهْرِ المِثْلِ فِي صُورةِ الإطلاقِ نَقْصًا فاحشًا وَقَعَ بمهْرِ المِثْلِ] 142 على المَذْهبِ، خِلَافًا لِما فِي "المحررِ" 143 مِنْ عَدمِ الوُقوعِ.
وإذا جَعلَ السيِّدُ عِوَضَ الخُلْعِ رَقبةَ الزَّوجةِ مَع زَوجِها الحُرِّ أو 144 المُكاتَبِ، فالمُرَجَّحُ أنه لا يَقعُ 145 الطلاقُ، لِتَنافِي مِلْكِه لها مع الطلاقِ عليها، ونَصَّ علَيه فِي البُويَطِي، واللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.


الجزء: 3 - الصفحة: 210

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 39 فصل
فصول التدريب في الفقه الشافعي
المقدمةمقدمة التحقيقكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الحجكتاب البيعكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب (1) الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الرضاعكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب اللغةكتاب الرِّدَّةِكتاب الزناكتابُ الصيال وضمان الولاةكتابِ الجهادِ،كتاب الجهادكتاب الأمانكتابُ الصيدِ والذبائحكتابُ الأضحيةِكتابُ الأطعمةِكتاب المسابقةِ والمناضلةِكتابُ الأيمانكتابُ النذركتابُ القضاءِكتابُ الشهاداتكتابُ الدَّعوَى والبيناتِكتابُ العتقكتابُ التدبيركتاب الكتابة
جارٍ التحميل