التدريب في الفقه الشافعيصفحات 367-407

هو مَصدرُ "لاعَنَ": فَفَاعَلَ (1) مصدَرُه "فِعال

"، وأصلُه: "

فِيعال" بكَسْرِ الفَاءِ، وسُمِعَ ضَاربَ ضِيرابًا، ثم خُفِّف على فِعال، وكلامُ بعضِهم يقْتَضِي أنَهما أصْلَانِ.
وله مصْدَرٌ آخَرُ، وهو مُفاعَلَة، وهو مُطِّردٌ لا يَنكسِرُ 2. وهذا المَصدرُ يَدُلُّ غالبًا على أمْرٍ صادِرٍ مِن جَانِبَينِ 3، وهو هنا مِن جانِبِ الرَّجلِ لَفْظًا، ومِن جانِبِ المَرأةِ معنى.
1

وهو لُغةً: مَأخوذٌ مِن اللَّعنِ وهو الإبعَادُ، لِبُعدِ أحَدِ المُتلاعنَينِ بِكَذِبِه مِن حَضرةِ اللَّه تعالى.
وقيل: لِما فِيه مِن لَعْنِ الزَّوجِ نفْسَه.
ويقالُ: "التَعَنَ": إذا لَعَنَ نفْسَه، و"لاعَنَ": إذَا لاعَنَ غيرَه.

وشرْعًا: كلماتٌ مَعْلومةٌ جُعِلتْ حُجةً للمُضطرِ إلى قذْفِ مَن لَطَخَ فِرَاشَهُ وأَلْحَقَ العارَ به (1).. كذا في "شرح الرافعي".
لكن الاضطرارُ ليس بِشَرطٍ لِمَا سَيأتِي فِيمَنْ له بَيِّنةٌ.
وتَرَكَ جانِبَ المرأةِ، فيُرادُ في غَيرِ المَملوكةِ، ودفعًا للحَدِّ عَن المَرأةِ، وسِترًا لَها.

وأصلُه:

الكتابُ والسنةُ والإجماعُ.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآياتِ.
وصَحَّتِ الأحاديثُ عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك.
وهو مُجمَعٌ عليه، والعملُ به قَلِيلٌ.
والرَّجُلُ مدَّعٍ، وجُعِلَ القَولُ في جانِبه بالكلماتِ المَخصوصةِ للضرورة 21

التي لَحِقتْهُ بالتَّلويثِ فهو قَريبٌ مِن اللَّوْثِ (1) الذي بِسبَبِه جُعلَتِ الأيْمان في جَانِبِ المُدَّعِي.

وشُروطُ صِحَّتِهِ [مِن جِهَةِ الرَّجلِ] (2) -إذا لَمْ ينفِ ولدًا ولا حَمْلًا- ثَلاثَةَ عَشَرَ شَرْطًا:

أحدُها:

الزَّوجيةُ، فلا يُلاعِنُ واطِئُ الشُّبهةِ، ولا السيِّدُ، ولا الأجْنَبيُّ 3 في قَذْفِ الأجْنبيِّ إلا الذي قَذَفَه بِزَنى امْرأتِهِ، سواءٌ نُسِبَ الزِّنَى إليْها وصدَّقَتْه 4، أو كذَّبتْه، أو قال: "زَنى بِكِ وأنْتِ مُكرَهةٌ" فإنه يلاعِنُ زوجَتَه لِيسقُطَ عنه حَدُّ القَذْفِ لِلْأجنَبِيِّ 5. وكلُّ مَوضعٍ قُلْنا: "لا يُلاعِنُ فيه الزوجةَ لِزَوالِ المُقتضي لذلك" فإنه12

يُلاعِنُ لِدفْعِ حَدِّ القَذْفِ لِلْمَرمِيِّ (1) به إذا طَلَبه، وكذا لِلْعُقوبةِ (2) غير (3) الحَدِّ إذا طَلَبَها.

الثاني

: صِحةُ الزَّوجيةِ، فلا (4) يُلاعَنُ في النِّكاحِ الفاسِدِ (5).

الثالث

ُ: سَبْقُ قَذفٍ منه (6)، ولَو بإِقامَتِها البيِّنَةَ عندَ سُكوتِه (7)، فلَو لَمْ يَسبِقْ مِنه قذفٌ، وثَبَتَ زِناهَا بالبيِّنةِ أو بإِقْرارِها، فإنه لا يُلاعِنُ على المَذهبِ المُعتمَدِ عند الجُمهورِ، وجوَّزَه ابنُ سَلمةَ.

الرابع

ُ: أن لا يَثبُتَ زِناهَا مَع وُجودِ القَذفِ، فإنْ ثَبتَ بِبيِّنةٍ أو بإقرارِها، فلا لِعَانَ على الأصَحِّ، وعلى ذلك يُحمَلُ قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ أو إنَّه (8) خَرجَ مَخرَجَ الغالبِ (9) فلا مَفهومَ له، فيُلاعِنُ وإنْ كان لَه بيِّنةٌ.

الخامس

ُ: أن لا يَحلِفَ يَمينَ الرَّدِّ في دَعواه علَيها بالزِّنى فإنْ حَلَفَ فلا123456789

لِعانٍ.

السادس

ُ: أَنْ لا يَحدُثَ زِناها بعد القَذفِ، فإنْ حَدثَ، فلا لِعانَ، لِسُقوطِ الحَدِّ، خِلافًا للمُزنيِّ (1).

السابع

ُ: أَنْ يَقذِفَها بِزنًى مُطْلَقٍ، أو مُضافٍ إلى نِكاحِه، فإنْ قَذَفَها بزنًى مُضافٍ إلى ما قَبْلَ نِكاحِه لَم يُلاعِنْ قَطْعًا (2).

الثامن

ُ: أَنْ تَطلُبَ هِيَ العُقوبةَ الوَاجبةَ لها، فإن عَفَتْ عنها فَلا لِعانَ على الأصحِّ، وكذا لو سَكتَتْ فلَمْ (3) تَطْلُبْ، ولَمْ تعفُ على الأصحِّ عند الأكثرينَ، خِلافًا لِما صَحَّحه الإمامُ، كذا في "الشرح"، و"الروضة" (4)، والأصحُّ ما صحَّحه الإمامُ، وهو قَضيةُ النُّصوصِ (5). فعلَى هذا الشَّرطِ عَدَمُ عَفوِها لا طَلبِها، وعلى المَنعِ إذا قَذفَ مُكلفةً فحَنِثَ، فليس له اللِّعانُ فإذا حَصلَ التَّكليفُ والطَّلبُ لَاعنَ.

التاسع

ُ: قيامُ الزَّوجيةِ 6 حالةَ القَذفِ، فلَو حَصَلتْ فُوقَة لا رَجعةَ فيها، ثم قَذفَها بِزنًى مُضافٍ إلى حَالةِ نِكاحِه، أو مُطلَقٍ، فإنه لا يُلاعِنُ على12345

الصحيحِ، وقيل: لَه اللِّعانُ إنْ أَضافَ الزِّنى إلى حالةِ النِّكاحِ.

العاشر

ُ: أن لا يُنكِرَ الزَّوجُ القَذفَ وزِنَاها، فإن قال: "ما قذفتُكِ، وما زَنَيْتِ"، فقَامَتْ (1) عليه البيِّنةُ، فإنه يُحَدُّ ولا لِعَانَ، لأنَّه (2) شَهِدَ بعِفَّتِها، فكيف يُحقِّقُ زِناهَا بلِعانِه، فإنْ أنْشَأ قَذْفًا بِزنًى يُمكِنُ حُدوثُه بعد ذلك فلاعَنَ له سَقطَ الحَدُّ عنِ الأوَّلِ، على الأصحِّ (3).

الحاديَ عشرَ:

أن لا يعاقَبَ لِلْقَذْفِ، فإنْ عُوقِبَ بالحَدِّ أو بغَيْرِه، وتَمَّتِ العُقوبةُ فلَمْ يَبْقَ منها شَيْءٌ، فلا يَصِحُّ لِعانُه بعد ذلك، ويَجرِي مِثلُ هذا في عُقوبةِ التَّعزِيرِ إذا انْتَهى الحالُ فيه، ولَمْ يَذكرُوه.

الثانيَ عشرَ:

أَنْ يَكونَ قَذْفُهُ يُمكِنُ (4)، فحيث كان كاذبًا قَطْعًا، فإنه يُعَزَّرُ، ولا يُلاعِنُ، وتَعزيرُه لِلأذَى معه (5).

الثالثَ عَشرَ:

أن لا يُحَدَّ لِقَذفٍ سابقٍ منه لِزوجته 6، فإن حُدَّ لِقَذفٍ سابقٍ منه 7، ثم قَذفَ 8 به فلا حَدَّ، ويُعزَّرُ، ولا يُلاعَنُ على الصحيحِ.12345

وإنْ قذَفَها بِزِنًى آخَرَ حادِثٍ على فِراشِهِ فرجَّحَ البَغويُّ التَّعزيرَ، ورجَّحَ أبُو الفَرجِ الزاز الحَدَّ، ولا يُلاعَنُ فيهما على الأصحِّ، كذا في "الروضة" 1 تَبَعًا للشرحِ.
والصوابُ: أنه يُلاعِنُ، لأنَّه زَوْج قاذِفٌ تَتناوَلُه الآيةُ الشريفةُ، ولَمْ يَظهَرْ كذِبُه في هذا القَذْفِ.
وأمَّا إذا أَزادَ المُلاعِنُ نفْيَ ولدٍ أوْ حَمْلٍ فلا يُعتبَرُ الشَّرطُ الأوَّلُ ولا الثاني، فيصِحُّ اللِّعانُ مِن واطِئٍ بِشُبهةٍ أو في نِكاحٍ فاسِدٍ لِنفْي الوَلدِ، وكذا لِنفْي الحَملِ على الأظْهرِ، ونفي ولدِ الأَمَةِ سَيأتي.

وأما الثالثُ: فهلْ يُستغنَى هُنا عنِ القَذفِ بالشهادةِ؟ قال المَاورْديُّ: فيه وَجْهانِ مُحتمَلانِ، الاستِغناءُ وعدمُه، [ولمْ يُرجِّحْ شَيئًا مِنهُما، والأرْجحُ الاستِغناءُ] 2. وإذا كان هُناكَ حَمْلٌ فقَولانِ، مَنصوصُ "المختصر" 3 أنه لا يُلاعِنُ حتى تَضعَه.
قال المَاورْديُّ: واختارَه أكثَرُ أصحابِنَا.
وما نقَلَه عن اختِيارِ الأكْثرِ هو مَنصوصُ "الأُمِّ" 4 أيضًا، وصحَّحه الشيخُ أبو حَامدٍ، وهو المَذهبُ المُعتمَدُ، بِخِلافِ ما سبق في وَاطِئِ الشُّبهةِ وما

سَيأتِي في البائِنِ، لِسقُوطِ الحَدِّ فيهما بِلِعانِه تَبَعًا لِنَفْي الحَملِ، وهنا الحَدُّ ساقِطٌ بثُبوتِ زِناهَا، فيُجرَّدُ اللِّعانُ لِنفْي الحَملِ فاعتُبِرَ فيه التيقُّنُ بالوِلادةِ.
وليس لنا صُورةٌ لا يُلاعَنُ فيها لِنفْي الحَمْلِ على المَذهبِ إلا هذه.
وقدْ يُتخيَّلُ إلْحَاقُ صُورةِ العَفْوِ بها والأقرَبُ الفَرْقُ؛ لأنَّه يُريدُ فيها أن يَخْرُجَ بتَنْجيزِ لِعانِه عنْ حُكمِ القَذفِ، وليستِ المسألةُ في "الروضة" ولا في أَصلِها.
ولا تُلاعِنُ الزَّوجةُ هنا مُعارضةً لِلِعانِه قَطْعًا، وما وقَعَ في "الروضة" 1 تَبَعًا للشرحِ 2 مِنْ إثْباتِ خِلافٍ في ذلك: وَهْمٌ؛ لأنَّ الحَدَّ قَدْ لَزِمَها فلا فَائدةَ لِلِعانِها 3.

وأمَّا الرابعُ فهُوَ كالثالثِ.

وأما الخامسُ والسادسُ فلَهُ فيهِما اللِّعانُ لِنَفي الوَلدِ، وكذا لِنَفي الحَمْلِ قَطْعًا كالزَّوجةِ، وفيها طَريقة ضَعيفة بإثْباتِ قَولَينِ.

وأمَّا السابعُ فإنَّه يُلاعَن فيه لِنَفْي الوَلدِ الذي ادَّعى أنه مِن الزِّنَى السابقِ على نِكاحِه، ويُمكِنُ لُحوق بِه على الصَّوابِ، خِلافًا لِمَا في "المنهاج" 4 تَبَعًا للمحررِ 5، فإنْ كان حَمْلًا فلَه نَفْيُه باللِّعانِ تَفريعًا على القَولَينِ

السابِقَينِ.
ويَسقطُ الحَدُّ باللِّعانِ في الصُّورتَينِ.

وأما الثَّامنُ فإنه يُلاعنُ في صُورِه كلِّها 1 لِنفْي الوَلدِ ولِنفْي الحَمْلِ، ويَتخرَّجُ فيه القَولانِ.

وأمَّا التاسعُ فإنه يُلاعنُ فيه لِنفْي الوَلدِ ولِنفْي الحَمْلِ على النَّصِّ في "المختصر"، وهو المُعتمَدُ خِلافًا لِنصِّ "الجامع".
ولو ماتَتِ الزَّوجةُ ثم قَذفَها وهناك ولدٌ يَنفِيه، كان له نفيُهُ باللِّعانِ، والحملُ يَندُرُ تَصويرُه، فإنِ اتَّفقَا جاءَ فيه الخِلافُ، والأرجحُ يلاعَنُ، وإن كان يُمكِنُ الكشفُ في الحالِ بشَقِّ بَطْنِها وإخْراجِه منهَا كما يُلاعَنُ في نَفْي الحَمْلِ عند الطَّلْقِ.
وأمَّا العاشِرُ فيَتعذَّرُ فيه تَصويرُ ولَدٍ بِنَفْيٍ 2، فإنْ فُرِضَ أنَّه نَفَى نَسَبَ ولَدٍ ظَهرَ بعد ذلك 3 ونَسبَه إلى وَطءٍ هِيَ فيه مُكرَهةٌ أو نائمة ونحوُ ذلك مِمَّا 4 لا يُنافِي مما أَقرَّ به مِن عِفَّتِها، فلَه اللِّعانُ لِنفْي الوَلدِ.
وفِي نَفْي الحَمْلِ الطَّريقانِ السابِقانِ.
ومَنْ أكذَبَ نفسَه في القَذْفِ لا يُلاعِنُ، فإنْ ظَهرَ نسبٌ 5 بعْدَ ذلك جاءَ

فيه ما تقدَّمَ.

وأما الحادي عَشرَ: فإذا ظَهرَ فيه ولد كان له نفْيُه قَطْعًا، وفِي الحَملِ الطريقانِ.

وأما الثانيَ عشرَ: فلا شَيءَ فيه.

وأما الثالثَ عشرَ: فإذا 1 كان هُناكَ ولد كان له نفْيُه باللِّعانِ قَطْعًا، وفِي الحَملِ الطريقانِ.
وشَرْطُ نفْيِ الحَملِ في الصُّورِ كلِّها على ما خَرَّجْتُه انتفاءُ احتِمالِ أنه تَوْءَمٌ لَمَّا انفصَلَ ولَحِقَ به، فإنِ احتَمَلَ ذلك امتَنعَ نفيُهُ عنه لاحتِمالِ أن يكونَ لاحِقًا به، ولا يَجوزُ نفي أحَدِ التوءَمَينِ دُونَ الآخَرِ.
ولو نسب 2 المرأةَ إلى وَطءِ شُبهةٍ وجَبَ لها التَّعزيرُ على الأصحِّ، وله دَفْعُهُ باللِّعانِ.
فإنْ كان هناكَ ولَدٌ أو حَمْلٌ، فمَنْ أَجازَ نفْيَ الوَلدِ باللِّعانِ هُنا 3، أَجازَ نفْيَ الحَملِ على ما سَبَقَ، ومَنْ مَنعَ وهو الأكثَرُ وقال 4: يُعرَضُ على القَافَةِ إمَّا مُطْلَقًا أو عند تَصديقِ الوَاطئِ 5، فيَمتنِعُ عِندَه 6 نفْي الحَمْلِ هُنا.

وفِي كُلِّ صُورةٍ يُعرَضُ فيها على القَائفِ (1)، وإذا عُرِض هنا على القَائفِ فألْحَقَه بالزَّوجِ لَحِقَه (2) ولا لِعانَ، كذا في "الروضة" (3) تَبَعًا للشَّرحِ نقْلًا عن البغَويِّ وغيرِهِ، وليس بمعتمَدٍ، بل لَهُ اللِّعانُ كما جَزمَ به جَمْعٌ مِنَ الأصحابِ، لأنَّ قولَ القائفِ إنما جُعِلَ حُجَّةً لأَحدِ المُدَّعِيَيْنِ لا أنه (4) يُثبِتُ نَسبًا لازمًا على مُنكِرٍ.

ويَترتبُ على لِعانِ الرجلِ أحكامٌ كثيرةٌ:

منها: قَطعُ النِّكاحِ قَطْعَ بَينونةٍ، ولو كانتْ رَجعيةً.
فأمَّا اللِّعانُ بعد مَوتِها، فإنه مُعْضَلٌ مِنْ حَيثُ أنَّه هَلْ يُقتصَرُ فيه على دَفعِ الحَدِّ والنَّفي كالبائِنِ حتَّى يَرِثَ منها ويُغَسِّلَها ويَتولَّى دفْنَها، ولو كان قَبْلَ الدُّخولِ استقَرَّ المُسمَّى، أو 5 يَمْنَعُ جَميعَ ما ذُكِرَ.
ويَرتَفِعُ النِّكاحُ كما في الفَسخِ بِعَيبٍ بعدَ المَوتِ على وَجْهٍ أمْ يُفَرَّقُ فلا يَرفَعُ 6 النِّكاحَ، ولكنْ يَرْفَعُ ما يُصادِفُه مِن إرثٍ وغُسْلٍ ونحوِه 7، هذا فيه احتِمالات مُشكلات، وقدْ جَزمَ المَاورْديُّ وجَماعةٌ بإرْثِه منها، وقَضيتُه1234

إثْباتُ الكُلِّ.

وللثَّالثِ شاهِدٌ مِن النصِّ والمَعْنى:

أمَّا النصُّ:

فقَولُ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه-: "وَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الزَّوْجُ اللِّعَانَ وَرِثَ صَاحِبُهُ وَالْوَلَدُ غَيْرُ مَنْفِيٍّ حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ كُلَّهُ" (1)، فظَاهِرُ الغَايةِ أنها (2) تتعلَّقُ بهما (3).

وأمَّا المَعنى

ضابط

ٌ: ليس لنا امرأةٌ تَلحَقُ بِمَن 1 استَوفَى إلَّا مَن ذَكرْنَا على وَجهٍ، وهذانِ الحُكمانِ مُستمرَّانِ ولو أَكْذَبَ نَفْسَه 2.

ومنها: نفي نَسَبٍ لَمْ يَستقرَّ 3، ويُمكِنُ إلْحاقُه بِه 4 مِن ولَدٍ ولَو ميتًا 5 وأولادٍ وحُمِلَ على ما سَبقَ بِشَرطِ ذِكْرِ نفْيِه عنه في الكَلِماتِ على ما سَيأتِي، ويَرْتفعُ ما يَترتَّبُ على النَّسبِ مُطْلَقًا إلا حُرْمةَ نِكاحِ المَنفيةِ التي لَمْ يَدخُلْ بِأمِّها على الأصَحِّ، وإِجراءُ 6 الخِلافِ في قِصاصٍ مِنه وَحَدِّهِ بقَذْفِها والقَطعِ 7 بالسَّرقةِ وقَبول الشهادةِ: ضعيفٌ، ومَتى أَكْذبَ نفْسَه هُنا لَحِقَه المَنفيُّ.
ومنها: سُقوطُ عُقوبةِ قَذْفِها؛ مِن حدٍّ -ولو بعضهِ- أو 8 تَعزيرٍ إلا تَعزيرَ تَأدِيبٍ.
ومنه: ما سبَقَ في الثالثَ عشرَ.

ومنها: سُقوطُ عقوبةٍ تتعلَّقُ بالمَرمِيِّ (1) به المُعيَّنِ مِنْ حَدٍّ أو تَعزيرٍ، وإن لَمْ يَذكُرْه في لِعانِه على المَذهبِ المُعتمَدِ، وهو مُتقضَى نُصوصِه في كُتبِه كلِّها خِلافًا لمَنْ صَحَّحَ غَيرَ ذلك.
ومنها: أنَّه لَمْ يَفسُقْ بِقَذْفِه إيَّاهَا، ولوِ التَعنَتْ على الأصحِّ مِن احتِمالِ وَجهَينِ.
ذكرَهُما المَاورديُّ.
ومنها: سُقوطُ حَضانتِها في حَقِّه، ولو بِزِنًى آخَرَ، ولو لاعَنتْ على المَذهبِ فيهما، وما وقَعَ في "الروضة" ليس بِمُعتمَدٍ.

ولِلسُّقوطِ شَرْطانِ:

1 -

أحدُهما:

أنه (2) لا يَنسبُه لِمَا قبْلَ نِكاحِه، وِفاقًا لِمَا جَزمَ به الماورْديُّ، وهو الأرْجحُ، خِلافًا لِمَا جِزمَ به في "الروضة" ونقَلَه الشرحُ عن المتولِّي، فلِعانُهُ (3) قاصرٌ على ما بعْدَ نِكاحِه، بِخلافِ مَن ثَبَتَ زِناهُ بعْدَ القَذفِ بِحُجَّةٍ.

الثاني

: أَنْ تكونَ زَوجةً، فالمَوطُوءةُ بِشُبهةٍ ونَحوِها لا تَسقُطُ حَضانتُها على الأصحِّ، قلتُه تَخريخًا ممَّا ذَكرُوه في إيجابِ الحدِّ عليها.
وتَسقُطُ حضَانةُ الزَّوجةِ بالنِّسبةِ إلى [الأجْنبيِّ على وَجْهٍ في غَيرِ مَن لاعَنَتْ وقَذَفَها بِزنًى آخَرَ.
123

ومنها:] 1 إثباتُ حَدِّ الزِّنى على الزَّوجةِ، فأمَّا المَوطُوءةُ بِشُبهةٍ ونحوِها فلا يلزَمُ حَدُّ الزِّنَى على الأصحِّ.
ومنها: جَوازُ نِكاحِ أُختِها، وأَربعٍ سِواهَا في عِدَّتِها، كذا في "زيادة الروضة" 2. ولا يُقتَصرُ على ما ذُكرَ بلْ كُلُّ حكمٍ يتعلَّقُ بالبَينونة 3 في الأبْوابِ كلِّها غَيرَ عَقدِ النِّكاحِ وغَيرَ المُحللِ آتٍ هنا.
ويتشطَّرُ الصَّداقُ به 4 قَبْلَ الدُّخولِ على مُقتضَى نَصِّ "الأُمِّ" أنَّ الفُرقةَ مِن قِبَلِهِ، وأنَّه كالخُلعِ.
وأَثْبتَ الإمِامُ والغَزَّاليُّ فيه خِلافًا، وهو غَيرُ مَعروفٍ فبعُدَ عليه حينئِذٍ سُقوطُ الكُلِّ بِه، والمُتعةُ كالتشطرِ 5. ومنها: إيجابُ أرْبعِ كَفاراتٍ على الحانِثِ مِنهُما 6 على الأصحِّ.
ويَختصُّ اللِّعانُ مِن جِهَةِ المَرأةِ باعتِبارِ زَوجِيَّتِها، ويُقدَّمُ لِعانُ الزَّوجِ، وحينئِذٍ يَترتَّبُ عليه رَفْعُ العُقوبةِ عنها، وانتِفاءُ فِسْقِها، فتُقبَلُ شَهادتُها ويَبقَى ما يليه بِنظرٍ أو وَصيةٍ أو حَضانةٍ ونحوِها.

وشرْطُ المُلاعَنِ منها: أَهليَّةُ اليَمينِ، فالمَعروفُ أنَّ اللِّعانَ يَمينٌ مُؤكَّدةٌ بِلَفظِ (1) الشَّهادةِ.

وكلماتُ اللِّعانِ خَمسٌ:

أربعُ شَهاداتٍ، والخامسةُ الموجِبةُ.
ولا يُعْتَدُّ بشَيءٍ مِنها إلا بتَلقِينِ الحاكِمِ أو المُحكَّمِ.
ولا يُحتاجُ إلى أَمْرِه خِلافًا لِمَا جَزمُوا به تَبَعًا لِظاهِرِ النَّصِّ، لأنَّ عُمدةَ الشافعيِّ في ذلك حديثُ رُكانةَ وليس فيهِ أَمْرٌ، وإنما فيه تَلقينٌ.
وجَعلَ الشافعيُّ التلقينَ فيه أمْرًا، ولا يَكفِي المحكَّمُ إلا أن يكونَ مُكلَّفًا ويُحكَّمَ، قاله 2 في "التَّتمةِ".
ولا يُحتاجُ إلى تَحكيمِ المَرميِّ 3 به، إذ لا دُخولَ له في المُحاكمةِ، ولا يَجِبُ عليه 4 حَدُّ الزِّنَى على ما رجَّحْتُه الآنَ 5، إذِ المُحكَّمُ لا يَدخلُ في حُدودِ اللَّه تعالى، ولا مَدخلَ لِمالكِ الزَّوجِ ولا لِمالكِ الزَّوجةِ في ذلك.
وما وَقعَ في "الروضة" 6 تَبَعًا للشرحِ و"التتمة" ما يُخالِفُ ذلك: وَهْمٌ.1

وأمَّا المالكُ لها فجَزمَ فيه المَاورْديُّ وغيرُه، بأنه يُلاعِن بينهُما 1 كما يُقيمُ الحدَّ علَيهما، وليس ذلك بالمُعتمَدِ لِمَا فيه من الأُمورِ المُختصَّةِ بالأَمَةِ.
فنصوصُ الشافعيِّ قاضيةٌ بذلك.
ويَلزَمُهم دُخولُ المرأةِ المَالكةِ لهُما، والفاسِقِ والكافِرِ 2 في ذلك، وهو خرْقٌ عظِيمٌ.
فيَقولُ الزَّوجُ أربعَ مَراتٍ: "أَشْهدُ باللَّهِ إنِّي لَمِن الصادقِينَ فيما رَمَيْتُ بهِ فُلانةً مِن الزِّنَى"، ويُسمِّيها إنْ كانَتْ غَائبةً، ويَرفَعُ في نَسبِها بِحَيثُ تَتميزُ، وإنْ كانتْ حاضرةً كفَتِ الإشارةُ إليها على الأرْجحِ 3. وما ذُكِرَ في الشَّهاداتِ الأرْبعِ ظَاهرُ كلامِ الشافعيِّ وأصحابِهِ أن يُعتبَرَ الفِعلُ والاسْمُ والحَرفُ 4 والتَّرتيبُ والتَّتابُعُ.
ويُخَرَّجُ مِن مُخالفةِ ذلك مَسائِلُ كثيرةٌ مِن جِهةِ الإثْباتِ 5 بِغيرِ الهَمزةِ

وغَيرِ الفِعلِ، كـ "أُقْسِمُ" و"أَحْلِفُ" و"أُولي"، ونحوِها، و"شهدتُ" ونحوِه، وإسقاطِ الفِعلِ، وذِكْرِ واوٍ وياءٍ مَوضعَ التاءِ، وإسقاطِ الحَرفِ، وذِكْرِ اسمٍ مِن أسمائِه تعالى غَيرَ الجَلَالَةِ، وفتحِ هَمزةِ إنِّي أو 1 إسقاطِ لامِ لَمِن، وذِكْرِ صادِقٍ وإسْقاطِه، وذِكْرِ "لَقدْ زَنَتْ".
وقَد ذَكرُوا في "أُقسِمُ" ونحوِه وجْهَينِ، وصحَّحُوا المنعَ مُراعاةً للنَّصِّ والتَّغليظِ، ولَمْ يَذكرُوا بَقيةَ ما أَشرْنَا إليه، والحُكْمُ فيه امتِناعُ غَيرِ الهَمزةِ وغَيرِ الفِعْلِ المُضارعِ بِصيغةِ الشَّهادةِ وامتِناعُ إسقاطِه.
وفِي خَبَرٍ في البيهقيِّ ما يَقتضِي جَوازَهُ.
ويَمتنِع غيرُ الباءِ وإسْقاطِ الحرفِ، ويَجُوزُ ذِكْرُ اسْمٍ أو 2 وصْفٍ يَختَصُّ باللَّهِ تعالى كالرَّحمنِ ونحوِه على الأرْجَحِ.
ويَمتنِعُ الإبْدالُ في غَيرِ ذلك إلَّا في قولِه: "إنِّي لَصادِق"، أو: "إنَّها زَنَتْ"، ولَمْ يَذكرُوا ذلك.
والترتيبُ لابدَّ منه، وفِي التَّتابعِ خِلافٌ؛ صحَّحَ في "الروضة" 3 الاشْتِراطَ، فيؤثِّرُ الفَصْلُ الطَّويلُ، والمذهبُ في القَسامةِ، وفِي "الشرح": الأشْبَهُ أنه لا تُعتبَرُ المُوالاةُ.
ويُستثْنَى مِن قَولِه: "فيما رَميْتُها بِهِ مِن الزِّنى" ما إذا سَكَتَ عن الجوابِ 4

دَعْواها أنه قَذَفَها، فقَامتْ عليه البيِّنةُ، فيقولُ في لِعانِهِ: "إنِّي لَمِنَ الصَّادِقِين فيما أَثْبَتَتْ 1 علَيَّ مِنْ رَمْيَتِي 2 إيَّاها بالزِّنى"، كذا جَزَمَ به في "الروضة" 3 تَبَعًا لأَصلِه، وهو مَردُودٌ، فإنه لَمْ يَعْترِفْ بالرَّمْي، فكيف يقولُ: "إنِّي لَمِنَ الصادقِينَ".
وكذا لو أنْكَرَ، وقامتِ البينةُ، ولَمْ يَذكُرْ تأويلًا، ولو كان ذلك في رَدِّ اليَمينِ عليها كان مُمْكنًا؛ لأنَّه مُقِرٌّ تَقْديرًا 4. والصوابُ أن يَقُولَ: "أَشْهدُ باللَّه إنِّي لا يَلزَمُنِي حَدُّ القَذفِ الذي ادَّعتْه".
ومِمَّا 5 يُستَثْنى ما إذا ثَبَتَ زِنَاهَا بِبَينةٍ أو بإِقْرارِها، واستُغْنِي عن قَذْفِه كما سَبقَ فيقولُ: "إنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ في زنَاهَا" ولا يقولُ: "فيمَا رَمَيْتُها"، لأنَّه لَمْ يَرْمِها كذا قالَه المَاورْديُّ، وهو مَردودٌ، فإنَّ الصُّورةَ في نفْي ولَدٍ، أو حَمْلٍ على تَصويرٍ يَقتضِي اللِّعانَ، وذلك متعينٌ في الزنى، فهو كغَيرِهِ.
وكلُّ مَوضِعٍ لَمْ يَرمِها بالزِّنى وجَوَّزْنَا له اللِّعانَ، فإنه لا يقولُ: "فيما رميْتُها بِه مِن الزِّنَى"، وإنما يقولُ ما يُناسِبُ الواقعَ.
ففِي قولِه: "زَنَى بِكِ فلانٌ وأنتِ مُكرَهةٌ -أو نَائمةٌ" يقُولُ: "فيمَا رَمَيْتُ به فُلانا مِن الزِّنى بِكِ" وإنْ لَمْ يُسمِّه قال: "فيما ذكرْتُه مِن أنَّه زَنَى بها وهِيَ

مُكرهةٌ" أو "نائمةٌ" وفِي الشُّبهةِ يَقولُ: "مِنْ وَطْءِ الشُّبهةِ".
ولا 1 يَجِبُ عليها عُقوبةٌ في كُل مَوضعٍ لَمْ يَرمِها بالزِّنَى، ولا بما يُوجِبُ عليها تَعزِيرًا ويَذكُرُ 2 في كلِّ شهادةٍ ما يَقتضِيه الحالُ.
وَيُسَمِّي المَرميَّ به المُعَيَّنَ لِيَخرُجَ مِنَ الخلافِ، ويَذكُرُ النَّفيَ بِمَا يَقتضِيهِ الحالُ، فإنْ كانَ مِنْ زِنًى يقولُ: "مِنْ زِنى ما هو مِنِّي" هذا هو النَّصُّ.
وصحَّحَ جَماعةٌ الاكتفاءَ بقَولِهِ: "مِنْ زنى".
وعِندِي لا يَكفِي، بلْ يَقولُ: "مِن زِناه"، لِجَوازِ أَنْ تكونَ هيَ الزَّانيةَ دُونَه لِشُبهةٍ، فلا يَكونُ له اللِّعانُ حِينئذٍ على ما سَبقَ، وأَغْربَ المَاوَرْديُّ فقال: لا يَجُوزُ ذلك.
ولَو أَغْفَلَ ذِكْرَ الولدِ في بَعضِ الكَلِماتِ احتاجَ إلى إِعادةِ لِعانِه.. كذا ذكَرُوه، وعِندِي يَنبنِي 3 على ما سَبقَ، وفِي كَلامِ بَعضِهم ما يَقتضِيه.
وتَرتيبُ الخامسةِ على الأرْبعِ مُعتبَرٌ في الأصحِّ.
ويُستحَبُّ قبْلَ اللِّعانِ أَنْ يَعِظهَا الحاكِمُ ويقولَ لها: "إنَّ عَذابَ الآخِرةِ أَشَدُّ مِنْ عَذابِ الدُّنيا".
ويُسَنُّ أَنْ يَقولَ الحاكمُ عِندَ شهاداتِ الزَّوجِ: "إنَّ اللَّهَ يَعلَمُ أنَّ أحَدَكما كاذِبٌ، فهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائبٍ".. صحَّ ذلك في البخاريِّ وغَيرِه عَنِ النَّبيِّ

-صلى اللَّه عليه وسلم- 1، ولَم يَذكُرُوه.
فإذَا انْتَهى إلى الخَامسةِ قال الشافعيُّ في "الأُمِّ" 2 و"المختص" 3: (وَقَفَهُ الْإمَامُ وَذَكَّرَهُ اللَّهَ تعالى، وَقَالَ: "إنِّي أَخَافُ إنْ لَمْ تَكُنْ صَدَقْت أَنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ"، فَإِنْ رَاَهُ يُرِيدُ أَنْ يَمْضِيَ، أَمَرَ مَنْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ، ويَقُولُ إنَّ قَوْلَك: "عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ [إنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ] 4 " مُوجِبَةٌ إنْ كُنْت كَاذِبًا، فَإِنْ أَبَى تَرَكَهُ وَقَالَ: قُل "عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ فُلَانَةَ مِنْ الزِّنَى"..) هذا نصُّه.
وفيهِ تقديمُ "عليَّ" والذي في القُرآن تَقديمُ اللَّعنةِ، وكأنَّ الشَّافعىَّ -رضي اللَّه عنه- رأى استواء الكلامَينِ، وأنَّ التَّرتيبَ في هذا لا يَلزَمُ، وهذا غيرُ ما تقدَّمَ في تَرتيبِ 5 6 كلمات كُلِّ شهادةٍ.

ويُسَنُّ أَنْ يُلاعِنَ الرَّجلُ قَائمًا، وتَكونَ المَرأةُ جَالسةً، فإذا فَرغَ مِن لِعانِه أُقيمَتِ المَرأةُ، زادَ المَاورْديُّ: "وأُجلِسَ الرَّجُلُ" وهو غَريبٌ.
فإذا فَرعتْ مِن اللِّعانِ، وظَهَرتْ له جرْءَتُها قالَ لَها: "مَهْ" كما قال ذلك 7

النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 1، ثُم يُلقِّنُها الشَّهاداتِ الأربعَ -وفيها ما مرَّ- ولَفْظُها: "أَشْهدُ باللَّهِ أنَّ فُلانًا -وفِي التَمييزِ 2 والإشَارةِ مَا سَبقَ- لَمِنَ الكاذِبِينَ فيما رَمانِي به مِن الزِّنَى" أوْ تَذكُرُ ما يَقتضِيه الحالُ في غَيرِه.
فإذا فَرغَتْ مِنَ الأرْبعِ قال في "الأُمِّ" 3: وقَّفَها الإمَامُ، وذكَّرَها اللَّهَ تعالى، وقالَ لها: "احذَرِي أَنْ تَبوئِي بِغَضبِ اللَّه عز وجل إنْ لَمْ تَكونِي صَادقةً في أَيمانِكِ".
زاد في مَوضعٍ آخَرَ مِن "الأُمِّ" 4: "فإنَّ قَولَكِ عليَّ 5 غَضَبُ اللَّه يُوجِبُ عليكِ غضبَ اللَّهِ إنْ كُنتِ كاذِبةً".
فإنْ رَآها تَمضِي وحَضَرَتَها 6 امْرأةٌ أَمَرَهَا أَنْ تَضعَ يَدَها على فِيها، وإنْ لمْ يَحضرْها ورَآها تَمضي قال لها قُولِي: "وعليَّ غَضبُ اللَّهِ إنْ كان مِن الصادقِينَ فيمَا رَمانِي به مِن الزِّنى" هذا نصُّه.
وفِي غيرِ الزِّنى يَذكُرُ ما يَقتضِيه الحالُ.

فإذا فَرغَتْ قال الحاكِمُ: "اللَّهُ يَعلمُ أنَّ أَحدَكما كاذبٌ، فهَلْ مِنكُمَا مِن تَائبٍ؟ "، يَذكُرُ ذلك ثَلاثًا، كمَا ثَبتَ في "صحيح البخاري" 1، ويَقولُ: "حِسابُكما على اللَّهِ، أحدُكما كاذِبٌ".
ولو قال: "فهَلْ 2 مِن تَائبٍ؟ " كان حَسنًا 3. ولا يُحتاجُ بعد ذلك إلى حُكْمِ الحاكِمِ 4 بالتَّفريقِ بيْنَهُما، فالفُرقةُ قدْ وقَعتْ بِلِعانِ الزَّوجِ.
وتَنفُذُ بَاطنًا -وإن كان كاذبًا- على الأصحِّ، وما وقَعَ في "الروضة" 5 تَبَعًا للشرحِ في القَضاءِ مِنْ قَولِه: "حُكْمُ القاضِي يَكونُ إِنشاءً كالتَّفريقِ بَيْنَ المُتلاعِنَينِ" وَهْمٌ.
ويُسَنُّ التَّغليظُ في اللِّعانِ بالزَّمانِ: كـ "بعد العصر" و"يوم الجمعة"، وبالمَكانِ 6، فبِمكةَ للْمُسلمينَ: "بيْنَ 7 الحَجرِ الأسْوَدِ والمَقامِ"، وفِي المَدينةِ: "عند المنبر" وقيل: عليه 8، ورَجَّحُوه.
وتُلاعِنُ الحائِضُ ببَابِ المَسجدِ، وكذلك مَنْ يُخافُ مِنْ دُخولِه أن

يُلوِّثَ 1 المَسجدَ بالنَّجاسةِ.
وأهْلُ الذِّمةِ يُلاعِنونَ في المَساجدِ -غَيْرَ المَسجدِ الحَرامِ- ولا تَمنعُهمُ الجَنابةُ ونحوُها مِن ذلك، وفِي كَنائِسِهم على زَعْمِهم.
ولا يُغَلَّظُ بِهذِه الأُمورِ على الزِّنديقِ على ما صحَّحوهُ ونُسِبَ إلى النَّصِّ.
ويُلاعِنُ الأخْرَسُ بالإِشارةِ المُفهِمةِ لِلْفَطِنِ وغَيرِه، ويُلاعِنُ الأعْجميُّ بِلِسانِه، وإنْ أَحسنَ العَربيةَ في الأصحِّ.

خاتمة

اللِّعانُ لا يَكونُ إلَّا واجبًا أو حَرامًا، والقَذْفُ يَكونُ واجِبًا وحَرامًا وجائزًا.
فاللِّعانُ الوَاجبُ: في نفْي النسبِ 1 الذي ظَهَرَ له 2 أنَّه ليس مِنه، وفِي دَفعِ العُقوبةِ والفِسْقِ للصَّادقِ، وهذا يَعُمُّ الرَّجلَ والمَرْأةَ.
والحَرامُ: للْكاذِبِ.
والقَذفُ: لِنَفْي النَّسبِ وَاجِبٌ 3 عِنْدَ تَعيُّنِه طَريقًا لذلك، وفِي غيرِه: جَائزٌ، والأَوْلى: ترْكُه إلا لِلْمُتجاهرةِ 4 بفُجُورِها، فالأَوْلى: فِعلُه.
والحَرامُ: قَذْفُ الكاذِبِ.
ويَنفرِدُ اللِّعانُ لِنَفي النَّسبِ باعْتِبارِ الفَورِ فيه، إلَّا في مَوضِعَينِ: أحدُهما: الحَمْلُ، فلَه التَّأخيرُ إلى المَوضعِ، إلا إذا قال: "عَلِمتُ أنها حامِلٌ، ولكنْ رَجَوتُ أَنْ يَموتَ فأُكْفَى 5 اللِّعانَ"، فإنَّه يَبطُلُ حقُّه على النَّصِّ.
الثاني: فيما يُحتاجُ فيه إلى القَائفِ، ثُم يُلاعِنُ فيه، كما سَبقَ، ويَتعيَّنُ في هذا التأخِيرُ، وكلُّ لِعانٍ غَيرِ ذلك لا فَوْرَ فِيه.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باب (1) العدة

هي بِكسْرِ العَينِ اسمٌ مِن الاعْتدادِ، وقال المَاورْديُّ: مَصدرُ الإحْصَاءِ، وهُو مَردودٌ، والعِدَّة 2 بالفتحِ الجُملةُ المَعدودةُ، وبالضَّمِّ الشيءُ المُعَدُّ.
وشَرْعًا: اسم لِمُدةٍ مَعدودةٍ تَتربَّصُ فيها المَرأةُ لِخُلُوِّها عنْ عِلْقَةِ وَطءٍ أو ماءٍ محتَرمَيْنِ 3 أو لتفجُّعٍ.
وآياتُ العِدَدِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي 4 لَمْ1

يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (1)}.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.

وهيَ أربعةُ أقْسَامٍ:

1 - معنًى مَحضٌ.
2 - وتعبدٌ مَحضٌ.
3 - ويَجتمِعُ الأمْرانِ، والمَعنى أغْلَبُ.
4 - ويَجتمِعُ الأمْرَانِ، والتعبُّدُ 2 أغْلَبُ.

  • فالأولُ: عِدَّةُ الحائلِ 3.
  • والثاني: عِدَّةُ المُتوفَّى عنها زَوجُها التي لم يَدخُلْ بها.
    وفي 4 التي وقع الطَّلَاق عليها 5 بيَقين بَراءةِ الرَّحمِ.
    وفِي موطُوءَةِ الصَّبِيِّ الذي يُقطعُ بأنه لا يولَدُ لِمثلِهِ.1

وفِي الصغيرةِ التي لا تَحبلُ قَطْعًا.

  • والثالثُ: في عِدَّةِ المَوطوءةِ التي يُمْكنُ حبلُها (1) مِمَّنْ يولَدُ لمِثلِهِ سواءً كانتْ ذاتَ أقْراءٍ أو أشهُرٍ، فإنَّ مَعنى بَراءةِ الرَّحِمِ أغْلَبُ من التعبُّدِ (2) بالعددِ المعتبَرِ لغلبةِ ظنِّ البراءةِ (3).
  • والرابعُ: كما في عِدَّةِ الوفاة للمدخول بِها التي يمكنُ حمْلُها، وتمضِي أقراؤُها في أثناءِ الأشهُرِ، فإنَّ العددَ الخاصَّ أغلبُ في التعبُّدِ (4).

والعدةُ تكونُ عن:

  • فراقٍ في حياةِ الزوجينِ في النكاحِ الصحيحِ.
  • وتفريقٍ في الفاسِدِ.
  • وتكون عن وفاةِ الزوجِ في النكاحِ الصحيحِ.1234

أما الأول: فكلُّ فرقةٍ من طلاقٍ أو فسْخٍ بَعْدَ الوطءِ -ولو في الدُّبُر 1 - أو استدخالِ الماءِ المحترمِ، فإنها توجِبُ العدَّةَ إلَّا في موضِعَين:

  • أحدهما: في الزوجةِ الحربيَّة إذا سُبيتْ، وكان زوجُها حربيًّا، فإنَّها لا تلزمُها العدةُ، وإنما اللازمُ على مَنْ مَلَكَها الاستبراءُ.
    فإن كانَ الزوجُ مُسلمًا: فهل يلزمُها العِدَّةُ 2 لِحُرْمة ماءِ المسلِمِ، أو تُستَبْرَأُ بحيضةٍ؟ يظهرُ مِنْ كلامِهم في السِّيرِ الأولُ؟ والأرجحُ عندِي الثانِي؛ لِعموم الأخبارِ في استبراءِ المسبِيَّات.
    وذَكَر المتولي في المسبية في العدة ما يوافق الأول.
    وإن كانت زوجة ذمي برئت على ما سبق، وأولى بالاكتفاء بحيضة.
  • الموضع الثانِي: الرضيع مثلًا، إذا استدخلتْ زوجتُه ذكره ثُم فُسخ النكاحُ، فإنه لا عِدَّة عليها، فمثلُ هذا لا يترتبُ عليه حُكم مِنْ أَحْكامِ الوَطءِ، وفِي "النهاية" ما يَقتضِيه.
    وإنَّما توجِبُ 3 هذه الفُرقةُ العِدةَ إذا لَمْ تَقعْ في أثْناءِ عِدة قَابلةٍ للفُرقةِ فيها.
    فإنْ كانَتْ في أثْنائِها لمْ تُوجِبْ عِدَّةً مُستأنفةً 4، وتَكفِيها بَقيةُ العِدةِ على

أصحِّ القَولَينِ المَنصوصَينِ في "الأمِّ" حتى لو وَقعتِ الفرقةُ قبْلَ انقِضاءِ العِدَّةِ بِساعةٍ، فمَضتِ الساعةُ، انقَضتْ عدَّتُها.
ووقَع في "الروضة" تبَعًا للشرحِ في العِدةِ تَضعيفُ طَريقةِ القَولَينِ، وفِي الطَّلَاق ترجيحُ وُجوبِ الاستِئنافِ، وهو غَيرُ مُعتمَدٍ.
ويُمكِنُ حَمْلُ ما في 1 الطَّلَاقِ على ما إذا 2 رَاجعَ، ثُمَّ طَلَّقَ قبْلَ الوَطءِ، وفِي هذه يَجِبُ الاستِئنافُ على ما رُجِّحَ مِن القَولَينِ، وظاهِرُ نصِّ "الأمِّ" يَقتضِي استِواءَهما 3 مَع صُورةِ غَيرِ الرَّجعيةِ 4. فإنْ أَمسكَها بعْدَ الرَّجعةِ حتَّى مَضَتِ الأَقراءُ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الوَطءِ وَجَبَ الاستِئنافُ بِلَا خِلافٍ، كذا في "الشرح"، وأسْقطَ ذلك في "الروضة".
ويُمكِنُ أَنْ يُقالَ: لا يَجبُ عليها شَيءٌ، لأنَّه طَلاقٌ قَبْلَ المَسيسِ 5، وفِي كَلامِهم ما يَشهَدُ له، ويُمْكِنُ البِناءُ.
وأمَّا إذا كانَتْ تَعتدُّ بالحَمْلِ، ثمَّ حَصَلَتْ فُرقَة، فإنها تَعتدُّ 6 بالوَضعِ، وسواءٌ وَطِئَ أمْ لَمْ يَطَأْ.
والبائنُ إذا جدَّدَ نِكاحَها في العِدَّةِ، ثُم طَلَّقَها قبْلَ الوَطءِ ونَحوِه، فإنها تَبنِي على ما سَبقَ قَطْعًا.

وفِي "التنبيه" حكايةُ قولِ مَن طريقُهُ بالاستِئنافِ.
قيلَ: ولَمْ يُوجَدْ لِغَيرِه، وهو مَوجُود فِي كَلامِ الزاز.
والفُرقَةُ فِي الرَّجعيةِ (1) يَدخُلُ فيها اللِّعانُ وغَيرُه، والبائِنُ لا يَقعُ لها فُرقة، وإنْ وَقعَ لِعانُها فِي العِدَّةِ.

ضابط

ٌ: ليس لنا لفظٌ يَحصُلُ به فسْخُ النِّكاحِ، ثُم تُوجَدُ صُورَتُه بعْدَ البَينونةِ [دُونَ الفُرقةِ إلا اللِّعانُ] 2.

وهذِه العِدَّةُ تكونُ بالأَقْراءِ والأشهُرِ والحَملِ.
والأقراءُ واحدُها قَرْءُ، بفَتحِ القَافِ وضَمِّها، وقال 3 الشافعيُّ 4: القرْءُ اسمٌ 5 وُضِعَ لِمعنًى، ومعروفٌ مِن لِسانِ العَربِ: أنَّ القَرْءَ الحَبْسُ، تقولُ العربُ: "هو يَقرِي المَاءَ فِي حَوضِه"، وفِي الطُّهرِ: دمٌ يُحْبَسُ 6.1

فالقُرْءُ: هو الطُّهرُ، والأقراءُ الأطْهَارُ.
وهذا النصُّ يقْتضِي أنَّ القُرْءَ فِي اللُّغةِ حقيقة فِي الطُّهْرِ، مَجازٌ فِي الحَيضِ، وهو المُعتمَدُ خِلافَ ما صحَّحه فِي "الروضة" تَبَعًا للشرحِ مِن الاشْتِراكِ 1، وفيه مَقالة أُخرَى لِأهْلِ اللُّغةِ: أنَّه حَقيقة فِي الحَيضِ، مَجازٌ فِي الطُّهْرِ 2، وما يُحكَى عَن الشافعيِّ مَع أبي عُبيدٍ إنْ صَحَّ يُحمَلُ على هذا.
وأما فِي العِدَّةِ: فتَعليقُ 3 الطَّلَاقِ على الأَقْراءِ، فلا خِلافَ فِي المَذهبِ: أنَّه الطُّهْرُ، ولكنْ لا 4 يُعتبَر فِي الطَّلَاقِ تقدُّمُ 5 حَيْضٍ عليه، على الأصَحِّ، بِخِلافِ العِدَّةِ بِعِلَّةِ ظَنِّ البَراءةِ، فهُو شَرْطٌ شَرعيٌّ هنا على الأصَحِّ، ولَمْ يُفْصِحُوا عنْ هذا المَعنَى.

والمُعتدَّةُ ذاتُ الأقْراءِ لا يُنظَرُ فِي حَقِّها إلى الأشْهُرِ إلا فِي مَوضِعَينِ ذَكرُوهما وهُما مُتَعَقَّبانِ:

أحدُهما:

المستحاضةُ المبتدَأةُ غيرُ (1) المُميِّزةِ، تُرَدُّ إلى أَقَلِّ الحَيضِ على أَصحِّ القَولَيْنِ، وإلى غَالبِه فِي

الثاني

. وفِي "الروضة" تَبَعًا للشرحِ وغَيرِه على القَولَيْنِ إذا مَضَتْ ثلاثةُ أشهُرٍ -يعني: فِي الحُرَّةِ- انقَضَتْ عدَّتُها لاشتِمالِ كلِّ شهْرٍ على حَيضٍ وطُهْرٍ غالبًا.
وشهرُها ثلاثونَ يومًا، والحسابُ مِنْ أولِ رُؤيةِ الدَّمِ، والتعقُّبُ عليه أن محلَّ 2 هذا فيما إذا كانَ أوَّلُ شَهْرِ الدَّمِ عَقِبَ 3 الفِراقِ.
فأمَّا إذا وقَعَتِ الفُرقةُ فِي أثْناءِ شَهْرِ الدمِ، فإنَّها تَكفِيها تلك البقيةُ وشَهْرانِ بعْدَ البَقيَّةِ المَذكورةِ، وطَعنٍ كاشِفٍ عن الانقضاءِ كما سيأتي، ويُعتبَرُ الطَّعْنُ فِي جَميعِ ما يُناسبُه، فلا يُكررُ، وإنْ كان فيها رِقّ كَفَتْها تلك البَقيةُ، وشهر بَعْدَها.

الثاني: المتحيِّرةُ: تَعتدُّ بثلاثةِ أَشْهُرٍ فِي الحالِ على ما صحَّحُوه، [ونصَّ فِي "البويطي" أنَّ عدَّتَها ثلاثةُ أشهُرٍ بعد أرْبعِ سنينَ 4.1

وعلى ما صحَّحُوه] 1 نَظرُوا فيه إلى الهِلاليةِ والأَقْراءِ، فلزِمَ منه اضْطِرابٌ شَديدٌ، وهو أنه:

  • إنْ وقعَتِ الفُرقةُ أولَ شَهْرٍ انْقضَتْ بثلاثةِ أشهُرٍ هِلاليةٍ، ولو نَقصتْ، ويَلزَمُ عليه على تَقديرُ 2 أقلِّ 3 الطُّهرِ، وأكْثرِ الحَيضِ أن لا يَحصُلَ ثلاثةُ أقْراءٍ، فإنها إنَّما تَحصلُ فِي تِسعينَ يومًا، والنظرُ إلى الغَالبِ لا يُخَلِّصُ لاختلافِ الحالِ بالنِّسبةِ إلى الهِلالِ.
  • وإنْ كانَتِ الفُرقةُ فِي أثْناءِ الشَّهرِ والباقي أكثرُهُ حُسِبَ قُرءًا وتَعتدُّ بعْدَهُ بشَهريْنِ هِلالِيَّيْنِ.
    والتَّحقيقُ بشَهرَينِ عَدَدِيَّيْنِ 4. وإن كان الباقِي 5 خَمسةَ عَشرَ فما دُونَها، فرجَّحَ جَمْعٌ تحسَبُ قرءًا، ورُدَّ باحتِمالِ أن يَكونَ كلُّه حَيضًا، وعنِ الأكثَرِ لا يُحسَبُ الباقي، وتَعتدُّ بعْدَه بِثلاثَةِ أشهُرٍ هِلاليةٍ، وهو ضَعيفٌ.
    وقيل: الأشْهُرُ فِي حقِّها أصْلٌ كالصغيرةِ فتُحسَبُ البقيةُ وتُكَمَّلُ.
    والفَتوى عندِي: أنَّه يكفِيها تِسعونَ يومًا، وعلى الصَّبر لِلْإياسِ وغيرِهِ لا يَمتدُّ حَقُّها فِي النَّفقةِ ولا رَجعةَ له، وإنما يُحتاطُ فِي عدَّتِها لِتحريمِ نِكاحِها.

ولا تَتبعَّضُ العِدَّةُ المَذكورةُ مِن أقراءٍ أو أشهُرٍ إلا فِي مَوضِعَينِ على وجْهٍ:

- أحدُهما:

فِي الآيسةِ إذا رأتِ الدَّمَ بعْد سِنِّ الإياسِ، فإنها تَرجِعُ إلى الإقْراءِ ويُحسَبُ ما مَضَى قُرءًا قَطْعًا، ثم إذا لَمْ يُعاوِدْها الدَّمُ، فلا تُؤمَرُ بالتربُّصِ على ما صُحِّح، وتَعْتَدُّ بشَهْريْنِ على ما فِي "التتمة" فقدْ تبعَّضتْ عِدَّتُها مِنْ قُرءٍ (1) وشَهريْنِ، والنَّصُّ فِي "الأم" أنَّها تَعتدُّ بثلاثةِ أَشهُرٍ تَستأنِفُها.

- الموضِعُ الثاني:

فِي التي انْقطَعَ دَمُها لا لِعلةٍ تُعرَفُ وقُلْنا بأنها تتربَّصُ تِسعةَ أشهُرٍ، فتربَّصَتْ ثم حاضَتْ فِي التربُّصِ أو بعدَه فِي العِدَّةِ، حُسِبَ قُرْءًا قَطْعًا، ثم إذا لَمْ يُعاوِدْها الدمُ تربَّصَتْ (2) ثم بَنَتْ على ما سبَقَ مِن المدةِ فِي العِدَّةِ، فتَحسِبُه (3) قُرءًا، وتَعتدُّ حينئِذٍ بشَهريْنِ على وَجهٍ، فقدْ تَبعَّضَتْ، وصُحِّحَ أنها تَحْسِبُ ما مَضَى مِنَ الأيامِ وتُتِمُّهُ ثلاثةَ أشهُرٍ، ويَبطُلُ على هذا ذلك القَرءُ، ولا يَبطُلُ القَرْءُ فِي هذه العِدَّةِ إلا فِي هذَينِ المَوضعَينِ.

وعلى هذا فلِلْقَرءِ المَحسوبِ فِي العدَّةِ شَرطانِ:

  • الاحتواشُ 4، كما سَبقَ.123
  • وتكمِيلُ العدَّةِ مِن جِنسِه.
    والمُعتدةُ إنْ كانَتْ حُرَّةً قَبْلَ الفِراقِ واستمرَّتْ حرِّيتُها إلى انقِضاءِ العِدَّةِ، فعِدَّتُها ثَلاثةُ أقْراءٍ، وفِي المُبتدَأةِ والمُتحيِّرةِ ما سبَقَ.
    وإنْ وَقعتِ الحرِّيةُ (1) مَع الفِراقِ بتَعليقٍ ونحوِه، فهِيَ كالحرَّةِ قبْلَها، جَزمَ به المَاورْديُّ، وهو واضح، ولا يتَأتَّى (2) فيه الخِلافُ فيما إذا ماتَ زَوجُ المُستولَدَةِ وسيِّدُها معًا، لأنَّ العِتقَ وَقَعَ بعْدَ مَوتِ الزَّوجِ، وهنا وقَعَ مع الفِراقِ.

وإن حصَلتِ الحرِّيةُ بعْدَ الفِراقِ قبْلَ انقِضاءِ العِدةِ:

  • فإنْ كانَتْ رَجعيةً ولو فِي المُعاشرةِ أكمَلَتْ عِدَّةَ الحَرائِرِ على الجَديدِ، وأَحدِ قَولَي القَديمِ.
  • وإن 3 كانَتْ بَائنةً، فالقَديمُ وأحَدُ قَولَي الجَديدِ: أنها تَعتدُّ عِدَّةَ أَمَةٍ، وصحَّحه جماعةٌ، وهو قَويٌّ.
    ولكنْ قال الشافعيُّ فِي "الأم" و"المختصر" عن مقابِلِهِ أنه أشبَهُ القَولَينِ بالقِياسِ.
    واخْتَارَه المُزنيُّ، وصحَّحه جَماعةٌ، وهو 4 المُعتمَدُ نصًّا.
  • وإن حَدثَ بَعْدَه ما يُوجِبُ استِئنافَ عِدَّةٍ، فعِدَّة حُرَّةٍ قَطْعًا.12
  • ومَنْ وقَّتَ فِي أثْناءِ العِدَّةِ بالسَّبي هلْ تُكمِلُ عِدَّةَ حُرَّةٍ أوْ أَمَةٍ؟ وجْهانِ فِي "التتمةِ"، ولَمْ يَذكُرِ الثَّالثَ، وهو الفَرْقُ بيْنَ البَائنِ والرَّجعيةِ، لأنَّ الرِّقَّ حَصلَ به البَينونةُ، ويُمكِنُ أن يأتِيَ بِضعفٍ، والأرْجَحُ عِندنَا الاستِبراءُ، وإنْ كان صَاحبُ العِدَّةِ مُسلِمًا أو ذمَيًّا على ما سَبقَ.
  • وإن وُجِدَ الرِّقُّ 1 والفُرقةُ معًا بِسبْي الزَّوجةِ، فقدْ سَبقَ.
    وحيثُ كانَتْ زَوجةَ مُسلمٍ 2 أو ذمِّيٍّ وقلنا: "تَعتدُّ"، فهَلْ تَعتدُّ عِدةَ حُرَّةٍ أو أَمةٍ؟ فيه خلافُ المُستولَدةِ السابقُ، ومُقتضَى النَّصِّ فيه: أنها تَعتدُّ عدةَ أَمَةٍ، وعِدةُ الأمَةِ وَمَنْ فيها رِقّ قَرءانِ، وإن كانَتْ مُبتدأةً غيرَ مُميزةٍ فعدَّتُها سِتُّونَ يومًا.
    وإنْ وُجدَتِ الفُرقةُ فِي أثْناءِ شَهْرِ الدَّمِ كَفَتْهَا تلك البَقيةُ وثلاثونَ يومًا بَعْدَها.
    وإن كانَتْ مُتحيِّرةً فسِتُّونَ يومًا، إلا إذا بَقِيَ مِن الشَّهرِ أكثَرُ، فيَكونُ قَرءًا وتَكتفِي بثلاثينَ يَومًا بَعْدَه.

وأمَّا الحُرَّةُ التي لَمْ تَحِضْ قَط، وإنْ كَبِرَتْ، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهُرٍ هِلاليةٍ.
فإنِ انْكسرَ الأوَّلُ كمَّلتْه ثَلاثينَ يَومًا بَعْدَ شَهريْنِ بالهِلالِ، فإن تَكَمَّلَتْ ثلاثةٌ بالأهِلَّةِ قبْلَ تَكميلِ المُنكسِرِ اكتُفِيَ بذلك على المُعتمَدِ؛ خِلافًا لِمَنْ أَطْلقَ تَكميلَ المُنكَسِرِ.

ولَو وَلدَتِ التي لَمْ تَحِضْ ولَم تَر دَمَ نِفاسٍ فهِيَ مِن ذَواتِ الأشهُرِ على الصَّحيحِ.
وإنْ رَأتْهُ فهِيَ مِن ذَواتِ الأَقْراءِ على الأرْجَحِ، خِلافًا لِمَا أَفْتى به البغويُّ والنَّوويُّ، فإنَّ دَمَ النِّفاسِ له حُكْمُ دَمِ الحَيْضِ.
وأمَّا مَنِ انْقطَعَ دمُها لِعله تُعرَفُ كرَضاعٍ أوْ مَرضٍ: فإنَّها 1 تَصبِرُ حتى تَضعَ حَمْلًا لاحِقًا، وكذا 2 غيرُ لاحِقٍ مع إمْكانِه عِندَ جَماعةٍ مِن الأصْحابِ، والأرْجحُ خِلافُهُ.
أوْ تَحيضُ فتَعتَدُّ بالأَقْراءِ، أو تيأسُ فتعتدُّ بالأشهُرِ، كذا جَزمُوا به، ولَمْ يَذكُروا فيه التربُّصَ.
ومقتضى كلامِ "الأم" أَنْ يأتيَ فيه فِي غَيرِ صُورة الرَّضاعِ، ويُحتَمَلُ أَنْ يَجيءَ فِي الرَّضاعِ إذا كان الانقِطاعُ على غَيرِ عَادتِهَا، وإنِ انقَطعَ لا لِعَلَّةٍ تُعرَفُ 3. ومنه: أَنْ يَنقطِعَ بعْدَ فَراغِ الرَّضاعِ والنَّقاءِ مِنَ المَرضِ، ففِي "الجديد": تَصبِرُ، وحَكَوا عن "القديم" تَربُّصَ تِسعةِ أَشهُرٍ، وعنه أرْبع سنِينَ، وخُرِّجَ ستة أشهُرٍ.
والقَولانِ الأَوَّلانِ فِي "الأم"، فهُما 4 فِي الجَديدِ، وقولُ التِّسعةِ فِي

"الإملاء".
وبعْدَ التَّربُّصِ على الأقْوال تَعتدُّ بِثلاثةِ أشْهُرٍ، [وهِي بَعْدَ أرْبعِ سِنينَ آيِسةٌ، قاله فِي "الأم"، نظرًا لِحالِها خاصةً، وفِي التِّسعةِ نظرًا إلى غالِبِ مُدَّةِ الحَملِ، وفِي سِتةِ أشهُرٍ] 1 إلى ما يَغلِبُ ظُهورُ الحَملِ فيه، وغَلبةُ الظَّنِّ كافٍ فِي العِدَّةِ، وقد تَأكَّدَ بالعِدَّةِ بعْدَه.
والمختارُ تربُّصُ التِّسعةِ، والعدَّةُ بَعْدَه، لِصحَّةِ ذلك عنْ عُمَرَ 2 -رضي اللَّه عنه- 3

وقالَ الشافعيُّ فِي "القديم": إنَّ عُمَرَ أعْلَمُ بمَعنى بكتابِ اللَّه عز وجل، وهذا قضاؤُه بيْنَ المُهاجِرينَ والأنْصارِ مُسْتفيضًا لا يُنكِرُه مُنكِر علِمْناهُ 1، ولا يخالِفُه، ولم يُجَبْ فِي الجَديدِ عَنِ ابنِ عُمَرَ بجَوابٍ ظَاهرٍ، واختارَ بعضُ المُتأخرينَ الاكتفاءَ بستةِ أشهُرٍ، وهو غيرُ مُعتمَدٌ.

وأمَّا الآيسةُ باعْتِبارِ غَيرِها، فإنَّها تَعْتدُّ بالأشهُرِ مِن غيرِ تربُّصٍ بلا خلافٍ.
والمُعتبَرُ إياسُ أكبَرِ نِسائِها على نَصه فِي "الأم" الذي 2 أقطع به، ولَمْ يذكرْ فِي "الأم" عشيرةِ الأبَويْنِ، ولَمْ أجِدْ له نصًّا صريحًا يُخالِفُه، وما ذُكِر مِن إياسِ جَميعِ النِّساءِ، وتفْرِيعاتِه، ومِنْها أنَّه اثْنانِ وسِتُّونَ سَنَةً، فَهُوَ غَيْرُ مُعتمَدٍ، ولا دَليلَ يَقتضيه.

وعِدَّةُ مَنْ فيها رِقٌّ فِي الأشْهُرِ، حَيْثُ لا حَيْضَ، شَهْرٌ ونِصفٌ؛ على النَّصِّ المَقطوعِ به فِي "الأُم" 3 و"مختصَر المُزَني" 4، وقال فيه: لَمْ أَعْلَمْ مُخالِفًا مِمَّنْ حَفِظتُ عَنه مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ عِدةَ الأَمَةِ نِصفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ فيما له نِصفٌ [مَعلوم، فلم يُجِزْ إلا أَنْ يَجْعَلَ عِدَّةَ الأمَةِ نِصْفَ عِدَّةِ الحُرَّةِ فيما لَه = وفي رواية محمد بن سيرين قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: وعدة المطلقة بالحيض وإن طالت، وعلى قول ابن مسعود اعتمد الشافعي في الجديد.

جارٍ التحميل