فيه وجهانِ: الأصحُّ المَنعُ 1، وهو مُقتضَى نَصِّ "الأُم".
ومِن المَواضعِ التي يجوزُ فيها الخُروجُ مِن مَنزلِ الفِراقِ ما إذا كان المَنْزلُ مِلْكًا للمُعتدَّة، فإنه لا يَلزمُها أَنْ تَعتدَّ فيه، ولها أَنْ تَطلُبَ نَقْلَها منه.
وإذَا كانَ المَنزِلُ مُستعارًا لازَمَتْه ما لَمْ يَرجعِ المُعيرُ فيه، وفِي صُورةِ مَوتِ الزَّوجِ تَرتفعُ، وكيف كان الحالُ فلِصاحِبِ المِلْكِ طَلبُ نَقْلِها مِنه 2.
ومِمَّا يَجُوزُ فيه الانتقالُ مِن مَسكَنِ الفِراقِ -بلْ مِن بَلدِ الفِراقِ- مَا إذَا أَسْلَمتْ ولَزِمتْها عدةٌ وهي فِي دَارِ الحَربِ 3، فإنها يَلزَمُها أَنْ تُهاجِرَ إلى دَارِ الإسلامِ.
وفي 4 اعتِبارِ القربِ مِن دَارِ الحَربِ [ما سَبقَ فِي سَاكنةِ السَّفينةِ.
ولو كانَتِ السُّكنةُ 5 فِي مَوضعِ دَارِ الحَربِ] 6 تأْمَنُ فيه على دِينِها
ونَفْسِها، فقالَ المُتولِّي: "لا تَخرجُ حتَّى تَعتدَّ" وهذا مَمنوعٌ؛ لأنَّ المَرأةَ مَظِنَّةُ التَّطرُّقِ إليها، فلا تَأمَنْه، ولا تَأمنُ في 1 المُستقبَلِ ما يجري عليها.
وفِي جَميعِ الصُّورِ لَو زَالَ المَانعُ، فالقياسُ وجوبُ العَودِ إلَّا في البَذاءةِ والهِجرةِ، ولَم يَذكرُوه.
ولو أَحرمَتْ بالحَجِّ ثم حَصلَتِ الفُرقةُ وتَخشَى فَواتَ الحَجِّ لو أقامَتْ، فإنَّها تَخرجُ مِن البَيتِ إلى الحَجِّ.
وإنْ لَمْ تَخش فواتَ الحَجِّ أو كانتْ قد أَحرمَتْ بِعُمرةٍ، فتتَخيَّرُ بين أن تُقيمَ، وبين أن تَخرُجَ في الحَالِ، خِلافًا لِما في "المُهذَّب".
وأمَّا الخُروجُ مِن غَيرِ انتِقالٍ: فيجوزُ عند الاحتياجِ إليه، فتَخرجُ بالنَّهارِ لِشراءِ طَعامٍ، وغَزلٍ، وبَيعِه، ولِعَهْدِ بُستانِها، وجَدَادِ نَخْلِها في عِدَّةِ الوَفاةِ.
وكذا البائِنُ على الجَديدِ إذا لَمْ يكنْ عندها مَنْ يَكفِيها ذلك.
وأمَّا الرَّجعيةُ فلا تَخرجُ إلَّا بإِذنه إذا كفَاها الزَّوجُ ذلك، فإن لَمْ يَكفِها فلَها أَنْ تَخرُجَ كالبائِنِ.
وتَخرجُ المُتوفَّى عنها والبائِنُ ليْلًا للحديثِ مَع جَارتِها لِلْأُنْسِ.
وأمَّا الخُروجُ ليلًا لِمُجرَّدِ الغَزْلِ عند جَارتِها فلا يَجوزُ؛ خِلافًا لِما في "الروضة" و"المنهاج" 2 3.
والذي أَجازَه النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن الخُروجِ إنما هو الحديثُ 1 للتأنُّسِ، وتَعودُ إلى بَيْتِها لِلنَّومِ فيه.
وتخرُجُ نَهارًا للزِّيارةِ والعِمَارةِ.
وفِي "الروضة" 2: "لَا تُعْذَرُ في الْخُرُوجِ لِأَغْرَاضٍ تُعَدُّ مِنَ الزِّيَارَاتِ دُونَ الْمُهِمَّاتِ، كَالزِّيَارَةِ وَالْعِمَارَةِ وَاسْتِنْمَاءِ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ، وَتَعْجِيلِ حَجَّةِ الْإسْلَامِ وَأَشْبَاهِهَا".
فإنْ كان الخُروجُ نهارًا وليلًا فمسلَّمٌ، وإنْ أَرادَ النَّهارَ فممنوعٌ، فقد أَسندَ البيهقيُّ عنِ ابن عُمرَ -رضي اللَّه عنهما- أنَّه قال: "الْمُطَلَّقَةُ الْبَتَّةَ تَزُورُ بِالنَّهَارِ وَلا تَبِيتُ غَيْرَ 3 بَيْتِهَا" 4. = تعود إلى مسكنها للنوم.
وحكم العدة عن شبهة أو نكاح فاسد حكم عدة الوفاة.
قال المتولي: إلا أن تكون حاملًا.
وقلنا: إنها تستحق النفقة، فلا يباح لها الخروج.
وفي البائن بطلاق أو فسخ، قولان.
القديم: ليس لها الخروج، والجديد: جوازه كالمتوفى عنها.
قال المتولي: هذا في الحائل، أما الحامل: إذا قلنا: تعجل نفقتها، فهي مكفيةٌ فلا تخرج إلا لضرورة.
وأما العِمارةُ ونَحوُها فقد صَحَّ مِن حديثِ جابرِ بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه- قال: طُلِّقَتْ خَالَتِي ثلاثًا، فخرجتْ تَجُدُّ نَخْلًا، فلقيها رَجُلٌ فنهاها، فَأَتَتِ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكرتْ له ذلك فَقَالَ: "اخْرُجِي فَجُدِّي نَخْلَكِ، فلعلَّكِ أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا".
رواه الشافعيُّ، وأخرجَه مُسلِمٌ في "صحيحه" 1.
وإِذَا لَزِمَهَا حَقٌّ، وَاحْتِيجَ إلى اسْتِيفَائِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ في مَسْكَنِهَا، كَالدَّيْنِ وَالْوَدِيعَةِ، فُعِلَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، وَاحْتِيجَ فِيهِ إلى الْحَاكِمِ، بِأَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهَا حَدٌّ أَوْ يَمِينٌ في دَعْوَى، فَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً خَرَجَتْ وَحُدَّتْ، أَوْ حَلَفَتْ، ثُمَّ تَعُودُ إلى بَيْتِها، وَإِنْ كَانَتْ مُخَدَّرَةً، بَعَثَ الْحَاكِمُ إِلَيْهَا 2 نَائِبًا، أَوْ حْضَرَهَا بِنَفْسِهِ 3.
ولو زَنتِ المُعتدَّةُ التي لم تُحصَنْ، فإن كان الحاكِمُ يقيمُ عليها الحدَّ كما تقدَّمَ ويُغَرِّبُها ناجِزًا, ولا يُؤخِّرُه إلى انقِضاءِ عدَّتِها على الأصحِّ.. ذَكرَه في "الروضة" 4 في عِدَّةِ الوَفاةِ.
ويَجرِي في غيرِها أَيضًا.
ولو انتَقلتْ إلى مَسكنٍ بِإِذنِ الزَّوجِ، ثم وَجبَتِ العدَّةُ بعد وُصولِها إليه، أو = ورواه مالك في "الموطأ" (90) عن نافعٍ، عن عبد اللَّه بن عُمر، أنهُ كان يقُولُ: "لا تبيتُ المُتوفى عنها زوجُها, ولا المبتُوتةُ إلَّا في بيتها".
قَبْلَ وُصولِها إليه، فإنَّها تعتدُّ فيه.
وأَطلقَ في "المنهاج" 1 تَبَعًا لِغَيرِه الزَّوجَ.
وهو عندي مقيَّدٌ بأن يكونَ الزَّوجُ بالغًا، فيُعتبَرُ إذْنُ السَّفيهِ دُونَ الصَّبِيِّ على الأرجحِ.
والخروجُ مِن بلدٍ إلى بلدٍ كالخُروجِ مِن مَسكنٍ إلى مَسكنٍ.
ولو خرجَتْ لحجٍّ أو تِجارةٍ، ثم وَجبَتِ العِدةُ ففِي "المنهاج" 2 لها الرُّجوعُ والمُضِيُّ، وهذا في غَيرِ مَنْ أَحرمَتْ بِحَجٍّ.
والحُكمُ فيه ما سَبقَ.
ولو خَرجَتْ إلى غَيرِ الدارِ المَألُوفةِ، ثم حصَلَتِ الفُرقةُ، وقال الزَّوجُ: "ما أذنتُ في الخُروجِ" صُدِّقَ بيمينِهِ.
ولو قالتْ: "نقَلْتَنِي" فقال: "بَلْ أذِنتُ لِحاجةٍ" صُدِّقَ بِيَمينِهِ على المَذهبِ.
كذا في "المنهاج" 3.
وهو يَقتضِي أنَّ الوارِثَ يُصَدَّقُ بِيَمينِه في صُورةِ المَوتِ؛ لأنَّ الثَّابتَ للمُوَرِّثِ مِن اليَمينِ يثبُتُ للوَارثِ.
وفِي "الروضة" 4 أنَّ المذهبَ تصديقُها، وهذا يُخالِفُ ما يَقتضِيهِ كلامُ "المِنهاجِ" 5.
والمَنصوصُ في "الأُم" (1) في صُورةِ الوَارثِ أنَّ القولَ قولُها يَعنِي بِيَمينِها.
ضابط
ٌ: كلُّ يَمينٍ ثبتَتْ لِشَخصٍ فماتَ، فإنَّه يَثبُتُ لِوارثِه تلك اليمينُ إلَّا في صُورةِ الوارِثِ المَذكررة 2 هنا.
وإذا اتَّفقَ الزَّوجانِ على جَريانِ 3 لَفظِ الانتقالِ أو الإقامَةِ بأنْ قال: "انتقلِي إلى مَوضعِ كذا" أو: "اخرُجِي إليه" أو: "أَقيمِي به" وقال الزَّوجُ: "ضَمَمْتُ إليه للنُّزهةِ أوْ شَهْرًا" وغير ذلك، وأنكرتْ هذه الضَّمِيمةَ، أو قال ذلك وارثُهُ فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ هذه الضَّميمةِ 4.
وحيثُ صَدَّقَتِ الزوجَ، فماتَ بعد أن ادَّعى ذلك، فإن الوارثَ يحلِفُ ولم يَذكرُوه هُنا، وذَكرُوا نحوَه في الوديعةِ.
ولا يَصِحُّ بيْعُ البيتِ المستحَقِّ للعدَّةِ إلَّا إذا كانتْ تعتدُّ بالأشهُرِ، فإن حاضَتْ في أثْنَائِها ففِي "الروضة" 5: الأظهرُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، ويَثْبُتُ الْخِيَارُ1
لِلْمُشْتَرِي.
وهذا عندنا مَمْنوعٌ بَلِ الأظهرُ إبطالُ البَيعِ لِحُصولِ الجَهالةِ في المَنافِعِ المُستثناةِ حينَئِذٍ.
ولَو أَفْلَسَ الزَّوجُ وحُجِرَ عليه بَقِيَ لَها حقُّ السُّكْنى، وتُقَدَّمُ به على الغُرمَاءِ والورَثةِ 1.
وإذا ماتَ بعْدَ أن حُجِرَ عليه وكان قدْ طلَّقَها رَجعيًّا قَبْلَ الإفْلَاسِ فإنَّها تَنتقِلُ إلى عِدَّةِ الوَفاةِ، فلا تُقَدَّمُ على الغُرَماءِ، بل تضاربُ الغُرماءُ كالزَّوجةِ.
ومتى ضَاربَتْ فإن كانتْ عدتُها بالأشهُرِ ضَاربَتْ بأُجرةِ المِثْلِ للأشهُرِ.
وإنْ كانَتْ عدتُها بالأَقْراءِ أو الحَمْلِ ولها عادةٌ مستقيمةٌ ضاربَتْ بأقلِّ مُدَّةٍ يُمكِنُ انقضاءُ الأقراءِ فيها بأُجرَةِ ما بَقِيَ مِن أقلِّ مدَّةِ الحَمْل، وهي ستَّةُ أشهُرٍ من حِينِ العُلوقِ 2.
واختارَ المَاورْدِيُّ 3 الأخْذَ بالعادةِ الغَالبةِ، وهو حَسَنٌ، والأولُ أرْجحُ.
ويَحرُمُ على الزَّوجِ مُساكَنَتُها ومُداخَلَتُها، وإن كان في الدَّارِ لها مَحرَمٌ مُميِّزٌ ذَكَر أو 4 له أُنثَى أو زَوجةٌ أُخرَى أوْ أَمَةٌ جَازَ، كذا في "المنهاج" 5.
والمُميِّزُ لا يَكفِي بل لا بد مِن البُلوغِ نصَّ عليه 1 الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه-: في "المختصر".
ولَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بالاكتِفاءِ بالتَّمييزِ 2.
وقال الشَّيخُ أبو حامدٍ: عِندِي يَكفِي المُراهِقُ.
وما ذُكِرَ في "المنهاج" من 3 مَحرمٍ لها ذَكَرٍ يُوهِمُ أنَّ مَحرَمَها مِن النِّساءِ لا يَكفِي، وليس كذلك.
فالمَرْأةُ الواحدةُ الأجنبيَّةُ الثِّقةُ كافيةٌ على ما صحَّحَه في "الروضة" 4 فمَحرَمُها مِن النِّساءِ إذا كانَتْ ثقةً أَوْلَى بالجَواز.
وما ذُكِرَ مِن الاكتِفاءِ بِزَوجةٍ أُخرَى أو أَمَةٍ يَنبغِي أن تكونَ ثِقَةً.
فصل في زوجة المفقود
حُكْمُها بعد الحُكْمِ بِمَوتِه كالمُتوفَّى عنها في الإحْدَادِ والسُّكنَى.
وفِي القَديمِ: تَتربَّصُ أَرْبعَ سِنينَ، ثُمَّ تَعتدُّ عِدةَ الوَفاةِ، ثم تَنكِحُ.
ولِلْقَديمِ فُروعٌ كثيرةٌ لا يُفتَى بها.
وقدْ سَبقَ في الفَرائضِ ما يَقتضِي إلحاقَهُ بالمَوتَى بالاجْتِهاد.
ضابط
ٌ: ليس لنا مَوضعٌ يكونُ مُستنَدُ الحُكمِ فيه مُجرَّدَ الاجْتهادِ إلَّا هذا.
باب الاستبراء
الاستِبراءُ لُغَةً.
طَلبُ البَراءةِ.
وفِي الشَّرعِ: عِبارةٌ عَن تربُّصٍ واجبٍ بِسَببِ مِلْكِ اليَمينِ حُدوثًا أو زَوالًا، ذَكرَ ذلك الرَّافعي عن "التتمة".
ويُزادُ عليه حدوثُ الحلِّ في مِلْكِ الجَاريةِ كما سَيأتِي، وفِي التتمة نصٌّ بهذا الاسمِ لِتَقريرِه بأقَلِّ ما يَدُلُّ على البراءَةِ مِن غَيرِ تَكرُّرٍ وتَعَدُّدٍ 1 فيهِ.
وخُصَّ التربُّصُ الواجبُ بِسَببِ العِدةِ اشتِقاقًا مِن العَددِ لِما فيه مِن التعدُّدِ.
وهذا الذي قاله صاحب "التتمة" مردودٌ.
والأصلُ في الاستِبراءِ مِن السُّنة: عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَفَعَه إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال في سَبايَا أوطاس 2: "لا تُنْكَحُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً".
رواهُ أبُو داودَ وغيرُه بإسنادٍ صالحٍ للاحْتِجاجِ بِهِ 1. ورواه الشعبي عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُرْسلًا 2.
وروى أبو داود وغيرُه مِنْ حَديثِ رُويفعِ بْنِ ثَابتٍ الأنصاريِّ -رضي اللَّه عنه-: أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ يَوْمَ حُنينٍ: "لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ" -يَعْنِي: إِتْيَانَ الْحَبَالَى- "وَلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْي حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا" 1.
وفِي حديثِ ابنِ إسحاقَ: "بحيضةٍ" 2.
قال أبو داود: الحَيضةُ ليسَتْ بِمَحفوظةٍ 3 -يعنِي مِن حديثِ رُويفعٍ، وقد سَبقَ في حَديثِ أبي سَعيدٍ ذِكْرُ الحَيضةِ.
وفِي "صحيح مسلم" 4 مِن حديثِ أبي الدَّرداءِ -رضي اللَّه عنه- عَن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه أُتِي بامْرَأةٍ مُجِحٍّ 5 على باب فُسطاطٍ فقال: "لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟! "، فقالُوا: = وكذلك رواه عبد الرزاق في مصنفه (7/ 226): أخبرنا سفيان الثوري عن زكريا عن الشعبي، قال: أصاب المسلمون نساءً يوم أوطاس، فأمرهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن لا يقعوا على حامل حتَّى تضع، ولا على غير حامل حتَّى تحيض حيضةً.
نَعَم، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنةً تدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ 1 لَا يَحِلُّ لَهُ؟ أم 2 كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لا يَحِلُّ لَه؟! " 3، انتهى 4.
المُجِحُّ: بضمِّ المِيمِ، وكسرِ الجِيمِ وبعدها حاءٌ مهملةٌ، وهي الحامِلُ المقرِبُ.
وثَبَتَ في "صحيح البخاري" مِنْ حَديثِ أَنَسٍ ما يَقتضِي أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- استَبَرأَ صَفيَّة، ثم تزوَّجَها -يعني: بعد أَنْ أَعتَقَهَا، قال أنسٌ: فخَرَجَ حتَّى بَلَغَ بِها سَدَّ الصَّهْباءِ 5 حلَّتْ، فبَنَى بها رَسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 6.
ولا خلافَ في أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- استَبرَأَ صَفيةَ.
ويُتعجَّبُ مِن الحافظ 1 البيهقيِّ في تَرْكِ 2 ذِكْرِ هذا الحديثِ الثابتِ والاقتصارِ 3 على حديثِ أنَسٍ أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- استبَرَأَ صَفيَّةَ بِحَيضةٍ.
قال البيهقيُّ: في إسنادِهِ ضعفٌ 4. = والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال" ثم قدمنا خيبر فلما فتح اللَّه عليه الحصين، ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها، وكانت عروسًا، فاصطفاها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لنفسه، فخرج بها حتَّى بلغنا سد الصهباء، حلت فبنى بها، ثم صنع حيسًا في نطع صغير، ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "آذن من حولك".
فكانت تلك وليمة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على صفية.
فإنْ قيلَ: لَعلَّه أَرادَ ما يتعلَّقُ بِحيضةٍ (1). قلتُ (2): الحديثُ الثابتُ يَقتضِي ذلك، وعلي الجُملةِ فذِكْرُ الحديثِ الثابتِ متعيَّنٌ.
يجِبُ الاستِبراءُ (3) بوَاحدٍ مِن سَبعةِ أسبابٍ:
123 = إبراهيم، عن حميد، عن أنس: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- استبرأ صفية بحيضة، فقيل له: أومن أمهات المؤمنين أم من أمهات الأولاد؟ قال: "من أمهات المؤمنين".
أحدها
: أن تنتقل من حرية إلى رق كالمسبية.
والثاني: أن تنتقل من رق إلى حرية كالمعتقة وأم الولد إذا أعتقها سيدها أو مات عنها.
والثالث: أن تنتقل من ملك إلى ملك كالمشتراة، والموهوبة، والمرهونة، والموروثة، والمطلقة.
والرابع: أن يستبيح وطأها بعد التحريم كالمطلقة قبل الدخول، والمكاتبة إذا عجّزها سيدها.
والخامس: أن يريد إنكاح أمته من غيره، فإنَّه يستبرئها أو لا.
وأما المستحب فتارة يكون في الإماء، وتارة في الحرائر، مثل: أن يكون تحته أمة فاشتراها فالمستحب له أن يستبرئها.
ومثل: أن يموت ولد امرأته من غيره، ولم يكن له ولد، ولا ولد ابن، ولا أب، ولا جدّ فالمستحب أن يستبرئها؛ لإمكان أن يكون بها حمل فيرثه، وما شابه ذلك.
=
أَحدُها: مِلْك أَمةٍ بِأَيِّ وُجوهِ المِلْكِ كان، وبِأيِّ حَالةٍ كانَتْ، [إلَّا إذا كانَتْ] (1) زَوجةً للمُشترِي (2) الحُرِّ، فإنْ كان مُكاتَبًا فاشتراهَا (3)، فإنَّه لا يحِلُّ له وَطْءُ أَمَتهِ وكذلك المُبَعَّضُ.
السَّببُ الثاني:
تجدُّدُ حِلِّ الاستِمتاعِ للمالِكِ في مَملوكتِه التي زَالَ المَانعُ مِن الحِلِّ فيها بالنِّسبةِ إلى خَلَلٍ في الدِّينِ، فإذا كانتْ جَاريةً مجُوسيةً أوْ وَثَنيةً أوْ زِندِيقةً أو مُرتدَّةً أو يَهُوديةً أوْ نَصرانيةً مِن غَيرِ بَنِي إسرائيلَ على المَذهبِ المُعتمَدِ، أو مُنتقِلةً مِن كُفرٍ إلى غَيرِ دَينِ الإِسلامِ: ففِي جَميعِ هذه الصُّوَرِ يَجبُ استِبراؤُها عند زَوالِ المَانعِ لِتَجدُّدِ الحِلِّ.
وأمَّا مَن كانَتْ صَائمةً أوْ مُصَلِّيَةً أوْ مُعتكِفَةً أوْ مُحرِمةً، فإنَّه لا يَجبُ استِبراؤُها عند زَوالِ المَانعِ، بِلا (4) خِلافٍ، وشَذَّ مَن قال إنَّ المُحرِمةَ يَجبُ استِبراؤُها إذا فَرغَتْ مِن إِحرامِها.
السببُ الثالثُ:
الحِلُّ في البُضْعِ بالنِّسبةِ إلى عُلْقةٍ لِغَيرِه فيه، فإذا اشترى1234 = ولا يُعتبر في العدة أقصى الأجلين إلا في ثلاث مسائل:
أحدها
: أن يطلّق الرَّجل إحدى نسائه ثم يموت قبل البيان.
والثانية: إذا أسلم عن أختين، أو أمتين، أو أكثر من أربع نسوة ومات قبل البيان.
والثالثة: أمُّ الولد إذا مات سيدها وزوجها, ولم يُدر من الذي مات أولًا، وكان بينهما شهران وخمس ليال أو أكثر؛ اعتدّت من يوم مات الأخير منهما أربعة أشهر وعشرًا فيها حيضة، فإن كان أقل من شهرين وخمس ليال، اعتدت أربعة أشهر وعشرًا.
جاريةً مزوَّجَةً بِغَيرِه، مُعتدةً مِنْ غَيرِه، فإنَّه إذا زَالتْ تِلك العُلْقةُ يَجبُ استِبراؤُها.
السببُ الرابعُ:
مُركَّبٌ مِن الحِلِّ في المِلْك والبُضْعِ، كما إذا كانتْ مُكاتبةً أو جاريةَ مُكاتَبِهِ، فإنَّه يَحرُمُ وَطْؤُها على السيِّدِ الأَصليِّ لِوُجودِ الخَللِ في المِلْكِ والبُضعِ، ومِن ذلك الجَاريةُ التي استَبرأَها المكاتَبُ ولَم يَطأْهَا فإذا صَارتْ للسيِّدِ وَجبَ عليه استِبراؤُها، وكذلك فيما قَبْلَها، ومِن ذلك جَاريةُ (1) المَأذُونِ له في التِّجارةِ إذا كان (2) عليه دُيونٌ فقُضِيَتِ الدُّيونُ، فإنَّ السيِّدَ يَحتاجُ إلى استِبرائِها، فإنْ كانتْ مُحرَّمةً عليه لِلْخَلَلِ المَذكورِ بِخلافِ المَرهونةِ، فإنَّه لا يَجِبُ استِبراؤُها بعد فَكِّ الرَّهنِ، إذْ لا خَللَ في مِلكِ المَرهونةِ، ولِهذَا إذا وَطِئَ المَالِكُ المَرهونةَ لا يَجِبُ عليه المَهْرُ قَطْعًا بخِلافِ جَاريةِ المَأذونِ في صُورةِ الدُّيونِ، فإنَّه يَجِبُ عليه المَهْرُ على وَجْهٍ رُجِّحَ.
ومِن ذلك جَاريةُ القِراضِ إذا انْفَسخَ واستَقلَّ بها المَالكُ، وقُلْنا "إنه لا يَجوزُ له وَطْؤُها، والقِراضُ قَائمٌ"، فإنَّه يَجبُ الاستِبراءُ لِتَجدُّدِ الحِلِّ، وزَوالِ شُبهةِ المِلْكِ.
السببُ الخامسُ:
زَوالُ الشَّكِّ في المُقتضِي لِلْحِلِّ، فإذا اشْتَرى زَوجتَه، ففِي حالِ خِيارِ المَجلسِ للْمُتعاقِدَيْنِ أو خِيارِ الشَّرْطِ لَهُما فإنَّه 3 لا يَجوزُ للزَّوجِ أَنْ يَطأَها في هذا الحالِ، نَصَّ الشافعي في "الأُم" (4) في تَرجمةِ مَن12
يَقعُ عليه الطَّلَاقُ مِن النِّساءِ على ما يَقتضِيه، فقال:
لو أنَّ رَجلًا وُهِبَتْ له امْرأةٌ أو اشتَرَاها أو تُصُدِّقَ بها عليه فلَم يَقبِضِ المَوهوبَ له ولا المتصدَّقَ عليه، ولَمْ يُفارِقِ البيع من مَقامِهما الذي تَبايعَا فيه ولَمْ يُخَيِّرْ أحدُهما صاحبَه بعد البَيعِ، فيختارُ البَيعَ لَمْ يَكُنْ له أَنْ يَطأَ امْرأتَه بالنِّكاحِ؛ لأنَّ 1 له فيها سَببًا بمِلكٍ 2 حتَّى يَرُدَّ المالكُ فتكونَ زَوجتَه بحالِها أو يَقومَ 3 فيَفسَخَ 4 ويكونَ له الوَطءُ بالمِلْكِ.
انتهى.
وفِي "الروضة" 5 تَبَعًا للشرحِ: لو اشْتَرى زَوجتَه بِشَرطِ الخِيارِ فَهَلْ له وَطْؤُها في مُدَّةِ الخِيارِ؛ لأنها مَنكوحةٌ أوْ مَمْلوكةٌ، أَمْ لا؛ للتردُّدِ في حَالِها؟ وَجهانِ، قال البغويُّ: المَنصوصُ أنَّه لا يَحِلُّ.
وذَكرَا في البَيعِ أنَّه ليس له الوَطءُ في زَمنِ الخِيارِ؛ لأنَّه لا يَدرِي أَيَطَأُ بالمِلْكِ أم بالزَّوجيةِ 6.
هذا هو الصَّحيحُ المَنصوصُ، وفِي وَجْهٍ: لَه الوَطْءُ [وما ذَكرَاه مِن التَّوجيهِ ليس بِمُعتمَدٍ؛ لأنَّ التردُّدَ بين حَلالَيْنِ لا يَمنعُ الوَطْءَ] 7 فمَنْ وَجَدَ في فِراشِه امرأةً، وشَكَّ: هلْ هِيَ زَوجتُه أو أَمَتُه مَع قَطْعِه بأنها لا تَخرُجُ
عنهما لا يَمتنِعُ وَطْؤُها، والتَّوجيهُ المُعتمَدُ ما سَبقَ ذِكرُه عن الشافعيِّ رضي اللَّه عنه.
ومُلخَّصُهُ: أنَّه شَكَّ في ارْتِفاعِ النِّكاحِ وفِي حُصولِ المِلْكِ، فامَتنعَ الوَطءُ؛ لأنَّه لَمْ يَتحقَّقْ بَقاءَ النكاحِ ولا وُجودَ المِلْكِ.
ومِنْ ذلك ما إذَا اشْتَرى خُنثَى ثُمَّ بَانَ أُنثَى، فإنَّه يَجِبُ الاستِبراءُ لِوُجودِ الحِلِّ عند ظُهورِ الأُنوثةِ.
السببُ السادسُ:
انتقالُ المَنفعةِ المُوصَى بها إلى الوَارثِ مالكِ (1) الرَّقَبةِ، فإنَّها تَحِل له الآنَ إن (2) كانَت مِمَّنْ يَحبَلُ كان في وَطءِ الوَارثِ (3) الجَاريةَ المَذكورةَ أَوْجه، الأصحُّ ثالثُها: إنْ كانَتْ مِمَّنْ يَحبَلُ فلا يَحِلُّ له وَطْؤُها، وإلا حلَّتْ، وهذا السببُ غريبٌ.
السببُ السابعُ:
زَوالُ الفِراشِ عنْ مُستولَدَتِه أو عن مَوطُوءتِه بمِلكِ اليَمينِ، وهذا السَّببُ لا يَتعلَّقُ بِحِلِّ الوَطءِ للسيِّدِ، وإنما يَظهَرُ أَثرُه في تَزويجِها لِغَيرِ السيِّدِ، ولو كانَتِ المَوطُوءَةُ بمِلْكِ اليَمينِ مُدبَّرةً، فإنَّها تَعتَقُ بِالمَوتِ، فيَجِبُ استِبراؤُها لِتُزَوَّجَ بعدَ 4 السيِّدِ، ولو استَبرأَ المستولَدَةَ ثم أَعْتقَها أو ماتَ عَنْها، فلا تُزَوَّجُ إلَّا بعد الاستِبراءِ؛ لأنَّ فِراشَها يُشبِهُ فِراشَ النِّكاحِ بِخِلافِ الأَمةِ المَوطوءةِ، فإنَّها تُزوَّجُ في الحالِ.
ولَو ولَدَتْ أُمُّ الوَلدِ لَمْ يَنقطِعْ فِراشُها على الأرْجَحِ.123
ولو أَعتَقَ مُستولَدتَه فلَه أَنْ يَتزوَّجَها بِلَا استِبراءٍ على الأصحِّ، وكذا لَو استَبرأَها ثُمَّ أَعتقَها, ولَو أَعتقَ مُستولَدتَه أو ماتَ عنها وهِي مُزوَّجةٌ أو مُعتدَّةٌ فلا استِبراءَ عليها؛ لأنها لَيْسَتْ فِراشًا للسيِّدِ.
ومَتى انْقضَتْ عِدةُ الزَّوجِ، وكان السيِّدُ حيًّا، فإنها تَعودُ فِراشًا للسيِّدِ بِغَيرِ استِبراءٍ على المَذهَبِ، ولو ماتَ عَقِبَ 1 انقِضاءِ عِدَّةِ الزَّوجِ وجبَ الاستِبراءُ على النصِّ، بخِلافِ الأَمَةِ المزوَّجَةِ إذا زالَ حقُّ الزَّوجِ عنها، فإنَّه يَحتاجُ السيِّدُ إلى استِبرائِها على النصِّ في "الأُم" 2.
وفِي "شرح 3 الرَّافعي" الحِكايةُ عن نصِّه في "الأُم" 4، فيما إذا كانتْ 5 أَمَتُه 6 مُعتدَّةً مِن زَوجٍ أنَّه لا يَلزَمُه 7 الاستِبراءُ بعد انقِضاءِ العِدَّةِ، وفيما إذا زَوَّجَ أَمَةً، وطَلَّقَها الزَّوجُ بعد الدُّخولِ: أنَّه يَلزَمُ الاستِبراءُ بعد انقِضاءِ العِدَّةِ.
وفِي "الإملاء" عنْ نَصِّهِ عَكْسُ الجَوابَينِ في الصُّورَتَينِ، فحصَلَتْ في
الصُّورتَينِ قَولانِ مَنصوصانِ.
ولَم يُرجِّحِ الرَّافعي 1 شَيئًا في ذلك.
ولَمْ يَذكُرْ في "الروضة" هذه الحِكايةَ عَن النُّصوصِ 2، ولَمْ أَقِفْ على ما ذَكرَه عن "الأُم".
والذي في "الأُم" 3 في الصُّورتَينِ لُزومُ الاستِبراءِ، وفِي "الروضة" 4 تَبَعًا للشَّرحِ تَرجيحُ وُجوبِ الاستِبراءِ، ونقَلَه البندنيجي عن النَّصِّ فيما ذَكراه، وفِي هذا المَوضعِ زَادتِ الفتنة على المُستولَدةِ.
فعلى هذا يُزادُ سَببٌ ثامنٌ، وهو زَوالُ فِراشِ الزَّوجِ عن الأَمَةِ غيرِ المُستولَدَةِ، فإنَّه يَجِبُ عليها الاستِبراءُ بعد انقِطاعِ عُلْقَةِ الزَّوجِ، ومُضِيِّ مُدَّتِه 5.
والاستِبراءُ في ذَواتِ الأَقْراءِ بقَرءٍ، وهو حَيْضة كاملة على الجَديدِ؛ كذا ذَكرُوه، وليس ذلك في الجَديدِ.
ففِي "مختصَر المُزَنِي" 6: "الِاسْتِبْرَاءُ أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي طَاهِرًا بَعْدَ مِلْكِهَا ثُمَّ تَحِيضُ حَيْضَةً مَعْرُوفَةً فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْهَا فَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ" 7.
[وفِي "الأم" 1: "الِاسْتِبْرَاءُ أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي طَاهِرًا مَا كَانَ الْمُكْثُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَسْتَكْمِلَ حيضةً، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْهَا فَهُوَ اسْتِبْرَاؤُهَا"] 2.
وفي 3 "مختصر المزني" 4: "وَإِنَّمَا قُلْت: طُهْرٌ ثُمَّ 5 حَيْضَةٌ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ بِقَوْلِهِ في ابْنِ عُمَرَ يُطَلِّقُهَا طَاهِرًا [مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ] 6 وَأَمَرَ النَّبِيُّ 7 -صلى اللَّه عليه وسلم- في الإِمَاءِ أَنْ يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ، فَكَانَتْ الْحَيْضةُ الأُولَى أَمَامَهَا طُهْرٌ كَمَا كَانَ الطُّهْرُ أَمَامَهُ حَيْضٌ 8 فَكَانَ قَصْدُ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الِاسْتِبْرَاءِ إلَى الْحَيْضِ وَفِي الْعِدَّةِ إلَى الْأَطْهَارِ".
وفِي "الأُم" 9 نحوُ ما في "المُختصَر" بأَبسطَ منه، وفيه 10: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ زَعَمْت 11 أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ طُهْرٌ ثُمَّ حَيْضَة، وَزَعَمْت في الْعِدَّةِ أَنَّ الْأَقْرَاءَ
الْأَطْهَارُ؟ قُلْنَا لَهُ: بِتَفْرِيقِ الْكِتَابِ ثُمَّ 1 السُّنَّةِ بَيْنَهُمَا، فساق الكلام على ذلك، ثم قال: "كَانَ قَوْلُ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ" يَقْصِدُ قَصْدَ الْحَيْضِ بِالْبَرَاءَةِ، فَأَمَرْنَاهَا أَنْ تَأْتِيَ بِحَيْضٍ، كَمَا أَمَرْنَاهَا 2 إذَا قَصَدَ 3 الْأَطْهَارَ أَنْ تَأْتِيَ بِطُهْرٍ كَامِلٍ".
فهذِه نُصوصُ الجَديدِ، وهِيَ 4 مُخالفةٌ لِما ذَكرُوه.
وقَضيةُ هذه النُّصوصِ أنَّه لو 5 مَلكَ الأَمَةَ آخِرَ الطُّهْرِ بِحيْثُ يَعْقُبُه الحَيْضُ مِن غَيرِ طُهْرٍ سَابقٍ أنَّه لا يُعتدُّ بِهذَا الاستِبراءِ، وقَضيةُ ما ذَكرُوه أنَّه يُعدُّ 6 استِبْرَاءً 7.
والمُعتمَدُ ما ذَكرَه الشافعيُّ رضي اللَّه عنه في نُصوصِه، وحيثُ ذَكرَ الحَيْضةَ فمُرادُه التي يَتقدَّمُها طُهْرٌ، كما صرَّحَ به رضي اللَّه عنه في غَيرِ ذلك، ولَمْ أَقِفْ على نصٍّ يُخالِفُه.
ومَا حَكاهُ الرَّافعيُّ عن "الإملاء" والقَديمِ مِن أنَّ القَرْءَ في الاستِبراءِ الطُّهْرُ، وفرَّعَ عليه أنَّه لو وُجِدَ سَببُ الاستِبراءِ، وهي طَاهِرٌ أنَّه يُكتفَى ببقيةِ 8 الطُّهرِ على وَجْهٍ رَجَّحَه في "البسيط" لَمْ أَقِفْ على هذا النَّصِّ في كَلامِ
الشافعيِّ، وهو مردودٌ بقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حتَّى تَحيضَ حَيضةً" 1. ولا فَرْقَ في الاستِبراءِ الذي ذَكرْناه عن النُّصوصِ بيْنَ المُستولَدةِ وغيرِها.
وأمَّا المُتحيِّرةُ، فلَمْ يَتعرَّضُوا لها في الاستِبراءِ، وتعرَّضُوا لها في العِدَّةِ، وهِي مِن المُشكلاتِ، فإنَّها وإنْ كانَتْ لها 2 حَيضٌ وطُهْرٌ 3 إلَّا أنَّ ذلك غَيرُ مَعلومٍ، فيُنظرُ إلى الزَّمانِ بالاحتِياطِ المُقرَّرِ في عِدَّتِها، فإذا مَضَتْ خَمسةٌ وأرْبعونَ يَومًا، فقَدْ حَصلَ الاستِبراءُ.
وبَيَانُ ذلك أَنْ يُقدَّرَ ابتِداءُ حَيْضِها في أوَّلِ الشَّهرِ مَثَلًا، فلَمْ يُحسَبْ ذلك الحَيضُ، فإذا مَضَتْ خَمسةَ عَشرَ يَومًا طُهْرًا، ثم بعد ذلك خَمْسةَ عَشرَ يومًا فيها حَيضةٌ كامِلةٌ، فقَدْ حَصلَ الاستِبراءُ.
وشَرطُ الاستِبراءِ بالحَيضِ أن لا يكونَ هناك حَمْلٌ، فإن كان هناك حَمْلٌ فلا يَكفِي استِبراؤُها بالحَيضِ، ولو كان الحَملُ مِن الزِّنى على الأصحِّ بِخلافِ العِدةِ.
وأما النِّفاسُ فقد سبق في "آخِر الحَيضِ في فصلِ النِّفاسِ": أنَّه لا يحصلُ به الاستبراءُ؛ لأنه ليس بحَيضٍ، وإذا لم تكنِ المستَبْرَأةُ مِن ذَواتِ الأقْراءِ فاستِبراؤُها بِشَهرٍ؛ نصَّ عليه في "مختصر المزني" وغيرِه في أُمِّ الوَلدِ.
وقال في كتابٍ آخَرَ: إن كانتْ لا تحيضُ لِصِغَرٍ أو كِبَرٍ فثلاثةُ أشهُرٍ أحبُّ
إليْنَا, لأن الحَمْلَ لا يَتبيَّنُ (1) في أقلَّ مِنه (2).
واختارَ هذا جماعةٌ مِن الأصحابِ، مِنهم صاحبُ "المهذَّب" (3).
ويَشهدُ له قولُ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه-: إنَّه أَحَبُّ إليْنَا.
وقال المُزَنِيُّ: الأَشْبَهُ بما قال: إنَّ الشهرَ في الأمَةِ مقامُ الحَيضةِ (4).
وفِي "شرح الرافعي" أنَّه الأصحُّ عند المُعْظَمِ، وفيه نَظرٌ.
ولو قيل: إن كانَتْ كبيرةً لَمْ تَحضْ أو آيسةً فاستِبراؤُها بِثلاثةِ أشهُرٍ، وإن كانتْ صغيرةً يَستحيلُ عادةً أَنْ تَحبَلَ، فيُكتفَى فيها بِشَهرٍ لَكانَ له وجْهٌ.
وقولُ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه- "لأنَّ الحَملَ لا يتبيَّنُ (5) في أقَلَّ مِن ثلاثةِ أشهُرٍ" (6)؛ يُشيرُ إلى [ما] (7) قرَّرْناهُ، ولَمْ نرَ مَنْ قال به.
والفَتوى بما أَحبَّه الشافعيُّ أَحوَطُ.
وأما الحامِلُ:
فاستِبراؤُها بوَضعِ الحَملِ بِتَمامِه للحديثِ السابقِ.
ولو كان الحملُ مِن الزِّنى، فإنَّه يحصُلُ بوَضعِه الاستبراءُ لِعُمومِ الخَبر عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.1234567
وإذا مَلَكَها مَنْ صارتْ إليه مِن شَريكَيْنِ كانَا يطئانها، فإنَّه يَجِبُ استِبراءان على ما صحَّحه في "الروضة" 1 تبَعًا للشرحِ قُبَيلَ البابِ الثالثِ في عِدَّةِ الوَفاةِ.
وذَكرَا قُبَيْلَ الكَلامِ على وَطءِ المُستبرَأةِ أو الاستِمْتاعِ بها 2 أنَّه لو اشْتراها مِن شَريكَيْنِ ووَطئاها في طُهْرٍ واحدٍ، فهَلْ يَكفِي استِبراءٌ واحِدٌ لِحُصولِ البَراءةِ، أمْ يَجِبُ استِبراءانِ كالعِدَّتَينِ 3 مِن شَخصَينِ؟ وَجهانِ.
ويَجريانِ فيما لَو وَطئاها وأرادا 4 تَزويجَها هلْ يَكفِي استِبراءٌ أم 5 يَجبُ استِبراءانِ 6؟ ولَمْ يُصحِّحَا شَيئًا مِنَ الوَجهَينِ، وقدْ صَحَّحَا المَنْعَ في ذلك كما سَبقَ، وتَقيِيدُ وَطْئِهما بطُهرٍ واحدٍ، فيه نَظرٌ.
ومَحلُّ الخِلافِ في غَيرِ المَسبِيَّةِ، فأمَّا المَسبِيَّةُ فلا يَتعدَّدُ فيها الاستِبراءُ مُطْلقًا لإطلاقِ الخَبرِ السابقِ.
ولَو مَضَى زَمنُ الاستِبراءِ بأنْوَاعِه بعد المِلْكِ وقَبْلَ القَبضِ فهو مَحسوبٌ إن مُلِك بإِرثٍ، وإنْ مُلِك بِهِبةٍ فَلَا، كذا في "المنهاج" 7 و"الروضة" 8 تَبَعًا للشَّرحِ، وهو مُتعقَّبٌ، فإن المِلْكَ في الهِبَةِ لا يَحصُلُ إلَّا بالقَبضِ على
الجديد، وإن مُلِكَ بالشِّراءِ اعْتُدَّ به على الأصحِّ، كذا 1 في "المنهاج" 2.
ومحلُّه ما إذا لَمْ يَكنْ هُناكَ خِيارُ مَجلسٍ ولا شرطٍ، فإن كان هناك خيارُ مَجلسٍ، فلا يُعتَدُّ بهذا الاستِبراءِ، نَصَّ عليه في "الأُم" 3، فقال:
ولو اشتَراها فلَمْ يَقبِضْها, ولمْ يَتفرقَا حتَّى وَلدَتْ في يَديه 4 البائعِ، ثم قَبضَها, لم يكُنْ له وَطؤُها حتَّى تَطهُرَ مِن نِفاسِها، ثم تَحيضَ في يَدِه 5 حَيضةً مُستقبَلةً 6، مِنْ قِبَلِ أنَّ البَيعَ إنما تَمَّ له حين لَمْ يَكنْ لِلْبائعِ فيها 7 خِيارٌ بأن يَتفرقَا عنْ مَقامِهما الذي تَبايَعَا فيه.
وفِي "مختصر المزني" 8 نحوُ ذلك.
وأمَّا خيارُ الشَّرطِ، [ففِي "الروضة" 9: "لَوْ وَقَعَ الْحَمْلُ أَوِ الْحَيْضُ في زَمَنِ خِيَارِ الشَّرْطِ] 10 في الشِّرَاءِ، فَإِنْ 11 قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، لَمْ يَحْصُلِ
الِاسْتِبْرَاءُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي، لَمْ يَحْصُلْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ".
ولَمْ يَتعرضْ لِما إذا شُرِطَ الخيارُ للْمُشترِي وحدَه.
وفِي "الأُم" 1: "لَوْ اشْتراهَا وَقَبَضَهَا، وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ الْخِيَارَ ثَلَاثًا ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ الثَّلَاثِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْبَيع كَانَتْ تِلْكَ الْحَيْضةُ اسْتِبْرَاءً".
وصوَّرَ الشافعيُّ ذلك بأن يقبِضَها المُشترِي، والكَلامُ السابقُ فيما قَبْلَ القَبضِ.
ويَحرُمُ الاستمتاعُ بالمُستَبْرَأةِ بالوَطءِ وغَيرِه إلَّا في المَسْبِيَّة فيحِلُّ غيرُ الوَطءِ؛ كذا صحَّحَه في "المنهاج" 2 و"الروضة" 3 تَبَعًا للشرحِ.
وهو خِلافُ نَصِّ الشافعيِّ رضي اللَّه عنه الذي نقلَهُ ابنُ بِشرِي عن "كتاب السير"، ولَفْظُه: وإذَا اشْتَرى مِن المَغنَمِ جَاريةً أو وَقعت 4 في سَهْمِه لَمْ يُقَبِّلْها ولَمْ يتَلذَّذْ منها حتَّى يَستَبْرِئَهَا.
وفِي نُصوصِه غَير هذا إطلاقُ مَنع الاستِمتاعِ لِلْمَمْلوكةِ حتَّى يَستبرِئَها، [ولَمْ يَستثْنِ] 5 مسبيَّةً ولا غيرَها.
واستَثْنَى المَاورْديُّ مِنْ ذلك الحامِلَ مِنَ الزِّنى، فحكَى [فيها، وفِي المَسبيَّةِ وَجهَيْنِ، ثانِيهما: لا يَحرُمُ، ولَمْ يُرجِّحِ الماورْدِيُّ] 6 في ذلك شَيْئًا 7.
ووجَّه الشافعيُّ المنعَ من قِبَلِ أنه قد يَظهَرُ بِها 1 حَمْلٌ مِن بائِعِها، فيكونُ قد نَظرَ مُتلذِّذًا، أو تَلذَّذَ بِأكثرَ 2 مِنَ النَّظرِ مِنْ أُمِّ وَلدِ 3 غَيرِه، وذلك مَحظورٌ عليه.
وفِي "المختصر" نحوُ ذلك.
وهو يَعُمُّ المَسبيَّةَ وغيرَها كما تقدَّمَ، مَعَ أنَّ المَسبيَّةَ قدْ يَظهرُ أنها أمُّ ولدٍ لِمُسلِمٍ فيظهَرُ أنَّه لا مِلْكَ للسَّابِي 4 عليها.
وكأنهم لَمْ يلتَفِتُوا إلى ذلك لِنُدورِه، مع أنَّ النُّدرةَ فِي هذا البابِ لَمْ يَلتفِتِ الشافعيُّ إليها.
ويَلزَمُ على الجَوازِ أنَّه لو اشترَى صَبيَّةً أو مِنْ صَبيٍّ أو امْرأةٍ بِحَيثُ 5 يَستحيلُ ظُهورُ أنها مُستولَدةٌ لِأحدٍ أنَّه لا يَحرُمُ الاستِمتاعُ فيها بِغَيرِ الوَطءِ ولَمْ أَرَ مَن ذَكَرَهُ.
وإذا قالتِ المُستَبْرَأةُ: "حِضْتُ"، صُدِّقَتْ؛ كذا في "الروضة" 6 و"المنهاج" 7، وظاهرُهُ غيرُ مَعمولٍ به، فإنَّها لا تُصَدَّقُ مُطْلَقًا، حتَّى لو اختَلفَ البَائعُ والمُشتَرِي في وُجودِ حَيْضِها وعَدمِه، فإنَّها لا تُصَدَّقُ على
واحدٍ مِنْهُما.
والذي في "شرح الرافعي" 1: "اعتَمَدَ قولَهَا؛ يعني: السيِّدَ؛ فإنَّ ذلك لا يُعلَمُ إلَّا مِنها" 2.
وما ذَكرَه مِن أنَّه لا يُعلَمُ إلَّا منها مَمْنوعٌ، فإنَّ إقامةَ البيِّنةِ على الحَيضِ مَسموعةٌ.
ومُرادُهُ بِقَولِه: "اعتَمَدَ" أنَّه يَجُوزُ للسيِّدِ أن يَعتمِدَ قولَها، ومحلُّ ذلك ما 3 إذا لَمْ يَظهَرْ منها ما يمنعُ مِن الثِّقةِ بِقَولِها.
وفِي "الروضة" تَبَعًا للشَّرحِ: "لا تُحلَّفُ"، زاد في "الشرح": فإنَّها لَو نكلَتْ لَمْ يَقْدِرِ السيِّدُ على الحَلِفِ 4.
وما ذَكرَهُ مِن عَدمِ القُدرَةِ على الحَلِفِ مَمنوعٌ.
فإنْ 5 تعلَّق بأنَّ النُّكولَ واليمينَ المردودةَ من تعلُّقاتِ الخصوماتِ عند الحاكِمِ.
قلنا: هذا وجهٌ، وقضيةُ مقابلةِ القدرةِ على ذلك، وقد رُجِّح ذلك وسيأتي.
ولَو أَرادَ السيِّدُ أَنْ يَطأَهَا فامتَنعَتْ، فقال السيدُ: "أَخبَرتْنِي بِتَمامِ 1 الاستِبراءِ" فإنَّه يُصدَّقُ السيِّدُ؛ كذا في "المنهاج" 2 و"الروضة" 3 تَبَعًا للشرحِ، وهو كلامٌ لا معْنى له فإنَّه لا مُحاكَمةَ عند حَاكمٍ حتَّى يُقالَ: "صدق".
واللائِقُ أَنْ يقال: عَمَلُ السيِّدِ بما أَخبَرتْه، وفيه وَجْه: أنَّه لا يُعمل به.
وهلْ لَها تَحليفُه؟ فيه وجهانِ، حقيقتُهُما أنَّه هَلْ لِلأَمَةِ المُخاصَمةُ في ذلك والارْتِفاعُ إلى الحَاكِم فيه الخِلافُ.
وكذا لو قالتْ "وطِئَنِي أبُوكَ، فأنَا حَرامٌ علَيكِ"، وأنكَرَ 4 هو ذلك؛ زاد في "الروضة" 5: الأصحُّ أنَّ لها التَّحليفَ في الصُّورَتَيْنِ، وعليها الامتناعُ إذا تيقَّنَتْ بقاءَ شيءٍ مِن الاستِبراءِ، ولا تَصيرُ الأَمَةُ فِراشًا إلَّا بالوَطْءِ الذي عُرِفَ بإِقْرارِه أو ببَيِّنةٍ 6، فإذا وَلَدتْ [لزِمَن الإمكان] 7 مِن وَطْئِهِ، فإنَّه يلحقُهُ إلَّا أَنْ يَدعيَ الاستِبراءَ ويحلَّفُ على نفْي الوَلدِ.
وإذا وَلدتْ بعْدَ الاستِبراءِ لِدُونِ الإمكانِ فإنَّه يَلحَقُه، ويُلغى الاستِبراءُ،
ولا يُنْفى باللِّعانِ، خِلافًا لِمَا صحَّحه المُتولِّي، وهو عَجيبٌ.
وإذا ادّعتِ الوطْءَ وأُمِّيةَ الولدِ، وأَنْكرَ السيِّدُ الوَطْءَ، ففِي "الروضة" 1 و"المنهاج" 2: إنْ كان هناك وَلَدٌ لَم يُحَلَّفْ على الصَّحيحِ، زاد في "الروضة" 3 تَبَعًا للشرحِ: وإنْ لَم يَكنْ هُناكَ وَلَدٌ لَمْ يُحَلَّفْ، بِلَا خِلافٍ.
وهذا لا يُعرَفُ في الطَّريقَيْنِ، وهو مَحْكيٌّ عن القفَّالِ ومَن تبِعَهُ، وهو مُخالِفٌ لِمَا عُلِمَ مِن قاعدةِ الشَّرعِ في الدَّعوى، وهو مَردودٌ لا يُعمَلُ به.
ولو قال: "كنتُ أطأُ وأعزِلُ" فلا يَندفِعُ به نَسَبُ الوَلدِ على النصِّ، ومحِلُّ الخِلافِ فيما إذا كان الوَطءُ في القُبُلِ، فأما إذا كانَ في الدُّبُرِ، فإنَّه لا يلحقُ الولدُ قَطْعًا, ولَم أَرَ مَنْ تعرَّضَ لِذلك، واللَّه أعلمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ