التدريب في الفقه الشافعيكتابُ العتق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هو لغةً: رفعُ رقٍّ أو أسرٍ أو عقابٍ، وقد يستعملُ للكرمِ والجمالِ وصلاحِ المالِ والسبقِ، يقال: عَتَقَتْ فرسُ فلان، إذا سبقتْ.
ويقالُ: عتق يعتقُ بكسرِ التاءِ، وأعتقه مالكُه.
وشرعًا: زوالُ الرِّقِ الحقيقيِّ عن ملكِ الآدميينِ بغيرِ الوقفِ.
قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، وقال في الكفَّارَةِ ﴿فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
وصحَّ العتقُ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من فعلِهِ وقولِهِ في أحاديثَ كثيرةٍ، منها في "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي اللَّهُ عنهُ، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن أعتقَ رقبةً مؤمنةً أعتقَ اللَّهُ بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منهُ من النارِ حتَّى فرجَهُ بفرجِهِ" 1.

الجزء: 4 - الصفحة: 419

والإجماعُ على مشروعيتِه، وأنَّهُ قربةٌ (1).

يعتبَرُ في المعتقِ أمورٌ:

أحدُها: أن يكونَ مالكًا، أو وكَّلَهُ المالكُ في ذلك، إلَّا في محلينِ: أحدهما: الإمامُ فيما يُعتقه من رقيقِ بيتِ المالِ للمصلحةِ، فإنَّه يصحُّ.
الثاني: الوليُّ يعتقُ عبدَ محجورِهِ المجنون، أو الصبيَّ الذي لا يميزُ عنْ كفَّارَةِ القتلِ، وكذا الظهارِ ووقاعِ رمضانَ.
من بالغٍ جُنَّ بعد أَنْ لزمتْهُ كفَّارَةُ الظِّهارِ، وما وقعَ في الرّافعِي و"الروضة" 3 في الصداقِ مما يخالفُ ذلكَ في الصَّبيِّ ليسَ بمعتمدٍ.
ولا يعتقُ عبدُ السَّفيهِ أصلًا، ولا في الكفَّارَةِ على ما صحح، وحكي عنِ النصِّ في اليمينِ والظِّهارِ تنزيلًا له منزلةَ المعسرِ بالنسبةِ إلى عبارتِهِ، فيكفِّر السفيهُ الصوم، وقياسُه أن يأتيَ هذا في الصبيِّ المميز، ولم يذكروه.
يستثنى من ذلكَ موضعانِ: أحدُهما: ما لزمَ الرشيدَ من العتقِ بكفَّارَةٍ أو نذرٍ، ثمَّ حجرَ عليه بالسَّفَهِ، فإنَّه يعتقُ عنهُ وليهُ ما لزمَهُ.
الثانِي: لو ماتَ مَن عليه عتقٌ وانتقلتْ تركتُهُ لصبي مميزٍ، أو سفيهٍ، والوليُّ على الوارثِ هو وصيُّ الميتِ، فإن كان وصيُّ الميتِ غيرَ وصيِّ الوارثِ فوصى الميتُ يعتقُ من التركَةِ أقل ما يجزئ، وفي اعتبار موافقة ولي الوارثِ ترددٌ، وإذا لم نعتبره، وهو الأرجحُ خرجَ من ذلك أنَّه يعتقُ عبدَ المحجورِ عليه غيرُ وليه، وهو غريبٌ.2

الجزء: 4 - الصفحة: 420

الأمرُ الثاني: أن يكونَ المالكُ أهلًا للولاءِ، فلا يصحُّ إعتاقُ المبعَّضِ عبده الذي ملكَه ببعضه الحر، ولا المكاتب رقيقَهُ، ولو أذن سيدُه على المذهبِ فيهما.
الأمرُ الثالثُ: أن يكونَ المالكُ مطلقَ التصرُّفِ فيما يعتقُهُ، فلا يصحُّ إعتاقُ صبيٍّ، ولا مجنونٍ، ولا سفيهٍ، إلَّا إذا أذنَ وليُّ السفيهِ لهُ في عتقِ ما لزمه، فيصحُّ على الأرجحِ.
قاله شيخُنا تخريجًا، بخلافِ البيعِ.


ولو قالَ السفيهُ لرشيدٍ: أعتق عبدَكَ عنِّي مجانًا 4، أو عن كفَّارتِي مجانًا، فأعتقَهُ عنهُ، ولا ضررَ يلحقُ مالَ السفيهِ نفذ بناءً على صحَّةِ قبولِهِ الهبةَ.
وهو الأصحُّ.
ولو قالَ وليُّه ذلك صحَّ، وكذا ولي غير السَّفيهِ.
وإعتاقُ المفلسِ باطلٌ، وكذا إعتاقُ المعسرِ المرهونِ المقبوضِ بغيرِ المرتهنِ، ولا يصحُّ إعتاقُ المعسرِ مَن تعلَّقَتِ الجنايةُ برقبتِهِ بغير إذنِ المجني عليه، ولا إعتاقُه رقيقَ المأذونِ المديونِ بغيرِ إذنِهِ وإذنِ الغرماءِ، وإعتاقُ المرتدِّ موقوفٌ كملكِه، وكذا إعتاقُ المشتري في زمنِ الخيارِ لهما، فإن كانَ الخيارُ له وحدَهُ نفذ.
وينفذُ إعتاقُ البائعِ في الخيارِ مطلقًا، ومما يوقفُ عتقُ من توقف في ملكه، فبان ملكُهُ ولو في الغنيمة، فإذا اختارَ التملكَ، ثم أعتق ثم وقع في سهمه نفذ؛ وفاقًا للبغويِّ وغيره، خلافًا للماورديِّ في عدم نفاذه.
وكلُّ رقيقٍ يمكن أن يعتق إلَّا واحدًا، وهو الموقوفُ، فإنَّه لا يمكن عتقه أبدًا، ولا يتعلَّقُ، وتدبيرُ سابقينِ على الوقفِ على الأصحِّ المعتمدِ خلافًا لما

الجزء: 4 - الصفحة: 421

وقع في "الشرحِ" و"الروضة" تبعًا للبغوي.
فإنْ بِيعَ الرقيقُ الموقوف بطريقٍ معتبرٍ، أمكنَ عتقُهُ.
وللعتقِ الاختياري صرائحُ وكناياتٌ 5، ولا يتغيَّرُ الحكمُ بلحنٍ في تذكيرٍ وتأنيثٍ وغيرهما، فالصرائحُ ثلاثةٌ: أحدُها: ما تصرَّف من التحرير نحو: حررتكُ، وأنت حرٌّ، أو: محرَّرٌ، أو: يا حرُّ، لا للمسمى به الآن أو قبلَ الرِّقِّ إذا قصد نداءه باسمهِ القديمِ على الأصحِّ 6. ومثله للأنثى إلَّا في قوله لمزاحمة لا يعرفها: تأخري يا حرَّة.
الثاني.
ما تصرَّفَ من الإعتاقِ، نحو: أعتقتُكَ، أو: أنت عتيقٌ، أو: معتق، أو: يا عتيقٌ، لا للمسمّى به كما سبقَ.
الثالثُ: على الأصحِّ: فككتُ رقبتكَ، أو: أنتَ مفكوكُ الرقبةِ.
وأمَّا الكناياتُ: فلا سلطانَ، أو: لا سبيل، أو: لا يد، أو: لا أمر، أو: لا خدمةَ لي عليك.
وأزلتُ ملكي عنك، وأنت للَّهِ، وأنتِ سائبةٌ، وملكتك نفسك، لا على قصدِ التمليكِ، وأنت مولاي، ويا مولاي، وأما قوله: يا سيدي، فلغوٌ وفاقًا للقاضي الحسين والغزالي، خلافًا للإمام؛ لأنَّه إخبارٌ بغيرِ الواقعِ، أو خطابٌ بلطفٍ، ولا إشعارَ له بالعتقِ.
وصرائحُ الطلاقِ وكناياتُهُ كنايةٌ في العتقِ للعبدِ والأمةِ 7، وكذا: "حرمتُكِ"، وتختصُّ الأمةُ بـ: "استبرئي رحمك"، أو: "اعتدِّي"، إن كانَ

الجزء: 4 - الصفحة: 422

عتقُها يوجبُ الاستبراءَ، خلافًا لما صحَّحوهُ من أنَّه كنايةٌ في غيرِ الموطوءَةِ.
ويستثنَى من كناياتِ الطلاقِ: "أنَا منك طالقٌ" أو: "بائنٌ" ونحوهُما، فإنَّه لا يكونُ كنايةً لعبدٍ ولا أمةٍ، كما لو قال: "أنا منك حرٌّ"، أو: "أعتقتُ نفسي منك"، فإنَّه لا يكونُ كنايةً في الأصحِّ.
وأمَّا قولُهُ للأمَةِ: أنت عليِّ كظهرِ أُمِّي، فليس بكنايةٍ -على المعتمدِ- خلافًا لما صحَّحهُ في "الشرحِ" و"الروضة"، لأنَّه لا يقتضي تحريمًا بمجردِهِ في الزوجَةِ، حتى يعودَ فيقتضِي التحريمَ إلى إخراجِ الكفَّارَةِ، وهو لغوٌ في الأمَةِ، فلا يكونُ كنايةً لعبد إشعارُهُ بالعتقِ.


ويصحُّ تعليقُ العتقِ بالصفاتِ (1) ممن يصحُّ منهُ التنجيزُ إلَّا من وكَّلَ بالتنجيزِ، ومن دخلَ في إعتاقِ عبدِ المحجورِ فيما سبقَ فإنَّه لا يعلقه تعليقًا بعيدًا قد يفوت به المقصودُ، وأما القريبُ فينبغي أن لا يفعلَهُ الموجِّهُ المرجوحُ المانعُ من حصول الكفَّارَةِ بذلك، فإنْ فعلَهُ، ففي صحتِهِ على الراجِحِ ترددٌ، والأرجحُ الصحَّةُ.
قال شيخُنا: قلتُ ذلك كلَّه تخريجًا.
وإذا زالَ الملكُ عنِ المعلَّقِ عتقُهُ ثم عادَ لم تعدِ الصفةُ على الأصحِّ.

وللعتقِ خاصيتانِ

(2):

(1) إحداهُما:

السِّرايةُ إلى الأشقاصِ التي لا يملكها المعتقِ بشروطها، ولا سراية في الأشخاصِ، فلو أعتقَ الحملَ بعد نفخ الرُّوح فيه لم تعتقِ الأمُّ،89

الجزء: 4 - الصفحة: 423

خلافًا لأبي إسحاق، ولو أعتق الأمَّ والحمل ملكه عتقًا، ولو استثنى الحمل عتق أيضًا (1).

(2) الخاصيةُ الثانية: الولاءُ.

وأما حصولُ العتقِ بملكِ شيءٍ من الأصولِ أوِ الفروعِ بشرطِهِ، فذاكَ من خاصيته الأصليةِ والفرعيةِ.
وأمَّا القرعةُ فإنها لا تختصُّ بالعتقِ، وكذلكَ امتناعُ العتقِ بالمرضِ (2).


ومن ينفذُ إعتاقُه في كل العبدِ إذا أعتق بعضه عتق كلُّهُ، إلَّا في أربعِ صورٍ:

10 إحداها: ما يعتقه الإمامُ من بعضِ رقيقِ بيتِ المالِ، فإنَّه يقتصرُ عليه قالَهُ شيخُنا تخريجًا.
11 الثانيةُ: إذا أعتقَ الوكيلُ حصَّةً من العبدِ الموكلِ في إعتاقِهِ كلِّهِ، فإنه يقتصرُ العتقُ على ما أعتقَهُ على ما صححوهُ، والصوابُ كما قالَ شيخُنا أنَّه يعتقُ كلُّه، وفيه وجهٌ أنَّه لا يعتقُ منه شيءٌ للمخالفةِ، وهو أقوَى مما صحَّحوهُ، وينبغي أَنْ يكونَ ما صحَّحوهُ مقيدًا بغيرِ المأمورِ بإعتاقِهِ عن كفَّارَتِهِ، فإنَّه يمتنعُ ما صحَّحوهُ فيه.
(3) الثالثةُ: إذا قالَ لوارثِهِ: أعتقْ نصفَ هذا العبدِ بعدَ موتي، فإنَّ الوارثَ يملكُ إعتاق كلِّه، فلو أعتقَ ما أوصي به.
لم يعتِق نصيبه، ولو أعتقَ نصيبَهُ لم يسر إلى ما أوصَى بإعتاقِه.
(4) الرابعةُ: وكيل من شريكين بعشرين بإعتاقِ عبدٍ يصحُّ أن يعتقَ نصيبَ

الجزء: 4 - الصفحة: 424

أحدِهما، ولا يعتقَ كلَّهُ.

ويتصور عتقُ بعض عبدهِ الخالصِ له في ستِّ صورٍ:

مرهونٌ بعضُهُ مقبوض، والراهنُ معسِرٌ، فأعتقَ الذي ليس بمرهونٍ، أو أعتقَ من المرهونِ بعضًا هو موسرٌ بقيمته دون غيرِه، أو أعتقَهُ كلَّهُ، وهو موسرٌ بقيمةِ بعضِهِ، وكذلكَ في العبدِ الذي تعلَّقتِ الجنايةُ برقبتِه، ولو كانَ بين شريكينِ، ففدَى أحدُهما نصيبُهُ، ثم اشتراهُ منهُ الذي لم يفدِ فأعتقَ ما فداه، وهو معسرٌ بقيمةِ الباقِي، فإنَّه يعتق الذي اشتراه، وقد يكونُ موسرًا ببعضِ ما رهنهُ، أو لم يفده، فيعتقُ ذلك القدر، والتبعيضُ حاصلٌ 12. وإن أذنَ المرتهنُ أو المجني عليه للمالكِ المعسرِ في إعتاقِ بعضٍ، فأعتقهُ لم يتعدَّ إلى غيرِهِ، على الأرجحِ.
والمريضُ مرضَ الموتِ إذا أعتقَ من عبدهِ ما يشمله الثُّلث، ثم ماتَ لم يعتقْ إلَّا ذلكَ القدرُ، ومن ينفُذُ عتقهُ في كلِّه أو بعضِهِ إذا أعتقَ منه يدًا ونحوها مما يقعُ به الطلاقُ فإنَّه يعتقُ من الرقيقِ ما ينفَذُ منه بالنسبةِ إلى الكلِّ أو الجزْءِ.
وأمَّا السرايةُ، فإنها تثبتُ في المشتركِ إذا عَتَقَ المستحقُّ نصيبَهُ أو بعضَ نصيبِهِ منفردًا، أو معَ إعتاقِ نصيب شريكِهِ، أو بعضه بنفسه أو بوكيلِهِ، فإنَّه يسري إلى نصيبِ الشَّريكِ، وقياس ما سبقَ في الوكيل: أنَّه لو وكَّل وكيلًا بإعتاقِ نصيبه، فأعتقَ الوكيلُ بعضَ نصيبِهِ؛ أنَّه يعتقُ ما أعتقه الوكيلُ، ويسرِي إلى نصيبِ الشَّريكِ، ولا يعتقُ بقيةَ نصيبِ الموكل، وهو كما قالَ شيخُنا خرقٌ عظيمٌ، وبه يتبينُ بطلانُ ما صحَّحوه.

الجزء: 4 - الصفحة: 425

* وللسرايةِ شروطٌ

(1):

(1) أحدُها:

يسارُ الشريكِ المعتق بقيمة نصيب من لم تعتق لتدفع ذلك الشريكة إلَّا في أربعِ صورٍ:

  • إحداها: إذا كانَ الشريكُ الذي أعتقَ هو بائعُ نصيبِ شريكِهِ، ولم يحصُلْ فيه القبضُ المعتبرُ، فإنَّه يسرِي إليهِ، وينفسخُ البيعُ على المذهبِ، ويسقطُ الثمنُ إن كانَ في ذمَّةِ المشتري أو يرده إليه إن كانَ مقبوضًا أو بدله عند تعذُّرِه، ولا يغرمُ له القيمة، وفي اعتبارِ اليسارِ بالقيمة أو بالثمنِ ترددٌ من جهةِ النظرِ إلى الأصلِ، أو المردود، والأرجحُ الثانِي.
    ويقاسُ بهذا كلُّ عقدِ معاوضَةٍ جَرَى فيهِ نظيرُ هذا.
  • الصورةُ الثانيةُ: أعتقَ البائعُ نصيبَهُ بعدَ أن قبضَ المشتري المبيعَ، وكانَ الخيارُ لهما، فالحكمُ فيه كالحكمِ فيما قبل القبضِ.
  • الصُّورَةِ الثالثةُ: إذا وهبَ من فرعِه بعض عبدٍ وقبضَهُ ثم أعتقَ الأصلُ نصيبَهُ، فإنَّهُ يسري إلى نصيبِ الفرعِ، بشرطِ اليسارِ، ثم يكونُ راجعًا ولا يغرمُ له شيئًا على الأرجحِ.
    قالَهُ شيخُنا تخريجًا؛ مما لو أعتق الأصلُ ما وهبَهُ لفرعِهِ، فإنَّه راجعٌ مع صحة العتقِ على وجهٍ، أو راجعٌ ولا عتقَ، أو لا عتقَ ولا رجوعَ، وصحَّحَ هذا.
    ولا يأتي فيما نحنُ فيهِ لصحَّةِ السرايةِ قطعًا، فتعيَّنَ أَنْ يكونَ راجعًا وليسَ كالإتلافِ الحسيِّ، لعدمِ دخُولِهِ في ملكِ المتلفِ، بخلافِ السرايةِ.
    ولو وجَّه الواهبُ عتقه للجميعِ عُتِقَ نصيبُ نفسِهِ، ثم إنْ قُلنا يصحُّ13

الجزء: 4 - الصفحة: 426

رجوعُهُ ويعتقُ، لم يشترطْ يسارٌ، وإن قلنا: يصحُّ رجوعُهُ ولا يعتقُ عتقَ هُنا، وفيه وقفةٌ.
وإن قُلنا: لا يصحُّ فكالتي قبلها.

  • الصُّورةُ الرابعةُ: أعتقَ بائعُ المفلسِ نصيبَهُ، فإنّه يسرِي إلى الباقي الذي يرجعُ فيه بشرطِ يسارِهِ، ولا يغرمُ، قالَهُ شيخُنا تخريجًا، ومادَّتُهُ ما تقدَّمَ، وفيه ما تقدَّمَ فيما إذا أعتقَ الجميعَ، ولو أيسرَ الشريكُ ببعضِ قيمةِ نصيبِ شريكِهِ سرى بقدرِ يسارِهِ على النصِّ المعتمدِ في "الأمِّ"، ومحلُّ الخلافَ ما لم يكن معه شريكٌ آخر أعتقَ نصيبَهُ وهو موسِر بما بقي زائدًا على مقتضى التوزيعِ.
    فإنْ كانَ سرى عليهما بقدرِ يسارِهما إلى الكلِّ قطعًا؛ قالَهُ شيخُنا تخريجًا.
    ومعنى اليسارِ: أن يملكَ ما يصرفهُ في ذلكَ غير متعلِّق به رهنٌ بمؤجَّلٍ، فإن كان بحال أو مالكٍ لجانٍ تعلَّقَ الأرشُ برقبتِهِ، ويفضل فيهما فضلةً بيعًا، وصرفتِ الفضلةُ في السرايةِ.
    قالهُ شيخُنا تخريجًا.
    ولا يمنعُ من يسارِهِ دينٌ عليه، كما لا يمنعُ الزكاةَ، وإذا ملكَ المفلسُ شقصًا من قريبه بالاختيارِ عُتِق عليه، ويسري إلى الكُلِّ، ويصرف له ما تقتضيه المضاربةُ.
    قاله شيخنا تخريجًا من جزمِهِم بيسارِهِ في نفقةِ القريبِ، وكذا في نفقةِ الزَّوجَةِ على الأقيسِ.
    ويباع في المغرومِ في السِّرايةِ ما يُباعُ في الدين من مسكنٍ، وخادمٍ، وما فضلُ عن ثيابِ لبسه المحتاج إليها، وقوته وقوت من تلزمه نفقتُهُ ذلك اليومِ، وعن سُكنى نومِه ولا تصرف فيها الأجرةُ المستقبلةُ من موقوفِه ومستولدتِهِ، لعدَمِ اليسارِ بها حالَ العتقِ.
    ويعتبرُ اليسارُ حالةَ الإعتاقِ، ولا أثرَ لما يطرأُ من اليسارِ بعد ذلكَ قطعًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 427

* وإن كانَ في وقت السِّرايَةِ ثلاثة أقوالٍ:

الأظهرُ: أنها تثبتُ بنفس الإعتاقِ.
والثاني: بأداءِ القيمةِ.
والثالث: موقوفٌ، فإن أدَّى تبيَّنَّا حصولَ العتقِ باللفظِ، وإن ماتَ تبيَّنَّا أنَّه لا سرايةَ؛ لأنَّ اليسارَ شرطُ التقويمِ، والشرطُ يسبقُ على مشروطِهِ الفعليِّ بلا خلافٍ، بخلافِ الشرطِ للمعنويِّ.
والتقويمُ يترتَّبُ عليه الإعطاءُ والسِّرايةُ، فتردد النظرُ في وقتها وتعتبر قيمة محلِّ السرايةِ وقت الإعتاقِ على الأقوال والتحقيقِ عندَ العتقِ الذي به التلفُ، وعلى هذا يرجح على قولِ الأداءِ تعتبر قيمتُه وقت الأداء.
والمريضُ معسرٌ إلَّا في الثلثِ، والذي قالَهُ شيخُنا أنَّ المريضَ موسرٌ بمالِهِ كلِّه للسرايةِ والتقويمِ، فإنْ صحَّ لزمَ ما جرَى وإن ماتَ نُظِرَ في الثلثِ عند الموتِ.
ومنهُ الزيادةُ الحادثَةُ، فإن خرجَ مالُ السِّراية من الثلثِ نفذ، وإلَّا تبيَّن ردُّ الزائدِ وفَارَقَ المفلس لتعلُّق حقِّ الورثةِ بالأعيانِ خاصَّةً في الثُّلثينِ، ولم يذكروا هنا الإجارَةَ؛ لأنَّ السرايةَ قهريةٌ، والميتُ معسِر، فلا سرايةَ عليه، إلَّا في أربعِ صورٍ:

  • إحداها: إذا أوصَى بالتكميلِ، فإنَّه يصيرُ موسرًا في الثلثِ على المعتمدِ.
  • الثانيةُ: إذا أوصى الإنسانُ بشقصٍ ممن يعتقُ عليه فماتَ الموصى له بعدَ موتِ الموصِي، وقبلَ القبولِ، فقيل: الوصيةُ لوارِثِهِ 14، فإنَّه يعتقُ ويسري

الجزء: 4 - الصفحة: 428

من الثلثِ، كذا جزموا بِهِ هنا، والتحقيقُ أنَّه إن كانَ الموصَى له حالة موت الموصي صحيحًا، فإنَّه يسري من رأسِ المالِ، وإن كانَ مريضًا مرضَ الموتِ فمن الموتِ؛ لأنَّه تبيَّنَ بقبولِ وارثِهِ أنَّه ملكَهُ بموتِ الموصي على أصحِّ الأقوالِ.

  • الثالثةُ: أوصَى لشخصٍ بأن يعتقَ عليهِ، فماتَ بعدَ موتِ الموصِي وقبل القبولِ، عن ابنينِ، فقبلَ أحدُهما الوصيةَ، فإنَّه يصحُّ قبولُهُ في النصفِ، ويعتقُ النصفُ على الميتِ، ويسري في نصيبِ القائلِ، ولا اعتبارَ بيسارِهِ من نفسه، كذا ذكرَهُ ابنُ الحدادِ، وهو المعتمدُ عندهم.
    والتحقيقُ أنَّه إن كانَ الموصَى له صحيحًا عندَ موتِ الموصِي فالأمرُ كما قالوه، وإن كان مريضًا مرضَ الموتِ فإنَّما يسرِي في ثلثِ نصيبِ مَن قبلَ، كما تقدَّم في التي قبلها.
  • الصورةُ الرابعةُ: إذا كاتَبَ الشريكانِ أمةً، ثم أتتْ من أحدِهما بولدٍ، واختارتِ المضيَّ على الكتابَةِ، ثم ماتَ المستولِدُ، وهي مكاتبةٌ، عتق نصيبُ المستولدِ وسرى العتقُ، وأخذ الشريكُ من تركة الميتِ القيمةَ المستحقَّةَ له.
    نصَّ عليه في "الأمِّ"، وهو المذهبُ المعتمدُ، ولا يعتبرُ يسارُهُ عندَ الاستيلادِ، ويعتبرُ يسارُهُ عندَ الموتِ.
    قالهُ شيخُنا تخريجًا، وهو غريبٌ.

(2) ثاني الشرط السراية

: أَنْ يكونَ محلُّها قابلًا للنقلِ في الجملَةِ، فلا يسرِى إلى ما ثبتَ فيه الاستيلادُ على الأصحِّ، ولا إلى الموقوفِ، نقلَ عن النصِّ، ولا إلى المنذورِ إعتاقُهُ ونحوهِ مما لزمَ عتقُهُ بموتِ الموصِي، أو المعلَّق على صفةٍ بعد الموتِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 429

وأمَّا إذا كاتَبَا عبدًا وأعتقَ أحدُهما نصيبَهُ، فإنه يسري في الحالِ إلى نصيبِ شريكِهِ.
نصَّ عليه في "الأمِّ" و"مختصر المزني"، وهو المذهبُ المعتمدُ خلافًا لما صحَّح في الشرح و"الروضة" من تأخُّرِ السّرايةِ إلى ارتفاعِ الكتابةِ بالعجزِ، فلم ينصّ الشافعيُّ على ذلك، وما وقع عفى صورة التقدم بقبض النصيبِ وإعتاقَ أحد الوارثينَ وإيلاد أحد المكاتبينَ لا شاهدَ فيه، وما ذكر من وجهٍ على السرايةِ في الحالِ أنَّه يسري العتقُ مع بقاءِ الكتابةِ بعيدٌ، وإن أريد بقاءُ حكمِها بحيثُ يكونُ، ولا محلَّ السرايةِ للشريكِ الذي لم يعتقْ كما صرَّح به، فهو كما قال شيخُنا: خرق عظيمٌ لقواعدِ 15 الشَّريعةِ من جهةِ أن يغرمَ قيمته شرعًا قهرًا، والفائدةُ لغيرِهِ، لا يجري على القواعدِ الشرعيَّةِ، وعلى ما صُحِّحَ من تأخُّرِ السرايةِ إلى العجزِ يعتبرُ اليسارُ عندَ الإعتاقِ لا عندَ العجزِ، بخلافِ ما سبقَ في المستولَدَةِ لنجازِ العتقِ هنا في نصيبِ المعتقِ.
ولو باعَ من لم يعتقْ نصيبَهُ برضَا المكاتبِ وقعتِ السرايَةُ.
وهل الغرم للبائعِ أو للمشتري؟ ترددٌ، والأرجحُ الأوَّلُ، إن جعلنا ارتفاعَ الكتابَةِ بالرضا، ويسري في المدبَّر على المذهبِ، لإمكانِ نقلِهِ، وعلى مقابله إذا ارتفعَ التدبيرُ سرى كما في الكتابَةِ، خلافًا لما نقل عنِ الأكثرِ.
وتسري إلى المشروطِ عتقُهُ؛ لأنَّه قابلٌ للنقلِ بارتفاعِ العقدِ المشروطِ بردٍّ بعيبٍ ونحوهِ.
ويسري إلى المرهونِ على الأصحِّ، ولا يسرِي إلى المعلَّقِ عتقُهُ بالصفةِ، وينبغِي أن يتخرَّجَ فيه خلاف التدبيرِ، ولم يذكروهُ.


الجزء: 4 - الصفحة: 430

(3) ثالثُ شروطِ السرايَةِ:

أَنْ يكونَ محلَّ الإعتاقِ مما يثبتُ عليهِ الولاءُ للمالكِ المعتقِ، نصَّ عليهِ في "الأمِّ"، ولم يذكروهُ، فإذا ماتَ سيِّد المكاتب عن ابنين، فأعتقَ أحدُهما نصيبه، أو أبرأه من نصيبه من النجومِ، فإنَّه يُعتقُ نصيبُهُ على النصِّ المشهورِ، ولا يسري في الحالِ ولا بعدَ العجزِ على النصِّ المعتمدِ لفواتِ الشرطِ، إذِ الولاءُ إنما يثبُتُ للميتِ خلافًا لما صحَّحهُ الشيخُ أبو حامدٍ، ومن تبعَهُ من السرايةِ، ومقابل المشهورِ، أنَّه لا يُعتقُ منه شيءٌ في الحالِ، بل يوقف العتقُ، وهو قويٌّ؛ لأنَّ المورث لا يمكنه تبعيضه، فكيف بتبعِيضِ مَن بعضُ ورثتِهِ، واختارَهُ المزنيُّ في صورةِ الإبراءِ، وصحَّحهُ البغويُّ و"المحرر" في الإعتاقِ.
فإنْ أدَّى نصيبَ الآخرِ عُتقَ كلُّهُ الآن، وولاؤه للأبِ، فإن عجزَ قوِّم على المعتقِ إن كانَ موسرًا وقتَ العجزِ -كما هو ظاهرُ نصِّ المختصرِ-، وهو معنَى قولِ البغويِّ: عتق الآنَ نصيبُهُ.
وتبطلُ الكتابةُ، وولاؤهُ للذي أعتقَ، وإن كانَ معسرًا، فلَهُ ولاءُ ما أعتقَ، والباقي للآخرِ.
وفي صورةِ الإبراءِ لا يُعتقُ منهُ شيءٌ بالعجزِ.
قاله البغويُّ، لأنَّ الكتابةَ تبطلُ بالعجزِ.
والقياسُ التسويةُ؛ لأنَّ الإبراءَ منزَّلٌ منزلةَ قولِهِ: أعتقتُ نصيبي.
وعلى ما صحَّحه الشيخُ أبو حامدٍ من أنَّ السرايةَ في الحالِ أم عندَ العجزِ؟ قولانِ: أظهرهما: عند العجزِ بخلافِ ما سبقَ في الشريكينِ في الكتابةِ؛ لأنَّ المعتِقَ منهما له ولاءُ نصيبه بعتقِهِ بلا خلافٍ، بخلافِ ما نحنُ فيه، فإذا أدَّى نصيبَ الابنِ الآخرِ عُتقَ كلُّه، وولاؤه للأبِ، وإن عجزَ سرى الآن على الذي سبقَ منه الإعتاقُ أو الإبراءُ.
وولاء ما سرى له، وكذا له ولاء النصف الآخر على مقتضَى الشرطِ

الجزء: 4 - الصفحة: 431

المذكورِ.
ومَن قالَ: يكونُ الولاءُ في ذلكَ النصفِ لهما، خالفَ النصَّ والشرطَ، ومن قالَ: في صورةِ الإبراءِ يكونُ لهما بخلافِ صورةِ الإعتاقِ، له وجهٌ.
والتحقيقُ ما قدَّمناهُ.
وصورةُ قبضِ أحدِ الابنينِ نصيبَهُ بإذنِ الآخرِ إذا أجزنَاهُ -وهو المرجوح- فتفريعها كما سبقَ في الإبراءِ.
ولو ثبتتْ كتابَة في نصيبِ أحدِ الابنينِ بإقرارِهِ وحلف الآخرِ، ثم أعتقَ المقرُّ نصيبَهُ وهو موسِرٌ، لم يسرِ إلى نصيب المنكرِ على النصِّ المعتمد في "الأم" و"مختصرِ المزني" قال الشافعيُّ: (لأَنَّه إنَّما أقرَّ بأنَّه عتقَ بشيءٍ فعلهُ أبوهُ)، فجرى على مقتضَى الشرطِ المذكورِ، إذ لا ولاءَ لهُ بعتقِهِ، خلافًا للرافعيِّ ومَن تبعهُ من تصحيحِ السرايةِ وانفراد المصدق بولاءِ ما أعتقَهُ، وبهذا التصحيحِ لا يخرجُ عن الشرطِ، لكنه يخالفُ النَّصَّ، وإنْ أبرأهُ عن النجومِ لم يسرِ لا لأنَّ منكر الكتابةِ يعتقدُ أنَّ الإبراءَ لغوٌ كما وجهوه به، بل لفواتِ شرطِ ثبوتِ الولاءِ لَهُ بها محل ما عتق بالإبراءِ.
وكذلِكَ لا سرايةَ إذا قبضَ النجومَ لفواتِ الشرطِ، وإثباتِ الولاءِ للمنكرِ مع تكذيبِهِ لا يتخرَّجُ على الخلافُ فيمن أقرَّ لإنسانٍ بشيءٍ وكذبه؛ لأنَّ الولاءَ ليسَ ممَّا يؤخذُ من المقرِّ، وليسَ مما يتركُ في يدِهِ، لكن إذا ترتَّبَ عليه مالٌ ونحوُهُ ظهرَ الخلافُ.
ومما يتخرَّجُ على مقتضَى الشرطِ أنَّه إذا وكلَ أحدُ الشريكينِ شريكَهُ في أَنْ يعتقَ نصيبَهُ فأعتقَهُ، فإنَّ السرايَةَ على الموكَّلِ عملًا بالشرطِ المذكورِ، خلافًا لما ذكرَ الشيخُ أبو حامدٍ في "التعليق" مِن أنَّه يعتقُ على الوكيلِ.
وهو غريبٌ.
ولو قالَ أحدُ الشريكينِ للآخرِ، أو قال أجنبيُّ: أعتقْ نصيبَكَ عنِّي بكذا،

الجزء: 4 - الصفحة: 432

فأعتقَهُ عنهُ فولَّاهُ للأمرِ، ويقومُ النصيبُ الآخرُ عليه لا على المعتقِ خلافًا لمن قالَ: يقومُ على المعتِقِ المأمور، فإنَّه وجهٌ غريبٌ لا يعوَّلُ عليه، وهو مخالفٌ للنصِّ والشرطِ.
ويخرَّجُ على الشرطِ إذا أعتقَ الإمامُ بعضَ عبدِ بيتِ المالِ، فإنَّهُ لا يسرِي كما تقدَّم.


(4) رابعُ شروطِ السرايةِ:

الاختيارُ فيما ينشئه الشريكُ مما يترتَبُ عليه العتقُ، إمَّا بتملُّكٍ وإما بتعليقٍ، وإما بالإعتاقِ بنفسِهِ، أو بوكيلِهِ كما سبقَ، إمَّا بقبولِ عقدٍ يترتَبُ عليه الملكُ، بقبضٍ أو بغيرِ قبضٍ، وإما بقبولِ نائبِهِ شرعًا عندَ تعذُّرِ عبارتِهِ وإما بقبضٍ نَساءٍ عن تعليقٍ باختيارِهِ، أو مِن كتابةٍ أنشأها لا من كتابةٍ مورَّثةٍ.
وقد يحصلُ الملكُ بطريقٍ ضمنيٍّ، فيضعفً الاختيارُ ويقعُ الاختلافُ.
وخرجَ بالإنشاءِ الإقرارُ، فمن ملكَ بعضَ أصلِهِ أو فرعِهِ باختيارِهِ بنفسِهِ أو بوكيلِهِ بعوضٍ أو بهبةٍ، أو وصيةٍ، فإنَّه يُعتقُ عليه ويسري بخلافِ ما لو ملكَهُ بإرثٍ أو بوقوعه في سهمِ ذوِي القُربَى، فإنَّه لا يسرِي، وقبولُ وارثه بعد موتِه كقبولِهِ، وفي اليسارِ ما تقدَّمَ، وفي قبولِ عبدِهِ ذلك خلافٌ؛ الأصحُّ أنَّه لا يسرِي، لأنّه لم تتعذَّرْ عبارةُ السيد، فكانَ القهرُ فيه أرجحُ.
ولا يضعف الاختيارُ ما إذا ردَّ الوارثُ الثمنَ المعيَّنَ المعيب، وكان المبيعُ شقصًا ممن يُعتقُ عليه، فعاد إليهِ فإنَّه يعتقُ ويسري على الأصحِّ، بخلافِ ما إذا عجزَ مكاتبه الذي اشترى شِقصًا ممن يعتقُ على السيد، فإنَّه يعودُ الشقصُ

الجزء: 4 - الصفحة: 433

للسيِّدِ ويُعتقُ عليه، ولا سرايةٍ على الأصحّ؛ لأنَّه لا يغلبُ به الملك.
واختيارُ الملكِ في الغنيمةِ للغانِمِ الحرِّ المكلَّفِ الرشيدِ يقتضِي عتقُ بعضِ الأصلِ أو الفرعِ الواقعِ في نصيبِهِ، ويسرِي علمِه، ويعتبَرُ يسارُهُ وقتَ الاختيارِ.
وفي جميعِ صورِ التملُّكِ يعتبرُ اليسارُ وقتَ التملُّكِ.


(5) خامسُ شروطِ السرايةِ:

أن يوجَّه الإعتاقُ إلى ما يملكُهُ، فلو قالَ: أعتقتُ نصيبَ شريكي، فهو لغوٌ، وهذا الشرطُ لا حاجةَ إليهِ؛ لأنَّ صورةَ المسألةِ مغنيةٌ عنهُ، وهو ناقصٌ، وتمامُهُ أن يوجه العتقُ إلى شيءٍ مما يملكه أو إلى ما يملكُه منفردًا أو بإضافةِ شيءٍ من نصيبِ الشَّريكِ أو كله إليه كما سبقَ.


(6) سادسُ شروطِ السرايةِ:

أن ينفذَ إعتاقُهُ فيما يملكُهُ أو شيء منهُ، فإنْ تعذَّرَ نفاذه فيه ولو بدورٍ، فقد تعذَّرَتِ السرايةُ إلَّا في إقرارِ المنشئ السرايةِ دونَ عتقِ ما يسرِي منهُ حينئذٍ، ولا غرمَ إلَّا في صورةٍ واحدَةٍ، وهي: ما لو ادَّعى شريكُهُ الموسر أنَّك أعتقتَ نصيبكَ، وسرى العتقُ إلى نصيبي، فلي عليك قيمةُ نصيبي، وسمَّاها فأنكرَ المدعَى عليهِ ونكلَ وحلفَ المدعِي، أخذَ قيمة نصيبِهِ.
ولا يعتقُ نصيبُ المدعَى عليه على الصحيحِ.
وإذا قالَ أحدُ الشريكينِ لصاحبِهِ: إن أعتقتَ نصيبكَ فنصيبي حرٌّ قبلَ إعتاقِكَ نصيبَكَ، ثم أعتقَ المقولُ لهُ نصيبَهُ بعد لحظَةٍ، والمعلِقُ موسرٌ، وصححنا الدورَ، فلا ينفذ العتقُ ولا سرايةَ.
وكذا لو قالَ الشريكُ: مهما أعتقتُ نصيبي فهو حرٌّ قبلَهُ، ومن أبطلَ الدورَ

الجزء: 4 - الصفحة: 434

-وهو المعتمدُ- يعتقُ نصيبَ كلِّ واحدٍ عن نفسِهِ، كما لو قالَ معه، كذا جزموا به هنا، وهو ممنوعٌ.
ففي منعه (1) وجهان، بل يقطع هنا بأنَّه يعتقُ عن المنجزِ، كما قطعوا به فيه إذا أطلق؛ لأنَّه إذا بطلتِ القبليَّةُ بقي الاطلاقُ، ولا يُصارُ إلى المعيةِ إلَّا بالتصريحِ، إلَّا على نظرٍ ضعيفٍ.


(7) سابعُ شروطِ السرايةِ:

أن يكونَ محلُّ الإعتاق قابلًا للنقلِ في الجملَةِ، فلو لم يقبلْ كما في شقصِ مستولَدٍ أعتقه المستولِدُ، فقدْ نقَلَ عنِ القَاضِي أبي الطيبِ أنَّه لا يسري، وهذا ضعيفٌ، والصوابُ السرايةُ.
*

تنبيه

ٌ: قد ينتجزُ العتقُ والسرايةُ ظاهرًا، ولكنْ يطرأُ ما يخالِفُهما، فيعمَلُ بالطارئِ، ولا ينتظرُ، فإذا قَالَ الشريكُ: إن متُّ فنصيبي حرٌّ قبلَ موتِي بشهرٍ، ونجزَ الآخرُ عتقَ نصيبُهُ بعد التعليقِ بساعةٍ، ومات لدونِ شهرٍ من التعليقِ، أو لشهرٍ من أوَّلِ التعليقِ، أو لأكثرِ من شهرٍ، بحيثُ يتقدَّمُ التنجيزُ فالعتقُ للمنجزِ، والسرايَةُ عليه.
ولو ماتَ على رأسِ شَهرٍ من تمامِ صيغةِ التعليقِ، فقالوا: يعتقُ جميعُ العبدِ على المعلق، وهو ممنوع، والصوابُ كما قالَ شيخُنا: أنَّه يعتقُ عن المنجزِ؛ لأنَّه لم يمضِ بينَ تمامِ التعليقِ والشهرِ لحظةٌ ينزلُ فيها العتقُ.
وإن ماتَ على تمامِ شهرٍ من تمامِ كلامِ المنجزِ فقالوا: يعتقُ على كلِّ واحد نصيبُهُ، ولا تقويم.
قال شيخُنا: وهو ممنوعٌ، بل يعتقُ الكُلُّ عنِ المعلّقِ بالتعليقِ، والسرايةِ لسبقِهِ، فالعتقُ بلفظِ المنجزِ يكونُ عقبَ لفظِهِ عندَ الشيخِ أبي حامدٍ والأكثرُ،16

الجزء: 4 - الصفحة: 435

وذلكَ فهو في الشهر، والعتقُ بالتعليقِ قبل الشهرِ.
وإذا قلنا بوجهِ الشيخِ أبي محمد؛ من نزولِ الحُكمِ آخر اللفظِ، جاءَ ما قالوا، ويحتملُ خلافُهُ، إذ لا بدَّ منَ الترتبِ الذِّهنيِّ، وذلك يستدعي سبقُ الحريَّةِ بالتعليقِ والسرايةِ، حيث ثبتت على شريكينِ أو شركاء، فهي على عددِ الرءوسِ إلَّا في صورتينِ: (1) إحداهُما: إذا تفاوتتِ الحصصُ، ويسارُ كلِّ واحدٍ بقدرِ حصَّتِهِ، فإنَّه يسرِي بقدرِ الحصص.
(2) الثانيةُ: إذا كانَ أحدُهما موسرًا ببعضِ ما يقتضيهِ التوزيعُ، وكان الآخرُ موسرًا بما يقتضيهِ والزيادَةُ الباقيةُ في نصيبِ الآخرِ، فإنَّه يسري عليه بذلك كله.
والواجبُ على الشريك والشركاء قيمة ما يسري إليهِ لا المقابل له من القيمةِ باعتبارِ الكُلِّ؛ لأنَّ المتلفَ ما سرى إليه، وإذا اختلفا في القيمةِ، فالقولُ قولُ المعتقِ بيمينِهِ على الأصحِّ؛ لأنَّهُ غارمٌ، وما وقع في "الأمِّ" وغيرها منَ التحالفِ، فهو مشكلٌ كما قالَ شيخُنا؛ إذ ليسَ هنا عقدٌ يرتَفِعُ ثم يرجع إلى القيمَةِ؛ لأنَّ الاختلافَ ابتداءً في القيمةِ.
وأمَّا الخاصِّيَةُ الثانيةُ، وهي الولاءُ، فقد ذكرَ شيخُنا في الفرائضِ في ذلكَ ما فيه كفايةٌ، فليُنظَرْ منهُ.


فرع: إذا ملكَ أهلُ التبرُّعِ أصلَهُ أو فرعَهُ عتقَ عليه إلَّا في صورٍ:

(1) إحداها: إذا اشترَى أصلَهُ أو فرعَهُ وألزمَ البائعَ البيعَ في خيارِ المجلسِ، أو في خيارِ الشرطِ الثابِتِ للمتعاقدينِ، فإنَّه لا يكونُ ذلكَ سببًا للحكمِ بعتقِ المبيعِ على المشتري لئلَّا يتضررَ المشتري بإلزامِ البائعِ البيع.

الجزء: 4 - الصفحة: 436

وعلى هذا يبقَى الخيارُ للمشترِي، ويملكُ المبيعَ، ولا يعتقُ عليه، قال شيخُنا: ولم أرَ مَن تعرَّضَ لهذا الفرعِ.
(2) الثانيةُ: إذا اشترَى المكاتبُ أصلَهُ أو فرعَهُ بإذنِ السيِّدِ، فإنَّه أهلٌ للتبرعُّ بإذنِ السيِّدِ، إلَّا في العتقِ والكتابَةِ، ويصحُّ الشراءُ حينئذٍ ويتكاتَبُ عليه ولا يعتقُ عليه، فهذا رجلٌ من أهلِ التبرُّع وقد ملكَ أصلَهُ أو فرعَهُ، ولم يعتقْ عليه، وكذا لو ملكَ أصلَهُ أو فرعَهُ بهبةٍ أو وصيَّةٍ فإنَّه لا يعتقُ عليه.
(3) الثالثةُ: المبعَّضُ إذا اشترَى من يَعتِقُ عليه بما يملكُهُ ببعضِهِ الحر، أو وهبَ له في نوبتِه أحدَ أصولِهِ أو فروعِهِ، أو أوصى له به فماتَ الموصِي، وقبِلَ المبعَّضُ الوصيَّةَ، فإنَّه لا يعتقُ عليه، مع أنَّه أهلٌ للتبرُّعِ فيما يملكُهُ ببعضِهِ الحرِّ، ولكنَّه ليس أهلًا لثبوتِ الولاءِ كالمكاتِبِ.
وأما غيرُ أهلِ التبرُّع من صبيٍّ، أو مجنونٍ، أو سفيهٍ، أو مفلسٍ، إذا ورثوا أحدَ أصولِهم، أو أحدَ فروعِهم، أو وهب لهم، فإنَّه يعتقُ عليهم.
ولا يشترى لطفلِ قريبُه الذي يعتقُ عليه، ولو وهبَ له أو أوصى له به، والطفلُ لا مالَ له، فَعلى الوليُّ قبوله على النصِّ، ولو ملكَ في مرضِ موتِهِ من يعتقُ عليه بلا عوضٍ عتق من رأسِ المالِ على الأصحِّ في "الروضةِ" تبعًا للشرح، خلافًا لما في "المنهاج" من أنَّه يعتقُ من الثُّلثِ أو بعوضٍ بلا محاباةٍ من البائعِ، فمن ثُلُثِهِ ولا يرثُ؛ لأنَّ كلَّ مَن عتق من الثُّلث لا يرث، فإن كانَ عليهِ دينٌ مستغرِقٌ فلا يصحُّ الشراءُ على الأصحِّ، أو بعوضٍ بمحاباةٍ من البائعِ، فقدرها كهبةٍ.
وقد تقدَّم أن الأصحَّ الحسبانُ من رأسِ المالِ.
وإن وُهب لعبدٍ بعضُ من يعتقُ على سيدِه، فقبلَ، وقُلنا يستقلُّ به عُتقَ، ولا يسري على أظهرِ القولينِ كما ذكرَهُ في "الروضَة"، ومحل هذا ما إذا لم يتعلَّق وجوب النفقةِ بالسيدِ في الحالِ، فإنْ تعلَّقَ ذلكَ بالسيدِ لم يصحَّ قبولُ

الجزء: 4 - الصفحة: 437

العبدِ قطعًا، وإذا وهبَ للمكاتبِ بعضُ من يعتقُ على سيدِه صحَّ قبولُهُ من غيرِ احتياجٍ إلى إذنِ السيِّدِ، ولا يعتقُ منه شيءٌ ما دامتِ الكتابةُ قائمةٌ، فإن عجَّزَ المكاتِبُ نفسه بغير اختيار السيدِ ملك السيدُ ذلك الجزءُ، ولا يسري، وإن عجَّزَهُ السيد فإنه يسرِي على الأصحِّ، وإذا وهبَ المبعَّض من يعتقُ على سيد وكان بينهما مُهايأةٌ، فإن كانَ ذلك في نوبةِ الحرِّ فإنَّه لا يعتقُ ذلك الجزءُ، وإن وقعَ ذلكَ في نوبَةِ العبوديَّةِ فهو كالقِنِّ، وفيه ما سبقَ، وإن لم تكُنْ بينهما مهايأةٌ فالذي يتعلَّقُ بالحريَّةِ لا يملكُهُ السيِّدُ، والذي يتعلَّقُ بالعبوديَّةِ فيه ما سبقَ.


الجزء: 4 - الصفحة: 438

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 39 فصل
فصول التدريب في الفقه الشافعي
المقدمةمقدمة التحقيقكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الحجكتاب البيعكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب (1) الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الرضاعكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب اللغةكتاب الرِّدَّةِكتاب الزناكتابُ الصيال وضمان الولاةكتابِ الجهادِ،كتاب الجهادكتاب الأمانكتابُ الصيدِ والذبائحكتابُ الأضحيةِكتابُ الأطعمةِكتاب المسابقةِ والمناضلةِكتابُ الأيمانكتابُ النذركتابُ القضاءِكتابُ الشهاداتكتابُ الدَّعوَى والبيناتِكتابُ العتقكتابُ التدبيركتاب الكتابة
جارٍ التحميل