كتاب الزنا
هو بالقصرِ لغةُ أهلِ الحجازِ، وبالمدِّ لغةُ نجدٍ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ الآية.
وفِي "الصحيح" 1 من طريق عبادة بن الصامت: أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "خُذوا عنِّي، خذوا عنِّي، قد جعلَ اللَّهُ لهنَّ سبيلًا، البكرُ بالبكرِ جلدُ مائة وتغريب عام، والثيبُ بالثيِّبِ الرجمُ".
وهو من أفحشِ الكبائر، ولم يحلَّ في ملَّةٍ قطُّ، ولذلك قامَ الإجماعُ على تحريمِه.
والزنا الموجبُ للحدِّ 2 هو إيلاجُ الحشفة أو قدرها من مقطوعِهَا من آدميٍّ متصلٍ به أصليٍّ يحصلُ به التحليل، بفرجٍ من آدميٍّ أو دبره، محرم لعينِه
الجزء: 4 - الصفحة: 165
خالٍ عن شبهةٍ، مشتهى، ودبر ذكر وأنثى غير زوجتِه وأمتهِ كقبلٍ على الأظهَرِ، هذا حكم الفاعلُ.
وأمَّا المفعولُ بهِ فإِنْ كانَ ذكرًا فإنَّه يُجلدُ ويغرَّبُ محصنًا كانَ أوْ غيرُه، بخلافِ المفعولِ بها في قُبُلِهَا المطاوِعة، فحكمُها حكمُ الفاعلِ، وإن كانَ امرأةً وفعلَ بها في دُبرِها مطاوعةً فالأصحُّ أن عقوبتَها الجلدُ، والتغريبُ، بكرًا كانَتْ أو محصنةً.
ولا يجبُ الحدُّ بمقدماتِ الجِماعِ ولَا بوطء زوجتِهِ وأمتِه في حيضً وصومٍ وإحرامٍ، والمذهبُ أنَّه لا يُحَدُّ بوطء أمتِهِ المزوَّجة أو المُعْتدَّةِ، وكذا مملوكته المحرم، ورجلٌ مكرهٌ على الأصحِّ، ولا يحدُّ بكلِّ جهةٍ أباحَها عالمٌ، يكونُ للعالِمِ في تلكَ الجهةِ مستندٌ متماسكٌ، فأمَّا إذا لمْ يكنِ الأمرُ كذلكَ فلا أثرَ لخلافِهِ، ويحدُّ الواطئُ.
ومحلُّ إسقاطِ الحدِّ بشبهةِ العالم ما لم يحكمِ الحاكمُ المخالفُ له بإبطالِ ذلكَ الأمرِ في الواقعةِ الشخصية، كالنكاحِ بلا وليٍّ مثلًا، إذا حكَمَ فيه الشافعيُّ بإبطالِهِ وفرَّقَ بينَ الزوجينِ فإذا أصابَهَا بعدَ ذلكَ، فالذي جزَمَ بهِ الماورديُّ أنَّهُمَا زانيانِ عليهِما الحدُّ؛ لأنَّ شبهةَ العقدِ قد ارتفعتْ بحكمِ الحاكمِ بينهما بالفرقةِ.
ومحلُّ الخلافِ في إسقاطِ الحدِّ بالشبهةِ المذكورةِ وعدمه ما لم يحكم الحاكمُ الموافقُ بصحته، فإن حكمَ بها بحيثُ لا تنقض، فلا يحدُّ مَن وطئَ فيه قطعًا؛ لأنَّه صارَ بالحكمِ بالنسبةِ إلى الواقعةِ الشخصيَّةِ كالنكاحِ المتفقِ عليهِ.
ولا يحدُّ بالوطءِ في النكاحِ بلا شهودٍ، ولا بوطء ميتةٍ في الأصحِّ، ويحدُّ
الجزء: 4 - الصفحة: 166
بالبهيمةِ على المنصوصِ خلافًا لما في "المنهاجِ" 3 تبعًا لأصلِهِ، ويحدُّ في مستأجرةٍ ليزني بها، لأنَّه عقدٌ باطلٌ لا يوجب شبهةً، ويحدُّ في مبيحة؛ لأنَّ الأبضاعَ لا تُباحُ بالإباحاتِ، ومحرمٌ بنسبٍ أو رضاعٍ أو مصاهرةٍ، وإن كانَ تزوَّجها؛ لأنَّهُ وطءٌ صادفَ محلًّا ليسَ فيه ملكٌ ولا شبهةُ ملكٍ، وهو مقطوعٌ بتحريمِهِ، وكذا لو نكَحَ مَن طلَّقَها ثلاثًا ولم تتصلْ بزوجٍ غيرِه لشرطه أو لاعَنَ منها، أو نكحَ مَن تحتهُ أربعٌ خامسةً، أو أختَ زوجتِه أو عمَّتَها أو خالتَها، ووطئ مَن ذُكرَ عالمًا بالتحريمِ، فإنَّهُ يحدُّ حينئذٍ.
وشرطُهُ التكليفُ والتزامُ الأحكامِ، وعلمُ تحريمِهِ 4.
وحدُّ محصنٍ رجلِ أو امرأةٍ: الرجمُ، بشرطِ التكليفِ والحرمةِ المستقرَّةِ والإصابةِ بعدَ التكليفِ، ولا يشترطُ في الإحصانِ الإسلامُ، بل يُرجمُ الذِّميُّ إذا زنا، وهو بالصفاتِ المشروطةِ: غيَّبَ حشفتَهُ أو قدرها من مقطوعِها بما يناسب هذا الموضعِ من ثبوتِ الإحصانِ من القيودِ السابقةِ في أوَّلِ البابِ.
ولو غابتِ الحشفةُ منَ الأشلِّ أو العِنينِ فهل نقولُ: لا يحصلُ الإحصانُ كما لا يحصلُ التحليل؟ أم نقولُ: التحليلُ متوقفٌ على ذوقِ العسيلةِ بخلافِ بقية الأحكامِ؟ قال شيخُنا: هذا محتملٌ، ومقتضى إطلاقهم الثاني.
بِقُبُلِ مَن يوطأ مثلُها في نكاحٍ صحيحٍ لا فاسدٍ على المشهورِ، والمنصوصُ اشتراطُ التغييبِ حالَ حريةٍ، وتكليفٍ، وأن الكاملَ المصيب ناقصًا محصن يرجمُ إذا زنَا 5.
الجزء: 4 - الصفحة: 167
وحدُّ البكرِ الحر حريَّةٌ مُستقرَّةٌ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ إلى مسافةِ القصرِ فما فوقَها، ولا يحدُّ في حالِ جنونِه بعدَ الزنَا، ولا يعرفُ إلَّا في حالِ إفاقتِه، وإذا عيَّن الإمامُ جهة لم يعدل إلى غيرِها في الأصحِّ 6.
ولو صادفنا مَن وجَبَ عليهِ التغريبُ مُحْرِمًا أو خارجًا لجهادٍ، تعيَّنَ عليه ولو غرَّبنَاهُ إلى جهةٍ أخرى فاتَهُ الحجُّ أو الجهادُ، ففي هذه الصورةِ إذا طلبَ جهةَ قصدِه يجيبُهُ الإمامُ إلى ذلكَ، ولا يصارُ إلى تفويتِ مقصدِه عليه، ولا إلى تأخيرِ التغريبِ حتَّى يفرغَ مِن ذلكَ، كما ذكرَهُ شيخُنا.
ويغرَّبُ غريبٌ من بلدِ الزنا إلى غيرِ بلدِهِ بحيثُ يكونُ بينَ المُغَرَّبِ إليهِ وبينَ بلدِه مسافةُ القصرِ، هذا في غريب لهُ وطنٌ، فإنْ لم يكنْ؛ بأنْ هاجرَ حربيٌّ لدارِ الإسلامِ ولم يتوطَّنْ بلدًا فيغربُه الإمامُ منْ غيرِ أن يتوقَّفَ حتَّى يرجعَ إلى بلدِه أو يقيمَ في موضع، خلافًا للمتولِّي حيث قالَ: يتوقفُ الإمامُ حتَّى يتوطَّنَ بلدًا، ثم يغرِّبُه.
وتغرَّبُ المرأةُ وحدَها على النصِّ، وهو مقيَّدٌ بما إذا كانَ الطريقُ آمنًا، خلافًا لما في "المنهاجِ" 7 تبعًا لأصلِهِ، وإن فرَّعنا على ما في "المنهاجِ" فمعَ زوج أو محرمٍ، ولو عاجزة أو نسوةٍ ثقاتٍ، والواحدةُ كافيةٌ للجوازِ، كما قيلَ بمثلِهِ في الحجِّ.
ومَنْ فيهِ رقٌّ خمسونَ ويُغرَّبُ نصف سنةٍ 8، وفي قولٍ: سنة، وفي قولٍ: لا يغرَّبُ.
والمرادُ أَنْ يكونَ وصفُ الرقِّ قائمًا وقتَ الزِّنا لا وقتَ الحدِّ، ويثبت
الجزء: 4 - الصفحة: 168
ببينةٍ أو إقرارِه مرة إقرارًا تحقيقيًّا، أو لعانٍ في حقِّ المرأةِ إن لم يلاعن كما سبق في بابِه.
ولو أقرَّ ثمَّ رجع سقطَ الحدُّ 9، ولو قالَ: لا تحدوني، أو هربَ، فلا يسقطُ الحدُّ بذلكَ على ظاهرِ النصِّ 10.
ولو شهدَ أربعةٌ بزناها، وأربع أنَّها عذراء لم تحدَّ هي، ولا قاذفها 11، إذا لم تكنْ غورًا بحيثُ يمكنُ تغييبُ الحشفةِ معَ بقَاءِ البكارَةِ، فإنْ كانَتْ كذلكَ حُدَّتْ لثبوتِ الزِّنا.
وإذا عيَّنَ كلُّ واحدٍ من شهودِ الزِّنَا زاويةً من زوايَا البيتِ لم يجبِ الحدُّ على المشهورِ، وأصحُّ القولينِ وجوبُ حدِّ القذفِ على الشهودِ لعدمِ إتمامِ عدتهم 12 في زنية واحدةٍ.
ويجبُ حدُّ القذفِ على القاذِفِ الذي قذَفَ وأتَى بالبينةِ التي وقعَ منها الاختلافُ، ويستوفي حدَّ الزِّنا الإمامُ أو نائبُهُ من حرٍّ 13.
والمرادُ بالحريةِ ههنا بِالنسبةِ إلَى أنَّ الإمامَ يقيمُ الحدَّ بسببهَا هي الموجودة عندَ الزنَا أو عندَ الاستيفاء، حتَّى لو زنى ذميٌّ حرٌّ نُقِضَ العهدُ، والتحقَ بدارِ الحربِ ثم استرققناهُ، فإن الحدَّ الواجبَ عليهِ بالزِّنَا في حالِ الحريَّةِ يقيمُهُ الإمامُ خاصَّة ولا مدخلَ للسيِّدِ في ذلكَ.
ولو زنَى رقيقٌ ثمَّ عتقَ فإقامةُ الحدِّ عليهِ بعدَ عتقِهِ للإمامِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 169
ويكفي في الحريَّةِ المعتبرةِ لإقامةِ الحدِّ الظهور، فيقيمُ الإمامُ على اللقيطِ الزَّاني بعدَ بلوغِه، وعلى العتيقة في المرضِ، وإن احتمل أن لا يخرج من الثلثِ؛ لأنَّه يقيمُ على مَن تيقَّنَ رقُّه، فلأنْ يُقيمَ على مَن هُوَ حرٌّ في الظاهرِ أولَى، ولا يقيمُ عليها المعتق شيئًا لخروجِها الظاهرِ عن ملكِه، وأمَّا المبعَّض فيستوفي حدَّه الإمامُ إذا لم يكنِ الإمامُ أو الحاكمُ عنه هو المالكُ لبعضِه، فإن كانَ مالكًا لبعضِهِ، فلهُ أن يستوفي منه ما تقابل الحرية بجهةِ الحكمِ، وما يقابلُ الرِّقَّ بجهةِ المِلكِ.
- ضابطٌ: لا يتصوَّرُ أَنْ يدخلَ المالكُ في حدِّ المبعَّضِ بجهة الملك إلَّا فيما إذا كانَ له حكمٌ يقيمُ به الحدَّ عَلَى مَن وجبَ عليهِ.
ويستوفي الإمامُ حدَّ العبدِ الموقوفِ كلِّه أو بعضِه، ورقيقِ بيتِ المالِ والعبدِ الموصَى بإعتاقِهِ إذا مَاتَ الموصي، وهو يخرجُ من ثلثِه، وزنى بعدَ موتِ الموصي قبل إعتاقِه بناءً على أنَّ إكسابه لَهُ كمَا هُوَ المذهبُ.
ويحدُّ الرقيقَ سيدُهُ عندَ إقامةِ الحدِّ، أو الإمامُ، فإن تنازعَا فالإمامُ على الأصحِّ، سواء كانَ ذكرًا أم أنثَى، إذا كانَ السيدُ رشيدًا، فإن كان سفيهًا أو صبيًّا أو مجنونًا فإن الذي يُقيمُ على عبدِهِ حينئذٍ وليهُ الخاص من أبٍ وجدٍّ ووصيٍّ وقيمٍ.
وللسيدِ المتأهِّل تغريبُهُ ولولي المحجورِ عليه ذلك، والمكاتبُ كالحرِّ على المنصوصِ.
ويحدُّ الفاسقُ عبدَهُ على الأصحِّ، وكذلك الكافرُ إذا لم يكن رقيقُهُ مسلمًا، فإن كانَ رقيقُه مسلمًا كمستَوْلَدَتِه ونحوها فإنَّه لا يحدُّه بحالٍ، وإنما يحدُّ رقيقه الزاني الكافرَ إذا اعتقدَ أنَّ عليهِ الحدَّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 170
وليس للمكاتبِ أن يقيمَ الحدَّ على عبدِه على النصِّ في "الأمِّ" 14 خلافًا لما في "المنهاج" تبعًا لأصلِهِ.
قال الشافعيُّ رضي اللَّهُ عنه: وللمكاتبِ أن يؤدِّبَ عبدَهُ، وليسَ لهُ أن يحدَّهُ لأنَّ الحدَّ لا يكونُ إلى غيرِ حرٍّ، وللسيدِ أَنْ يعزِّرَ عبدَهُ على النصِّ في حقوق اللَّهِ تعالى، وأمَّا غيرُ ذلكَ فإنَّهُ يودِّبه لحقّ نفسِه قطعًا.
وللسيدِ سماعُ البينةِ فالعقوبةِ 15، ويحدُّ عبدَهُ بعلمه إذا أقرَّ عندهُ بموجبها، أو شاهدَهُ السيِّدُ على الأصحِّ.
والرجمُ بحسبِ ما يجده الراجمُ في ذلك الموضع، ولكن لا يُبتدأُ بصخرةٍ عظيمةٍ يموتُ بها في أولِ الحالِ، ولا يستمرُّون بالحصى الخفيفِ.
ويجوزُ الحفرُ للرجلِ 16، والإمامُ مخيَّرٌ إن شاءَ حفَرَ له، وإن شاءَ لم يحفرْ، وصحَّ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حفرَ لماعزٍ 17، وفي "سنن أبي داود" أنَّه حفَرَ للفتَى الذي أقرَّ عندَهُ بالزِّنَا وبالإحصانِ 18.
والأصحُّ استحبابُهُ للمرأةِ 19 إن لم يثبُتْ بإقرارِهَا.
ولا يؤخَّرُ الرجمُ لمرضٍ وحرٍّ وبردٍ مُفرطين على المنصوصِ 20، وفي قولٍ
الجزء: 4 - الصفحة: 171
يؤخَّرُ، وهذا محلُّه في المرضِ الذي يرجَى برؤهُ، أما الذي لا يرجَى زوالُهُ فلا خلافَ في أنَّهُ يُرجمُ في حالِ وجودِه، وأن يكونَ الذي يُرْجَمُ زانيًا فقط، فإنْ كانَ مرتدًّا أو قاطعُ طريقٍ تحتَّم قتلُهُ وسبقَ الزِّنَا الموجبُ للرجمِ، فإنَّهُ لا أثرَ لمرضٍ مرجوِّ البرءِ، ولا لحرٍّ وبردٍ شديدينِ، ويقامُ عليه الرجمُ قطعًا.
وحيثُ قُلنَا بالتأخيرِ على ما تقدَّمَ فيؤخَّر استحبابًا لا وجوبًا.
ويؤخَّرُ الجلدُ للمرضِ الذي يرجَى برؤُهُ استحبابًا إن كانَ الجلدُ فيه لا يهلكُ غالبًا، ولا كبيرًا 21، فإن ظَهَرَ منْ حالِةِ المرضِ ما يقتضي أنَّ جلدَه يفضِي إلى الهلاكِ غالبًا أو كثيرًا، فإنَّهُ يمنعُ قطعًا، فإنْ لم يُرجَ برؤُه جلدَ بعثكال عليه مائة غصنٍ، فإن كان عليه خمسونَ ضُرب مرَّتينِ ويمسه الأغصانِ أو ينكبِسُ بعضها على بعضٍ لينالَه بعضُ الألمِ، وإذا برئ أجزأهُ، ولا يتعين العثكالُ، بل لَهُ الضربُ بالنِّعالِ وأطرافِ الثِّيابِ إنْ لم يكنِ ألمُهُما أكثرَ مِن ألمِ ما يحصلُ من العِثْكالِ، فإن كانَ أكثرَ فلا 22.
ولا جلدَ في حرٍّ وبردٍ مفرطينِ 23، وإذا كان المحدودُ في بلادِ الحرِّ التي لا يسكنُ حرُّها أو في بلادِ البردِ التي لا يقلُّ بردُها، لم يؤخَّرِ الحدُّ، ولم ينقلْ إلَى البلادِ المعتدلَةِ لما فيهِ من تأخيرِ الحدودِ، ولكنْ يخفَّفُ، ويقابلُ إفراطُ الحرِّ وإفراطُ البردِ بتخفيفِ الضربِ حتَّى يسلمَ فيهِ منَ القتلِ كما ذكرهُ الماورديُّ.
وإذا جلدَ الإمامُ في مرضٍ أو حرٍّ أو برد فلا ضمانَ 24 على النصِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 172
ثمَّ إنْ كانَ الجلدُ في الحالاتِ المذكورةِ يخشَى منهُ الهلاكُ غالبًا أو كثيرًا فإنَّه يجبُ التأخيرُ، وإن كانَ لا يُخشَى منهُ الهلاكُ على الوجهِ المذكورِ فإنَّهُ يستحبُّ التأخيرِ خلافًا لقولِ "المنهاج" 25 فيقتضي أنَّ التأخيرَ مستحبٌّ، وأطلقَ الاستحبابَ، والصوابُ كمَا قالَ شيخُنَا التفصيلُ المذكورُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 173
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باب القذف
هو بالذالِ المعجمةِ.
وهو لغةً: الرَّميُ، وليس لهم قدف بالدال المهملة.
وفي الشرع: رميٌ بزنَا أو ما يتضمنه على وجهٍ مخصوصٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية.
والمحصن هنا هو المسلمُ البالغُ الحرٌّ العفيفُ في حالِ تكليفِهِ 26 عن وطء يوجبُ الحدَّ، وعن وطء مملوكتِه التي تحرمُ عليه مؤبدًا، أو عنْ وطءٍ في دبرِ زوجتِهِ أو مملوكتِهِ، هذا هو المعتمدُ من خلافٍ منتشرٍ.
الجزء: 4 - الصفحة: 175
والثمانون إنما تجبُ على القاذفِ الحرِّ المكلَّفِ الملتزمِ المختار (1)، فأمَّا الرقيقُ المكلَّفُ الملتزمُ ولو مبعَّضًا فالواجبُ عليه أربعونَ، لخروجهِ من الآيةِ بالقياسِ، وهو أنَّه حَدٌّ يتبعَّضُ فكانَ على النصفِ على مَن فيه رقٌّ لحدِّ الزِّنا (2).
وحدُّ القذفِ واجبٌ على الرَّامِي في صورتين:
إحداهما: رمي المحصن بالزِّنا الموجبِ للحدِّ، أو ما يتضمَّنُ ذلك.
الثانيةُ: نفي نسبِ المقولِ لَهُ عن قبيلتِهِ على المذهبِ الظاهرِ من نصِّ المختصَرِ، ولا تُعتبرُ حضانة أم المقولِ لَهُ ولا رميها بالزنَا.
وممنْ حَكَى ذلكَ عن مذهب الشافعيِّ القاضِي أبو الطِّيبِ، وصححهُ ابنُ الصَّبَّاغِ والرُّوياني في "الكافي" خلافًا للشيخ أبي حامدٍ ومن تبعَهُ، حيثُ جعلوا ذلك قذفًا للأمِّ فيعتبرُ فيهَا ما يعتَبرُ في غيرِها.
وفي اختلافِ العراقيينِ ما قد يتعلَّقُ بهِ كلٌّ من الفريقينِ، وعلى الأوَّلِ لا تعتبرُ حصانةُ المنفي.
قاله شيخُنا تخريجًا.
والقذفُ إنِ اقتَضَى الكفرَ قُتِلَ القاذفُ بكفرِهِ، كما في قذفِ نبيٍّ منَ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ، ولو تعريضًا، أو نفيهُ عنْ قَبِيلتِهِ، فإذا أسلَمَ القاذِفُ لم يسقطِ القتلُ على وجهٍ قويٍّ، ويسقطُ على المصحَّح، ورُجح أنَّه لا يجلدُ، والأرجحُ أنَّه يجلدُ حدَّ القاذفِ في التصريحِ.
ولو قتلَ بإيجابِ جلدِه الحدَّ، ثم قتله إن لم يسلم لكان له وجهٌ.
وقاذفُ عائشةَ -رضي اللَّه عنها- كافرٌ، فإذا أسلَمَ جُلدَ، وإن لم يسلمْ جلدَ بطريقه، قاله2728
الجزء: 4 - الصفحة: 176
شيخنا تخريجًا.
وقيل: يُقتلُ بكفرِه.
وإذا لم يكنِ القذفُ مقتضيًا للكفرِ فهو موجبٌ للحدِّ الذي سبقَ.
ولو كانَ على صورةِ الشَّهادَةِ عندَ الحاكمِ إذا لم يتم العدد أو تمَّ بزوجِ المرميةِ بالزِّنَا أو كانَ الشهودُ عبيدًا أو كفَّارًا أو نسوةً أو شهدَ لها العدولُ لا عندَ حاكمٍ أو عند حاكمٍ ثم رجعوا بعد حكمِهِ أو قبلَهُ أو رجعَ بعضهُم بحيثُ نقصَ النصابُ المعتبرُ.
ويستثنى من إيجابِ الحدِّ في الموضعينِ السابقينِ صورٌ، منها: ما يعمُّ الموضعينِ، ومنها ما يختصُّ بالرمي بالزِّنا.
- إحداها: إذا كانَ الرَّامي أحدَ أصولِ المرمي.
- الثانية: إذا قال له أقررتُ بأنَّك زنيتَ، وإن ذكرَهُ في معرضِ القذفِ، وكذا لو قال: أقررتَ بأنَّكَ لستَ من العربِ، ونحوه.
قاله شيخُنا تخريجًا. - الثالثة: إذا نقصَ العددُ في شهادةِ الإقرارِ بالزِّنَا.
- الرابعةُ: القذفُ الثاني ولو بزنا آخر، لا يوجب حدًّا آخر على الجديد، فإن تخلل بينهما حد، وكان الثاني بزنيةٍ أخرى حُد للثاني على ما جزمَ به جماعةٌ، وصحَّحهُ جماعة، ولا يعتمدُ على تصحيحِ إيجابِ التعزيرِ، فإنْ كانَ في زوجةٍ فالثاني موجبٌ للحدِّ.
صححه الزَّازُ، وصحَّحَ البغويُّ التعزير، وإن اختلفَ الحكمُ تعددَ الحدُّ على المذهبِ المعتمدِ، بأن يقذفَ أجنبيَّةً ثم يتزوَّجها ثمَّ يقذفها بزنًا آخر صادرٍ منها في الزوجيةِ، وكذا لو قَذفَ زوجتَهُ ثم أبانَها بلا لعانٍ، ثم قذفَهَا بزنًا آخرَ صادرٍ منها بعد البينونةِ. - الخامسةُ: القذفُ بزنًا آخرَ ممنْ لاعَنَها ولاعنتْ، خلافًا لما قال في
الجزء: 4 - الصفحة: 177
"الروضة" أنَّه المذهبُ، فإنْ لم يلاعنْ وحُدت فقد سقطتْ حضانتها في حقِّه، وكذا في حقِّ الأجنبيِّ على الأصحِّ عندَ شيخِنا؛ وفاقًا لما قالَ الماورديُّ أنَّه الأشبَهُ بالحقِّ؛ خلافًا لما صحَّحه المتأخِّرونَ.
وكيفَ يمكنُ أن يحدَّ قاذفُ مَنْ رُجِمَتْ بالزِّنا أوْ جُلِدَتْ فيه، ولا يسقطُ الحدُّ الواجبُ ببينةٍ أو بإقرارٍ باليمينِ المردودةِ أنَّ المقذوفَ زنا.
ولا حدَّ على المقذوفِ، ويسقطُ عن الزوجِ بلعانِهِ، ويجبُ عليها حدُّ الزِّنَا إنْ لم تلاعنْ، ويسقطُ بعفوِ المستحقِّ وبإذنِ المقذوفِ في القذفِ، ومنهمْ مَنْ صَحَّحَ في الإذن عدم السقوطِ.
وإذا ماتَ المقذوفُ ووارثه المستغرق هو القاذفُ سقطَ عنه الحدُّ، ويثبتُ استيفاءُ حدِّ القذفِ والتعزيرِ بموتِ المستحقِّ أو الواجب لقاذفِه بعدَ موتِهِ لكلِّ مَن يقومُ مقامَهُ من وارثٍ أو سلطانٍ لمنْ لا وارِثَ لَهُ أَو مالكٌ، فإن عفى أحدُ الورثةِ أو غابَ أو كانَ غيرَ أهلٍ للطلبِ كانَ لمن عداه استيفاء الجميعِ.
ولو تقاذفَ شخصَانِ لم يتقاصَّا، ولا يستوفَى إلَّا بالحاكمِ، ولو استقلَّ المقذوفُ بالاستيفاءِ لم يقع الموقع إلَّا أن يكونَ المقذوفُ مالكًا للقاذفِ فيحدُّه.
ضابط
ٌ: ليسَ لنَا موضعٌ يستقلُّ المقذوفُ باستيفاءِ حدَّ القذفِ ويقعُ الموضع إلَّا هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 178
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باب السرقة
هي بفتحِ السِّينِ وكسرِ الرَّاءِ، وقد تسكن الراء مع فتحِ السِّين أو كسرِها، وقد تسقطُ الهاءُ مع كسرِ الراءِ، ويقالُ: سرقَ منهُ مالًا، وسرقه مالًا، يسرقه سرقًا، بفتح السين والراء، وهي مأخوذةٌ مِنْ مسارقةِ النَّظَرِ إذا اهتبلَ غفلتَهُ، واسترقَ السمعَ أي مستخفيًا لمن أخذ شيئًا خفية فهو سارقٌ لغةً.
وفي الشَّرعِ: عبارةٌ عن أخذِ الواجدِ منْ مِلكِ غيرِهِ نصابًا فأكثرَ من حرزِ مثله خفيةً بقصدِ السرقةِ، فأما الأخذُ بغير خفيةٍ معتمدًا على الهربِ لمختلسٍ وفي ما يقتضي أنَّ الخِلْسةَ الأخذُ من غيرِ حرزٍ، وعلى الغلبةِ من غيرِ هربِ مع القُربِ من الخوفِ فنهب، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38].
الجزء: 4 - الصفحة: 179
وفي "الصحيحين" (1) من طريق عائشة -رضي اللَّه عنها-: أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تقطعُ اليدُ في ربعِ دينارٍ فصاعدًا".
يشترطُ لوجوبِ القطعِ في المسروقِ شروط:
[الشرط الأول]
الجزء: 4 - الصفحة: 180
الميتةِ قبلَ إخراجِهِ من الحرزِ، وصارَ بالدبغِ يُساوِي نصابًا فَأكْثَر وقُلنَا يجوزُ بيعهُ وهو الجديدُ وقلنَا أنَّ الجلدَ إذا دبغَ يكونُ للمغصوبِ منهُ وهو الأصحُّ فحيئذٍ في قطعِه وجهَانِ أرجَحَهُمَا أنَّهُ يُقطعُ؛ لأنَّهُ أخرجَ من الحرزِ مَا يُساوِي نصابًا فأكثر.
وإذا بلغَ إناءُ الخمرِ نصابًا قطعَ على النصِّ، ولا يقطعُ في طنبورٍ ومزمارٍ، وكذا كلُّ ما سلطَ الشرعُ على كسرِهِ، فإنْ بلَغَ بكثيرِهِ نصابًا فلا قطعَ على المنصوصِ، وصححهُ الأكثرونَ، خلافًا لما صحَّحهُ في "المنهاجِ" من القطعِ.
* الشرطُ الثاني
(1): أن يكونَ مملوكًا لغيرهِ، فلو ملكَهُ بإرثٍ أو غيرِهِ قبلَ إخراجِهِ من الحرزِ أو بعدَ إخراجِهِ قبلَ الرفعِ إلى الحاكِمِ أو نقصَ في الحرزِ عن نصابٍ بأكلٍ أو غيرِهِ لم يُقطَعْ.
ولو ادَّعى السارقُ أنَّ المأخوذَ مِلْكُهُ سقطَ القطعُ على المنصوصِ.
ولو سرقَ اثنانِ شيئًا، فادَّعاهُ أحدهما لهُ أو لهما، وكذَّبَهُ الآخرُ، لم يقطع المدَّعِي، وقُطِعَ الآخرُ في الأصحِّ، إنْ كانَ الذي سَرَقَهُ نصابًا.
وإن سرقَ من حرزِ شريكِهِ مشترَكًا، فلا قطْعَ على النصِّ، وإنْ قلَّ نصيبه.
* الشرطُ الثالثُ
الجزء: 4 - الصفحة: 181
وحينئذٍ، لو سرقَ أصلَ الناذرَ أو فرعَهَ أو عبدَهُ هذا العبدُ الصغيرُ الذي لا يميز، فإنَّهُ يقطعُ، وإنما كان كذلكَ لأنَّ شبهةَ استحقاق النفقةِ إنَّما تتعلقُ بالمالِ الذي لمالِكِهِ تصرُّفٌ فيهِ، وهذا مالٌ لا تصرُّف لَهُ فيهِ.
ضابط
ٌ: ليس لنا موضعٌ يُقطَعُ فيه الأصلُ بسرقةِ مالِ فرعِهِ وبالعكسِ، والعبدُ بسرقِةِ مال سيِّدِه إلَّا هذا.
ولا يقطعُ أحدُ الزوجينِ بسرقةِ مالِ الآخرِ على المنصوصِ، خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا للمحررِ.
قال الشافعيُّ 36 -رضي اللَّه عنه-: (ولا قطعَ على زوجٍ سرقَ مِنْ متاعِ امرأتهِ ولا على امرأةٍ سرقتْ من متاعِ زوجِهَا، ولا علَى عبدِ واحدٍ منهما سرقَ متاعَ صاحبِهِ للأثرِ والشُّبهةِ وخلطةِ كلِّ واحدٍ منهما بصاحبِهِ).
انتهى.
ومَن سرَقَ مالَ بيتِ المالِ 37 إن فرزَ لطائفة ليس هو منهم كذوي القُربى، ولا أصلَ ولا فرعَ ولا عبدَ لمن أفرزَ له فإنَّه يقطعُ حينئذٍ، وإلَّا فالأصحُّ أنَّهُ إن كانَ له حقٌّ في المسروقِ، كمال المصالحِ، وكصدقةٍ وهو مقترٌ أو غنيٌّ غارمٌ لإصلاحِ ذاتِ البينِ، أو غازٍ فلا قطعَ، وإنْ لمْ يكُنْ لهُ حقٌّ في المسروقِ قُطِعَ إلَّا إذا كانَ أصلًا أو فرعًا أو عبدًا لمن إذا سرق من ذاك لا يقطعْ فلا يقطع.
- ضابطٌ: ليس لنا سارقٌ ليسَ له حقّ في المسروقِ لا يقطعُ إلَّا هذا.
والذِّميُّ يقطعُ إذا سرقَ منْ مالِ المصالحِ أو من الزكاةِ لأنَّه لا حقَّ لَهُ في ذلكَ، والصحيحُ قطعُ السارقِ لبابِ مسجدٍ وجذوعِهِ إنْ كانَ مسلمًا 38، فإن
الجزء: 4 - الصفحة: 182
كان ذميًّا قطعَ بسرقتِها بلا خلافٍ، ولاٍ يقطعُ بسرقةِ حصرِهِ وقناديلَ تسرج، إذا كانَ مسلمًا، فإن كانَ السارقُ ذميًّا قُطِعَ بسرقتِهَا بلا خلافٍ، والأصحُّ قطعُهُ بموقوفٍ إذا كانَ سارقُ الوقفِ غيرَ الموقوفِ عليهِ وغيرَ أصلِهِ وفرعِهِ، أو لَمْ يكُن فقيرًا وسرقَ رقيقُهُ نصابًا من الوقْفِ على الفقراءِ، فإنْ لمْ يكُنْ كذلِكَ بلْ كانَ واحدًا ممن ذُكِرَ فلَا قطعَ بلا خلافٍ.
ويقطعُ بسرقةِ أمِّ الولدِ في حالةِ نومِهَا أو جُنُونِهَا على الأصحِّ، وكذلكَ إذا سرقَهَا مكرهةً يقطعُ، كما إذا سرقَهَا نائمةً.
* الشرطُ الرابعُ
الجزء: 4 - الصفحة: 183
كلِّه، وإنما يتخذُ الناسُ لمالهم وحليهم حرزًا خاصًّا غير الصفة من أجلِ عائلتِهم لا من أجلِ السارقِ، وحينئذٍ فالعادةُ أنَّ الدارَ المحكمة البابِ العالية البناء حرزٌ لذلك، وإن لم يوضعْ في خزانةٍ أخرَى مغلقةٍ، هذا ظاهرُ نصِّ الشافعيِّ في "الأمِّ" و"مختصرِ المزنيِّ" خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِه.
وإذا نامَ بصحراءَ أو مسجدٍ على ثوبٍ أو توسَّدَ متاعًا لمحرز، فلو انقلبَ بنفسِه فزالَ عنهُ فلا، ولو نامَ في موضعٍ غيرَ مباحٍ لهُ النَّومُ فيهِ لم يكنْ حرزًا.
وثوبٌ ومتاعٌ وضعَهُ بصحراءَ وهو ينظرُ إليهِ فحرزٌ بملاحظةٍ إذا كانَ الملاحِظُ في موضعٍ بحيثُ يراهُ السارقُ حتَّى يمتنعَ عن السرقةِ، إلَّا بغفلةٍ، وإلَّا فلا يكون محرزًا حينئذٍ.
ويشترطُ في الملاحظِ أَنْ يكونَ قادرًا على منعِ السارقِ بقوةٍ أو استغاثَةٍ.
والدارُ المنفصلةُ عنِ العمارةِ إذا كانَ بها قويٌّ يقظان، فهي حرزٌ مع فتحِ البابِ، وكذا لو كانَ البابُ مغلقًا، والذي فيها نائمٌ على الأرجحِ في الفتوى.
والمتصلةُ بالعمارَةِ حرزٌ مع إغلاقِهِ، ولا يعتَبَرُ وجودُ الحافظِ مع إغلاقِ البابِ؛ كما هوَ ظاهرُ نصِّ الشافعيِّ في "الأمِّ" خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، ومع فتحَ البابِ ونومِ الحافظِ غير حرزٍ ليلًا ونهارًا، ويستثنَى من ذلكَ الأبوابِ المنصوبةِ داخلها المفتوحة، فإنَّها محرزة بتركيبها، ووجود النائمِ فيها، وكذلك سقفُها ورخامُها، بخلافِ المنقولِ فيها وبابُ الدار نفسه المفتوح مُحْرَزٌ بتركيبه فمنْ سرقَهُ قُطِع، ولو كانَ الذي فيه نائمًا أو لمْ يكُن فيها أحدٌ.
وكذلكَ الحلقةُ.
. . 42 باب الدار والبستان لأنَّه إذا غصبه فهو في حرزٍ وإن
الجزء: 4 - الصفحة: 184
لم يغلقْه، لأنَّه هكذا بحرزٍ.
وإذا كانَ البابُ مردودًا والنائم خلفه بحيثُ أنَّه إذا فتحَ البابَ أصابَهُ البابُ وانتبَهُ فلا توقُّف كما قالَ شيخُنا في أنَّ هذا حرزٌ والنائمُ خلفَ البابِ، حينئذٍ أبلغُ من الضَّبَّةِ ومن المتراسِ.
وإنْ كانَ مَن في الدارِ متيقظًا، لكنَّهُ لا يتم الملاحظةَ بل يتردد في الدارِ فتغفلهُ السارقُ فسرقَ، لم يُقطعْ على الأصحِّ المنصوصِ، فإن خلتِ وهي مغلقةٌ فهي حرزٌ على المنصوصِ.
ولا فرقَ في ذلكَ بينَ الليلِ والنَّهارِ، ولا بينَ الأمنِ والخوفِ، خلافًا لما في "المنهاجِ" 43 تبعًا لأصلِهِ.
ويعتبَرُ في الخيمةِ نفسها إذا كانتْ بصحراءَ أمران: شَدُّ الأطنابِ، والحافظ، ويعتبرُ في إحراز ما فيها مع هذين الأمرين: إرخاءُ الأذيالِ وماشية بأبنيةٍ مغلقةٍ متصلة بالعمارة محْرَزَةٌ ببرية بشرط حافظ ولو كان نائمًا، وإبل بصحراء محْرَزَةٌ بحافظ يراها، ويمكنه العدوُ إلى قاصدِها ليأخذ منها، ودفعه عن مقصوده، والإبلُ المقطورة إذا كان قائدُها يقودُها محْرَزَةٌ على المنصوصِ.
قال الشافعيُّ 44 -رضي اللَّه عنه-: (وأيُّ إبلٍ كانتْ تسيرُ وهو يقودُها يقطرُ بعضُهَا إلى بعضٍ، فسرقَ منها أو مما عليها بشيءٍ، قطِعَ).
ولم يتعرَّضِ الشَّافعيُّ للالتفاتِ كلَّ ساعةٍ، وهذا أمرٌ يشقُّ على القائدِ، ولو كانَ هذا معتبرًا لذكرَهُ الشافعيُّ، فما وقعَ في "المنهاج" تبعًا لأصلِهِ من اشتراطِ التفاتِ القائدِ إليهَا كلَّ ساعةٍ غيرُ معتمدٍ.
ولو كانَ القطارُ مارًّا في ممرِّ الناسِ في الأسواقِ وغيرها فإنَّه يكونُ محرزًا
الجزء: 4 - الصفحة: 185
برؤيةِ الناسِ من غيرِ اعتبار التفاتٍ من القائدِ ولا يتقيدُ القطارُ في الصحراءِ بعددٍ، وفي العمرانِ يعتبرُ ما جرتْ به العادةُ بأنْ يجعلُ قطارًا وهو ما بينَ سبعةٍ إلى عشرةٍ، وغير المقطورةِ محرزة إذا كان سائقها حافظًا لها.
والكفنُ في القبر بالبيت المحرز محرزٌ ولو زاد على خمسة أثواب، ولا يختصُّ ذلكَ بالكفَن، بل غيره من الثيابِ والدراهمُ والتابوتُ محرزٌ أيضًا، والكفن بالمقبرةِ بطرفِ العمارةِ محرز إن لم يزد على الخمسة الأثواب التي تلي الميتِ وكانَ لها حارسٌ، ويجبُ حينئذٍ قطعًا، فإن زاد على الخمسةِ المذكورةِ فلا يقطع بسرقة ما زادَ عليها على الأصحِّ، وإنْ لمْ يكُنْ لهَا حارسٌ وجبَ القطعُ في الأصحِّ.
ولو كانَ الكفنُ قد غالى فيه؛ بحيثُ جرتِ العادةُ أن لا يخلَّى مثل ذلك بغير حارسٍ، فإنَّه إذا ترك بغير حارسٍ لا قطع على سارقِه.
ذكره أبو الفرج الزاز في تعليقهِ، وكذا بمضيعةٍ على النصِّ خلافًا لما في "المنهاج" تبعًا لأصلِهِ، قال الشافعي (1) -رضي اللَّه عنه-: (ويقطعُ النبَّاشُ إذا أخرجَ الكفنَ من جميعِ القبر؛ لأنَّ هذا حرز مثله) فلم يقيِّدِ الشافعيُّ بأن يكونَ القبرُ في المقبرةِ المتصَلةِ بالعمران.
فصل
يقطع مؤجر الحرز 46 الذي لم يثبت له خيار الفسخِ بطريقٍ يعتبر قطعًا، وكذا مُعيرُهُ عاريةً لازمة يمتنع الجروع فيها يقطع قطعًا، فإن ثبت له الفسخ بطريقٍ معتبرٍ أو كانَ للمعيرِ الرجوع في العاريةِ فيقطعانِ على النصِّ.
وقيلَ: لا45
الجزء: 4 - الصفحة: 186
قطعَ عليهما.
ولو استأجَرَ موضعًا لزرع الحنطَةِ مثلًا، فغرسَ فيه أشجارًا فدخلَ المالكُ وسرَقَ منهَا فإنَّه لا يُقطعُ؛ لأَنَّ الموضوعَ مِن الغراسِ ليسَ محرَّزًا لاستحقاقِهِ القلعَ، والصورةُ أَنْ تكونَ الأشجارُ حرزًا بنباتها في الأرضِ خاصَّة، وإذا استعملَ المستعيرُ المستعارَ في غيرِ الوجهِ المأذونِ فيهِ كما لَو استعارَ للزرْعِ بغرس فدخل المعير وسرقَ من الغراسِ وقلَعهُ فإنَّه لا يقطَعُ على الأصحِّ، كما تقدَّمَ في صورةِ المؤجر.
ولو غصبَ حرزًا لم يقطع مالكه 47 بسرقة ما أحرزه الغاصب فيه، وكذا أجنبىٌّ في الأصحِّ، ولو غصبَ مالًا وأحرزَهُ فسرقَ المالكُ منه مال الغاصب قطع في الأصحِّ -كما قال شيخُنا- لئلَّا يؤدي إلى أن من غصب من شخصٍ فلسًا ووضعهُ في حرزه الذي فيه النقود والحلي أن المالكَ يسرقُ جميعَ ما هنالِكَ ولا يقطعُ، وهذا خرقٌ عظيمٌ لا يصارُ إليهِ، ولا يعول عليه.
وكذا يقطعُ الأجنبيُّ بأخذهِ المالَ المغصوبَ بسرقةٍ خلافًا لما في "المنهاجِ" 48 تبعًا لأصلِهِ من تصحيح بعضهم القطع فيهما 49، ولا يقطَعُ مختلسٌ ومنتهبٌ وجاحدٌ وديعة لعدمِ شروطِ القطعِ.
ولو نقبَ وعادَ في ليلةٍ أخرَى فسرقَ 50، قطع في الأصحِّ إن لم يُعِدِ الحرزَ، فإن أعيدِ فسرقَ السارقُ قطعَ بلا خلافٍ، وإذا علمَ المالكُ النقبَ وظهرَ للطارقينَ فلا يقطعُ على الصحيح، وقيل قطعًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 187
وإذا نقبَ واحدٌ وأخرجَ آخرُ فلا قطعَ إذا لم يكن في الدارِ حافظٌ قريبٌ من النَّقبِ، وهو يلاحظُ المتاعَ، فإن كانَ كذلكَ وجبَ القطعُ بهِ على الأخذِ، وإنْ كانَ نائمًا لم يكنِ المالُ محفوظًا به في أصحِّ الوجهينِ.
ولو تعاونا على النقبِ 51 وانفردَ أحدُهما بالإخراجِ، أو وضعهُ بقربِ النَّقبِ فأخرَجَهُ الآخرُ قطع المخرِجُ.
ولو وضعه أحدُ النَّاقبينِ بوسطِ نقبٍ فأخرجهُ الآخرُ وهو يساوي نصابينِ لم يقطعا في الأظهرِ.
ولو رماهُ إلى غير حرزِ المالكِ، أو وضعه بماء جارٍ أو على ظهرِ دابَّةٍ وسيَّرها أو وضعه وهي في السيرِ فخرجتْ بهِ، أو عرضه لريحٍ هابَّةٍ فأخرجته قطع 52، ومنَعَ شيخُنا القطع بهذه الأخيرة؛ معللًا بأن تعرضه للريحِ ليسَ مما تقتضي العادةُ أن يخرجَ بِهِ، بخلافِ الماء الجاري.
وإن وضعه على دابَّةٍ واقفةٍ فمشيت بوضعه ولم يستولِ عليها، وكان البابُ مفتوحًا فخرجتْ فلا قطعَ في الأصحِّ.
ولا يقطعُ سارقُ الحرِّ 53، ولو سرقَ صغيرًا حرًّا لا تمييزَ لهُ بقلادةٍ فلا قطع على الصحيحِ، وحكمُ الأعجمي الذي لا تمييز له والمجنون حكمُ غير المميزِ، فإن كانت لغير الصبيِّ وسرقَ السارقُ الصبيَّ الذي عليه القلادة، والقلادةُ تبلغُ نصابًا فإنَّهُ يقطعُ، وجهًا واحدًا.
ذكره الماورديُّ؛ لأنَ يدُ الصبيِّ ليستْ على القلادةِ يد مالك، ولا حافظَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 188
ولو نام عبدٌ مستقلٌّ غير مكاتب على بعيرٍ وقادَهُ فأخرجَهُ من القافلةِ، وجعلَهُ في مضيعةٍ قطعَ، أو مكاتبٌ أو حُر فلا في الأصحِّ (1). ولوْ نقلَ المتاعَ من بيتٍ مغلقٍ إلى صحنِ دارٍ بابُها مفتوح قطع، وإلَّا فلا، وقيل: إن كانَا مغلقين قطع إذا لم يكن الصحن حرزًا لَهُ، فإنْ كانَ الصحنُ حرزًا له فينبغي أَنْ لا يُقطعُ قطعًا، ويقطعُ الذي أخرَجَ منَ البيتِ إلى الصحنِ المشتركِ، سواءٌ أكانَ البابُ الجامعُ مفتوحًا أم كانَ مغلقًا على مقتضَى النصِّ، هو المعتمَدُ في الفتوَى (2).
فرع
: لا يقطعُ صبيٌّ ومجنون لعدمِ التكليفِ، ولا يُقطَعُ مكرَهٌ لعدمِ الاختيارِ، ولا يقطَعُ الذي أكرَهَهُ على السرقَةِ، ويقطَعُ المسلمُ والذمِّيِّ بمالِ المسلمٍ، والذِّميُّ على الصحيحِ من المذهب، ولا يقطعُ المعاهَدُ بسرقةِ مالِ مسلمٍ، ولا ذميٍّ على الأظهَرِ 56، ولا يقطعُ لسرقةِ معاهدٍ قطعًا كما قالهُ الماورديُّ.
وتثبُتُ السرقَةُ 57 بإقرارِ السارقِ وبالبيِّنَةِ برجلينِ، ولا يثبتُ قطع السرقةِ باليمينِ المردودةِ على المنصوصِ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ.
قال الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه- 58: (ولا يقامُ على سارقٍ ولا محاربٍ حدٌّ إلَّا بواحدٍ من وجهينِ: إمَّا شاهدان عدلانِ يشهدانِ عليه بما في مثله الحد، وإمَّا باعترافٍ5455
الجزء: 4 - الصفحة: 189
ثَبَتَ عليهِ حتى يُقامَ عليهِ الحدُّ) هذا نصُّه.
ولو أقرَّ ثمَّ رجَعَ فالأرجحُ أنَّه لا يقبلُ في المالِ، ويقبلُ في سقوطِ القطعِ.
ومَن أقرَّ بعقوبةٍ للَّه تعالى فالمنصوصُ أنَّ للقاضِي أَنْ يعرضُ له بالرجوعِ إذا كانَ الرَّجُلُ ممن لا يعرفُ أنَهُ مندوبٌ إلى ستر ذلك، وإنَّه إذا عرفَ به فيثبت عليه سقط برجوعِه، وليسَ للقاضي أن يقولَ لهُ ارجِع 59.
ولو أقرَّ أنَّه سَرَقَ مال زيد الغائب لم يقطعْ في الحالِ، بل ينتظرُ حضورُه على المذهبِ إنْ لمْ يكُنْ سفيهًا، فإن كانَ سفيهًا وطلبَ وليهُ المالَ قطعَ المقرُّ بالسرقةِ، ولا ينتظرُ حضورُ السفيهِ، ومجردُ حضورِ الغائبِ الذي ينتظر حضوره لا يكفي، بل المتعبَرُ مع حضورِهِ مطالبتُهُ بالمالِ بالدَّعوَى بنفسِهِ أو بوكيلِهِ، وإن لم يحضر، والمذهبُ أنَّهُ لو أقرَّ أنَّه أكره أمة فلان الغائب على زنًا حُدَّ في الحالِ، وكذلك الحكمُ لو قالَ زنيتُ بجاريةِ فلانٍ، ولم يذكرْ إكراهًا 60.
ويثبتُ القطعُ بشهادةِ رجلينِ، فلو شهدَ بها رجلٌ وامرأتَانِ بعد دعوى المالِكِ أو وكيلِهِ ثبت المالِ، ولا قطعَ، وكذلكَ الحكمُ بالشاهدِ واليمينِ يحصلُ به ثبوتُ المالِ ولا قطعَ 61.
ويُشترطُ ذكر الشاهدِ من شروطِ السَّرقَةِ ما يجبُ عليه ذكرُه، ولا يشترط ما لا يجبُ، فمما لا يجبُ عليه ذكرُهُ كونُ المسروقِ نصابًا، بل يكفي تعيينُ المسروقِ، ثمَّ الحاكمُ ينظرُ فيه، فإذَا ظهَرَ لَهُ أنَّهُ نصابٌ على ما تقرَّرَ عمل
الجزء: 4 - الصفحة: 190
بمقتضاهُ، ومما لا يجبُ عليه ذكرُهُ كونُ المسروقِ ملكًا لغيرِ السَّارِقِ، بل يكفِي أَنْ يقولَ: سرقَ هَذَا.
ثم المالكُ يقولُ: "هذا ملكي"، والسارقُ يوافقُهُ فيقطع بشروطِهِ.
وممَّا لا يجبُ ذكرُهُ كما قال ابن الصبَّاغِ أن يقول: "ولا أعلمُ له فيهِ شبهةً"؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الشبهةِ، وإذا اختلفَ الشاهدَانِ فقالَ أحدُهما: سرقَ بكرةً، وقالَ الآخرُ: "سرقَ عشيَّةً" بطلتْ شهادتُهما لعدمِ اتفاقِهما.
ويجبُ على السارقِ ردُّ ما سرَقَهُ إن كانَ باقيًا، فإن تلفَ ضمِنَهُ، وتُقطع يمينُهُ إنْ لم تكنْ شلَّاء، أو كانت شلَّاءَ تنحسمُ عروقها، فأمَّا إذا كانت شلَّاء وقال أهلُ الخبرةِ "إنَّها لو قطعتْ لم ينحسمِ الدَّمُ" فلا تقطعُ قطعًا، فإنْ قالُوا ينقطعُ الدَّمُ، قُطعت، واكتفي بها 62.
ولا يجزئ قطعُ اليدِ اليُسرَى مع إمكانِ قطعِ اليدِ اليُمنَى، والرجلُ اليسرَى أصلًا، إلَّا إذا قالَ الجلادُ للسارقِ: "أخرجْ يمينَك"، فأخرجَ يسارَهُ فقطعَهَا، وقالَ المخرجُ: "ظننتُها اليُمنَى"، أو أنها تجزئ، فإنَّه يسقطُ القطعُ في اليمينِ على الأظهَرِ، لأنَّ المقصودَ التنكيلُ، وقدْ حصَلَ؛ ولأنَّ الحدَّ مبنيٌّ على التخفيفِ، فإن سرقَ ثانيًا بعد قطعَ اليمينِ قطعَتْ رجلُهُ اليُسرَى، إذا لم يكن له يدٌ أخرَى على المعصمِ الأيمنِ مساويةً للمقطوعةِ في البطشِ والخلقةِ، فإن كانَ كذلك فإنَّهُ تقطعُ في السرقَةِ الثانيةِ اليدُ الأخرى.
ولو أمْكَنَ قطعُ أحدهما لأنَّها أصليَّةٌ فبطشتِ الأُخرَى أو كانَ بطشُها ناقصًا أو ناقصةَ الخلقَةِ، فإنَّه يُكتفَي بِهَا في القطعِ في المرَّةِ الثانيةِ، ويجيءُ في القدمين مثل هذا، أو في هذا اليسرى مثل هذا أو على هذا، فقد يسرقُ خامسًا
الجزء: 4 - الصفحة: 191
فيقطع بعض ما ذكر، وكذلك سادسًا، وإذا فرغتِ الأطرافُ كلها عزر، وممنْ يُعزَّرُ أيضًا الصبيُّ، ومن سرَقَ على صورةٍ لا يجبُ عليه فيها القطعُ، ويغمسُ محلُّ قطعِه بزيتٍ أو دهنٍ مغليٍّ، قيلَ هو تتمَّةُ الحدِّ، والأصحُّ أنَّه حقٌّ للمقطوعِ، فعلى الأولِ لا يتركُهُ الإمامُ، ويكونُ ثمنُ الزيتِ ومؤنة الحسمِ على السارقِ على الأصحِّ، وعلى الأصحِّ أنَّهُ حقٌّ له، فمؤنتُه في بيتِ المالِ، وهو الذي جزمَ به جمعٌ من الأصحابِ العراقيينَ، والخراسانيينَ.
ولو تركَ الإمامُ الحسمَ فلا شيءَ عليه، إن لم يكنْ في إهمالِهِ ما يؤدي إلى تلفِ المقطوعِ، فإن أغمي عليه أو زال عقلُهُ وليس لَهُ من يقومُ بحالِهِ أو كانَ على حالٍ يتعذر فلو لم يكن في بيت المالِ شيءٌ فمن مالِ المقطوعِ، فإن لم يعطِ المالَ ترك.
وتُقطعُ اليدُ من الكوعِ 63، والرِّجلُ من مفصلِ القدمِ، ومن سرقَ مرارًا بلا قطعٍ يكفي قطعُ يمينِهِ، وإن نقصتْ أربع أصابع، فإن نقصتِ الخمسُ فالأصحُّ عند الشيخ أبي حامدٍ والغزاليِّ وعليه اقتصر ابنُ الصباغِ: الاكتفاء، وصحَّحهُ النوويُّ في زياداتِه، والأصحُّ عند شيخِنَا تبعًا للقاضي حُسين عدمُ الاكتفاءِ، وتقطعُ اليدُ الزائدةُ الأصبعِ على الصحيحِ، وحُكم زيادةِ الإصبعين أو أكثرَ كالأصبعِ الزائدِ، وأمَّا اليدُ الزائدةُ الكفَّ فإنْ كانَ لا يمكنُ قطعُ الكفِّ الزائدُ بأصابعِهِ كالأصابعِ الزائدةِ، وإذا سرقَ فسقطتِ يمينه بآفةٍ أو جنايةٍ، سقطُ القطعُ، وإن سقطت يسارُه فلا يسقطُ القطعُ على الأرجحِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 192
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بابُ قاطع الطريق
قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الآية.
وهو مكلَّفٌ ملتزمٌ واحدًا كان أو أكثرَ 64، خرجَ على مَن مالُهُ محترمٌ لأخذ ماله أو لقتال، فمنهُ إخافة السبل مع اعتمادٍ على قوةٍ يتغلَّبُ بها مجاهرةً، مع بعدٍ عن الغوثِ ولوْ في البلدِ، ولو ليلًا مكابرةً مع منعِ أصحابِ الدَّارِ من الاستغاثَةِ، وبالبعدِ عن الغوثِ فارقُ المنتهبِ، ولا يشترطُ ذكورةً، فلو اجتمع نسوةٌ لهنَّ شوكةٌ وقوَّةٌ فهنَّ قاطعاتِ طريقٍ، ولا إسلامه، خلافًا لما ذكرَهُ الرَّافعيُّ ومَن تبعهُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 193
فالذِّميُّ اذا قطعَ الطريقَ يقامُ عليه مقتضاهُ، سواءٌ انتقضَ عهدَهُ بذلك أم لم ينتقضْ، فإنْ قاتَلَ انتقَضَ عهدُهُ بالقتالِ، ثم ما يفعلهُ بعدَ ذلكَ لا يجري عليه حكم قاطع الطريقِ، والمستأمَنُ لا يجري عليهِ حكمُ القطاعِ، وقياس ما قيلَ في السرقَةِ من القولِ بقطعِهِ أو إن شرطَ عليه أن يأتي هنا.
وأمَّا المختلسونَ 65 الذين يتعرَّضونَ لآخر القافلةِ ويعتمدون الهربَ فليسوا بقطاعٍ، والذينَ يغلبونَ شرذمةً بقوتهِم قطاعٌ في حقهم لا في حقِّ القافلَةِ العظيمةِ، وحيث يلحقُ غوث قبلَ حصول مقصودِهم فليسوا بقطَّاعٍ، وإذَا عرَفَ الإمامُ من واحدٍ أو جمعٍ إخافةَ الطريقِ من غيرِ أخذِ مالٍ ولا جرح ولا قتل عزَّر من هذا حاله بما يراهُ من حبسٍ وغيرِه، ومَن كان مكثرًا لهم خاصَّةً فيعزر بما يراهُ من حبسٍ أو تغريبٍ أو غيرهما، وكذا من أخذ منهم دون نصابِ السرقةِ.
ونصَّ في "الأمِّ" أنَّ من جُرحَ منهم، ولم يقتل ولا أخذ مالًا أنَّهُ يقتصُّ منهُ بما فيه القصاصُ وعُزِّرَ وحُبس، ومن أخذ منهم نصابَ سرقة محرزًا قطعتْ يدُهُ اليُمنَى ورجلُه اليُسرَى 66، ولاء، ولو مع حسم، وإن جرح وأخذ المالَ قطع للمالِ الأولى قتل قطع الثانية إن خيفَ عليه، وإن لم يوجَدْ إلَّا أحدهما قطعتْ، كانَ فقدَ أوْ عادَ ثانيًا بعد قطعهما، فقطعتْ يدُهُ اليُسرى ورجلهُ اليمنَى كمَا سبقَ، أو ما وجدَ منهما.
وإنْ قَتَلَ مكافئًا لَهُ قتلَ ولمْ يُصلب 67، وإنْ قتلَ وأخذَ من المالِ نصابًا فأكثرَ فلا يقطع، ولكنْ يُقتلُ ويُصلَبُ ثلاثةَ أيامٍ، ثم ينزلُ إن لمْ يخفِ التغير
الجزء: 4 - الصفحة: 194
قبلَ الثلاثِ، فإنْ خِيفَ التغير قبلَ الثلاثِ نزلَ على أصحِّ الوجهينِ، وحيثُ قتل القاطع فيعطى حكمُ الحد في مواضعِ قطعًا، وعلى الأصحِّ، وحكم القصاصِ في مواضعِ قطعًا، وعلى الأصحِّ.
فمنَ الأوَّلِ: أنَّ الإمامَ يقتُلُه من غيرِ توقُّفٍ على طلب ولي القتيلِ، ولا ينتظر تكليفُه إذا كانَ غيرَ مكلَّفٍ ولا حضورُهُ إنْ كانَ غائبًا، ولا يسقطُ بعفوِهِ، ويتحتَّمُ قتلُهُ إذا قَدَرنا عليهِ قبلَ التوبةِ، وكانَ قدَ قَتَلَ مَن يُقتلُ بِه لولا قطع الطريقِ، ولم يرجع عن إقرارِهِ الذي ثبتَ القتلُ بِه، وكانَ القتلُ لأخذِ المالِ، وإذا قتلَ قاطعُ الطريقِ جماعةً على الترتيبِ فإنَّهُ يتحتمُ قتلُهُ ويدخلُ الأوَّلُ لا محالةَ حتَّى لو عفَى وليُّ الأولِ لم يسقط قتله بالأوَّلِ، كما نقلَهُ المصنفانِ المتأخرانِ عن البغويِّ ولم يتعقَّباهُ، ومقتضَى هذا أن قتلَهُ محتمٌ قطعًا، وهذا مقتضَى تغليبِ الحدِّ بالنسبةِ إلى ذلكَ قطعًا.
ومن الثانِي: أنَّه لو عفى وليُّ القتيل على الديةِ، فلا ديةَ لَهُ على القولينِ، على الطريق المعتمدِ الخارجةِ منَ نصِّ "الأمِّ" وكلامُ العراقيينَ وجمعٌ من المراوزةٍ وشذَّ الفُورانيُّ ومن تَبِعَهُ، وتبعهُ صاحبُ "المحرر"، و"المنهاج" فأوجبَ للعافي الديةَ تفريعًا على تغليبِ القصاصِ، وهذا غيرُ معتمدٍ، وهو غلطٌ، ويمكن أن يجعلَ هذا من الأوَّلِ.
وأمَّا الثالثُ: فمنهُ أنَّه لا يقتلُ بالمرتدِّ إذا علمَ بردَّتِه وتجبُ الكفَّارُةُ.
ومنَ الرابعِ: أنَّه لا يقتلُ بغيرِ الكافرِ على الأصحِّ، وتؤخذُ الديةُ من مالِهِ لو ماتَ بلا قتلٍ أو قتلَ بالأوَّلِ أو بمرقُوع.
ولا يسقطُ القصاصُ بالتوبَةِ قبلَ القدرةِ عليه، وتراعَى المماثلةُ، وعلى قاتلِهِ بغيرِ إذنِ الإمامِ الدية لورثتِهِ.
وإذا تابَ قاطعُ الطريقِ قبلَ القدرَةِ عليهِ لم يسقطْ حقُّ الآدميِّ، ويسقطُ
الجزء: 4 - الصفحة: 195
التعزيرُ وانحتام القتل، ويسقطُ الصلبُ والقطعُ في الرِّجلِ، وكذا اليد على الأصحِّ.
وكذلكَ يسقطُ ما ذكر إذا ثبَتَ ذلكَ بإقرارِهِ ثمَّ رجَعَ عنهُ، وأمَّا إذَا تابَ بعدَ القدرَةِ عليهِ فلا يسقطُ شيءٌ من ذلكَ على أصحِّ القولينِ.
وتسقطُ سائرُ حدُودِ اللَّهِ تعالى بالتوبَةِ على المنصوصِ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ.
قالَ الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه- 68: وإذا شهدَ الشُّهودُ على حدٍّ للَّهِ تعالى، أو للنَّاسِ، أو حدٍّ فيهِ شيءٌ للَّهِ وللناسِ مثلِ الزِّنا والسرقةِ وشربِ الخمرِ فأثبتُوا الشهادَةَ علَى الشهودِ عليهِ أنَّهَا بعدَ بلوغِهِ وفي حالٍ يعقلُ فيها، أقيمَ عليهِ ذلك الحدُّ، إلَّا أَنْ يُحدِثَ بعدَهُ توبةً فيلزمُهُ مَا للناسِ ويسقُطُ عنه ما للَّهِ عز وجل؛ قياسًا على قولِ اللَّه عز وجل في المحاربينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
فما كانَ من حدٍّ للَّهِ تعالَى تابَ صاحبُهُ من قبلِ أَنْ يقدرَ عليهِ سقطَ عنْهُ والتوبةُ مما كانَ ذنبًا بالفعلِ مثلَ الزِّنَا وأشباهِهِ، فيتركُ الفعلُ مدَّة يختبرَ فيها حتَّى يكونَ ذلكَ معروفًا، وإنَّما يُخرَجُ من الشيء بتركِ الذي دخلَ فيهِ.
وقد جَزَمَ الشافعيُّ بالسقوطِ لما ذكر الكلام علَى توبَةِ قاطِعِ الطريقِ، قالَ الشافعيُّ رحمه اللَّه: السارقُ مثلُهُ قياسًا عليهِ، يسقُطُ عنْهُ القطعُ ويوجدُ مغرمُ ما سرقَ، وإنْ فاتَ مَا سرَقَ.
انتهَى.
الجزء: 4 - الصفحة: 196
فصل
لا توالي في غيرِ قطعِ الطريقِ بين قطعينِ إلَّا في القصاصِ فيوالي فيه بينَ قطعِ الأطرافِ.
ولو قطعَ يسارَ إنسانٍ وسرقَ، قطعتْ يسارُهُ قصاصًا وأمهلِ إلى الاندمالِ، بخلافِ ما لو استحقتْ يمينهُ للقصاصِ وأخذِ المالِ في قطعِ الطريقِ، فإنَّهُ تقطعُ اليمينُ قصاصًا، وتقطعُ الرجلُ اليُسرَى عن قطعِ الطريقِ عقبَ القصاصِ كما في قطعِ الطريقِ المتمحض.
ولو قطعَ اليد اليمنَى والرجل اليسرى بحيثُ يجبُ القصاصُ ثم أخذَ المالَ في قطعِ الطريقِ قطعيًّا قصاصًا ولا حد، ومن لزمه قصاصٌ في نفسٍ وغيرها وحد قذفٍ، وطالبوهُ، فينظرُ فيهِ إلى تقديمِ الأخفِّ، فيقدَّمُ حدُّ القذفِ، ثمَّ يؤخَّرُ لئلَّا يهلكَ بالقطعِ بعدَ الجلدِ، فيفوت القتل، ولا يؤثر رضى مستحق القتل بتعجيل القطعِ على الصوابِ، وقال الإمامُ: إذا لم يخفِ الهلاكَ يبادر بالقطعِ برضى مستحق القتل وإذا بادر مستحق القتل فقتل فات حدُّ القذفِ ورجع مستحق القطع إلى الديةِ في تركة الجاني، لا على المبادر.
ولو أخَّر مستحق الجلد جلده؛ فذكر صاحب "المحرر" و"المنهاج" أنَّ القياسَ صبر الآخرين، وهذا ممنوع، بل القياسُ أن يُقالَ له: إمَّا أن تستوفي حقَّك وإلَّا قطعناهُ وقتلناه لئلَّا يتأخر حقهما فيضيع.
ولو اجتمع عقوباتٌ للَّهِ تعالَى قدِّمَ الأخفُّ فالأخفُّ، وأخفُّها التعزيرُ، ثمَّ يمهل، ثم يحدُّ للشربِ، ثمَّ يمهلُ، ثمَّ يجلدُ للزِّنَا، ثم يمهلُ، ثم يقطعُ للسرقةِ، ولا يمهلُ للقتل.
ولو اجتمع عقوباتٌ للَّهِ تعالى وللآدميينَ؛ قدِّمَ حدُّ القذفِ على حدِّ الزِّنَا،
الجزء: 4 - الصفحة: 197
ومقتضَى نصِّ "الأمِّ" تقديمُ حدِّ القذفِ على حدِّ الشرب، وهو المعتمدُ خلافًا لمَّا صححوهُ، نظرًا إلى تقديمِ حدِّ الآدميِّ لا إلى الأَخفِّ، وأنَّه يقدَّمُ القطعُ قصاصًا على حدِّ الزنَا، وأما القتلُ قصاصًا فلا يقدَّمُ على حدِّ الزنا الذي هو الجلدُ، بل يجلدُ، ثم يمهلُ، ثم يقتلُ قصاصًا، نصَّ عليه.
وإن كانَ حدُّ الزنا الرجمُ ففي وجهٍ يرجمُ بإذنِ الوليِّ ليتأدى به الحقَّانِ، والأصحَّ أنَّه يسلَّمُ إلى الوليِّ ليقتله قصاصًا، وما وقعَ في "المحرر" و"المنهاج" 69 من إطلاقِ وتقديمِ القتلِ قصاصًا على الزِّنَا متعقبٌ بما ذكرناهُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 198
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باب الحدود
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الآيةَ، وصحَّ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "كلُّ شرابٍ أسكرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرامٌ" 70. عصير العنبِ الذي اشتدَّ وأسكرَ وقذفَ حرامٌ بالإجماعِ، ويفسَّقُ شاربُهُ المكلَّفُ المسلمُ المختارُ العارفُ بحالِهِ، ويلزمه الحدُّ، ويكفرُ مستحلُّه، وألحقَ بهِ البغويُّ عصيرَ الرطبِ النيئ، واختارَ الرُّويانِيُّ أنَّهُ كسائرِ الأشربةِ المسكر كثيرُها، وهي كلُّها عندنا محرَّمةٌ، يجبُ بها الحدُّ، لكنْ لا يكفرُ مستحلُّ ما فيهِ الخلافُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 199
ولا حدَّ على صبيٍّ ومجنونٍ وذميٍّ يشربُ خمرَ ولا غيرُه مما ذكرَ، ولا علَى مَن غُصَّ بلقمةٍ وتغيبت أساغها بما ذكر، بل تجبُ الإساغةُ لحفظِ الرُّوحِ، ويحرمُ التَّداوِي بِهَا وشربِها للعطشِ والجوع على ما صحَّحوهُ، ويحدُّ، والأرجحُ أنَّه إنْ كَانَ يدفعُ جوعًا ومعهُ فيها سائغٌ فلا يجوزُ ويحدُّ.
أو عطشًا كذلكَ جازَ بلا حدٍّ كالإساغَةِ، ولا مَن أوجر سكرها، وكذا مَن أكرِهَ حتَّى شربَهُ على الأصحِّ.
ولا حدَّ على مَن جهِلَ أنَّهَا خمرٌ، أو جهلَ التحريمِ لقرْبِ عهدِهِ بالإسلامِ، فإن علِمَ التحريمَ وجهلَ الحدَّ حُدَّ.
ويحدُّ الحنفيُّ بشربِ النبيذِ الذي يعتقدُ إباحتَهُ ولا يفسَّقُ، ويحدُّ بشربِ الدردي والتخبُّز منهُ إذا أكلَهُ بخبزٍ، أو ثردَ فيهِ وأكلَ الثريدَ، أو طبخَ بهِ وأكلَ المَرَقَ لا باللحمِ المطبوخِ بِهِ، ولا بأكلٍ خبزٍ معجونٍ بِه على الأصحِّ، ولا بما استهلَكَ فيه الخمرَ، ولا يحدُّ بحقنَةٍ ولا سعوط، كما جزمَ بهِ ابنُ الصباغِ، وحكى غيرُهُ فيه وجهين وصححَ المتأخرونَ أنَّهُ لا يحدُّ.
قال شيخُنا: والأرجحُ عندِي أنَّهُ يحدُّ إذا كانَ يحصلُ منهُ سكرُ بوجهٍ ما، كما في الشربِ، وكذلك لو جعلَ يسكر بوصولِهِ إلى جائفةٍ ومأمومةٍ، ولم يذكروه.
وما يزيل العقلَ من غيرِ الأشربةِ المذكورَةِ يحرمُ تناوُلُه، ولا حدَّ فيهِ، وكذلكَ الحشيشةُ التي يحصُلُ منهَا التخدُّرُ.
والحدُّ في هذا البابِ حتمًا على مَن تكملتْ فيهِ الحريَّةُ أربعون، وعلى مَن فيهِ رقٌّ عشرونَ بالسوطِ أو الأيدِي أو النعال أو أطرافِ الثِّيابِ.
وفي وجهٍ أنَّه يتعيَّنُ ما عدا السوطِ من الأيدِي والنِّعال وأطرافِ الثِّيابِ، وفي وجهِ آخر أنَّه يتعينُ السوطُ، وهو أضعفُ منَ الأوَّل.
الجزء: 4 - الصفحة: 200
ولو رأَى الإمامُ بلوغَه للحرِّ ثمانينَ جازَ علَى المنصوصِ، ولا يزيدُ على الثمانينَ بلا خلافٍ، والزيادةُ على الأربعينَ إلى الثمانينَ بغيرِ السوطِ تعزيراتٍ، وأمَّا الأربعونَ بالسوطِ فليستْ حدًّا، وأنَّه إذا ماتَ منها ضمنهُ الإمامُ علَى مقتضَى نصِّ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه-: ولفظه: (وإذا ضربَهُ -يعني السلطانُ- في خمرٍ أو سكرٍ من شرابٍ بنعلينِ أو طرفِ ثوبٍ أو يدٍ ما أشبههُ ضربًا يحيطُ العلمُ أنَّهُ لا يبلغُ أربعينَ أو يبلغُها ولا يجاوزها فماتَ من ذلكَ فالحقُّ قتله، وما قلت: الحق قتله، فلا عقلَ فيهِ ولا قودَ ولا كفَّارَةَ على الإمامِ، ولا علَى الذي يلي ذلكَ من المضروبِ.
ولو ضربَهُ بما وصفتُ أربعينَ أو نحوَهُ لم يؤد عليِه شيئًا فكذلكَ، ثم قال: فإنْ ضرَبَهُ أربعينَ أو أقلَّ منهَا بسوطٍ، أو ضربَهُ أكثرَ من أربعينَ بالنِّعالِ أو غيرِ ذلكَ فماتَ فديتُهُ على عاقلةِ الإمامِ، وفي وجهٍ أنَّها حدٌّ، وصاحبُ هذا الوجهِ وهو أبو إسحاق المروزي يقول: إنَّه لا يتحتَّمُ، وإنَّه يتعلَّقُ بالاجتهادِ وما كانَ كذلكَ كانَ مضمونًا على الإمامِ إذا حصلَ التلفُ به اتِّفاقًا.
ويكفي في إقرارِ الشَّاربِ أَنْ يقولَ: شربتُ خمرًا، أو يقولُ: شربَ رجلٌ خمرًا، وهو أنَا.
وأمَّا الشاهدُ فيقولُ: أشهدُ أنَّ هذا، أو: أنَّ فلانَ ابقَ فلانٍ -وينسبه بما يعرفُ به- شربَ الخمرِ المحرَّمةِ عليهِ من غيرِ أن يسيغَ بهَا ما غصَّ بهِ.
ويقولُ في شربِ الشاربِ النبيذَ: أشهدُ أنَّهُ شربَ النبيذَ الذي يسكرُ كثيرُهُ.
ولا يشترطُ أَنْ يقولَ: "وهو عالمٌ أنَّه مختار" على المنصوصِ، وفي وجهٍ يشترطُ.
ولا يحدُّ في حالِ سكرِهِ، فلو حدَّ في تلكَ الحالةِ أجزأ على أصحِّ الوجهينِ، ويكونُ السوطُ المجلود بِهِ بينَ الرطبِ واليابس، ويفرِّقُهُ على الأعضاءِ إلَّا
الجزء: 4 - الصفحة: 201
المَقَاتِلَ، والوجه والرأس على المنصوصِ في البويطي، ولا نصَّ له يخالفة، فهو المعتمدُ خلافًا لما في "المنهاج" (1) تبعًا لأصلِه، من جعلِ استثناءِ الرأسِ وجهًا ضعيفًا، ولا تُشدُّ يدُ المجلود ولا يجرَّدُ عن ثيابِهِ، ويوالي الضربَ بحيثُ يحصلُ الزجرُ والتنكيلُ.
فصل
يعزرُ في كلِّ معصيةٍ لا حدَّ فيها 72 من لم يكنْ أصلًا في حقِّ فرعِهِ ولا ذا هيئةٍ في عترتِهِ ولا مخاصمًا لخصمِه في حالِ المخاصمةِ أنَّه ظالمٌ أو فاجرٌ، ويحتملُ ذلكَ منهُ ولا من ارتدَّ أوَّلَ مرَّةٍ ثم أسلمَ، ولا من وطئَ زوجتَهُ في دبرها أوَّلَ مرَّةٍ على النصِّ.
ويعزَّرُ الصبيُّ والمجنونُ، وإن لم يكنْ فعلهما معصيةً على النصِّ، وقد يقعُ ما صورتُهُ صورةَ التعزيرِ، وإن لم توجَدِ المعصيةُ فحبسُ الحاكمِ من ثبتَ عليه الدينُ ولم يظهر منهُ تقصيرٌ، ولم يثبتْ ملاؤُهُ ولا مماطلته، وادَّعى الإعسارَ، ولم يثبتْ ما ادَّعاهُ نوعٌ فيه نظر، لأنَّ الحبسَ الذي تعلَّقَ ممنْ ظهرتْ ملاؤُهُ ومماطلتُه لهُ وجهٌ باعتبارِ معصيتهِ، وهذا متعذِّرٌ هنا، ولا وجهَ له إلَّا بأنْ يدعي أن هذا طريق في الظاهرِ بينَ الناس إلى خلاصِ الحقوقِ، فيفعلُ ذلك عملًا بأنَّ الظاهرَ الملاءَةُ؛ لأنَّ ثبوتَ الدينِ يقضيه المعاملة ونحوها يدلُّ على الملاءَةِ.71
الجزء: 4 - الصفحة: 202
ومما يقعُ في صورة التعزير ولا معصيةَ وذكر في "المنهاج" 73 تبعًا للمحرر بعد نفي الحدِّ نفي الكفارة فقالَ: يُعزرُ في كلِّ معصيةٍ لا حدَّ فيها ولا كفَّارة، ولم يذكر "ولا كفارة" جمع من الأصحابِ في الطريقينِ.
ويستثنى من إطلاقِهِ "وإلَّا كفارةَ" مسائل يشرعُ فيها التعزيرُ والكفارةُ.
فمنها إذا جامعَ زوجَتَهُ أو أمتَهُ في نهارِ رمضانَ الجماعَ الموجبَ للكفَّارَةِ، فإنَّه يجبُ عليه التعزيرُ على ما جزَمَ بِهِ صاحبُ التعجيز وادَّعى البغويُّ في "شرحِ السُّنَّةِ" إجماعَ الأمَّةِ عليه، ونازعَهُ شيخُنا في ذلك، وقال: إن الصحيحَ من الأوجُهِ أنَّهُ لا يعزَّرُ، وجزمَ ابنُ الرِّفعةِ بهذا، وهو المعتمدُ، وقالَ: ووهِمَ مَن جعلَهُ وجهًا.
انتهَى.
ومنها: إذا قتلَ منْ لا يقادُ بِهِ، فإنَّه يُعزَّرُ، معَ أنَّ الكفَّارَةَ واجبة.
ومنها: اليمينُ الغموسُ، فإنَّ فيهَا الكفَّارَةَ والتعزيرَ، كما جَزَمَ بِهِ صاحبُ "المهذَّب" خلافًا لمنْ منع استثناءَها مِن ذلك.
ويستثنى من قولِنا: "لا حدَّ فيهَا" ما لو جلدَ للزِّنا بشهادةٍ، ولم يؤثِّرْ فيهِ الجلدُ، ثمَّ رجعَ الشاهدُ فكذَّبَ نفسَهُ.
ففي الكفاية عن الكافي أنَّهُ يحدُّ للقذفِ، ويعزَّرُ لاعترافِهِ بشهادةِ الزُّورِ.
ومما يرد على العبارتينِ جميعًا ما إذا رأَى مَن زنَى بزوجتِهِ والزَّانِي محصنٌ فقتلَهُ، فلا تعزيرَ عليهِ، وإنِ افْتَاتَ على الإمامِ ويُعْذَرُ لأجلِ الحميَّةِ، ويحل لَه قتله فيما بينَهُ وبينَ اللَّهِ تعالى إذا لمْ تكُنْ بيِّنَة، وإنْ كانَ يُقادُ بِهِ في الظاهرِ كما نصَّ عليهِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 203
والتعزيرُ بالحبسِ أوِ الضربِ أو الصفعِ أو التوبيخِ، أو النَّفي 74، وللإمامِ أَنْ يجمَعَ بين الحبسِ والضربِ والاقتصارِ على أحدِهِما، وعليهِ أَنْ يرَاعِي الترتيبَ والتدريجَ كمَا يراعيهِ دافعُ الصائل، فلا يرقَى إلى مرتبةٍ وهو يَرَى ما دونَهَا مؤثرًا كافيًا، ويجتهدُ في تركِهِ، فإنْ رأَى المصلحَةَ في العفوِ فلَهُ ذلكَ.
ويجتهدُ في جنسِهِ بينَ الحبسِ أو الضربِ جلدًا أو صفعًا أو غيرَ ذلكَ منَ التَعازيرِ، وإذا رأَى التعزيرَ بالحبسِ فقالَ الزبيريُّ يتقدر بشهرٍ للاستبراء، أو للكشفِ، وستة أشهرٍ للتأدُّبِ والتقويمِ، والذي نصَّ عليه الشافعي -وهو المشهورُ- أنَّه لا يبلغُ بحبسِهِ سنةً.
فإنْ جلَدَ وجبَ أن ينقصَ في عبدٍ عن عشرينَ، وحرٍّ حريةً مستقِرَّةً عن أربعينَ على ظاهرِ النَّصِّ، وفي وجهٍ عن عشرينَ، ويستوي في هذا جميعُ المعاصي على الأصحِّ.
وإذا عفى مستحقُّ حدٍّ فلا تعزيرَ للإمامِ في الأصحِّ، أو عفَى مستحقُّ تعزيرٍ فللإمامِ التعزيرُ حينئذٍ على الأصحِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 204
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ