هو بِفَتحِ الرَّاءِ وكَسرِها، ورضِعَ بكَسْرِ الضَّادِ، يَرْضَعُ بِفَتحِ الياءِ والضَّادِ، وبِفَتحِ ضَادِ المَاضِي وكَسرِها في المُضارعِ، وامرأةٌ مُرْضِعٌ؛ أي: لها ولَدٌ تُرْضِعُه، فإنْ وَصفْتَها بإِرضَاعِه قُلتَ: مُرْضِعَةٌ.
وهُو لُغَةً: اسمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ لِشُربِ اللَّبَنِ، وما تصرَّفَ منه رَاجعٌ إلى هذا المعنى، ورَضُعَ الرَّجلُ -بالضمِّ- كأنَّه كالشيءِ يطبعُ عليه.
وشَرْعًا: وُصولُ لَبَنِ آدَميةٍ، يُمْكِنُ بُلوغُها، انفَصلَ منها في حَياتِها،
وحَصَلَ في جَوفِ آدميٍّ حيٍّ قبْلَ الحَولَينِ 1 على وجْهٍ مَخصوصٍ.
وهو مِمَّا ثَبتَ 2 حُكْمُهُ شَرعًا، وإنْ تقدَّمَ الرَّضاعُ البعثةَ المُحمديةَ لِمَا صحَّ مِن قَولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بنتِ أَبي سَلمةَ: "إنَّها لَو لَمْ تَكنْ 3 رَبيبتِي في حَجْرِي ما 4 حلَّتْ لِي أرْضعَتْيي وأبَاهَا ثُوَيْبةُ" 5.
وقال رسولُ اللَّه 6 -صلى اللَّه عليه وسلم- في ابنةِ حمزةَ: "إِنَّهَا لا تَحِلُّ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ" 7.
فَظهرَ 8 بذلك تَرتيبُ الحُكمِ الشَّرعيِّ لِما سَبقَ مِن الرَّضاعِ قَبْل البعثةِ.
[وقولُه تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ
الرَّضَاعَةِ} يَقتضِي وُجودَ رَضاعٍ في الزَّمنِ الماضِي، ولو قَبْلَ البعثةِ] (1)، وكذلك [ما صَحَّ مِن] (2) قولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ" (3). ولِلرَّضاعِ أَثرٌ في تَحريمِ النِّكاحِ وقَطْعِه، وإيجابِ مَهْرٍ أوْ نِصفِه أو بعضِهِ، أو مُتْعَةٍ على مَا سيأتِي تفصِيلُهُ، وثُبوتِ المحرميَّةِ المُقتضيَةِ لِجوازِ النَّظرِ والخَلوةِ، وعدمِ انتِقاضِ الوُضوءِ على أصحِّ القوليْنِ، وغسلِ الميتِ، والمُسافَرَةِ، دونَ سائِرِ أحكامِ النَّسبِ مِن ميراثٍ ونفقةٍ وإعفافٍ وعتقٍ بملكٍ وسقوطِ قِصاصٍ وتَحَمُّلِ عاقلةٍ وحضانةٍ وولايةٍ وولاءٍ ورَدِّ شهادةٍ وحكمٍ وغيرها (4).
وشَرْطُ الرَّضاع المحرِّمِ
1 - أَنْ يكونَ مِن آدمِيَّةٍ 1، ولم يقُلْ مِن 2 امرأةٍ.
وقال الشافِعِيُّ -رضي اللَّه عنه- في "الأم" 3 في الرضاع 4: "إنَّمَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْآدَمِيَّاتِ".
فعلى هذا؛ الرَّضاعُ مِن بَهيمةٍ أو ما يظهرُ مِن البحرِ على شَبَهِ الإنسانِ -وهُو أُنثى- لا يثبُتُ بِهِ التَّحريمُ 5.
أمَّا في البهيمةِ فنصَّ عليه، واتَّفق عليه الأصحابُ 6.
فلو ارتَضَعَ طِفلانِ مِن بَهيمةٍ فَلَا أُخوةَ بينهما بسببِ الَّلبنِ المذكورِ, لأنَّ الأُخوَّةَ مِن قِبَلِ الأُمومةِ 7، ولا أُمومةَ، فَلَا أُخُوَّةَ مِن جهتِها، وقد ثبتَ 8 في الرَّضاعِ أُخوةُ الأبِ، وإنْ لم تثبتِ الأُمومةُ، كما في المُستَوْلَدَاتِ ونحو ذلك، وسيأتِي 9.
وأما الجِنِّيَّةُ فيُحْتَمَلُ أن يحرِّمَ لبنُها؛ لأنَّها مِن جِنس المُكلَّفين، بِخِلافِ البهيمةِ وأُنثى البحرِ، وظاهِرُ النصِّ يقتضِي أنَّ لبنَهَا لا يُحرِّمُ 1، وهذا إذا كان لها لَبنٌ، فإنْ لم يكُنْ لها لبنٌ، فالصُّورةُ مُحالة، وكذلك أُنثى البحْرِ 2.
فإن قيل: فقد ذُكِر عن أُنثى البحْرِ أنَّها حبلتْ مِن آدمِيٍّ 3، قلتُ 4: لا 5 تصِحُّ هذِهِ الحكايةُ، وإن صحَّتْ فليستْ مِن جِنسِ المُكلَّفين.
وخَرَج بِـ "الآدميَّةِ": الرجلُ والخُنثى، فلو دَرَّ لرجُلٍ لبنٌ، فأرضَعَ بِهِ أُنثى، لم تَحْرُمْ عليهِ، لكِنْ يُكرهُ له نكاحُها؛ نصَّ عليه في "البويطي" 6.
وفِي "الأم" 7: لَا أَحْسَبُهُ يَنْزِلُ لِلرَّجُلِ لَبَنٌ، فَإِنْ نَزَلَ لَهُ لَبَنٌ فَأَرْضَعَ بِهِ 8 مَوْلُودَةً 9 كَرِهْتُ لَهُ نِكَاحَهَا وَلِوَلَدِهِ، وإِنْ نَكَحَهَا لَمْ أَفْسَخْهُ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَ رَضَاعَ الْوَالِدَاتِ، وَالْوَالِدَاتُ إنَاثٌ، وَالْوَالِدُونَ غَيْرُ الْوَالِدَاتِ، وَذَكَرَ الْوَالِدَ بِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ الرَّضَاعِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْآبَاءِ حُكْمَ الْأُمَّهَاتِ = مالك وقد أنكره أصحابه-: إن لبن البهيمة يحرم، ويصيرا بلبنها أخوين؛ استدلالًا باجتماعهما على لبن واحد، فوجب أن يصيرا به أخوين كلبن الآدميات.
وَلَا حُكْمُ الْأُمَّهَاتِ حُكْمَ الْآبَاءِ وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ أَحْكَامِهِمْ 1.
وما نَصَّ عليه -رضي اللَّه عنه- هو المشهورُ، وفيهِ وجهٌ يُنسب إلى الكَرَابِيسي 2 بالتَّحرِيم 3.
وقيل: إنه مخرَّج.
وقد سَبَقَ في النَّجاساتِ أنَّ ابنَ الصَّباغ قال: إنَّه نجسٌ يحرُمُ شربُهُ 4، وهو خلافُ مقتضى حكايتِهِ 5 عن الشافِعِيِّ -رضي اللَّه عنه- وهي: أنَّه حَضَرَ رجلٌ عندَ الرَّشِيدِ له لَبَنٌ أَرْضَعَ منه، ولم يُنكِر ذلك الشافِعِيُّ 6.
وأما الخُنثى 1: فإن اسْتُدِلَّ بلبنِهِ على أُنوثتِهِ عندَ 2 فَقْدِ سائِرِ الأَماراتِ فهو مُحَرِّم 3.
وعن أبِي إسحاقَ 4: يُعرض اللبنُ على القَوَابِلِ، فإنْ قُلْنَ: إنَّ مثلَ هذا اللبَنَ 5 لا يكونُ إلَّا لِلإناثِ، حُكِمَ بأُنُوثتِهِ، وَحَرَّمَ.
والمذهبُ أنَّه لا يثبُتُ بِهِ أُنوثةٌ؛ فعلى هذا يوقفُ التحريمُ على تبيُّنِ حالِهِ، فإنْ بأن أنَّه أُنثى ثَبَتَ التحريمُ، فإنْ قال بعد ذلك: "أنا ذَكَرٌ" لم يُقبلْ منهُ، وإنْ بأن أنَّه ذَكَرٌ، فَلَا تَحريمَ 6 إلَّا على وجهِ الكَرَابِيسيِّ 7.
2 - ومِن شرطِ ذاتِ اللبَنِ: أَنْ تكونَ حيةً حالَةَ 8 انفِصالِ اللبَنِ منها، فلو ارْتَضَعَ مِن مَيتةٍ أو حُلب لبَنُها 9 وهي ميتةٌ: لم يتعلَّقْ بِهِ التحريمُ 10.
ولو حُلِب في حياتِها و 1 أُوجِرَهُ الرضيعُ بعد موتِها: حرَّم على النَّص المعتمَدِ 2؛ لِخروج اللبنِ مِنها وهِي حيةٌ، وفِيه وجهٌ: أنَّه لا يُحَرِّم، إذْ لا أُمومةَ بعدَ الموتِ بِخِلاف الأُبوَّةِ بعدَ الموتِ، فإنَّها تثبُتُ اتِّفاقًا.
ومحلُّ هذا الوجهِ فِيما إذا ماتَتْ قبلَ 3 حصولِ اللبَنِ في فيهِ، أمَّا إذا ماتَتْ 4 بعْدَ حُصولِ اللبَنِ في فَيهِ، ثُم شرِبهُ [بعدَ موتِها] 5، فإنَّه يحرِّمُ قطعًا.
وقِيل: الوجْهُ مُطلقًا، وهو الأرجحُ.
ولو خَرَجَ اللبَنُ مِن غيرِ الطرِيقِ المُعتادِ بأنْ خَرَجَ مِن ثُقبٍ في [الثَّدي، فالقياسُ أنَّه يُحرِّمُ، ولو قُطِع الثَّديُ فشُرِبَ مِن اللبَنِ الخَارِج مِن أصلِهِ حرَّم، وللمسألةِ شَبَهٌ بِخُروج المنيِّ مِن ثقبٍ في] 6 الذَّكَر أو في الأُنْثَيين أو انكسر صلبُهُ فَخَرَجَ مِنه المَنِيُّ 7، لكن الأرجحُ هُنا التحريمُ؛ لوجود الغِذاءِ بِهِ، ومحلُّ ذلِك فِيما إذا كان مُسْتحيلًا، أمَّا إذا كان دمًا، فَلَا أثرَ له قطعًا.
واعلمْ أنَّه لَا يُشْتَرَطُ لثبوتِ التَّحريم بقاءُ الَّلبنِ المُحرِّم على هيئتِهِ حالةَ انفِصالِهِ عنِ الثَّدي، فلو تغيَّر بحموضةٍ أو انعقادٍ أو غليٍ 1، أو صار جُبنًا، أو أقِطًا، أو زُبدًا، أو سَمنًا، أو مخيضًا، أو مصْلًا، أو مشًّا، وتناوَلَ ذلك الرضيعُ ثَبَتَ التحريمُ بشرطِهِ؛ لِوصولِ الَّلبنِ إلى الجَوْفِ، وحصولِ التَّغذِّي بِهِ 2. وقد نصَّ في "الأم" و"المختصر" 3 على الجُبنِ، فقال: "وَلَوْ جَبُنَ اللَّبَنُ فَأُطْعِمَهُ كَانَ كَالرَّضَاعِ" 4. فلم يتْبَع الشافعيُّ اسمَ اللبن؛ قال الغزالِيُّ 5: اعتَبَرَ الشافعيُّ اسمَ الإرْضاع، ولم يعتَبِرْ اسمَ اللبنِ 6. وما قاله الغزاليُّ مُشكلٌ مِن أجلِ أنَّ الرَّضاعَ والإرضاعَ لا يُشْترطُ وجودُ حقيقتِهِما.
وما قاله الغزاليُّ يُقررُ بأنَّ الإرضاعَ يقتضِي إيصالَ جُزءٍ مِن الذِي يحصُلُ بِهِ الغِذاءُ، وذلك هو المُعتَبَرُ عندَ الشَّافِعِيِّ -رضي اللَّه عنه- وَلَا يُعتبَرُ عِلاجُ المرأةِ.
وفي (1) "البسيط" (2): لَم يتبع الشافعيُّ اسمَ اللبن، وإن اتَّبع اسمَ الإرضاع (3)، وكأنه (4) يتخيلُ وصولَ جزءٍ مِن المُرْضِع (5) إلى المُرتضِع، وقد وَصَل قطعًا.
ولم يذكروا في الجُبن ونحوِهِ القَدْرَ الذي يثبُتُ بِهِ (6) التحريمُ، والقياسُ: أنَّه يعتَبَرُ أن يأكُلَ مِن ذلك (7) قدْرًا لو كان لبنًا أَمْكن أن يرتَضِعَ مِنهُ خَمْسًا، وأنْ يكونَ التفرِيقُ موجودًا في الابْتِداءِ والانْتِهاءِ، ولا يُعتبَرُ في كلِّ أكلةِ الشِّبَعُ مِن ذلك المأكولِ، والمُعْتَبَرُ ما ذُكر في اللبن.
وأمَّا المخلوطُ فِفِيه صورٌ:
أحدُها:
أن يُعْجَنَ باللبنِ دقيقٌ ويُخبزُ، ففِي"الروضة" 8: الصحيحُ أنَّه يحرِّمُ، وفِي "الشرح": فيه وجهٌ عنِ القاضِي حُسين.1234567
والراجِحُ عندي التفصيلُ؛ فإنْ ذَهَبَ أثرُ اللبن فَلَا تحرِيمَ، وإنْ بَقِي أثرُهُ بِنعومةٍ ونحوِها مِما يخالِفُ عجنَه بالماءِ، فإنَّه يثبُتُ بِهِ التحريمُ.
الصورةُ الثَّانية:
المخلوطُ في غيرِ صورةِ الخُبزِ، فإنْ كان بِمائع أو جامِدٍ يَنْمَاعُ كالسُّكَّرِ أو ثُرِدَ 1 به طعام، ففِي "الأم" 2 في ترجمة رَضَاعَةِ الكبير 3: "وَإِنْ خُلِطَ لِلْمَوْلُودِ لَبَن في طَعَامٍ فَيَطْعَمُهُ كَانَ اللَّبَنُ الْأَغْلَبَ 4 أَوْ الطَّعَامُ إذا وَصَلَ اللَّبَنُ إلَى جَوْفِهِ، وَسَوَاءٌ شِيبَ لَهُ اللَّبَنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلِ إذَا وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ فَهُوَ كُلُّهُ كَالرَّضَاعِ" 5.
ثم قال الشافِعِيُّ 6: "وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا أُطْعِمَ لَبَنَ امْرَأَةٍ في طَعَامٍ مَرَّةً وَأُوجِرَهُ أُخْرَى، وَأُسْعَطهُ أُخْرَى، ثُمَّ أُوجِرَهُ وَأُطْعِمَ حَتَّى يَتِيّمَ لَهُ خَمْسُ مَرَّاتٍ كَانَ هَذَا الرَّضَاعُ الَّذِي يُحَرِّمُ، كُل وَاحِدٍ مِنْ هَذَا يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهِ، وَسَوَاءٌ لَوْ كَانَ مِنْ صِنْفِ هَذَا 7 خمسٌ مِرَارًا، أَوْ كَانَ مِنْ أَصْنَافٍ شَتَّى".
وقال المزنِيُّ 8: "أَدْخَلَ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنْ كَانَ مَا خُلِطَ بِاللَّبَنِ أَغْلَبَ لَمْ يُحَرِّمْ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ الْأَغْلَبَ 9 حَرَّمَ فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ خَلَطَ
حَرَامًا بِطَعَامٍ وَكَانَ مُسْتَهْلَكًا في الطَّعَامِ 1 أَمَا يُحَرِّمُ؟ فَكَذَلِكَ اللَّبَنُ" 2.
ولم يختلِفْ قولُ الشافِعِيِّ في ذلك، وذكر في "الروضة" 3 تبعًا للشرح، وفِي "المنهاج" 4 تبعًا للمُحرَّر 5 قولين في التَّحريم بالمغلوبِ، وهذا مخالفٌ لِكلام الشافِعِيِّ في "الأم" و"مُختصر المُزنِي"، ولم يذكُرِ العِراقِيون ذلك ولَا المراوزةُ إلَّا البغويَّ والزَّازَ ومَن تبِعهما، وأما المخلوطُ بالماء فهو كالمخلوطِ بالمائِعِ.
ومِنَ الأصحابِ مَن فرَّق بينَ الماءِ وغيرِهِ، وقال في الماءِ واللبن: مغلوبٌ فيه إنِ امتَزَج بما دون القُلَّتين، وشَرِبَه الرضيعُ كلَّه، ففِي ثبوتِ الحُرْمةِ قولان 6.
وإن شرب بعضَه فوجهانِ، أو قولان مرتَّبان، وأولى بأنْ لَا يثبت، وإنِ امتَزَج بقُلَّتينِ فأكثر، فإنْ 7 لم يثبتِ التحريمُ بدون 8 القُلَّتين، فهنا أَولى، وإنْ
أثبتناه، وتناول بعضَهُ لم يؤثِّرْ.
وإنْ شرِبَه كلَّه فقولانِ مُرتبَّان، وأولى بأنْ لَا يُؤثِّر (1).
وهذه الطريقةُ ضعيفةٌ لا تُلائِمُ أدلةَ الشرع، ولا يُعْتَبَرُ بِجريان الغزالِيِّ عليها، وهي مردودةٌ.
(2).
وفِي المُراد بِالمغلوبِ وجهان:
أحدهما: خروجُه عن كونِهِ مُغذِّيًا.
والثانِي: أنَّ الاعتبارَ بِصفاتِ الَّلبنِ: الطعمُ واللونُ والرائحةُ؛ فإنْ ظَهَرَ شيْءٌ في المخلوطِ فاللبنُ (3) غالِبٌ، وإلَّا فمغلوبٌ، وصُحح (4).
والصحيحُ عندنا أَنْ نقدِّر اللبنَ بالمخالِفِ الأشدِّ كما في النَّجاسةِ المواقعةِ لِلماءِ (5).
ضابط
ٌ: ليسَ 6 في الشريعةِ اعْتبارُ قُلَّتينِ إلَّا في بابينِ 7: الطهارَةُ، والرَّضاعُ.12345
ومِن شرْطِ ذاتِ اللبنِ كونُها مُحتملَةً للبلوغ، وفِي "الروضة" 1 تبعًا للشرح كونُها مُحتملَةً لِلولادة، وهو غيرُ مُستقِيم؛ لأنَّ احتمالَ الولادةِ يَستدعِي تقدُّمَ مدةِ الحملِ، وذلك 2 غيرُ معتبَرٍ اتِّفاقًا.
وقولُنا: "مُحتملةً لِلْبلوغ" أردْنَا 3 بِهِ البُلُوغَ بِالمنِيِّ، وكذا بالحيْضِ، وفِي "المنهاج" 4 تبعًا للمُحَرَّر 5: أن يحصُلَ اللبَنُ بعدَ تِسع سِنين، وليس كذلك، بل اللبنُ الموجودُ قبلَ تِسع سنين بزمنٍ لا يسعُ حيضًا وطُهرًا يُحَرِّمُ 6؛ تفريعًا على ما صححوه من"التقريب"، كما يُحْكم بأنَّ الدَّمَ الموجودَ في الزمنِ 7 المذكُورِ حيْضٌ، وحيْثُ لم يَصِلْ إلى الإمكانِ، فلبنُها لا يُحَرِّمُ، وأما البِكْرُ التي يُمكِنُ أن تحبَلَ فلبنُها مُحَرِّمٌ.
وقال الشافعيُّ: لَوْ أَنَّ بِكْرًا لَمْ تُمَسَّ 8 بِنِكَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ، أَوْ ثَيِّبًا، وَلَمْ يُعْلَمْ لِوَاحِدَةٍ 9 مِنْهُمَا حَمْلٌ نَزَلَ لَهُمَا 10 لَبَنٌ فَحُلِبَ فَخَرَج 11 فَأَرْضَعَتَا بِهِ مَوْلُودًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ؛ كَانَ ابْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا أَبَ لَهُ، وَكَانَ في
غَيْرِ 1 مَعْنَى وَلَدِ الزِّنَا 2.
وأمَّا المَحِلُّ الذِي يصِلُ إليه ما ذُكر فهو مَعِدةُ الرَّضيعِ الحيِّ، أو مَا في معنى المعِدةِ؛ فلو حُقِنَ بِاللبنِ أو قُطِر في إحلِيلِهِ فَوَصَلَ مَثَانَتَه، أو كان على بطنِهِ جراحةٌ فَصُبَّ اللبنُ فِيها حتَّى وَصَل إلى الجوفِ، فإنَّه لا يثبُتُ التحريمُ في ذلك 3 إلَّا أَنْ يصِلَ إلى المعدةِ لِخرْقٍ في الأمعاءِ فإنهُ يثبُتُ التَّحريمُ 4.
وعندي أنَّه 5 يثبتُ التحريمُ، وإن لم يحصُلِ الخرقُ المذكورُ، وما ذكرناهُ في الحُقنةِ هو أحدُ القولينِ المنصوصينِ في "المختصر"، واختَارَ المزنِيُّ ثبوتَ الحُرمةِ كما يحصُلُ بِهِ الفِطرُ.
ولو صُبَّ في أُذنِهِ لم يثبتِ التَّحريمُ على الأرجح 6.
وأما الصَّبُّ في العَينِ فَلَا يؤثِّرُ؛ كذا ذكروهُ 7، ومحلُّهُ فِيما إذا لم يوجَدْ في حَلْقهِ اللبَنُ [فإن وُجِد في حلقِهِ اللبَنُ] 8 وانحَدَرَ إلى المعِدةِ فإنَّه يثبُتُ التَّحريمُ.
ولو ارتَضَع وتقيَّأ في الحالِ حَصَل التَّحريمُ على ما صححوه، ومَحَلُّه ما إذا وَصَل إلى المعدةِ، فإنْ لمْ يصِلْ 1 فَلَا تحريمَ 2.
ويُعتَبَرُ في الصورِ كلِّها [التِي يثبتُ فِيها التحريمُ] 3 أَنْ يكونَ ذلك في مَن لم يبلغْ حَولينِ؛ فمَن بَلَغ سنتينِ فَلَا تَحريمَ يتعَلَّق بِهِ 4.
ويُعتَبَرُ الحولان بالأهِلَّة؛ فإنِ انْكَسَرَ الشهرُ الأولُ اعتُبِرَ ثلاثةٌ وعشرون شهرًا 5 بعدَهُ بِالأهِلَّة، ويكملُ المنكسِرُ ثلاثينَ مِن الشهرِ الخامِسِ والعِشرين.
ويُحسبُ ابتداءُ الحَوْلينِ مِن وقتِ انفِصالِ الولدِ بِتمامِهِ، فلو ارتَضَع قبلَ انفصالِ جميعِهِ لم يتعلَّقْ بِهِ التحريمُ على ما رَجَّحُوه 6.
وعِندِي يثبتُ التحريمُ في هذِهِ لحصولِهِ في معدتِهِ، ولا يمنَعُ مِن ذلك استِتارُ باقِيهِ إذا كان حيًّا، فالميِّتُ لَا يتعلَّقُ بِهِ تحريمٌ.
ولا تثبتُ حُرْمةُ الرَّضاع إلَّا بخمْسِ رضَعَاتٍ على المنصوصِ 7.
والرجوعُ في الرضعةِ إلى العُرْفِ، فإنْ تخلَّل فصلٌ طويلٌ تعدَّدتْ، ولو ارتَضَع ثُم قَطَعَ إعراضًا واشتَغَل بشيءٍ آخَرَ ثُم عاد فرضْعَتانِ 1.
ولو قَطَعتِ المُرضعةُ، ثُم عادتْ إلى الإرْضاعِ، فإن لم تتسوَّفْ فكقطْعِهِ، وإنْ تسوَّفَتْ وذهبتْ لِشغلٍ خفيفٍ، وعادتْ فواحدةٌ، وإلَّا فَمُرَجَّحُ المَرَاوزةِ وبعضِ العِراقيين أنَّه يُحسب رضعةٌ 2 أخرى 3، وظاهِرُ النَّصِّ مع المخالِفِ.
ولو حُلب لبنُ امرأةٍ دفعةً وأُوجِر في خمسٍ فرضعةٌ على الأظهرِ 4.
وتحريمُ الرضاع يتعلقُّ بالمُرضعةِ والفَحْلِ الذِي لهُ اللبنُ، والطِّفلِ الرضيعِ.
وتنتشرُ الحُرمةُ من المُرضعةِ إلى آبائِها وأمهاتِها مِن النَّسبِ والرضاعِ وإلى 5 أولادِها وإخوتِها وأخواتِها كذلك، وتنتشرُ مِن الفحلِ كذلك، وتنتشرُ مِن الرضيع إلى أولادِهِ مِن النسبِ والرضاع فقط.
ويُعتَبَرُ لِتحريمِ الرَّضاعِ مِن جِهةِ الرَّجلِ أربعَةُ شُروطٍ:
أحدُها:
[أن تحمل] (1) ذاتُ اللبنِ مِن الفحلِ؛ فلا يكفِي فِي التحريمِ مِن جهتِهِ أن تُرضع امرأتُه التي لم (2) يدخُلْ بِها أو دَخَل بِها ولكن لم تحملْ.
وفِي "التنبيه" (3): "وإن ثار (4) لها لبن بوَطْءٍ مِن غيرِ حملٍ ففِيهِ قولان (5) " (6) وهذا لَا (7) يمكنُ حملُه على التَّحريم مِن جِهة المُرضِعةِ، بل يُحَرِّمُ مِن جهتِها قطعًا، وإنما الخلافُ فِي التَّحريم على الواطِئِ خِلافًا لِما اعتقده فِي "الكفاية".
ونَقَل القاضِي حُسينٌ فِي "التعليقة" عن روايةِ حرملَةَ أنَّه يحرِّمُ بِمجرد (8) الوطْءِ، فعليه يُنزل ما فِي "التنبيه".
الشرط الثاني
: أن يكونَ اللبنُ منسوبًا إلى الفَحْلِ، واللبنُ النازلُ على حملِ الزِّنى لا حُرْمةَ له، فلا يحرُمُ على الزانِي أَنْ ينكِحَ الصغيرةَ المُرتضِعَةَ 9 من ذلك اللبنِ، لكن يُكره؛ نصَّ عليه 10.12345678
وحكاية "الروضة" 1 تبعًا لأصلها فِي بُطْلانِ النِّكاح خِلافًا نتعقَّبُهُ بالنَّص على عدمِ فسْخِ النِّكاح؛ حيثُ قال فِي "المختصر" 2: وأكرهُ لهُ فِي الورع أن ينكحَ بناتِ الذي وُلِد مِن زِناه، فإنْ نكَح لم أفسخْهُ.
ولو نفى وَلدًا بالِّلعان 3، وارتَضَعتْ 4 صغيرةٌ بلبنِهِ لم تَثبتِ الحُرمةُ.
ولو ارتضعتْ به، ثم لاعَنَ انتَفَى الرضيعُ عنه، كما ينتفِي الولدُ، فلو 5 استلحَقَ الولَدَ بعد ذلك لَحِقَهُ الرَّضيعُ، نصَّ عليه، وأطلَقَهُ الأصحابُ 6، ولابُدَّ مِن تقييدِ ذلِك بأنْ لَا يكونَ 7 دَخَل بِالملاعنةِ، فإنَّ المنفيَّةَ باللِّعانِ التِي دَخَل بأمِّها يحرُمُ نكاحُها قطْعًا.
ولا يأتِي هُنا الخلاف 8 فِي نِكاح المنفيَّةِ باللِّعانِ التي لم يُدْخلْ بأمِّها، خِلافًا لِما فِي "الروضة" 9 وأصْلِها، فإجراءُ الوجهينِ هُنا ذُهولٌ عن شرْطِ ثبوتِ الحُرمةِ، وهُو الحملُ، كما تقدَّم، وإذا لم يُوجَدِ الدُّخولُ كيف يُوجدُ الحَمْلُ؟! = الزنا فلا حرمة له فلا يحرم على الزاني أن ينكح الصغيرة المرتضعة من ذلك اللبن لكنه يكره وقد حكينا في النكاح وجها أنَّه لا يجوز له نكاح بنت زناه التي تعلم أنها من مائه فيشبه أن يجيء ذلك الوجه هنا.
ولو كان الحملُ مِن واطِئِ شُبهةٍ فاللبنُ النازِلُ عليهِ يُنْسَبُ إلى الواطِئِ كالولدِ على المشهورِ.
الشرطُ (1) الثالثُ:
أَنْ لَا يكونَ قد سبقتْ نِسبةُ اللبنِ 2 إلى زوجٍ آخَرَ أو وَطْءِ 3 شُبهةٍ، فإنْ سبقتْ لم يَكْفِ الحملُ من الثانِي فِي قطْع أثرِ النسبةِ للأولِ، بلْ لَابُدَّ مِن الولادةِ.
فلو طلَّق زوجتَه أو مات عنها، ولها لبنٌ فأرضعتْ بِهِ طفلًا قبلَ أَنْ تنكِحَ فالرضيعُ ابنٌ للمُطَلِّقِ 4 والميتِ، سواءً انقَطَع وَعَاد أو لم ينقطِعْ على الصحيح، فلو نكحتْ بعدَ العِدَّةِ زوجًا وولدتْ منهُ فاللبنُ بعد الولادةِ للثانِي.
وأما قَبْلَ الوِلادةِ مِن الزوْجِ الثَّانِي فإنْ لم يُصِبْها أو أصابَها وَلَم تحْبَلْ أو حبلَتْ، ولم يدخُلْ وقتَ حُدُوثِ اللبَنِ [لِهذا الحملِ، فالَّلبَنُ لِلأولِ، وإن دخل وقتَ حدوثِ اللبنِ] 5 للحَمْلِ الثانِي، فاللبَنُ لِلأولِ على المشهورِ.
فلو نَزَلَ للبِكْرِ لبنٌ فنكحَتْ ثُم حَبَلَتْ مِن الزوج، فحيْثُ قُلنا فِي صورةِ الزوجَيْنِ إنَّ اللبَنَّ للثانِي فهو للزوْجِ، وحيثُ قُلنا هو لِلأولِ، فهُو لِلمرأةِ ولَا أَبَ لِلرضِيعِ.
1
الشرط الرابع
: أَنْ يكونَ الارْتِضاعُ مِن جِهةٍ واحِدةٍ، فأمَّا إنْ وُجِد مِن جهاتِ موطوآتٍ كمستولدَاتٍ، فقالوا: يحرِّمُ على الأصَحِّ، لَا مِن جِهاتِ 1 محارِمٍ كبناتٍ وأخواتٍ فَلَا 2 تحريمَ على الأصَحِّ 3. والمعتمَدُ فِي الفتوى أنَّه لَا تحريمَ 4 مُطلقًا؛ لِأنَّ 5 وجودَ أبٍ وَلَا أُم محالٌ فِي النَّسب 6، فكذا 7 فِي الرَّضاع.
وإذا وُطِئت منكوحةٌ بشبهةٍ، أو وَطِئَ رجُلان امرأةً بشبهةٍ، وأتَتْ بولدٍ، وأَرضعتْ باللبنِ النَّازِلِ عليه 8 طِفلًا فهو تابعٌ للولدِ 9.
فإنِ انحَصَرَ الإمكانُ فِي أحدِهِما فالرضيعُ ولدُهُ، وإنْ لمْ يَلْحَقْ واحدًا مِنهما فالرضيعُ مقطوعٌ عنهُما.
وإنْ تحقَّق الإمكانُ فِيهما عُرِض على القائِفِ فبأيِّهما ألحقَهُ لَحِقَه الرضيعُ، فإنْ لم يُكن 10 قائِفٌ
أو نفَاهُ 1 عنهُما، أو تحيَّرَ، توقَّفْنا إلى البُلوغ، وانتِسابِ الولدِ؛ فإن مات الولدُ وله ولدٌ فللرضِيعِ الانتِسابُ 2 على الأظهرِ.
وحُرمةُ الرَّضاعِ الطَّارِئةِ، قاطِعةٌ للنِّكاح، وإنْ لمْ تَكُنْ حرمةً مؤبَّدَةً، فكُلُّ 3 امرأةٍ يحرُمُ عليهِ أَنْ ينكِحَ بِنتَهَا 4 إذا أرضَعَتْ زوجتَهُ الصغيرَةَ الرَّضاعَ المُحرِّمَ ثبتتِ الحُرمةُ المؤبَّدةُ وانقَطعَ النِّكاحُ، وتَستحِقُّ الصغيرَةُ نِصفَ المُسمَّى إنْ كان صحيحًا، ونِصْفَ مهْرِ المِثلِ إنْ كان فاسِدًا، إلَّا أَنْ تكونَ المُرضعةُ مالكتَها فَلَا شَيْءَ لَها 5، وعلى المرضعةِ للزوْجِ إنْ كان حُرًّا ولِسيدِهِ إن كان عبدًا نصْفُ مهْرِ المِثلِ؛ نصَّ عليه؛ فإن كانت المرضعة سيدة العبد فلا شيء له عليها.
وقد ذَكَر شيخُنا فِي المُتعةِ أنَّ ابنَ الحدَّادِ أثبَتَ الرُّجوعَ بِها على المرضِعةِ فِي الأَمَةِ 6 المفوضةِ؛ قالوا: وهو تفريعٌ على إيجابِ نِصفِ [المُسمَّى، وإمَّا على إيجابِ نصفِ] 7 مهرِ المِثل، وهو المنصوص فيجِبُ هنا نصفُ مهْرِ المِثل.
وصوَّب شيخُنا فِي فوائِدِه هنا مقالةَ ابنِ الحداد؛ لأنَّه لم ينظُرْ إلى المُسمى، ونَظَرَ إلى ما جُعِلَ عِوَضَ البُضْع شرعًا، وهو مَهْرُ المِثل، وقبلَ الدخول فِي المفوضةِ قوبل بالمتعةِ فيجِبُ على المرضعةِ المتعةُ.
ولو أُوجر أجنبِيٌّ اللبنَ المحرِّم، فالغُرمُ على الأجنبِيِّ، فلو كانوا خمسَةً فعلى كُلِّ واحِدٍ خُمْسُ الغُرم، وإن كانوا ثلاثَةً فالغُرْمُ بالتوزِيع 1 على عددِ الرَّضعاتِ فِي الأصحِّ.
ولو أُكرهتْ على الإرضاع، فَصَحَّح الرويانِيُّ أنَّ الغُرْمَ عليها لا على المُكرِهِ 2.
ولو دَبَّت الصغيرةُ فرضَعَتْ من نائمةٍ فَلَا شَيءَ لها 3، ولَا غُرْمَ على ذاتِ اللبنِ على الأَصَحِّ فِيهما.
وإذا كانتْ تحتَهُ صغيرةٌ وكبيرةٌ فأرْضَعَ أصْلَ الكبيرةِ أو أختَهَا أو بنتَ أختِها الصغيرةَ انفَسَخَ نِكاحُ الصغيرةِ قطعًا، والكبيرةُ أيضًا على الأظهرِ، وهي 4 حُرمةُ جَمع.
ولو أرضعتها 5 بنتُ الكبيرة، ففِي "الروضة" 6 حُكمُ الانفِساخ كما ذكرنا.
قال شيخُنا: وهو وهْمٌ، بل ينفسخُ نكاحُ الكبيرةِ قطعًا، وكذا الصغيرةِ إنْ دَخَلَ بالكبيرةِ، وإلَّا فهو تحريمُ جَمْع فينفسخُ على الأظهرِ، وتحرُمُ الكبيرةُ على التأبِيدِ، وكذا الصغيرةُ إن كانتِ الكبيرةُ مَدخولًا بِها أو استدخَلَتْ ماءهُ على ما جزمُوا به، ويأتِي فِي نظائِرِهِ.
وحُكمُ مهْرِ الكبيرةِ إنْ لم يكُن مدخولًا بِها كما سبق فِي الصغيرةِ، فإنْ دَخَلَ بِها فالأظهرُ غُرْمُ مهرِ المِثل.
ولو طَلَّقَ الصغِيرةَ فأرضعتْهَا امرأةٌ صارتْ أُمَّ زوجتِهِ.
ولو تزوَّجتْ مُطَلَّقتُه 1 صغيرًا وأرضعتْهُ بلبنِ المطلِّقِ حرُمَتْ على المطلِّق والصغِيرِ أبدًا.
ولو زَوَّج أُمَّ ولده عبدَهُ الصغيرَ، وجوَّزنا إجبارَ العبدِ الصَّغِيرِ 2 وهو المرجوحُ، فأرضعتْهُ بِلبنِ السيِّدِ حرُمَتْ عليه، وعلى السيِّدِ.
وعن المزنِيِّ 3 عن الشافعيِّ: إنْ أرضعتْ أُمُّ ولدِهِ بلبنِها منه زوجَهَا الصغِيرَ حرُمَتْ عليه، ولم تحرُم على السَّيدِ؛ لأنَّها لم تَصِرْ أُمًّا لهُ إلَّا فِي عدَمِ النِّكاح.
وليسَ هذا النصُّ غلَطًا خِلافًا لهم، فقد وجَّههُ الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه- بتوجيهٍ حسَنٍ، فإنَّها لم تكُنْ حليلةً للابْنِ حالةَ البُنُوَّةِ، وليس لأنَّ النكاحَ لم يصِحَّ كما قال الشيخُ أبو علي، ولْيجْرَ هذا النصُّ فِي المطلَّقةِ ونحوِها.
ولو أرضعتْ موطوءتُهُ الأمهُ 4 صغيرةً تحتَهُ بلبنِهِ أو لبنِ غيرِهِ حرُمتْ عليه الأمةُ والزوجةُ 5 أبدًا.
والزوجةُ الكبيرةُ إذا أرضعتْ ضرَّتَها الصغيرَةَ انفسَخَ نِكاحُهما وحرُمت الكبيرةُ أبدًا، وكذا الصغيرةُ إنْ كان الإرْضاعُ بلبنِهِ، وإلَّا فَربِيبةٌ.
والكبيرةُ إذا أرْضَعَتْ ضَرَّاتِها الصغائِرَ حرُمَتْ أبدًا، وكذا الصغائِرُ إنْ أرضعَتْهُنَّ بلبنِهِ أو 1 بلبنِ غيرِهِ، وهي مدخولٌ بِها، فإنْ لم يدخُل بِها لم يحرُمنَ أبدًا.
وإن 2 أوجرتْهُنَّ 3 الخامسةَ معًا انفسَخَ نكاحُهُنَّ، أو مرتَّبًا انفسخ نِكاحُ الأُولى 4، فإذا أرضعَتِ الثالثةَ، انفسخ نِكاحُها، وكذا الثانيةَ، وفِي الثانِيةِ قولٌ.
ويَجرِي 5 القولانِ فِي ضَرتينِ صغيرتينِ أرضعَتْهُما أجنبِيَّةٌ مُرتَّبًا انفسخ لهما أم للثانية.
فصل
قال: "هنْدٌ بِنتي" أو "أُختِي مِن الرَّضاع"، أو قالتْ هِي عنه ذلك؛ حرُمَ النِّكاحُ بينهُما.
وهذا فِي بِنتي أو ابْنِي: مقيَّد بالإمْكانِ، فإنْ لم يُمْكِنْ ذلك فَلَا تَحرِيمَ؛ نَصَّ عليه.
وجزموا بِهِ، وكذا فِي أخي أو أختي أرضعتنا فُلانةٌ، وذلك غيرُ مُمْكِنٍ.
وإنِ اتَّفق الزَّوجانِ اللذانِ ينفُذُ إقرارُهُما فِي ذلك على رَضاعٍ مُحَرَّم بينَهُما فُرِّق بينهما، وَسَقَط المُسمَّى إذا كان الإقرارُ بِرضاعٍ قَبلَ النِّكاح.
وإنْ كان بِرضاعٍ بعدَهُ سَقَطَ نِصفُ المُسمَّى إلَّا إذا كان الرَّضاعُ المُحرِّمُ بعدَ الدُّخولِ كما فِي رَضاعِ زوجتِهِ الكبِيرةِ المدخُولِ بِها ضَرَّتَها الصَّغيرةَ، فإنَّه يجِبُ للكبيرةِ المُسمَّى كلُّه.
وحيثُ سَقَطَ المُسمَّى كلُّه وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ إن حَصَلَ وَطْءٌ.
وإنِ اعتَرَف بِهِ الزوجُ وأنكرتِ: انفَسَخ، وَلَها المُسمَّى إنْ وَطِئَ وإلَّا فنِصْفُهُ.
وإنِ ادَّعته فأنكَرَ صُدِّق بيمينِهِ؛ إنْ لم يكُنْ هناك عذْرٌ، وإلَّا فالأصحُّ تصديقُها.
ومنهم مَن رجَّح تصدِيقَهُ بيمِينه -وهُو القِياسِ- على ما إذا ادَّعت مُفْسِدًا
للنكاح غيرَ المحرَمِيةِ فأَنْكر الزوجُ.
وعلى الأولِ: لها مهرُ المِثل إنْ وَطِئ، وإلَّا فَلَا شيْءَ عليه.
ويحلِفُ مُنكِرُ الرَّضاعِ على نفِي علمِهِ؛ كذا قالوه، والنصُّ فِي "الأم" أنَّه يحلِفُ على البَتِّ وهُو المُعتمدُ، لِملاقاتِهِ التحريمَ بِخصوصِهِ قبل النِّكاح وبَعدَهُ، ويَحلِفُ مُدَّعيهِ على البَتِّ.
ويثبتُ بشهادةِ رجُلين، أو رجُلٍ وامْرأتيْنِ، وبأربعِ نسوةٍ 1، والإقرارُ بِهِ شرْطُهُ رجُلان 2، وكذا شُربُ اللبنِ من إناء ونحوِهِ عند القفَّال.
وتُقبلُ شهادةُ المُرضِعةِ إنْ لم تَطلُبْ أُجرةً 3، ولو تعرَّضَتْ لِفعلِها فِي الأصحِّ.
والأصحُّ فِي شهادةِ الرَّضاع اعْتبارُ تفصيل ذِكْرِ الوقتِ والعددِ ووصولِ اللبنِ للمكانِ المُحرم، ويُعرفُ ذلك بِمشاهدةِ الحلْبِ والإيجارِ والازْدِرادِ والإسعاطِ، وقرائِنَ مِنَ التِقامِ الثَّدْي والمَصِّ والحركةِ والتجرع والازدراد ومعرفة أنَّها ذاتُ لبنٍ 4.
[واللَّه تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب] 5.
التدريب في الفقه الشافعي المسمى بـ «تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي»
تصنيف الإمام الفقيه الكبير سراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني الشافعي - رحمه الله تعالى -
ومعه «تتمة التدريب» لعلم الدين صالح ابن الشيخ سراج الدين البلقيني - رحمه الله -
حققه وعلق عليه أبو يعقوب نشأت بن كمال المصري
[الجزء الرابع]
التَّدريب في الفِقه الشَّافِعي المُسَمَّى بِـ «تَدريب المُبتدي وَتَهذيب المُنتَهِي» [4]
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى 1433 هـ - 2012 م
دَار الْقبْلَتَيْنِ المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض جوال: 0506639380 - تليفاكس: 014497216
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
باب النفقات
هي جمعُ نفقةٍ، إذْ تكونُ للزَّوجيةِ ولقرابةِ البعضيةِ، ولِملكِ اليمينِ ولِتابع ذلك، وقد تكونُ بالنذرِ، ونفقةُ المستعارِ سبقتْ فِي بابِهِ، واللقيطُ واتصالُهُ والمؤجِّرُ والمودع ونحوها سبقَ ما فيها.
وتكونُ حفظًا للروحِ فتتعين، وتكونُ فرضَ كفايةٍ بحسبِ الحالِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآيةَ.
وصحَّ من حديثِ عائشةَ -رضي اللَّه عنها- فِي قضيةِ هند: "خُذِي مِن مالِهِ ما يكفيكِ
وولدَكِ بِالمَعرُوفِ" 1.
فتجبُ على الزوجِ ولو كان صغيرًا لكُلِّ زوجةٍ حرَّةٍ، أو أَمَةٍ مُسلمةٍ، أو كافرةٍ غيرَ مرتدَّةٍ ممكنةٍ كُلَّ اليوم بليلتِهِ الآتيةِ بعدَهُ أو بعضه فِي أوائِلِ اليومِ بلا تقصير فِي الماضِي، قلتُهُ تخريجًا.
ولو كانتْ رتْقَاءَ أو قَرْناءَ أو مريضَةً أو حائِضًا أو نُفَسَاءَ أو مُستحاضةً أو متحيرةً، أو مظاهرًا منها أو مُحرِمَةً، إلَّا أن تكونَ ناشزًا أو وُطئت بشبهةٍ.
والمعتَبَرُ النكاحُ الصحيحُ ظاهرًا وتابعه.
وإن زادتِ الزوجاتُ على العددِ الشرعيِّ كما فِي الكافرِ قبلَ الإسْلامِ وبعدَهُ قبلَ الاختيارِ، وكذا فِي الحرِّ المسلِمِ قال: عنْ أربَعٍ انقَضَتْ عدتُهُنَّ فِي الرجعِيِّ وأنْكَرْنَ فَلَا تسقُطُ نفقتُهُنَّ ويَتَزَوجُ عليهِن، ويُنفقُ على الجمِيع.
والعبدُ فِي عَدَدِهِ كذلك.
وكذا مَنْ عَقَدَ مُرتَّبًا على نسوةٍ زائِداتٍ على عددِهِ المُباح لهُ، وَلَا يعلمُ عَينَ المُتقدِّمِ.
ويُنفِقُ الكافِرُ على أُختينِ كما سَبَقَ، وكذا المُسلمُ فِي دعوى الانْقِضاءِ ونِسيانِ السَّابقةِ فِي عقديْنِ على أُختَينِ مُرَتَّبًا.
ومِن توابع الصحِيحِ: لو أسلمتْ هِي أو ارتدَّ هُو بعدَ الدخولِ فِيهما، وكذا فِي إبْهامِ الطلاقِ والتباسِه، وعلى المطلقةِ الرجعية.
ولو ادَّعى الخُلْعَ منها، فقالت: "طَلَّقَنِي بِلا عِوضٍ"، أَنْفَق عليها.
وتجِبُ للبائِنِ الحامِلِ.
ولو تزوَّج أُختَ البائِنِ أو أربعًا سواها فينفِقُ على الجميع.
ولا تجِبُ فِي الفاسِدِ الذي علمتِ الزوجةُ فسادَه.
فإنْ لم تعلمْ أو كان فسادُه مما تخفى عاقبتُهُ كما فِي العَتيقةِ فِي مرضِ الموتِ غيرِ المُستولدَةِ يتزوجُها مُعتقُها فلها النفقةُ حالًا.
وكذا إنْ لم تَخْفَ عاقبتُهُ فلها الطلبُ، ونُوجبه ظاهرًا.
فإنْ بان الفسادُ فيها لم يرجِعْ بما أنفق، ولا يُطالَبُ هو بما مضى مِن غيرِ إنفاقٍ.
وإن خرجتِ العتيقةُ مِن الثلُثِ لو لم يحسبْ دَيْنُ النفقةِ تخيَّرَتْ كما سبق فِي المهرِ.
ويُقَسَّطُ الواجِبُ على زوجيْنِ عُلِم تقدُّمُ أحدِهما ونُسي -وفاقًا لابن كَجٍّ- إذ لا مانِعَ مِن الزوجيَّةِ خلافًا لِما صححهُ الإمامُ مِن أنَّها لا تجِبُ.
وعلى ما اختَرْناه إذا تعيَّن السابِقُ رجع اللَّاحِقُ عليه بما أنفق، فلو كان أحدُهما موسِرًا والآخرُ متوسطًا وَجَب لها نفقةُ متوسِّطٍ عليهما، أو كان أحدُهما مُعْسرًا مع مُوسِرٍ أو متوسطٍ فنفقةُ معسر عليهما؛ لاحتمالِ أن يظهرَ السابقُ المتوسطُ فِي الأولى والمعسرُ فِي الأخيرتين، فلا نُوجب على الآخَرِ زيادةً مشكوكًا فيها، والنظرُ إلى أنه يقسط بمقتضى حالهما، ثم يرجعُ مَنْ فضلَ له شيءٌ على الزوجةِ: بعيدٌ.
ضابط
ٌ: ليس لنا حرٌّ كلُّه موسرٌ أو متوسط غير مفلسٍ ينفقُ نفقةَ المُعْسِرين إلَّا فِي هذا الموضِع.
ولا يجبُ على الرجلِ فيها أقلُّ مِن مدٍّ إلَّا فِي هذا الموضعِ، وفِيما إذا كان أولَ التَّسليمِ بلا تقصِيْرٍ فِي أثناءِ النَّهارِ بعد فواتِ الباكورةِ على ما اخترتُهُ
تخريجًا.
والواجب على الموسِر المنفرِدِ لِكلِّ واحدةٍ مِمن ذَكرنا مُدَّان، وعلى المتوسِّطِ مُدٌّ ونصف على المشهور 1.
وقال البويطيُّ: عليه مُدٌّ وثلثٌ، وعلى المقتِرِ مدٌّ.
والمدُّ: مِكيالٌ معروفٌ، وتقديرُهُ بالوزنِ لا يُعتمدُ لثقل ما يُوزنُ وخِفتهُ وانتشارُه واجتماعُه، والربوياتُ التي يُعتبَرُ فيها التساوي لا يُنظر فيها إلى الوزن، فكذا هنا.
ويُرجع فِي اليسارِ وغيرِهِ إلى العُرْفِ.
ومِن المقتِرِين: المكاتَبُ والمبعَّضُ على ظاهر النصِّ، وأصل فِي إعفاف فرعه الموسر 2.
ومن المُوسِرين: المفلِسُ إلى فَراغِ مالِهِ، خلافا للإمام فِي إلحاقِهِ بالمقتِرِ، واستُحْسِنَ أن المقتِرَ هنا مسكينُ الزكاة، أو قادرٌ على كسْبٍ يكفيهِ أو يزيدُ، ومَن فوقَ المقتِرِ إن كان لو كُلف مُدَّين رَجَع مقترًا فمتوسِطٌ وإلَّا فموسِرٌ 3 ولم يبينوا مُدَّةَ التكليفِ بالمُدَّينِ، والظاهِرُ اعتبارُ السَّنة كما سبق فِي الزكاة.
والواجب: غالبُ قوتِ البلد، ولو أقِطًا لأهلِ الباديةِ، فإنْ لم يكْفِ ولم يغلبْ شيءٌ وَجبَ اللائقُ به 4.
ومعتبَرُ اليسارِ وغيرِهِ: طلوعُ الفجرِ فِي مبدَأ التَّسليم، ويستمِرُّ الحالُ على النظَرِ إلى طلوع الفجْرِ فِي حادِثِ يسارٍ أو إعسارٍ أو توسطٍ، وإنَّما يُعتَبَرُ طُلوعُ الفجرِ فِي الممكنة قبله، أما الممكنة عقبه فيعتبَرُ الحالُ حينئذٍ (1). وعليه إعطاءُ الحبِّ للنفقةِ وتملِكُه هي إلَّا أن تكونَ أَمَةً غيرَ مكاتِبةٍ ما لم تأكله، فإن أكلتْهُ ملكتْهُ.
ضابط
ٌ: لا يملِكُ الرقيقُ بتمليكِ غيرِ السيدِ، ولا السيدِ على المذهبِ إلَّا فيما أكلهُ الرقيقُ حلالًا؛ لأنه نِهايةُ التصرفِ، وقد ذكر الماوردِيُّ ما يقتضيه، وقبض المحجور عليها بإذن الولِيِّ ولو صغيرةً كافٍ.
ضابطٌ: لا يحصُلُ مِلكٌ لِصغيرِ باختيارٍ يجري بينَهُ وبينَ مَن ينتقِلُ الملكُ عنه إلَّا فِي هذا الموضعِ، وفِي الخُلعِ نحوه.
وعليهِ طحنُ الحَبِّ وخبزُهُ فِي الأصحِّ، إلَّا إذا عُدَّا من الخدمةِ، ومثلها يتعاطى ذلك بنفسِهِ.
ولو طلبَ أحدُهما بَدَلَ الواجِبِ لم يُجْبَرِ الممتنعُ، ولو حَصَل اعتِياضٌ عنه بنقدٍ أو عَرَضٍ غَيْرِ رِبويٍّ أو رِبوىٍّ ليس مِن جِنس الواجِبِ جاز فِي الأصحِّ، خِلافا لِما صححه القاضِي حُسين والزَّازُ من المنع بِعلةِ أنَّه بيعُ طعامٍ قبل القبضِ أو أنَّه يُشْبِهُ السَّلَمَ.
والمعتمدُ منْعُ الاعْتياضِ لَا للعلَّةِ المذكورةِ، بل لِجهالةِ صفتِه فأشبه بيْعَ إبلِ الدِّيةِ.1
وغلبةُ الجِنس لا تُفيدُ العلمَ بالصفة، ولا غلبةُ النوع عند اختلافِ قيمةِ الصِّنْفِ، وعلى هذا فلا يُحال به ولا عليه، ولا تَقِرُّ بِهِ الحرةُ لغيرها أبدًا.
وإن أخذتْ دقِيقًا مِن جنسِهِ أو خُبْزًا منهُ بصريحِ المُعاوضةِ الخالِيةِ عن معنى الاستِيفاءِ بَطَلَ قطعًا، وكونُ الحِنطةِ مع دقِيقِها جِنسانِ شاذٌّ لا تفريع عليه.
وإنْ وقَع ذلك على أنَّه وَصَلَها إلى ما عليه استيفاءٌ جاز بِرضاها قطعًا.
وإنْ أظهَرَا صُورةَ التبادل والمعنى استيفاء، فهلْ يبطُل نظرًا لمقتضى الظاهر أو يصِحُّ نظرًا للاستيفاءِ؟ هذا محلُّ تردُّدٍ والأرجحُ المنعُ.
وشرطُ صحةِ الاعتِياضِ على ما صحَّح الأكثَرُ: أَنْ يكونَ العوضانِ معلومَينِ للمتعاوضَيْنِ، والشرطُ أن يُعين فِي العقد أو يُقبض فِي خيار المجلِسِ.
ولو اعتاضتْ موافقًا فِي العلَّة كقمحٍ عن شعيرٍ وعكسِهِ، فلابُدَّ مِن قبْضِ العوضِ فِي خيار المجلسِ.
ولو أكلتْ معهُ على العادة سقطَتْ نَفَقَتُها فِي الأصحِّ، وقد تقدَّم فِي الحَجْر.
ويجبُ أدمٌ من غالِبِ أدم البلدِ، كجُبنٍ وتمرٍ وزيتٍ وسمنٍ، ويختلِفُ بالفصولِ 1، وهو إلى اجتهادِ القاضِي 2، ويقارِنُ بين الموسرِ وغيرِه، فعلى
الموسِرِ مَثْلا ما يفرِضُهُ على المُعسِرِ، وعلى المتوسِطِ مثلُه ونصفه، ولحمٌ لائِقٌ بحالِهِ كعادة بلده 1. ولو قنعتْ بالخبزِ وَجَب الأدمُ 2.
وتجبُ كسوةٌ تكفيها من قميصٍ وسراويلَ، وإزارٍ، وخِمارٍ، ومُكْعَبٍ 3 أو نعلٍ 4. ويزاد فِي الشتاء جُبةٌ أو فروةٌ.
والكسوةُ من القطنِ، فإن جرَتْ عادةُ البلدِ لمثله بكتَّانٍ أو حريرٍ وَجَبَ فِي الأصحِّ 5.
ويَجِبُ ما تقعد عليه كطنفسة أو زِلِّيةٍ 6 أو لِبْدٍ أو حصيرٍ، فعلى الموسر طنفسة شتاءً ونِطعٌ صيفًا، وعلى المتوسط زِلِّيةٌ، وعلى المعسِرِ حَصِيرٌ صيفًا ولِبدٌ شتاءً 7.
وكذا فراشٌ للنوم فِي الأصحِّ للعادةِ مِن مضربةٍ وثِيرةٍ، أو قطيفة.
وتجِب مخدَّةٌ ولحافٌ فِي الشتاء، أو كساءٌ وشعارٌ فِي الصيف بمقتضى العادة على المعتمد 1.
وتجبُ آلةُ تنظيفٍ كمشطٍ ودهنٍ وما يُغسل الرأسَ والبدنَ مِن سِدْرٍ أو خطىٍّ ومَرْتَك 2 ونحوه لدفع صُنَانٍ، لا كُحلَ وخِضابَ وما يُزينُ، ولا دواءَ مرضٍ وأجرةَ طبيبٍ وحاجِمِ، ولها نفقة ألم المرض 3، والأصحُّ وجوبُ أُجرة حمَّام إلَّا إذا كانتْ من قوم لا يعتادون دخولَهُ، وحيثُ وجب ففِي الشهر مرة 4. وعليه ماءُ غُسلِ جماعٍ ونفاسٍ لا حيضٍ واحتلامٍ فِي الأصحِّ، ولا ماءَ وضوءٍ إلَّا إذا كان هو السببَ فِي النقضِ 5.
ولها آلاتُ أكْلٍ وشُربٍ وطبْخٍ كقِدرٍ وقصعةٍ وكوزٍ وجرَّةٍ ونحوها ومسكنٌ يليق بِها، وإن لم يكن مِلْكَهُ 6.
وعليهِ لِمَنْ لا يليقُ بِها خدمةُ نفسِها -على ما كانتْ فِي بيتِ أهلِهَا- إخدامُها بالحرَّةِ أو الأَمَةِ المستأجَرَةِ، أو المملوكةِ، أو بالاتفاقِ على من صحبتها مِن حرةٍ أو أمةٍ لخدمةٍ يستوي فِي إيجاب الإخدام مُعسرٌ وعبدٌ وغيرُهما.
والواجِبُ خادمٌ واحدٌ.
والصحيحُ اختلافُ نفقةِ المصحوبة باختِلافِ حالِ الزوج؛ فعلى الموسِرِ مُدٌّ وثلثٌ، وعلى المقتِرِ مُدٌّ، وكذا متوسط على الصحيح، ولها الأدمُ، وأنَّها دونَ نوعِ أدمِ المخدومةِ.
ومَنْ تخدُمُ نفسَهَا فِي العادةِ يجبُ إخدامُها لزِمانةٍ أو مرضٍ، ويُزَاد بحسبِ الحاجةِ على الواحدةِ 1.
وللخادم كسوةٌ لائقةٌ بِها دونَ كسوةِ المخدومةِ مِنْ قميصٍ ومقنعةٍ وفِي الشتاءِ جبةٌ أو فروةٌ، ولها خفٌّ وملحفةٌ وما يُجلسُ عليه كبارِيَةٍ فِي الصيف، ولِبد فِي الشتاء، ووِسادةٌ وكساءٌ للنومُ 2.
وتملِكُ الزوجةُ الطعامَ والأدمَ وما يُستهلك مِن آلاتِ التنظيفِ، وكذا الكسوةُ على الأظهر، وتملِكُ الخادمةُ نفقتَها وكسوتَها إن كانت حرَّةً على الأرجح، وما يُنتفع بِهِ مع بقاءِ عينِهِ مِن الفرشِ وظروفِ الطعامِ كالكُسوة عندَ البغويِّ، وألحقهما الغزاليُّ بالمسكنِ، وهو أرجحُ لجوازهِما بالمستأجَرِ والمُستعار فهما إمتاعٌ، وكذا الخادمُ إمتاعٌ ونفقتُهُ بعد وجودِهِ
واجِبُها التَّمليكُ (1).
والفرْقُ بين ما واجِبُه التَّمليكُ وما هو إمتاعٌ مِن وجوهٍ:
أحدُها: أنَّ ما واجبُهُ التمليكُ لا يسقُطُ بِمضيِّ الزمانِ، وما هو إمتاعٌ يسقُطُ.
الثانِي: أن ما واجِبُهُ التمليكُ لا يكفِي فِيه المستأجَرُ والمستعارُ، وما واجِبُهُ الإمتاعُ يكفِي فيه ذلك.
الثالِثُ: أنَّ ما هو إمتاعٌ يجِبُ إبدالُهُ إذا بلغتْهُ الزوجةُ بخلافِ ما واجِبُهُ التملِيكُ.
الرابع: أنَّ ما هُو تمليكٌ لَا يُستَرَدُّ إذا حَصَل الموتُ أو الإبانةُ فِي الإفناءِ، وما هو إمتاعٌ يستَرَدُّ، ولو نَثَرَتْ في أثناءِ ال
فصل
ِ فهو كاليوم بالنسبةِ إلى النفقةِ، فيُستَرَدُّ، ثُم إذا عادتْ إلى الطاعةِ يكونُ ذلك أوَّلَ فِعلها بِخلافِ اليومِ تعودُ إلى الطاعةِ فيه؛ لأنَّ التبعِيضَ فيه متعذِّر.
الخامسُ: أنَّ ما واجبُه التملِيكُ لَا يبدَلُ إلَّا بالرِّضى، وما هُو إمتاعٌ يُبدل بغيرِ الرِّضى.
فصل 2 تجبُ النفقةُ بِالتمكِينِ، فلو اختَلَفا فيه فالقولُ قولُ الزَّوجِ، فإذا سلَّمتْ1
نفسهَا للزوْجِ فعليهِ النفقةُ، ولو بعثتْ إليه: "إنِّي مُسلِمةٌ نفسي" فعليهِ النفقةُ مِن وقتِ بُلوغِ الخَبَرِ، فإنْ كان غائبًا رَفعتِ الأمرَ إلى القاضي وأعلمتْهُ بالطاعةِ؛ لِيُعْلِمَ الزوجَ إن عَرَف موضِعَهُ، فإن سار إليها أو بعَثَ وكيلَهُ وجَبَتِ النفقةُ مِن حِينِ التَّسلِيمِ.
فإنْ لم يحضرْ ومضى زمنُ إمكانِ حضورِهِ جُعل كالمسلَم.
فإن لم يعرفْ موضِعَه كَتَبَ مطلقٌ ونُودي باسمِهِ.
فإنْ لمْ يظهرْ أُعطيتِ النفقةُ من مالِهِ بكفيلٍ.
والمعتَبَرُ عرْضُ الولِيِّ فِي المراهقةِ والمجنونةِ، ويسقُطُ بالنشوزِ ولو بعضَ النهارِ فِي الأصح.
وامتناعها من الوطْءِ بِلا عُذرٍ نشوزٌ، وكذا امتناعُها من التسلِيمِ، والمهرُ مؤجَّل، ولو حَلَّ قبل الامتناع أو حالٌّ، وقد جرى الدخولُ، أمَّا إذا لم يجزْ دخولٌ فلها النفقةُ مِن حينِ قالتْ: سلِّمِ المهرَ لأُسلمَ نفسي 1.
وهربُها وسفرُها وخروجُها مِن بيتِ الزوج بغيْرِ إذنِهِ نشوزٌ 2 إلَّا إذا أشرف المنزلُ على الانْهِدام أو أُخرجتْ مِن المنزِلِ الذي هو لِغيرِ الزَّوج أو خرجَتْ مِن بيتِ أبِيها لزيارةٍ أو عيادةٍ 3.
وسفرُها وحدَها بإذنِهِ فِي حاجاتِها يُسقطُ النفقةَ على الأظهر.
ولو حُبستْ أو كانت مؤجَّرةً قبلَ النكاح إجارةَ عينٍ فَلَا نفقةَ.
وإذا نشَزَتْ فغاب الزوجُ لم يعُد استحقاقُها بعودِها إلى الطاعةِ فِي الأصح، بل يُرفعُ الأمرُ إلى القاضِي كابْتِداءِ التَّسليمِ لِيقضي بِطاعتِها ويخْبِرُ