كتاب الرجعة
1 فتحُ رائِهَا أفصحُ مِن كسْرِهَا، ودَليلُها: قولُهُ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 2 وقولُه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ
الجزء: 3 - الصفحة: 317
بِمَعْرُوفٍ} 3.
وعنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن 4 فعلِهِ: مَا رَواهُ عُمَرُ -رضي اللَّه عنه-: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- طلَّقَ حَفْصةَ ثُمَّ راجَعَها.
أخرجَه أبو داودَ والنَّسائيُّ وابْنُ ماجه 5.
وفِي حديثِ أنَسٍ -رضي اللَّه عنه- أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا طلَّقَ حَفصةَ أُمِرَ أن يُراجِعَها فراجَعَهَا.
أخرجَه البَيهقيُّ 6.
الجزء: 3 - الصفحة: 318
وثَبتَ فِي "الصحيحَيْنِ" 7 وغيرِهِما فِي طلاقِ ابْنِ عُمَرَ زوجتَه وهِيَ حائضٌ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 8 قالَ لِعُمرَ -رضي اللَّه عنه-: "مُرْهُ فلْيُرَاجِعْها"، فراجَعَها.
والإجماعُ على مَشروعيَّتِها 9.
وَ"رَجَعَ" يُستعمَلُ مُتعدِّيًا، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ ويُستعمَلُ قاصرًا، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ وهُو كَثيرٌ، وهو ثُلاثيٌّ فيهما، وهُذَيلٌ يَستعمِلونَه رُباعيًّا فيقولون: أَرْجَعَه غيرُه.
وهو لُغةً: رَدُّ الشَّيءِ على ما كان عليه.
وشَرْعًا 10: استِباحةُ البُضعِ بعْدَ التحريمِ بالطَّلَاقِ بِغَيرِ عَقْدِ النِّكاحِ، ذكرَهُ المَاورْديُّ 11.
ويَنبغِي أَنْ يُقالَ: "رَدُّ البُضعِ إلى الحِلِّ بعْدَ التَّحريمِ.
. " إلى آخرِه، ويَزِيدُ:
الجزء: 3 - الصفحة: 319
"ولا بِمِلْكٍ" لِيخرُجَ مَنْ طَلَّقَ زَوْجتَه الأمَةَ طَلاقًا رَجْعيًّا، ثمَّ مَلَكَها بِغَيرِ عَقْدِ النِّكاحِ فإنه قدِ استباحَ بُضعَها بِشَرطِه وليس بِرَجعةٍ 12. وخَرجَ بالطَّلَاقِ: الظِّهارُ ووَطْءُ الشُّبهةِ، والإحرامُ، والإسْلامُ والرِّدةُ، فإنه إذا حصَلَت الاستِباحةُ بِزَوالِ المَانعِ لا تَكونُ رَجْعةً شَرعيَّة 13. والجامِعُ فِي ضَبطِها: أنَّها الرَّدُّ المُنجَّزُ الصادِرُ مِنَ المطلِّقِ أو مِمَّنْ يَقومُ مَقامَهُ بِلَا تأقيتٍ، ولا شرطٍ مُخِلٍّ بمَقْصُودِها, لِمُطلَّقةٍ 14 مَدخولٍ بِها، خَلا طَلاقُها عنْ لُزومِ عِوَضِ الزَّوجِ، وعنْ تَكمِلةِ العَددِ إلى الحِلِّ القَابلِ مِنَ الجَانِبَينِ مع تعيُّنِها وبقاءِ عدَّتها غَير الزائدِ المُتميزِ 15 المُختصِّ بالوَطءِ الحَادثِ، أو بالمُعاشَرةِ على رأيٍ بقَولٍ صَريحٍ أو مَكنِيٍّ أو مَكتوبٍ معَ نِيَّةٍ فيهما 16.
الجزء: 3 - الصفحة: 320
ولَمْ يَخرُجْ عن هذا الضَّابطِ إلا ما نصَّ عليه فِي قَولِ الحُرِّ زَوجِ الأَمَةِ: "نكحتُها وأنا واجِدٌ طَوْلَ حُرَّةٍ" ونحوُ ذلك، ولَمْ يصدِّقْه السيِّدُ، مِن أنَّه يكونُ طَلاقًا بائنًا.
وكذا ما أُلحِقَ 17 به مِن قَولِ الزَّوجِ: كان الشاهِدُ فاسِقًا عِندَ العَقْدِ، ولَمْ تُصدِّقْه الزَّوجةُ ونحوُ ذلك.
فإنْ فُرِّعَ على ذلك 18 زِيدَ 19 على الضَّابِطِ غيرَ مُغَلَّظٍ فيه بِبَينونةٍ، أو حكم بِها" لِيدخُلَ فيه حُكْمُ الحَاكمِ فِي مَواضِعِ الخِلافِ فِي أنه بائِنٌ أو رجعيٌّ، كما فِي الطَّلَاقِ فِي الإيلاءِ، فإنه رَجعيٌّ عند الشافعيِّ.
وقال غيرُه: إنَّه بائِنٌ 20. = غير المدخول بها، والرجعة تملك في العدة.
قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49].
والشرط الثالث: أن يكون الطَّلَاق بغير عوض، فإن كان خلعًا بعوض، فلا رجعة فيه لما ذكرناه في كتاب الخلع.
والشرط الرابع: أن تكون باقيةً في عدتها، فإن انقضت العدة فلا رجعة.
قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطَّلَاق: 2].
والمراد به مقاربة الأجل.
الجزء: 3 - الصفحة: 321
ومُقتضَى الضابطِ: أنَّه تَصحُّ رَجعةُ السَّفيهِ، وإنْ لَمْ يَأذنْ وليُّه، والعبدِ البَالغِ العَاقلِ، وإنْ لَمْ يَأذنْ سيِّدُهُ، وفيه وَجْهٌ، والوَكيلِ مِن جِهَةِ رَشيدٍ، أوْ سَفيهٍ أوْ عَبدٍ 21، والوَليِّ فِي الذي جُنَّ بعد طَلاقِه، أو وَقعَ طَلاقُه فِي جُنونِه بِتعليقٍ فِي حَالِ تَكليفِه، ذكَرَه الرَّافعي تَفقُّهًا حَيثُ يَجوزُ لِوليِّه ابْتداءُ النِّكاحِ له وهو حَسنٌ معمولٌ به إلا أنَّ الأرْجحَ هُنا الاكتِفاءُ بالمَصلحةِ.
ويُراجِعُ له الوَصيُّ أيضًا، قلتُهُ تخريجًا مِمَّا سَبقَ فيمَنْ يُزوِّجه.
وتصِحُّ رَجْعةُ المُحرِمِ والمُحرِمةِ والأَمَةِ، وإنْ كان مُوسِرًا، أو تحتَه 22 حُرةٌ؛ على الأصحِّ فِي الكُلِّ.
ولا تَصِحُّ فِي حالِ رِدَّةِ الزَّوجينِ أوْ أحدِهما, ولا فِي حالِ مُخالَفةٍ فِي الدِّين تَقتضِي الفُرقةَ.
ويُراجِع المُسلِمُ الكافرةَ، حيثُ يَجوزُ له ابتِداءُ نِكاحِها.
ولا يُراجِعُ الكافرُ المُسلمةَ إلا فِي صُورةٍ واحِدةٍ بِصُورةِ الرَّجعةِ لا حقِيقتِها، وهِي ما إذا جَاءتِ امرأةٌ مُسلِمةٌ مِن بَلدِ الهُدنةِ، وجاءَ زَوجُها يَطلُبُها، وكان قدْ طَلَّقَها رَجعيًّا، وقُلْنَا بالقَولِ المَرجوحِ إنها تَغْرَمُ له المَهرَ فنَصَّ فِي "الأُمِّ" 23 أنَّها لا تَغْرَمُ له حتَّى يُراجِعَها, لِيظْهرَ مِنه قَصْدُ الرَّغبةِ فيها.
الجزء: 3 - الصفحة: 322
وفِي "الروضة" 24 قولٌ 25 أنَّه يَستحِقُّ المَهْرَ بِمُجرَّدِ الطَّلبِ بِلا رَجعةٍ؛ لأنَّها فاسِدةٌ، فلا مَعنى لاشتِراطِه.
. انتهى.
والمُعتمَدُ ما نَصَّ عليه.
ولو أَسلَمَ بعد الرَّجعةِ وقبْلَ انقِضاءِ العِدَّةِ: ففِي العَمل بِرَجْعتِه السابقةِ تَردُّدٌ، والأرجَح صحَّتُها، بخِلافِ ما فِي الردَّةِ واختِلافِ الدِّينِ؛ لأنَّ الرَّجعةَ قدْ أَثَّرَتْ فِي غُرْمِ المَهْرِ، فأثَّرتْ بعْدَ الإسْلامِ فِي صِحَّةِ الرَّجعةِ.
وخَرجَ بقَوْلِنا: "إنها الرَّدُّ المُنجَّزُ": تعليقُها على شرْطٍ فإنَّها لا تَصحُّ 26.
وبِقَولِنا: "لِمطلَّقةٍ": المفسوخُ نكاحُها، فلا تَصِحُّ رَجعتُها، و 27 المحرَّمةُ أبدًا بِرَضاعٍ أوْ لِعانٍ.
ودخَلَ فِي المَدخولِ بِها: الدخولُ السابقُ على الطَّلَاقِ، والذي حصَلَ الطَّلَاق معه، كما إذا قال لِغَيرِ المَدخولِ بِها: "إنْ وطِئتُكِ فأنْتِ طَالقٌ"، فإنه إذَا وطِئَها يَقَعُ رجْعيًّا قَطْعًا، ويَجِبُ عليه النَّزعُ عَقِبَ 28 تَغيِيبِ الحَشَفَةِ.
والمرادُ بالدُّخولِ الإصابةُ على ما سبَقَ فِي الصَّداقِ فِي تَقْريرِ المُسمَّى.
الجزء: 3 - الصفحة: 323
وفِي ثبوتِ الرَّجعةِ باستِدخالِ الماءِ المُعتبَرِ وَجْهانِ: أحدُهما: نَعَم، جَزمَ به الربيعُ وغيرُه فِي صُورةِ الطَّلَاقِ الرَّجعيِّ مِن العِنِّينِ، وعليه اقتَصرَ الرافعيُّ هناكَ، وصحَّحَ فِي مَوانعِ النِّكاحِ تَبَعًا لِلبغوِيِّ أنَّها لا تَثْبتُ، والأوَّلُ أقْوَى.
وقولُنا: "خَلا طَلاقُها عَنْ لُزومِ عِوَض": ما لَمْ يخْلُ عنْ عِوَضٍ تَحصُلُ به البَينونةُ على ما سَبقَ فِي الخُلعِ والرَّجعةُ مُمْتنِعةٌ حِينئِذٍ اتفاقًا.
ودَخلَ فِي الخالي عَنِ العِوَضِ: الموصوفُ بالبَينونةِ لَفْظًا كما فِي قولِه: "أنتِ طالقٌ طَلقةً بائنةً"، فإنَّها تَطلُقُ طَلْقةً رَجعيةً قَطْعًا، ودخَلَ فيه طَلاقُ الاخْتيارِ والتَّمليكِ.
وخَرجَ بِقَولِنا: "وعنْ 29 تَكملةِ العَددِ": ما استَوفى فيه المُطلِّقُ عَدَدَه فلا رَجْعةَ فيه، فالحُرُّ 30 الكَامِلُ عند الثانيةِ إذا استَوفَى الثالثةَ، ولَو فِي الأَمَةِ حَرُمَتْ عليه حتَّى يُصيبَها زَوجٌ كما سَبقَ.
ومَنْ فِيه رِقٌّ عنْدَ الثَّانيةِ إذا استَوفَى الثَّانيةَ، ولو فِي الحُرَّةِ كان كاستِيفاءِ الحُرِّ الثالثةَ، فالعِبْرَةُ عندنَا فِي الطَّلَاقِ بالرِّجالِ 31.
الجزء: 3 - الصفحة: 324
ولَو قال مَن فِيه رِقٌّ لِزَوجتِه: "إنْ أَعتَقَنِي سيِّدِي، فأنْتِ طَالقٌ طَلقَتَينِ" فأعْتقَه سيِّدُه، فإنَّ له أَنْ يُراجعَها.
وقولُنا: "إلى الحِلِّ": مُتعلِّقٌ بالرَّدِّ.
ووصَفْنَا الحِلَّ 32 بالقَبولِ مِن الجَانِبَينِ لنُخرِجَ به حالةَ الرِّدةِ، واختلافِ الدِّينِ كما سَبقَ.
وقولُنا: "مَع تعيُّنِها": يَخرُجُ به ما 33 إذا طَلَّقَ امَرَأَتَيْه مُبهِمًا، ثُم رَاجَعَ إحداهُما مبْهِمًا، فإنَّه لا يَصحُّ، وفيه وجْهٌ قويٌّ أنه يصِحُّ 34.
وقولُنا: "وبَقاءُ عِدَّتِها" إلى آخِرِه.
. واضحٌ.
وفِي المُعاشَرةِ كَلامٌ يَأتِي فِي العِدَّةِ.
= والعبد يملك طلقتين فيراجع بعد الأولى ولا يراجع بعد الثانية, لأن العبد يستوفي بالثانية عدد طلاقه كما يستوفيه الحر بعد الثالثة.
وإذا افترق حكم الحر والعبد فيما وصفنا من عدد الطَّلَاق واستحقاق الرجعة فيه فهو معتبرٌ بحاله لا بحال الزوجة، فيتملك الحر ثلاثًا سواءٌ كان تحته حرةٌ أو أمةٌ ويملك العبد طلقتين سواءٌ كان تحته حرةٌ أو أمةٌ فيكون اعتباره بالرجال دون النساء.
"الحاوي" (10/ 304).
الجزء: 3 - الصفحة: 325
ولا يُعتبَرُ رِضى المَرأةِ، ولا وليِّها, ولا مالكِ الأَمَةِ بِلا خلافٍ.
ويُستحبُّ إعلامُ المَرأةِ.
ولا يُعتبَرُ فِي صِحَّةِ الرَّجعةِ الإشهادُ 35؛ على مَنصوصِ "الأُمِّ" 36 و"المختصر" و"القديم".
وقال فِي "الإملاء": لَا رَجْعةَ إلا بشاهَدَينِ، وهو آخِرُ قولَيْه كما ذكَرَه الرَّبيعُ فِي غَيرِ "الأُمِّ".
ويَنبغِي أَنْ يرجَّحَ، ولَمْ يُرجِّحُوه، ونَسبَه جَمْعٌ مِن المَراوِزةِ للْقَديمِ، والأثْبَتُ ما سَبقَ.
ويُستحَبُّ الإشهادُ قَطْعًا إذا لَمْ يَعتبِرْه، وعلى الإقْرارِ بالرَّجعةِ إنْ لَمْ يَشْهَدْ على إنْشَائِها, ولا سِيَّما فِي العِدَّةِ.
وصَريحُها: "راجَعْتُكِ" أو: "ارتجعتُكِ" وأَلْحقَ به جَمْعٌ: "رجعتُها" أو:
الجزء: 3 - الصفحة: 326
"رجعتُكِ" 37 وعليه المتأخِّرونَ، ولَمْ يَذكُرْه الشافعي فِي "الأم" ولا فِي "المختصر" ويَنبغِي أَنْ يُلحَقَ بـ "رددْتُها" 38.
ويُستحَبُّ فيما سَبقَ أَنْ يَقولَ: "إلى" أو: "إلى نِكاحِي" 39.
و"أمْسكتُها": صَريحٌ على النَّصِّ.
وقال العراقيونَ: هو كِنايةٌ لا تَصِحُّ الرَّجعةُ به وإن نَوى؛ لأنَّهم لا يصحِّحونَ الرَّجعةَ بالكنايةِ مَعَ النِّيةِ، ومَن نَقلَ فيه وَجهًا أنه لَيْسَ بِصَريحٍ ولَا كِنايةٍ فليس بِصحيحٍ، ولا يحتاجُ فيه أَنْ يَقولَ: "إليَّ" أو: "إلى نكاحِي" على المُعتمَدِ 40.
وصَريحُ الرَّجعةِ مُنحصِرةٌ فِي هذِه الثَّلاثةِ 41.
الجزء: 3 - الصفحة: 327
وتَصِحُّ بالعَجَميةِ وإنْ أحْسَنَ العَربيةَ، وتَصِحُّ بالكِنايةِ 42، والكِنايةُ معَ النِّيةِ فيهِما كما سَبقَ، وهذا عند المَراوزةِ، وهو أقْيَسُ وأرْجَحُ، وليس الخِلافُ فيه مَبْنيًّا على الإشْهادِ لِمَا سَبقَ عَنِ العِراقيِّينَ، والبِناءُ المَذكورُ غيرُ مُستقيمٍ.
ولا تَصحُّ الرَّجعةُ بـ "نكحتُها" ولا "تزوجتُها" ولو كان فِي صُورةِ العَقدِ؛ لأنَّه غَيرُ مَشروعٍ هُنا؛ ولأنَّه تَحصيلُ الحاصلِ، خِلافًا لِمَنْ أجَازَ ذلك 43.
ومِنَ الكِنايةِ: "رفعتُ التحريمَ" و"أعدتُ الحِلَّ".
وإشارَةُ الأخْرسِ كعِبارةِ الناطِقِ، فإنْ كانَتْ مُفهِمةً إفهامًا ظاهرًا صَحَّتْ بها الرَّجعةُ، وإنْ لَم يُفهِمْهَا ظاهرًا صَحَّتْ بِها الرَّجعةُ، وإنْ لَم يَفْهَمْهَا إلا الفَطِنُ صُحَّتْ بِها عند المَرَاوِزَةِ مَع النِّيةِ.
وكذا بالكَتْبِ؛ نَصَّ عليه فِي "الأُمِّ" 44، وهو شَاهدٌ لِطَريقةِ 45 المَراوِزَةِ إلا
الجزء: 3 - الصفحة: 328
أَنْ يُحمَلَ على أنَّ الكَتْبَ صَريحٌ فِي حَقِّ الأخْرسِ.
وفِي "الأُمِّ" 46 فِي "رددتُها إليَّ" تَفريعٌ على أنَّه كِنايةٌ أنَّه يَصحُّ بالنِّيةِ، وهذا تَصريحٌ بمَا قالَه المَراوِزةُ 47.
ولا تَحصُلُ الرَّجعةُ بفعْلٍ: مِنْ وَطْءٍ، وتَقْبيلٍ، وغيرِهما، وإنْ نَوى بذلك الرَّجعةَ على النَّصِّ المُعتمَدِ 48.
الجزء: 3 - الصفحة: 329
وهذا فِي غَيرِ رَجعةِ الكُفارِ.
. قلتُه تَخريجًا.
ووطؤُها حَرامٌ وسَائرُ الاستِمتاعاتِ، ويعزَّرُ العالِمُ بالتَّحريمِ ولابدَّ، ويَجِبُ المَهْرُ وإنْ رَاجعَها على ظاهِرِ النَّصِّ (1).
وإنْ وَطِئَ مِرارًا لَمْ يَجبْ إلا مهرٌ واحدٌ.
. قلتُهُ تخريجًا.
ضابط
ٌ: للرَّجعيَّةِ حُكمُ الزَّوجةِ فِي مَواضعَ قَطْعًا، [وحُكمُ البائِنِ فِي مَواضِعَ قَطْعًا، وفِي مَواضِعَ خلافٌ والأصحُّ كالأوَّلِ] 50، وفِي مَواضعَ خِلافٌ والأصحُّ كالثانِي.
- فالأوَّلُ: اشْتَهرَ عنِ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه-: الرجعيَّةُ زوجةٌ فِي خَمسِ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّه تعالى.
قالوا: أَرادَ بِها آياتِ الطَّلَاقِ والظِّهارِ واللِّعانِ والإيلاءِ والميراثِ.
وكُنْتُ قَديمًا ذَكرْتُ أنَّ الرجعيةَ زوجةٌ فِي إحدى عَشرةَ: هذِه الخَمْسُ.49
= ثبتت له الرجعة.
. ولو طلقها فخرجت من بيته فردها إليه ينوي الرجعة أو جامعها ينوي الرجعة أو لا ينويها ولم يتكلم بالرجعة لم تكن هذه رجعةً حتى يتكلم بها.
الجزء: 3 - الصفحة: 330
- وآيةُ عِدَّةِ الوَفاةِ.
- وآيةُ ﴿وَرُبَاعَ﴾ فإنَّ الرجعيةَ محسُوبةٌ مِنهنَّ.
- وآيةُ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.
- ثمَّ وَجدتُ فِي "الأُمِّ" ما يُفهِمُ السابعةَ والثامنةَ والتاسعةَ والعاشرةَ والحاديةَ عشرَ دُخُولُها فِي آيةِ النَّفقةِ على الزَّوجات، وآية كسوتهن وآية سكناهن.
الثانيةَ عشرةَ: أنَّ الآيةَ المُثبِتةَ لِلْوليِّ شركاء 51 فِي تَزويجِ ولِيَّتِه تقْتضِي أنه لا مَدخلَ للوَليِّ فِي رَجْعتِها لِأنَّها زَوْجةٌ.
الثالثةَ عشرَ: الآيةُ التي فيها اعْتِبارُ رِضى مَنْ يَعقِدُ علَيها تَدلُّ على أنَّ الرَّجعيةَ زَوجُةٌ إذْ لا يُعتبَرُ رِضاهَا.
الرابعةَ عشرَ: قولُه تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ هو تَدلُّ على أنَّ الرَّجعيةَ مَنْكوحةٌ لِعدَمِ اعْتِبارِ الإِذْنِ مِن أهْلِها اتفاقًا حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً.
الخامسةَ عشرةَ: قولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ فيمَنْ 52 يَبتغِيها للتَّزويجِ، وذلك فِي غَيرِ الرَّجعيةِ إذْ لا مَدخلَ لِلْمالِ فِي الرَّجعيةِ.
السادسةَ عشرةَ: قولُه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ وليس للسيِّدِ مَدخلٌ فِي رَجْعَتِها؛ لأنَّها مَنكوحةٌ، والمُرادُ مِن تَناوُلِ الآياتِ المذكورةِ لها إمَّا بِطريقِ العُمومِ أو بِطَريقِ المَفهومِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 331
والمَواضعُ السبعةُ فِي الجُزءِ السابعِ مِن الأُمِّ مِن تَجزِئةِ ثَمانيةِ أجْزاءِ فِي تَرجمةِ الخِلافِ فِي هذا البابِ، وأَشارَ إلى البابِ، وهو بابُ ما جاءَ فِي عَدَدِ ما تَحِلُّ به الحَرائرُ والإماءُ، وما تَحِلُّ به الفُروجُ.
وجعلَ الشافعيُّ آيتَيِ المَواريثِ واحدةً، وهي مُشتملةٌ على أربعةِ أحْكامِ، وكذلك آيَةُ الإيلاءِ مُشتملةٌ على أحْكامٍ، وكذلك آيَةُ الظِّهارِ مشتمِلةٌ على أَحكامٍ وتَسمياتٍ، وكذلك آيةُ اللِّعانِ والقَذفِ مُشتمِلةٌ على أَحكامٍ وضَمائرَ، فلَو نَظرَ إلى ذلك لَكثَرَ العَددُ وفِي قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ممَّا يَظهرُ منه عَدُّها فيما نَحنُ فيه، ومنه أنه لا يُحدُّ بِوَطئِها مع العِلْمِ بالتَّحريمِ بِخلافِ البَائنِ.
- وأمَّا الثانِي: وهو أنَّ لها حُكمَ البائنِ قَطْعًا: فمِنه تَحريمُ وَطْئِها والاستمتاعِ بها، والنَّظرِ إليها بِشَهْوةٍ ونحوِ ذلك.
- وأمَّا الثالثُ: فمِنه صحةُ خُلْعِها على الأظْهَرِ، ومِثلُه يأتي فِي الوَصيةِ والوَقفِ قلتُه تَخْريجًا، وعدمُ وجوبِ الإشهادِ على الرَّجعةِ [على الأظْهَرِ] 53، وفي 54 خِطْبتِها ما تَقدَّمَ
- وأما الرابعُ: فمثالُهُ عزيزٌ، ووجدتُ فيه 55 بعد التفكُّرِ، ما إذا قال
الجزء: 3 - الصفحة: 332
للرَّجعيةِ: "أنتِ عليَّ حَرامٌ" فإنَّ الأصحَّ، أنَّه لا تَجِبُ علَيْها كفَّارةٌ كالبَائِنِ.
وأمَّا احتسابُ أكثرِ مُدةِ الحَمْلِ ففِي البائِنِ يُحتَسبُ مِن حِينِ الطَّلَاقِ، وفيه تَعَقُّبٌ يأتي فِي العِدَّةِ وفِي الرَّجعيةِ قَولانِ، أصَحُّهما كالبَائنِ.
وما استُنْبِطَ مِنَ الأحْكامِ مِن أنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعيَّ هلْ يَقطَعُ النِّكاحَ، ويُزيلُ المِلْكَ أمْ لا أم يكونُ 56 مَوقُوفًا كلامٌ مَردودٌ، لِعدَمِ تَوارُدِهما على مَحَلٍّ واحدٍ.
وللاختلافِ 57 بيْنَ المُطلَّقةِ والزَّوجِ صُوَرٌ واختلافٌ لَنا فيه تعقُّبٌ، فنقولُ:
إنِ اختلفَا والعِدةُ باقِيَةٌ باتفاقِهِما فالقولُ قولُهُ 58، زادَ المَاورْديُّ: "بِلَا يَمينٍ" إلا أَنْ يُريدَ بذلك إسقاطَ حقٍّ لها بأنْ وَطِئَها فطَالبَتْه بِمَهْرِ المِثْلِ، فيدفعُه 59 بِدَعْوى الرَّجعةِ، فيكونُ إنشاءً للرَّجعةِ.
والتَّحقيقُ أنَّه لا يكونُ إنشاءً للرَّجعةِ لِتَنَافِي الإنشاءِ والإخْبارِ، فعَلَى هذا يَحتاجُ 60 إلى اليَمينِ، والاحتياطُ أَنْ يُنشئَ الرَّجعةَ.
ولو قال "راجعتُكِ اليَومَ"، فقالتْ: "انقضَتْ عِدَّتي قَبْلَ رَجعتِكَ" صُدِّقَتْ هِيَ، نصَّ علَيهِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 333
قالَ الأصحابُ: المرادُ إذا اتَّصلَ كلامُها بِكلَامِه قالوا: قولُه "راجعتُ" إنشاءٌ، وقولُها "انقضَتْ عِدَّتي" إخبارٌ، فيكونُ الإنشاءُ 61 سابقًا على قولِها، كذا فِي "الروضة" 62 تَبَعًا للشرحِ.
وهُو متعقَّبٌ مِن جِهَةِ أنَّ النَّصَّ بتَصْديقِها لَمْ يُقيِّدْه الشافعيُّ بالاتِّصالِ المَذكورِ الذي لا مَعنى له، ولا شَاهِدٌ يَشهَدُ له، والصوابُ: أنَّ القولَ قولُ الزَّوجةِ بِيَمينِها فِي هذِه الصُّورةِ مِنْ غَيرِ تَقْييدٍ بالاتِّصالِ.
وما اعتُرِضَ به مِن أنَّه لَمْ يُوجَدْ مَع واحدٍ منهُما دَعْوى انقِضاءِ العِدَّةِ حتى حَصَلتِ الرَّجعةُ باتَفاقِهما فيَنبغِي أَنْ يُصدَّقَ الرَّجلُ مَمْنوعٌ إذْ لا أصْلَ هُنا يُستصحَبُ اتَّفقَا 63 عليه، والرجلُ يُريدُ إثباتَ سَلْطَنةٍ لَه علَيْها 64، وهِيَ تُنكِرُها، والأصلُ عدَمُها.
وهذا مستمَدٌّ ممَّا لَو اختلَفَ الزَّوجانِ الوثَنيَّانِ المُسلِمانِ قَبْلَ الدُّخولِ فقال الزَّوجُ: "أسْلَمْنَا مَعًا"، فالنِّكاحُ بَاقٍ 65، وقالتِ الزَّوجةُ: "بَلْ أَسْلَمْنا على التَّرتِيبِ"، فإنَّ الأصحَّ أنَّ القولَ قولُ الزَّوجةِ خِلافًا لِمَا صحَّحه فِي "المنهاجِ" 66 فِي الدَّعوى والبيِّناتِ؛ لأنَّ الزَّوجَ يُريدُ إثْباتَ سَلْطَنةٍ له 67
الجزء: 3 - الصفحة: 334
علَيْها، والأصلُ عَدمُها، وظَهَرَ بِذلك التَّعقُّبُ على ما حُكيَ عنِ الأصْحابِ.
ويتخرَّجُ فِي الصُّورةِ قَولٌ بِتَصديقِ الزَّوجِ، والأصحُّ الأوَّلُ.
وإنِ اختلفَا والعدَّةُ مُنقضِيَةٌ باتفاقِهِما فقالَ الزَّوجُ: "راجَعْتُك فِي العِدَّةِ" فأنْكرَتْ هِيَ، فالقولُ قولُها.
نصَّ عليه فِي "الأُمِّ" 68 و"مختصر المُزني" 69 وللزَّوج تَحْليفُها.
وما نصَّ عليه الشافعيُّ هو المُعتمَدُ فِي الفَتوى.
وأمَّا مَا صحَّحه فِي "الروضة" 70 تَبَعًا للشرحِ، وفِي "المنهاج" 71 تَبَعًا للْمُحررِ 72: مِن أنَّ القولَ قولُ السابقِ بالدَّعوَى، فهُوَ كلامٌ لا أصْلَ لَه، ولَمْ يَذكرِ الشافعيُّ هذا فِي شَيْءٍ مِن كُتُبِه، وليس فِي الكِتابِ ولا فِي السُّنةِ ما يَشهَدُ بتَصديقِ السابقِ بالدَّعوَى.
وعلى هذا الطَّريقِ الضَّعيفِ إنِ ادَّعيَا مَعًا صُدِّقَتْ.
وإنِ اتَّفقَا على وقْتِ الانقِضَاءِ كيَومِ الجُمعةِ، وقال: "راجعتُك يَوْمَ الخَميسِ" ففِي "الروضة" 73: الصحيحُ الذي عليه الجُمهورُ: أنَّ القولَ قولُ الزَّوجةِ بِيَمينِها، وهذا مُستقيمٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 335
وإنِ اتَّفقَا على أنَّ الرَّجعةَ يَومَ الجُمعةِ وقالت: "انْقضَتْ عِدَّتِي يَومَ الخَميسِ" وقال هو: "بَلْ يَومَ 74 السبْتِ" فصحَّحُوا أنه المُصَدَّقُ.
ولَمْ يَذكرِ الشافعيُّ فِي صُورةٍ مِن صُوَرِ الاخْتلافِ بعْدَ انقِضاءِ العِدَّةِ أنَّ القَوْلَ قَوْلُ الزَّوجِ، وإنَّما جَعلَ القولَ قولَه قَبْلَ انقِضاءِ العِدَّةِ.
فإنْ قيلَ: فِي الصُّورةِ المَذكورةِ مَعَ الزَّوجِ أصْلٌ مُستصْحَبٌ وهو بَقاءُ العِدَّةِ.
قلنا: إنما يَنفعُ 75 ذلك إذا كانتِ العِدَّةُ بَاقيةً، والترجمةُ فِي "الأُمِّ" تَشهَدُ بذلك.
وإن كانَ الاختلافُ بعْدَ أَنْ تَزوَّجتْ، فجاءَ الأوَّلُ وادَّعى الرَّجعةَ فِي العِدَّةِ:
فإنْ أقامَ بيِّنةً فهِيَ زَوجتُه، وإنْ أقرَّتْ هِيَ بالرَّجعةِ لم يُقبَلْ إقرارُها على الثاني، بِخِلافِ ما لو ادَّعى على امرأةٍ تَحْتَ رَجُلٍ أنَّها زَوجتُه، فقالتْ: "كنتُ زوجتَك فطلَّقْتَني" فإنَّها تكون مُقرَّة له، وتُجعَلُ زَوجتَه 76، والقولُ قولُه فِي أنَّه لمْ يطلِّقْها، كذا فِي "الروضة" 77 تَبَعًا للشرحِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 336
ومحلُّ ما ذكرَاه فيما 78 إذا لَمْ تُقِرَّ المَرأةُ بالنِّكاحِ لِمَنْ هِيَ تَحْتَه، فإنْ كانَتْ قدْ أقرَّتْ بِذلكَ فلا تُجْعلُ زَوجةً لِلْأوَّلِ، وتَستمِرُّ لِمَنْ هِي تحتَه.
وفِي الصُّورِ كلِّها لا فرْقَ بيْنَ الزَّوجةِ الحُرةِ والأَمةِ؛ خِلافًا للْمُتولِّي والشَّاشِي فِي قولهما: "إن القولَ قولُ السيد" حيث كان القولُ قولَ الحرَّة.
وفِي "زيادات الروضة" 79: هُو قَويٌّ.
وليس كذلك، بلْ هو ضَعيفٌ، وخِلافُ نَصِّ الشَّافعيِّ 80، وهو قولُه:
"وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً فَصدَّقَتْهُ 81، كَانَتْ كَالْحُرَّةِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهَا، وَلَوْ كَذَّبَهُ مَوْلَاهَا لَمْ أَقْبَلْ قَوْلَهُ، لِأَنَّ التَّحْلِيلَ بِالرَّجْعَةِ وَالتَّحْرِيمَ بِالطَّلَاق فِيهَا وَلَهَا".
نصَّ على ذلك فِي "مختصر البويطي".
وحيثُ صدَّقْنا الزَّوجةَ فِي إنْكارِها فرجَعتْ عنِ الإنْكارِ صُدِّقَتْ.
وكذلك لَوْ أنْكَرتْ إذنَها فِي النِّكاحِ وهي ممَّنْ يُعتبَرُ إذنُها، ثمَّ رَجَعَتْ، عند الغزَّاليِّ ونقلَ عنِ النَّصِّ أنَّه لا يُقبَلُ رُجوعُها، وهُو المُعتمَدُ.
وأمَّا 82 لو أقرَّتْ بنَسبٍ أو رَضاعٍ مُحرَّمٍ ثمَّ رَجعتْ، فإنَّه لا يُقبَلُ منها
الجزء: 3 - الصفحة: 337
ذلك؛ لانتِشارِ الحُرمةِ.
ولو ادَّعتْ أنه طلَّقَها ثلاثًا ثُمَّ رَجعَتْ، فقلَّ مَنْ ذَكَرَ هذِه المسألةَ، وهي محتمِلَةٌ، والأرْجحُ قَبولُ رُجوعِها؛ لأنَّ المرأةَ قدْ تَنسِبُ ذلك لِزَوجِها مِنْ غَيرِ تَحقيقٍ.
ولَو طَلَّقَ الرَّجلُ زَوجتَه، ثُمَّ قال: "طلقتُكِ بعد الدُّخولِ، فلِيَ رَجعةٌ 83 "، فأنكرتْ ذلك، فالقولُ قولُها بِيَمِينِها على النَّصِّ فِي الجَديدِ 84.
ولَو أتتْ بِوَلدٍ يُمكِنُ أن يكونَ منه، ولَمْ ينفِه باللِّعانِ، فإنَّ القولَ قولُهُ حينئِذٍ، قلتُهُ تخْريجًا ممَّا ذَكرُوه فِي عكسِهَا.
وحيثُ لَمْ يَكنِ القولُ قولَها، فإنْ لَمْ تَكنْ قَبَضتِ المهرَ فليس لها أَنْ تُطالِبَ إلا بالنِّصفِ، ولو كانتْ قد قَبضَتِ المهرَ لَمْ يَرجِعْ علَيها بِشَيْءٍ.
كذا قالُوه، ولَمْ يُخرِّجوه على الخلافِ فيمَنْ أقرَّ لإنسانٍ بشَيءٍ فكذَّبه المُقَرُّ له، وللتخريجِ وجْهٌ قويٌّ.
وفِي "الروضة" 85 تَبَعًا للشَّرحِ أن فِي "شرح المفتاح" لأبِي مَنصورٍ البَغداديِّ: "أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ قَبَضَتِ الْمَهْرَ وَهُوَ عَيْنٌ، وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ قَبُولِ
الجزء: 3 - الصفحة: 338
النِّصْفِ، فَيُقَالُ 86 لَهُ: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ النِّصْفَ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَهَا مِنْهُ 87، وَلَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ الْمُصدَّقَةُ فِي يَدِهِ، وَامْتَنَعَتْ مِنْ أَخْذِ الْجَمِيعِ، أَخَذَهُ الْحَاكِمُ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، قَالَ لَهَا: إِمَّا أَنْ تُبْرِئِيهِ، وَإِمَّا أَنْ تَقْبَلِيهِ" 88. وهو كلامٌ معقَّبٌ مِن جِهَةِ أنَّ الإبْراءَ مِن الأعيانِ لا يَصِحُّ، وإنَّما يَصِحُّ التمليكُ بالاخْتِيارِ، وأخْذُ الحاكمِ ضعيفٌ، وفِي هذا الكلامِ التفاتٌ إلى شَيْءٍ مما أَشَرْنَا إليه 89 في التَّخريجِ، واللَّهُ أعلمُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 339
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ