كتاب الجهاد
[كان الجهادُ في عهدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فرضَ كفايةٍ، وقيل: عين، وأما بعدهُ فللكفارِ حالان: أحدُهما: يكونون ببلادِهِم ففرضُ كفايةٍ إذا فعلهُ مَن فيهم كفايةٌ سقط الحرجُ عن الباقين.
ومِن فرضِ الكفايةِ: القيامُ بإقامة الحجج وحلِّ المُشكلاتِ في الدِّينِ وبعلومِ الشرعِ كتفسيرٍ وحديثٍ، والفروع بحيثُ يصلحُ للقضاءِ، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر وإحياءُ الكعبة كلَّ سنة بالزيارة، ودفعُ ضرر المسلمين: ككسوة عارٍ، وإطعامٍ جائعٍ إذا لم يندفعْ بزكاة وبيت مال، وتحملُ الشهادة وأداؤها، والحرفُ، والصنائعُ، وما تتم به المعايشُ، وجوابُ سلام على جماعة، ويسنُّ ابتداؤها لا على قاضي حاجةٍ، وآكلٍ، وفي حمامٍ، ولا جوابَ عليهم.
ولا جهادَ على صبيٍّ، ومجنونٍ، وامرأةٍ، ومريضٍ، وذي عرجٍ بيِّن، وأقطع،
الجزء: 4 - الصفحة: 213
وأشلَّ، وعبدٍ، وعادِمِ أُهبة قِتالٍ.
وكلُّ عذرٍ منع وجوبَ الحج منَعَ الجهادَ إلا خوفَ طريقٍ من كفار، وكذا من لصوصِ المسلمين على الصحيح.
والدَّيْنُ الحالُّ يحرمُ سفرَ جهادِهِ وغيرِهِ إلا بإذنِ غريمِهِ، والمؤجَّلُ لا، وقيل: يمنع سفرًا مخوفًا.
ويحرم جهادُ إلا بإذن أبويه إن كانا مُسلمين، وعبد بلا إذن] 1 سيده بما فيهِ من الرِّقِّ، فإنِ اجتمعُوا على الإذنِ جاهَدَ، وإنْ افترقوا فيه امتنعَ، فإن سافر يعلم فرض عينٍ أو كفايةٍ، والطريق غير مخوفٍ، فلا يحتاج إلى إذنِ أصولِهِ أو أصلِهِ المسلمين فيها، وفيه وجه في فرضِ الكفايةِ أنَّه يحتاج إلى إذنِ الأصلِ المسلمِ، هذا إذا لم يكن نفقة أصولِهِ أو أحدهمْ لازمةً لَهُ، فإنْ كانتُ ولم يستنبْ في الإنفاقِ علَى مَن ذُكِرَ من الأصولِ فإنَّه يجبُ استئذانُهُ حينئذٍ كصاحبِ الدَّينِ، لأنَّ وجوبَ نفقةِ مَن ذكر كالدَّينِ للمنفق عليه، وسواء كان مَن يلزمُهُ نفقتُهُ ممن ذكرَ مسلمًا أو كافر.
فإن أذنَ أبواهُ والغريمُ، ثم رجعُوا وجبَ الرجوعُ إنْ لمْ يحضرِ الصَّفَّ ولا خيفَ انكسارٌ على المسلمين، ولا كان خروجُهُ بجُعلٍ مع سلطان، فإن التقى الفريقانِ حرمَ الانصراف على الأصحِّ، فإن خشي انكسارَ المسلمين حرمَ الانصرافُ قطعًا.
الحالُ الثاني: أن يدخلوا بلدةً لنَا أو وصلوا إليها ولم يدخلُوا، أو نزلُوا على خرابٍ أو جبلٍ في دارِ الإسلامِ بعيد عن البلدانِ والأوطانِ، فيلزمُ أهلُها الدفعُ بالممكنِ، فإن أمكنَ تأهُّب لقتالٍ لعيالٍ وجبَ الممكنُ، ولا يجبُ على
الجزء: 4 - الصفحة: 214
فقيرٍ ولا ولد مدين ولا عبدٍ بلا إذنٍ على النصِّ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ.
والمعتمدُ في الفتوَى وهو مقتضَى النصِّ أنَّهُ إنْ حصلتْ مقاومة بأحرار اشترط إذن السيِّدِ خلافًا لما جعله في "المنهاجِ" وجهًا ضعيفًا.
وإن لم يمكنِ التأهُّبِ للقتالِ، فمن قُصد دفع عن نفسِه بالممكنِ إن علم أنَّه إن أخذ قتلَ، أو علمتِ المرأةُ أنَّها لو أسرتْ امتدَّتْ إليها الأيدي، فعليها أن تدفعْ، وإن كانت تقتلُ، ويستوي في الدفعِ حينئذٍ كلُّ مكان، وإن جوَّز الأمر فلهُ أن يستسلمَ.
ولو امتنعَ لقتلَ، فأمَّا إذا كان يجوزُ الأمر، ولو امتنعَ لا يقتلُ فلا يجوزُ لهُ أن يستسلمَ.
وأمَّا من ليسَ له من أهلِ تلك الناحيةِ 2 فإنْ كانَ في أهلِها كفاية، فالذين قربوا منهم، وكانُوا دونَ مسافةِ القصرِ ينزلون إن وجدوا الزادَ بمنزلةِ أهلِ الناحيةِ إذا قامَ بالدفعِ مَن فيهِ الكفايةُ، وإن لم يكنْ في أهلِ الناحيةِ كفايةٌ فيتعيَّنُ على الأقربينَ أَنْ يطيرُوا إليهم.
ومن على المسافةِ قيلَ يلزمُهُم الأقربُ فالأقربُ، والأصحُّ إنْ كَفَى أهلُهَا لم يلزمْهم، ولو أسروا مسلمًا وجبَ النُّهوضُ إليهم لخلاصِهِ إن توقعناه.
يكره الغزوُ بغيرِ إذنِ الإمامِ أو نائبِهِ إلَّا إذَا كانَ من يريدُ الغزوَ لو ذَهَبَ إلى الاستئذانِ فاتهُ المقصودُ، وإلَّا إذا عطَّلَ الإمامُ الغزوَ وأقبلَ هو وجندُهُ على أمورِ الدُّنيا وغير ذلك، وإلَّا إذا كانَ مَن يريدُ الغزوَ لا يقدِرُ على الاستئذانِ ويغلبُ على ظنِّهِ أنَّهُ لو استأذَنَ لم يؤذنْ لَهُ فلا كراهَةَ في هذهِ الصور.
ويندبُ لَهُ إذا بعثَ سريةً أَنْ يؤمِّرَ عليهم، ويأخذُ البيعةَ بالثباتِ، ولَهُ
الجزء: 4 - الصفحة: 215
الاستعانَةُ بكفارٍ، ويشترطُ أن يؤمِّنَ حياتَهُمْ، وأن يعرفَ الإمامُ حسنَ رأيهم في المسلمينَ، وأن يكثرَ المسلمونَ بحيثُ لو انحازَ المستعانُ بهم وانضمُّوا إلى الذين يغزونهم لأمكننا مقاومَتُهم جميعًا، وأن يكونَ في المسَلمينَ قلَّة، وتمسُّ الحاجةُ إلى الاستعانةِ.
وله الاستعانةُ بعبيدٍ بإذنِ السَّادَةِ، ومراهقينَ أقوياء ليس لهمْ أصلٌ حيٌّ مسلمٌ، وإذا حصلتْ من المميزِ غير المراهقِ إعانةٌ، ورأى الإمامُ استصحابه بما يعتبر في غيرِهِ جازَ.
فإن كانَ العبدُ موصًى بمنفعتِهِ لبيتِ المالِ أو مكاتبًا كتابةً صحيحةً فللإمامِ الاستعانةُ بهمَا، والسفر بهما بغير إذنِ سيِّدِهما، وله بدل الأهبةِ والسلاحِ من بيتِ المالِ، ومِن مالِهِ.
ولا يصحُّ استئجارُ مسلمٍ للجهادِ إلَّا إذا كانَ عبدًا وأجرة مالكه للجهادِ، ووقعتِ الإجارةُ مع الإمامِ، وإلَّا إذا كانَ الحرُّ المسلمُ غيرَ بالغٍ وأجرة وليِّه للإمامِ لأجلِ الجهاد.
- ضابطٌ: ليسَ لنَا مسلمٌ يصحُّ استئجارُهُ للجهادِ إلَّا في هذينِ الموضعينِ.
ويصحُّ للإمامِ استئجارُ ذميٍّ ومعاهَدٍ للجهادِ بالشروطِ السابقةِ في الاستعانةِ من خُمُسِ الخمسِ على النصِّ، فإن أسلمَ في أثناءِ العقدِ انفسختِ الإجارةُ كما تنفسخُ بإعتاقِ العبدِ البالغِ، وبلوغُ الصبي المسلمَيْنِ المستأجرينَ للجهادِ، ولا يجوزُ لغيرِ الإمامِ من آحادِ المسلمينَ استئجارُ ذميٍّ للجهادِ على النصِّ.
وفيه وجهٌ أنَّهُ يجوزُ.
ويكرهُ للنصارَى قتلُ القريب، وقتلُ المَحْرَمِ أشدُّ كراهةً من القريبِ غيره إلَّا أن يسمعَهُ يسبُّ اللَّهَ تعالَى، أَو يسبُّ رسولَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا كراهةَ قطعًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 216
ويحرمُ صبيٍّ 3 ومجنونٍ وامرأةٍ وخنثى مشكِلٍ إلَّا أن يقاتلوا فيجوزُ قتلُهُم حينئذٍ على المنصوصِ.
ويحلُّ قتلُ راهبٍ على الأظهرِ سواءٌ كانَ فيه قتالٌ أو رأي، أو لم يكنْ، ويحلُّ قتلُ الأجيرِ على المذهبِ المقطوعِ بِهِ، وهو المعتمدُ خلافًا لمنْ أثبتَ خلافًا في ذلك، ويحلُّ قتلُ الشيخِ الضعيفِ والأعمَى والزَّمِن الذينَ لا قتالَ فيهم ولا رأيٍ على الأظهرِ، فإن كانَ منهم رأيٌ قُتلوا قطعًا، وإذا جوزنَا قتلَهُم فيسترقُّونَ وتُسبَى نساؤُهم وتغنم أموالُهُم، وإن قُلنا بالمنعِ فالمذهبُ أنَّهم يسترقونَ بنفسِ الأمرِ كالنساءِ والصِّبيانِ، وتُسبَى نساؤُهم وتُغنمُ أموالُهم.
ويجوزُ حصارُ الكفَّارِ في البلادِ والقِلاع، وإرسالُ الماءِ عليهم، ورميهم بنارٍ، ومنجنيقٍ إلَّا في مكَّةَ المشرَّفَةِ، فإنَّه لو تحصَّنَ بِهَا أو بموضعٍ من حرمِهَا طائفةٌ من الكفَّارِ الحربيينَ لم يجُزْ قتالُهُم بما يعمُّ كالمنجنيقِ وغيرِهِ إذا أمكَنَ إصلاحُ الحالِ بدونِ ذلك.
ولا نصبُ الحربِ عليها كغيرِها.
نصَّ على هذا الأخيرِ الشافعيُّ رضي اللَّه عنه.
وإذا لم يكنْ بالإمامِ حاجةً إلى نصبِ المنجنيقِ عليهم وفيهم نساؤهم وذراريهم يكرَهُ نصبُ المنجنيق عليهم، لأنَّهُ ربمَا يصيبُ مَن لا يحلُّ قتلُهُ، والإمامُ مستغنٍ عن ذلكَ.
وأمَّا التحريقُ والتغريقُ، فإنْ كانُوا كلُّهم مُقاتِلةً فلا بأسَ بِهِ، وإن كانَ فيهم نساؤُهم وذرارِيهم كان أشدَّ منعًا من نصبِ المنجنيقِ.
ويجوزُ للإمامِ تبييتُهم في غفلةٍ بلا كراهةٍ إذا كانَ لَهُ بالتبييتِ حاجةٌ.
ولو كانَ في البلدِ أو القلعةِ مسلمٌ أسيرٌ أو تاجرٌ مستأمنٌ أو طائفةٌ من هؤلاءِ
الجزء: 4 - الصفحة: 217
فيجوزُ قصدُ أهلِها بالنارِ والمنجنيقِ وما في معناهُما قطعًا إنْ كانتِ ضرورةً كخوفِ ضررهم أو لم يحصل فتح القلعةِ إلَّا بِهِ، وإن لم يكنْ ضرورةً كُره ولا يحرمُ على الأظهرِ.
ولو التحمَ حربٌ فتترسُّوا بنساء وصبيانٍ جاز رميُهم عندَ الضرورةِ، وإلَّا فالأظهرُ تركُهُم.
وإن تترَّسُوا بالمسلمينَ، ولم تدعُ ضرورةٌ إلى رميهِم تركناهم، وإن دعتِ جازَ رميهم على المنصوصِ.
ويحرمُ الانصرافُ عنِ الصفِّ إذا لم يزدِ عددُ الكفَّارِ على عددِ المسلمينَ مائة ضعفًا من مائتين من أبطالهم، أو مائة وتسعة وتسعين من أبطالهم، في الأصحِّ.
ولا يحرمُ انصرافُ متحرِّفٍ لقتالٍ أو متحيِّزٍ إلى فئةٍ يستنجدُ بِهَا وهو في حالِ القدرةِ.
وأمَّا مَن عجَزَ بمرضٍ ونحوِهِ أو لم يبقَ معهُ سلاح فلَهُ الإنصرافُ بكلِّ حالٍ.
ولو ماتَ فرسُهُ ولا يقدرُ على القتالِ راجلًا فلَهُ الانصرافُ.
والعبدُ إذَا شهِدَ القتالَ بغيرِ إذنِ سيِّد لا يحرمُ عليهِ الانصرافُ، وكذلكَ النساءُ إذا شهدنَ القتالَ ثم ولينَ فإنهنَ لا يأثَمْنَ بالتوليةِ.
نصَّ عليه الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه- 4.
ويجوزُ إلى فئةٍ بعيدةٍ على النصِّ، إن غلبَ على الظن أنَّ العدوَّ بقبلِهِم، فان فرُّوا كلُّهم إلى الفئةِ البعيدةِ ليدفعوا عنهم ما غلبَ على ظنِّهم من القتلِ
الجزء: 4 - الصفحة: 218
فيحصلُ لهم العونُ، وإذا اتفقَ لهمْ ذلك عادوا لجهادِ عدوِّهم، جازَ.
وكذلك يجوز لبعضهم أن ينصرفَ متحيزًا إلى الفئةِ البعيدةِ، لوجودِ ما حصلَ من غلبةِ الظنِّ على الأرجحِ، ومحل الجواز إذا لم يجد من جوزنا له ذلك فئةً قريبةً يتحيزُ إليها للعونِ على الجهادِ، فإنْ وجدَ امتنعَ التحيزُ إلى الفئةِ البعيدةِ قطعًا.
ثم المتحيزُ إلى الفئةِ البعيدةِ لا يشاركُ الغانمينَ فيما يغنمونَهُ بعد المفارقةِ، ولا المتحيزُ إلى الفئة القريبةِ على النصِّ، خلافًا لما في "المنهاجِ" 5 تبعًا لأصلِهِ.
فإنْ زادوا على المثلين جازَ الانصرافُ، إلَّا أَنْ يغلبَ على ظنِّ المسلمينَ أنَّهم يغلبونَ عدوَّهُم فظاهرُ المذهبِ وجوبُ المصابرةِ.
وتجوزُ المبارزةُ، فإنْ طلبَهَا كافرٌ استحبَّ الخروجُ إليهِ، وإنما يحسنُ ممنْ جرَّبَ نفسَهُ وعرفَ قوَّتَهُ وجرأتَهُ بإذنِ الإمامِ أو أميرِ الجيشِ، وتجوزُ بغيرِ الإذنِ في الأصحِّ، وأن لا يدخلَ بقتل المبارزِ ضررٌ على المسلمينَ بهزيمةٍ تحصلُ لَهُم، إمَّا لأنَّهُ كبيرهم، أو لأنَّه أَميرُهم الذي تختلُّ بعقده أمورهم.
فإن كانَ كذلكَ لمْ يجُزْ أن يبارِزَ.
ولا يستحسنُ المبارزةُ من العبدِ بغيرِ إذنِ سيِّدِه، ولا منَ الولدِ بغيرِ إذنِ أصلِهِ المسلمِ.
ويجوزُ إتلافُ نباتِهم وشجرِهم لحاجةِ القتالِ، والظفرِ بهم، فإنْ علِمنَا أنَّا لا نصلُ إلى الظفرِ بهم إلَّا بفعلِ ذلكِ وجبَ فعلُهُ، كما جزَمَ بِه الماورديُّ، وهو صوابٌ.
الجزء: 4 - الصفحة: 219
وإن لم يحتج إلى ذلكَ نظر؛ إنْ لم يغلبْ على الظنِّ حصولُهُ للمسلمين جاز إتلافُهُ مغايظةً لهم وتشديدًا عليهم، وإن غلب على الظنِّ حصولُهُ فيستحبُّ التركُ على النصِّ، ويحرمُ إتلافُ الحيوانِ إلَّا ما يقاتلونُ عليهِ، فيعقرُهُ للدفعِ أو الظفرِ، وأمَّا الذي غنمناهُ وخفنا رجوعَهُ إليهم وضرره، فإنَّا نذبحُهُ للأكلِ، إن كانَ مأكولًا، وإن لم يكن مأكولًا لم نذبحْهُ.
وإن كان مأكولًا ولم نتمكَّنْ من ذبحِهِ لم نتلفهُ بغيرِ الذَّبحِ، ولو خفنا رجوعَهُ إليهم وضررهِ.
هذا مذهبُ الشافعيِّ الذي ذكرَهُ في كتبِهِ وجرى عليه أصحابُهُ، وما وقعَ في "المنهاجِ" (1) تبعًا لأصلِهِ مما يخالفُ ذلكَ ليسَ بمعتمدٍ.
فصل
نساءُ الكفَّارِ الكافراتِ الأصليَّاتِ غير المكلفينَ منهم إذا أُسرُوا رقوا، وكذا الخناثى، فأمَّا المرأةُ الحربيةُ إذا قتلتْ مسلمًا ثم ظفرنا بها فإنَّهُ يجوزُ للإمامِ قتلُها كما تقدَّمَ، وكذلك حكمُ مَن ذكرنا بعد النساءِ من غيرِ المكلَّفينَ، والخُنثَى إذا قاتلُوا كمَا تقدَّمَ.
وأمَّا العبيدُ الكفَّارُ إذا وقعوا في الأسرِ كانُوا كسائرِ أموالِ الغنيمةِ.
فالحاصلُ لهُم استمرارُ رِقٍّ لا رقٌّ جديدٌ.
وعبيدُ الحربيين يجري عليهم رقُّنا وإن كانوا مسلمين أو مرتدين، والعبيد الحربيون إذا قتلوا في حالِ حرابتهم مسلمين ثم ظفرنا بهم وهم كفار جاز لنا قتلُهم، ويجتهدُ الإمامُ في الأحرارِ الكاملينَ، ويفعلُ الأحظَّ للمسلمينَ استحبابًا من قتل ومن فداءٍ بأسرى مسلمينَ أو مالٍ واسترقاقٍ.
فإن6
الجزء: 4 - الصفحة: 220
خفيَ الأحظُّ اختارَ ما شاءَ تفريعًا على النصِّ أن فعل الأحظِّ مستحبٌّ كما تقدَّم.
وفي وجهٍ لا يسترقُّ وثنيٌّ، ولا يجري رق على عربيٍّ في القديمِ، ولو أسلمَ أسيرٌ عصم دمَهُ وبقيَ الخيارُ في الباقي إنْ لم يخترِ الإمامُ فيه قبلَ إسلامِهِ المنَّ أو الفداءَ، فإنِ اختارَ ذلكَ ثُمَّ أسلمَ لم يتخير في الباقي، بل يتعيَّنُ ما اختارَهُ الإمامُ، ومحل اختيارِهِ الفداءُ الذي هو من جملة الباقي ما إذا فادى وأقام في بلادِ الإسلامِ، فأمَّا إذا فادَى به ليأخذَهُ المشركونَ ولم يكنْ له هناكَ عشيرةٌ تمنعهم منهُ فلا يجوزُ اختيارُ الفداءِ حينئذٍ.
نصَّ عليهِ في الأمِّ، وجرى عليه الأصحابُ.
وإسلامُ الكافرِ قبلَ الظفرِ به يعصمُ دمَهُ ومالَهُ وصغارَ ولدِهِ، وكذلكَ المجانين البالغين سواءٌ بلغوا مجانينَ أو بلغوا عقلاءَ 7 ثمَّ جُنُّوا بعدَ ذلكَ على الأصحِ.
وإذا أسلمَ الجدُّ للأبِ عصمَ صغارَ ولدِ ولدِهِ ومجانينهم على الأصحِّ كالأبِ.
وإذا أسلمتِ الأمُّ قبلَ الظفرَ بها عصمتِ صغارَ أولادِها على المشهورِ، ولو أسلمتِ الجدَّةُ فكإسلامِ الأمِّ.
ولا يعصمُ زوجتَهُ على المذهبِ، فإن قلنَا: "لا يعصمها"، فبمجرَّد وقوعِها في السبي صارتْ رقيقةً، وانقطعَ نكاحُها في الحالِ، وقيل: إن كانَ بعد دخولٍ وقلنا: "تعتدُّ" استبرأتْ بعد دخولٍ فلعلهُ يحدثُ منها ما يحلُّها.
وترقُّ زوجةُ الذِّميِّ وكذلك عتيقُهُ على المنصوصِ، لا عتيقَ مسلمٍ سواء
الجزء: 4 - الصفحة: 221
أسلمَ قبلَ الأسرِ أو بعدَهُ، والمذهبُ المعتمدُ أنَّهُ لا فرقَ بين زوجةِ مَن أسلمَ قبلَ الأسرِ ومَن كان مسلمًا وله زوجةٌ حربيَّةٌ وقعتْ في الأسرِ في أنَّ كلًّا منهما لا يعصم إسلامُهُ زوجتَهُ منَ الحكمِ برقِّهَا بمجردِ السَّبي خلافًا لما في "المنهاجِ" 8 تبعًا لأصلِهِ.
وإذا سُبِيَ الزوجانِ أو أحدُهما وكان الزوجُ غيرَ مكلَّفٍ أو مكلَّفًا وأرقَّهُ الإمامُ انفسخَ النكاحُ إن كانا حُرَّين أو كانَ أحدهما حرًّا فإن كانا رقيقينِ فالأصحُّ عند شيخنا بمقتضى إطلاقِ الأخبارِ وإطلاق نصوص الشافعيِّ أنَّ النكاحَ ينفسخُ بسبيهما، وبسبي الزوجةِ، وما وقعَ في "المنهاجِ" 9 تبعًا لأصلِهِ مما يخالفُ ذلكَ ليسَ بمعتمدٍ.
وإذا أرق وعليه دينٌ لمسلمٍ أو ذميٍّ لم يسقط فيقضي من مالِه إن غنم بعد إرقاقهِ، فإن عتقَ ولم يغنم ماله وأخذه فإنَّه يقضي منه الدين المذكور، وكذلك إن غنم ماله مع إرقاقه فإنه يقضي منه الدين المذكور على الأرجحِ.
ولو ثبت لحربيٍّ على حربيٍّ مطالبة بقرضٍ أو ببيع جائز عندنا، ثم أسلما أو قبلا جزية، أو أسلمَ صاحبُ الحقِّ أو قبل الجزية دام الحق، وكذا لو أسلمَ المديونُ أو قبل الجزيةَ على الأرجحِ.
ولو أتلفَ عليه شيئًا يضمنونَهُ على اعتقادهم فأسلما أو أحدهما، فلا ضمانَ على الصحيحِ، وإن كانوا لا يضمنونَهُ فلا ضمانَ بلا خلافٍ، وإن لم يسلمْ واحدٌ منهما فالذي قالَهُ شيخُنا أنَّه إنْ تحاكَمُوا إلينا بعدَ الأمانِ جاء الخلافُ، وإلَّا لم نتعرَّضْ لهم.
الجزء: 4 - الصفحة: 222
والمالُ المأخوذُ من حربيين قهرًا بإيجاف خيلٍ أو ركابٍ، والموجفُ من المسلمين غنيمة، وكذلك إذا أخذَهُ مشاةٌ مسلمون، وكذا حكمُ الذي أخذهُ واحدٌ أو جمعٌ من دارِ الحربِ سرقةً أو وجد كهيئةِ اللُّقطَةِ على المنصوصِ إن لم يؤخذ بالقهرِ والغلبةِ وإلَّا فهوَ غنيمة قطعًا، وأن لا يؤخذ بقوةِ الجندِ فإنْ كانَ مأخوذًا بقوتهم فهو فيءٌ قطعًا، فإنْ أمكَنَ كونُهُ لمسلمٍ وجبَ تعريفُهُ ثم بعدَ التعريفِ تجيءُ فيهِ الأحوالُ الثلاثُ.
فإن كانَ الانجلاءُ عنهُ بالإيجافِ فهو غنيمةٌ قطعًا أو بالإرهابِ والإرعابِ من غيرِ قتالٍ ففيءٌ قطعًا، وإنْ انتفى الأمرُ إن كانَ فيئًا على الأرجحِ، ولا تعرفُ سنه على المعتمدِ عند شيخنا، بل يكفي أن يعرفه المسلمونَ الذينَ هناك، كما نصَّ عليهِ الشافعيُّ.
فإذا لمْ يعرفوهُ ردَّ إلى المغنَمِ، وعلى هذا تُستثنى هذه الصورة من إطلاقِ التعريفِ سنة في غيرِ الحقير.
- ضابطٌ: ليس لنا لقطةٌ غيرُ حقيرةٍ لا يجبُ فيهَا التعريفُ سنةً إلَّا في هذا الموضعِ.
ولأهلِ التبسُّطِ في الغنيمةِ على الوجهِ الذي ذكرَهُ الشافعي حيثُ قالَ 10: (ولا يجوزُ لأحدٍ من الجيشِ أَنْ يأخذَ شيئًا دونَ الجيشِ مما يتمولُهُ العدوُّ إلَّا الطعامَ خاصَّةً، فالطعامُ كلُّهُ سواءٌ، وفي معناهُ الشرابُ، فلمنْ قدَرَ منهم على شيءٍ 11 أَنْ يأكلَهُ ويُشرِبَهُ ويُعلفَهُ ويُطْعِمُه غيرَهُ ويُسِقيه ويَعْلِفَ له) هذا نصُّهُ.
ولم يخصصْ ذلك بالفاتحين الذين لهم سهم، والذين لهم رضْخٌ لكن
الجزء: 4 - الصفحة: 223
مقتضَى نصِّه وقواعدِهِ أنَّ الذِّمِّيَّ ليسَ له التبسُّط.
ولهم ذبحُ مأكولٍ للحمِهِ عندَ الاضطرارِ، والأرجحُ جوازُ الفاكهةِ، وأنَّهُ لا يجبُ قيمةُ المذبوحِ، وأنَّه لا يختصُّ الجوازُ بمن ليس معه ما يقوم بما يحتاجُ إليهِ منَ الطعامِ والعلفِ وأنَه لا يجوزُ ذلكَ لمن لحقَ الجيشَ بعدَ الحربِ والحيازَةِ، ومن رجعَ إلى دارِ الإسلامِ ومعه بقية لزمه ردُّها إلى المغنمِ على النصِّ.
وموضع التبسُّط دارِهِم حيثُ كانَ الجهادُ في دارهم، وكذا موضعُ القتالِ في دارِ الإسلامِ عندَ الحاجَةِ، وفي الأوَّلِ يستمرُّ التبسُّطُ على الأصحِّ إلى وجودِ عمارةِ المسلمينَ أو هدنتهم يُباعُ فيها ما يحتاجونَ إليهِ.
ولغانِمٍ مكلَّفٍ ولو كان محجورًا عليهِ بفلسٍ أو سفهٍ على المذهبِ المعتمدِ أو كانَ مريضًا حرًّا كانَ أوْ مكَاتَبًا أو مبعضًا الإعراضُ عنِ الغنيمةِ قبلَ القسمةِ وقبلَ اختيارِ التملُّكِ، ويكونُ إعراضُ المبعَّضِ في نوبةِ الحرية عند المهايأة، وإن لم تكن مهايأة فالأقيسُ تبعيضُ الحالِ في المستحقِّ، والمنصوصُ جوازهُ بعد فرز الخمسِ.
والأصحُّ إبطالُ إعراض الكل دفعة واحدةً، فإن أعرضوا مُرَتَّبين صحَّ الإعراضُ إلى أن يبقى واحدٌ فلا يصحُّ إعراضُهُ، ويبطلُ إعراضُ ذوي القُربَى وإعراضُ بعضهم أيضًا، ويبطلُ إعراضُ من أعرضَ عن السَّلَبِ المتعين له، والمعرض كمن لم يحضر، ومن مات منهم فحقه لوارثه، ولا الغنيمة إلَّا بالقسمة، ومن اختارَ ملك نصيبِهِ قبلَ القسمةِ ملكه على الإبهامِ حتى لا يصحَّ إعراضُه على الأصحِّ، ويملكُ العقارَ بما يملكُ به المنقولُ.
ولو كانَ في الغنيمةِ كلبٌ أو كلابٌ تنفع فالذي أطلقه الشافعيُّ وقدماء العراقيينَ تفويض ذلكَ إلى رأي الإمامِ، يخصُّ بِهِ من شاءَ من الغانمينَ لما
الجزء: 4 - الصفحة: 224
يظهرُ لهُ، فإن لم يردهُ أحدٌ من الغانمينَ أعطاهُ لبعضِ أهلِ الخمسِ، فإن لم يردَّهُ أحدٌ منهم خلَّاهُ أو قتلَهُ على النصِّ.
والمنصوصُ أن سوادَ العراقِ منحَ عنوةً، والمشهورُ أنَّ عمرَ رضي اللَّهُ عنهُ قسمها بين الغانمينَ، ولم يخصصها بأهلِ الخمسِ، ثم استطابَ قلوبَهم واستردَّها.
والمنصوصُ أنَّه وقفهَا على المسلمينَ وآجرَها من ساكنيها، والخراجُ المضروبُ عليها أجرةٌ منجَّمةٌ تؤدَّى كلُّ سنةٍ، وتصرفُ إلى مصالحِ المسلمين.
وأمَّا حدُّ السواد فأطلقَ جماعةٌ أنَّه من عبادان إلى مدينةِ الموصلِ طولًا، ومن القادسيةِ إلى حلوانِ عرضًا، وقيدَ الماورديُّ والرويانيُّ مبدأ هذا الحد فقالا: هو من مدينة القادسية، وذكرَ ابنُ الصباغ حده في العرض من مسطحِ الجبالِ بحلوان إلى طرفِ القادسيةِ المتصل بالمدينة من أرضِ الغرب، ومن نجوم الموصل إلى ساحل البحر بلاد عبادان من شرقي دجلة، وأما البصرةُ وإن كانت داخلةً في حدِّ السوادِ فليسَ لهَا حكمٌ إلَّا في موضعٍ من شرقي دجلتها يبيعها أهل البصرةِ الفرات، وموضع من غربي دجلتها تعرفُ بنهرِ الصَّراة، والذي نصَّ عليهِ الشافعيُّ أنَّ الدُّورَ والمساكنَ التي في السوادِ، ووقع الفتحُ وهي موجودةٌ لا يجوز بيعُها 12، خلافًا لما في "المنهاجِ".
وأما المشكوكُ فيه من ذلك فظاهر اليد بدل على الملكِ، فيجوزُ بيعُهُ حينئذٍ.
ومكةُ فُتحتْ قهرًا بغيرِ قتالٍ، وذاكَ القتالُ الذي وقَعَ في أسفلِهَا لم يكنْ لَهُ
الجزء: 4 - الصفحة: 225
أثرٌ في فتحِها لحصولِ فتحِها من غيرِ احتياجٍ إلى ما صدرَ في أسفَلِها، ويجوزُ بيعٌ دورِها وأراضيها المحياة المملوكة لملاكها.
الجزء: 4 - الصفحة: 226
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ