التدريب في الفقه الشافعيكتاب الإيلاء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1 أصْلُهُ قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآيتَينِ.
ولا يُذكَرُ هُنا أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- آلَى مِنْ نِسائِه شَهْرًا، فذلكَ الإيلاءُ ليس هو المَعقودَ له البابُ؛ لأنَّ المَعقودَ له البابُ حَرامٌ يَأْثمُ به مَنْ عَلِمَ حالَه، وذلك 2 لا يَجوزُ فِي حقِّ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والصادِرُ منه عليه الصلاة والسلام الحَلِفُ على مُجرَّدِ الامتِناعِ مِنَ الدُّخولِ علَيْهِنَّ شهْرًا، وذلك جَائزٌ.


وهو لُغةً: الحَلِفُ، يُقَالُ، آلَى يُولِي إيلاءً، وتَأَلَّى تأليًا، والأَلِيَّةُ اليَمينُ،

الجزء: 3 - الصفحة: 341

والجَمعُ: أَلايَا، كعَطيةٍ وعطايَا 3


وشَرْعًا: الحَلِفُ 4 المُنعقِدُ أو ما نُزلَ مَنْزِلتَهُ مِنَ الزَّوجِ المُكلَّفِ المُتَمَكِّنِ مِن الوَطءِ المُقتضِي لامْتِناعِه مِن وَطءِ زَوْجتِهِ المُمْكِنِ وَطْؤُها حسًّا وشرْعًا فِي قُبُلِها أوْ مُطلَقًا امتِناعًا مُطْلَقًا أو مُقيَّدًا بما فَوقَ أرْبعةِ أشْهُرٍ بزَمانٍ يُمْكنُ الوَقفُ فيه أو بِغايةٍ كذلك 5 بِحَيثُ يُمْكنُ استِمرارُ الزَّوجيةِ إلى ذلكَ الزَّمانِ.
ولا بُدَّ مِن اتحادِ الحَلِفِ، وشَملَ الحَلِفَ باللَّه تعالى، وكذا ما عُلِّقَ به مِن طلاقٍ أو عِتْقٍ أو نَذْرِ لَجَاجٍ، أو نحو ذلك على الجَديدِ.


وأدخَلْنا بقَوْلِنا: "أوْ ما نُزل منزِلتَه": قولُه: "أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّي خَمسةَ أشْهُرٍ" مَثَلًا، فإنَّه إيلاءٌ, وليس بِحَلِفٍ، ولو قال: "إذا وَطِئتُكِ فأنْتِ عليَّ حَرامٌ"، أو "فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي" كان مُولِيًا.
وهذا يُمكنُ أن يَدخُلَ فِي الحَلِفِ.
وخَرجَ بالمُتمكِّنِ مِنَ الوَطْءِ مَجبوبُ جَميعِ الذَّكَرِ أو بعضِه بِحيثُ لَمْ يَبْقَ مِنه مِقدارُ الحَشَفةِ، فإنه لا يَصحُّ إيلاؤُه على أظْهَرِ القَولَيْنِ.
وكذلك مَن شُلَّ ذَكَرُهُ بِحَيثُ لا يُرجى زوالُه، أمَّا إذا كان مَرجوَّ الزَّوالِ

الجزء: 3 - الصفحة: 342

فيصحُّ إيلاؤُه كالعِنِّينِ 6 7.


وقولُنا: "المُمْكِنِ وَطؤُها حِسًّا أو شَرْعًا": يَخرُجُ بالحِسِّ [على ما ذكروه] 8 الرَّتْقاءُ والقَرْناءُ، فقدْ صحَّحَ جَمْعٌ أنه لا يَصِحُّ الإيلاءُ منهُما كالمَجبوبِ 9، ولا نصَّ للشافعيِّ فِي ذلك 10، ولَمْ يَذكُرْه 11 القُدماءُ مِنْ أصحابِه.
والمُعتمَدُ صِحَّةُ الإيلاءِ منهُما لإمْكانِ زَوالِ المَانعِ، ثم لا نَضربُ المُدَّةَ إلا بعد زَوالِ المَانعِ.
وصحَّحوا الإيلاءَ مِنَ الصغيرةِ ولَو بِنتَ يَومٍ.
ومَحلُّ صِحَّتِه عندنَا فِي مُطْلقٍ أوْ مُقيَّدٍ يَجيءُ فيه وقْتُ إمْكانِ وَطئِها معَ

الجزء: 3 - الصفحة: 343

بَقاءِ زِيادةٍ على أرْبعةِ أشهُرٍ، كما تقدَّمَ، ويُمكِنُ أَنْ يُقالَ فِي ابتدائِه إنه مَوقوفٌ.


ضابطٌ:

لا يُوقَفُ الإيلاءُ إلا فِي مَواضعَ:

منها: هذا.
ومنها: إيلاءُ المُرتدِّ أوْ مِن المُرتدةِ فِي زَمنِ العِدةِ، ويَجيءُ فِي الإسلامِ نحوُه، وحيثُ توقَّفْنَا فحصَلَتِ 12 البَينونةُ بانَ بُطلانُ الإيلاءِ والحَلِفُ باقٍ.


وخرَجَ بقَولِنا: "شرعًا": المُعتدةُ عَن وَطءِ الشُّبهةِ بزمانٍ يتحقَّقُ بَقاؤُه، بحيثُ لا يَبقَى مِن مُدةِ الإيلاءِ فَوقَ أربعةِ أشهُرٍ كما سَبقَ، ولا يخرُجُ بِه المُتحيِّرةُ لإمكانِ شِفائِها, ولا المُحْرِمَةُ ولو مِن بُعْدٍ لإمكانِ تَحلُّلِها.
وأما المشرقيُّ يتزوجُ بالمغرِبيةِ ويُولِي منها، فإنه يَصِحُّ إيلاؤُه، وتُضرَبُ له المُدةُ حالًا على الأرْجَحِ، ويُطالبُه وكيلُها عندَ مُضيِّ المُدةِ بالفَيئةِ 13 باللِّسانِ، وفِي نَصٍّ للشافعيِّ ما يقتضِيه.
وقولُنا: "أو مُقيَّدًا بما فَوقَ أربعةِ أشهُرٍ بِزمانٍ يُمكِنُ الوَقْفُ فيه": هو مُقتضَى نَصِّ الشافعيِّ وكَلامِ الأصْحابِ، خِلافًا للإمامِ فِي اكتِفائِه بلَحظةٍ.

الجزء: 3 - الصفحة: 344

وقولُنا: "بغايةٍ كذلك" يَدخلُ فيه ما إذَا قالَ: واللَّهِ لا أَطؤُكِ حتى تَحمِلي الحَبلَ، أو: تَحبَلِي وتَلِدِي فِي يَومٍ واحدٍ، ونحوُ ذلك ممَّا يُنَزَّلُ مَنزِلةَ المُطلَقِ، ويَدخلُ فيه قولُه: واللَّهِ لا أطؤكِ حتى يَنزِلَ عيسى ابنُ مريمَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونحوُ ذلك، أو: حتى يَموتَ زَيدٌ، فإنه مُولٍ؛ لأنَّه يُنَزَّلُ مَنزِلةَ الزَّائدِ على أرْبعةِ أشْهُرٍ 14. وقولُنا: "بِحيْثُ يُمْكنُ استِمرارُ الزَّوجيةِ إلى ذلك الزَّمانِ": يَخرجُ بِه 15 مَن تَحقَّقَ انقِطاعُ زَوجيَّتِها بِطلاقٍ بائنٍ معلَّقٍ على زَمنٍ يَنقضِي بحيثُ لا تَبقَى مُدَّةُ الضَّربِ فإنه لا 16 يَنعقِدُ الإيلاءُ حِينئِذٍ، ولَمْ أرَ مَن تعرَّضَ لذلك.
واعتِبارُ اتِّحادِ 17 الحَلِفِ يُخرِجُ ما إذا قال: "واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ أرْبعةَ أشْهُرٍ، فإذَا مَضَتْ فواللَّهِ لا أطؤُكِ أرْبعةَ أشهُرٍ أُخرَى"، فإنه لا يَكونُ مُوليًا على الأصحِّ.
وفِي المُنَزَّلِ منزِلتُه: "أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي أرْبعةَ أشْهُرٍ، فإذا مَضَتْ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي أرْبعةَ أشْهُرٍ أُخرَى"، فإنَّه لا يكونُ مُوليًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 345

ولو حَلَفَ فِي آخِرِ يَومٍ مِن الشَّهرِ على أن لا يَطأَها أربعةَ أشهرٍ وقَفَتْ معرفةُ الإيلاءِ لا الإيلاءُ، فإذا جاءَتْ أرْبعةُ أشْهُرٍ بالأَهلةِ بِطُلوعِ الهِلالِ فِي أثْناءِ النَّهارِ التاسِعِ والعِشرينَ وُقِفَ هو.
ومَن قال: "لا أَطؤُها مِائةً وعِشرينَ يَومًا" وتَبيَّنَ بِالهِلالِ نُقصَانُ الشَّهرِ الأوَّلِ فقَدْ عُرِفَ أنَّه مُولٍ، وتُوُقِّفَ فِي وَقتِه (1)، ولَمْ أرَ مَن تعرَّضَ لِشيْءٍ مِن ذلك.


والمحلوفُ علَيه له صَريحٌ وله كِنايةٌ:

فمِن الصريحِ

الجزء: 3 - الصفحة: 346

ومِن الكِنايةِ

الجزء: 3 - الصفحة: 347

صحَّحُوه، وهو مقيَّدٌ بما إذَا وَطِئَ مُختارًا ذاكرًا حَلِفَه، وأنْ يكونَ الحَلِفُ (1) باللَّهِ تعالى، فلَو كان بِطلاقٍ أوْ بِعِتقٍ فلا انحِلالَ.
وحيثُ انحلَّتِ اليَمينُ ارْتفَعَ الإيلاءُ كما إذا زَالَ مِلْكُه عنِ العَبدِ المَنذورِ عِتْقُه أوِ المُعلَّقِ عِتْقُه على وَطْئِها، وبَينُونةُ الضَّرَّةِ في "إنْ وطِئْتُكِ فَضَرَّتُكِ طَالقٌ" (2).


* وقدْ يَنحلُّ الإيلاءُ ويَبْقى اليَمينُ (3) في مَواضِعَ:

منها: بَينونةُ المُولِي منها، ولا يَعودُ بِعَودِها على ما صحَّحُوه.
ومنها: وَطْءُ المُولِي منها مُكرَهًا أو مجنونًا، أو استدخَلَتْ ذَكَرَه حيثُ لا حِنْثَ.
ويُمْهَلُ المُولِي أرْبعةَ أَشهُرٍ مِن الإيلاءِ في حَقِّ مَن يَتمكَّنُ مِنْ وَطْئِها حسًّا وشَرعًا كما سَبقَ، ولا يُحتاجُ إلى ضَربِ القَاضِي، وتُحسَبُ هذِه المُدةُ في الرَّجعيةِ مِن رَجعَتِها، وفِي الرِّدةِ مِن الإسْلامِ.303132

الجزء: 3 - الصفحة: 348

ولَو طَلَّقَ المُولِي منها رَجْعيًّا انقطَعتِ المُدَّةُ، وإنْ رَاجَعَها استؤنِفَتِ المُدَّةُ، وكذلك في الإسلامِ مِن الرِّدةِ حَيثُ لَمْ يَرتفِعِ النِّكاحُ.
وأمَّا الرِّدةُ بعد المُدَّةِ إذا حَصلَ العَوْدُ إلى الإسْلامِ فلا تُستأنَفُ المُدَّةُ، ويُلزَمُ بِالفَيئةِ حَالًا على نَصِّ الإمامِ، وهو المُعتمَدُ، خِلافًا لِمَا جَزمَ به في "الروضة" 33 تَبَعًا للشَّرحِ.
ولَو طَلَّقَ رَجْعيًّا ثم رَاجَعَها فإنَّ المُدةَ تُستأنَفُ، لأن الطَّلَاقَ أَحدُ المَقصودَينِ بعد المُدةِ.
وما يُوجَدُ في المُدةِ مِن مَانعِ وَطْءٍ مِن غَيرِ إخلالِه بالنِّكاحِ، إن كانَ بالزَّوجِ لَمْ يَمنعْ مِنِ 34 احتِسابِها فيُحتَسبُ 35 مَعَ جَبٍّ طَارئٍ وفَيئةٍ باللِّسانِ، وتُنتظَرُ إفاقتُه للطَّلبِ، ومرضُهُ وإحرامُهُ وصَومُهُ.
وإنْ كان بالزَّوجةِ حِسيٌّ قَطَعَ المُدةَ، أو شَرْعِي كذلك إلا الحَيضَ والنفاسَ.
وما قَطَعَ في 36 المُدةِ يَستأنِفُها بعد زَوالِه.
وإذا انقَضتْ فالطَّلبُ للزَّوجةِ البالغةِ العاقِلةِ لا للْوليِّ، ولا لِمالكِ الأَمَةِ، ولو تَركَتْ حَقَّها لَمْ يَمنعْها ذلك مِن الطلبِ، ويُوجَّهُ الطَّلبُ للفَيئةِ 37،

الجزء: 3 - الصفحة: 349

وإنما يُطالَبُ بالفَيئةِ 38 إذا لَمْ يَكنْ بها مانع مِنْ مَرَضٍ، وحَيضٍ ونَحوِها.
وإن كانَ به وهو طَبعيٌّ فأمَّا للسانِ بأن يقولَ: "إذَا قَدَرْتُ فِئْتُ".
واعتَبرَ الشيخُ أبو حامدٍ مع ذلك أن يقولَ: "نَدِمتُ على ما فعلتُ".
ولا يُمْهَلُ للفَيئةِ باللِّسانِ.
وفِي الشرعيِّ: كصَومِه وإحْرامِه يُطالَبُ بالطَّلَاقِ [على الأصحِّ.
فإنْ وَطِئَ عاصيًا سَقطتِ المطالبةُ.
وحيثُ لا مانِعَ به ولا بها، فاستَمْهَلَ للفَيئةِ أُمْهِلَ، وإن أبَى الفَيئةَ طُولِبَ بالطَّلَاقِ] 39، فإنْ أبَى طَلَّقَ القَاضي عليه، ولَو بغَيبتِهِ واحدةً، ويَقعُ 40 رَجعيًّا بشَرْطِه، فإنْ رَاجعَها استُؤنِفَتِ المُدةُ كما سبَقَ.
وإذا وَطِئَ بعْدَ الطَّلبِ أو قبْلَه جَائيًا لَزِمَه كفَّارةُ يَمينٍ إذا كان الحَلِفُ بالله، ولَو تَعدَّدَ الحَلِفُ ولو بقَصْدِ الاستِئنافِ على المُعتَمَدِ، وكذلك في غَيرِ الإيلاءِ 41.


الجزء: 3 - الصفحة: 350

ضابط

ٌ: ليس لنا يَمينٌ باللَّه تعالى يَحنَثُ فيها، ثُم لا تَجِبُ الكفَّارةُ على رأيٍ إلا في الإيلاءِ 42، وقيل: بإِجرائِه في اليَمينِ المَحضةِ يَمنعُ وَطْءَ الزَّوجةِ، وسببُهُ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)﴾.


الجزء: 3 - الصفحة: 351

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 39 فصل
جارٍ التحميل