كتاب الصوم وفيه خمسة أبواب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشافعي
- الكتاب
- مسند الإمام الشافعي
- المؤلف
- الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ)رتبه على الأبواب الفقهية: محمد عابد السنديعرف للكتاب وترجم للمؤلف: محمد زاهد بن الحسن الكوثري تولى نشره وتصحيحه ومراجعة أصوله على نسختين مخطوطتين: السيد يوسف علي الزواوي الحسني، السيد عزت العطار الحسيني
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنانعام النشر: 1370 هـ - 1951 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
711- (أخبرنا) : الثِقةُ، عن حُمَيْدٍ، عن أنَسٍ قال: -سَافَرْنَا مع رسولِ اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم فَمِنَّا الصائمُ ومنا المُفْطِرُ فلم يَعِبِ الصائمُ عَلَى المُفْطر.
712- (أخبرنا) : عبدُ العزيز بن محمد، عن جَعْفَر بن محمد، عن أبيه عن جابرٍ: -أنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خَرَجَ إلى مكة عَامَ الفتح (يريد بالفتح فتح مكة وذلك في السنة الثامنة من الهجرة) في
رَمضَانَ فَصام حتى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمْ (في معجم البلدان: كراع الغميم «بضم الكاف وفتح الغين» موضع بالحجاز بين مكة والمدينة وهو واد أمام عسفان كعثمان بثمانية أميال وهذا الكراع جبل أسود في طرف الحرة يمتد إليه) فصام الناسُ معه فقِيلَ له يا رسولَ اللَّه: إنَّ الناسَ قَدْ شَقَّ عليهم الصيامُ فَدَعا بِقَدَح من ماء بعدَ العصرِ فَشَرِبَ وَالناسُ يَنْظُرُونَ فَأَفطَرَ بعضُ الناسِ وصامَ بعضٌ فَبَلَغَهُ أنَّ نَاساً صامُوا فقال: «أؤلئكَ العُصَاةُ» (هذا الحديث يقوي مذهب الأكثرين القائل بترجيح الصيام في السفر إلا إذا كان هناك مشقة أو تضرر فيترجح الفطر فإن الرسول صلى اللَّهُ عليه وسلم حين علم أن الناس قد شق عليهم الذيام شرب أمامهم وأفطر ليفطروا مثله وقال لمن لم يتابعه في فطره «أولئك العصاة» وإنما سماهم عصاة لعدم فطرهم مع تضررهم بالصوم ولأنهم كانوا ذاهبين إلى فتح مكة ومجاهدة الأعداء وهذا يضعفهم ويعرضهم للهزيمة ولذا قال الرسول صلى اللَّهُ عليه وسلم في الحديث الذي يلي هذا: «تقووا لعدوكم» ولا يلزم من نعته إياهم بالعصاة فساد صومهم وغاية ما؟؟ أنه خلاف الأفضل والأولى) .
713- (أخبرنا) : الشافعي في حديث الثقة عن الدَّارَاوَرْدي، عن جَعْفَر ابن محمد، عن أبيه، عن جابرٍ قال: -خَرَجَ رسول اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم عامَ الفتح في رَمضَانَ إلى مكَّةَ فَصامَ وأمرَ الناسَ أن يُفْطِرُوا وقال: «تَقَوَّوْا لعَدُوِّكُمْ» فقِيلَ: إنَّ الناسَ أبَوْا أنْ يُفْطِرُوا حينَ صُمْتَ فَدَعا بقَدَح فَشَرِبَ ثم ساق الحديث.
714- (أخبرنا) : عبدُ العزيز بنُ مُحمد الدَّرَاوَرْدِي، عن جَعْفَر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الَّله: -أنَّ النبى صلى اللَّهُ عليه وسلم صامَ فى سَفَرٍ
إلى مكة عامَ الفتح فى شَهْرِ رمضانَ وأمَرَ الناسَ أنْ يُفْطِرُوا فَقِيل له: إنَّ الناسَ صاموا حِينَ صُمْتَ فَدَعا بإناءٍ ففيه ماءٌ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدهِ وأمَرَ مَنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أنْ يُحْبَسُوا فلما حُبِسُوا ولَحِقَ مَنْ وَرَاءَهُ (إنما أمر بحبس من كان منهم بين يديه لينتظر من وراءهم ليشرب أمامهم جميعا ليقتدوا به ويفطروا لأنه رأى شدة المشقة وخاف عليهم وهم ذاهبون الى لقاء عدوهم أن يضعفوا فيمنوا بالهزيمه) رَفَعَ الإ ناء إلى فِيهِ فَشَرِبَ وفى حديثهما أو حديث غيرهما وذلك بَعْدَ العَصْرِ.
715- (أخبرنا) : سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن جَعْفَر بن محمد، عن أبيه، عن جابرٍ ابنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: -خَرَجَ النبيُّ اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم من المدينة حتى كان بكُرَاع الغَمِيم وهو صائمٌ ثم رفع إناءً فَوَضَعَهُ علي يَدِهِ وهُوَ عَلَى الرَّحْلِ فَحَبَسَ مَنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وأدرَكَهُ مَنْ وَرَاءَهُ ثم شرِب والناسُ يَنْظُرُون.
716- (أخبرنا) : مالكٌ، عن سمى مَوْلى أبي بكر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعضِ أصحابِ رسول اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم: -أنَّ النبيّ صلى اللَّهُ عليه وسلم أمَرَ الناسَ في سَفَره عامَ الفتح بالفطر وقال: " تَقَوَّوْا لعَدُوِّكُمْ وصَامَ النبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال أبو بكر يعني ابنَ عَبْدِ الرحمن قال الذي حدثني لقد رأيت النبيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلم بالعَرْج (العرج بوزن فهد: بطريق المدينة ويفهم منه جواز الاستبراد في رمضان من الحر أو العطش بالاستحمام) يَصُبُّ فوق رأْسِهِ الماءِ من العَطَشِ أو من الحَرِّ فَقِيل يا رسولَ اللَّه: إنَّ طائفةً من الناس صامُوا حين صُمْتَ فلما كان رسول اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم
بالكديد (الكديد كأمير ماء بين الحرمين شرفهما اللَّه تعالى اهـ قاموس وقال النووي: الكديد بفتح الكاف وكسر الدال المهملة عين جارية بينها وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها وبينها وبين مكة قريب من مرحلتين وهي أقرب إلى المدينة من عسفان قال القاضي عياض: الكديد عين جارية على اثنين وأربعين ميلا من مكة وعسفان: قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلا من مكة) دعا بقَدَح (قدح كقلم آنية الشرب كالكوب أو الكوز وأما بكسر القاف وسكون الدال فهو السهم قبل أن يراش ويركب فيه نصله) فَشَرِبَ فَأفْطَرَ الناسُ.
717- (أخبرنا) : مالكٌ، عن الزُّهْري، عن عُبَيدِ اللَّه بنِ عبد اللَّهِ بنِ عباسٍ: -أنَّ رسول اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم خَرج في عام الفتح فى رمضانَ فَصام حتى بَلَغَ الكَدِيد ثم أفطر فأفطر الناسُ معهُ وكانوا يأخُذُون بالأحْدَثِ فالأحْدَث من أمْرِ رسولِ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم (محل هذا إذا علموا نسخ الأول أو رجحان الثاني مع جواز الأمرين فليس بلازم أن يأخذوا بالأحدث إذا كان الأول أرجح منه وقد يفعل الرسول الفعل لبيان الجواز وإن كان غيره أفضل منه كطوافه صلى اللَّه عليه وسلم راكبا على بعيره مع أن الأفضل الطواف ماشيا وإنما فعل ذلك لتبيين الأحكام وإن مثل هذا كاف وإن كان غيره أولى) .
718- (أخبرنا) : عبدُ العزيز بنُ محمد، عن عُمَارَةَ بنِ غزيَّةَ، عن محمد ابن عبد الرحمن، عن عَبْد اللَّه بن سَعْد بن مُعاذٍ قال: قال جابرُبنُ عَبْدِ اللَّهِ: -كُنَّا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم زَمَانَ غَزْوَةِ تَبُوكَ ورسولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم يسيرُ بعدَ أنْ أضْحَى إذَا هُو بجماعةٍ في ظلِّ شجرةٍ فقال: «ما هذه الجماعةُ» قالوا: رجُلٌ صائمٌ أجْهَدَهُ الصومُ أو كلمةً نحوها فقال رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "لَيْس من البرِّ الصومُ في السفر
(البر بالكسر يفسر تارة بالإحسان وأخرى بالطاعة والعبادة وهذا محمول على ما إذا شق عليهم الصوم وتضرروا به وسياق الحديث وقصته تقتضي هذا التأويل فإن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان يسير بعد أن أضحى أي دخل في الضحى وصار إليها والضحى بالضم من طلوع الشمس إلى أن يرتفع النهار وتيبض الشمس جدا وقيل حين: تطلع الشمس فيصفو ضوؤها ويليه الضحاء بفتحتين إذا إرتفع النهار واشتد وقع الشمس قريبا من نصف النهار فرأى جماعة مجتمعين في ظل شجرة فسأل عن سبب اجتماعهم فقيل: رجل أجهده الصوم أي أتعبه وأنصبه فقال: ليس من البر الصوم في السفر «أي إذا كان بهذه المثابة ويؤدي إلى مثل هذه الغاية) » .
719- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن الزُّهْري، عن صَفْوانِ بنِ عَبْدِ اللَّه، عن أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عن كَعْب بنِ عاصم الأشعري: -أنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: «لَيْس من البرِّ الصيامُ في السَّفَرِ» .
الباب الرابع في أحكام متفرقة في الصوم
720- (أخبرنا) : مالكٌ، عن عَبْدِ اللَّهِ بن دِينارٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ: -أنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: " الشَّهْرُ تسعةٌ وعشرونَ فلا تَصُومُوا حتى تَرَوُا الهِلاَلَ ولا تُفْطِرُوا حتى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاَثِينَ
(تضمن هذا الحديث أمرين ثانيهما مبني على الأول وذلك الأول هو عدد أيام الشهر العربي وقد صرح بأنها تسعة وعشرون وفي مسلم روايات كثيرة عن ابن عمر في أنها تسعة وعشرون لا داعي لإيرادها وفيه ما يفيد أنها متراوحة بين تسعة وعشرين وثلاثين وهي هذه سمع عمر بن سعيد ابن عمر يحدث عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين فأفاد أنها دائرة بين هذين العددين لا تنقص عن تسعة وعشرين ولا تزيد عن ثلاثين وعلى ذلك فمعنى قوله: الشهر تسعة وعشرون أي قد يكون كذلك فإذا رئي هلال رمضان بعد إنقضاءتسع وعشرين من شعبان ثبت رمضان ووجب على المسلمين الصيام وإن لم يرى هلال رمضان أكمل المسلمون عدة شعبان ثلاثين وصاموا عقب ذلك وهذا معنى قوله صلى اللَّه عليه وسلم فلا تصوموا حتى تروا الهلال أي هلال رمضان ولا تفطروا حتى تروه أي حتى تروا هلال شوال فإن غم بالبناء للمجهول ونائب الفاعل الهلال أي إذا غطيته فأكملوا عدة الشهر ثلاثين فإن كنتم في شعبان ولم تروا هلال رمضان بعد التاسع والعشرين فأكملوا عدة شعبان ثلاثين وإن كنتم في رمضان ولم تروا هلال شوال بعد التاسع والعشرين فأكملوا عدة رمضان ثلاثين) ".
721- (أخبرنا) : عبدُ العزيز بنُ محمد الدَّرَاوَرْدِي، عن محمد بن عبد اللَّه بن عَمْرو بن عُثْمانَ، عن أُمه فَاطِمَةَ بنت حُسَيْنٍ: -أنَّ رَجُلاً شَهِدَ عنْدَ عَلِي رضي اللَّه عنه على رؤيةَ هِلال رمضانَ فصامَ وأحْسَبُه قال وأَمَرَ الناسَ أن يَصُوموا وقال أصومُ يَوْماً من شَعْبَانَ أَحَبُّ إليَّ من أَنْ أفْطِرَ يَوْماً من رَمَضانَ
(قول علي عليه السلام «أصوم يوما من شعبان أحب إلى إلخ» ظاهر في أنه لم يعد هذا من رمضان ولم يأخذ بشهادة الفرد في رؤية الهلال وإنما صامه للإحتياط مخافة أن يكون من رمضان فيقع ناقصا فقال عليه السلام «لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان» وذلك لأن الكلام في صوم يوم الشك فهو يفضل أن يصومه فإن ظهر أنه من رمضان فقد أداه كاملا وإن ظهر أنه من شعبان وقع نفلا ومن هنا نفهم مذهبه في صوم يوم الشك وقد أوجبه أحمد وجماعة بشرط أن يكون هناك غيم والجمهور ومنهم مالك والشافعي على حرمة صومه إلا أن يوافق عادة له لئلا يزاد في رمضان ما ليس منه كما فعل أهل الكتاب وليستقبل رمضان بجد ونشاط وقيل محل ذلك إذا نواه من رمضان فإن نواه من شعبان فلا حرمة وفي الفتح أنه لا يجوز صومه عن رمضان فقط عند مالك وأبي حنيفة وللحديث الذي رواه مسلم عن صلة قال: كنا عند عمار بن ياسر فأتى بشاة مصلية فقال: كلوا فتنحى بعض القوم فقال إني صائم فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم والعصيان لا يكون إلا بفعل المحرم فيكون صوم يوم الشك محرما وحجة أحمد ومن وافقه صوم علي وأمره الناس أن يصوموه وقوله صلى اللَّه عليه وسلم «فاقدروا له أي ضيقوا له وقدروه تحت السحاب» وسترى أن الجمهور فسره بغير هذا) . وقال الشافعي بعدُ لا يَجُوزَ على رمضانَ إلا شاهدان.
722- (أخبرنا) : إبراهيمُ بنُ سَعْد بن إبراهيمَ بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، عن ابن شِهابٍ، عن سالم، عن أبيه:
- أنَّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: «إذا رأيتُم الهِلاَلَ فَصُوموا وإذا رأيتُموه فأَفْطِروا فإن غُمَّ عليكم فأقْدِرُوا له (قدرت الشيء قدرا من بابي ضرب وقتل وقدرته تقديرا بمعنى وقوله صلى اللَّه عليه وسلم» فأقدروا له أي قدروا له عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوما «وفى رواية فإن غم عليكم فأكملوا العده» وفسره ابن سريج بقوله: أي قدروا له منازل القمر فإنها تدلكم وتبين لكم أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون وهذا خاص بمن يعرف هذا العلم والرواية الأخرى: فأكملوا العدة للعامه التي لا تحسن تقدير المنازل قال والأول أصح قال المازرى: حمل جمهور الفقهاء قوله صلى اللَّه عليه وسلم «فأقدروا له» على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخرقالوا ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين لأنه لا يعرفه إلا القليل والشرع إنما يعرف بما يعرفه الجماهير.) "فكان عبدُ الَّله يَصُومُ قَبْلَ الهِلاَلِ بيومٍ قِيل لإبراهيمَ بن سعد يَتَقَدَّمَهُ قال نَعَمْ (ظاهره استغراب صوم يوم الشك ووقوعه منهم موقع العجب وقد مر الخلاف بينهم في صومه وسيأتي أن تقدمه بيوم أو يومين جائز إن وافق عادته فلعله كان عادة له) .
723- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن مُحَمَّد بن خَيبر، عن ابن عَباس قال: -عَجِبْتُ مِمَّنْ يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ وقد قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «لا تَصُومُوا حتى تَرَوْهُ ولا تُفْطِرُوا حتى تَرَوْهُ» .
724- (أخبرنا) : عبدُ العزيز بنُ محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمَةَ، عن
أبي هُريرة: -أنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: لا تَقَدَّموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافقَ ذلك يوما كان يَصُومُه أحدُكم (الحديث صريح في النهي عن استقبال رمضان بصوم يوم أو يومين ليستقبل رمضان بنشاط ولئلا يزاد في رمضان ما ليس منه ومحل الحرمة ما إذا لم يصادف صومه عادة له كصوم الإثنين أوالخميس بنية التطوع وكذلك لا حرمة إذا وصله بما قبله ففي هذه الأحوال يتقي المعنى المخوف فلا يحرم الصوم ويشمل هذا النهي يوم الشك لأنه تقدم للصوم بيوم وقد عرفنا الخلاف في صومه) صُومُوا لرؤيته وأفْطِرُوا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فَعُدُّوا ثلاثين.
725- (أخبرنا) : عَمْرو بنُ أبي سَلَمَةَ، عن الأوْزَاعِيِّ حدثنا يَحْيَ بنُ أبي كَثِير حدثني: أبو سَلَمَةَ، عن أبي هُريرة قال: -قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «لا تَقَدَّموا بين يَدَيْ رمضانَ بيوم ولا بيَوْمين إلا رَجُلاً كان يَصُومُ صوما فَلْيَصُمْهُ» .
726- (أخبرنا) : سفيانُ، عن الزُّهْري، عن سالم، عن أبيه: -أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: «إنَّ بِلالا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فكُلوا واشْرَبوا حتى يُنَادِيَ ابنُ أمِّ مكْتوم» وكان رجلاً أعمى لا يُنَادِي حتى يُقَالَ له: أَصْبَحْتَ أصبحت
(فهم من الحديث أنهم رضي اللَّه عنهم كانوا يؤذنون للصبح أذانين يتقدمون الوقت بأحدهما للتنبيه والإيقاظ ويكون بعد نصف الليل والآخر يكون بعد طلوع الفجر ويكون للصلاة والصيام ففهمنا أن هذا التأذين المتقدم مستحب لتلك الغاية وفهمنا من جواز الأكل والشرب والجماع حتى مطلع الفجر وفهم منه جواز أذان الأعمى وإن كان مكروها إلا إذا كان معه بصير يمنعه أن يخطئ فلا كراهة كابن مكتوم مع بلال وفهم منه أيضا جواز أن يكون للمسجد الواحد مؤذنان أو أكثر إن دعت الحاجة إلى ذلك) ".
727- (أخبرنا) : مالكٌ، عن ابن هشام، عن سالم: -أنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: «إنَّ بِلالا ينَادِي بِلَيْلٍ (إنما كان بلال يؤذن بليل ليعلمهم أن الفجر ليس ببعيد فيتأهب معهم للصبح من شاء إن احتاج إلى طهارة وليتهجد من شاء التهجد ويوتر من أخر الوتر إلى الوقت المستحب أو يحضر سحوره إن كان لم يحضره ونحو ذلك) فكُلوا واشْرَبوا حتى يُنَادِيَ ابنُ أمِّ مكْتوم» وكان رجلاً أعمى لا يُنَادِي حتى يُقَالَ له: أَصْبَحْتَ أصبحت.
728- (أخبرنا) : عَبْدُ المجِيدِ، عن ابنِ جُرَيْج، عن عَطاء، عن أبي الدَّرْدَاء: -أنه كان يَأْتي أهْلَه حين يَنْتَصِفُ النهارُ أو قَبْلَهُ فيقولُ هل من غَدَاءٍ فيجدُه أو لا يجدُه فيقولُ لأصومَنَّ هذا اليومَ فيصومُه وإن كان مُفْطِراً وبَلَغَ ذلك الحسين وهو مُفْطِرٌ حتى الضحى أو بعده ولعلَّه وَجَدَ غَدَاءً أو لَمْ يَجِدهُ
(الحديث في صوم التطوع وأنه يمتد وقت نيته حتى منتصف النهار وقوله «فيصومه وإن كان مفطرا» معناه وإن لم يكن قد نوى صيامه قبل ذلك أي أن النية في صوم التطوع يجوز تأخيرها وإحداثها في النهار إلى ما قبل زوال الشمس وقد ورد في مسلم ما يؤيد هذا الحديث ويفيد زيادة عليه جواز الإفطار للصائم متطوعا وهو ما روى عن عائشة قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "هل عندكم شئ؟ فقلنا لا قال: إني صائم"ثم أتانا يوما آخر فقلنا يا رسول الله: أهدى لنا حيس فقال «أرينه فلقد أصبحت صائما» فأكل.
وبه أخذ الشافعي في جواز قطع الصوم النافلة والأكل نهارا وبه قال أحمد وإسحاق لكنهم متفقون جميعا على أن إتمام الصوم مستحب وقال أبو حنيفة ومالك لا يصح قطعه ويجب قضاؤه على من أفطر بغير عذر وأجمعوا على أن لا قضاء على من أفطره بعذر وقد سبق بيان وجه الحنفية لكن الأحاديث الكثيرة في كتب السنة شاهدة للشافعية مثل «الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر» رواه أحمد وأصحاب السنن) .
729- (أخبرنا) : مُسْلِمٌ، عن زَيْدِ بن أسْلَم، عن أخيه خالِد بن أسْلَم: -أنَّ عُمَرَ بن الخَطَّاب أفْطَر في رمضانَ في يوم ذِي غَيْم ورَأى أنه قَدْ أمْسى وغَابَتِ الشمسُ فجاءَهُ رجلٌ فقال يا أمير المؤمنين: قد طَلَعَت الشمسُ فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّاب: الخَطْبُ يَسِيرٌ (الخطب الأمر الذي يقع فيه المخاطبة ويسير هين وذلك لأنه لا يلزمه أكثر من أن يصوم يوما مكانه وذلك هين عليه يسير وإنما يلزم أكثر منه لأنه مخطئ لا متعمد فإنه ظن أن الشمس قد غربت وتبين أنها كانت محتجبة بالغيم) ".
730- (أخبرنا) : مالكٌ، عن أبي حازِم بنِ دينارٍ، عن سَهْلِ بنِ سَعْد الساعِدِيّ: -أنَّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: «لا تَزَالُ أمَّتي بخير ما عَجَّلُوا الفِطْرَ (ما في الحديث مصدرية ظرفية أي لا يزالون بخير مدة تعجيلهم الفطر وهو حث من الرسول صلى اللَّه عليه وسلم للأمة على تعجيل الفطر بعد تحقق غروب الشمس وقد روى ى تزال أمتي بخير ما عجلت الفطر وأخرت السحور وهذا من باب الرأفة بالصائمين وتسهيل مشقة الصيام عليهم وتخفيفها بقدر الإمكان فإن التأخير بالسحور ومباكرة الإفطار مما يهون الصيام) » .
731- (أخبرنا) : مالكٌ، عن ابن شِهابٍ، عن حُمَيد بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عَوْف: -أنَّ عُمَرَ وعُثْمانَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كانا يُصَلِّيَانِ المَغْرِبِ حِينَ يَنْظُرَانِ إلى الليل الأسْوَدِ ثم يُفْطِرَان بَعْدَ الصلاةِ وذلكَ في رمضانَ
(لم أعثر على هذا الأثر في غير هذا المسند ومعناه أن عمر وعثمان كانا يقدمان صلاة المغرب على الإفطار في رمضان ولا يناقض صنعهما هذا مامر من تفضيل التعجيل بالفطر فإن الإفطار عقب صلاة المغرب يعتبر تعجيلا للفطر فإن قلت: إن أداء الصلاة مع الجوع والظمأ وتطلع النفس واشتغالها بتناول الطعام مكروه غير محبوب ولذا قال الحنفية تكره الصلاة عند حضور الطعام وتطلع النفس إليه لأن ذلك يصرف الإنسان عن إعطاء الصلاة حقها كاملا من ذكر اللَّه قلنا: إن مثل هذا إن جازفي حقنا فهو بعيد على عمر وعثمان صاحبي الدين القوي والإيمان الصادق والنفس القاهرة الغالبة فمن كان على شاكلتهما وآنس من نفسه مثل قوتهما فليستن بسنتهما ومن لا فلا) .
732- (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافع أخبرنا: ابنُ عُمَر: -سُئِلَ عن المرأةِ الحامِلِ إذا خافتْ عَلَى وَلَدِهَا قال: تُفْطِرُ وتُطْعِمُ مَكانَ كلِّ يوم مِسْكِيناً مُداًّ مِنْ حِنْطَةٍ (وكذلك إذا خافت على نفسها فإن اللَّه رأفة بها بضعفها ورحمة بها وبحملها أجاز لها الإفطارمع الفدية وهي إطعام مسكين كل يوم ومثلها المرضع لحاجتها إلى إدرار اللبن لولدها ولا يتم ذلك مع الصوم ثم هو يجهدها ويضعفها أضعافا شديدا لا ترضاه الشريعة التي يقول كتابها «ما جعل عليكم في الدين من حرج» ويقول أيضا «يريد اللَّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» ولكن بقي أن نعرف أعليهما القضاء أم لا والجواب أن ظاهر الحديث أنه لا قضاء عليهما لأنه لم يوجب عليهما سوى الفدية وهي إطعام مسكين كل يوم ولقول ابن عباس لأم ولد له حبلى أنت بمنزلة الذي لا يطيق فعليك الفداء ولا قضاء رواه البزار وصححه الدارقطني وقال الشافعية والحنابلة: عليهما القضاء والفدية إذا خافتا على الولد لأنه فطر انتفع به شخصان وإن خافتا على أنفسهما فقط فعليهما القضاء فقط وقال الحنفية: عليهما القضاء دون الفدية وقال مالك: على الحامل القضاء وعلى المرضع القضاء والفدية ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف الأحاديث الواردة في الموضوع فمنها ما صرح بالفداء دون القضاء كالذي أثر عن ابن عباس ومنها ما هو مطلق لا يفهم منه أكثر من الترخيص لهما بالفطر كقوله صلى اللَّه عليه وسلم في حديث رواه أصحاب السنن «في التاج» وضع عن المسافر نصف الصلاة والصوم ورخص للحبلى والمرضع فاختلفت الآراء باختلاف الأحاديث وفهمها والأخذ بها) .
733- (أخبرنا) : ابن عُيَيْنَةَ، عن شَبِيب، عن ابن عُرْوَةَ، عن حِبّانَ بن الحارث قال: -أتيتُ عليا رَضيَ اللَّهُ عنه وهو يُعسْكِرُ بِدَيْرِ ابن مُوسى فَوَجَدْتُه
يَطْعَمُ فقال ادْنُ فَكُلْ فقلتُ إني أُرِيدُ الصَّوْمَ قال: وأنا أُرِيدُهُ فَدَنَوْتُ فَأَكَلْتُ فلمَّا فَرَغَ قال: يا ابنَ النَّبَّاح أَقِمِ الصَّلاةَ (الظاهر أن هذا الأكل هو أكل السحور فإنهما بعد أن أكلا دعا مؤذنه ابن النباح (كشداد) فقال له: أقم الصلاة وذلك بقرينة قول المدعو للطعام: إني أريد الصوم والصلاة التي دعا ابن النباح لإقامتها هي صلاة الصبح وإذا دل الحديث على شئ فعلى تأخير السحور وهو أمر مطلوب مدعوا إليه مثل تعجيل الفطر) .
734- (أخبرنا) : الربيعُ سَمِعْتُ الشافعيَّ رَضِيَ اللَّهُ عنه يقول: -سُئِلَ أبو حَنِيفة رضي اللَّه عنه عن الصائم يَأكُلُ وَيَشْرَبُ ويَطَأُ إلى طلوع الفَجْرِ وكان عِنْدَهُ رَجُلٌ نَبِيل فقال: أَرَأَيْتَ إن أُطْلِعَ الفَجْرُ نَصْفَ اللَّيْلِ فقال الْزَمِ الصَّمْتَ يا أَعْرَجُ (للإمام الشافعي الحق في أن يطلب منه الصمت بعد هذا السؤال الدال على الحمق) .
الباب الخامس في الإعتكاف
735- (أخبرنا) : سُفْانُ، عن أيُّوبَ السِّخْتِيَاني، عن نافع، عن ابن عُمَرَ: -أنَّ عُمَ رضي اللَّه عنه نذر أن يَعْتَكِفَ في الجاهلية فسأل النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأمره أن يعتكف في الإسلام
(الإعتكاف في اللغة: الحبس والمكث واللزوم وفي الفقه: المكث في المسجد بصفة خاصة وقد أجمع المسلمون على استحبابه وتأكده في العشر الأواخر من رمضان ولا يشترط فيه الصوم عند الشافعية ويشترط عند الحنفية والمالكية ويفهم من الحديث أن نذور الجاهلية يجب الوفاء بها بعد الإسلام إن كانت لجهة خيرية) .