كتاب الصلاة وفيه ثلاثة وعشرون بابا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشافعي
- الكتاب
- مسند الإمام الشافعي
- المؤلف
- الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ)رتبه على الأبواب الفقهية: محمد عابد السنديعرف للكتاب وترجم للمؤلف: محمد زاهد بن الحسن الكوثري تولى نشره وتصحيحه ومراجعة أصوله على نسختين مخطوطتين: السيد يوسف علي الزواوي الحسني، السيد عزت العطار الحسيني
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنانعام النشر: 1370 هـ - 1951 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
203- (أخبرنا) : ابن عُيَيْنَة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: -كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يُصَلِّي صَلاةً مِن الليل، وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجَنَازة (الجنازة: بالكسر وتفتح الميتأو بالكسر الميت وبالفتح السرير أو عكسه أو بالكسر السرير مع الميت والذي معنا هو الميت ويؤخذ من الحديث أن صلاة الانسان وأمامه شخص نائم لا بأس بها) .
204- (أخبرنا) : سفيان بن عُيَيْنَة، عن مالك بن مغول، عن عون بن أبي جُحيفةَ، عن أبيه أنه قال: -رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالأبطح (بمكة المحصب وهو في الأصل مسيل الماء فيه دقيق الحصى) فخرج بلال بالعَنزَة (العنزة بثلاث فتحات عصا أقصر من الرمح وفيها سنان مثل سنان الرمح والعكاز قريب منها) فركزها (ركزها من باب نصر ركزاً: ثبتها في الارض وتركيز العنزة يقصد منه تنبيه المارة أمام المصلى ألا يمروا بمكان سجوده حتى لا يزاحموه ولا يعطلوه عن اتمام صلاته لان ذلك اعتداء على حرمة الصلاة وايذاء للمصلي وإذا لم يلحظ المار ذلك أو جهله ومر من مكان السجود أثم ولا يؤثر ذلك فى صحة الصلاة ويؤيد ذلك الحديث التالي) ، فصلى إليها، والكلب والمرأة، والحمار يمرون بين يديه.
205- (أخبرنا) : مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: -أقْبلْتُ رَاكباً عَلَى أتَانٍ وأنا يومئذِ قَدْ أرْهقْتُ (ارهقت الاحتلام أدركته والاحتلام البلوغ) الإِحْتِلاَمَ ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يصلي بالناس، فمررت بين يدي
الصف فنزلت، فأرسلتُ حماري يَرْتعُ، ودَخلْتُ عَلَى الصَّف، فَلم يُنْكر ذلك على أحد.
الباب السادس في صفة الصلاة
206- (أخبرنا) : سعيد بن سالم، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عقيل، عن محمد ابن الحنيفة، عن أبيه: -أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: " مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الوُضُوءُ وتحرِيمُهَا التكْبِيرُ وتَحْليلها السَّلام.
207- (أخبرنا) : إبراهيم بن محمد، عن على بن يحي بن خَلاّدٍ، عن أبيه، عن جده رِفَاعة بن مالك: -أنه سمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: " إذا قَامَ أَحَدُكُمْ إلى الصلاةِ فليتَوضَّأَ كما أَمَر الله تعالى ثم ليكبرْ فَإن كَانَ مَعَهُ شَئْ مِنَ القُرْآنِ قَرأَ به وإن لم يكن معه شئ من القرآن فليحمد الله وليكبرْه ثم لْيَرْكعْ حتى يطمئن راكعاً ثم ليَقُمْ حتى يطمئن قائماً ثم لْيسْجُدْ حتى يطمئِنّ ساجداً ثم لْيَرفَعْ رأسه فلْيجْلسْ حتى يكمئن جالساً فمن نقص من هذه فإنما ينقص من صلاته (الحديث مسوق لبيان تعليم كيف تؤدى الصلاة ولا خفاء به والذي يستدعي الكلام فيه هو تعارضه مع الأحاديث الكثيرة التي تحتم قراءة شئ من القرآن في الصلاة ويمكن التوفيق بينه وبينها بأن هذا كان في بدء التشريع قبل أن يشيع القرآن فيهم وينتشر حفظته وذلك عذر وضرورة والضرورة تعذر بقدرها) .
208- (أخبرنا) : إبراهيم بن محمد، قال أخبرني محمد بن عَجْلان، عن علي ابن يحي بن خلاّد عن رفاعة بن رافع قال: -جاء رجل لِيُصلي في المسجد قريباً
من رَسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثم جاء فسلم (قول ثم جاء فسلم أي بعد أن صلى قريبا من رسول الله) على النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال له النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "أعِدْ صلاتَك فأنك لم تُصل (لم يبين الحديث ما فعل الرجل بصلاته حتى كانت كعدمها في نظر الرسول والمفهوم أنه أخل بشرائطها وأركانها ولا عجب فقد كان ذلك في بدء الإسلام) فقام فصلى بنحو ما صلى فقال له النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «أعِدْ صلاتَك فأنك لم تُصل» فقال: عَلمْني يا رسول الله كيف أصلي قال: إذَا توجهتَ إلى القِبلة فكَبِّرْ ثم اقْرأ بأمِّ (أم القرآن الفاتحة ويقال لها ايضا أم الكتاب- وأم كل شئ أصله وعماده في القاموس وام القرآن الفاتحة أو كل آية محكمة من آيات الشرائع والأحكام والفرائض.
أقول والمراد هنا الفاتحة وانما سميت أم الكتاب وأم القرآن لأن الابتداء بها في نزول القرآن على قول وفي التلاوة وفي الصلاة وما بعدها تال لها وكذا يقال للراية أم لتقدمها واتباع الجيش لها أو لاشتمالها كما قال الزمخشري على مقاصد معاني القرآن وهي الثناء على الله بما هو أهله والتعبد بالأمر والنهي والوعد والوعيد- وأوضح من هذا أن يقال لاشتمالها على أصول الدين وفروعه والأخلاق والقصص والوعد والوعيد أما أصول الدين فمعرفة الله تعالى وصفاته وإليها الأشارة بقوله رب العالمين الرحمن الرحيم ومعرفة النبوات وإليها الأشارة بقوله تعالى أنعمت عليهم - والمعاد وإليه الأشارة بقوله تعالى مالك يوم الدين- وأما العبادات فالأشارة إليها بقوله تعالى: إياك نعبد وأما الأخلاق فاليها الأشارة بقوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم إلخ وأما القصص والوعد والوعيد، فقوله تعالى: انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين - أو سميت أم القرآن لأنها محكمة والمحكمات هن أم الكتاب كما قال تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب إلخ) القرآن وما شاء اللَّه أن تقرأ فإذا ركعتَ فاجعلْ راحتيك (الراحة: الكف) على رُكبتيك ومَكِّن ركوعَك وامْدُد ظَهْرَك فإذا رفعت فأَقِمْ صُلْبَك
(الصلب بالضم: الظهر والحديث لا يحتاج إلى بسط، والمراد منه تعليم الرجل الذي أخطأ في صلاته كيف يؤديها أداء صحيحا، وظاهر أن بيان الرسول للصلاة الكاملة الجامعة بين الفروض والسنة) وارفع رأسك حتى ترجع العظامُ إلى مَفاصلها فإذا سجدتَ فَمكِّنِ السجود فإذا رفعت فاجْلسْ على فَخْذِك اليسرى ثم افْعلْ ذلك في كل ركعة وسجدة حتى تطمئن".
209- (أخبرنا) : سفيان، عن الزهري، عن سَالم، عن أبيه قال:
-رأيت رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم إذَا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يُحاذيَ مَنْكِبَيْه (المنكب كمجلس مجتع الكتف والعضد والمحاذة: الموازاة وبين الحديث مواضع رفع اليدين في الصلاة، وأنها ثلاث عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع، أما السجود والرفع منه ليس فليس فيهما رفع لليد، والحديثان التاليان مثل هذا الحديث في المعنى، وموضوعها كلها واحد وإنما تكررت مع ذلك لاختلاف يسير في اللفظ أو في السند.
أما الحديث الذي يلي هذين الحديثين فيخالف الثلاثة في المعنى.
إذ أن رفع اليدين فيه دون المنكبين) وإذا أراد أن يركعَ وبعدما يرفع.
ولا يَرْفَعُ بين السجدتين.
210 - (أخبرنا) : سفيان، عن الزهري، عن سَالم، عن أبيه قال:
-رأيت رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم إذَا افتتح الصلاة رفع يديه حَذْو مَنْكِبَيه وإذا أراد أن يرْكع وبعدما يرفع رأسه.
ولا يَرْفَعُ بين السجدتين.
211- (أخبرنا) : مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه:
-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاةَ رففع يديه حَذْو مَنْكِبَيه وإذا رفع رأسه من الركوع رفعها كذلك.
وكان لا يفعل ذلك في السجود.
قال أبو العباس: كتبنا حديث سفيان عن الزهري بمثله قبل هذا.
212 - (أخبرنا) : مالك، عن نافع، عن ابن عُمر رضي الله عنهما: -أنه كان إذا ابتدأ الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الركوع رفعها دُونَ ذلك.
213 - (أخبرنا) : مالك، عن نافع، عن ابن عُمر رضي الله عنهما: -أنه كانَ إذا
ابتدأ الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيهِ حَذْوَ منكبيه وإذا رَفَع رأسه من الركوع رَفَعها كَذلِكَ.
214- (أخبرنا) : سُفْبَانُ، عن عاصم بن كُلَيب قال: سمعت أبي يقول: حدثني وائل بن حُجْرٍ (وائل بن حجر بضم الحاء الحضرمي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم) قال: -رأيت رَسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذَا افتَتَحَ الصَّلاةَ يَرْفَعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه، وإذَا رَكَع وبعد ما يرفع رأسه قال وائل: ثم أتيتُهم في الشِّتَاء، يرْفَعُون أيديهم في الرانِس (البرانس: جمع برنس، وهو كل ثوب رأسه ملتزق به وقال الجوهري هو كل قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، والمراد هنا الأول والحديث في رفع الأيدي في الصلاة، وليس فيه جديد سوى أنهم كانوا يرفعون أيديهم في القلانس التي كانوا يلبسونها فراراً من البرد، أي كانوا يرفعون أيديهم مغطاة بالقلانس في الشتاء، وحينئذ فلا فرق في رفع الأيدي بين أن تكون مجردة، أو في البرانس) .
215- (أخبرنا) : سُفْيَان، عن يَزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى عن البَرَاء بن عازب قال: -رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذَا افتتَح الصلاةَ رفع يديه قال سفيان: -ثُم قَدِمتُ الكُوفَةَ فَلَقِيتُ يزيد فسمعته يحدِّثُ هكذا بها وزَادَ فِيه ثُم لا يعُودُ فظننتُ أنهُمْ لَقّنُوه قال سفيان: هكذا سمعت يزيد يحدث ثم سَمعتُهُ بعد يُحدثُهُ هكذا ويزيدُ فِيه
ثُم لا يعُودُ (هذا الحديث يخالف للأحاديث السابقة فير فع الأيدي فقد فهم منه أنه لم يكن يفعله الرسول إلا عند افتتاح الصلاة بدليل قوله ثم لا يعود يعني إلى رفع اليدين وهذا مذهب الحنفية وكأنهم أخذوا بهذا الحديث وغيره مما في معناه وقد لا حظ سفيان أن يزيد كان يروي الحديث أولا بدون هذه الزيادة وهي قوله ثم لا يعود وإنما سمعها منه فظن أنه أخذها عنهم وانهم هم الذين لقنوه إياها وكأنه يتهم حفظه حينذاك بالضعف ولم يكن ينظر إليه هذه النظرة قبل ذلك بل كان يثق بحفظه وهذا هو ما فهمه الإمام الشافعي من الحديث ولهذا لم يأخذ به بل أخذ بالأحاديث السابقة في رفع الأيدي وفيها الرفع عند افتتاح الصلاة وعند الركوع والرفع منه أما أهل الكوفة فقد أخذوا في قصر رفع الأيدي على افتتاح الصلاة بأحاديث أخرى مثل حديث علقمة قال لنا ابن مسعود يوما ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة مع تكبيرة الافتتاح وهو في جميع الفوائد وهذا لا يخفى عليك أن الإمام أبا حنيفة كوفي ويظهرأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتزم حالة واحدة في رفع اليدين في الصلاة ومن هنا نشأ الخلاف بين الشافعية والحنيفة) . قال الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: ذهب سفيانُ إلى أن يُغَلِّط يزيدَ في هذا الحديث ويقول كأنه لُقِّنَ هذا الْحَرْفَ الأخير فَلَقَّنه ولم يكن سفيان يَرَى يزيدَ بالحفظ كذلك.
216- (أخبرنا) : مسلم بن خالد، وعبد المجيد وغيرهما عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن عبد اللَّه بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه قال: -أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كَانَ إِذَا اتَتَح الصَّلاةَ قَالَ وجَّهْتُ وجْهِيَ للَّذي فَطَر (فطر السموات فطر الشئ فطراً: بدأه وأنشأه فالفطر: الابتداء والاختراع وفطر اللَّه الخلق يفطرهم خلقهم وبدأهم وفي القرآن «الحمد لله فاطر السموات والأرض» قال ابن عباس ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي أنا ابتدأت حفرها) السَّمواتِ والأرضَ
حَنِيفاً (مائلا إلى الإسلام ثابتا عليه والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم عليه السلام وأصل الحنف الميل والأعوجاج ورجل أخنف ذو قدم مقبلة بأصابعها على القدم الأخرى أو مائلا عن الأديان الباطلة) ومَا أنَا مِنَ المشرِكينَ إنَّ صَلاتِي ونُسُكي (النسك بضم فسكون وبضمتين: العبادة والطاعة وكل ما يتقرب به إلى اللَّه وفي القاموس بتثليث النون مع سكون ثانية وبضمتين نسك ينسك نسكا للَّه وتنسك: تعبد والناسك العابد وفعله من باب نصر وكرم والمراد به هنا الصوم والحج والزكاة وغيرها من الطاعات ومحياي ومماتي حياتي وموتي أي أنهما بيده هو لا بيد غيره فهو الذي يحييني ويميتني وإنما جمع بين الصلاة التي هي من فعل العبد والحياة التي هي من فعل اللَّه لأنهما بتديره أو المراد بالحياة والموت ما يعملون بهما من الطاعات والهيبة) وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّه رَب العالمين لا شَريكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرت قَالَ أَكثرُهم وأنَا أوَّلُ المسلمين وشَكَكْتُ أنْ يَقُول قالَ أحَدهُم وأنا مِن المسلمين اللهُمَّ أنْتَ الملِكُ لاَ إِله إِلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ (التسبيح التنزيه والتقديس والتبرئة من النقائص فمعنى سبحان اللَّه تنزيه اللَّه، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف كأنه قيل أبرىء اللَّه من التسوء براءة فمعنى سبحانك تنزيه لك من كل سوء وتنزيها وتقديسا لك وقوله وبحمدك أي بحمدك ابتدئ وقيل المعنى وبحمدك سبحت) وبحَمْدِكَ أَنْتَ رَبِّي وأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسي واعترَفتُ بِذَنْبي فاغْفِر لي ذُنوبي جَميعاً لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنتَ واهْدِنِي لأَحسَنِ الأ خلاَقِ لاَ يهدِي لأحسنها إلا أنتَ واصرفْ عَنِّي سَيئها لا يصرف عني شيئها إلا أنتَ لبيكَ وسَعْديك (روى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه كان يقول في افتتاح الصلاة لبيك وسعديك والخير في يديك والشرليس إليك قال الأزهري: وهو خبر صحيح وحاجة أهل العلم إلى تفسيره ماسة: فأما لبيك فهو مأخوذ من لب بالمكان لبا وألب به إلبابا أي أقام به كأنه يقول أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة ومجيب لك إجابة بعد إجابة إلخ.
ولم يستعمل إلا بصيغة التثنية والمراد منها التكرير أي إجابة بعد إجابة وهو منصوب على المصدر كقولهم حمداً لك وشكراً وفعله مقدر لا يظهر كأنك قلت لبا بعد لب أو إلبابا بعد الباب وقال الخليل معناه اتجاهي وقصدي إليك يا رب من قولهم دار فلان تلب دارك أي تواجهها وتحاذيها وقيل معناه إخلاص لك من قولهم حسب لباب إذا كان محضا خالصا.
وحكى عنه أيضا أنه مأخوذ من قولهم أم لبه أي محبة عاطفة قال فأن كان كذلك فمعناه إقبالا إليك ومحبة لك وكان حقه أن يقال لبا لك ولكنهم ثنوا فقالوا لبيك لارادتهم التوكيد أي إلبابا بعد إلباب وإقامة بعد إقامة.
وقال إبن الأعرابي: اللب الطاعة وأصله من الإقامة وقولهم لبيك اللب واحد فإذا اثنيت قلت في الرفع لبان وفي النصب والجر لبينٍ وكان في الأصل لبينك أي أطعتك مرتين ثم حذفت النون للإضافة كأنه قال كلما أجبتك في شئ فأنا في الآخر مجيب لك.
وسعديك أي إسعادا لك بعد إسعاد أو مساعدة لك بعد مساعدة والمراد بالإسعاد والمساعدة للَّه متابعة العبد أمر ربه.
وقال ابن الأثير: أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة ولهذا ثنى وهو من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال اهـ والمعنى أن العبد يخاطب ربه وبذكر طاعته ولزوم أمره فيقول سعديك أي مساعدة لأمرك بعد مساعدة أي ملازم للتثنية أيضا مثل لبيك لقصد التكرير ولم يقولوا سعدك، ومن العجب أنك ترى الشراح إذا فسرا سعديك فسروها بالإسعاد أو المساعدة كأهم يظنون أنهما هما الفعلان المتعديان بخلاف السعد فأنه لازم وهم لا أصل له فأن سعد كما يأتي لازما يأتي متعديا يقال سعده اللَّه وأسعده ولا أدل على ذلك من قراءة «وأما الذين سعدوا ففي الجنة» ببناء الفعل المجهول وهذا لا يكون الا يكون إلا من سعده اللَّه معنى أسعده أي أعانه ووفقه وحينئذ لك أن تفسر سعديك فتقول معناه سعدا لك وسعد أي إطاعة لأمرك بعد إطاعة) والْخَيرُ بَيَدَيكَ، والشَّرُ لَيْسَ إليكَ، والْمهْدِيُّ مَنْ
هَدَيتَ (والمهدي من هديته أنت وهو كقوله تعالى إن الهدى هدى اللَّه أما تعليم الآباء وإرشاد المدرسين ونصح الناصحين فقد رأيناها كلها تذهب مع الريح في كثير من الناس وهم الذين لم تشملهم العناية الصمدانية بالهداية الربانية وفي القرآن الكريم أيضاً «إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللَّه يهدي من يشاء» ) أنَا بِكَ وإليْكَ (أنا بك وإليك أي حياتي بك أي بفضلك وكذلك رزقي وسلامتي ومرجعي إليك) لاَمَنْجَى مِنْكَ إلاَّ إلَيْكَ (لا منجى منك إلا إليك أي لا ينجيني منك إلا فضلك ورحمتك أي أن أحدا لا يستطيع إنقاذي من غضبك وليس لي ملجأفي العنو سوى ساحتك كقوله تعالى: «وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون» أي يحمي ولا يحمى عليه) تَبَارَكْتَ
وتَعاليْتَ (تعاليت أي تنزهت وتقدست عن كل نقص وشين وفي اللسان: وأما المتعالي فهو الذي جل عن أفك المفترين وتنزه عن وساوس المتحيرين فيه وتفسير تعالى جل ونبا عن كل ثناء فهو أعظم وأجل وأعلى مما يثنى عليه ل إله إلا اللَّه وحده لا شريك له) اسْتَغْفِرُكَ وأَتُوبُ إِلَيْكَ.
217- (أخبرنا) : مسلم بن خالد، وعبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن عبد اللَّه بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
-أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "أَحَدُهُما كَانَ إِذَا إِبْتَدأَ الصَّلاة وَقَالَ الآخَرُ كَانَ إِذَا افتَتَح الصَّلاة قَال: وجَّهتُ وجْهيَ لِلَّذِي فَطَر السَّموَاتِ والأَرْضَ حَنِيفاً ومَا أنَا مِنَ المشرِكينَ، إنَّ صَلاَتي ونُسُكِي وَمَحَيَايَ ومَمَاتي لِلَّه رَبِ العَالَمينَ لا شَرِيك لَهُ وبذلك أُمِرتُ قَال أحدهما وأنا أوَّلُ المسلمين وقَال الآخَرُ وأنا من المسلمينَ (تقدم قريبا تفسير هذه الآية) .
قال الشافعي رضي اللَّه عنه: ثم يقرأ القرآن بالتعوذ ثم ببسم اللَّه الرحمن الرحيم إذا أتى عليها (يعني الفاتحة) قال آمين.
ويقول من خلفه إن كان إماماً يرفع صوته حتى يسمع من خلفه إن كان مما يُجْهر بالقراءة (هذه زيادة من الامام الشافعي كالشرح للحديث إذ الحديث في افتتاح الصلاة فقط فأتم الإمام تعليم القراءة فقال وبعد افتتاحها بالآية يتعوذ المصلي ثم يبسمل ثم يقرأ الفاتحة ثم يقول آمين ويقولها المصلون وراءه إن سمعوها منه في الصلاة الجهرية) .
218- (أخبرنا) : إبراهيم بن محمد، عن ربيعة بن عثمان عن صالح بن أبي صالح: -أنه سمع أبا هريرة رضي اللَّه عنه يقول وهو يَؤُم النَّاسَ رافعاً صَوْتَهُ: ربّنا
إنَّا نعُوذُ بِك مِنْ الشَّيْطانِ الرَّجِيم في المكتوبة وإذا فرغ من أم القرآن (المكتوبة المفروضة وفي الحديث أن أبا هريرة كان يستعيذ باللَّه من الشيطان إذا فرغ من الفاتحة كان يقولها أولا ومحلها المعروف قبل البسملة كما في الحديث السابق وهي بعد الفاتحة من قبيل الدعاء) .
219- (أخبرنا) : سفيان، عن أيوب، عن قتادة، عن أنس قال: -كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأبو بكر، وعمر، وعثمان يفتتحون القراءة بالحمد للَّه رب العالمين.
220- (أخبرنا) : إبراهيم بن محمد قال حدثني: -صالح مولى التوأمة أن أبا هريرة رضي اللَّه تعالى عنه كان يفتتح الصلاة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم (ظاهر ما بين الحديث وسابقه من التفاوت والاختلاف فالأول فيه أن النبي وأبو بكبر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون الصلاة بالفاتحة وفي هذا كان أبو هريرة يفتتح الصلاة بالبسملة والصلاة بدون البسملة صحيحة لأن الإتيان بها سنة هذا مذهب الحنفية فلعلهم اعتمدوا في مذهبهم على الحديث السابق)
221- (أخبرنا) : سفيان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "كُلُّ صَلاةِ لَمْ يُقْرأ فِيها بأم الكِتَاب فَهِي خِدَاجٌ فَهِي خِدَاجٌ
(خداج أي نقصان من خدجت الناقة وكل ذات ظلف وحافر يخدج خداجا إذا ألقت ولدها لغير تمام الأيام وإن كان تام الخلق وفي الحديث كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج أي ذات خداج وهو النقصان حلوا المصدر محل الفعل اختصاراً في الكلام وهذا دأبهم كما قالوا عبد اللَّه إقبال وإدبار أي مقبل ومدبر وإنما قال في الصلاة فهي خداج لأن المعنى فهي ذات خداج على تقدير مضاف محذوف أو ليس هناك تقدير ويكون قد وضعها بالمصدر ومبالغة في نقصها كما تقول فلان عدل فتخبرعنه بالمصدر نفسه مبالغة في وصفه بالعدل كأنه هو العدل نفسه لاشئ آخر) .
222- (أخبرنا) : عبد المجيد، عن ابن جُرَيج قال أخبرني: -أُّبَيّ، عن سعيد ابن جُبَيْر (ولَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ المثَاني والقُرآنُ العَظِيمَ ( «ولقد أتيناك» أنزلنا عليك «سبعا» أي سبع آيات وهي الفاتحة، روى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وكثير من الصحابة وجاء ذلك أيضا مرفوعا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من حديث أبيّ وأبي هريرة وقيل سبع سور، وهي الطول وروى ذلك أيضا عمر وابن عباس وابن مسعود وكثير من الصحابة وهي في رواية البقرة وآل عمران والنساءو المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة سورة واحدة وفي رواية براءة دون الأنفال وهي السابعة وفي أخرى يونس وفي أخرى الكهف وقيل السبع آل حميم وقيل سبع صحف مما نزل على الأنبياء بمعنى أنه أوتي ما تضمنها وان لم يكن بلفظها وقيل المثاني كل سورة دون المئين وفوق المفصل كأن المئين جعلت مبادي والتي تليها مثاني وأصحها كلها الأول وقد أخرجه البخاري وأبو داوود والترمذي ورفعوه وقال أبو حيان لا ينبغي العدول عنه بل لا يجوز ذلك وأورد على القول بأها السبع الطول أن هذه السورة وهي الحجر مكية فلم تكن تلك السور قد أنزلت بعد فكيف يقال أتيناك فيما لم ينزل وأجيب بأن المراد إنزالها إلى سماء الدنيا وفي هذا يستوي المكي والمدني واعترض بأن هذا مخالف لظاهر قوله تعالى آتيناك وقيل أنه تنزيل للمتوقع منزلة الواقع في الإمتنان ومثله كثير والمثاني جمع مثناة أو جمع مثنى بضم أوله وتشديد نونه المفتوحة على غير قياس إذا قياسه مثنيات أو جمع مثنى بالتخفيف من الثني بمعنى التكرير والاعادة واطلاق ذلك على الفاتحة لأنها تكرر قرائتها في الصلاة في كل ركعة ولأنها تثنى بما يقرأ بعدها من القرآن ولأن كثيراً من ألفاظها مكرر كالرحمن والرحيم وإياك والصراط وعليهم هذا وجه تسمية الفاتحة مثاني وأما وجه تسمية القرآن كله مثاني في قوله تعالى «اللَّه نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني» فهو كما قال أبو عبيدة لأن الأنبياء والقصص تنبت فيه أو لاقتران آية الرحمة فيه بآية العذاب «والقرآن العظيم» بالنصب عطفا على سبعا فإن أريد بها الآيات والسور أو الأمور السبعة فهو من عطف العام على الخاص اشعارا بمنزلة الخاص الممتازة حتى كأنه غير العام واختار بعضهم تفسير القرآن العظيم بالفاتحة كالسبع المثاني؟ أخرجه البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: الحمد للَّه رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته وهذا أكثر انطباقا على الواقع لأنه صلى اللَّه عليه وسلم لم يكن أوتي إذ ذاك القرآن كله لأن الآية مكية كما قلنا)) قال: هي أُمُّ القرآن قال اُبَيٌّ: وقرأها عَلَيَّ سعيد بن جُبير حتى ختمها ثم قال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم الآية السابعة قال سعيد: قرأتها على ابن عباس كما قرأتها عليك ثم
قال بسم اللَّه الرحمن الرحيم الآية السابعة.
قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: فذخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم (أي اختصكم بها تفضلا منه سبحانه وتكرما والضمير عائد على السبع المثاني.
223- (أخبرنا) : عبد المجيد، عن ابن خديج أخبرني: عبد اللَّه بن عثمان ابن خَيْثَم أن أبا بكر بن حَفْص بن عمرأخبره: أن أَنَسَ بن مالك قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة ولم يُكَبِّر حين يَهْوِى حتى قضى تلك الصلاة فلما سلم ناداه مَنْ سَمَع ذلك من المهاجرين من كل مكان يا معاوية: أسَرَقْتَ الصَّلاة أم نَسِيتَ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن وكبر حين هوى ساجداً.
224- (أخبرنا) : إبراهيم بن محمد، حدثني: عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن اسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه: -أن معاوية قدم المدينة فصلى لهم ولم يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار يا معاوية أَسَرقْتَ صَلاتَك أين بسم اللَّه الرحمن الرحيم وأين التكبير إذَا خفضت وإذا رفعت فصلَّى بهم صلاةً أخرى فقال فيها ذلك الذي عابوا عليه
(هذا الحديث والذي قبله في موضع استغراب المهاجرين ما وقع من معاوية في صلاته إذ ترك البسملة قبل السورة التي تعقب الفاتحة وترك التكبير حين ركع وحين رفع من ركوعه فقالوا له أنسيت أم اختصرت الصلاة فلما صلى بعد ذلك تدارك ما نبه إليه فأتى بالبسملة والتكبير ومذهب الحنفية الإكتفاء بالبسملة مع الفاتحة والأتيان بها معها عندهم سنة مثل التكبير مع الركوع والسجود) .
225- (أخبرنا) : يحي بن سليم، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن إسماعيل ابن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن معاوية: -والمهاجرين، والأنصار مثله أو مثل معناه لا يخالفه، وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول.
226- (أخبرنا) : مسلم وعبد المجيد، عن ابن جُريج، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: -أنه كَان لا يَدَعُ بسم اللَّه الرحمن الرحيم لأم القرآنِ وللسورة التي بعدها (هذا وما قبله دليل من أخذ بالتسمية في الفاتحة وما معها من السوروأما الحنفية فدليلهم على صحة الصلاة بدون التسمية مطلقا أي مع الفاتحة وغيرها ما روى عن أنس قال صليت مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ باسم اللَّه الرحمن الرحيم وقد رواه الستة وفي رواية فكانوا يستفتحون بالحمد للَّه رب العالمين لا يذكرون باسم اللَّه الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها والحديث في جمع الفوائد.) .
227- (أخبرنا) : مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: -أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: «إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ، وقالت الملائكة في السماء آمين، فَوَافَقَتْ إحْداهُمَا الأخْرى، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ من ذَنْبِه» .
228- (أخبرنا) : مالك، اخبرني: سمى، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: -أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: «إذَا قَالَ الإِمامُ غَيْرِ المغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضَّالِّينَ، فَقُولوا آمين فإِنَّه مَنْ وَافَقَ قَوْلَهُ قَولُ الملائكة غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّم مِنْ ذَنْبِهِ» .