مسند الشافعي - ترتيب السنديصفحات 385-3

كتاب الحج وفيه اثنا عشر بابا

صفحات 385-3
عن هذه الطبعة
عَلَم
الشافعي
الكتاب
مسند الإمام الشافعي
المؤلف
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ)رتبه على الأبواب الفقهية: محمد عابد السنديعرف للكتاب وترجم للمؤلف: محمد زاهد بن الحسن الكوثري تولى نشره وتصحيحه ومراجعة أصوله على نسختين مخطوطتين: السيد يوسف علي الزواوي الحسني، السيد عزت العطار الحسيني
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنانعام النشر: 1370 هـ - 1951 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الباب العاشر في الحج عن الغير (هذا العنوان من وضع مرتب المسند وهو المرحوم الشيخ عابد السندي وغير متوغلة في الإبهام فلا تدخل عليها أداة التعريف لأن دخولها لا يفيد شيئا ولا ينقل غير عن إبهامها اهـ حامد مصطفى) .

992- (أخبرنا) : ابنُ عُيَيْنَةَ قال سَمِعْتُ الزَّهْري يُحَدِّثُ، عن سُلَيْمانَ ابْنِ يَسَارٍ، عن ابنِ عباسٍ: -أنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ سَأَلَتْ النَّبيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلم، فقالتْ: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ في الحَجّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أبي شَيخاً كَبيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَمْسِكَ علىَ رَاحِلَتِهِ، فَهَلْ تَرَى أنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ فقَالَ النبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم: «نَعَمْ» . قال سُفْيَانُ: هكذا حَفِظْتُهُ مِنَ الزُّهْريِّ (هذا الحديث في مسلم وهو وما بعده إلى آخر الباب في أداء الحج عمن لم يحج لعجز بشيخوخة أو زمانة وذلك لأن الحج عبادة تعبد للَّله بها عبادة كالصلاة والصيام فكل إنسان مكلف مطالب أن يؤديها عن نفسه وكان مقتضى ذلك ألا يؤديها أحد عن غيره كالصلاة والصيام وبهذا قال بعضهم ولكن لما كانت عبادة مالية بدنية وكان إنفاق المال فيها أحد ركنيها كان هناك فرق بينها وبين الصلاة والصيام ووجوبها ليس على الفور عند بعض الأئمة فلهذين ولغيرهما قبلت فيها النيابة ولم تقبل في الصلاة والصيام واللَّه أعلم.
وجملة ما يؤخذ من الحديث جواز النيابة في الحج عن العاجز الميؤوس منه بهرم أو زمانة أو موت وأن تكون المرأة نائبة عن الرجل في الحج وعدم سقوط فريضة الحج عمن عجزعن أدائه بنفسه وقدر على أدائه بغيره كولده وهو مذهب الشافعية وجواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها وتقدمت آراء الفقهاء في هذه المسألة وفيه فضلا عن هذا كله الإشارة إلى بر الوالدين والقيام بخدمتهما وأداء ما وجب عليها من دين وحج وغيرهما وليس في قولها أن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً ما يفيد أن الحج لو وجب على الإنسان قويا ثم تأخر في الأداء لا يؤدي عنه بدليل حديث طاووس الآلي أن امرأة أتت النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقالت: أن أمي ماتت وعليها حج فقال حجي عن أمك فكما تجوز النيابة في الحج للعجز تجوز للموت وإن قضى الميت سنين قادراً على أداء هذه الفريضة وقد أشرنا إلى أن النيابة في الحج مسألة خلافية والجمهور ومنهم الشافعية والحنفية على جواز النيابة في الحج لموت أوعجز وقال مالك ولليث لا نيابة في الحج إلا عمن مات ولم يحج حجة الإسلام وحكى عن النخعي وبعض السلف أنها غير جائزة لا عن ميت ولا عن حي عاجز وهذا مروي عن مالك أيضاً ومذهب الشافعي أن ذلك واجب في تركته وعنده يجوز للعاجز الإنابة في حج التطوع على أصح القولين) وأخبرني عَمْرُو بنُ

دِينارٍ، عن الزُّهْري، عن سُلَيْمانَ ابْنِ يَسَارٍ:

  • عن النبيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم مِثْلَهُ وزَادَ فِيهِ فَقَالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ: فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذلِكَ؟ قال: " نَعَمْ، كَما لَوْ كَان عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ يَنْفَعُهُ (فقضيته هكذا روى بإثبات الياء وهي لغة بعض العرب وهذه الرواية مرسلة لسقوط ابن عباس منها) .

993- (أخبرنا) : مالكٌ، عن الزَّهْري، عن سُلَيْمانَ ابْنِ يَسَارٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ قال: -كَانَ الفَضْلُ بْنُ العَبَّاسِ رَدِيفَ النبيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم، فَجَاءَتْهُ امْرَأةٌ مِنْ خَثْعَمٍ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إليْهاَ وهِيَ تَنْظُرُ إليه فَجَعَلَ النبيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالتْ يا رسول اللَّه: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ في الحَجّ عَلَى عِبَادِهِ، أَدْرَكَتْ أبي شَيخاً كَبيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَثْبُتَ علىَ الرَاحِلةِ، أفأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» وذلِكَ فِي حِجَّةِ الوَداَعِ

(يؤخذ من هذا الحديث جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة وسماع صوت المرأة الأجنبية لحاجة كالاستفتاء والبيع والشراء وغيرها وتحريم النظر إلى الأجنبية وإزالة المنكر باليد لمن قدر على ذلك هذا وخثعم كجعفر أبو قبيلة من معد هكذا في القاموس المحيط وفي اللسان خثعم "إسم قبيلة وهو خثعم بن أنمار من اليمن ويقال هم من معد صاروا باليمن اهـ وقوله حجة الوداع بكسر الحاء وفتحها خطأ لأن المرة والهيئة من هذه المادة تكسر كما نبهنا سابقاً) .

994- (أخبرنا) : مُسْلمُ بْنُ خالدٍ الزِّنْجِيُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنِ شِهَابٍ حدثني: سُلَيْمانَ ابْنِ يَسَارٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: -أنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم: إنَّ أبي قَدْ أدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الحَجِّ، وهُو شَيْخٌ كَبِيرٌ، لاَ يَسْتَطيعُ أنْ يَسْتَوِي عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، قال: «فَحُجِّي عَنْهُ» .

995- (أخبرنا) : عَمْرُو بْنُ أبي سَلَمَةَ، عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مُحمَّدٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الحَارِثِ المَخْزُوميِّ، عن زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عن أبيه، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبي رَافِعٍ، عن عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: -أنَّ النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم قال: "وكُلُّ مِنىً مَنْحَرٌ، ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ قالَتْ: إنَّ أبي شَيْخٌ قَدْ أَفْنَدَ وأدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجّ، ولاَ يَسْتَطِيعُ أدَائِهَا، فَهَلْ يُجْزي أنْ أُؤد بها عَنْهُ؟ قال: " نَعَمْ

(ورد هذا الحديث في الأصل مصحفاً ومحرفا فكلمة قال كانت ساقطة منه وكلمة أفند كانت فيه أنفد وزيد فيه كلمة على فحذفناها منه لأنه لامعنى لها ولا وجود لها في النسخة المطبوعة فاستقام الحديث بعد تلا في هذه الأخطاء وفهم معناه واضحا والحمد للله هذا والمنحر بفتح الحاء مكان النحر أي كل مكان في منى صالح لأن تذبح فيه الهدايا وأفند: خرف وأخطأ للكبر) ".

996- (أخبرنا) : سَعيدُ بْنُ سالمٍ، عن حَنْظَلَة: سَمِعْتُ طاَووساً يَقُولُ: -أَتَتْ النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم امْرأَةٌ، فَقَالتْ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وعَلَيْها حَجٌّ فَقَالَ: «حُجِّي عَنْ أُمِّكِ» .

997- (أخبرنا) : الشافعيّ، وذكر أنَّهُ مالكٌ، أَوْ غَيْرُهُ، عن أيُّوبَ، عن ابْنِ سِيرينَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ: -أنَّ رَجُلاً أَتَى النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم، فقالَ يا رسولَ اللَّهِ: إنَّ أُمِّي عجُوزٌ كَبِيرَةٌ، لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرْكَبَ عَلىَ البَعِيرِ وَإنْ رَبَطْتُها خِفْتُ أنْ تَمُوتَ، أفأَحُجُّ عَنْها؟ فقَالَ: رَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم «نَعَمْ» .

998- (أخبرنا) : مالكٌ وغَيْرُهُ، عن أيُّوبَ، عن ابْنِ سِيرينَ: -أنَّ رَجُلاً جَعَلَ عَلَى نَففْسِهِ ألاَّ يَبْلُغَ أحَدٌ مِنْ وَلَدِه الَّذِي قالَ الشَّيْخُ، وقَدْ كَبِرَ الشَّيْخُ، فَجَاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَقال: إنَّ أبي قَدْ كَبِرَ، ولاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَحُجَّ، أفأَحُجُّ عَنْها؟ فقَالَ: رَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم «نَعَمْ» .

999- (أخبرنا) : مُسْلِمٌ، عن ابنِ جُرَيْج، عن عَطَاءٍ: -سَمِعَ النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم رَجُلاً يقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ فُلانٍ، فَقال النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم: "إن كُنْتَ حَجَجْتَ فَلَبِّ عَنْهُ، وإلاَّ فَالحَجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ احْجُجْ عَنْهُ

(ما أحسن أدب الرسول وأحكمه فإن من قلة العقل والذوق أن تؤدي واجب غيرك وأنت مهمل هذا الواجب فأحرى بمن يؤدي واجب غيره أن يؤدي واجب نفسه أولا فليس لأحد أن يحج عن غيره إذا كان لم يحج عن نفسه ويضرني في هذا قول الشاعر: كتاركة بيضها بالعراء * وملحفة بيض أخرى بجناحها ويؤيده الحديثان الآتيان وفيهما زيادة أن المحجوج له قريب الحاج وقد أفاد أنه لا فرق في هذا الحكم بين القريب والغريب فالواجب أن تؤدي أولا عن نفسك ثم تؤدي عمن شئت بعد ذلك من القرباء والغرباء اهـ) .

1000- (أخبرنا) : سُفْيانُ، عن أيُّوبَ، عَنْ أبي قِلابَةَ، قال:

  • سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلاً يقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ: ويْحَكَ، ومَا شُبْرُمَةَ؟ قال: فَذكَرَ قَرَابَةً لَهُ، فقال: أحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قال: لا، قالَ: فَاجْعَلْ هذِهِ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ احْجُجْ شُبْرُمَةَ.

1001- (أخبرنا) : عَبْدُ الوهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عن أيُّوبَ بْنِ أبي تَمِيمَةَ، وخالدٍ الحَذَّاءَ، عَنْ أبي قِلابَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: -أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فقال: ويْلَكَ ومَا شُبْرُمَةَ؟ فقال أحَدُهُما قال أخي، وقال الآخَرُ: فَذكَرَ قَرَابَةً، فقال: أحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ فقال: لاَ، قالَ: فَاجْعَلْ هذِهِ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ احْجُجْ شُبْرُمَةَ.

الباب الحادي عشر في مسائل متفرقة من كتاب الحج

1002- (أخبرنا) : سُفْيانُ، عن عَبْدِ الرحْمن بنِ القاسمِ، عن أبيه، عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنها قالتْ: -خَرَجْناَ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا نَرَى إلاَّ الحَجَّ حَتَّى إذَا كُنَّا بِسَرِفَ، أوْ قَريباً منها حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الَّلهُ عليه وسلم وأناَ أبْكِي، فَقَال: "مَالَكِ أنَفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فقال: إنَّ هذا أمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فاقْضِي ما يقْضي

الحَاجَّ، غَيْرَ ألاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ"قالتْ: وضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَنْ نِسائِهِ البقَرَ (قولها لا نرى إلا الحج أي لا نعتقد أننا نحرم إلا بالحج لأنا كنا نظن امتناع العمرة في أشهر الحج «حتى إذا كنا بسرف» سرف بوزن كتف موضع بين مكة والمدينة بقرب مكة على أميال منها ستة أو سبعة أو تسعة أو أثني عشر هكذا ذكر النووي وابن منظور وإنك لتعجب لسعة الفرق بين هذه الأقوال ولكن يزول عجبك إذا عرفت أنها مقاسات تقريبية على قدر زمانهم وعلمهم ومعروف أنهم كانوا على حالة من البداوة ليس فيها شئ من أدوات المساحة المعروفة الآن هذا وسرف لك صرفه إن قدرته إسم مكان ومنعه إن قدرت البقعة وقوله «أنفست» بفتح النون وضمها لغتان مشهورتان والأولى أفصح والفاء فيهما مكسورة والمعنى أحضت؟ وأما النفاس بمعنى الولادة فيقال منه نفست بضم النون لا غير هكذا ذكر النووي في شرح مسلم والذي في اللسان يخالفه فإنه قال ونفست المرأة (بضم النون) ونفست بكسر الفاء نفاسا ونفاسة وهي نفساء: ولدت ثم قال يقال نفست ونفست فأما الحيض فلا يقال فيه إلا نفست بفتح النون يقال نفست المرأة تنفس بالفتح إذا حاضت ومثله في المصباح) . وقوله «هذا شئ كتبه اللَّه على بنات آدم» تسلية لها وتخفيف لألمها أي أمر عام تشترك فيه جميع نساء كالبول والغائط فلا تبتئسي ولا تحزني «فاقض ما يقضي الحاج» أي اصنعي ما يصنع الحجاج «غير ألا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي وفي رواية حتى تطهري» أي افعلي ما شئت من أعمال الحج عدا الطواف بالبيت هذا ظاهر في أن الحائض والنفساء والمحدث والجنب تصح منهم أفعال الحج وأقواله ما عدا الطواف وركعتيه فلا مانع من وقوفهم بعرفات مثلا وقولها «وضحى رسول اللَّه بالبقر» محمول على أنه صلى اللَّهُ عليه وسلم استأذنهن في ذلك إذ التضحية عن الإنسان لا تجوز إلا بإذنه) .

1003- (أخبرنا) : مالكٌ، عن عَبْدِ الرحْمن بنِ القاسمِ، عن أبيه، عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: -أنها قَدِمَتُ مَكَّة وأنا حَائِضٌ ولَمْ أطُفْ بِالبَيْتِ ولا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذلكَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: افْعلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجَّ، غَيْرَ ألاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي".

1004- (أخبرنا) : مالكٌ، عن عَبْدِ الرحْمن بنِ القاسمِ، عن أبيه، عَنْ عائشةَ: -وذَكَرَتْ إحْرَامَهاَ مَعَ النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم، وأنَّهاَ حَاضَتْ، فَأَمَرَها أنْ تَقْضِي ما يقْضي الحَاجُّ، غَيْرَ ألاَّ تَطُوفَ بِالبَيْتِ، ولا تُصَلِّي حَتَّى تَطْهُرَ.

1005- (أخبرنا) : مُسْلِمٌ، عن ابنِ جُرَيْج، عن عَطَاءٍ: -أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعائشةَ: "طَوَافُكِ بِالبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ (أي أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة لا يتكرران لمن نوى الحج والعمرة بل يكفيه أداؤها مرة واحدة عن الحج والعمرة) .

1006- (أخبرنا) : ابنُ عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي نُجيْحٍ، عن عَطَاءٍ عن عائشة: -عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ ورُبَّمَا قَالَ سُفْيانُ، عَنْ عَطَاءٍ عن عائشةَ، أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لِعَائِشَةَ مِثْلَهُ.

1007- (أخبرنا) : مالكٌ، عن عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ، قال:

  • خَرَجْتُ مَعَ جَدَّةٍ لي عَلَيْها مَشى إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ حَتَّى إذَا كَانتْ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَجَزَتْ فَسَأَلَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فقال: مُرْها فَلْتَرْكَبْ، ثُم لتمشِي مِنْ حَيْثُ عَجَزَتْ قال مالكٌ: وعَلَيْها هَدْيٌ

(كان الأولى بهذا الحديث أن يذكر في باب النذر فإنه منه في الصميم وعلاقته بالحج واهية فقد ذكره هنا لأوهى الأسباب كما يقولون ويؤيد هذا وروده في الموطأ ومسلم في باب النذر ولفظه في الأول عن عروة بن أذينة الليثي أنه قال خرجت مع جدة لي عليها مشى إلى بيت اللَّه حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت فأرسلت مولى لها يسأل عبد الله بن عمر فخرجت معه فسأل عبد اللَّه بن عمر فقال عبد الله بن عمر مرها فلتركب ثم لتمشي من حيث عجزت قال يحي وسمعت مالكا يقول وارى عليها مع ذلك الهدى فظاهر عبارة الموطأ والمسند أن على من نذر أن يمشي إلى بيت اللَّه الوفاء بنذره والذهاب إلى البيت الحرام ماشيا فإن عجز عن المشي ركب وعليه متى قدر أن يعود فيمشي المسافة التي ركبها لقوله ثم لتمشي من حيث عجزت أي تعيد المسافة التي ركبتها ماشية وعليه مع ذلك هدي لقول مالك وأرى عليها مع ذلك الهدي وإنما وجب الوفاء بهذا النذر لأنه عبادة لأن المسألة فيمن نذر أن يحج ماشيا وأما إعادة مشي المسافة التي ركبها للوفاء بما نذر لأنه نذر أن يقطع المسافة ماشيا فإذا طرأ عليه العجز أتحنا له الركوب للضرورة فإذا زالت الضرورة عاد الواجب فشغل ذمته فيتخلص منه بالمشي الذي التزمه وإنما وجب الهدي جبرا لإخلاله بما إلتزم ولو قيل إنه اضطر إلى الركوب اضطراراً وقد جبر النقص الذي طرأ على وفائه بإعادته قطع المسافة ماشيا فلا وجه للوجوب لكان وجيها ولذا قال النووي في شرح مسلم: وهذا الذي ذكرناه من وجوب الدم هو راجح القولين للشافعي وبه قال جماعة والقول الثاني لا دم عليه بل يستحب الدم وفي حديث عقبة بن عامر نذرت أختي أن تمشي إلى بيت اللَّه حافية فأمرتني أن أستفتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فقال لتمشي ولتركب ومعناه تمشي وقد قدرتها على المشي وتركب إذا عجزت عن المشي أو لحقتها مشقة ظاهرة وأما الحفاء الذي التزمته فليس بواجب عليها بل لها لبس النعلين وقد ورد حديث أخن عقبة هذا في سنن أب داود قال إن أختي نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال رسول اللَّه إن اللَّه غني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة فترى الفرق واضحا بين ما أوجبته عبارة مسندنا وعبارة الموطأ من الجمع بين وجوب الإهداء وإعادة المشي بعد القدرة وعبارة حديث مسلم الخالية من الأمرين وعبارة أبي داود الموجبة للإهداء ولهذا اختلفت المذاهب فيما يجب في هذه الحالة ففي الموطأ حدثني مالك عن يحي بن سعيد أنه قال كان على مشي فأصابتني خاصرة «وجع في خاصرتي وقيل وجع في الكليتين» فركبت حتى أتيت مكة فسألت عطاء ابن أبي رباح وغيره فقالوا عليك هدي فلما قدمت المدينة سألت علماءها فأمروني أن أمشي مرة أخرى من حيث عجزت فمشيت قال يحي وسمعت مالكا يقول الأمر عندنا فيمن يقول على مشى إلى بيت اللَّه أنه إذا عجز ركب ثم عاد فمشى من حيث عجز فإن كان لا يستطيع المشي فليمش ما قدر عليه ثم ليركب وعليه هدي بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد إلا هي والواجب في تعذر المشي إلى بيت اللَّه في العمرة أن يمشي حتى يسعى بين الصفا والمروة فإذا سعى فقد فرغ من نذره وفي الحج أن يمشي حتى يفرغ من المناسك كلها قال مالك ولا يكون مشي إلا في حج أو عمرة أي لا يكون نذر المشي واجب الوفاء إلا في الحج والعمرة) .

الباب الثاني عشر في فضل المدينة وما جاء فيها

1008- (أخبرنا) : مَنْ لاَ أَتَّهِمُ، حَدَّثني: إسْحاقُ بن عَبْدِ اللَّه، عَنْ الأسْودِ عن ابن مَسْعود: -أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: المدينةُ بَيْن عَيْنِي السماء عينٍ بالشام وعينٍ باليمن وَهِيَ أقل الأرْضِ مَطراً".

1009- (أخبرنا) : مَنْ لاَ أَتَّهِمُ، أخبرني: يَزيدُ أو نَوْفَلُ بنُ عَبْدِ اللَّه الهاشمي: -أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: أُسْكِنْتُ أقل الأرْضِ مَطراً وهِيَ بَيْن عَيْنِي السماء عينٍ بالشام وعينٍ باليمن (العين السحاب ففي اللسان العين من السحاب ما أقبل عن القبلة أي قبلة العراق والعين مطر أيام لا ينقطع وقيل هو المطر يدوم خمسة أيام أو ستة أيام أو أكثر لا يقلع اهـ والمراد أنها بين سحابي هذين المكانين أو مطريهما أي أنها ابتعدت بوضعها ومكانها من مساقط المطر فلم تتصل بالشام ولا باليمن اللذين يكثر فيهما المطر لذا قل مطرها وهذا الحكم ليس خاصا بالمدينة بل يشمل سائر بلاد الحجاز واللَّه أعلم حامد مصطفى) .

1010- (أخبرنا) : مَنْ لاَ أَتَّهِمُ، أخبرني: سُهَيلُ بنُ أبي صالح، عَنْ أبيه عَنْ أبي هُرَيْرَةَ: -أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: يُوشِكُ أنْ تمطر المدينة مطراً لا يُكِنُّ أهلها البُيُوتُ ولا يُكِنُّهم إلا مظالُّ الشَّعَرِ (لا يكنهم إلا مظال الشعر جمع مظلة لأن بيوت المدر يذيبها المطر الغزير ويهدمها وقد فسرته الرواية الأخرى بدوامه أربعين ليلة وأقل من هذا كاف في هدم بيوت المدر كما نشاهد في قرانا المصرية وهو أخبار منه صلى الله عليه وسلم بما يسقع وهو ضرب من الإعجاز لأنه كان يقع كما أخبر به) .

1011- (أخبرنا) : مَنْ لاَ أَتَّهِمُ، أخبرني: صَفْوانُ بنُ سُلَيْم: -أنَّ النبي

صلى الله عليه وسلم قال: يُصِيبُ أهلُ المدِينةِ مَطَرٌ لا يُكِنُّ أهلها بَيْتٌ مِنْ مَدَرٍ (المدر قطع الطين اليابس وقيل الطين العلك الذي لا رمل فيه واحدته مدرة) .

1012- (أخبرنا) : مَنْ لاَ أَتَّهِمُ، حَدَّثني: يُونُسُ بنُ جُبَيْر، عن أبي أُممَامَةَ ابْن سَهل بن حُنَيْفٍ عن يُوسُفَ بن عَبْدِ اللَّه بن سلاَّم عن أبيه قال: -تُوشِكُ المدِينةُ يُصِيبُها مَطَرٌ أرْبَعين لَيلَةً لا يُكِنُّ أهلها بَيْتٌ مِنْ مَدَرِ.
بعون اللَّه تعالى وتوفيقه وبركة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم تم قسم العبادات وهو يحتوي على ألف واثني عشر حديثا ويليه قسم المعاملات.

ترتيب مسند الإمام المعظم والمجتهد المقدم أبي عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي رضي اللَّه عنه المتوفي سنة 204 هـ

الجزء الثاني

جارٍ التحميل