مسند الشافعي - ترتيب السنديصفحات 255-268

كتاب الصوم وفيه خمسة أبواب

صفحات 255-268
عن هذه الطبعة
عَلَم
الشافعي
الكتاب
مسند الإمام الشافعي
المؤلف
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ)رتبه على الأبواب الفقهية: محمد عابد السنديعرف للكتاب وترجم للمؤلف: محمد زاهد بن الحسن الكوثري تولى نشره وتصحيحه ومراجعة أصوله على نسختين مخطوطتين: السيد يوسف علي الزواوي الحسني، السيد عزت العطار الحسيني
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنانعام النشر: 1370 هـ - 1951 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الباب الأول فيما يفسد الصوم وما لا يفسده

685- (أخبرنا) : عَبْدُ الوهَّاب، عن خالدٍ الحَذَّاء، عن أبي قِلاَبَةَ، عن أبي الأشْعَثِ، عن شَدَّادِ بن أوْسٍ قال: -كنا مع رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم زمانَ الفتح فرأى رَجلاً يحتجمُ لثمانَ عَشْرَةَ خلت من رمضان فقال: وهو آخذٌ بيدي: "أفطَرَ الحاجِمُ وَالمحجومُ (حجمه يحجمه من بابي ضرب ونصر حجما: مصه فهو حاجم وذاك محجوم والحجم: المص والحجام المصاص والمحجم والمحجمة بكسرهما ما يحجم به ومعنى أفطر الحاجم والمحجوم: تعرضا للإفطار أما المحجوم فلضعفه بخروج دمه فربما أعجزه ذلك عن الصوم وأما الحاجم فلأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه شئ من الدم فيبلعه وقيل هذا على سبيل الدعاء عليهما أي بطل أجرهما فكأنهما صارا مفطرين وهذان المعنيان يفيدان كراهة الحجامة في الصيام للحاجم والمحجوم وبهذا صرف لفظ الحديث عن ظاهره وبه أخذ الجمهور ومنهم الحنفية والمالكية والشافعية فلا يفطر الحاجم ولا المحجوم عندهم وإنما يكره لهما ذلك لضعف المحجوم وتعرض الحاجم للفطر وبعضهم أخذ بظاهره ولم يؤوله فقال إنهما يقضيان صومهما ومنهم أحمد وإسحاق وبعض الصحابة والتابعين وعمدة الجمهور في هذا على حديث ابن عباس الذي يلي هذا وهو أن مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم احتجم محرما صائما وحديث ابن عمر بعده وحديث أنس بالبخاري) .

686- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن يَزِيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مَقْسِم، عن ابن عباس: -أنَّ مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم احْتَجَمَ مُحْرِماً صائماً.

687- (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمَرَ: -أنه كان يَحْتَجِمُ وَهُو صائمٌ ثم تَرك ذلك (لأنه رآه يضعفه عن الصوم وهو مؤيد لرأي الجمهور لحديث ابن عباس السابق) . قال الشافعي رضي اللَّه عنه: ومن تَقَيَّأَ وهو صائمٌ وجَبَ عليهِ القضاءُ ومن ذَرَعَهُ القئُ فلا قَضَاءَ عليه (تقيأ أي تكلف القيء وجب عليه قضاء يومه ومن ذرعه القيء أي سبقه وغلبه فلا قضاء عليه لأن ذلك لم يكن باختياره وعلى هذا جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة غير أن الحنفية شرطوا في الإفطار أن تكون المادة الخارجة ملء الفم وشذ ابن مسعود وعكرمة وربيعة فقالوا: لا يفسد الصوم بالقيء مطلقا ما لم يرجع منه شئ باختياره ولعلهم استدلوا بما رواه البخاري موقوفا «الفطر مما دخل وليس مما خرج» ) وبهذا الإسناد قال: أخبرنا: مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عُمَرَ.

688- (أخبرنا) : مالكٌ، عن هِشَام بن عُرْوَةَ، عن أبيه عن عائشة: أنها قالت: -إن كان رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم لَيُقَبِّلَ أزْوَاجَه وهُو صائمٌ ثمَّ تَضْحَكُ (سيأتي قريبا أن ابن عباس سئل عن القبلة للصائم فأرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب ويفهم من هذا أن المدار على ضبط النفس والقدرة على كبحها فهذا ميسور للشيخ دون الشاب الذي تغلب عليه شهوته لحدتها فيوشك أن يخسر صيامه إذا ما قبل وأما مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فكان أملك الناس لأربه وأقدرهم على ضبط نفسه لهذا ثبت أنه كان يقبل زوجاته وهو صائم) .

689- (أخبرنا) : مالكُ بنُ أنَسٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ: -أنَّ رَجُلاً قَبَّلَ امرأتَهُ وهُو صائِمٌ فَوَجَدَ (وجد هنا بمعنى حزن وفيها لغات فتح عينها والكسر والضم كما في التاج) من ذلك وَجْداً شَدِيداً

فأرْسَلَ امْرَأتَهُ تَسْألُ عن ذلكَ فَدَخَلَتْ على أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ المؤمنينَ فَأَخْبَرَتْها فقالتْ أُمِّ سَلَمَةَ إنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يُقَبِّلَ وهُو صائمٌ فَرَجَعَتِ المرأةُ إلى زَوْجِها فَأَخْبَرَتْه فَزَادَه ذلك شَرًّا وقال: لَسْنَا مِثْلَ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يُحِلُّ اللَّهُ تعالى لرسوله ما شاء فَرَجَعَتِ المرأةُ إلى أُمِّ سَلَمَةَ فَوَجَدَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم عِنْدَهَا فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم: "ما بالُ هذِهِ المرأةِ؟ فَأَخْبَرَتْه أُمِّ سَلَمَةَ فقال: ألاَ أُخبرتها (ألا بالتخفيف أو التشديد للتحضيض) أنِّي أفْعَلُ ذلكَ قَالتْ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ أُخْبَرْتُها فَذَهَبَتْ إلى زَوْجِها فَأَخْبَرَتْه فَزَادَه ذلك شَرًّا وقال: لَسْنَا مِثْلَ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يُحِلُّ اللَّهُ تعالى لرسوله ما شاء فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم وقَالَ: واللَّهِ إنِّي لأَتْقاكُمْ للَّلهِ وأعْلمُكمْ بِحُدُودِه".

690- (أخبرنا) : مالكُ بنُ أنَسٍ، عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ: -أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضيَ اللَّهُ عنهما سُئِلَ عن القُبْلَةِ للصائِم فَأرْخَصَ فيها للشيخ وكرهها للشَّاب

(الرخصة التسهيل في الأمر والتيسير يقال رخص لنا الشارع في ذكا ترخيصاً وأرخص لنا فيه إرخاصاً إذا يسره وسهله وحكمة التفرقة في التقبيل بين الشيخ والشاب واضحة وفي نهاية ابن الأثير أنه كان يقبل ويباشر وهو صائم أراد بالمباشرة الملامسة وأصله من لمس الرجل بشرة المرأة وقد جاز ذلك لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لأنه كما قالت عائشة كان أملككم لأربه وأما غيره فهيهات أن يملك من أمر نفسه ما يملك الرسول لذلك قالوا بالكراهة أن أمن الوقوع في المحرم فإن علمه أو ظنه أو شك فيه حرمت المباشرة وبه قال مالك والشافعي وأحمد وقال الحنفية أن أمن المحرم وهو الجماع أو الإنزال فلا كراهة في المباشرة وإلا كرهت وأخذ الجمهور بالأحوط) .

691- (أخبرنا) : مالكٌ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الرحمنِ بنِ مَعْمَرٍ الأَنْصَارِيِّ، عن أبي يُونسَ مولى عائشة أُمِّ المؤمنينَ، عن عائشةَ: -أنَّ رَجُلاً قالَ لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهُو واقفٌ على البابِ وأناَ أسْمَعُ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أُصْبِحُ جُنُباً وأنَا أُرِيدُ الصّومَ فاغتسلُ وأصومُ ذلكَ اليوم فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم: «وأنا أُصْبِحُ جُنُباً وأنَا أُرِيدُ الصّومَ فاغتسلُ وأصومُ ذلكَ اليومَ (فهم من الحديث وما بعده أن الجنابة لا تضر الصوم ولا تنافيه سواء أكانت من جماع أم من احتلام فإذا جامع الصائم ليلا وظل على جنابته نهارا فلا يفسد صومه وكذلك إذا احتلم وهو صائم أما إذا أنزل بالاستمناء أو بتعمد النظر فإنه يفطر وهو مذهب الجمهور سلفا وخلفاً وفهم منه أن التطهر من الجنابة مطلوب وإن كانت لا تنافي الصوم) » .

692- (أخبرنا) :) : مالكٌ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الرحمنِ بنِ مَعْمَرٍ الأَنْصَارِيِّ عن أبي يُونسَ مولى عائشة أُمِّ المؤمنينَ، عن عائشةَ: -أنَّ رَجُلاً قالَ للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم وهي تَسْمَعُ إنِّي أُصْبِحُ جُنُباً وأنَا أُرِيدُ الصيامَ فقالَ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم وأنا أُصْبِحُ جُنُباً وأنَا أُرِيدُ الصيامَ فأغْتَسِلُ ثم أصومُ ذلكَ اليومَ فقال الرجلُ: إنكَ لَسْتَ مِثْلَنا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تقدم من ذنبكَ وما تَأَخَّرَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم وقَالَ: واللَّهِ إنِّي لأَرْجُوا أن أكونَ أخْشَاكُمْ لِلَّلهِ وأعْلَمكُمْ بما أَتَّقِي".

693- (أخبرنا) : سُفيانُ أخبرنا: سُمى مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث عن عائشةَ أنها قالت: -كان النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم يُدْرِكه الصُّبْحُ وهُو جُنُبٌ فَيَغْتَسِلُ ويَصُومُ يَومَهُ.

694- (أخبرنا) : مالكٌ، عن سُمى مولى أبي بكر أنه سَمِعَ أبا بكر بنَ عَبْدِ الرحمنِ يقُولُ: -كُنْتُ أنا وأبي عند مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ وهُو أميرُ المدينةِ فَذَكَرَ له أنَّ أبا هُرَيرَةَ رضي اللَّهُ عنهُ يقُولُ: منْ أصْبَحَ جُنُباً أفطَرَ ذلكَ اليومَ فقالَ مَرْوَانَ أقسمْتُ عَليكَ يا عَبْد الرحمنِ لَتَذْهَبَنَّ إلى أُمِّي المؤنينَ عائشةَ وأُمِّ سَلَمَةَ فَلَتَسْأَلَنَّهُما عن ذلك فقال أبو بكر: فذهب عبدُ الرحمن: وذهبتُ معهُ حتى دخلنا على عائشةَ رضي اللَّه عنها فَسَلَّمَ عليها عَبْدُ الرحمن فقال: يا أُمَّ المؤمنينَ إنَّا كُنّا عند مَرْوَانَ فَذُكِرَ له أنَّ أبا هُرَيرَةَ قال: منْ أصْبَحَ جُنُباً أفطَرَ ذلكَ اليومَ فقالَتْ عائشةُ: لَيْسَ كما قال أبو هُرَيرَةَ يا عبد الرحمن: أتَرْغَبُ عَما كان رسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَفْعَلُهُ؟ قال عبدُ الرحمن: لا واللَّهِ يا عائشةُ فقالت عائشةُ فَأَشْهَدُ على رسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنْ كان لَيُصْبح جُنُباً من جِماع غَيْرَ احْتلامٍ ثُمَّ يَصُومُ ذلكَ اليومَ قال: ثمَّ خَرَجْنا حتى دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ رضي اللَّهُ عنها فسألها عن ذلك فقالتْ أُمِّ سَلَمَةَ مثلَ ما قالتْ عائشةُ فخَرَجْنا حتى جِئْنَا مَرْوانَ فقال ما قالتا؟ فأخبَرهُ فقال مَرْوَانُ أقسمْتُ عَليكَ يا أبا أحمد لَتَرْكبَنَّ دابَّتِي فَلَتَأْتِيَنَّ أبا هُرَيرَةَ فَلَتُخْبِرَنَّهُ بذلك

فَرَكِبَ عَبْدُ الرَّحْمن ورَكِبْتُ مَعَهُ حتى أتَيْنَا أبا هُرَيرَةَ فَتَحَدَّثَ معهُ عَبْدُ الرَّحْمن ساعةً ثمَّ ذكَرَ لهُ ذلك فقال أبو هُرَيرَةَ: لا عِلْمَ لي بذلكَ إنما أخْبَرَنيه مُخْبر (المخبر الذي أخبره بقوله من أدركه الفجر جنبا فلا يصم وفي رواية أفطر هو الفضل ابن عباس قال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم وفي رواية أخرى أسامة بن زيد ويحمل على أنه سمعه منهما وفي مسلم فقال أبو هريرة: أهما (عائشة وأم سلمة) قالتاه لك؟ يخاطب عبد الرحمن قال نعم قال: هما أعلم قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك وقد أجمع علماء الأمصار على صحة صوم الجنب سواء أكان من احتلام أم من جماع وإنما رجع أبو هريرة عما رواه لأنه رأى أن حديث عائشة وأم سلمة أولى بالإعتماد لأنهما أعلم بمثل هذا من غيرهما ولأنه موافق لقوله تعالى (فالآن باشروهن) الآية فقد أجازت الجماع إلى طلوع الفجر وهذا يستلزم أن يصبح جنبا ويصح صومه وأما الحديث الذي رواه مخالفاً لذلك فيمكن حمله على من أدركه الفجر مجامعا فاستمر في جماعه فإنه يفطر أو نقول إنه إرشاد إلى الأفضل وإنما تركه الرسول أحيانا للبيان والتعليم كما ترك الطواف ماشيا وطاف راكبا في بعض الأحيان مع أنه خلاف الأفضل لكن البيان يجعله أفضل وقد قيل أن حديث أبي هريرة كان في أول الإسلام حين كان الجماع محرما في الليل بعد النوم كالطعام والشراب ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة فكان يفتي به حتى بلغه الناسخ فرجع إليه) .

695- (أخبرنا) : مالكٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن حُمَيْدٍ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ، عن أبي هُرَيرَةَ: -أنَّ رَجُلاً أفطَرَ فِي شَهرِ رَمضانَ (أفطر في رمضان أي عامداً بجماع كما فسره الإمام الشافعي عقب هذا الحديث) فأمَرَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلم بِعِتْقِ رَقَبَةٍ (أمره الرسول بعتق رقبة أي بتحريرها من الرق وذلك بأن يعتقها إن كانت مملوكة أو بعد أن يشتريها ومن هذا وأمثاله تتجلى رغبة الدين الإسلامي قوية في مناهضة الرق والعمل على تحرير الأرقاء فقد شرع في كفارات كثيرة وحث عليه القرآن بقوله (العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة) هذا وربما قيل لماذا عبر بالعتق والمقام يقتضي الإعتاق الذي هو فعل المفطر أما العتق فأثر الأعتاق وهو قائم بالمعتق أي المحرر والجواب أنه يقال أعتق العبد عتقا فأقاموا مصدر الثلاثي مقام مصدر الرباعي كما قالوا أعطى عطاء ولم أر منهم من صرح بمصدر الرباعي وهو الإعتاق والعتق بالكسر والفتح والعتاق والعتاقة بفتحهما مصدر عتق العبد من باب ضرب أي صار حرا وقيل العتق بالفتح مصدر وبالكسر إسم) أو صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أو إطْعَامِ

سِتِّينَ مِسْكِيناً فقالَ: إني لا أجِدُ فَأُتِيَ النبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِعَرَقِ تَمْرٍ فقال: خُذْ هذا فَتَصَدَّقْ به فقال يا رسولَ اللَّهِ: ما أحَدٌ أحْوَجَ مِنِّي فَضَحِكَ النبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم حتى بدَتْ ثناياهُ ثم قال: «كُلْهُ» (العرق بفتحتين القفة والثنايا الأضراس الأربع التي في مقدم الفم ثنتان فوق ثنتان تحت وفي هذا الحديث إجمال في قوله فأمره رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا فقال إلى لا أجد لآن عدم الوجود إنما يصلح في العتق والإطعام دون الصيام وقد جاءت رواية مسلم أوضح وأتم فإنه قال هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع أن صوم شهرين متتابعين قال لا قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا إلخ ومذهب الشافعي والعلماء كافة وجوب الكفارة على من جامع عامدا في نهار رمضان وهي عتق رقبة فإن عجز فإطعام ستين مسكينا كل مسكين مد من طعام فإن عجز فهناك قولان للشافعي أحدهما لا شئ عليه وإن قدر بعد ذلك وحجته أن الرسول لم يقل له أن الكفارة باقية في ذمته بل أذن له في إطعام عياله والآخر وهو الصحيح عند الشافعية أن الكفارة باقية في ذمته حتى يمكنه أداؤها كغيرها من الديون وليس في الحديث ما ينافي ذلك بل فيه ما يدل عليه وهو أنه أمره بعد إعطائه التمر بإخراجه في الكفارة فلو كانت تسقط بالعجز ما أمره بإخراجها وإنما أذن له في أكله لشدة فاقته وإنقاذ أولاده ووجوبها على التراخي) ". قال الشافعي رضي اللَّه عنه وكان فطره بِجِمَاع.

696- (أخبرنا) : مالكٌ، عن عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ قال: -أتَى أعْرَابِيٌّ إلى النبيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو يَنْتِفُ شَعْرَهُ ويضرب نحره

ويقولُ: هَلَكَ الأبْعَدُ (الأبعد المتباعد عن الخير والعصمة والأبعد: الخائن) فقال النبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم: «وما ذاك؟» قال: جامَعْتُ أهْلي في رمَضَانَ وَأنا صاَئِمٌ فقال رَسولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم: "هل تَسْتَطيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟ قال: لا قال فهل تَسْتَطيعُ أنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً؟ (البدنة تطلق على الجمل والناقة والبقرة وهي بالإبل أشبه وسميت بدنة لعظمها وسمنها ولم يرد إهداء البدنة في مسلم وحكى عن الحسن أن الصائم مخير بين عتق رقبة ونحر بدنة أخذا بهذا الحديث قال ابن الأثير في شافي العي ولا قائل بذلك) قال: لا قالَ: «فاجْلِسْ» قال: فَأُتِيَ النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم بِعَرَقِ تَمْرٍ فقال: «خُذْ هذا فَتَصَدَّقْ به» قال: ما أحَدٌ أحْوَجَ مِنِّي قال: «فَكُلْهُ وصُمْ يوماً مَكَانَ مَا أصبْتَ» قال عَطَاءٌ: فسألتُ سَعِيداً؟ كم في ذلك العَرَق قال: ما بين خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعاً إلى عشرين.

الباب الثاني فيما جاء في صوم التطوع

697- (أخبرنا) : ابْنُ عُيَيْنَةَ، أنه سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بن أبي يزيد يقول سمعتُ ابنَ عَباس يقولُ: -ما عَلِمْتُ رسولَ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم صامَ يَوْماً يَتَحَرَّى صِيَامَه (التحري القصد والإجتهاد في الطلب أي أنه صلى اللَّه عليه وسلم كان أكثر قصداً لصوم هذا اليوم وأقل ما يفيده ذلك استحباب صومه وسيأتي لهذا الكلام مزيد بيان) على الأيام إلا هذا اليومَ يعني: يَوْمَ عَاشُورَاءَ.

698- (أخبرنا) : ابنُ أبي فُدَيْكٍ عن ابن أبي ذِئْبٍ عن الزُّهْري عن

عُرْوَة عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: -كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَصُومُ عاشوراء (قال ابن الأثير: عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم وقيل: هو التاسع وفي القاموس والعاشوراء والعشوراء يقصران والعاشور: عاشر المحرم أو تاسعه وفي اللسان: وعاشوراء وعشوراء ممدودان: اليوم العاشر من المحرم وقيل التاسع وهو مذهب ابن عباس: فعاشوراء عنده تاسع المحرم وبه أخذ بعض العلماء والمشهور من أقاويل العلماء سلفهم وخلفهم أن عاشوراء عاشر المحرم وتاسوعاء تاسعه لأنه صلى اللَّه عليه وسلم صام عاشوراء فقيل له أن اليهود والنصارى تعظمه فقال: فإذا كان العام المقبل صمنا التاسع فإنه يدل على أنه كان يصوم ما صامه وقيل أراد ترك العاشر وصوم التاسع وحده لمخالفة أهل الكتاب وفيه نظر لقوله عليه الصلاة والسلام «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود صومواقبله يوما وبعده يوما» ومعناه صوموا معه يوما قبله أو بعده حتى تخرجوا عن التشبه باليهود في إفراد العاشر واختلف هل كان صومه واجبا ونسخ بصوم رمضان أو لم يكن واجبا قط واتفقوا على أن صومه سنة اهـ فيومي في مصباحه أقول والقول بأن عاشوراء هو عاشر المحرم هو الموافق للإشتقاق ويؤيده عدة أحاديث في مسلم وغيره وعليه الجمهور والأئمة الأربعة وإن كان يرى أحمد والشافعي صوم التاسع مع العاشر لأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم نوى صومهما معا إن عاش ألا ترى إلى قوله: لئن سلمت إلى قابل لأصومن التاسع أي مع العاشر وفي رواية لئن بقيت إلخ) ويَأمُرُ بِصِيَامِهِ.

699- (أخبرنا) : مالكٌ عن هِشَامِ بن عُرْوَة عن أبيه عن عائشة رضي اللَّه عنها أنها قالت: -كان يومُ عاشوراءَ يوماً تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الجاهليةِ وكان النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم يَصُومُهُ في الجاهليةِ فلما قَدِمَ النبي صلى اللَّه عليه وسلم المَدِينَةَ صَامَهُ وأمَرَ بِصِيَامِهِ (ظاهر الحديث أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يتابع قومه في صوم هذا اليوم قبل النبوة فلما هاجر إلى المدينة أمرهم بصومه فلما فرض اللَّه صيام رمضان صار هو الفرض فخيرهم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بين صوم يوم عاشوراء وفطره بعد ذلك ثم حثهم بعد ذلك على صومه فصار صومه سنة بتلك الأحاديث الواردة في غير كتابنا ففهمنا أن صوم هذا اليوم كان فرضا ثم خيروا فيه فترة ثم ندبوا إلى صيامه) فلما فُرِضَ رَمَضَانُ كانَ هُوَ الفَرِيضة

وتَرَكَ يَوْمَ عاشوراءَ فَمَن شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهْ (لو كان الأمر مقصورا على هذا الحديث لما كان صوم هذا اليوم سنة باتفاق ولكن وردت أحاديث تحث على صومه كقوله «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود» وقوله «لئن سلمت إلى قابل لأصومن التاسع وفي رواية تاسوعاء» ) .

700- (أخبرنا) : يَحْيَ بنُ حَسّانَ، عن اللّيْثِ يَعني ابنَ سَعْدٍ، عن نافع عن ابن عُمَرَ قال: -ذُكِرَ عِنْدَ رسولِ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يَوْمُ عاشُورَاءَ فقال النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم "كانَ يَوْماً تَصُومُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ فَمَنْ أحَبَّ منكم أنْ يَصُومَهُ فَليَصُمْهُ ومن كرِهَهُ فَلْيَدَعْهُ.

701- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن الزُّهْري، عن حُمَيْدِ بنِ عبد الرَّحمن قالَ: -سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سفيان يَوْمَ عاشُورَاءَ وهو عَلَى المِنْبَرِ مِنْبَرِ رسولِ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وقد أخرج من كُمِّهِ قُصَّةً من (في المصباح القصة بالضم: الطرة وهي هنا الطائفة من الشعر التي تستعيرها المرأة لتزيد بها شعرها وتتحلى بها وهذه المرأة تسمى الواصلة وقد نهى الرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن هذا العمل فقال لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة وقد أخذت الغيرة الدينية معاوية حين شاهد النساء يعمدن إلى هذه الخلة وخشي أن يفتن الشبان ويصرفن الرجال بها عن الجد إلى الهذيان فحذرهم عواقبها وذكرهم بما أصاب بني إسرائيل من نتائجها فليت شعري ما هو قائل لو بعث الآن ورأى ما صارت إليه نساؤنا من تبرج واضح وتهتك فاضح حتى النساء بل بعض الفتيات شبه عاريات يمشين متكسرات ويجلسن مدخنات بل يشربن الخمور ويراقصن غير البعول) شَعْر يَقُولُ: أيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ أهْلَ المدِينةِ لَقَدْ سَمِعْتُ رسولَ اللَّه صلى اللَّهُ عليهِ وسلم يَنْهَى عن مثل هذه ويقولُ: «إنما هَلَكَ بَنُو إسرائيلَ حِينَ اتَّخَذَتها نساؤُهُمْ» ثم قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه صلى اللَّهُ عليهِ وسلم في مثل هذا اليوم يَقُولُ: «إنِّي صائمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ» .

702- (أخبرنا) : مالكٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن حُمَيْدِ بنِ عبد الرَّحمن:

  • أنه سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سفيان عامَ حَجَّ وهو عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه صلى اللَّهُ عليهِ وسلم يَقُولُ: «هذا اليوم هذا يومُ عاشوراءَ لم يَكْتُبِ اللَّهُ عليكم صِيامَه وأنا صائمٌ فَمَنْ شَاءَ منكم فَلْيَصُمْ ومن شاءَ فَلْيُفْطِرْ» .

703- (أخبرنا) : مالكٌ، عن يَحْيَ بنِ سَعِيدٍ، عن أبي سَلمَة أنه سَمِعَ عائشةَ تقُولُ: -إنْ كانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصَّومُ من رمضانَ فَمَا أَسْتطيع أن أصُومَه حتى يأتِيَ شَعْبَانُ (ويفهم من الحديث أن قضاء الصوم لا يجب على الفور إذا فات الإنسان لعذر وهو مذهب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماهير السلف والخلف لكن قالوا لا يجوز تأخيره عن شعبان الذي يليه وخالفهم داود فقال: يجب المبادرة بقضائه وهو محجوج بهذا الحديث لكنهم متفقون على أن يكون صادق العزم على قضائه وإلا حنث بالتأخير وهذا كله في القادر على القضاء أما العاجز فعذره في التأخير مقبول) .

704- (أخبرنا) : الدَّارَاوَرْدِي، عن يَزِيدَ بنِ الهاد، عن عَبْدِ اللَّه بن أبي سَلَمَةَ، عن عمْرِوبنِ سُلَيْم الرَّقى، عن أُمِّهِ قالت: -بَيْنَمَا نَحُنُ بِمِنًى وإذا عليّ بن أبي طالب عَلَى جَمل يَقُولُ: إنَّ رسولَ اللَّه صلى اللَّهُ عليهِ وسلم قال: «إنَّ هَذِهِ أيَّامُ (يريد بهذه الأيام أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر سميت بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها أي تقديرها بنشرها في الشمسوفي مسلم قال رسولَ اللَّه صلى اللَّهُ عليهِ وسلم» أيام التشريق أيام أكل وشرب وفي رواية أيام منى"وفيه دليل على أنه لا يصح صومها بحال وهو أظهر القولين في مذهب الشافعي وبه قال أبو حنيفة) فلا يَصُومَنَّ أحَدٌ فاتَّبَعَ النَّاسَ وهُو

عَلَى جَمَلٍ يَصْرُخُ فيهم بذلك.

705- (أخبرنا) : مُسْلِمُ بنُ خالدٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن ابنِ شِهابٍ:

  • الحديث الذي رويته عن حَفْصَةَ وعائشةَ أنَّهما أصْبَحَتَا صائمتينِ فأُهْدِيَ لهما شئٌ فَأَفْطَرَتَا فَذَكَرتا ذلكَ للنبي صلى اللَّهُ عليهِ وسلم فقال: «صُومَا يَوْماً مكانه» (أي لا بأس عليكما في الإفطار ولكن صوما يوما آخر بدله عن طريق الندب لا الإيجاب فان للبدل حكم الأصل وقد كان مندوبا فكذلك ما قام مقامه وأفاد الحديث أن للصائم متطوعا الفطر وإن كان يندب إعادة هذا اليوم وعلى هذا جمهور العلماء من السلف والخلف ومنهم الشافعي وأحمد وقال بعضهم يجب القضاء لأن من شرع في نفل فأفسده وجب عليه قضاؤه لوجوبه بالشروع فيه ولقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) قال الجمهور: الإبطال المنهي عنه ما كان سببه الرياء) قال ابنُ جَرَيْج: فقلتُ له أسَمِعْتَهُ من عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ؟ فقال: لا إنما أخبرنيه رجُلٌ ببابِ عَبْدِ الملك بنِ مَرْوانَ أو رجُلٌ من جُلَساءِ عَبْدِ الملك بنِ مَرْوانَ.

706- (أخبرنا) : سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن طَلْحَةَ بن يَحْيَ بن طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن عَمَّتِه عائشةَ بنتِ طَلْحَةَ، عن عائشة أُمِّ المؤمنين رضي اللَّه عنها قالت: -دخل عَلَيَّ رسولُ اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم فقلتُ: إنَّا خَبَّأْنا لك حَيْساً (الحيس تمر ينزع نواه ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد وربما جعل معه سويق والحديث وما بعده كالذي قبلهما في جواز إفطار الصائم تطوعا) فقال: «أمَا إنّي كنتُ أُرِيدُ الصَّومَ ولكن قَرِّبيه» .

707- (أخبرنا) : مُسْلِمُ وعَبْد المجِيد، عن ابن جُرَيْج، عن عَمْرِ بنِ دينارٍ قال: -كان ابنُ عباس لا يَرَى بالإفطار في صيام التطَوُّع بَأْساً.

708- (أخبرنا) : مُسْلِمُ بن خالدٍ، وعَبْد المجيد بنُ عبد العزيز بن أبي رُواد، عن ابن جُريْج، عن عَطَاءٍ بن أبي رَبَاحٍ: -أنَّ ابنَ عباسٍ كان لا يَرى بَأْساً أنْ يُفْطِرَ الإنسانُ في صِيامِ التَّطَوُّع ويضْرِبُ لذلك مَثَلاً رجُلٌ طاف سَبعاً (قوله ولم يوفه بعد قوله طاف سبعا يحملنا على أن نفهم أن المراد أنه أراد أن يطوف سبعا لا أنه طاف بالفعل وإلا لما صح قوله بعد ذلك ولم يوفه) ولم يُوَفِّهِ فلَهُ ما احْتَسَبَ (الإحتساب طلب الأجر والاسم الحسبة بالكسر وهو الأجر وفي الحديث «من صام رمضان إيمانا واحتسابا» أيطلبا لوجه اللَّه وثوابه فقوله «له ما احتسب» أي له ما طلب من الأجر والثواب) أو صَلَّى ركعةً ولم يُصَلّ أُخْرَى فَلَهُ أجْرُ ما احْتَسَب.

الباب الثالث فيما جاء في صوم المسافر

709- (أخبرنا) : مالكٌ، عن هِشَامِ بن عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: -أنَّ حَمْزَةَ بنَ عَمْرو الأسْلمي قال يا رسولَ اللَّهِ: أصُومُ في السَّفَرِ؟ وكان كثيرَ الصِّيَام فقال رسولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلَّم: "إنْ شِئْتَ فَصُمْ وإنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ

(الأحاديث الواردة في هذا الباب: أعني باب صيام المسافر في رمضان مختلفة المفهوم والدلالة فبعضها يفيد بظاهره عدم صحة الصوم وأكثرها يفيد صحة الصوم ومن هذه الكثيرة ما يرجح جانب الفطر ومنا مايرجح جانب الصيام ومنها ما يفيد استواء الأمرين ولهذا تعددت المذاهب في المسألة بتعدد هذه الجهات فذهب بعض الظاهرية إلى فساد صوم المسافر أخذا بظاهر قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر) الآية ولقوله صلى اللَّهُ عليه وسلَّم: «ليس من البر الصيام في السفر) ولقوله في حديث آخر (أولئك العصاة) وعلى هذا فيجب على من صام في سفره القضاء وذهب مذهب جمهور العلماء إلى جواز الصوم وصحته وإجزائه وهؤلاء اختلفوا فرأى الأكثرون منهم تفضيل الصوم على الفطر عند استطاعته بلا مشقة وعدم التضرر به ومن هؤلاء مالك وأبو حنيفة والشافعي فإن تضرر فالفطر أفضل واحتجوا بصوم الرسول وعبد اللَّه بن رواحة وغيره ولأنه تحصل به براءة الذمة في الحال ورأى أقلهم تفضيل الفطر ومن هؤلاء أحمد وإسحاق والأوزاعي وسعيد بن المسيب واحتجوا بما احتج به أهل الظاهر وبقوله صلى اللَّهُ عليه وسلَّم» هي رخصة من اللَّه فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"فظاهره ترجيح الفطر وأجاب الأكثرون بأن هذا فيمن يخاف ضررا أو يجد مشقة واعتمدوا حديث أنس الآتي بعد هذا وغيره الذي صرح فيه بأن بعضهم كان يصوم وبعضهم كان يفطر فى يعيب فريق فريقا وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الأمرين سيان أعني الفطر والصيام لتعادل الأحاديث ورجح النووي مذهب الأكثرين واللَّه أعلم) .

710- (أخبرنا) : مالكٌ، عن حُمَيْدٍ الطويل، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: -سَافَرْنَا مع رسولِ اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم في رمضانَ فلم يَعِبِ الصائمُ عَلَى المُفْطرِ ولا المُفْطِرُ عَلَى الصائم.

جارٍ التحميل