مسند الشافعي - ترتيب السنديصفحات 166-179

كتاب الصلاة وفيه ثلاثة وعشرون بابا

صفحات 166-179
عن هذه الطبعة
عَلَم
الشافعي
الكتاب
مسند الإمام الشافعي
المؤلف
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ)رتبه على الأبواب الفقهية: محمد عابد السنديعرف للكتاب وترجم للمؤلف: محمد زاهد بن الحسن الكوثري تولى نشره وتصحيحه ومراجعة أصوله على نسختين مخطوطتين: السيد يوسف علي الزواوي الحسني، السيد عزت العطار الحسيني
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنانعام النشر: 1370 هـ - 1951 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

483- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود الأنصاري قال: -انكسفت الشمسُ يومَ مات إبراهيم بن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ اللَّه تعالى لا ينكسفانِ لموْتِ أحدٍ ولا لحياتهِ فإذا رَأيتم ذلِكَ فافْزَعوا إلى ذكر اللَّه تعالى وإلى الصّلاة» .

484- (أخبرنا) : إبراهيم بن محمد حدثني: عبدُ اللَّه بن أبي بكر عن عمرو أوعن صفوان أن عبد اللَّه بن صفوان قال: -رَأيْتُ ابن عباس صَلَّى على ظَهرِ زَمْزَمَ لخسوف الشمس والقمر ركعتين في كل ركعة ركعتان (قوله صلى لخسوف الشمس والقمر أي لهذا مرة ولذلك أخرى إذ أن وقتهما مختلف فالخسوف بالليل والكسوف بالنهار هذا وقد ورد الخسوف في الحديث كثيراً للشمس والمعروف لها في اللغة الكسوف فأما إطلاقه في مثل هذا الحديث فتغليبا للقمر على الشمس لتذكيره وتأنيثها وللمعاوضة أيضا فإنه قد جاء في رواية أخرى أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد وإما إطلاق الخسوف على الشمس منفردة في الحديث الآتي عقب هذا فلاشتراك الخسوف والكسوف في معنى ذهاب نورهما وظلامهما والحاصل أنه ذكر في الحديث ذكر الكسوف والخسوف للشمس والقمر فرواه جماعة فيهما في الشمس بالكاف ورواه جماعة فيهما بالخاء ورواه جماعة في الشمس بالكاف وفي القمر بالخاء والكثير في اللغة وهو اختيار الفراء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر والفعل من كل منهما مبني للمعلوم وللمجهول تقول كسفت الشمس وكسفها اللَّه فانكسفت وكذلك خسف القمر وخسفه اللَّه فانخسف وكلمة ظهر في قوله على ظهر زمزم زائدة كما في قوله خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى اشباعا للكلام وتمكينا والمراد واللَّه أعلم صلى قريبا منها كما يقال قعدنا على النهر أي بجواره وعلى البئر أي بجوارها وكما جاء في الحديث التالي صلى بنا على ضفة زمزم والصفة بالفتح والكسر الجانب وبين الحديثين اختلاف في عدد الركعات ففي الأول في كل ركعة ركعتان وفي الثاني في كل ركعة ثلاث ركعات ولعل منشأ هذا الاختلاف تكرر صلاته فصلاها مرتين ركع في احداهما ركعتين في كل ركعة وركع في الأخرى ثلاث ركعات في كل ركعة) .

485- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن سُليمان الأحْول يقول: -سمعت طاوساً يقول: خسفت الشمسُ فصلى بنا ابن عباس في ضْفَّة زمزم ستَّ ركعاتٍ ثم أربعَ سَجدات.

الباب الخامس عشر في صلاة الاستسقاء

486- (أخبرنا) : مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع عباد بن تميم يقول: -سمعتُ عبد اللَّه بن زيد المازني يقول: خَرَج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى المُصَلّى فاسْتسقى فحولَ رداءهُ حِينَ استقبلَ القبلة (في بعض الروايات حولرداءه وجعل عطافه الإيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن والعطاف بوزن كتاب الرداء وقد فسرت هذه الزيادة ما أبهم في روايتنا من تحويل الرداء وفي الحديث استحباب خروج للاستسقاء إلى الصحراء لأنه أبلغ في التواضع ولأنها أوسع للناس لأنه يحضر الناس بكثرة فلا يسعهم الجامع وفيه استحباب تحويل الرداء في اثنائها للاستسقاء والتحويل للتفاؤل بتغير الحال من جدب إلى خصب وهو دليل للشافعي ومالك وأحمد على استحباب التحويل وخالف فيه أبو حنيفة) .

487- (أخبرنا) : سفيان، حدثنا: عبد اللَّه بن أبي بكر سمعت عباد بن تميم يخبر عن عمه عبد اللَّه بن زيد المازني يقول: -خرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة وحول رداءه وصلى ركعتين.

488- (أخبرنا) : عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عُمَارَة بن غَزِيَّةَ عن عَبَّاد بن تميم قال: -استسقى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وعليه خميصة (الخميصة بالفتح ثوب من خز أو صوف له أعلام) له سوداء فأرَادَ أن يأخذَ بأسفلها فَيَجْعَلَها أعلاهُ فلما ثَقُلَتْ عليهِ قلبهاعلى عاتِقه.

489- (أخبرنا) : من لا أتَّهمُ، عن صالح مولى التَّوْأمَة عن ابن عباس: -أن

رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم استسقي بالمصلَّى فصلى ركعتين (فيه دليل للجماهير على سنية الصلاة للاستسقاء وخالف في ذلك أبو حنيفة وتعلق بأحاديث الاستسقاء التي لا صلاة فيها وقال الجمهور: إن الأحاديث التيليس فيها ذكر للصلاة بعضها محمول على نسيان الراوي وبعضها كان في الخطبة للجمعة وأعقبه صلاة الجمعة فاكتفى بها) .

490- (أخبرنا) : مالك، عن شريك بن عبد اللَّه بن أبي نَمِرٍ عن أنس بن مالك قال: -جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه هَلَكَت المواشِي وتقطَّعَت السُبُل فادْعُ اللَّه فدعا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فَمُطِرنا من جُمعةٍ إلى جمعة قال: فجاء رجل إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال يا رسول اللَّه: تهدمت البيوتُ وتقطَّعَت السُّبل وهَلكت المواشي فقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال: «اللَّهُمَّ عَلَى رُؤسُ الجبال والآكَام (الآكام جمع أكم وهو جمع أكمة وهي الرابية أي الأرض المرتفعة والوادي المفرج بين الجبال أو التلال وانجابت انكشفت وزالت وقوله انجياب الثوب أي عن الجسم فيعرى وكذلك عريت السماء بعد زوال السحب) وبُطون الأودية ومَنَابت الشجرِ» فانجابتْ عن المدينة انجيابَ الثوب.

491- (أخبرنا) : منْ لا أتهم (قال الربيع من سليمان يريد به إبراهيم بن أبي يحي وثقة الإمام الشافعي والثوري ويحي بن آدم وطعن فيه غيرهم توفي سنة 184) عن سليمان بن عبد اللَّه بن عُوَيْمِر الأسْلَمي عن عُروة بن الزُّبَير عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: -أصابَ الناسَ سَنَةٌ شديدةٌ (السنة الجدب يقال أخذتهم السنة إذا أجدبوا ويخيل إلى أن اليهودي قال ما قال سخرية برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كأنه يقول لماذا لا يكشف عنكم الضر ما دام رسولا لكم من عند اللَّه وقد نقض اللَّه سخريته وأيد رسوله فاستجاب دعاءه وبعث إليهم المطر الذي استمر جمعة وإنما استنصر صلى اللَّه عليه وسلم بالجدب على أهل نجد لعنادهم وتمردهم ولاريب أن الناس كثير والرجوع إلى اللَّه إذا نزل بهم البلاء وأجدبت عليهم البلاد أما ماداموا مغمورين بنعمة فهم في غفلة عنه بلذاتهم وشهواتهم إلا من عصم اللَّه وقليل ما هم ومصداق هذا قوله تعالى «وإذا مس الإنسان ضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً الآية» ) . على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فمرَّ بهم يهودي فقال:

أما واللَّه لو شاء صاحبكم لَمُطِرْتم ما شئتم ولكنه لا يحب ذلك فأُخبر النبي صلى اللَّه عليه وسلم بقول اليهودي فقال: "أوقد قال ذلك؟ قالوا: نعم قال إني لأسْتَنْصرُ بالسَّنَة على أهل نَجْد وإني لأَرى السَّحاب خارجة من العَنان (العنان بالفتح هو عنان السماء أي جانبها والسماء في قوله أقلعت السماء هي المطر وأقلع أي سار وتركهم والمعنى أن المطر استمر ينزل عليهم جمعة وهي معجزة للرسول صلوات اللَّه عليه) فأكرهها موعدكم يوم كذا أستسق لكم" قال: فلما كان ذلك اليومُ غدا الناس فما تَفَرقوا حتى أُمْطِروا وما شاءوا فما أقلعت السماءُ جُمعة.

492- (أخبرنا) : من لا أتَّهِمُ عن سُهَيلَ بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه: -أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: «ليسَ السَّنَةُ بألا تُمطروا ولكن السنة بأن تمطروا ثم تمطروا ولا تُنْبِتُ الأرض شيئاً (أي أن الجدب والقحط الشديدن أن تمطر الأرض مطراً كثيراً ولكنها لا تنبت أما احتباس المطر فأهون من ذاك بكثير لأن العبيد إذا توسلوا إلى اللَّه أنقذهم بسوق المطر إليهم أما الطامة الكبرى فهي أن تسقط الأمطار ولا تنبت الأرض يذكرهم بنعم اللَّه ويخوفهم غضبه ونقمته فإنه إن شاء أجدبت الأرض فلا ينجع فيها المطر فماتوا جوعا كأنه يقول فاذكروا أن أرزاقكم بيد اللَّه وأن إنبات الأرض بمشيئته فاعرفوا له فضله وخافوا عذابه وغضبه) » .

493- (أخبرنا) : إبراهيمُ بن محمد حدثنا: سليمان عن المِنْهال بن عَمْرو بن

قيس بن سَكَن عن عبد اللَّه بن مسعود قال: -إن اللَّه يُرْسل الرياح فَتَحْمِل الماءَ من السماء ثم تَمر في السَّحاب حتى يَدُرَّ كما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثم تُمْطَرْ (اللقحة بالكسر والفتح: الناقة القريبة العهد بالولادة ودر اللقحة نزول اللبن منها) .

494- (أخبرنا) : من لا أتَّهِمُ عن عبد اللَّه بن أبي بكر عن أبيه: -أنَّ الناسَ مُطِرُوا ذاتَ لَيْلة فلما أَصْبح النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم غدا عليهم قال: "ما عَلَى وجهالأرض بُقْعَةٌ إلاَّ وَقَدْ مُطِرَت هذه اللَّيلةَ (غدا عليهم من باب قعد: ذهب غدوة وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والإنطلاق أي وقت كان والبقعة من الأرض: القطعة منها وباؤها مضمومة في الأكثر وتجمع على بقع مثل غرفة وغرف وتفتح فتجمع على بقاع مثل كلبة وكلاب ومطرت بالبناء للمجهول: أصابها المطر والمعنى أنه صلى اللَّه عليه وسلم أخبرهم بشمول المطر تلك الليلة جميع الأماكن وذلك بوحي اللَّه وإطلاعه وإلا فمن أين له أن يخبر بما لا يطلع عليه إذ الظاهر أن المراد منالأرضما قابل السماء لا جهة معينة منها كمكة مثلا) ".

495- (أخبرنا) : من لا أَتَّهِمُ حدثني: عَمْرو بن عمرو (حدثني عمرو بن عمرو هكذا في المطبوعة بهامش الأم بمصر وفي المخطوطة بدار الكتب عمرو بن عمرة ولم أعثر على هذا الحديث في كتاب آخر) عن المُطَّلب بن حَنْطَب: -أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "مَا مِنْ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أو نَهارٍ إلاَّ والسماءُ تُمْطِر فيها يُصَرفه اللَّه حيثُ يشاء

(من ليل أو نهار هكذا في المخطوطة وفي المطبوعة بمصر على هامش كتاب الأم من ليل ولا نهار وقوله يصرفه اللَّه حيث يشاء: أي يوجهه إلى ما يريد من الأمكنة لأن حيث ظرف مكان تقول: اجلس حيث جلس اقرانك: أي اجلس في المكان الذي يجلس فيه نظراؤك وهو معنى قوله تعالى «فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء» ومعنى الحديث الإخبار بأن السماء لا ينقطع سقوط المطر منها ساعة من ليل ولا نهار واللَّه يوجهه إلى ما يشاء من البقاع والبلاد وليس في هذا غرابة فالناظر في نظام المطر يرى أقطارا تمطر صيفاً وثانية شتاء وثالثة دائما هذا وأماكن الأرض ليست كلها معروفة لنا ومازال الباحثون يكشفون منها الجديد عاما بعد فعاماً وقد خلق اللَّه الخلق وكفل لهم الرزق وأهم أسبابه المطر الذي ينبت الزرع الذي يعيش عليه الحيوان والإنسان فسبحانه من إله خبير ومدبر حكيم) .

496- (أخبرنا) : من لا أَتَّهِمُ حدثني: سليمانُ بنُ عَبد اللَّه بن عُوَيْمر الأسْلَمي عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْر قال: "إذَا رَأَى أحَدُكم البرقَ أو الوَدْقَ (الودق بفتح فسكون المطر كله شديده وهينه وودق يدق ودقا قطر قال: فلا مزنة دقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها ويقال: أودقت أيضا وإنما نهى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن الإشارة إلى البرق والمطر لأن ذلك يشعر بالخفة والرعونة ويجافي الوقار والرزانة بخلاف نعتهما) فلا يُشِرْ إليه ولْيصفُ ولْيَنْعَت".

الباب السادس عشر في الدعاء

497- (أخبرنا) : إبراهيمُ بن محمد حدثني: صَفْوان بن سُلَيم: -أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "إذا كان يَوْمُ الْجُمُعة وليلةُ الجمعة فَأَكْثِرُوا الصلاةَ عَلَيَّ (هذا الحديث وما بعده في طلب الرسول منا أن نصلي عليه: أي ندعوا له وقد قصر هذا الطلب في الحديث الآتي على يوم الجمعة وفي حثنا عليه وعلى ليلته لأن في يوم الجمعة ساعة يستجاب فيها الدعاء فلعلهم يصادفونها) ".

498- (أخبرنا) : إبراهيم بن محمد أخبرني: عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن مَعْمَر: -أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: «أكْثِرُوا الصلاةَ عَلَيَّ يومَ الجُمُعة» .

499- (أخبرنا) : إبراهيمُ بن محمد حدثني: خالدُ بن رَبَاح عن المُطَّلب بن حَنْطَب: -أنَّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يقول عند المطر: «اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لاَ سُقْيَا عَذاب ولاَبلاءٍ ولا هدمٍ ولا غَرَقٍ اللَّهم على الظِّرَاب ومَنَابت الشجَر اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ولاَ عَلَيْنَا» .

500- (أخبرنا) : من لا أتَّهِمُ أخبرني: خالدُ بنُ رباح عن المطلب بن حنطب: -أنَّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا بَرَقَت السماءُ أو رَعَدَت عُرِفَ ذلِكَ في وجهه فإذا أَمْطَرَت سُرِّى عنه (سرى عنه بالبناء للمجهول مع التشديد: تجلى همه وانكشف مثل انسرى عنه كذا في اللسان وفي النهاية لإبن الأثير سرى عنه: أي كشف عنه الخوف وقد تكررذكر هذه اللفظة في الحديث وخاصة في ذكر نزول الوحي عليه: وكلها بمعنى الكشف والإزالة اهـ والمعنى: أن الرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان يعتريه الخوف والهم إذا برقت السماء أو رعدت مخافة أن يكون ذلك مقدمة لخطر يحيق بالمسلمين فكثيراً ما يصحب هذه الحالة عواصف جائحة وصواعق مهلكة فإذا أمطرت السماء إطمأن وذهب ما به من الخوف وهذا يرينا أنه صلى اللَّه عليه وسلم كان شديد الخوف على أمته قوي الرأفة بهم كما قال تعالى: "حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) . قال الأَصَمُّ سَمعتُ الربيع بن سليمان يقول: كان الشافعيُ رضي اللَّه عنه إذا قال: أخْبِرني من لا أَتَّهِمُّ يريد به إبراهيمَ بن أبي يحي وإذا قال: أخبرني الثقةُ يريد به يحي بن حَسَّان

(إبراهيم بن أبي يحي هو: إبراهيم بن محمد بن أبي يحي ومنهم من قال فيه إبراهيم بن محمد بن عطاء الأسلمي وقد ينسب إلى جده روى عنه الشافعي ووثقه والثوري ويحي بن آدم قال أحمد: كان قدريا معتزليا جهميا ترك الناس حديثه وقال القطاني وابن معين كذاب وقال ابن عقدة: ليس منكر الحديث ووافقه على ذلك ابن عدي مات سنة 184 وأما يحي بن حسان: فهو يحي بن حسان ابن حيان بتحتانية أبو زكريا البكري التنيسي المصري روى عنه الشافعي وأحمد إبن صالح وثقة أحمد والعجلي والنسائي والشافعي وتوفي سنة 208 وهو غير يحي بن حسان البكري الفلسطيني) .

501- (أخبرنا) : من لا أَتّهِم قال: قال المِقْدامُ بنُ شُرَيْح عن أبيه عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت:

  • كان النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم إذَا أَبْصَرْنا شيئاً في السماء، تعني السحاب، تَرَك عمَلَه واسْتَقْبَلَ القِبْلةَ (في المطبوعة بمصر على هامش الأم واستقبله: أي استقبل الشئ الذي في السماء) قال: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بكَ من شَرِّ مَا فِيه، فَإِنْ كَشَفَهُ اللَّه حَمِدَ اللَّه وإن مَطَرَتْ قال: اللهم سُقْيا نَافعة

(اللهم سقيا بضم السين: أي اسقنا سقيا نافعة، والسقيا اسم من سقى اللَّه العباد وأسقاهم أي أنه كان يخاف ويتوجه إلى القبلة إذا رأى السحاب، داعيا مستعيذا باللَّه من شره، فإن ذهب حمد اللَّه وإن أمطرت سأل اللَّه أن يجعله نافعا لا ضارا، وفي نسخة: سقيا نافعا، والسقي مصدر سقى، سقى اللَّه عباده الغيث وأسقاهم والاسم السقيا بالضم، وسقيا الرحمة المطر الذي يحي الأرض بعد موتها، وسقيا العذاب: ما يريد اللَّه به تعذيب خلقه والانتقام منهم لعصيانهم ولذا قال: ولا بلاء أي إمتحان، ولا هدم ولا غرق، فإنه سبحانه إن شاء جعل المطر رحمة ونعمة فأرسله بقدر حاجة الزرع، وإن شاء جعله عذابا وإهلاكا فيزيده عن حاجتهم ويرسله قويا عاصفا مفرقا مدمرا، ولذا قال تعالى: «يريكم البرق خوفا وطمعا» والظراب: بكسر الظاء:؟؟ الصغار وقيل: الربى؟؟ الصغيرة واحدها: ظرب ككتف، هذا ولم يطلب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم رفع المطر من أصله بل سأل ربه رفع ضرره وتجنبه البيوت والطرق حتى لا يتضرر به ساكن ولا سائر وسأل بقاءه في موضع الحاجة وهي بطون الأودية، وفهم من الحديث: أنه إذا خيف ضرره دعا الناس ربهم أن يكفيهم شره وأن يصرفه بعيدا عنهم إلى حيث ينفع ولا يضر وأنهم لا يخرجون إلى صحراء في بلوغ هذا الغرض بل يكتفون بالدعاء في أماكنهم) ".

502- (أخبرنا) : من لا أتَّهِمُ أخبرنا: العَلاَءُ بنُ راشدٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عباس قال: ما هَبت ريحٌ قطُّ إلا جَثا (جثا على ركبتيه: جلس عليهما دون الأليتين في جلوسه كالمستوفز يقال جثا يجثو ويجثي كعلا ورمى أي أنه واوى يائى ولذا يكتب بالألف والياء واسم الفاعل جاث ويجمع على جثى بضم الجيم وكسرها وقوله إجعلها بالتأنيث لأن الريح مؤنثة يشهد لذلك الآيتان في الحديث وبعضهم يرى أن الغالب فيها التأنيث وقد تذكر على معنى الهواء وريح صرصر: شديدة البرد وقيل شديدة الصوت والريح العقيم التي لا تحمل مطرا ولا تلفح شجرا وهي ريح عذاب وإهلاك ووصف الريح بالعقم مجاز وأصله وصف للمرأة التي لا تلد ويقابل العقم من الرياح اللاقح وهي التي تلفح الشجار وجمعها لواقح) النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم على رُكْبَتَيهِ وقال: «اللَّهُمَّ اجعَلْها رَحمةً ولا تجعلْها عذابا اللَّهُمَّ اجعلها رياحا ولا تَجْعَلْها رِيحاً» قال ابن عباس: في كتاب اللَّه (فأَرْسَلْنا عليهم رِيحاً صَرْصَراً) (وأَرْسَلْنا عليهم الرِّيحَ العَقِيم) وقال: (وأَرْسَلْنا الرياحَ لَوَقِحَ) (وأَرْسَلْنا الرياحَ مُبَشِّرَاتٍ) .

503- (أخبرنا) : مَنْ لا أتهم قال أخبرني: صَفْوانُ بنُ سُلَيم قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: لاَ تَسُبُّوا الريحَ وعوذوا باللَّه من شَرّها (لا تسبوا الريح أي لا تشتموها وعوذوا بالله أي إلجئوا إليه في طلب الوقاية من أذاها وشرها وإنما نهينا عن سبها لما في ذلك من إساة الأدب لأنها من اللَّه وهو مصرفها فشتمها إعتراض على تصرفه سبحانه واللائق إنما هو الاستعاذة باللَّه من ضررها كما كان يفعل الرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم) ".

504- (أخبرنا) : الثِّقةُ عن الزُّهْري عن ثابتِ بن قَيْس عن أبي هُرَيرَةَ قال: -أخذ تِ الناسَ رِيحٌ بِطَرِيق مكَّةَ وعُمَر رضي اللَّه عنه حاج فاشْتدَّت

فقال عُمَر لمن حَوْلَه ما بَلَغكم في الريح؟ فلم يَرْجِعوا إليه شيئاً (فلم يرجعوا إليه شيئا: أي لم يجيبوه بشئ عما سأل) فَبَلَغَني الذي سأل عنه عُمَرُ من أمر الريح فاسْتَحْثَثْتُ (استحثثت راحلتي: حثثتها وحرضتها على السرعة فالسين والتاء في الفعل زائدتان) راحلتي حتى أدركتُ عُمَرَ رضي اللَّه عنه وكنت في مؤخرَّ الناس فقلتُ يا أميرَ المؤمنين: أُخْبِرْتُ أنك سألت عن الريح وإني سمعتُ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: "الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّه (روح لله بالفتح: رحمته وكونها تأتي بالعذاب لا ينافي كونها من رحمة الله بعباده لأن اللَّه يؤدب بها العصاة ولا شك أن تأديبهم رحمة بالمهتدين) تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تَسُّبُّوها واسْأَلوا اللَّه من خَيْرها وعوذوا باللَّه من شَرِها (عوذوا باللَّه من شرها: وفي نسخة: واستعيذوا باللَّه من شرها والمعنى واحد) .

505- (أخبرنا) : مَنْ لا أتهم أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ عبيد عن محمد بن عَمْرو: -أن النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم قال: " نُصْرْتُ بالصَّبَا وكَانَتْ عَذاباً (نصرت بالصبا بوزن العصا: ريح تهب من مطلع الشمس فهي ريح شرقية ويقابلها الدبور وهي تهب من المغرب وقوله كانت عذابا على من قبلي يريد: وكانت الدبور عذابا إلخ يشير إلى انتصاره على قريش في غزوة الخندق التي سلط اللَّه فيها الصبا عليهم فهدمت خيامهم وكفأت قدورهم فلم يسعهم إلا الإنصراف وأما الدبور: فقد هلكت عادا كما قال تعالى: «وأم عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية» الآيات وهذا إعتراف منه بفضل اللَّه عليه) عَلَى مَنْ كان قَبْلي".

الباب السابع عشر في صلاة الخوف

506- (أخبرنا) : الثِّقة أنبأني ابن عُلَيَّةَ أوغيره عن يونس عن الحسن عن جابر: -أن النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم كان يُصلي بالناس صلاة الظهر في الخَوْف

بِبَطْن نَخْل (بطن نخل موضع) فصلَّى بطائفة ركعتين ثم سَلَّم ثم جَاء طائفةٌ أُخْرى فَصَلَّى بهم ركعتين ثم سَلَّم".

507- (أخبرنا) : مالك عن يَزيدَ بنِ رُومانَ عن صالحِ بْنِ خَوَّاتٍ: -عن مَنْ صَلَّى مَعَ النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم يومَ ذاتِ الرِّقاع (ذات الرقاع غزوة معروفة كانت سنة خمس من الهجرة بأرض غطفان وسميت بذلك لجبل هناك فيه بقع حمرة وبياض وسواد أو سميت بذلك لأنهم لفوا على أرجلهم الخرق لما نق؟ ت من الحفاء ولم تكن شرعية صلاة الخوف في هذه الغزوة بل في غيرها وجاه العدو بالواو وتجاهه بالتاء أي مقابله وإزاءه وهما مثلثان كما في القاموس المحيط والتاء في تجاه بدل من الواو مثلها في تقاة وتخمة) صلاةَ الْخَوْف أنَّ طائفةً صَلَّتْ مَعَهُ وطائفةٌ وُجَاهَ الْعُدُوِّ فَصَلَّى بالذين معه رَكْعَةً ثم ثَبَتَ قائماً حتى أتموا لأنفسهم ثم إنْصَرَفُوا وِجَاهَ العَدُوّ وجاءت الطائفةُ الأُخْرى فَصَلَّى بهم الرَّكْعةَ التي بَقِيَتْ عَليه ثم ثَبَتَ جالساً وأتَمُّوا لأنفسهم ثم سَلَّمَ بهم قال وأخبرنا: مَنْ سَمِعَ عبد الله بن عمر بن حَفْص يَذْكُرُ عَنْ أخيه عُبَيْدِ اللَّه عن القَاسم بنِ محمد عن صَالحِ بنِ خَوَّاتٍ بْنِ جُبَيْر عن النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم بمعناه لا يُخالفُهُ

(وبهذا أخذ مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم وفي رواية عن ابن عمر أيضا رواها مسلم أن النبيَّ صلَّى بإحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة للعدو ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ثم سلم فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة اهـ ثم قيل أن الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معا وقيل متفرقين وهو الصحيح وبهذا الحديث أخذ الأوزاعي وأشهب وفي حديث جابر أنه النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم صلى بكل طائفة ركعتين وسلم فكانت الثانية مفترضين بمتنفل وبهذا قال الشافعي وادعى الطحاوي أنه منسوخ لكن لا دليل على نسخه وروى ابن مسعود وأبو هريرة أنه صلى اللَّه عليه وسلم صلى بطائفة ركعة وانصرفوا ولم يسلموا ووقفوا بإزاء العدو وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ثم سلم فقضى هؤلاء ركعتهم ثم سلموا وذهبوا فقاموا مقام أولئك ورجع أولئك فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلم وبهذا أخذ أبو حنيفة وقد روى أبو داود وغيره وجوها أخرى تبلغ ستة عشر وجها قال الخطا؟ ي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبيَّ في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى ومذهب العلماء كافة أنها مشروعة إلى اليوم كما كانت وقال أبو يوسف والمزني ليست مشروعة بعد النبي لقوله تعالى: «وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة» واحتج الجمهور بأن الصحابة لم يزالوا على فعلها بعد النبي وليس المراد بالآية تخصيصه وقد ثبت قوله صلوا كما رأيتموني أصلي) .

508- (أخبرنا) : مالكُ بنُ أنَس عن نافع (نافع الذي يروي عنه مالك هو نافع بن أبي نافع مولاهم أبو عبد الله المدني أحد الأعلام وهو يروي عن مولاه ابن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي لبابة قال البخاري أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمرو توفي نافع سنة 120 أما نافع بن عبد اللَّه فحجازي ويروي عن فروة بن قيس لا عن ابن عمر فما جاء في بعض النسخ نافع ابن عبد اللَّه غير صحيح وأصلها ما أثبتناه هنا وهو أن «عبد اللَّه» فصحف أن إلى ابن واللَّه أعلم) أن عبد اللَّه بن عُمَرَ كان إذا سُئِلَ عن صلاة الْخَوْفِ قال: يتقدم الإمامُ وطائفةٌ ثم قص الحديث ثم قال ابنُ عُمَرَ في الحديث فإن كان خوفٌ أشَدُّ من ذلك صَلَّوْا رِجالاً ورُكْبَانا مُسْتَقْبِلِي القبلة أو غيرَ مُسْتَقْبِلِيها (فإن كان خوف أشدمن ذك كان هنا تامة بمعنى وجد وأشتد جاز لهم أن يصلوا قياما على أرجلهم أو راكبين على خيولهم مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها لأنها حالة ضرورة فيقبل اللَّه فيها من عباده الصلاة متساهلا فيما اشترط فيها في الأحوال العادية وهم معذورون لإشتداد الخوف وأخذ الحيطة من مفاجأة العدو وفتكه بهم هذا والرجال جمع راجل وهو الماشي والركبان جمع راكب وهو في الأصل راكب الإبل خاصة ثم توسع فيه فأطلق على راكب كل دابة ويجمع أيضا على ركاب وركوب بضم الراء) قال مالك قال نافع: لا أَرَى عَبْدَ اللَّه بن عمر ذكرَ ذلك إلا عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم.

509- (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافعٍ عن ابن عُمَرَ: -أَراه عن النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم فذكر صَلاَةَ الْخَوف فقال: إنْ كَانَ خَوْفٌ أشَدٌ مِنْ ذلك صَلَّوْا رِجَالاً ورُكْبَاناً مُسْتَقْبِلِي القبلة وغَيْرَ مُسْتَقْبليها".

510- (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافعٍ عن ابن عُمَرَ في صلاة الخوف بشئ خالفتمونا فيه ومالكٌ يقول: -لا أذكره إلا عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وابنُ أبي ذئب يَرْويه عن الزُّهْرِي عن سالم عن ابن عُمَرَ عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم لاَ يُشَكُ فيه.

جارٍ التحميل