كتاب الزكاة وفيه خمسة أبواب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشافعي
- الكتاب
- مسند الإمام الشافعي
- المؤلف
- الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ)رتبه على الأبواب الفقهية: محمد عابد السنديعرف للكتاب وترجم للمؤلف: محمد زاهد بن الحسن الكوثري تولى نشره وتصحيحه ومراجعة أصوله على نسختين مخطوطتين: السيد يوسف علي الزواوي الحسني، السيد عزت العطار الحسيني
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنانعام النشر: 1370 هـ - 1951 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(لما غلب اليهود على أمرهم في خيبر صالحهم الرسول على نصف أموالهم فهذا هو الداعي لخرص نخلهم لأنهم لا زكاة عليهم فكان يبعث عبد اللَّه بن رواحة لتقديره البلح وغيره فكان يقدره زبيبا وتمرا ويخيرهم بين أن يأخذوه على هذا الأساس أو يأخذه هو كما قدر فكانوا يرتضون تقديره ويدفعون له ما للمسلمين فيه وفي لسان العرب في خرص وكان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يبعث الخراص على نخيل خيبر عند إدراك ثمرها فيحزرونه رطبا كذا وتمرا كذا ثم يأخذهم بهذا الكيل من التمر الذي يجب له وللمساكين) .
661- (أخبرنا) : عبد اللَّه بن نافع، عن محمدِ بن صالح التَّمَّار، عن ابنِ شِهَابٍ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن عَتَّابِ بنِ أُسيْدٍ: -أنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قالَ في زَكَاةِ الكَرْمِ يُخْرَصُ كما يُخْرَصُ النَّخْلُ ثمَّ تُؤَدَّى زكَاتُهُ زَبِيباً كما تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْراً بعد تجفيفه (والحكمة الداعية إلى خرص الكرم والنخل معرفة القدر الذي وجبت فيه الزكاة وحفظ حق الفقراء والتوسعة على الزارعين بتمكينهم من الأكل منه بعد الخرص وفهم من أحاديث الخرص أن العدل الواحد كاف فيه كما فعل الرسول وإنما أمر الرسول بالخرص في النخل والكرم دون غيرهما لأن ثمارهما ظاهرة يمكن تقديرها بخلاف الحبوب فإنها مستترة بأكمامها) وبإسنادِهِ أنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كَانَ يَبْعَثُ من يَخْرُصُ على الناس كُرُومَهُم وَثِمَارَهُم.
662- (أخبرنا) : مالكُ بنُ أنَسٍ، عن يَحْيَ بن سَعِيد، عن رُزَيْقٍ (رزيق بن حكيم قال في القاموس وكزبير بن حكيم في الخلاصة رزيق بن حكيم مصغرا وقيل أوله زاي) ابن حُكَيْم: -أنَّ عمَرَ بْنَ عَبْدَ العَزِيزِ كتَبَ إليهِ: أنِ انظُرْ مَنْ مَرَّ بِكَ مِن المسلمين فَخُذْ مما ظَهَرَ من أموالهم من التِّجَارَاتِ من كلِّ أربعينَ دِيناراً دِيناراً فما نَقَصَ فَبِحِسَابِه حتى يَبْلُغَ عشرينَ دِيناراً فإن نَقَصَتْ ثلثَ دِينارٍ فَدَعْهَا ولا تَأخُذْ منها شَيْئاً
(الحديث في زكاة التجارة وإنها مثل زكاة المال في الواجب والنصاب فلا تجب في أقل من عشرين دينارا ولو بثلث دينار لما في الحديث ونصابها نصاب زكاة المال أعني إثنين ونصفا في المائة أو ربع العشر كما يعبر الفقهاء وقوله خذ مما ظهر من أموالهم يفيد الإكتفاء بالظاهر ولا داعي للتجسس اعتمادا على دينهم وأمانتهم) .
الباب الثالث فيمن تحل له الزكاة وما جاء في العامل
663- (أخبرنا) : سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن هِشَامٍ يعني ابنَ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عُبَيْدَ اللَّه بْنِ عَدِيّ بن الخِيارِ: -أنَّ رَجُلَيْنِ أخْبَرَاهُ أنَّهُما أَتَيَا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فَسَأَلاَهُ مِنَ الصَّدَقَة فَصَعَّدَ فيهما وصَوَّبَ (التصويب ضد التصعيد أي أنه نظر فيهما من أسفل إلى أعلى ومن أعلى إلى أسفل وإنما أطال النظر إليهما ليتبين حالهما ويتعرف استحقاقهما وكأنه صلى اللَّه عليه وسلم لم يتيقن فقرهما واشتبه عليه أمرهما فقال لهما إن شئتما أعطيتكما وحذف جواب إن وتقديره كما ذكرنا ثم نبههما إلى أن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مكسب أي فإن كنتما كذلك حرم عليكما أخذها ولا علم لي بغناكما ولا بمكسبكما فأدع ذلك لكما) فقال: «إنْ شِئْتُما ولاحَظَّ فيهَا لِغَنِيٍّ ولالذي قُوَّةٍ مُكْتَسِب (في الأصل مكسب والصواب مكتسب وسقطت التاء من النساخ لأن مدار حرمة الاستجداء على الغني والقدرة والإكتساب وقد عثرنا عليه بعد التصحيح في بعض الكتب كما صوبنا) » .
664- (أخبرنا) : ابنُ عُيَيْنَةَ، عن هَارُونَ بنِ رِيَابٍ، عن كِنَانَة بن نُعَيْم، عن قَبِيصَةَ بنِ المُخَارقِ الهِلالِي قال: -تَحَمَّلْتُ (الحمالة بالفتح: الدية والغرامة التي يحملها قوم عن قوم وقد تطرح منها الهاء وذلك كأن يقع حرب بين فريقين فيدخل بينهم رجل فيتحمل ديات القتلى ليصلح ذات بينهم) حَمَالَةً فَأَتَيْتُ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم فسألتُهُ فقال: «تُؤَدِّهَا» (تؤدها هكذا هو في النسخ المخطوطة بحذف لام الفعل ولم أعثر عليه في المطبوعة لأن الأحاديث غير مرتبة بها حسب أبواب الفقه وفرقت بها أي تفريق ولعل الصواب إثبات الياء إذ لا مقتضى لحذفها وإن كانت الرواية بالحذف كان المقتضى له لام أمر مقدرة ويكون التقدير فلتؤدها وأنا أستبعد ذلك لأن لام الأمر لا تعمل محذوفة إلا في الضرورة كقول الشاعر: محمد تفد نفسك كل نفس) وذكر الحديث.
665- (أخبرنا) : مالكٌ، عن رَبيعَة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسمِ بنِ محمد، عن عائشةَ رضي اللَّه عنها: -أنَّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم دَخَلَ بَيتَ عائشةَ فقَرَّبَتْ إليه خُبْزاً وأُدْمَ البيتِ فقال: ألَمْ أرَ بُرْمَةَ لَحْمٍ؟ فقالت: ذلك شَئٌ تُصَدِّق به على بَرِيرَةَ (الحديث في مسلم عن قتادة أنه سمع أنس بن مالك قال: أهديت بريرة إلى النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم لحما تصدق به عليها فقال: هو لها صدقة ولنا هدية وفيه إباحة الهدية للنبيّ صلى اللَّه عليه وسلم وإن كان مهديها إليه قد ملكها بالصدقة لأنه متى قبض المتصدق عليه الصدقة زال عنها وصف الصدقة وفيه أيضا عدم حل الصدقة على النبي وأهل بيته لأنها أوساخ الناس فقوله ولنا هدية أي لأنها أهدته كمافي رواية مسلم هذه) فقال: هو لها صَدَقَةٌ ولنا هَدِيَّةٌ.
666- (أخبرنا) : عَمَّيْ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ بنِ شَافِع أخبرني: -عَبْدُ اللَّهُ بنُ حُسَيْنِ بنِ حَسَنٍ عن غير واحد من أهْلِ بَيْتِهِ وأحْسَبُهُ قالَ: زَيدَ بنَ عَلِيٍّ أنَّ فاطمةَ بِنْتَ رسولِ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم تَصَدَّقَتْ بِمَالِها على بني هَاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ وَأنَّ عَلِياً تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ وأدْخَلَ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ
(ظاهر هذا الحديث جواز الصدقة على بني هاشم وبني المطلب وهو خلاف مافهم من الحديث السابق ولمارواه مسلم والنسائي أن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ويمكن التوفيق بينهما بأن المتصدق هنا قريب لآل البيت ومنهم والأول على ما إذا كان المتصدق غريبا وقد قال جماعة: إن الزكاة لا تحل لهم إلا إذا كانت من قريب أي فتحل من بعضهم لبعض فقط ويجوز أن يقبلها بنوهاشم إذا حرموا حقهم في سهم ذوي القربى كما ذكربعض الشراح) .
667- (أخبرنا) : ابن عُيَيْنَةَ، عن طاوسٍ، عن أبيه قال:
- اسْتَعْمَلَ رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ على الصَّدَقَةِ فقال: "اتَّقِ اللَّهَ يا أبا الوَلِيدِ لا تَأْتِي يومَ القيامَةِ (لا تأتي يوم القيامة الرواية هكذا بالرفع على أنه خبر في معنى النهي ويجوز عربية فيه الجزم على أنه جواب شرط محذوف تقديره إن تتق اللَّه لا تأت ببعير تحمله إلخ) بِبَعير تَحْمِلُهُ على رَقَبَتِكَ لَهُ رُغَاءٌ أو بَقَرَةٌ لها خُوَارٌ أو شاةٌ تَيْعِرُ لها نُوَاحٌ فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وإنَّ ذَلك لكذا؟ فقالَ رسوُل اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "إيْ والَّذِي نَفْسي بِيَدِهْ إلاّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ قال: والذي بَعَثَكَ بالحق لاَ أعْمَلُ على شئ أبَداً".
668- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن الزُّهْري، عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْر، عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ (أبو حميد الساعدي أسمه عبد الرحمن أو المنذر بن عمروبن سعيد كما في الخلاصة ولم يضبطوا حميدا بفتح الحاء ولا بضمها وكلاهما مما سمت به العرب) قال: -اسْتَعْمَلَ النّبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم رَجُلاً مِنَ اْلأسْد (استعمل إلخ أي اتخذه عاملاعلى الصدقة وهي الزكاة أي جامعا لها ممن وجبت عليهم والأسد بوزن فهد هي الأزد وهي قبيلة يمنية) يُقالُ له ابن اللُّتْبِيَّةِ (اللتبية نسبة إلى لتب بضم فسكون: حي من أحياء العرب) على الصَّدَقَة فلما قَدِمَ قال هذا لَكُمُ وهذا أُهْدِيَ لي فقام النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم على المِنْبَرِ فقال: "مَابَال العَامل نَبْعَثُه على بعض أَعْمَالِنَا فيقُولُ هذا لكُمْ وهذا لِي فَهَلاَّ جَلسَ في
بيتِ أبيهِ وبيتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إليه أمْ لا (هذا تقريع يتوجع منه كل ذي شعور ويستحقه مثل هذا العامل الذي أراد أن يخدع نفسه ويخدع الناس ويفتيهم بحل ما أخذمن المزكين بدعوى أنه هدية وما أحوج أمثال هذا العامل في عصرنا ممن بيدهم السلطة إلى الاستماع إلى هذا الحديث والأخذ بنصحه الشريف وقد أبان هذا الحديث أن عمال الحكومة ومستخدمي الدولة وذوي النفوس فيها لا يحل لهم تقبل الهدايا فإنها في الحق رشوة في ثوب هدية وإنما حرمت الهدايا للعمال حفظا لحقوق الدولة وحرصاً على أموال الأمة وصوناً لحقوق الأفراد من عبث هؤلاء الحكام ومنحهم حق فلان لفلان وإكرم المهدي على حساب خصمه ولولا طمع المهديين في الظفر بحق خصومهم أو بحق من حقوق الدولة ما بذلوا تلك الهدايا ولهذا حرمت الرشا والهدايا على أصحاب الحكم والنفوذ إلا ممن إعتاد أن يهديهم من قبل أن تصير الولاية إليهم) والَّذِي نَفْسي بِيَدِهْ لا يَأْخُذُ أَحَدٌ منها شيْئاً إلا جَاءَ بِه يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ على رَقَبتِهِ إنْ كانَ بَعيراً لَهُ رُغَاءٌ (إن كان بعيرا له رغاء أي إن كان المأخوذ بعيرا جاء له رغاء ففي الكلام حذف اسم كان وجواب الشرط وجملة له رغاء حال والرغاء كغراب: صوت البعير والخوار كغراب أيضا صوت البقر وتيعر بكسر العين: تصيح يقال يعرت العنز تيعر يعارا: صاحت) أو بَقَرَةً لها خُوَارٌ أو شاةً تَيْعِرَ ثمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأيْنَا بَيَاضَ عُفْرَةِ إبْطَيْهِ (العفرة كلقمة: بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفر الأرض وهو وجهها وفي آخر هذا الحديث من تهديد آكل أموال الزكاة ما فيه) ثم قال: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَغْتُ".
669- (أخبرنا) : سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن هِشَامٍ ابِنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن أبي حميد السَّاعِدِيّ قال: -بَصُرَ عَيْنِي وَسَمِع أُذُني رَسولَ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم واسْأَلوا زَيْدَ بن ثَابِتٍ يعني مثله.
الباب الرابع في الركاز والمعادن (الركاز ككتاب عند الحجازيين كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض وعند أهل العراق المعادن واللغة تحتملهما لأن كلاً منهما مركوز وثابت في الأرض وإنما وجب فيه الخمس لبيت المال لكثرة نفعه وسهولة أخذه وعلى ذلك فمن وجد معدنا في أرضه كالتبر والفضة والفحم والحديد ففيه عند الحنفية الخمس لبيت المال والباقي لصاحب الأرض وعند الحجازيين ليست بركاز وزكاتها كزكاة المال أي فيها ربع العشر إذا بلغت مائتي درهم أو عشرين مثقالا وروى الأزهري عن الشافعي أنه قال: الذي لا أشك فيه أن الركاز دفين الجاهلية) .
670- (أخبرنا) : مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ المُسَيِّب، وأبي سَلَمَةَ: -أنَّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم قال: «فِي الرِّكازِ الْخُمْسُ» .
671- (أخبرنا) : سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهْري، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وأبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، عن أبي هُرَيْرَةَ: -أنَّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم قال: «وفِي الرِّكازِ الْخُمْسُ» .
672- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ: -أنَّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم قال: «فِي الرِّكازِ الْخُمْسُ» .
673- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن داودِ بن سَابُورَ ويَعْقُوبَ بنِ عَطَاء، عن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه عن جَدِّه: -أن النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم قال في كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ في خَرِبَة جَاهِلِيَّة: "إنْ وَجَدَتَهُ في قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ
أو في سَبِيلِ ميتاء (السبيل: الطريق يذكر ويؤنث والتأنيث فيها أغلب وميتاء بالكسر: عامر ومسلوك يأتيه الناس كثيراً) فَعَرِّفْهُ (وقوله فعرفه أي سنة فإن جاء صاحبه أخذه وإلا فهو لواجده شأن اللقطة ويلاحظ أن الجواب في الحديث أعم من السؤال لأنه يشمله وغيره وذلك لإفادة الحكم في الحالتين المسئول عنها ومقابلتها وعطف الركاز على الضمير في قوله فيه من باب ذكر العام بعد الخاص كأنه قال ففي هذا الخاص المسؤل عنه وفي جميع الأحوال الموصوفة بهذه الصفة الخمس وتلك الأموال هي الركاز) وإنْ وَجَدَتَهُ في خَرِبَة جَاهِلِيَّة أوفي قَرْيَةٍ غير مَسْكُونَةٍ فَفِيهِ وفِي الرِّكازِ الخُمْسُ".
674- (أخبرنا) : سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ قال أخبرنا: إسماعيلُ بنُ خَالِدٍ، عن الشَّعْبي قال: -جاءَ رَجُلٌ إلى عليّ رضي اللَّه عنه فقال: إنّي وَجَدَتُ ألْفاً وَخَمْسَمِائةِ درهمٍ في خَرِبَةٍ بالسَّوَادِ (السواد بفتحتين أرض بالعراق) فقال عليّ رضي اللَّه عنه: أَمَا لأُقْضِيَنَّ فيها قضاء بَيِّناً (بينا أي واضحا ظاهرا) إن كنْتَ وَجَدَتَها في قَرْيَةٍ تُؤَدِّي خَرَاجَها (الخراج: ما على أهل القرية من مال يؤدونه إلى بيت المال) قَرْيَةٌ أُخْرَى فَهِيَ لأَهْلِ تلك القَرْيةِ وإن وَجَدَتَها في قَرْيَةٍ لا تُؤَدِّي خَرَاجَها قَرْيَةٌ أُخْرَى فلَكَ أَرْبَعَة أخْماسه ولَنَا الخُمْس ثم الخمس لك
(أي أنه ركاز يأخذ واجده أربعة أخماسه ولبيت المال الخمس وقوله بعد ذلك ثم الخمس لك غريب في بابه لأن مؤداه أن المال كله له وهو مخالف لحكم الركاز ويجاب بأن إعطاءه الخمس الذي لبيت المال على طريق المنح من سيدنا على لأنه إمام المسلمين وله أن يتصرف ويعطي من يشاء من بيت المال ما يشاء واللَّه أعلم) .
الباب الخامس في صدقة الفطر
765- (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر: -أنَّ رَسولَ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فَرَضَ زَكاةَ الفِطْرِ (رواه مسلم أيضا وفرض: ألزم وأوجب هكذا فسره الجمهور وزكاة الفطر عندهم فرض لشمول قوله تعالى وآتوا الزكاة إياها ولقوله صلى اللَّه عليه وسلم في هذا الحديث وغيره فرض وقال بعض أصحاب مالك وأصحاب الشافعي وداود في آخر أمره أنها سنة ومعنى فرض عندهم قدر على سبيل الندبوقال أبو حنيفة هي واجبة لا فرض ولا سنة) على الناس (قوله على الناس شمل أهل القرى والأمصار والبوادي والشعاب وكل مسلم حيث كان وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وعن عطاء والزهري وربيعة والليث أنها لا تجب إلا على أهل الأمصار والقرى دون البوادي) صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أو صَاعاً من شَعِير (الصاع: مكيال يسع أربعة أمداد وذلك خمسة أرطال وثلث بالبغدادي وقال أبو حنيفة: ثمانية أرطال وحكى أن مالكاً تكلم مع أبي يوسف في هذا الموضوع بالمدينة فقال أبو يوسف: الصاع ثمانية أرطال فقال مالك: صاع رسول الله خمسة أرطال وثلث ثم أحضر مالك جماعة معهم عدة أصواع فأخبروا عن آبائهم أنهم كانوا يخرجون بها زكاة الفطر فعايروها كلها فوجدوها خمسة أرطال وثلثا فرجع أبو يوسف عن قوله إلى ما أخبر به أهل المدينة وسبب الزيادة أن الحجاج لما ولى العراق كبر الصاع فجعله ثمانية أرطال للتسعير قال الخطابي وغيره: وصاع أهل الحرمين إنما هو خمسة أرطال وثلث قال الأزهري: وأهل الكوفة يقولون الصاع ثمانية أرطال والمد عندهم ربعه وصاعهم هو القفيز الحجاجي ولا يعرفه أهل المدينة) على كل حُرٍّ وعبْدٍ (على كل حر وعبد أخذ داود بظاهره فأوجبها على العبد نفسه وأوجب على السيد تمكينه من كسبها كما يمكنه من صلاة الفرض ومذهب الجمهور وجوبها على سيده عنه) ذكر وأنثى (ذكروأنثى حجة للكوفيين في وجوبها على الزوجة نفسها وإخراجها من مالها وعند مالك والشافعي يدفعها الزوج عن زوجته) من المسلمين
(من المسلمين زيادة انفرد بها مالك بن أنس واعتمدها الشافعي وزيادة الثقة مقبولة عند الأكثر وعليه العمل وقوله حروعبد وذكر وأنثى بواو العطف وعند غيره بأو والمعنى واحد فيهما وعند الشافعي لا تجب إلا على المسلمين عملا بهذه الزيادة وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور فإذا كان له ولد كافر أو زوجة كافرة فلا يجب عليه أن يخرج عنهما وقال أبو حنيفة: يخرج عن العبد غير المسلم والقاعدة عند الشافعية أن كل من وجبت نفقته على شخص وجب عليه إخراج الزكاة عنه وهو مذهب أحمد ومالك وعند الحنفية تجب على كل شخص تلزمك نفقته ولك الولاية عليه فلا يجب على الولد أن يزكي عن والده وإن وجب أن ينفق عليه وكذلك الزوجة) .
676- (أخبرنا) : إبراهيمُ بن محمد، عن جَغْفَرِ بن محمد، عن أبيه: -أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فَرَضَ زَكاةَ الفِطْرِ على الْحُرِّ والعَبْدِ والذَّكَر والأُنثى مِمَّنْ تَمُونُون (قوله ممن تمونون أي تنفقون عليه ويؤيد مذهب الشافعي ومن وافقه من الأئمة في من تجب زكاتهم على الإنسان) .
677- (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمر: -أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فَرَضَ زَكاةَ الفِطْرِ من رَمَضَانَ (من رمضان إشارة إلى وقت وجوبها وفيه خلاف العلماء وهذا الخلاف مبني على المراد من الفطر هل هو الفطر المعتاد في جميع الشهر فيكون الوجوب بالغروب أو الفطر الطارئ بعد ذلك فيكون بطلوع الفجر وعند الشافعي ومالك روايتان بالقولين والصحيح من قول الشافعي أنها تجب بغروب الشمس ودخول أول جزء من ليلة عيد الفطر كما حكى النووي) عَلَى الناسِ صاعاً من تَمْرِ أو صاعاً من شَعير.
678- (أخبرنا) : مالكٌ، عن زَيْد بن أَسْلَمَ، عن عِيَاضِ بن عبد اللَّه بن سَعْد ابن أبي سَرْح أنه سَمِع أبا سَعِيد الخُدْري يَقول: -كنا نُخْرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ صَاعاً من طَعام أو صاعاً من شَعير أو صاعاً من تَمْرٍ أو صاعاً من زَبيب
(قوله صاعاً من كذا أو صاعاً من كذا دليل على أن الواجب فيها عن كل نفس صاع ففي غير الحنطة والزبيب يجب صاع بالإجماع وفي الحنطة والزبيب يجب صاع عند الشافعي ومالك والجمهور وقال أبو حنيفة وأحمد نصف صاع لحديث معاوية الآتي وحجة الجمهور صاعا من طعام والطعام في كلام العرب البر خاصة كما قال الخليل: وأهل الحجاز إذا ذكروا الطعام أرادوا به البر خاص والبر بالضم هو القمح) .
679- (أخبرنا) : مالكٌ، عن زَيْد بن أَسْلَمَ، عن عِيَاضِ بن عبد اللَّه بن سَعْد ابن أبي سَرْح أنه سَمِع أبا سَعِيد الخُدْري يَقول: -كنا نُخْرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ صَاعاً من طَعام أو صاعاً من شَعير أو صاعاً من تَمْرٍ أو صاعاً من زَبيب أوصاعاً من أَقِطْ (الأقط مثلثة ويحرك ككتف ورجل وإبل: شئ يتخذ من المخيض الغنمي كما في القاموس وفي النهاية هولبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به وفي اللسان يتخذ من لبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل وقال ابن الأعرابي: هو من ألبان الإبل خاصة والحاصل أنهم أجمعوا على جواز إخراجها من القمح والزبيب والتمر والشعير وأما الأقط فأجازه مالك والجمهور ومنعه الحسن وأختلف فيه قول الشافعي وقاس مالك على الخمسة كل ما يتخذ منه الخبز فيدخل فيه الذرة وعنده قول آخر بالإقتصار على المنصوص وانفرد أبو حنيفة بجواز إخراج القيمة والأصح إخراجها من غالب قوت بلده أو قوت نفسه) .
680- (أخبرنا) : أنَسُ بنُ عِيَاضٍ، عن داودَ بن قَيْسٍ أنه سَمِع عيَاضِ بن عبد اللَّه بن سَعْد يقول: -أن أبا سعيد الخدري قال: كنا نُخْرِجُ في زمان النبي صلى اللَّه عليه وسلم صَاعاً من طَعام أو صاعاً من زَبيب أوصاعاً من أَقِطْ أو صاعاً من تَمْرٍ أو صاعاً من شَعير فلم نَزَلْ نُخْرِجُه كذلك حتى قَدِمَ معاويةُ حاجًّا أو مُعْتَمِراً فخَطَبَ الناسَ فكان فيما كلَّمَ الناسَ به أن قال: إني أرى
مُدَّيْنِ (المد بالضم ربع صاع وهو رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وأهل الحجاز ورطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق) من سَمْراء الشامِ (وسمراء الشام يريد بها الحنطة وأضيفت إلى الشام لأن أكثر ما كان يرد القمح إلى المدينة من الشام) تَعْدِلُ صاعاً من تَمْرٍ فأخَذَ الناسُ بذلك.
قال الأصَمُّ: وإنما أخْرَجْتُ هذه الأخبارَ كُلَّها وإن كانت مُعَادَةَ الأسانيد لأنها بلفظ آخر وفيها زيادة ونقصان.
681- (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافعٍ: -أن عَبْدَ اللَّه بن عُمَر كان لا يُخْرِجُ في زَكاةَ الفِطْرِ إلا التَّمْر مرةً واحدةً فإنه أخرجَ شعيراً (أفاد هذا جواز إخراجها من الصنفين وغيرهما كما أخذ من الحديث السابقة والعبرة بغالب قوته هو على الخلاف في ذلك ويجوز إخراج قيمتها عند الحنفية) .
682- (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافعٍ: -أن عَبْدَ اللَّه بن عُمَر كان يَبْعَثُ بزَكاةَ الفِطْرِ إلى الذي تُجِمَعُ عنده قَبْلَ الفِطْرِ بيومين أو ثلاثة (أفاد الحديث جواز إخراجها قبل العيد بيومين أو ثلاثة ومثله الحديث الذي يليه وبجواز القديم أخذ الشافعي لكنه أجاز إخراجها من أول رمضان وقال أحمد ومالك يجوز تعجيلها يوما أو يومين فقط وقد وردت الأحاديث بالحث على إخراجها قبل صلاة العيد ولذا رأى الجمهور استحباب ذلك وتؤدي طول يوم العيد وتأخيرها عنه حرام لأن المقصود إغناء الفقراء هم ذل السؤال في هذا اليوم فهي كالصلاة يحرم تأخيرها عنوقتها ووقتها من غروب شمس ليلة العيد أو من طلوع فجرها على الخلاف في ذلك ويمتد إلى الغروب) .
683- (أخبرنا) : مالكٌ، عن عُرْوةَ بن أذَيْنَةَ: -أن ابن عُمَر كان يَبْعَثُ زَكاةَ الفِطْرِ إلى الذي تُجِمَعُ عنده قَبْلَ الفِطْرِ بيومين أو ثلاثة.
684-أنَسُ بنُ عياض، عن أُسامةَ بنِ زَيْد اللَّيْثي: -أنَّه سَألَ سَالمَ ابْنَ عَبْد اللَّهِ عن الزكاةِ فقال: أعْطِها أنْتَ فقلتُ: ألَمْ يكن ابنُ عُمَرَ يقول: ادْفَعْها إلى السُّلطان؟ قال: بلى ولكني لا أرَى أن تَدْفَعَها إلى السُّلطان
(كان الحسن البصري ومكحول وابن جبير والنخعي يقولون: إذا وضع رب المال زكاته مواضعها جاز له ذلك ولم يفرقوا بين الأموال الباطنة والظاهرة في ذلك وقال أحمد: يفرق بينهما والظاهرة كالمواشي والحبوب الباطنة كالذهب والفضة وأموال التجارة وزكاة الفطر جزء من الزكاة العامة ولكنها من الأموال الباطنة فيجوز له أن يفرقها بنفسه وأن يدفعها إلى الإمام أو النائب عنه وأما الظاهرة فلا يفرقها بنفسه) .