كتاب الصلاة وفيه ثلاثة وعشرون بابا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشافعي
- الكتاب
- مسند الإمام الشافعي
- المؤلف
- الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ)رتبه على الأبواب الفقهية: محمد عابد السنديعرف للكتاب وترجم للمؤلف: محمد زاهد بن الحسن الكوثري تولى نشره وتصحيحه ومراجعة أصوله على نسختين مخطوطتين: السيد يوسف علي الزواوي الحسني، السيد عزت العطار الحسيني
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنانعام النشر: 1370 هـ - 1951 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
539- (اخبرنا) : مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عُرْوة، عن عائشة: -أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يُصلي بالليل إحْدَى عَشَرَةَ ركعةً يُوتِر منها بواحدة.
الباب العشرون في الوتر (الوتر بالكسر والفتح الفرد وروى أصحاب السنن بسند حسن عن علي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: «يا أهل القرآن أوتروا فإن اللَّه وتر يحب الوتر» انتهى وأهل القرآن أمته وأوتروا: صلوا الوتر وقوله فإن اللَّه وتر أي واحد في ذاته وصفاته وأفعاله يحب الوتر أي الفرد وقال صلى اللَّه عليه وسلم: "الوتر حق على كل مسلم فمن شاء أوتر بسبع ومن شاء أوتر بخمس ومن شاء أوتر بثلاث ومن شاء أوتر بواحدة وهما يدلان على وجوب الوتر بظاهرهما وهو مذهب الحنفية فإن قيل: ألا تعارض هذه الأحاديث الداعية إلى الوتر حديث «صلاة الليل مثنى مثنى» قلت: لا تعارض لأن التوفيق ممكن بينهما فإن في إمكان المسلم أن يصلي في ليله ما شاء من النوافل ثنتين ثنتين ثم إذا أراد أن ينصرف لنومه صلى واحدة وبذا يكون موترا وعاملا بالأحاديث كلها ولذا روى الأربعة عن ابن عمر عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» أي أختموا صلاة الليل بالوتر وعن ابن عمر أيضا: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما صليت رواه الخمسة) .
540- (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافع، وعبد اللَّه بن دينارٍ، عن ابن عُمَرَ: -أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "صَلاةُ الليل مَثْنَى مَثْنَى فإذا خشِي أحدكم
الصبح صلى ركعة واحدةً تُوتِرله ما قد صَلَّى.
541- (أخبرنا) : مالك، عن نافع وعَبْدُ اللَّه بن دينار، عن ابن عُمَرَ: -أنَّ رجلاً سَأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن صلاةِ اللَّيْل فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: " صَلاةُ الليل مَثْنَى مَثْنَى (قوله: مثنى مثنى أي ركعتان ركعتان بتشهد وتسليم فهي ثنائية لا رباعية ومثنى معدول عن اثنين اثنين وروى هذا الحديث مسلم لكن بزيادة أن رجلا سأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن صلاة الليل إلخ كنص الرواية الأخرى التالية لهذا الحديث في كتابنا وهو كذلك في البخاري وروى أبو داود والترمذي بإسناد صحيح صلاة الليل والنهار مثنى مثنى والحديث محمول على بيان الأفضل وهو التسليم عقب كل ركعتين يستوي في ذلك نوافل الليل والنهار فلو جمع ركعات بتسليمة واحدة أو تطوع بركعة واحدة جاز عند الشافعية وقوله: فإذا خشي أحدكم الصبح إلخ وفي مسلم: أوتروا قبل أن تصبحوا وفيه أيضا: أوتروا قبل الصبح وكلها تدل على أن السنة جعل الوتر في آخر صلاة الليل وعلى أن وقته ينتهي بطلوع الفجر وهو المشهور عند الشافعية وهو رأي جمهور العلماء وقيل: يمتد بعد الفجر حتى يصلي الفرض وروى الخمسة: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما صليت اهـ فلم يقيد بخشية الصبح وقوله توتر له ما قد صلى تجعله وترا بكسر الواو وفتحها وهو ما قابل الشفع من الأعداد أي تجعل ما صلاه فردا وذلك أن العدد إما شفع أو وتر والأول العدد الزوجي وهو ما يقبل القسمة بغير كسر على اثنين والفرد ما قيس كذلك) فإذا خَشِي أحدُكُم الصُّبحَ صلى ركعةً واحدةً تُوتِرله ما قد صَلَّى.
542- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن عَبْدُ اللَّه بن دينار، عن ابن عُمَرَ مِثْلَهُ.
543- (أخبرنا) : سُفيانُ عن الزَّهري، عن سالم، عن أبيه قال: -سمعتُ
النبي صلى اللَّه عليه وسلم فإذا خَشِي أحدُكُم الصُّبحَ أَوْتَر بواحدة".
544- (أخبرنا) : سُفيانُ، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن طاوُس، عن ابن عُمَرَ: -عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم مثله.
545- (أخبرنا) : مالك، عن ابن شِهاَب: -أن سَعْدَ بن أبي وَقَّاص كان يُوتر بركعة (هذا الحديث وما بعده يفيد صحة الإتيان بركعة واحدة وروى مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم الوتر ركعة من آخر الليل وهو دليل على استحباب تأخيره إلى آخر الليل ويدل على أن أقل الوتر ركعة أما أكثره: فقد تقدم أنه إحدى عشرة ركعة وهو رأى الجمهور وعند الحنفية ثلاث ركعات لا أكثر بتسليمة واحدة وقال المالكية ركعة واحدة ووصلها بالشفع مكروه) .
546- (أخبرنا) : عبد المجيد، عن ابن جريج، عن يزِيدِ بن خصيفة، عن السائب بن يزيدَ: -أن رجلاً سأل عبد الرحمن التيمِيَّ عَنْ صلاة طَلْحَة فقال عبدُ الرحمن: إن شئت أخبرتُك عن صلاة عُثمانَ قال قُلْتُ لأَغْلِبَنَّ الليلةَ على المَقام (المقام بفتح الميم مقام إبراهيم وهو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت أي لأزاحمن عليه واستأثر بالصلاة فيه فإذا برجل يزاحمني متقنعاً أي لابسا القناع والأصل فيه للنساء وهو ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسن وجهها فنظر إليه فإذا هو عثمان فتأخر تاركا له المقام إحتراما وإجلالاً له فلما كانت هو أدى الفجر أي الساعات التي تسبق الفجر ويغلب عليها الهدوء والسكون لاستغراق الناس وقتها في النوم والحديث دليل على صحة الإتيان بركعة كما قلنا والفاء في قوله فأوتر بركعة زائدة) فقمتُ فإذا بِرَجُلٍ يُزاحمني مُتَقَنِّعاً فنظرت فإذا عُثمانُ رضي اللَّه عنه
قال فتأخرتُ عنه فصلى فإذا هو سَجَد سُجودَ القرآن حتى إذا قلتُ هذه هَوَادي الفَجْر فأوْتَرَ بركعة لم يُصَلّ غيْرَها.
547- (أخبرنا) : عبدُ الْمَجيد، عن ابن جُرَيْج أخبرني: عُتْبَةُ بن محمد ابن الحارث: -أن كُرَيباً مولى ابن عباس أخبره أنه رَأَى مُعاويةَ صلى العِشَاءَ ثم أوْتر برَكْعةٍ واحدة ولم يَزِدْ عليها فأَخْبَرْتُ ابن عباس فقال: أصابَ أي بُنَيَّ إنه لم يَكن أحدٌ منا أعْلَمَ من مُعاويةَ هي واحدة أو خمسٌ أو سبعٌ إلى أَكْثَرَ من ذلك الوِتْرُ ما شاء (قوله الوتر ما شاء أي صلاته واحد أي ركعة واحدة أو خمس أو سبع إلى أكثر من ذلك أي إلى إحدى عشرة أو ثلاث عشرة على الأكثر كما جاء في الأحاديث وجمهور العلماء ومنهم الشافعية والحنابلة على أن أكثره إحدى عشرة ركعة وأقله ركعة كما سبق ومن صلى أكثر من ركعة فالأفضل أن يسلم عقب كل ركعتين ولو وصل الجميع وتشهد لها تشهدا واحداً وسلم صح وإن كان خلاف الأفضل وقال المالكية: الوتر ركعة واحدة ووصلها بالشفع مكروه عندهم وقال الحنفية: الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة على هيئة صلاة المغرب وكان علي وعمر وابن مسعود يوترون بثلاث متصلة وروى أبو داود والنسائي: الوتر حق على كل مسلم فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل وفي رواية: فمن شاء أوتر بسبع ومن شاء أوتر بخمس ومن شاء أوتر بثلاث ومن شاء أوتر بواحدة وهذه الروايات في تأييد وتوضيح للحديث التالي) .
548- (أخبرنا) : عبد الْمَجيد، عن ابن جُرَيْج، عن هِشام بن عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشة: -أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يُوتِرُ بخمس رَكعَات لا يجْلِسُ ولا يُسَلِّم إلا في الأخيرة مِنْهن.
549- (أخبرنا) : سُفْيانُ أخبرنا: أبو يَعقوبَ عن مسروقٍ عن عائشةَ قالت: -من كُلِّ اللَّيْل أوْتَرَ رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فانتهى وتره إلى السحر (السحر بفتحتين: قبيل الصبح وبضمتين لغة والمعنى: أن رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أوتر في جميع أوقات الليل من العشاء إلى الفجر فصلى مرة عقب العشاء وأخرى بعد ذلك وثالثة في وسط الليل وبعد ذلك إلى قبيل الصبح يعني: أنه لم يكن يلتزم وقتاً معينا يؤديه فيه فأي وقت أدى فيه قبل وأجزأ مصليه فوقته موسع إلا أنه ينبغي لمن لا يثق بالاستيقاظ أن يبكر به قبل النوم ولمن يثق بالإنتباه أن يؤخره إلى آخر الليل فقد روى مسلم عن جابر قال: قال رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم «من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة» اهـ أي تشهدها ملائكة الرحمة وهو واضح للدلالة على أن تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن يثق باليقظة وأمامن لا يثق بها فالأفضل له تقديمها مخافة أن يغلبه النوم والأحاديث المطلقة محمولة على هذا التفصيل الصحيح الصريح) .
550- (أخبرنا) : ابن عُلَيَّة، عن أبي هَارونَ الغَنَويِّ، عن حِطّانَ بن بعد اللَّه قال:
- قال عليٌ رضي اللَّه عنه: الوِتْرُ ثلاثةُ أنواعٍ فمن شاء أن يُوتِرَ أوَّل اللَّيْل أوترَ ثم استيقظ فإن شاء أن يَشْفَعها بركعة وَيُصَلّي ركعتين ركعتين حتى يُصْبِحَ ثم يوتر فَعَل وإن شاء صلى ركعتين ركعتين حتى يُصْبِحَ وإن شاء أوتر آخِرَ الليل.
551- (أخبرنا) : مالكٌ، عن نافع قال: -كنتُ مع ابن عُمَرَ بمكَّةَ والسماءُ مُتَغَيِّمةٌ فَخَشِي ابن عُمَر الصُّبْحَ فأَوْتر بواحدةٍ ثم تَكَشَّف الغَيْمُ فرأى
عَلَيْه لَيلا فَشَفَع بواحدة (وذلك لأنه أراد أن يعمل بالحديث المتقدم: صلاة الليل مثنى مثنى وقد كان بالسماء غيم وخاف أن يدركه الصبح فأوتر بواحدة ثم انكشف الغيم وتبين له أن هناك بقية من الليل فالحق بركعته ركعة أخرى لزوال المحذور وهو طلوع الفجر وقد كان متنفلا والأولى في التنفل: أن يؤدي ركعتين ركعتين كما سلف) .
552- (أخبرنا) : مالك، عن نافع: -أن ابن عمر كان يُسَلّشم بين الرَّكْعة والركعتين من الوِتْر حتى يَأْمُرَ ببعض حاجته (قوله بين الركعة والركعتين يخيل إلى أن الأصل الصحيح بين الركعتين والركعة والمعنى على هذا أن ابن عمر كان إذا دعاه الأمر سلم على رأس الركعتين ثم أوتر بثالثة وهذا جائز عند الشافعية ويكون الحديث دليلا لهم وحجة على الحنفية الذين يوجبون أن يؤدى ركعات الوتر الثلاثة مجتمعة وإن كان الأصل كما هنا فيقال: أنه قدم الركعة لأنها عماد الوتر والمراد بين الركعتين والركعة كما قلنا) .
الباب الحادي والعشرون في قضاء الفوائت
553- (أخبرنا) : ابن أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذِئْب، عن المَقْبَرِي، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ أبي سَعيد الْخُدري، عن أبي سَعيد قالَ: -حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عن الصلاة حتى كان بَعْدَ المغربِ بِهَوِيّ (الهوى بفتح فكسر: الحين الطويل من الزمان وقيل أنه مختص بالليل ولذا قال بعضهم: هو الساعة الممتدة من الليل وقوله حبسنا عنالصلاة أي منعنا منها لإشتغالنا بحرب الأعداء ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد) من الليل حتى كُفينَا وذلكَ قولُ اللَّه عزوجل: (وكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتال وكان اللَّهُ قوياً عزيزاً) فَدَعَا رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بِلاَلاً فأمَرَهُ فأقامَ الظُّهْر فصلاها فأحْسَنَ صَلاَتَهَا كما كان
يُصَلّيها في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغْرِبَ فَصَلاَّها كذلك ثم أقام العِشاء فَصَلاَّها أيضاً قال: وذلك قَبْلَ أن يَنْزِلَ في صلاة الخَوْفِ فَرِجَالاً أو رُكْباناً (يؤخذ من هذا الحديث أمور: الأول وجوب قضاء الفائتة ويجب أن تقضى على الفور إذا تركها بغير عذروهذا هو الأصح ويقل لا يجب على الفور وأما إن تركها بعذر فيستحب قضاؤها فوراً ويجوز التأخير على الصحيح وشذ بعض الظاهرية فقال بعدم قضاء الفائتة إذا تركت بغير عذر لأن هذا الذنب أكبر من أن يتدارك بقضاء ما فات والثاني: أن الفوائت تقضى مرتبة فإنه صلى اللَّه عليه وسلم قضى الظهر فالعصر فالمغرب فالعشاء وهذا مستحب عند الشافعي حتى لو صلاها غير مرتبة صح وكان تاركا للأفضل والثالث أن كل فائتة يسبقها الإقامة دون الأذان بقوله أمر بلال فأقام الظهر ثم أقام العصر إلخ وليس في الحديث ذكر للأذان وفي هذه المسألة خلاف عند الشافعية والأصح عندهم أن يؤذن للفائتة كما ثبت في حديث أبي قتادة من أذان بلال في الفائتة من حديث مسلم ومذهب الحنفية ترك الأذان في الفائتة لأنه للإعلام بوقت الصلاة ليحضر الناس لأدائها وقد فات وقتها وهو رأي للشافعية والرابع: أن الفوائت تؤدي بجماعة مثل الحواضر سواء بسواء وأن ذلك مستحب وهو مذهب الشافعية وقوله وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف فرجالا أو ركبانا لدفع ما قد يرد على البال في هذا المقام فيقال كيف ترك الرسول صلى اللَّه عليه وسلم الصلاة في ذلك اليوم وقد شرع اللَّه صلاة الخوف التي يمكن للمحاربين أداؤها من غير تعرضهم لفتك أعدائهم فأجاب بأن صلاة الخوف لم تكن قد شرعت إذ ذاك فأما بعد نزول القرآن فيها فلم يعد النبي ولا أصحابه يؤخرون الصلوات عن أوقاتها) .
554- (أخبرنا) سُفيانُ، عن عَمْرٍو يعني ابن دينار، عن نافعٍ بن جُبير، عن رجل من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: -كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم في سَفَرٍ
(السفر الذي عناه أنه صلى اللَّه عليه وسلم كان راجعاً من غزوة خيبر فسار ليلة حتى أدركه الكرى فعرس كما في مسلم برواية أبي هريرة) فَعَرَّسَ (قوله فعرس بالتشديد التعريس: نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة وقوله يكلؤنا أي يحرسنا ويحفظنا كلأه يكلؤه من باب نفع كلاءة وكلاء بالكسر فيهما وكلئا بالفتح: حفظه وحرسه) فقالَ: ألاَ رجلٌ صالحٌ يكلؤنا اللَّيْلَةَ فلا يَرْقُدُ عن الصلاة فقال بلالٌ: أنا يا رسولَ اللَّه قال: فاسْتَنَدَ بلالٌ إلى رَاحِلَتِهِ (الراحلة هي البعير القوي على الأسفار والأحمال الذكر والأنثى فيه سواء وهاؤه للمبالغة واستند إلى الشئ اعتمدعليه بظهر هو المعنى أن بلالا ركن ظهره إلى جمله قيل الفجر فغلبه النوم «فلم يفزعوا إلا بحر الشمس» أي فلم يهبوا وينتبهوا من نومهم إلا بحر الشمس أي بعد أن أحسوا بحرارتها على وجوههم يقال فزع بالكسر من نومه أي هب وانتبه وكأنه من الفزع بمعنى الخوف لأن الذي ينبه لا يخلوا من فزع ما وهنا يقال كيف غلب النوم الرسول وهو الذي لا ينام قلبه وإن نامت عيناه والجواب أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كخروج الريح مثلا فقد عللوا عدم انتقاض وضوئه بالنوم بأن قلبه لا ينام أي يشعر بهذه الحسية أما طلوع الفجر فلا يدرك بالقلب بل بالعين وهي نائمة وإن كان القلب يقظان) واسْتَقْبَلَ الفجرَ فلم يَفْزَعُوا إلاَّ بِحَرِّ الشَّمْسِ في وُجُوههم فقال رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: يا بلالُ أين ما قلت؟ (أين ما قلت هذا الاستفهام في إحدى النسخ الخطية دون غيرها) فقال بلالٌ يا رسولَ اللَّه: أخَذَ بِنَفْسِي الذي بِنَفْسِك (فقال بلال أخذ بنفسي إلخ أي غلبني على نفسي ما غلبك وهو النوم يعتذر من عدم إيقاظهم كما وعد) قال: فتوضأ رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثمَّ صلى رَكْعتى الفَجْر ثم قالَ: اقتادوا شيئاً قالَ: ثمَّ صَلَّى الْفَجْرَ
(اقتادوا أي اقتادوا رواحلكم شيئا أي قليلا فهو نائب عن المفعول المطلق وفي مسلم قال اقتادوا فاقتادوا رواحلهم شيئا وهذا دليل على أن قضاء الفائتة بعذر لا يلزم أن يكون على الفور وإنما أمرهم باقتيادهم لما ذكره في مسلم من أن هذا منزل حضرهم فيه الشيطان وفي الحديث دليل على قضاء سنة الصبح فإنه صلاها أولا ثم انتقل قليلا ثم صلى الفجر وبهذا أخذ الحنفية فقالوا بقضاء سنة الفجر دون غيرها والصحيح عند الشافعية قضاء السنن الراتبة كلها لقوله صلى اللَّه عليه وسلم من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها والأحاديث أُخر كثيرة في الصحيح كقضائه سنة الظهر بعد العصر حين شغله عنها الوقد وغير ذلك) .
الباب الثاني والعشرون في صلاة المريض
555- (أخبرنا) : الثقةُ، عن يونِسَ، عن الحسن عن أُمِّه قالت: -رأيتُ أُمّ سَلَمَةَ زوج النبي صلى اللَّه عليه وسلم تَسْجُدُ على وِسَادَةِ أدَمٍ من رَمَدٍ بِهَا (الوسادة بالكسر المخدة والأدم: الجلد ومنه يؤخذ جواز السجود على الفراش الوثير لعذر قهري) .
الباب الثالث والعشرون في صلاة الجنائز وأحكامها
556- (أخبرنا) : مالكٌ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ جابرِ بنِ عَتيك: -أنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم جاء يَعُودُ عَبْدَ اللَّه بنَ ثابت فَوَجَدَهُ قد غُلِبَ (غلب بالبناء للمجهول أي غلبه المرض فصاح به أي ناداه باسمه فلم يجبه لعجزه عن الرد) فصاح به فلم يُجِبْهُ فاسْتَرْجَعَ (فاسترجع أي قال إنا للله وإنا إليه راجعون) رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وقال: "غُلِبْنَا عَليك يا أبا الربيع
(غلبنا عليك بالبناء للمجهول أي غلبنا عليك المرض فرفع النسوة أصواتهن بالبكاء يأسا وجزعا فقال رسول اللَّه دعهن فإذا وجب أي مات فلا تبكين باكية أي فلا ترفعن صوتها بالبكاء لأن هذا هو المحرم أما البكاء بغير رفع صوت فليس بمحظور لأنه صلى اللَّه عليه وسلم بكى على إبنه إبراهيم وعلى سعد بن عبادة وابن بنته وغيرهم كما في الصحاح فالبكاء جائز قبل الموت وبعده خلافا لمن أخذ بظاهر هذا الحديث فأجازه قبل الموت ومنعه بعده وهو ضعيف لأنه لما فاضت عيناه برؤية ابن إحدى بناته في لحظاته الأخيرة وقال له سعد ابن عبادة ما هذا يا رسول اللَّه قال هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب عباده وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء فأعلمه أن مجرد البكاء ودفع العين لا شئ فيهما من حرمة أو كراهة بل هما رحمة وفضيلة وإنما حرم الندب واللطم والبكاء المقرون بهما ويؤيد هذا قوله صلى اللَّه عليه وسلم: إن اللَّه يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه) فصاحَ النسوةُ وَبَكَيْنَ فَجعلَ ابْنُ عَتيكٍ يُسَكِّتُهُنَّ فقال رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: دَعْهُنّض فإذا وَجَب فَلاَ تَبْكِيَنَّ باكِيَةٌ قال: ما الوجُوبُ يارسول اللَّ؟ قال: إذَا مَاتَ.
557- (أخبرنا) : إبراهيمُ بنُ سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، عن ابن شِهَاب: -أنَّ قَبِيصَةَ بن ذُؤيبِ كان يُحَدِّثُ أَنِّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أغْمض أبا سَلَمَةَ (المراد أغمض عينيه لأن عيني المتوفي يكونان بعد مفارقة روحه جسمه شاخصتين أي مفتوحتين مرتفعتي الجفنين بشكل رهيب فعلمنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن نغمضهما إخفاء لهذا المنظر البغيض وفهم من الحديث أن العمل بهذا من السنة) .
558- (أخبرنا) : عَبْدُ المَجيد بنُ عبد العزيز، عن ابن جُرَيْجْ أخبرني ابن أبي مُلَيْكَةَ قال:
- تُوفيتْ ابنةٌ لعثمانَ بنِ عفان بمكةَ فجِئنا نَشْهَدُها وحَضَرَها ابنُ عَباسٍ وابنُ عُمَر فقال: إني لجالس بَيْنَهما جَلَستُ إلى أحدِهِما ثم جاء الآخر فجلس إليّ فقال ابن عُمَر لعَمْرو بن عُثْمان: ألا تَنْتَهي عن البُكَاء فإن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: إن المَيّتَ لَيُعَذَّبُ ببكاء أَهْلِه عَلَيه فقال ابنُ عباسٍ: قد كان عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذلك ثم حَدَّثَ ابن عَبَّاس قال: صَدَرْتُ مع عُمَرَ بنِ الخطّاب من مكّةَ حتى إذا كُنّا بالبَيْداءِ إذا بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ شجرة قال فاذْهَبْ فانْظُر مَنْ هؤلاءِ الركبُ؟ فذهبتُ فإذا صُهَيبٌ قال ادْعُه فَرَجَعْتُ إلى صُهَيب فقلتُ ارْتَحِلْ فالْحَقْ بأميرِ المؤنين فلما أُصيب
عُمَرُ سَمِعْتُ صُهَيْباً: يَبكي ويقول وا أخيَاه واصاحباه فقال عُمَرُ يا صُهَيبُ: أتبكي عَلَيَّ وَقَدْ قال رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إن المَيّتَ لَيُعَذَّبُ ببُكاء أَهْلِه عَلَيْه؟ قال فَلَمَّا مات عُمَرُ ذكرتُ ذلك لعائشةَ فقالت يَرْحَم اللَّهُ عُمَر لا واللَّه ما حَدَّثَ رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه (قوله: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه وفي رواية: ببكاء الحي وفي رواية ببعض بكاء أهله وفي رواية يعذب في قبره بما نيح عليه وهي كلها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ونسبتها السيدة عائشة للنسيان وأنكرت أن يكون النبي صلى اللَّه عليه وسلم قالها محتجة بقوله تعالى: «ولا تزر وازرة وزر أخرى» وقال الجمهور إنها مؤولة بمن أوصى أن يبكبي ويناح عليه بعد موته فهذا يعذب ببكاء أهله لأنه بمشيئته وطلبه فإن بكى أهله عليه وناحوا بغير أن يطلب منهم ذلك فلا ذنب له وإنما الذنب ذنبهم فلا يعذب لقوله تعالى: «ولا تزر وازرة وزر أخرى» قالوا وإنما أطلق الحديث لأنه كان من عادتهم في الجاهلية: أن يوصوا بالبكاء فجاء الحديث مطلقا على المتعارف لديهم ألا ترى في قول طرفة: إذا مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي على الجيب يا إبنة معبد وقول الآخر: نى ابنتاي أن يعيش أبوهما * وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر؟؟ فقوما فقولا بالذي تعلمانه * ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعراً إلى الحول ثم اسم ارم عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وقالت طائفة: هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوصي بتركهما فمن لم ينه عن البكاء مفرط في الواجب فيؤخذ بتفريطه وأما من نهى عن ذلك فقد خرج من التبعة ولا ذنب له فيما فعل غيره ومعنى هذا القول: أنه يجب على الإنسان أن يوصي أهله بترك النياحة عليه وقالت جماعة: معناه أن الميت يعذب بما يعدده النائحات ويذكرنه للميت من مفاخرهم التي نهى عنها الإسلام كالسب والقتل والتخريب ونحو ذلك مما كانوا يعدونه شجاعة ومن خير ما قيل في تأويله: أن المراد بالميت من أشرف على الموت فإنه في ساعاته الأخيرة يتألم أشد الألم من رؤية أهله باكين عليه فهذا معنى تعذيبه وسمي ميتا وإن كان لا يزال حيا باعتبار ما يؤول إليه حاله وقالت عائشة: إنه في الكافر والمراد أنه يعذب بذنبه في وقت بكاء أهله عليه وعلى كل: فالمراد بالبكاء هنا: البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين كما قلنا سابقا) ولكن رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال إن اللَّه يَزِيدُ الكافِرَ
عَذَاباً ببُكاء أَهْله عَلَيْه فقالتْ عائشةُ حَسْبُكم القُرآنُ (لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) وقال ابن عَبَّاسٍ عند ذلك: (واللَّهُ أَضْحَكَ وأَبْكَى) وقال ابن أبي مُلَيْكَةَ فَواللَّه ما قال ابن عُمَرَ من شئ (يؤخذ من حلفها هذا أنه يجوز للانسان أن يحلف على ما لم يقطع به اكتفاء بغلبة الظن بالقرائن وهذا مذهب الشافعية ولا يقال: إنها حلفت على علم لسماعها ذلك من الرسولُ صلى اللَّه عليه وسلم في آخر حياته لأنه لو سمعته لقالت: سمعته من رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في آخر حياته مع أنها لم تحتج إلا بالآية: «ولا تزر وازرة وزر أخرى» .
559- (أخبرنا) : مالكُ بْنُ أَنَس، عن عَبْد اللَّه بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرَة أنها سَمِعَتْ عائشةَ وذُكِر لها أَنَّ عَبْد اللَّه بنَ عُمَر يقول: -إنَّ الميِّتَ ليعَذَبُ ببكَاء الحيِّ فقالت عائشةُرضي اللَّه عنها: أمَا إنَّه لم يَكْذِبْ ولكنَّهُ أخطَاء أو نَسِي إنما مَرّ رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على يَهوُدِيَّةٍ وهي يَبْكي عليها أهْلُها فقال: «إنَّهُم ليبْكُونَ عَلَيْها وإنَّها لتُعَذَّبُ في قَبْرِهَا (أي أن الميت المحكى في حقه التعذيب غير المسلم وهي امرأة يهودية فهي تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها عليها وفي قولها أنه لم يكذب ولكنه أخطأ أدب رائع ينبغي لنا أن نأنس يه فلا نفاجئ إخواننا بتكذيب رواياتهم وأحاديثهم بغلظة وخشونة بل بتأدب وتلطف فلا يشق على نفوسهم ولا يغير قلوبهم ويحملهم على التعصب والتحمس لما يقولون وإن كانوا غير محقين) » .
560- (أخبرنا) : مالكٌ، عن أيُّوبَ السِّخْتيانيّ، عن ابن سِيرِينَ، عن أمّ عَطِيةَ: -أن رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال لَهُن في غَسْل ابْنَته: "اغسِلْنها ثَلاثاً أوْ خَمساً أو أكْثَر من ذلك إنْ رَأيتُنَّ ذلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ واجْعَلْنَ في الأخيرَةَ كَافُوراً أوْ شَيئاً مِنْ كَافُور (قال لهن في غسل ابنته المراد بها زينب وغسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه كلها فروض كفاية إن قم بها البعض سقطت عن الباقين وإلا أتموا جميعا وكون الغسل ثلاثا أو خمسا أو أكثر مندوب إليه لأنه زيادة عن الفرض ويندب أن يكون الغسل وترا كما يؤخذ من الحديث لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "إن اللَّه وتر يحب الوتر) أي فرد في ذاته وصفاته وأفعاله فيحب ما كان على شاكلته في الأفراد والسدر بكسر فسكون: شجر النبق والمراد ورقه المطحون وليس مستعينا لهذا بل المراد كل ما عرف بإزالة الوسخ كالصابون في عصرنا قالوا: وندب إلى استعمال الكافور في الغسلة الأخيرة لأنه يمنع الهوام ويصلب الجسم) ".
561- (أخبرنا) : الثِّقةُ من أصحابناعن هِشَامِ بنِ حَسَّانَ، عن حَفْصَةَ بنتِ سِيرِينَ، عن أم عَطِيَّةَ الأنصارية قالت: -ضَفَّرْنَا شَعْرَ بنتِ رسولِ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم نَاصِيتهَا وقَرْنَيْهَا ثَلاثَ قُرون فألْقَيْنَاها خَلْفَها (النصية في الأصل منبت الشعر في مقدم الرأس والمراد بها هنا الشعر النابت في مقدم الرأس والقرن بفتح فسكون: الخصلة من الشعر وفي رواية فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وفي اللسان (قرن) ومشطناها ثلاثة قرون فبعض الروايات ذكر القرن فقال: ثلاثة وبعضها انث فقال ثلاث قرون والتذكير على اعتبار الجزء من الشعر والتأنيث على اعتبار الخصلة واللَّه أعلم وبهذا علمنا ما يصنع بشعر النساء في الغسل) .
562- (أخبرنا) : بعضُ أصحابنا عن ابن جُريْج عن أبي جعفرٍ: -أن رسولَ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم غُسِل ثَلاثاً
(قد مر أن الغسل واجب وتكراره وترامندوب إليه) .